← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13266–13305 · переход к 13271.

стр. 13266

وقال وليّ الدين ﵀: قد تبيّن في رواية أخرى في "الصحيح" سبب اعتمار عائشة ﵂ من التنعيم، وهو أنها قالت للنبيّ ﷺ : يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، وهو مشكلٌ إذ قد حصلت لها العمرة التي أدخلت عليها الحج، فإنها لم تبطلها كما تقدم. وأجيب عنه بأن معناه: يرجع الناس بحج مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حج، وأرجع وليست لي عمرة منفردة، حَرَصَت بذلك على تكثير الأفعال، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهنّ من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصلت لهم حجة منفردة، وعمرة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، وتقدم أنه ﷺ قال لها يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"؛ أي: وقد تَمّا وحُسِبا لك، فابت، وأرادت عمرة منفردة كما حصل لبقية الناس، وهذا معنى قولها: امكان عمرتي التي سكتُّ عنها" أي: التي سكت عن أعمالها، فلم أتمها منفردة، بل مضمومة للحج، وهو معنى قوله ﷺ في رواية أخرى: "هذه مكان عمرتك". انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ ("هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ") قال الزركشيّ ﵀: المشهور رفع "مكانُ " على الخبر؛ أي: عِوَضُ عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف، وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها. انتهى (٢). وقال السهيليّ: الوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى، لكن إن جُعلت "مكان" بمعنى عِوَض، أو بدل مجازًا؛ أي: هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذ. انتهى (٣).

стр. 13267

قال القرطبيّ ﵀: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالةَ تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة؛ لِما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولم أحلل منها. انتهى (١). (فَطَافَ) أي: طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة عن الحجِّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ "طاف" (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) أي: سعوا بينهما، قال القاري ﵀: الطواف يراد به الدور الذي يَشْمَل السعي، فصحّ العطف، ولم يُحتج إلى تقدير عامل، وجَعْلِه نظير: "علفتها تبنًا وماء باردًا" (ثُمَّ حَلُّوا) أي: خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًاآخَرَ) أي: للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أي: إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولًا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه ﷺ في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور، والله تعالى أعلم الِحَجَّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى. (وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي: ابتداء، أو إدخالًا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف

стр. 13268

واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفية: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك - إن ضاء الله تعالى -. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم، والثاني: طواف الإفاضة، والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في "حاشيته على البخاريّ": حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمرر ﵄، ففي "صحيح مسلم" عنه: "وبدأ رسول الله ﷺ ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ"، إلى أن قال: "وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة"، إلى أن قال: "ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى، وساق الهدي من الناس". ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا"؛ أي: ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أوّلًا كان طواف القدوم الذي هو من السنن، لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أؤلًا فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم تُرِد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلًا حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ ﷺ كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبتٌ أنه طاف أوّلًا حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الإفاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبتٌ أن أحدًا ترك الطواف

стр. 13269

عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرة فرضًا، والله أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله السنديّ ﵀ في معنى حديث عائشة ﵂ عنها المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩١٠ و ٢٩١١ و ٢٩١٢ و ٢٩١٣ و ٢٩١٤ و ٢٩١٥ و ٢٩١٦ و ٢٩١٧ و ٢٩١٨ و ٢٩١٩ و ٢٩٢٠ و ٢٩٢١ و ٢٩٢٢ و ٢٩٢٣ و ٢٩٢٤ و ٢٩٢٥ و ٢٩٢٦ و ٢٩٢٧ و ٢٩٢٨ و ٢٩٢٩ و ٢٩٣٠ و ٢٩٣١ و ٢٩٣٢ و ٢٩٣٣ و ٢٩٣٤ و ٢٩٣٥] (١٢١١)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٢٩٤ و ٣٠٥ و ٣١٦ و ٣١٧ و ٣١٩)، و"الحجّ" (١٥١٨ و ١٥٥٦ و ١٥٠٦ و ١٥٦١ و ١٦٣٨ و ١٦٥٠ و ١٧٠٩ و ١٠٧٢ و ١٧٨٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٥٠ و ١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨١ و ١٧٨٢)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٦٥ و ٢٤٦)، و (ابن ماجه) في "المناسك " (٢٩٦٣ و ٢٩٨١ و ٣٠٠٠ و ٣٠٧٥)، و"الأضاحي" (٣١٣٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (٧٤٦ و ٨٩٦ و ٩٤٠ و ٩٤١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٤٠ و ٦/ ٣٥ و ٣٧ و ١١٩ و ١٦٣ و ١٧٧ و ٢٤٣ و ٢٤٥)، و (الدارمي) في "سننه" (١٨٤٦ و ١٩٠٤)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٣٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٠٥ و ٢٧٤٤ و ٢٧٨٤ و ٢٧٨٨ و ٢٧٨٩ و ٢٩٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩٢ و ٣٧٩٥ و ٣٨٣٤

стр. 13270

و ٣٨٣٥ و ٣٩١٢ و ٣٩١٧ و ٣٩١٨ و ٣٩٢٧ و ٣٩٢٨ و ٣٩٢٩ و ٣٩٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٢ و ٣٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٥٥)، و"المعرفة" (٤/ ٩٥ و ١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (فمنها): بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحج أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. ٢ - (ومنها): مشروعية حج الرجل مع زوجته. ٣ - (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. ٤ - (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز الخلوةَ بالمحارم، والركوب معهم، وسيأتي في رواية أخرى: أنه أردفها وراءه. ٦ - (ومنها): أنه ﷺ إنما أمره بإخراجها في العمرة إلى التنعيم؛ لأنه أدنى الحل، ومن كان، بمكة وأراد الإحرام بعمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا يجوز أن يحرم بها في الحرم، والمعنى في ذلك الجمع في نسك العمرة بين الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي من الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، فلو خالف وأحرم بها في الحرم، ثم خرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان للشافعي: أحدهما: لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى ويحلق. والثاني: تصحّ، وعليه دم؛ لتركه الميقات، وهذا الثاني هو الأصح عند أصحابنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحل، وقال عطاء بن أبي رباح: لا شيء عليه، ذكره وليّ الدين ﵀ (١).

стр. 13271

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله مالك ﵀ أرجح؛ لتوقيت النبيّ ﷺ ميقات المكيّ بالحلّ، فلا يُجزئ غيره، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن أفضل جهات الحل للإحرام بالعمرة منها: التنعيم، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، والأصح عندهم أن الأفضل الإحرام بها من الجعرانة؛ لكونه ﷺ فعله، ثم من التنعيم؛ لكونه أمر به، ثم من الحديبية؛ لكونه هَمّ به، وقالوا: إنما أمر عبد الرحمن بالتنعيم؛ لتيسّره فإنه أقرب الجهات كما تقدم. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشيرازيّ ﵀ أقرب، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: زاد بعضهم على هذا، فقال: إنه يتعين التنعيم للإحرام بالعمرة منه، وحكاه القاضي عياض عن مالك، وإنه ميقات المعتمرين من مكة، قال النوويّ: وهذا شاذ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحلّ سواء، ولا يختص بالتنعيم، والله تعالى أعلم (١). ٨ - (ومنها): جواز تكرار العمرة؛ لأن عائشة ﵂ اعتمرت في شهر واحد عمرتين بأمر النبيّ ﷺ ، وقال ابن القيِّم ﵀: إنه لم ينقل أنه ﷺ اعتَمَر مدّة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة، إلا داخلًا إلى مكة، ولم يعتمر قطّ خارجًا من مكة إلى الحلّ، ثم يدخل مكة بعمرة، كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته، إلا عائشة وحدها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم ﵀، فيه نظر لا يخفى، فإن عائشة ﵂ اعتمرت مرّتين في شهر بأمره ﷺ ، فدلّ على مشروعيته، فهل يُطلب دليلٌ أكثر من هذا؟ وأما الاستدلال بترك النبيّ ﷺ

стр. 13272

ذلك، فليس بشيء؛ لأنه ﷺ يترك الشيء خشية المشقّة على أمته أَبُو فعله، كما ندم على دخوله الكعبة لذلك، وأيضًا أنه لم يُنقل عنه أنه تردّد للطواف بالبيت بعد طوافه الأول للقدوم، ثم للإفاضة، ثم للوداع، فلم يثبت أنه كان يكثر الطوف غير هذا، فهل يكون هذا دليلًا على عدم تكرار الطواف بالبيت كلّ وقت؟ هذا مما لا يقوله أحد. والحاصل أن الاعتمار بعد الحج مشروع للحجاج، كما فعلته عائشة ﷺ ، فإنها اعتمرت في شهر مرّتين، وكانت إذا جاءت للحج بعده ﷺ فعلت مثل ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. قال في "الفتح": واختَلَف السلف في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة، فكرهه مالك، وخالفه مُطَرّف، وطائفة من أتباعه، وهو قول الجمهور، واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف، إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعيّ البائت بمنى لرمي أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقًا، كقول الجمهور. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت آنفًا أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أن المتمتّع لا بد له من طوافين، وسعيين. ١٠ - (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا. قال وليّ الدين ﵀: قولها: "وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا"، فيه دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن، وأنه يقتصر على أفعال الحجّ، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحجّ، وبهذا قال الشافعيّ ﵀، وهو محكيّ عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن البصريّ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والزهريّ، وأبي جعفر، وعطاء، وطاوس، وكان يحلف بالله أنه لم

стр. 13273

يطف أحد من الصحابة للحج والعمرة إلا طوافًا واحدًا، رواها ابن أبي شيبة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وداود، وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان وسعيان، وهو محكيّ عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والحسن بن عليّ، والشعبيّ، والأسود، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعيّ، وأبي جعفر، وحماد بن أبي سليمان، رواه عنهم ابن أبي شيبة. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ١١ - (ومنها): أن الحجّ ليس خاصًّا بالرجال، بل يعمّ النساء أيضًا. ١٢ - (ومنها): أَمْرُ من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ بعمل العمرة، وعليه المحقّقون من أهل الحديث والفقه كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. ١٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: (اعلم) أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع، والقران، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان ﵄، فسنوضح معناه في موضعه بعد هذا - إن شاء الله تعالى -. والإفراد أن يُحْرِم بالحج في أشهره، ويَفرُغ منه، ثم يعتمر، والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحج من عامه، والقران أن يحرم بهما جميعًا، وكذا أَبُو أحرم بالعمرة، وأحرم بالحج قبل طوافها صحّ، وصار قارنًا، فلو أحرم بالحجّ ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعيّ: أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصحّ، ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحجّ، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو غيره. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أيّ الأنساك الثلاثة أفضل:

стр. 13274

قال الحافظ وليّ الدين ﵀: اختلف العلماء في أفضل وجوه الإحرام بحسب اختلافهم فيما فعله النبيّ ﷺ عام حجة الوداع على أقوال: (أحدها): أن الأفضل الإفراد، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي ثور، وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عنهم، وعن عمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، والأوزاعيّ، وداود، قال المالكيّة، والشافعيّة: ثم الأفضل بعد الإفراد التمتّع، ثم القران. (الثاني): أن التمتّع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل، قال ابن قُدامة في "المغني": وممن رُوي عنه اختيار التمتع ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعيّ، وحكاه الترمذيّ عنه، وعن أحمد، وإسحاق، وأهل الحديث، قال الحنابلة: ثم الأفضل بعد التمتع الإفراد، ثم القران. (الثالث): أن القران أفضل، وهذا قول أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وإسحاق بن راهويه، ثم قال: لا شكّ أنه ﷺ كان قارنًا. انتهى. وهو قول للشافعيّ، وقال به من أصحاب الشافعيّ: المزنيّ، وأبو إسحاق المروزيّ، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، كما سيأتي، والمشهور عند الحنفيّة أن الأفضل بعد القران التمتّع، ثم الإفراد، وعن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من التمتّع. (الرابع): أنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسقه فالتمتّع أفضل، حكاه المروزيّ عن أحمد بن حنبل. (الخامس): أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة، لا فضيلة لبعضها على بعض، حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء.

стр. 13275

(السادس): أن التمتّع والقران سواء، وهما أفضل من الإفراد، حكي عن أبي يوسف، ثم ذكر وليّ الدين أدلة ترجيح الشافعي الإفراد على غيره، وطوّل في ذلك. وقال الحافظ - بعد أن ذكر أدلّة كونه ﷺ قارنًا -: ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتّع، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، واختاره من الشافعية: المزنيّ، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزيّ، ومن المتأخّرين: تقيّ الدين السبكيّ، وبحث مع النوويّ في اختياره أنه ﷺ كان قارنًا، وأن الإفراد مع ذلك أفضل، مستندًا إلى أنه ﷺ اختار الإفراد أوّلًا، ثم أدخل عليه العمرة؛ لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحجّ؛ لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور، وملخّص ما يُتعقّب به كلامه أن البيان قد سبق منه ﷺ في عُمَره الثلاث، فانه أحرم بكل منها في ذي القعدة: عمرة الحديبية التي صُدّ عن البيت فيها، وعمرة القضيّة التي بعدها، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره عمرة حجته بيان الجواز فقط، مع أن الأفضل خلافه لاكتفَى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة. وذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل؛ لكونه ﷺ تمنّاه، فقال: "لولا أني سُقت الهدي لأحللت"، ولا يتمنّى إلا الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه. وأجيب بأنه إنما تمنّاه تطييبًا لقلوب أصحابه؛ لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمرّ عليه. وقال ابن قدامة: يترجّح التمتع بأن الذي يُفرِد إن اعتمر بعدها، فهي مختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، بخلاف عمرة التمتّع فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجّح التمتّع على الإفراد، ويليه القران. وقال من رجّح القران: هو أشقّ من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف،

стр. 13276

فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاث في الفضل سواء، وهو مقتضى تصرّف ابن خزيمة في "صحيحه". وعن أبي يوسف: القران، والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد. وعن أحمد: من ساق الهدي فالقران أفضل له؛ ليوافق فعل النبيّ ﷺ ، ومن لم يسق الهدي فالتمتّع أفضل له؛ ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه. زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفرًا فالإفراد أفضل له. قال: وهذا أعدل المذاهب، وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن قال: الإفراد أفضل فعلى هذا؛ لأن أعمال سَفَرَيْن للنسكين أكثر مشقّة، فيكون أعظم أجرًا، ولتُجزئ عنه عمرته من غير نقص، ولا اختلاف. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عنديّ بعد النظر في هذه الأقوال، وأدلتها أن القران أفضل لمن ساق الهدي موافقة لفعل النبيّ ﷺ ، والتمتع أفضل لمن لم يسق الهدي عملًا بأمر النبيّ ﷺ أصحابه الكرام ﵁. وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، فإنه قال: وأما إذا أراد أن يجمع بين النسكين بسفرة واحدة، ويسوق الهدي، فالقران أفضل، اقتداء برسول الله ﷺ ، حيث قرن، وساق الهدي. وقال في تفضيل التمتع لمن لم يسق الهدي: فإن أصحاب رسول الله ﷺ الذين حجوا معه، ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا، أمرهم إذا طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أن يحقوا من إحرامهم، ويجعلوها متعة، قال: ومعلوم أنهم أفضل الأمة بعده، ولا حجة تكون أفضل من حجة أفضل

стр. 13277

الأمة، مع أفضل الخلق بأمره، فكيف يكون حج من حج مفردًا، واعتمر عقب ذلك، أو قارنًا، ولم يسق الهدي أفضل من حج هؤلاء معه بأمره؟ قال: ويقال في الجواب عن الحديث: "لو استقبلت … ": إنه لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول، بل لأن أصحابه شقّ عليهم أن يحلّوا من إحرامهم مع بقائه محرمًا، فكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به عن انشراح، أو موافقة، قال: وقد ينتقل من الأفضل للمفضول لما فيه من الموافقة، وائتلاف القلوب. قال: وعلى هذا التقدير يكون الله قد جمع له بين أن فعل الأفضل، وبين أن أعطاه بما يراه من الموافقة لهم ما في ذلك من الفضل، فاجتمع له الأجران، وهذا هو اللائق بحاله ﷺ . انتهى المقصود من كلام ابن تيمية ﵀ بتصرّف (١)، وهو كلام نفيس جدًّا. والحاصل أن من ساق الهدي فالقران له أفضل، ومن لم يسق الهدي فالتمتّع له أفضل، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في - صفة حجة النبيّ ﷺ : (اعلم): أنه اختلفت روايات الصحابة ﵃ في حجه ﷺ حجة الوداع، هل كان مفردًا، أو قارنًا، أو متمتّعًا؛ ورُوي كلّ منها في "الصحيحين"، وغيرهما، واختلف الناس في ذلك، وفي إحرامه على أقوال: (أحدها): أنه حجّ مفردًا، لم يعتمر معه (٢)، حُكي هذا عن الإمام الشافعيّ وغيره، قال القسطلّاني في "المواهب": والذي ذهب إليه الشافعيّ في جماعة أنه ﷺ مفردًا، وحكاه الزرقانيّ في "شرح المواهب" عن الإمام مالك، وحكي عن الشافعيّ وغيره أن نسبة القران والتمتّع إليه ﷺ على سبيل الاتساع؛ لكونه أمر بهما. انتهى.

стр. 13278

وبه جزم الخطابيّ، حيث قال: اختلفت الروايات فيما كان النبيّ ﷺ به محرمًا. والجواب عن ذلك أن كلّ راو أضاف إليه ما أمر به اتساعًا، ثم رجّح أنه كان أفرد الحجّ. قال الحافظ في "الفتح": هذا هو المشهور عند الشافعيّة، والمالكيّة، وقد بسط الشافعيّ القول فيه في اختلاف الحديث وغيره. انتهى. (القول الثاني): أنه لبّى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها حتى فرغ منها، ثم أحرم بعد ذلك بالحجّ، فكان متمتّعًا، وكان حجه حجّ تمتّع، قاله القاضي أبو يعلى وغيره (١). (القول الثالث): أنه حجّ متمتّعًا تمتعًا لم يحلّ فيه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارنًا، حكاه ابن القيّم عن صاحب "المغني" وغيره. (القول الرابع): أنه لبّى بالحجّ وحده، وحج مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم، قال الإمام ابن تيميّة: وهذا غلط، لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث. انتهى. وقال الإمام ابن القيّم: الذين قالوا: إنه حجّ مفردًا، واعتمر عقبه من التنعيم، لا يُعلم لهم عذر البتّة، إلا أنهم سمعوا أنه ﷺ أفرد الحجّ، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك. (القول الخامس): أنه لبّى بالحجّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة (٢)، وصار قارنًا، فكان مفردًا ابتداءً، وقارنًا انتهاءً، وبه جزم عامة محققي الشافعيّة، وبعض المالكيّة. قال النوويّ في "شرح المهذّب": والصواب الذي نعتقده أنه ﷺ أحرم بالحجّ أوّلًا مفردًا (٣)، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، وإدخال العمرة على

стр. 13279

الحجّ جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصحّ لا يجوز لنا، وجاز للنبيّ ﷺ تلك السنة للحاجة. انتهى. واختاره القاضي عياض، إذ قال: أما إحرامه ﷺ بنفسه، فأخذ بالأفضل، فأحرم مفردًا للحجّ، تضافرت به الروايات الصحيحة، وأما رواية من روى أنه كان متمتّعًا، فمعناه أمر به، وأما رواية من روى القران، فهو إخبار عن آخر أحواله، لا عن ابتداء إحرامه (١)؛ لأنه أدخل العمرة على الحجّ لَمّا جاء إلى الوادي، وقيل له: "قل: عمرة في حجة". انتهى. قال الحافظ: وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر، ومهّده المحبّ الطبريّ تمهيدًا بالغًا، يطول ذكره، ومحصّله: أن كلّ من روى عنه الإفراد حمل على ما أهلّ به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتّع أراد ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القران أراد ما استقرّ عليه أمره. (القول السادس): أنه لبّى بالعمرة وحدها، ثم لم يتحلّل منها إلى أن أدخل عليها الحجّ يوم التروية (٢)، فصار قارنًا، حكاه الحافظ عن الطحاويّ، وابن حبان. (القول السابع): أنه أحرم إحرامًا مطلقًا لم يُعيّن فيه نسكًا (٣)، ثم عيّنه بعدُ، رجحه الشافعيّ في "اختلاف الحديث"، كما قال الحافظ في "الفتح". وقال وليّ الدين العراقئ: قال القاضي: وقال بعض علمائنا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا منتظرًا ما يؤمر به، من إفراد، أو تمتع، أو قران، ثم أمر بالحجّ، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله: "صلّ في هذا الوادي، وقل: عمرة في حجة"، ثم قال القاضي في موضع آخر بعد ذلك: لا يصحّ قول من قال: أحرم النبيّ ﷺ مطلقًا مبهمًا؛ لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة تردّه، وهي مصرّحة بخلافه. انتهى.

стр. 13280

(القول الثامن): أنه لبّى بالحجّ والعمرة معًا (١)، وكان قارنًا من أول الأمر، وحقّق هذا القول ابن الهمام في "شرح الهداية"، وابن القيّم في "الهدي"، وأجابا عن كلّ ما خالفه، قال ابن القيّم: والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معًا من حيث أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعًا، كما دلّت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث. انتهى، وإليه مال ابن حزم في كتابه "حجة الوداع"، وتأوّل باقي الأحاديث إليه، كما حكاه النوويّ، والوليّ العراقيّ. وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في كتابه "حجة الوداع"، ما مختصره: لما اختلفت الرواية عن الصحابة، فقال بعضهم: أفرد رسول الله ﷺ الحجّ، وقال بعضهم: تمتع ﷺ ، وقال بعضهم قرن ﷺ بين حج وعمرة، كان هذا تنازعًا يجب رده إلى الله تعالى، وإلى نبيه ﷺ بنص القرآن، فلما فعلنا ذلك وجدناه ﷺ قد حكم بينهم، ونص بكلامه الذي ليس موقوفًا على غيره أنه كان قارنًا، كما ذكر عنه البراء بن عازب، إذ قال ﷺ : "لكني سقت الهدي، وقَرَنْتُ"، وكما ذكر أنس ﵁ أنه سمعه يقول: "لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرةً وحجًّا"، وكما ذكر عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه سمعه ﷺ يلبي بهما معًا، وكما ذكرت حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها قررته ﷺ على أنه معتمر بعمرة لم يحل منها، فلم ينكر ﷺ ذلك عليها، بل صدقها، وأجابها أنه مع ذلك حاجّ، وهو ﷺ لا يُقِرّ على باطل يسمعه أصلًا، بل ينكره، لا بدّ من ذلك، فصح بما ذكرنا قرانه ﷺ يقينًا. وليس في كل ما رُوي ما يَتَعَلّق به مَن ظَنّ أنه ﷺ يقول: لبيك بحج مفرد، ولا أحد قال: إنه ﷺ أخبر عن نفسه، فقال: أفردت الحجّ، ولا رُوي ذلك أيضًا عنه ﷺ أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولا أنه قال: إني تمتعت، وهو بلا شكّ أعلم بنفسه، فلما ذَكَرَ ﷺ أنه قَرَنَ، وسُمِع يلبي بحج وعمرة صحّ أنه قارن يقينًا. فهؤلاء أربعةٌ عدولٌ من أئمة الصحابة ﵃ يشهدون أنهم سمعوه ﷺ

стр. 13281

يُخبر عن نفسه بأنه قارنٌ، وكان هذا أولى عند كل ذي فهم من حكاية صاحب لم ينسبها إلى أنه سمعه من فيه ﷺ . فإن قيل: إن ابن عمر ذكر أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "لبيك بحجة"، قيل له: نعم، قد روينا ذلك، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ﷺ لم يقل: إنه سمعه يقول في ذي الحليفة، ولعله سمعه ﷺ يقول ذلك إذ أتم عمرته، ونهض إلى منى. وقد يمكن أن يكون سمع ذكر الحجّ، ولم يسمع ذكر العمرة، ومن زاد ذكر العمرة أولى؛ لأنه زاد علمًا. ثم قال: فهذا وجه الرد إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ قد لاح أنه ﷺ كان قارنًا، وبالله تعالى التوفيق. قال: أما من ذهب إلى إسقاط المتعارض من الروايات والأخذ بما لم يتعارض منها، فوجه علمه في هذا أن نقول: إن كل من رُوي عنه الإفراد قد اضطربت عنه الرواية، وروي عن جميعهم القران، وهم: عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس ﵃، ووجدنا أيضًا عمران بن الحصين، وعليّ بن أبي طالب قد روي عنهم التمتع، وروي عنهم القران، ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك ﵃ تضطرب الرواية عنهم، ولا اختلفت عنهم في أنه ﷺ كان قارنًا، فننزل رواية كل من اضطُرِب عنه، ونرجع إلى رواية من لم يُضطرَب عنه، وليست إلا رواية من روى القران خاصة؛ كحفصة، والبراء، وأنس ﵃. هذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يتعارض منها. قال: وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، وهو وجه يجب استعماله إذًا كانت الألفاظ كلها، أو الأفعال كلها منسوبة إلى النبيّ ﷺ ، ولم تكن موقوفة على غيره من دونه، ولا تنازعًا ممن سواه ﷺ ، فوجه العمل في هذا أن نقول - وبالله تعالى التوفيق -: إنا وجدنا من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده، دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها، دون حج معها، ووجدنا من روى القران قد جمع الأمرين معًا، فزاد على ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة

стр. 13282

وحدها حجًّا، وكانت هذه زيادة علم لم يذكرها الآخرون، وزيادة حفظ ونقل على كلتا الطائفتين المتقدمتين، وزيادةُ العدل مقبولةٌ، وواجب الأخذ بها، فوجب بهذا أيضًا أن يُصْدَر إلى رواية من روى القران، دون رواية من روى غير ذلك، وأيضًا فالذين رووا القران زادوا زيادة لا يحل لمسلم تركها، وهي أنهم حكموا أنهم سمعوا ذلك من لفظه ﷺ ، ولم يذكر ذلك غيرهم، فوجب ألا يُلْتَفَت إلى لفظ أحد بعد لفظه ﷺ . انتهى مختصر كلام ابن ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن حزم ﵀ في الجمع بين أحاديث الباب جمع نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. وحاصله أن الصواب والأرجح في حجة النبيّ ﷺ أنه كان قارنًا، وأهلّ بالقران أوّلَ ما أهلّ، ثم استمرّ على ذلك إلى أن تحلّل يوم النحر، والله تعالى أعلم. وقد أجاد الإمام ابن قيّم الجوزيّة ﵀ في كتابه الممتع "زاد المعاد" حيث حقّق الموضوع بما لا يوجد عنده، ودونك نصّه، قال ﵀: وإنما قلنا: إنه ﷺ أحرم قارنًا؛ لبضعة وعشرين حديثًا صحيحةً صريحةً في ذلك. [أحدها]: ما أخرجاه في "الصحيحين" عن ابن عمر ﵄ قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحجّ، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وذكر الحديث. [وثانيها]: ما أخرجاه في "الصحيحين" أيضًا عن عروة، عن عائشة ﵂ أخبرته عن رسول الله ﷺ بمثل حديث ابن عمر سواءً. [وثالثها]: ما روى مسلم في "صحيحه" من حديث قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ .

стр. 13283

[ورابعها]: ما روى أبو داود، عن النُّفَيليّ، حدّثنا زهير، هو ابن معاوية، حدثنا أبو إسحاق، عن مجاهد، سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ ، فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثًا سوى التي قَرَن بحجته. ولم يناقض هذا قول ابن عمر: إنه ﷺ قرن بين الحج والعمرة؛ لأنه أراد العمرة الكاملة المفردة، ولا ريب أنهما عمرتان: عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وعائشة ﵂ رادت العمرتين المستقلتين، وعمرة القران، والتي صُدّ عنها، ولا ريب أنها أربع. [وخامسها]: ما رواه سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ حَجَّ ثلاث حِجَجٍ: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، معها عمرةٌ، رواه الترمذيّ وغيره (١). [وسادسها]: ما رواه أبو داود، عن ابن عباس ﵄ قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطؤوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن حجته (٢). [وسابعها]: ما رواه البخاري في "صحيحه" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آتٍ من ربي ، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرةً في حجة". [وثامنها]: ما رواه أبو داود، عن البراء بن عازب ﵄ قال: كنت مع عليّ ﵁ حين أَمَّره رسول الله ﷺ على اليمن، فأصبت معه أواقيّ من ذهب، فلما قَدِم عليّ من اليمن على رسول الله ﷺ قال: وجدت فاطمة ﵂ قد لبست ثيابًا صبيغات، وقد نَضَحَت البيت بنضوح، فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه، فأحلُّوا، قال: فقلت لها: إني أهللت بإهلال النبيّ ﷺ ، قال: فأتيت النبيّ ﷺ ، فقال لي: "كيف صنعتَ؟ " قال: قلت: أهللت بإهلال النبيّ ﷺ ، قال: "فإني قد سقت الهدي، وقرنت"، وذكر الحديث (٣).

стр. 13284

[وتاسعها]: ما رواه النسائيّ بسنده عن مروان بن الحكم قال: كنت جالسًا عند عثمان، فسمع عليًّا ﵁ يلبي بعمرة وحجة، فقال: ألم تكن تُنْهَى عن هذا؟ قال: بلى، لكني سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعًا، فلم أدع قول رسول الله ﷺ لقولك (١). [وعاشرها]: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن محمران بن حصين ﵄: إن رسول الله ﷺ جَمَعَ بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل قرآن يحرمه. [وحادي عشرها]: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة؛ لأنه لا يحج بعدها، وله طرُقٌ صحيحة إليهما. [وثاني عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث سراقة بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، قال: وقرن النبيّ ﷺ في حجة الوداع، وإسناده ثقات. [وثالث عشرها]: ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث أبي طلحة الأنصاريّ أن رسول الله ﷺ جمع بين الحج والعمرة، ورواه الدارقطنيّ، وفيه الحجاج بن أرطاة (٢). [ورابع عشرها]: ما رواه أحمد من حديث الْهِرْماس بن زياد الباهليّ، أن رسول الله ﷺ قَرَن في حجة الوداع بين الحج والعمرة (٣). [وخامس عشرها]: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال: إنما جمع رسول ﷺ بين الحج والعمرة؛ لأنه عَلِم أنه لا يحج بعد عامه

стр. 13285

ذلك (١)، وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده، وقال آخرون: لا سبيل إلى تخطئته بغير دليل. [وسادس عشرهما]: ما رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قَرَن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافًا واحدًا، ورواه الترمذيّ، وفيه الحجاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، ما لم ينفرد بشيء، أو يخالف الثقات. [وسابع عشرها]: ما رواه الإمام أحمد من حديث أمّ سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَهِلُّوا يا آل محمد بعمرة في حج" (٢). [وثامن عشرها]: ما أخرجاه في "الصحيحين"، واللفظ لمسلم، عن حفصة ﵂ قالت: قلت للنبيّ ﷺ : ما شأن الناس حَلُّوا، ولم تَحِلَّ أنت من عمرتك؟ قال: "إني قلدت هديي، ولبَّدت رأسي، فلا أحِلُّ حتى أحلّ من الحج". وهذا يدلّ على أنه كان في عمرة معها حجّ، فإنه لا يحل من العمرة حتى يحلّ من الحجّ، وهذا على أصل مالك والشافعيّ ألزم؛ لأن المعتمر عمرة مفردة لا يمنعه عندهما الهدي من التحلل، وإنما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نَصٌّ. [وتاسع عشرها]: ما رواه النسائيّ والترمذيّ عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس، عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئسما قلت يا ابن أخي، قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نَهَى عن ذلك، قال سعد: صنعها رسول الله ﷺ ، وصنعناها معه، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ.

стр. 13286

ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج أحد نوعيه، وهو تمتّع القران، فإنه لغة القرآن والصحابة الذين شَهِدوا التنزيل والتأويل، شهدوا بذلك، ولهذا قال ابن عمر: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجّ، فبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وكذلك عائشة، وأيضًا - فإن الذي صنعه رسول الله ﷺ هو متعة القران بلا شكّ، كما قطع به أحمد، ويدلّ على ذلك أن عمران بن حصين قال: تمتع رسول الله ﷺ ، وتمتعنا معه، مُتَّفقٌ عليه، وهو الذي قال لمطرف: أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، وهو في "صحيح مسلم"، فأخبر عن قرانه بقوله: "تمتع"، وبقوله: "جمع بين حج وعمرة". ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت في "الصحيحين" عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع عليّ وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ قال عثمان: دَعْنَا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى عليّ ذلك أهل بهما جميعًا، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاريّ: اختَلَف عليّ وعثمان بعسفان في المتعة، فقال عليّ: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ؟ فلما رأى ذلك عليّ أهلّ بهما جميعًا. وأخرج البخاريّ وحده من حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليًّا، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى عليّ ذلك أهلّ بهما، لبيك بعمرة وحجة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد. فهذا يبيّن أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وإن هذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ ، وقد وافقه عثمان على أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، فإنه لما قال له: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ لم يقل له: لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولولا أنه وافقه على ذلك لأنكره، ثم قصد عليّ إلى موافقة النبيّ ﷺ ، والاقتداء به في ذلك، وبيانِ أن فعله لم يُنسَخ، وأهلّ بهما جميعًا تقريرًا للاقتداء به، ومتابعته في القران، وإظهارًا لسنةٍ نَهَى عنها عثمان؛ متأولًا، وحينئذ فهذا دليل مستقلٌّ [تمام العشرين]. [الحادي والعشرون]: ما رواه مالك في "الموطأ" عن ابن شهاب، عن

стр. 13287

عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي، فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا". ومعلوم أنه كان معه الهدي فهو أولى مَن بادر إلى ما أَمَرَ به، وقد دل عليه سائر الأحاديث التي ذكرناها، ونذكرها. وقد ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي، والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يسق الهدي، منهم عبد الله بن عباس، وجماعة، فعندهم لا يجوز العدول عما فعله رسول الله ﷺ ، وأمر به أصحابه، فإنه قرن، وساق الهدي، وأمر كل من لا هدي معه بالفسخ إلى عمرة مفردة، فالواجب أن نفعل كما فَعَل، أو كما أمر، وهذا القول أصحّ من قول من حَرَّم فسخ الحج إلى العمرة (١). [الثاني والعشرون]: ما أخرجاه في "الصحيحين" عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله وسبّح وكبّر، ثم أهلّ بحج وعمرة، وأهلّ الناس بهما، فلما قدمنا أَمَرَ الناس، فحلّوا حتى إذا كان يوم التروية أهلّوا بالحج. وفي "الصحيحين" أيضًا عن بكر بن عبد الله المزنيّ، عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسًا، فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدّوننا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله ﷺ أهلّ بهما: لبيك عمرة وحجًّا.

стр. 13288

ورَوَى أبو يوسف القاضي، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أنس ﵁، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لبيك بحج وعمرة معًا". وروى النسائيّ من حديث أبي أسماء (١)، عن أنس ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يلبّي بهما. ورَوَى أيضًا من حديث الحسن البصريّ، عن أنس، أن النبيّ ﷺ أهلّ بالحج والعمرة حين صلى الظهر (٢). وروى البزار من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن أنس، أن النبيّ ﷺ أهلّ بحج وعمرة، ومن حديث سليمان التيميّ، عن أنس كذلك، وعن أبي قُدامة، عن أنس مثله، وذكر وكيع: حدّثنا مصعب بن سليم، قال: سمعت أنسًا مثله، قال: وحدّثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البنانيّ، عن أنس مثله، وذكر الخشنيّ: حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي قَزَعَة، عن أنس مثله. وفي "صحيح البخاريّ" عن قتادة، عن أنعس: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَر، فذكرها، وقال: وعمرة مع حجته. وذكر عبد الرزاق: حدّثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، وحميد بن هلال، عن أنس مثله. فهؤلاء ستة عشر نفسًا من الثقات (٣) كلهم متفقون عن أنس أن لفظ النبيّ ﷺ كان إهلالًا بحج وعمرة معًا، وهم: الحسن البصريّ، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وثابت البنانيّ، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وعبد العزيز بن صُهيب، وسليمان التيميّ، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة عاصم بن حسين، وأبو قَزَعَة، وهو سُوَيد بن حُجَير الباهليّ. فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله ﷺ الذي سمعه منه، وهذا عليّ،

стр. 13289

والبراء، يخبران عن إخباره ﷺ عن نفسه بالقران، وهذا عليّ أيضًا يخبر أن رسول الله ﷺ ، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ أن ربه أمره بأن يفعله، وعلّمه اللفظ الذي يقوله عند الإحرام، وهذا عليّ أيضًا يخبر أنه سمع رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعًا، وهؤلاء بقية من ذكرنا يخبرون عنه بأنه فعله، وهذا هو ﷺ يأمر به آله، ويأمر به من ساق الهدي. وهؤلاء الذين رووا القران بغاية البيان عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعليّ، وتقرير عليّ له، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، فهؤلاء هم سبعة عشر صحابيًّا ﵃، منهم من رَوَى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به. [فإن قيل]: كيف تجعلون منهم ابن عمر، وجابرًا، وعائشة، وابن عباس، وهذه عائشة تقول: أهلّ رسول الله ﷺ بالحجّ، وفي لفظ: أفرد الحج، والأول في "الصحيحين"، والثاني في مسلم، وله لفظان: هذا أحدهما، والثاني أهلّ بالحج مفردًا، وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره البخاريّ (١)، وهذا ابن عباس يقول: وأهلّ رسول الله بالحج، رواه مسلم، وهذا جابر يقول: أفرد الحجّ، رواه ابن ماجه؟ [قيل]: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث الباقين لم تتعارض، فهَبْ أن أحاديث مَن ذكرتم لا حجة فيها على القران، ولا على الإفراد؛ لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين، مع صراحتها وصحتها، فكيف وأحاديثهم يُصَدّق بعضها بعضًا، ولا تعارض بينها، وإنما ظَنَّ من ظَنّ التعارض؛ لعدم إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم، وحملها على الاصطلاح الحادث بعدهم.

стр. 13290

قال ابن القيّم: ورأيت لشيخ الإسلام - يعني شيخه ابن تيميّة ﵀ فصلًا حسنًا في اتفاق أحاديثهم، نسوقه بلفظه، قال: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة، ليست بمختلفة، إلا اختلافًا يسيرًا يقع مثله في غير ذلك، فإن الصحابة ﵃ ثبت عنهم أنه تمتع، والتمتع عندهم يتناول القران، والذين رُوي عنهم أنه أفرد، رُوي عنهم أنه تمتع، أما الأول ففي "الصحيحين" عن سعيد بن المسيِّب، قال: اجتمع عليّ وعثمان بعسفان، وكان عثمان ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال عليّ ﵁: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه، فقال عثمان: دَعْنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ﵁ ذلك، أهلّ بهما جميعًا، فهذا يبيّن أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبيّ ﷺ ، ووافقه عثمان على أن النبيّ ﷺ فعل ذلك، لكن كان النزاع بينهما، هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟ وهل شُرع فسخُ الحج إلى العمرة في حقنا، كما تنازع فيه الفقهاء، فقد اتَّفَقَ عليّ وعثمان على أنه ﷺ تمتع، والمراد بالتمتع عندهم القران، وفي "الصحيحين" عن مُطَرِّف قال: قال عمران بن حصين: إن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة، ثم إنه لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه، وفي رواية عنه: تمتع رسول الله ﷺ ، وتمتعنا معه، فهذا عمران، وهو من أجلّ السابقين الأولين، أخبر أنه تمتع، وأنه جمع بين الحج والعمرة، والقارن عند الصحابة متمتع، ولهذا أوجبوا عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، وذكر حديث عمر، عن النبيّ ﷺ : "أتاني آت من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرة في حجة"، رواه البخاري. قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون: عمر، وعثمان، وعليّ، وعمران بن حصين، رُوي عنهم بأصح الأسانيد: أن رسول الله ﷺ قرن بين العمرة والحج، وكانوا يسمون ذلك تمتعًا، وهذا أنس يذكر أنه سمع النبيّ ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعًا. وما ذكره بكر بن عبد الله المزنيّ، عن ابن عمر أنه ﷺ لبى بالحج وحده، فجوابه أن الثقات الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر، مثل سالم ابنه، ونافع، رووا عنه أنه قال: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وهؤلاء

стр. 13291

أثبت في ابن عمر من بكر، فتغليط بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم ونافع عنه، وأولى من تغليطه هو على النبيّ ﷺ ، ويشبه أن ابن عمر قال له: "أفرد الحج"، فظن أنه قال: لبى بالحج، فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه، ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك رد منهم على من قال: إنه قَرَنَ قرانًا طاف فيه طوافين، وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنه حَلّ من إحرامه، فرواية من روى عن الصحابة أنه أفرد الحج تَرُدّ على هؤلاء، يبيّن هذا ما رواه مسلم في "صحيحه" عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا، وفي رواية: أهل بالحج مفردًا. فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبيّ ﷺ أهلّ بحج مفردًا، قيل: فقد ثبت بإسناد أصح من ذلك عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ تمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من رواية الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، وما عارض هذا عن ابن عمر إما أن يكون غلطًا عليه، وإما أن يكون مقصوده موافقًا له، وإما أن يكون ابن عمر لَمّا عَلِم أن النبي ﷺ لم يحلّ ظَنّ أنه أفرد كما وَهِمَ في قوله: إنه اعتمر في رجب، وكان ذلك نسيانًا منه، والنبيّ ﷺ لما لم يحلّ من إحرامه، وكان هذا حال المفرد ظنّ أنه أفرد، ثم ساق حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: تمتع رسول الله ﷺ … الحديث، وقولَ الزهريّ: وحدّثني عروة، عن عائشة بمثل حديث سالم، عن أبيه، قال: فهذا من أصحّ حديث على وجه الأرض، وهو من حديث الزهريّ، أعلم أهل زمانه بالسنة، عن سالم، عن أبيه، وهو من أصحّ أحاديث ابن عمر وعائشة. وقد ثبت عن عائشة ﵂ في "الصحيحين": أن النبيّ ﷺ اعتمر أربع عُمَر، الرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعد الحج باتفاق العلماء، فيتعيّن أن يكون متمتعًا تمتع قران، أو التمتع الخاصّ. وقد صحّ عن ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ، رواه البخاريّ في "الصحيح". قال: وأما الذين نُقِل عنهم إفراد الحج، فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر، وجابر، والثلاثة نُقِل عنهم التمتع، وحديث عائشة، وابن عمر، أنه تمتع بالعمرة

стр. 13292

إلى الحج أصحّ من حديثهما، وما صح في ذلك عنهما، فمعناه إفراد أعمال الحج، أو أن يكون وقع منه غلطٌ، كنظائره، فإن أحاديث التمتع متواترةٌ، رواها أكابر الصحابة؛ كعمر، وعثمان، وعليّ، وعمران بن حصين، ورواها أيضًا عائشة، وابن عمر، وجابر، بل رواها عن النبيّ ﷺ بضعة عشر من الصحابة. قال ابن القيّم: وقد اتفق أنس، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، على أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر، وإنما وَهِمَ ابن عمر في كون إحداهن في رجب، وكلهم قالوا: وعمرة مع حجته، وهم سوى ابن عباس قالوا: إنه أفرد الحجّ، وهم سوى أنس قالوا: تمتع، فقالوا هذا، وهذا، وهذا، ولا تناقض بين أقوالهم، فإنه تَمَتَّعَ تَمَتُّعَ قران، وأفرد أعمال الحجّ، وقرن بين النسكين، وكان قارنًا باعتبار جمعه بين النسكين، ومفردًا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين، ومتمتعًا باعتبار ترفهه بترك أحد السفرين. ومن تأمل ألفاظ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر بعضها ببعض، وفَهِم لغة الصحابة أسفر له صبح الصواب، وانقمثمعت عنه ظلمة الاختلاف والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرشاد، والموفق لطريق السداد. فمن قال: إنه أفرد الحج، وأراد به أنه أتى بالحج مفردًا، ثم فرغ منه، وأتى بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثير من الناس، فهذا غلطٌ، لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة الحديث. وإن أراد به أنه حج حجًّا مفردًا، لم يعتمر معه، كما قاله طائفة من السلف والخلف، فوَهَمٌ أيضًا، والأحاديث الصحيحة الصريحة تردّه، كما تبَيَّنَ. وإن أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده، ولم يفرد للعمرة أعمالًا، فقد أصاب، وعلى قوله تدلّ جميع الأحاديث. ومن قال: إنه قرن، فإن أراد به أنه طاف للحج طوافًا على حدة، وللعمرة طوافًا على حدة، وسعى للحجّ سعيًا، وللعمرة سعيًا، فالأحاديث الثابتة ترد قوله.

стр. 13293

وإن أراد أنه قرن بين النسكين، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله، وقوله هو الصواب. ومن قال: إنه تمتع فإن أراد تمتع تمتعًا حَل منه، ثم أحرم بالحج إحرامًا مستأنفًا، فالأحاديث تردّ قوله، وهو غلط. وإن أراد أنه تمتع تمتعًا لم يحلّ منه، بل بقي على إحرامه لأجل سوق الهدي، فالأحاديث الكثيرة تردُّ قوله أيضًا، وهو أقل غلطًا، وإن أراد تمتع القران، فهو الصواب الذي تدلّ عليه جميع الأحاديث الثابتة، وياتلف به شملها، ويزول عنها الإشكال والاختلاف. فصل غَلِط في عُمَرِ النبيِّ ﷺ خمس طوائف: [إحداها]: من قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط، فإن عُمَره مضبوطة محفوظةٌ، لم يخرج في رجب إلى شيء منها البتة. [الثانية]: من قال: إنه اعتمر في شوال، وهذا أيضًا وَهَمٌ، والظاهر - والله أعلم - أن بعض الرواة غَلِطَ في هذا، وأنه اعتكف في شوال، فقال: اعتمر في شوال، لكن سياق الحديث، وقوله: اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَر: عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة، يدلّ على أن عائشة، أو من دونها إنما قصد العمرة. [الثالثة]: من قال: إنه اعتمر من التنعيم بعد حجه، وهذا لم يقله أحدٌ من أهل العلم، وإنما يظنه العوامّ، ومن لا خِبْرة له بالسنة. [الرابعة]: من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلًا، والسنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردّها تبطل هذا القول. [الخامسة]: من قال: إنه اعتَمَرَ عمرة حَلَّ منها، ثم أحرم بعدها بالحجّ من مكة، والأحاديث الصحيحة تُبطل هذا القول، وتردُّهُ. فصل ووهم في حجه ﷺ خمس طوائف: [الطائفة الأولى]: التي قالت: حجّ حجّا مفردًا، لم يعتمر معه.

стр. 13294

[الثانية]: من قال: حج متمتعًا تمتعًا حلّ منه، ثم أحرم بعده بالحجّ، كما قاله القاضي أبو يعلى وغيره. [الثالثة]: من قال: حجّ متمتعًا تمتعًا لم يحلّ منه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارنًا، كما قاله أبو محمد بن قُدامة، صاحب "المغني"، وغيره. [الرابعة]: من قال: حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين. [الخامسة]: من قال: حج حجًّا مفردًا، واعتمر بعده من التنعيم. فصل وغَلِطَ في إحرامه ﷺ خمس طوائف: [إحداها]: من قال: لبى بالعمرة وحدها، واستمرّ عليها. [الثانية]: من قال: لبى بالحجّ وحده، واستمر عليه. [الثالثة]: من قال: لبى بالحجّ مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، وزعم أن ذلك خاصّ به ﷺ . [الرابعة]: من قال: لبى بالعمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحجّ في ثاني الحال. [الخامسة]: من قال: أحرم إحرامًا مطلقًا، لم يعيّن فيه نسكًا، ثم عَيَّنه بعد إحرامه. والصواب أنه أحرم بالحجّ والعمرة معًا، من حين أنشأ الإحرام، ولم يحلّ حتى حلّ منهما جميعًا، فطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، وساق الهدي، كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث، والله أعلم. فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال، وبيان منشإ الوهم والغلط: أما عذر من قال: اعتمر في رجب، فحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبيّ ﷺ اعتَمَر في رجب، متّفقٌ عليه، وقد غلّطته عائشة وغيرها كما في "الصحيحين" عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالسًا إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة

стр. 13295

الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعةٌ، ثم قلنا له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعًا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نردّ عليه، قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أمّه، أو يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمَر، إحداهنّ في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرةً قط إلا وهو شاهدٌ، وما اعتمر في رجب قطّ، وكذلك قال أنس، وابن عباس: إن عُمَرَه كلها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصواب. فصل وأما من قال: اعتمر في شوال، فعذره ما رواه مالك في "الموطإ"، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهن في شوال، واثنتين في ذي القعدة، ولكن هذا الحديث مرسلٌ، وهو غلطٌ أيضًا، إما من هشام، وإما من عروة، أصابه فيه ما أصاب ابن عمر، وقد رواه أبو داود مرفوعًا، عن عائشة، وهو غلطٌ أيضًا، لا يصح رفعه، قال ابن عبد البر: وليس روايته مسندًا مما يُذْكَر عن مالك في صحة النقل. قال ابن القيّم: ويدلّ على بطلانه عن عائشة، أن عائشة، وابن عباس، وأنس بن مالك، قالوا: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة، وهذا هو الصواب، فإن عمرة الحديبية، وعمرة القضيّة كانتا في ذي القعدة، وعمرة القران إنما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة أيضًا كانت في أول ذي القعدة، وإنما وقع الاشتباه أنه خرج من مكة في شوال للقاء العدوّ، وفرغ من عدوه، وقسم غنائمهم، ودخل مكة ليلًا معتمرًا من الجعرانة، وخرج منها ليلًا، فخفيت عمرته هذه على كثير من الناس، وكذلك قال مُحَرِّشٌ الكعبيّ ﵁، والله أعلم. فصل قال ابن القيّم ﵀: وأما من ظَنَّ أنه ﷺ اعتمر من التنعيم بعد الحجّ فلا أعلم له عذرًا، فإن هذا خلاف المعلوم المستفيض من حجته، ولم ينقله أحد قطّ، ولا قاله إمام، ولعل ظانّ هذا سمع أنه أفرد الحجّ، ورأى أن كل من أفرد

стр. 13296

الحجّ من أهل الآفاق لا بدّ له أن يخرج بعده إلى التنعيم، فَنَزَّل حجة رسول الله ﷺ على ذلك، وهذا عين الغلط. فصل قال: وأما من قال: إنه ﷺ لم يعتمر في حجته أصلًا، فعذره أنه لما سمع أنه أفرد الحجّ، وعلم يقينًا أنه لم يعتمر بعد حجته، قال: إنه لم يعتمر في تلك الحجة؛ اكتفاءً منه بالعمرة المتقدمة، والأحاديث المستفيضة الصحيحة تردّ قوله، كما تقدم من أكثر من عشرين وجهًا، وقد قال: "هذه عمرة استمتعنا بها"، وقالت حفصة: ما شأن الناس حَلُّوا، ولم تحل أنت من عمرتك؟ وقال سراقة بن مالك: تمتع رسول الله ﷺ ، وكذلك قال ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن عباس، وصرح أنس، وابن عباس، وعائشة، أنه اعتمر في حجته، وهي إحدى عُمَرِه الأربع. فصل وأما من قال: إنه ﷺ اعتمر عمرة حَلَّ منها كما قاله القاضي أبو يعلى، ومن وافقه، فعذرهم ما صح عن ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وغيرهم، أنه ﷺ تمتع، وهذا يَحْتَمِل أنه تَمَتُّعٌ حَلَّ منه، ويَحْتَمِل أنه لم يَحِل، فلما أخبر معاوية أنه قصر عن رأسه بمشقص على المروة، وحديثه في "الصحيحين" دلّ على أنه حَلَّ من إحرامه، ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجة الوداع؛ لأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح، والنبيّ ﷺ لم يكن زمن الفتح محرمًا، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة؛ لوجهين: أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديث الصحيح: وذلك في حجته. والثاني: أن في رواية النسائيّ باسناد صحيح: وذلك في أيام العشر، وهذا إنما كان في حجته، وحَمَلَ هؤلاء رواية مَن روى أن المتعة كانت له خاصّة، على أن طائفة منهم خَصُّوا بالتحلّل من الإحرام، مع سوق الهدي، دون من ساق الهدي من الصحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس بن تيميّة، وقالوا: من تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة، تبيّن له أن النبيّ ﷺ لم يحلّ لا هو، ولا أحد ممن ساق الهدي.

стр. 13297

فصل في أعذار الذين وَهِمُوا في صفة حجته ﷺ - أما من قال: إنه حجّ حجًّا مفردًا لم يعتمر فيه، فعذره ما في "الصحيحين" عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا من أهلّ بحج، وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج، وقالوا: هذا التقسيم والتنويع صريح في إهلاله بالحج وحده. ولمسلم عنها: أن رسول الله ﷺ أهلّ بالحج مفردًا. وفي "صحيح البخاريّ " عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لبى بالحج وحده. وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أهلّ بالحج، وفي "سنن ابن ماجه" عن جابر: أن رسول الله ﷺ أفرد الحجّ، وفي "صحيح مسلم" عنه: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا ننوي إلا الحجّ، لسنا نعرف العمرة. وفي "صحيح البخاريّ" عن عروة بن الزبير، قال: حجّ رسول الله ﷺ ، فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة، أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم حج أبو بكر ﵁، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم عمر ﵁ مثل ذلك، ثم حج عثمان، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلُّون، وقد رأيت أمي وخالتي، حين تقدمان، لا تبدآن بشيء أول من البيت، تطوفان به، ثم إنهما لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلّت هي، وأختها، والزبير، وفلان، وفلان، بعمرة، فلما مسحوا الركن حلُّوا. وفي "سنن أبي داود": حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا حمّاد بن سلمة، ووُهيب بن خالد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،

стр. 13298

قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة قال: من شاء أن يُهِلّ بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل بعمرة، ثم انفرد وهيب في حديثه بأن قال عنه ﷺ : "فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة"، وقال الآخر: "وأما أنا فأهلّ بالحج"، فصح بمجموع الروايتين أنه أهلّ بالحج مفردًا. فأرباب هذا القول عذرهم ظاهر كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: "سُقتُ الهدي، وقَرَنتُ"، وخبر من هو تحت بطن ناقته، وأقرب إليه حينئذ من غيره، فهو من أصدق الناس يسمعه يقول: "لبيك بحجة وعمرة"، وخبر من هو من أعلم الناس عنه ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ حين يخبر أنه أهلّ بهما جميعًا، ولبى بهما جميعًا، وخبر زوجته حفصة في تقريره لها على أنه معتمز بعمرة، لم يحلّ منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدّقها وأجابها بأنه مع ذلك حاجّ، وهو ﷺ لا يُقِرّ على باطل يسمعه أصلًا، بل ينكره؟ وما عذرهم عن خبره ﷺ عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه، يأمر فيه أن يُهِلّ بحجة في عمرة؟ وما عذرهم عن خبر من أخبر عنه من أصحابه أنه قَرَنَ؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها، وخبر من أخبر عنه ﷺ أنه اعتمر مع حجته؛ وليس مع من قال: إنه أفرد الحجّ شيء من ذلك البتة، فلم يقل أحد منهم عنه: إني أفردت، ولا أتاني آتٍ من ربي، يأمرني بالإفراد، ولا قال أحد: ما بال الناس حلُّوا، ولم تحلّ من حجتك كما حلّوا هم بعمرة، ولا قال أحد: سمعته يقول: لبيك بعمرة مفردة البتة، ولا بحج مفرد، ولا قال أحد: إنه اعتمر أربع عُمَر الرابعة بعد حجته، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يُخبر عن نفسه بأنه قارن، ولا سبيل إلى دفع ذلك، إلا بأن يقال: لم يسمعوه، ومعلوم قطعًا أن تطرُّق الوهم والغلط إلى من أخبر عما فهمه هو من فعله يظنه كذلك أولى من تطرّق التكذيب إلى من قال: سمعته يقول كذا وكذا، وإنه لم يسمعه، فإن هذا لا يتطرّق إليه إلا التكذيب، بخلاف خبر من أخبر عما ظنه من فعله، وكان واهمًا، فإنه لا يُنْسَب إلى الكذب، ولقد نزّه الله عليًّا وأنسًا والبراء وحفصة عن

стр. 13299

أن يقولوا: سمعناه يقول كذا، ولم يسمعوه، ونزّهه ربه ﵎ أن يرسل إليه أن افعَلْ كذا وكذا، ولم يفعله، هذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل، فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم، ولا ناقضوهم، وإنما أرادوا إفراد الأعمال، واقتصاره على عمل المفرد، فإنه ليس في عمله زيادة على عمل المفرد، ومن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا، فإنه عَئر بحسب ما فهمه، كما سمع بكرُ بن عبد الله بنَ عمر يقول: أفرد الحجّ، فقال: لبى بالحج وحده، فحمله على المعنى، وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه: إنه تمتع، فبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، فهذا سالم يخبر بخلاف ما أخبر به بكر، ولا يصح تأويل هذا عنه بأنه فسره بقوله: وبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل رواية بكر على أنه أراد لبّى بالحج بعد فراغه من العمرة حين توجهه إلى منى أولى من تخطئته، ولا يحصل مخالفة لرواية سالم ونافع، فتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: وكذا الذين رووا الإفراد عن عائشة ﵂ فهما عروة والقاسم، وروى القران عنها عروة، ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد والزهريّ يروي عنه القران، فإن قدّرنا تساقط الروايتين، سلمت رواية مجاهد، وإن حُملت رواية الإفراد على أنه أفرد أعمال الحج تصادقت الروايات، وصدّق بعضها بعضًا، ولا ريب أن قول عائشة وابن عمر: أفرد الحج مُحْتَمِلٌ لثلاثة معان: [أحدها]: الإهلال به مفردًا. [الثاني]: إفراد أعماله. [الثالث]: أنه حج حجة واحدة لم يحج معها غيرها، بخلاف العمرة، فإنها كانت أربع مرات. وأما قولهما: تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، فحكيا فعله، فهذا صريح لا يحتمل غير معنى واحد، فلا يجوز ردّه بالمجمل، وليس في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة أنه أهلّ بالحج ما يناقض رواية مجاهد وعروة عنها، أنه قرن، فإن القارن حاجّ مهلّ بالحج قطعًا،

стр. 13300

وعمرته جزء من حجته، فمن أخبر عنها أنه أهل بالحجِّ فهو غير صادق، فإن ضمت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود، ثم ضمتا إلى رواية عروة تبيّن من مجموع الروايات أنه كان قارنًا، وصدّق بعضها بعضًا، حتى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردًا لوجب قطعًا أن يكون سبيله سبيل قول ابن عمر اعتمر في رجب، وقول عائشة أو عروة إنه ﷺ اعتمر في شوال، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلًا إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلها، وحملها على غير ما دلت عليه، ولا سبيل إلى تقديم هذه الرواية المجملة التي قد اضطرَبت على رواتها، واختُلِف عنهم فيها، وعارضهم من هو أوثق منهم، أو مثلهم عليها. وأما قول جابر ﵁: إنه أفرد الحجّ، فالصريح من حديثه ليس فيه شيء من هذا، وإنما فيه إخبار عنهم أنفسِهِم أنهم لا ينوون إلا الحج، فأين في هذا ما يدلّ على أن رسول الله ﷺ بالحج مفردًا؟ قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم قريبًا أن هذا لا ينافي رواية القران، فإنه إخباره بأنه ﷺ لبّى بالحج مفردًا بعد انتهاء العمرة حينما توجّه يوم التروية إلى منى، فهذا أقرب المحمل وأظهره، فتأمّله، والله تعالى أعلم. وأما حديثه الآخر الذي رواه ابن ماجه أن رسول الله ﷺ أفرد الحجّ، فله ثلاث طرق: أجودها: طريق الدراورديّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، وهذا يقينًا مختصر من حديثه الطويل في حجة الوداع، ومرويّ بالمعنى، والناس خالفوا الدراورديّ في ذلك، وقالوا: أهلّ بالحجّ، وأهلّ بالتوحيد. والطريق الثاني: فيها مُطَرِّف بن مصعب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن جعفر، ومطرّف قال ابن حزم: هو مجهول، قال ابن القيّم: ليس هو بمجهول، ولكنه ابن أخت مالك، روى عنه البخاريّ، وبشر بن موسى، وجماعة، قال أبو حاتم: صدوقٌ مضطرب الحديث، هو أحب إليَّ من إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن عديّ: يأتي بمناكير، وكأن أبا محمد بن حزم رأى في النسخة مطرف بن مصعب فجَهَّله، وإنما هو مطرّف أبو مصعب، وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. وممن غلط في هذا أيضًا محمد بن عثمان الذهبيّ في كتابه "الضعفاء"،

стр. 13301

فقال: مطرف بن مصعب المدنيّ، عن ابن ابي ذئب منكر الحديث. قال ابن القيّم: والراوي عن ابن أبي ذئب، والدراورديّ، ومالك هو مطرف أبو مصعب المدنيّ، وليس بمنكر الحديث، وإنما غَرّه قول ابن عديّ: يأتي بمناكير، ثم ساق له منها ابن عديّ جملة، لكن هي من رواية أحمد بن داود بن صالح عنه، كذّبه الدارقطنيّ، والبلاء فيها منه. والطريق الثالث لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، ينظر فيه من هو؟ وما حاله؟ عن محمد بن مسلم، إن كان الطائفيّ فهو ثقةٌ، عند ابن معين، ضعيف عند الإمام أحمد، وقال ابن حزم: ساقط البتة، ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استَشْهَد به مسلم، قال ابن حزم: وإن كان غيره فلا أدري من هو؟ قال ابن القيّم: ليس بغيره، بل هو الطائفيّ يقينًا، وبكل حال فلو صحّ هذا عن جابر، لكان حكمه حكم المرويّ عن عائشة وابن عمر ﵄، وسائر الرواة الثقات إنما قالوا: أهلّ بالحجّ، فلعلّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: أفرد الحجّ، ومعلوم أن العمرة إذا دخلت في الحج، فمن قال: أهلّ بالحجّ لا يناقض من قال: أهلّ بهما، بل هذا فصّل، وذاك أجمل، ومن قال: أفرد الحج، يَحْتَمِل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، ولكن هل قال أحد قط عنه: إنه سمعه يقول: لبيك بحجة مفردة؟ هذا ما لا سبيل إليه، حتى لو وجد ذلك لم يُقَدَّم على تلك الأساطين التي ذكرناها، والتي لا سبيل إلى دفعها البتة، وكان تغليط هذا، أو حمله على أول الإحرام (١)، وأنه صار قارنًا في أثنائه متعينًا، فكيف ولم يثبت ذلك، وقد قدمنا عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قرن في حجة الوداع، رواه زكريا الساجيّ، عن عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ، عن زيد بن الحباب، عن سفيان، ولا تناقض بين هذا وبين قوله: أهلّ بالحجّ، وأفرد بالحجّ، ولبى بالحجّ، كما تقدم.

стр. 13302

فصل قال ﵀: فحصل الترجيح لرواية مَن رَوَى القران لوجوه عشرة: [أحدها]: أنهم أكثر، كما تقدم. [الثاني]: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت، كما بيناه. [الثالث]: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد. [الرابع]: تصديق روايات مَن روى انه اعتمر أربع عُمَر لها. [الخامس]: أنها صريحة لا تَحْتَمِل التأويل، بخلاف روايات الإفراد. [السادس]: أنها متضمنة زيادةً سكت عنها أهل الإفراد، أو نفوها، والذاكر الزائد مقدَّم على الساكت، والمثبت مقذم على النافي. [السابع]: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، والأربعةُ رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه، ولا اختَلَفت؛ كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وحفصة، ومن معهم، ممن تقدم. [الثامن]: أنه النسك الذي أُمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه. [التاسع]: أنه النسك الذي أَمَر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. [العاشر]: أنه النسك الذي أَمَر به آله، وأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه. ثمت ترجيح [حادي عشر]: وهو قوله: "دَخَلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءًا منه، أو كالجزء الداخل فيه، بحيث لا يُفصَل بينها وبينه، وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه. وترجيح [ثاني عشر]: وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ للصُّبَيّ بن معبد، وقد أهلّ بحج وعمرة، فأنكر عليه زيد بن صُوحان، أو سلمان بن ربيعة، فقال

стр. 13303

له عمر: هُدِيت لسنة نبيك محمد ﷺ (١)، وهذا يوافق رواية عمر عنه ﷺ أن الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدل على أن القران سنته التي فعلها، وامتثل أمر الله له بها. وترجيح [ثالث عشر]: أن القارن تقع أعماله عن كل من النسكين، فيقع إحرامه، وطوافه، وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما، وعمل كلّ فعل على حدة. وترجيح [رابع عشر]: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي، فإذا قَرَن كان هديه عن كل واحد من النسكين، فلم يخل نسك منهما عن هدي، ولهذا - والله أعلم - أمر رسول الله ﷺ بالحج والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من حديث البراء بقوله: "إني سُقْت الهدي، وقَرَنتُ". وترجيح [خامس عشر]: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لوجوه كثيرة: (منها): أنه ﷺ أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه. (ومنها): أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة". (ومنها): أنه أمر به كل من لم يسق الهدي. (ومنها): أن الحج الذي استقرّ عليه فعله، وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين لا هدي إلا ما جُمِع فيه بين الحل والحرم. فإذا ثبت هذا فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ومن متمتع ساق الهدي؛ لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحلّ، فكيف يُجعل مُفرِد لم يسق هديًا أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحلّ؟

стр. 13304

فكيف إذا جُعِل أفضل من قارن ساقه من الميقات؟ وهذا - بحمد الله - واضح. فصل وأما قول من قال: إنه حجّ متمتعًا تَمَتُّعًا حَلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج، مع سوق الهدي، فعذره ما تقدم من حديث معاوية ﵁ أنه قصّر عن رسول الله ﷺ بمشقص في العشر، وفي لفظ: وذلك في حجته، وهذا مما أنكره الناس على معاوية، وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلَّها تدلّ على أنه ﷺ لم يحلّ من إحرامه إلا يوم النحر، ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، وقوله: "إني سقت الهدي، وقَرَنت، فلا أحل حتى أنحر"، وهذا خبر عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيما خبرًا يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به الجم الغفير، أنه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصير، ولا حلق، وأنه بقي على إحرامه حتى حَلَقَ يوم النحر، ولعل معاوية قصّر عن رأسه في عمرة الجعرانة، فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نَسِيَ، فظن أن ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أن عُمَرَه كانت كلها في ذي القعدة، وقال: كانت إحداهنّ في رجب، وقد كان معه فيها، والوهم جائز على من سوى الرسول ﷺ ، فإذا قام الدليل عليه صار واجبًا. وقد قيل: إن معاوية لعله قصّر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق يوم النحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمد بن حزم، وهذا أيضًا من وهمه، فإن الحلاق لا يُبْقِي غَلَطًا شعرًا يقصر منه، ثم يبقي منه بعد التقصير بقيةً يوم النحر، وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة، فأصاب أبا طلحة أحد الشقين، وبقية الصحابة اقتسموا الشق الآخر، الشعرة، والشعرتين، والشعرات، وأيضًا فإنه لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيًا واحدًا، وهو سعيه الأول، لم يسع عقب طواف الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحج قطعًا، فهذا وهم محضٌ. وقيل: هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط، وخطأ أخطأ فيه الحسن بن

стр. 13305

عليّ، فجعله عن معمر، عن ابن طاوس، وإنما هو عن هشام بن حُجَير، عن ابن طاووس، وهشام ضعيف. قلت (١): والحديث الذي في البخاريّ عن معاوية: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ بمشقص، ولم يزد على هذا، والذي عند مسلم: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ بمشقص على المروة، وليس في "الصحيحين" غير ذلك. وأما رواية من روى: في أيام العشر، فليست في "الصحيح"، وهي معلولة، أو وَهَمٌ من معاوية، قال قيس بن سعد، راويها عن عطاء، عن ابن عباس، عنه: والناس ينكرون هذا على معاوية، قال ابن القيّم: وصَدَقَ قيس، فنحن نحلف بالله، إن هذا ما كان في العشر قطّ. ويشبه هذا وَهَم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود، عن قتادة، عن أبي شيخ الْهُنَائيّ أن معاوية قال لأصحاب النبيّ ﷺ : هل تعلمون أن النبيّ ﷺ نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النُّمُور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يُقْرَن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، فقال: أما إنها معها، ولكنكم نسيتم، قال ابن القيّم: ونحن نشهد بالله، إن هذا وَهْم من معاوية ﵁، أو كَذِبٌ عليه، فلم ينه رسول الله ﷺ عن ذلك قطّ، وأبو شيخ شيخ لا يُحتج به فضلًا عن أن يقدَّم على الثقات الحفاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة، ويحيى بن أبي كثير، واسمه خَيْوَان بن خَلْدة - بالخاء المعجمة - وهو مجهول (٢). فصل وأما من قال: حج متمتعًا تَمَتُّعًا لم يحلّ منه؛ لأجل سوق الهدي، كما قال صاحب "المغني"، وطائفة، فعذرهم قول عائشة وابن عمر ﵄: تمتع
следующие страницы →