← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13301–13340 · переход к 13306.

стр. 13301

فقال: مطرف بن مصعب المدنيّ، عن ابن ابي ذئب منكر الحديث. قال ابن القيّم: والراوي عن ابن أبي ذئب، والدراورديّ، ومالك هو مطرف أبو مصعب المدنيّ، وليس بمنكر الحديث، وإنما غَرّه قول ابن عديّ: يأتي بمناكير، ثم ساق له منها ابن عديّ جملة، لكن هي من رواية أحمد بن داود بن صالح عنه، كذّبه الدارقطنيّ، والبلاء فيها منه. والطريق الثالث لحديث جابر: فيها محمد بن عبد الوهاب، ينظر فيه من هو؟ وما حاله؟ عن محمد بن مسلم، إن كان الطائفيّ فهو ثقةٌ، عند ابن معين، ضعيف عند الإمام أحمد، وقال ابن حزم: ساقط البتة، ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد استَشْهَد به مسلم، قال ابن حزم: وإن كان غيره فلا أدري من هو؟ قال ابن القيّم: ليس بغيره، بل هو الطائفيّ يقينًا، وبكل حال فلو صحّ هذا عن جابر، لكان حكمه حكم المرويّ عن عائشة وابن عمر ﵄، وسائر الرواة الثقات إنما قالوا: أهلّ بالحجّ، فلعلّ هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: أفرد الحجّ، ومعلوم أن العمرة إذا دخلت في الحج، فمن قال: أهلّ بالحجّ لا يناقض من قال: أهلّ بهما، بل هذا فصّل، وذاك أجمل، ومن قال: أفرد الحج، يَحْتَمِل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، ولكن هل قال أحد قط عنه: إنه سمعه يقول: لبيك بحجة مفردة؟ هذا ما لا سبيل إليه، حتى لو وجد ذلك لم يُقَدَّم على تلك الأساطين التي ذكرناها، والتي لا سبيل إلى دفعها البتة، وكان تغليط هذا، أو حمله على أول الإحرام (١)، وأنه صار قارنًا في أثنائه متعينًا، فكيف ولم يثبت ذلك، وقد قدمنا عن سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قرن في حجة الوداع، رواه زكريا الساجيّ، عن عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ، عن زيد بن الحباب، عن سفيان، ولا تناقض بين هذا وبين قوله: أهلّ بالحجّ، وأفرد بالحجّ، ولبى بالحجّ، كما تقدم.

стр. 13302

فصل قال ﵀: فحصل الترجيح لرواية مَن رَوَى القران لوجوه عشرة: [أحدها]: أنهم أكثر، كما تقدم. [الثاني]: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت، كما بيناه. [الثالث]: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك، ولم يجئ شيء من ذلك في الإفراد. [الرابع]: تصديق روايات مَن روى انه اعتمر أربع عُمَر لها. [الخامس]: أنها صريحة لا تَحْتَمِل التأويل، بخلاف روايات الإفراد. [السادس]: أنها متضمنة زيادةً سكت عنها أهل الإفراد، أو نفوها، والذاكر الزائد مقدَّم على الساكت، والمثبت مقذم على النافي. [السابع]: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، والأربعةُ رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه، ولا اختَلَفت؛ كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وحفصة، ومن معهم، ممن تقدم. [الثامن]: أنه النسك الذي أُمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه. [التاسع]: أنه النسك الذي أَمَر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. [العاشر]: أنه النسك الذي أَمَر به آله، وأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه. ثمت ترجيح [حادي عشر]: وهو قوله: "دَخَلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءًا منه، أو كالجزء الداخل فيه، بحيث لا يُفصَل بينها وبينه، وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه. وترجيح [ثاني عشر]: وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ للصُّبَيّ بن معبد، وقد أهلّ بحج وعمرة، فأنكر عليه زيد بن صُوحان، أو سلمان بن ربيعة، فقال

стр. 13303

له عمر: هُدِيت لسنة نبيك محمد ﷺ (١)، وهذا يوافق رواية عمر عنه ﷺ أن الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعًا، فدل على أن القران سنته التي فعلها، وامتثل أمر الله له بها. وترجيح [ثالث عشر]: أن القارن تقع أعماله عن كل من النسكين، فيقع إحرامه، وطوافه، وسعيه عنهما معًا، وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما، وعمل كلّ فعل على حدة. وترجيح [رابع عشر]: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي، فإذا قَرَن كان هديه عن كل واحد من النسكين، فلم يخل نسك منهما عن هدي، ولهذا - والله أعلم - أمر رسول الله ﷺ بالحج والعمرة معًا، وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من حديث البراء بقوله: "إني سُقْت الهدي، وقَرَنتُ". وترجيح [خامس عشر]: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لوجوه كثيرة: (منها): أنه ﷺ أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه. (ومنها): أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة". (ومنها): أنه أمر به كل من لم يسق الهدي. (ومنها): أن الحج الذي استقرّ عليه فعله، وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع إذا ساق الهدي فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين لا هدي إلا ما جُمِع فيه بين الحل والحرم. فإذا ثبت هذا فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ومن متمتع ساق الهدي؛ لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحلّ، فكيف يُجعل مُفرِد لم يسق هديًا أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحلّ؟

стр. 13304

فكيف إذا جُعِل أفضل من قارن ساقه من الميقات؟ وهذا - بحمد الله - واضح. فصل وأما قول من قال: إنه حجّ متمتعًا تَمَتُّعًا حَلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج، مع سوق الهدي، فعذره ما تقدم من حديث معاوية ﵁ أنه قصّر عن رسول الله ﷺ بمشقص في العشر، وفي لفظ: وذلك في حجته، وهذا مما أنكره الناس على معاوية، وغلَّطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلَّها تدلّ على أنه ﷺ لم يحلّ من إحرامه إلا يوم النحر، ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، وقوله: "إني سقت الهدي، وقَرَنت، فلا أحل حتى أنحر"، وهذا خبر عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيما خبرًا يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به الجم الغفير، أنه لم يأخذ من شعره شيئًا، لا بتقصير، ولا حلق، وأنه بقي على إحرامه حتى حَلَقَ يوم النحر، ولعل معاوية قصّر عن رأسه في عمرة الجعرانة، فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نَسِيَ، فظن أن ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أن عُمَرَه كانت كلها في ذي القعدة، وقال: كانت إحداهنّ في رجب، وقد كان معه فيها، والوهم جائز على من سوى الرسول ﷺ ، فإذا قام الدليل عليه صار واجبًا. وقد قيل: إن معاوية لعله قصّر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق يوم النحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمد بن حزم، وهذا أيضًا من وهمه، فإن الحلاق لا يُبْقِي غَلَطًا شعرًا يقصر منه، ثم يبقي منه بعد التقصير بقيةً يوم النحر، وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة، فأصاب أبا طلحة أحد الشقين، وبقية الصحابة اقتسموا الشق الآخر، الشعرة، والشعرتين، والشعرات، وأيضًا فإنه لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيًا واحدًا، وهو سعيه الأول، لم يسع عقب طواف الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحج قطعًا، فهذا وهم محضٌ. وقيل: هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط، وخطأ أخطأ فيه الحسن بن

стр. 13305

عليّ، فجعله عن معمر، عن ابن طاوس، وإنما هو عن هشام بن حُجَير، عن ابن طاووس، وهشام ضعيف. قلت (١): والحديث الذي في البخاريّ عن معاوية: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ بمشقص، ولم يزد على هذا، والذي عند مسلم: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ بمشقص على المروة، وليس في "الصحيحين" غير ذلك. وأما رواية من روى: في أيام العشر، فليست في "الصحيح"، وهي معلولة، أو وَهَمٌ من معاوية، قال قيس بن سعد، راويها عن عطاء، عن ابن عباس، عنه: والناس ينكرون هذا على معاوية، قال ابن القيّم: وصَدَقَ قيس، فنحن نحلف بالله، إن هذا ما كان في العشر قطّ. ويشبه هذا وَهَم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود، عن قتادة، عن أبي شيخ الْهُنَائيّ أن معاوية قال لأصحاب النبيّ ﷺ : هل تعلمون أن النبيّ ﷺ نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النُّمُور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يُقْرَن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، فقال: أما إنها معها، ولكنكم نسيتم، قال ابن القيّم: ونحن نشهد بالله، إن هذا وَهْم من معاوية ﵁، أو كَذِبٌ عليه، فلم ينه رسول الله ﷺ عن ذلك قطّ، وأبو شيخ شيخ لا يُحتج به فضلًا عن أن يقدَّم على الثقات الحفاظ الأعلام، وإن روى عنه قتادة، ويحيى بن أبي كثير، واسمه خَيْوَان بن خَلْدة - بالخاء المعجمة - وهو مجهول (٢). فصل وأما من قال: حج متمتعًا تَمَتُّعًا لم يحلّ منه؛ لأجل سوق الهدي، كما قال صاحب "المغني"، وطائفة، فعذرهم قول عائشة وابن عمر ﵄: تمتع

стр. 13306

رسول الله ﷺ ، وقول حفصة ﵁: ما شأن الناس حلُّوا، ولم تحل من عمرتك؟ وقول سعد في المتعة: قد صنعها رسول الله ﷺ ، وصنعناها معه، وقول ابن عمر لمن سأله عن متعة الحج: هي حلال، فقال له السائل: إن أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله ﷺ أمْر أبي تتبع، أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ ، فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ . قال هؤلاء: ولولا الهدي لحلّ كما يحل المتمتع الذي لا هدي معه، ولهذا قال: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، فأخبر أن المانع له من الحلّ سوق الهدي، والقارن إنما يمنعه من الحل القران، لا الهدي، وأرباب هذا القول قد يُسَمُّون هذا المتمتع قارنًا؛ لكونه أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة، ولكن القران المعروف أن يحرم بهما جميعًا، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف. والفرق بين القارن والمتمتع السائق من وجهين: أحدهما: من الإحرام، فإن القارن هو الذي يُحرم بالحج قبل الطواف، إما في ابتداء الإحرام، أو في أثنائه. والثاني: أن القارن ليس عليه إلا سعي واحدٌ، فإن أتى به أوّلًا، وإلا سعى عقيب طواف الإفاضة، والمتمتع عليه سعي ثانٍ عند الجمهور، وعن أحمد رواية أخرى أنه يكفيه سعي واحد كالقارن، والنبيّ ﷺ لم يسع سعيًا ثانيًا عقيب طواف الإفاضة، فكيف يكون متمتعًا على هذا القول؟ [فإن قيل]: فعلى الرواية الأخرى يكون متمتعًا، ولا يتوجه الإلزام، ولها وجه قويّ من الحديث الصحيح، وهو ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر ﵁ قال: لم يطف النبيّ ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول، هذا مع أن أكثرهم كانوا متمتعين. وقد روى سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل، قال: حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا. [قيل]: الذين نظروا أنه كان متمتعًا تمتعًا خاصًّا لا يقولون بهذا القول، بل يوجبون عليه سعيين، والمعلوم من سنته ﷺ أنه لم يسع إلا سعيًا واحدًا،

стр. 13307

كما ثبت في "الصحيح" عن ابن عمر أنه قَرَن، وقَدِم مكة فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق، ولا قصّر، ولا حلّ من شيء حرم منه، حتى يوم النحر، فنحر، وحلق رأسه، ورأى أنه قد قضى طواف الحجّ والعمرة بطوافه الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ، ومراده بطوافه الأول الذي قضى به حجه وعمرته الطواف بين الصفا والمروة، بلا ريب. وذكر الدارقطنيّ عن عطاء، ونافع، عن ابن عمر، وجابر ﵁ أن النبيّ ﷺ إنما طاف لحجه وعمرته طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا، ثم قدم مكة، فلم يسع بينها بعد الصدر، فهذا يدلّ على أحد أمرين، ولا بد: إما أن يكون قارنًا، وهو الذي لا يمكن من أوجب على المتمتع سعيين أن يقول غيره، وإما أن المتمتع يكفيه سعي واحدٌ، ولكن الأحاديث التي تقدمت في بيان أنه كان قارنًا صريحة في ذلك، فلا يُعْدَل عنها. [فإن قيل]: فقد روى شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف، عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ طاف طوافين، وسعى سعيين، رواه الدارقطنيّ عن ابن صاعد، حدّثنا محمد بن يحيى الأزديّ، حدّثنا عبد الله بن داود، عن شعبة. [قيل]: هذا خبر معلول، وهو غلطٌ، قال الدارقطنيّ: يقال: إن محمد بن يحيى حدّث بهذا من حفظه، فوَهِم في متنه، والصواب بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة، والله أعلم، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ما يدل على أن هذا الحديث غلط. قال ابن القيّم: وأظن أن الشيخ أبا محمد بن قُدامة إنما ذهب إلى أن رسول الله ﷺ كان متمتعًا؛ لأن الإمام أحمد قد نصّ على أن التمتع أفضل من القران، ورأى أن الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله ﷺ إلا الأفضل، ورأى الأحاديث قد جاءت بأنه تمتع، ورأى أنها صريحة في أنه لم يحلّ، فأخذ من هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعًا خاصًّا لم يحلّ منه، ولكن أحمد لم يُرَجِّح التمتع؛ لكون النبيّ ﷺ حج متمتعًا، كيف وهو القائل: لا أشك أن رسول الله ﷺ كان قارنًا، وإنما اختار التمتع؛ لكونه آخر الأمرين من

стр. 13308

رسول الله ﷺ ، وهو الذي أمر به الصحابة أن يفسخوا حجهم إليه، وتأسف على فوته. ولكن نَقَل عنه المروزيّ أنه إذا ساق الهدي، فالقران أفضل، فمن أصحابه من جعل هذا رواية ثانية، ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا، وهي التي تليق بأصول أحمد، والنبيّ ﷺ لم يتمن أنه كان جعلها مع سوقه الهدي، بل وَدَّ أنه كان جعلها عمرة، ولم يسق الهدي. بقي أن يقال: فأي الأمرين أفضل: أن يسوق ويَقْرُن، أو يترك السوق ويتمتع، كما ودّ النبيّ ﷺ أنه فعله؟ قيل: وقد تعارض في هذه المسألة أمران: أحدهما: أنه ﷺ قرن، وساق الهدي، ولم يكن الله سبحانه ليختار له إلا أفضل الأمور، ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى، وخير الهدي هديه ﷺ . والثاني: قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة"، فهذا يقتضي أنه أَبُو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقتَ إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله، ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فبيّن أنه أَبُو كان مستقبلًا لِمَا استدبره، وهو الإحرام بالعمرة دون هدي، ومعلوم أنه لا يختار أنه لا ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنما يختار الأفضل، وهذا يدلّ على أن آخر الأمرين منه ترجيح التمتع. ولمن رجح القران مع السوق أن يقول: هو ﷺ لم يقل هذا لأجل أن الذي فعله مفضول مرجوح، بل لأن الصحابة شقّ عليهم أن يحلوا من إحرامهم مع بقائه هو محرمًا، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أُمروا به مع انشراح، وقبول، ومحبة، وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول؛ لما فيه من الموافقة، وتأليف القلوب، كما قال لعائشة ﵂: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابين"، فهذا تَرْكُ ما هو الأولى لأجل الموافقة والتأليف، فصار هذا هو الأولى في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا

стр. 13309

هدي، وفي هذا جَمْعٌ بين ما فعله، وبين ما وَدَّه وتمناه، ويكون الله سبحانه قد جَمَع له بين الأمرين: أحدهما بفعله له، والثاني بتمنيه ووُدّه له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجر ما نواه من الموافقة وتمناه. وكيف يكون نسك يتخلله التحلل، ولم يسق فيه الهدي أفضل من نسك لم يتخلله تحلل، وقد ساق فيه مائة بدنة؟ وكيف يكون نسك أفضل في حقه، من نسك اختاره الله له، وأتاه به الوحي من ربه؟ [فإن قيل]: التمتع، وإن تخلله تحلل، لكن قد تكرر فيه الإحرام، وإنشاؤه عبادة محبوبة للربّ، والقران لا يتكرر فيه الإحرام؟ [قيل]: في تعظيم شعائر الله بسوق الهدي، والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس في مجرد تكرر الإحرام، ثم إن استدامته قائمةٌ مقام تكرره، وسوقُ الهدي لا مقابل له يقوم مقامه. [فإن قيل]: فأيهما أفضل: إفراد يأتي عقيبه بالعمرة، أو تمتع يحل منه ثم يحرم بالحج عقيبه؟ [قيل]: معاذ الله أن نظن أن نسكًا قط أفضل من النسك الذي اختاره الله لأفضل الخلق، وسادات الأمة، وأن نقول عن نسك لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا أحد من الصحابة الذين حجّوا معه، بل ولا غيرهم من أصحابه، إنه أفضل مما فعلوه بأمره، فكيف يكون حج على وجه الأرض أفضل من الحج الذي حجه النبيّ - صلوات الله عليه - وأمر به أفضل الخلق، واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما عداه عن الأنساك إليه، ووَدّ أنه كان فعله؟ لا حج قط أكمل من هذا وهذا، وإن صحّ عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتمتع، ففي جواز خلافه نظر، ولا يوحشك قلة القائلين بوجوب ذلك (١)، فإن فيهم البحر الذي لا يَنْزِف، عبد الله بن عباس، وجماعة من أهل الظاهر، والسنة هي الحكم بين الناس، والله المستعان.

стр. 13310

فصل وأما من قال: إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين، وسعى له سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدارقطنيّ من حديث مجاهد، عن ابن عمر، أنه جمع بين حج وعمرة معًا، وقال: سبيلهما واحدٌ، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع، كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت. وعن عليّ ﵁ أيضًا أن النبيّ ﷺ كان قارنًا فطاف طوافين، وسعى سعيين. وعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: طاف رسول الله ﷺ لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعن عمران بن حصين: أن النبيّ ﷺ طاف طوافين، وسعى سعيين. وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد. أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عُمارة، وقال الدارقطنيّ: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عُمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث عليّ ﵁ الأول فيرويه حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث، وقال ابن خِرَاش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، قال الدارقطنيّ: عيسى بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبد الله، فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال الدارقطنيّ: وأبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإسناد ضعفاء. انتهى، وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذّاب خبيث، وقال الرازيّ، والنسائيّ: متروك الحديث.

стр. 13311

وأما حديث عمران بن حصين، فهو مما غَلِط فيه محمد بن يحيى الأزديّ، وحدّث به من حفظه، فوهم فيه، وقد حدّث به على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. وقد روى الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن حبان، في "صحيحه" من حديث الدّراورديّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ "من قرن بين حجته وعمرته، أجزأه لهما طواف واحد"، ولفظ الترمذيّ: "من أحرم بالحج والعمرة، أجزاه طواف وسعي واحد عنهما، حتى يحلّ منهما جميعًا" (١). وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال: من كان معه هدي، فَلْيُهِلّ بالحج والعمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا، فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. وصح أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: "إن طوافك بالبيت، وبالصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك". وروى عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ طاف طوافًا واحدًا لحجه وعمرته (٢)، وعبد الملك أحد الثقات المشهورين احتَجَّ به مسلم، وأصحاب "السنن"، وكان يقال له: الميزان، ولم يتكلم فيه بضعف ولا جرح، وإنما أنكر عليه حديث الشفعة، وتلك شكاة ظاهرٌ عنه عارها. وقد روى الترمذيّ عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قَرَن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، وهذا وإن كان فيه الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، وخلق، قال الثوريّ: وما بقي أحد

стр. 13312

أعرف بما يخرج من رأسه منه، وعِيبَ عليه التدليس، وقلّ من سلم منه، وقال أحمد: كان من الحفاظ، وقال ابن معين: ليس بالقويّ، وهو صدوق يدلِّس، وقال أبو حاتم: إذا قال: حدّثنا فهو صادقٌ، لا نرتاب في صدقه وحفظه. وقد روى الدارقطنيّ من حديث ليث بن أبي سليم، قال: حدّثني عطاء، وطاووس، ومجاهد، عن جابر، وعن ابن عمر، وابن عباس: أن النبيّ ﷺ لم يطف هو وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا لعمرتهم وحجهم، وليث بن أبي سليم احتَجَّ به أهل "السنن" الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال الدارقطنيّ: كان صاحب سنة، وإنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسبُ، وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ولكن حدّث عنه الناس، وضعّفه النسائيّ، ويحيى في رواية عنه، ومثل هذا حديثه حسنٌ، وإن لم يبلغ رتبة الصحة. وفي "الصحيحين" عن جابر، قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة، ثم وجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قد حضتُّ، وقد حلّ الناس، ولم أحلّ، ولم أطف بالبيت، فقال: "اغتسلي، ثم أهلّي"، ففعلت، ثم وقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وبالصفا والمروة، ثم قال: "قد حلَلْتِ من حجك وعمرتك جميعًا". وهذا يدل على ثلاثة أمور: أحدها: أنها كانت قارنة، والثاني: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، والثالث: أنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة التي حاضت فيها، ثم أدخلت عليها الحجّ، وأنها لم تَرْفُض إحرام العمرة بحيضها، وإنما رفضت أعمالها، والاقتصار عليها، وعائشة لم تطف أوّلًا طواف القدوم، بل لم تطف إلا بعد التعريف، وسعت مع ذلك، فإذا كان طواف الإفاضة، والسعي الواحد بعدُ يكفي القارن، فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة، وسعيّ واحدٌ مع أحدهما بطريق الأولى، لكن عائشة تعذّر عليها الطواف الأول، فصارت قِصَّتها حجةً، فإن المرأة التي يتعذر عليها الطواف الأول، تفعل كما فعلت عائشة، تُدخل الحج على العمرة، وتصير قارنةً، ويكفيها لهما طواف الإفاضة والسعي عقيبه.

стр. 13313

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يبيّن أنه ﷺ يطف طوافين، ولا سعى سعيين، قول عائشة ﵂: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا، متفق عليه. وقول جابر ﵁: لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول، رواه مسلم. وقوله لعائشة ﵂: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك"، رواه مسلم. وقوله لها في رواية أبي داود: "طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك جميعًا". وقوله لها في الحديث المتفق عليه - لما طافت بالكعبة، وبين الصفا والمروة -: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا". قال: والصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله ﷺ كلهم نقلوا أنهم لما طافوا بالبيت، وبين الصفا والمروة أمرهم بالتحلُّل، إلا من ساق الهدي، فإنه لا يحل إلا يوم النحر، ولم ينقُل أحد منهم أن أحدًا منهم طاف وسعى، ثم طاف وسعى، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم، والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد من الصحابة عُلِم أنه لم يكن. وعمدة من قال بالطوافين والسعيين، أثر يرويه الكوفيون عن عليّ، وآخر عن ابن مسعود ﵁. وقد رَوَى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ ﵁ أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، خلاف ما روى أهل الكوفة، وما رواه العراقيون منه ما هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون، أو مجروحون، ولهذا طعن علماء النقل في ذلك، حتى قال ابن حزم: كلُّ ما روي في ذلك عن الصحابة لا يصحّ منه، ولا كلمة واحدة، وقد نُقل في ذلك عن النبيّ ﷺ ما هو موضوع بلا ريب، وقد حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجته وعمرته إلا طوافًا واحدًا، وقد ثبت مثل ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم ﵃، وهم أعلم الناس بحجة رسول الله ﷺ ، فلم يخالفوها، بل هذه الآثار صريحة في أنهم لم يطوفوا بالصفا والمروة إلا مرة واحدة.

стр. 13314

فصل وأما الذين قالوا: إنه حج حجًّا مفردًا، اعتمر عقيبه من التنعيم، فلا يعلم لهم عذر البتة، إلا ما تقدم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك. فصل وأما الذين غَلِطوا في إهلاله، فمَن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها، فعذره أنه سمع أن رسول الله ﷺ تمتع، والمتمتع عنده من أهلّ بعمرة مفردة بشروطها، وقد قالت له حفصة ﵂: "ما شأن الناس حلّوا، ولم تحلّ من عمرتك؟ "، وكلّ هذا لا يدل على أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولم ينقل هذا أحد عنه البتة، فهو وَهَمٌ محضٌ، والأحاديث الصحيحة المستفيضة في لفظه في إهلاله تبطل هذا. فصل وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، واستمر عليه فعذره، ما ذكرنا عمن قال: أفرد الحج، ولبى بالحج، وقد تقدم الكلام على ذلك، وأنه لم يقل أحد قط إنه قال: لبيك بحجة مفردة، وإن الذين نقلوا لفظه صرَّحوا بخلاف ذلك. فصل وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، وظَنّ أنه بذلك تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة، فحملها على ابتداء إحرامه، ثم أنه أتاه آتٍ من ربه تعالى، فقال: قل: عمرة في حجة، فأدخل العمرة حينئذ على الحج، فصار قارنًا، ولهذا قال للبراء بن عازب: "إني سقت الهدي، وقرنت"، فكان مفردًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه، وأيضًا فإن أحدًا لم يقل: إنه أهلّ بالعمرة، ولا لبى بالعمرة، ولا أفرد العمرة، ولا قال: خرجنا لا ننوي إلا العمرة، بل قالوا: أهلّ بالحجّ، ولبّى بالحج، وأفرد الحجّ، وخرجنا لا ننوي إلا الحج، وهذا يدل على أن الإحرام وقع أولًا بالحج، ثم جاءه الوحي من ربه تعالى بالقران، فلبّى بهما، فسمعه

стр. 13315

أنس يلبي بهما، وصَدَقَ، وسمعته عائشة، وابن عمر، وجابر يلبي بالحج وحده أولًا، وصدقوا. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويزول عنها الاضطراب. وأرباب هذه المقالة لا يجيزون إدخال العمرة على الحج، ويرونه لَغْوًا، ويقولون: إن ذلك خاصّ بالنبيّ ﷺ دون غيره، قالوا: ومما يدل على ذلك أن ابن عمر قال: لبّى بالحج وحده، وأنس قال: أهلّ بهما جميعًا، وكلاهما صادق، فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقًا على إهلاله بالحج؛ لأنه إذا أحرم قارنًا لم يمكن أن يحرم بعد ذلك بحج مفرد، وينقل الإحرام إلى الإفراد، فتعيّن أنه أحرم بالحج مفردًا، فسمعه ابن عمر، وعائشة، وجابر، فنقلوا ما سمعوه، ثم أدخل عليه العمرة، فأهلّ بها جميعًا لَمّا جاءه الوحي من ربه، فسمعه أنس يُهلّ بهما، فنقل ما سمعه، ثم أخبر عن نفسه بأنه قَرَنَ، وأخبر عنه من تقدم ذكره من الصحابة بالقران، فاتفقت أحاديثهم، وزال عنها الاضطراب والتناقض. قالوا: ويدل عليه قول عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: "من أراد منكم أن يهلّ بحج وعمرة فليهلّ"، قالت عائشة: فأهلّ رسول الله ﷺ بحج، وأهلّ به ناس معه (١)، فهذا يدل على أنه كان مفردًا في ابتداء إحرامه، فعُلم أن قرانه كان بعد ذلك. قال ابن القيّم: ولا ريب أن في هذا القول من مخالفة الأحاديث المتقدمة، ودعوى التخصيص للنبيّ ﷺ بإحرام لا يصح في حق الأمة ما يردُّه ويبطله، ومما يردّه أن أنسًا قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بالبيداء، ثم ركب، وصعد جبل البيداء، وأهلّ بالحج والعمرة حين صلى الظهر. وفي حديث عمر أن الذي جاءه من ربه، قال له: "صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة"، فكذلك فعل رسول الله ﷺ ، فالذي رَوَى عمر أنه أُمر به، وروى أنس أنه فعله، فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم قال: لبيك حجًّا وعمرة.

стр. 13316

واختَلَف الناس في جواز إدخال العمرة على الحج، على قولين، وهما روايتان عن أحمد: أشهرهما أنه لا يصحّ، والذين قالوا بالصحة، كأبي حنيفة وأصحابه ﵏ بنوه على أصولهم، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج، فقد التزم زيادة عمل على الإحرام بالحج وحده، ومن قال: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، قال: لم يستفد بهذا الإدخال إلا سقوط أحد السفرين، ولم يلتزم به زيادة عمل، بل نقصانه، فلا يجوز، وهذا مذهب الجمهور. فصل وأما القائلون: إنه أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحجّ، فعذرهم قول ابن عمر: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، متّفقٌ عليه. وهذا ظاهر في أنه أحرم أوّلًا بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، ويبيّن ذلك أيضًا أن ابن عمر لما حجّ زمن ابن الزبير أهلّ بعمرة، ثم قال: أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ثم انطلق يُهِلّ جميعًا، حتى قدم مكة، فطاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلّ من شيء حرُم منه حتى كان يوم النحر، فنحر، وحلق، ورأى أن ذلك قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ . فعند هؤلاء أنه كان متمتعًا في ابتداء إحرامه، قارنًا في أثنائه، وهؤلاء أعذر من الذين قبلهم، وإدخال الحج على العمرة جائز بلا نزاعٍ يُعْرَف، وقد أمر النبيّ ﷺ عائشة ﵂ بإدخال الحج على العمرة، فصارت قارنةً. ولكن سياق الأحاديث الصحيحة يردّ على أرباب هذه المقالة، فإن أنسًا أخبر أنه حين صلى الظهر أهلّ بهما جميعًا، وفي "الصحيح" عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : "من أراد منكم أن يهلّ بعمرة فليهلّ، فلولا أني أهديت،

стр. 13317

لأهللت بعمرة"، قالت: وكان من القوم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهلّ بالحج، فقالت: فكنت أنا ممن أهلّ بعمرة، وذكرت … الحديث، رواه مسلم. فهذا صريح في أنه لم يهلّ إذ ذاك بعمرة، فإذا جَمَعتَ بين قول عائشة هذا، وبين قولها في "الصحيح": تمتّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وبين قولها: وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج، والكل في "الصحيح"، علمتَ أنها إنما نَفَت عمرة مفردةً، وأنها لم تنف عمرة القران، وكانوا يسمونها تمتعًا، كما تقدم، وأن ذلك لا يناقض إهلاله بالحجّ، فإن عمرة القران في ضمنه، وجزء منه، ولا ينافي قولها: أفرد الحجّ؛ لأن أعمال العمرة لَمّا دخلت في أعمال الحجّ، وأُفردت أعماله، كان ذلك إفرادًا بالفعل. وأما التلبية بالحج مفردًا، فهو إفراد بالقول. وقد قيل: إن حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وبدأ رسول الله ﷺ ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، مروي بالمعنى الآخر من حديثه، وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حجه في فتنة ابن الزبير، وأنه بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدٌ، أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، فأهلّ بهما جميعًا، ثم قال في آخر الحديث: هكذا فعل رسول الله ﷺ ، وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد، وسعي واحد، فحُمِل على المعنى، ورُوي به: أن رسول الله ﷺ بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وإنما الذي فعل ذلك ابن عمر، وهذا ليس ببعيد، بل متعين، فإن عائشة قالت عنه: "لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة"، وأنس قال عنه: إنه حين صلى الظهر أوجب حجًّا وعمرة، وعمر ﵁ أخبر عنه أن الوحي جاءه من ربه، فأمره بذلك. [فإن قيل]: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل حديث سالم، عن ابن عمر؟ [قيل]: الذي أخبرت به عائشة من ذلك، هو أنه ﷺ طاف طوافًا واحدًا عن حجه وعمرته، وهذا هو الموافق لرواية عروة عنها في "الصحيحين": "وطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافوا

стр. 13318

طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا"، فهذا مثل الذي رواه سالم، عن أبيه سواء، وكيف تقول عائشة: إن رسول الله ﷺ بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج؟ وقد قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن معي الهدي، لأهللت بعمرة"، وقالت: وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج، فعُلِم أنه لم يهلّ في ابتداء إحرامه بعمرة مفردة، والله أعلم. فصل وأما الذين قالوا: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا، لم يعيّن فيه نسكًا، ثم عيّنه بعد ذلك لَمّا جاءه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، وهو أحد أقوال الشافعيّ ﵀، نَصّ عليه في "كتاب اختلاف الحديث"، قال: وثبت أنه خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو ما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهلّ، ومن لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، ثم قال: ومن وصف انتظار النبيّ ﷺ القضاء؛ إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلبًا للاختيار فيما وسّع الله من الحج والعمرة، فيشبه أن يكون أحفظ؛ لأنه قد أُتِي بالمتلاعنين، فانتظر القضاء، كذلك حفظ عنه في الحج ينتظر القضاء. وعذر أرباب هذا القول ما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: (أخرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًّا ولا عمرة"، وفي لفظ: "يلبي لا يذكر حجًّا ولا عمرة"، وفي رواية عنها: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت، وبين الصفا والمروة، أن يحل"، وقال طاووس: خرج رسول الله ﷺ من المدينة، لا يسمي حجًّا ولا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه، من كان منهم أهلّ بالحجّ، ومن لم يكن معه هدي، أن يجعلها عمرة … الحديث. وقال جابر ﵁ في حديثه الطويل، في سياق حجة النبيّ ﷺ : فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصري، بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل

стр. 13319

ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فما عَمِل به من شيء، عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك"، وأهلّ الناس بهذا يهلّون به، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته، فأخبر جابر أنه لم يزد على هذه التلبية، ولم يذكر أنه أضاف إليها حجًّا ولا عمرةً، ولا قرانًا، وليس في شيء من هذه الأعذار ما يناقض أحاديث تعيينه النسك الذي أحرم به في الابتداء، وأنه القران. فأما حديث طاووس، فهو مرسلٌ، لا يعارض به الأساطين المسندات، ولا يعرف اتصاله بوجه صحيح، ولا حسن، ولو صحّ، فانتظاره للقضاء، كان فيما بينه وبين الميقات، فجاءه القضاء، وهو بذلك الوادي، أتاه آت من ربه تعالى، فقال: "صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة"، فهذا القضاء الذي انتظره جاءه قبل الإحرام، فعيَّن له القران، وقول طاووس: نزل عليه القضاء، وهو بين الصفا والمروة، وهو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل عليه بإحرامه، فإن ذلك كان بوادي العقيق، وأما القضاء الذي نزل عليه بين الصفا والمروة، فهو قضاء الفسخ الذي أَمَر به الصحابة إلى العمرة، فحينئذ أَمَر كلَّ من لم يكن معه هدي منهم، أن يفسخ حجه إلى عمرة، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سُقت الهدي، ولجعلتها عمرة"، وكان هذا أمر حتم بالوحي، فإنهم لما توقفوا فيه، قال: "انظروا الذي آمركم به، فافعلوه". وأما قول عائشة ﵂: "خرجنا لا نذكر حجّا ولا عمرة"، فهذا إن كان محفوظًا عنها، وجب حمله على ما قبل الأحرام، وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها أن منهم من أهلّ عند الميقات بحج، ومنهم من أهلّ بعمرة، وأنها ممن أهلّ بعمرة، وأما قولها: "نلبي لا نذكر حجًّا ولا عمرة"، فهذا في ابتداء الإحرام، ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعًا، فإن الذين سمعوا إحرام رسول الله ﷺ ، وما أهلّ به شهدوا على ذلك، وأخبروا به، ولا سبيل إلى ردّ رواياتهم، ولو صح عن عائشة ذلك، لكان غايته أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات، فنفته، وحفظه غيرها من الصحابة، فأثبته، والرجال بذلك أعلم من النساء.

стр. 13320

وأما قول جابر ﵁: وأهلّ رسول الله ﷺ بالتوحيد، فليس فيه إلا إخباره عن صفة تلبيته، وليس فيه نفي لتعيينه النسك الذي أحرم به بوجه من الوجوه، وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفي التعيين، لكانت أحاديث أهل الإثبات أولى بالأخذ منها؛ لكثرتها، وصحتها، واتصالها، وأنها مثبتة مبيِّنة متضمنة لزيادة خَفِيت على من نفى، وهذا - بحمد الله - واضح، وبالله التوفيق. انتهى ما حقّقه الإمام ابن القيّم ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي طوّل به ابن القيّم ﵀ نفسه في تحقيقه مرجّحًا أنه ﷺ كان قارنًا من أول ما أنشأ الإحرام، وأنه لا زال قارنًا حتى حلّ يوم النحر من النسكين جميعًا، هو التحقيق الحقيق بالقبول؛ حيث أيّدته الأحاديث الصحيحة التي لا تقبل التأويل، ولا سيّما حديث عمر ﵁ في قصّة إتيان الملك إليه ﷺ ، وأمْره له بالقران، وذلك بيقين قبل إنشاء الإحرام؛ لأن وادي العقيق قبل ذي الحليفة، فقد قيل: إنه مكان قريب من البقيع، بينه وبين المدينة نحو أربعة أميال (٢)، بينما المسافة التي بين المدينة وبين ذي الحليفة نحو ستة أميال (٣). فظهر بهذا وتبيّن أن أمْره ﷺ بالقران كان قبل إنشاء الإحرام، وأنه ﷺ امتثل ما أَمَره به ربه، ولا يجوز أن يَظُنّ أحد أنه ﷺ خالف ما أُمر به من القران، ثم أهلّ بالحج المفرد، أو العمرة المفردة، ثم بعد ذلك أدخل أحد النسكين على الآخر، فهذا مما لا يُتصوّره عاقل. والحاصل أنه ﷺ حجّ قارنًا، وما عدا ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على خلاف هذا، فكلّها قابلة للتأويل بما يوافق هذا، وقد تقدّم تحقيق هذا

стр. 13321

وإيضاحه فيما سبق، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في طواف القارن، وسعيه: ذهب الجمهور، ومنهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق إلى أن القارن يقتصر على طواف واحد، وسعي واحد، وهو محكيّ عن ابن عمر، وابن عبّاس ﵄، وجابر، وعائشة، وعطاء، وطاوس، والحسن، والزهريّ، ومجاهد. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يجب عليه طوافان، وسعيان، وهو رواية عن أحمد، وبه قال سفيان الثوريّ، وحكي عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، والحسن بن عليّ. قال الحافظ وليّ الدين: ولم يصحّ عنهم. وبه قال إبراهيم النخعيّ، والأسود بن يزيد، وأبو جعفر الباقر، والشعبيّ، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن حيّ. واحتجّ هؤلاء بما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق الحسن بن عُمارة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: "خرج ابن عمر، يُهلّ بعمرة، وهو يتخوّف أيام نَجْدة أن يُحبس عن البيت، فلما سار أيامًا، قال: ما الحصر في العمرة، والحصر في الحجّ إلا واحد، فضمّ إليها حجة، فلما قدم طاف طوافين، طوافًا لعمرته، وطوافًا لحجته، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل". لكن هذه رواية ضعيفة جدًّا، ومع ذلك فهي شاذّة، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عُمارة، وهو متروك، وقال البيهقيّ: الحسن بن عمارة أجمع أهل النقل على ترك حديثه؛ لكثرة المناكير في رواياته، وكيف يصحّ هذا عن ابن عمر، وقد ثبت أنه طاف لهما طوافًا واحدًا في هذه السنة، كما سبق، قاله الحافظ وليّ الدين ﵀. وقال في "الفتح" في شرح حديث عائشة ﵂ في حجة الوداع، وفيه: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا"، وحديثِ ابن عمر ﵄ في حجه عام نزل الحجاج بابن الزبير، أورده البخاريّ من وجهين في

стр. 13322

كلّ منهما أنه جمع بين الحج والعمرة، أهلّ بالعمرة أولًا، ثم أدخل عليها الحجّ، وطاف لهما طوافًا واحدًا، كما في الطريقة الأولى، وفي الطريقة الثانية: "ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول". ما نصّه: وفي هذه الرواية رفع احتمالٍ قد يؤخذ من الرواية الأولى أن المراد بقوله: "طوافًا واحدًا" أي: طاف لكلّ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه: عن النبيّ ﷺ قال: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد، وسعيٌ واحد"، وأعلّه الطحاويّ بأن الدراورديّ أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسّك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة، وغير واحد، عن نافع نحو سياق ما في الباب، من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: "إن النبيّ ﷺ فعل ذلك"، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبيّ ﷺ . انتهى. قال الحافظ: وهو تعليلٌ مردود، فالدراورديّ صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين. واحتجّ الحنفيّة بما روي عن عليّ ﵁ أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، وطرقه عن عليّ عند عبد الرزاق، والدارقطنيّ، وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود ﵁ بإسناد ضعيف نحوه. وأخرج من حديث ابن عمر بنحو ذلك، وفيه الحسن بن عُمارة، وهو متروك، والمخرّج في "الصحيحين"، وفي "السنن" عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقيّ: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيُحْمَل على طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم: لا يصحّ عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلًا. قال الحافظ: لكن روى الطحاويّ، وغيره موقوفًا عن عليّ، وابن مسعود

стр. 13323

ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصحّ من حديثي ابن عمر، وعائشة المذكورين في هذا الباب. وقد أجاب الطحاويّ عن حديث ابن عمر بأنه اختُلِف عليه في كيفية إحرام النبيّ ﷺ ، وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه ﷺ أحرم أولًا بحجة، ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتّع بها إلى الحجّ، كذا قال الطحاويّ، مع جزمه قبل ذلك بأنه ﷺ كان قارنًا. وهبْ أن ذلك كما قال، فلِمَ لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول الله ﷺ ؛ أي: أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد؟ وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنه ﷺ كان قارنًا، فإنه مع قوله: تمتّع رسول الله ﷺ ، وصف فعل القران، حيث قال: بدأ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ، وهذا من صور القران، وغايته أنه سمّاه تمتعًا؛ لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعًا. ثم أجاب عن حديث عائشة ﵄ بأنها أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا، يعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ لأن حجتهم كانت بمكة، والحجة المكيّة لا يطاف لها إلا بعد عرفة، قال: والمراد بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع تمتع، لا جمع قران. انتهى. قال الحافظ: وإني لكثير التعجّب منه في هذا الموضع، كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين، فإنها صرّحت بفعل من تمتع، ثم من قرَن، قالت: "فطاف الذين أهلّوا بالعمرة، ثم حلّوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى"، فهؤلاء أهلُ التمتع، ثم قالت: "وأما الذين جمعوا إلخ"، فهؤلاء أهلُ القران، وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، والله المستعان. وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: "لم يطف النبيّ ﷺ ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا"، ومن طريق طاوس، عن عائشة: "أن النبيّ ﷺ قال لها: يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وهذا صريح في الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، قال عبد الرزاق، عن سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كُهيل،

стр. 13324

قال: "حلف طاوس ما طاف أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ لحجه وعمرته إلا طوافًا واحدًا"، وهذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما رُوي عن عليّ، وابن مسعود من ذلك، وقد رَوَى آل بيت عليّ عنه مثل الجماعة، قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أنه كان يحفظ عن عليّ: "للقارن طواف واحد"، خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعّف ما روي عن عليّ من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أُذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحجّ أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين، والذين احتجّوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلّت عليه، وإلا فلا حجة فيها. وقال ابن المنذر: احتجّ أبو ثور (١) من طريق النضر (٢) بأنّا أجزنا جميعًا للحجّ والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف واحد، وسعيٌ واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات، وفي هذا القياس مباحث كثيرة، لا نُطيل بها. واحتجّ غيره بقوله ﷺ : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، وهو صحيح، كما سلف، فدلّ على أنها لا تحتاج بعد أن دخلت فيه إلى عمل آخر غير عمله. والحقّ أن الْمُتَّبَعَ في ذلك السنةُ الصحيحةُ، وهي مستغنية عن غيرها. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ هو كلام نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن ما دلّت عليه السنة الصحيحة، وهو أن القارن يكفيه طواف

стр. 13325

واحد، وسعي واحد، هو الحقّ، ودليله هو السنة الصحيحة الصريحة فيه، ولا حاجة إلى الأدلة العقلية؛ لأن السنة الصحيحة فيها الكفاية؛ إذ هي العمدة البالغة، والحجة الدامغة، وكلّ قياس في مقابلتها فاسد الاعتبار، ولله درّ من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … جَارِي فِي مَيَادينِ الكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْد، فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ"، قَالَتْ عائشة ﵂: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، حَتى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيم، مَكَانَ عُمْرَتي الَّتي أَدْرَكَني الْحَجُّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيل، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث

стр. 13326

المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدِ) بن عَقِيل - الأول بالضمّ، والثاني بالفتح - الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ) تقدّم أن القاضي عياضًا ﵀ قال: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في "صحيحي البخاري ومسلم" وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبيّ ﷺ إنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودُنُوّهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت وسعيه، كما جاء في رواية جابر، ويَحْتَمِل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى. وقال النوويّ ﵀: هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة وأحمد، وموافقهما في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحَلَقَ حَلّ من عمرته، وحلّ له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هديًا أم لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحلّ له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله: "من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا"، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى فليهلل بالحج، ولا يَحِلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضية واحدة، والراوي

стр. 13327

واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون هذا التأويل متكلّفًا، بل الظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، ومن قال بقولهما، من أن من اعتمر، وساق الهدي لا يتحلّل حتى يبلغ الهدي محلّه، وينحره يوم النحر، ولا حاجة إلى تأويل هذه الرواية الصريحة، إلى الرواية الأخرى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) هذا بظاهره يقتضي أنه ﷺ ما أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة، مع أن الصحيح بروايات أربعة عشر من الصحابة ﵃ أنه أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحجّ، وجعله عمرة، فحينئذ لا بدّ من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، والأمر بالفسخ من لم يسق الهدي، فلا منافاة، قاله السنديّ ﵀ في "حاشية مسلم" (٢). وقولها: (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) قال القرطبي ﵀: هذا مخالف لقولها في الرواية الأخرى: "فلما كان يوم النحر طهرت"، ووجه التوفيق أن يُحْمَل على أنه تقارب انقطاع الدم عنها يوم عرفة، ورأت علامة الطهر يوم النحر. انتهى (٣). وقولها: (حَتى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) "كان" هنا تامّةٌ لا تحتاج إلى خبر، فهي بمعنى "جاء"، و"يوم" مرفوع على الفاعلية، قال الحريريّ ﵀ في "ملحته": وَإِنْ تَقُلْ يَا قَومِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ وقولها: (وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ) هذا صريح في كون عائشة ﵂ لم تُحرم إلا بعمرة، وقد سبق أن هذا في ثاني الحالين، فإنها كانت أولًا ابتدأت بالحجّ، ثم قلبته إلى العمرة بعد أن أمر ﷺ أصحابه بذلك، فصارت معتمرة، ثم أدخلت عليها الحجّ، فصارت قارنة، فتنبّه. وقولها: (وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ) تقدّم أن الصحيح في معناه ترك أعمالها، لا

стр. 13328

إبطالها، فإنها لا زالت معتمرة، وإنما تركت الطواف والسعي؛ لتعذّر ذلك عليها بالحيض، فأدخلت الحجّ عليها، والله تعالى أعلم. وقولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ، وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا) فيه دليل واضح على أنها لم تُبطل عمرتها، ولم تتحلّل منها، بل بقيت عليها، حتى أتمّتها مع الحج، ثم أتت بعمرة مفردة، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ (١) بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِه، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا"، قَالَتْ: فَحِضْتُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟ قَالَ: "انْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَن الْعُمْرَة، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ"، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِي (٢) أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَني، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيم، مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتي أَمْسَكْتُ عَنْهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، أبو نصر، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ، تغيّر بعدما عمي، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 13329

والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ) هذا ذكرته توطئةً لما تريد الإخبار به من استمرارها على تمحيض العمرة، وأنها لم تُدخل عليها الحجّ؛ لأنه ﷺ إنما أمر بضمّ الحجّ إلى العمرة من كان معه هدي. والْهَديُ بإسكان الدال، وتخفيف الياء، وبكسر الدال، وتشديد الياء لغتان مشهورتان، الأولى أفصح، وأشهر، وهو اسم لما يُهْدَى إلى الحرم من الأنعام، وسوق الهدي سنّة من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، قاله وفي الدين ﵀ (١). وقوله: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ) قال القرطبي ﵀: ظاهره أنه أمرهم بالقران، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك من قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمرًا بالإرداف. انتهى. وقوله: (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا) قال القرطبي ﵀: هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحلّ إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين، وسيأتي قوله ﷺ لعائشة ﵂: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وهو نصٌّ في الردّ عليه، وكذلك قولها: "فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا". انتهى (٢). وقوله: (فَحِضْتُ) بكسر الحاء، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا، من باب باع يبيع بيعًا. وقولها: (أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي) وفي رواية البخاريّ: "أن النبيّ ﷺ أمره أن يُردف عائشة، ويعمرها من التنعيم"، قال في "الفتح": وهذا يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبيّ ﷺ ، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود، من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: "يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم … " الحديث، ونحوه رواية مالك السابقة في الحديث السابق، عن ابن

стр. 13330

شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أرسلني النبيّ ﷺ مع عبد الرحمن إلى التنعيم"، ورواية الأسود، عن عائشة الآتية: "قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم"، وعند البخاريّ من وجه آخر عن الأسود والقاسم جميعًا عنها، بلفظ: "فاخرجي إلى التنعيم"، وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبيّ ﷺ . قال: وكلُّ ذلك يفسر قوله في رواية القاسم عنها الآتية، حيث أورده بلفظ: "اخرج بأختك من الحرم". وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مُليكة عنها في هذا الحديث: "قال: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: احملها خلفك حتى تخرج من الحرم"، فوالله ما قال: فتخرجها إلى الجعرانة، ولا إلى التنعيم، فهي رواية ضعيفة؛ لضعف أبي عامر الخراز الراوي له عن ابن أبي مليكة. قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: فوالثه إلخ من كلام مَن دون عائشة، قاله متمسكًا بإطلاق قوله: "فأخرجها من الحرم"، لكن الروايات المقيَّدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة، فهو أولى، ولا سيما مع صحة أسانيدها، والله أعلم. [فائدة]: زاد أبو داود في روايته بعد قوله: "إلى التنعيم": "فإذا هَبَطت بها من الأَكَمَة فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة"، وزاد أحمد في رواية له: "وذلك ليلة الصَّدَر"، وهو بفتح المهملة والدال؛ أي: الرجوع من منى. وفي قوله: "فإذا هَبَطت بها" إشارة إلى المكان الذي أحرمت منه عائشة ﵂، وقد مرَّ تمام البحث في هذا في شرح الحديث الأول، فتنبّه. وقولها: (فَأَرْدَفَنِي) فيه دليل على جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقةً، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بذلك، وفيه جواز إرداف الرجل المرأة من محارمه، والخلوة بها، وهذا مجمع عليه، قاله النوويّ ﵀ (١). وقولها: (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة ظاهرة على أنها لم تَخْرُج منها، وإنما أمسكت عن أعمالها، وأحرمت بالحج، فأدرجت أعمالها بالحج، كما سبق بيانه، وهو مؤيِّد للتأويل الذي قدمناه في قوله ﷺ : "ارفُضي عمرتك"، و"دَعِي عمرتك" أن المراد رفض إتمام أعمالها،

стр. 13331

لا إبطال أصل العمرة. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ (٢)، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. والباقون ذكروا في الباب. وقوله: ("مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ … إلخ) فيه دليل على جواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا في أفضلها، وقد سبق أن الأرجح أن القران أفضل من ساق الهدي؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13332

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ"، قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَل بِالْحَجّ، قَالَتْ: فَكُنْتُ أنا مِمَّنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، فَخَرَجْنَا حَتى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَك، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ"، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَة، وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي، وَخَرَجَ بِي إِلَى التنْعِيم، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَضَى اللهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. قال القرطبي ﵀: قولها في هذه الرواية: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أي: مُطِلِّين عليه، ومُشْرِفين، يقال: أوفى على ثَنِيّة كذا؛ أي: شارفها، وأَطَلَّ عليها، ولا يلزم منه أن يكون دخل فيها، وقد دلَّ على صحة هذا: قولها في الرواية الأخرى: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة"، وكذلك كان، وقَدِم النبيّ ﷺ مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة، فأقام النبيّ ﷺ طريقه إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة (١).

стр. 13333

وقال النوويّ ﵀: قولها: "موافين لهلال ذي الحجة"؛ أي: مقاربين لاستهلاله، وكان خروجهم قبله لخمس في ذي القعدة، كما صَرَّحت به في رواية عمرة التي ذكرها مسلم بعد هذا من حديث عبد الله بن سَلِمَة، عن سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عمرة. انتهى (١). وقال في "الفتح": قولها: "خرجنا موافين لهلال ذي الحجة"؛ أي: قرب طلوعه، وسيأتي أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، والخمس قريبة من آخر الشهر، فوافاهم الهلال، وهم في الطريق؛ لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة. انتهى. وقولها: (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء، وإسكان الصاد المهملتين -: هي الليلة التي بعد أيام التشريق، وسُمّيت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى، فنزلوا في الْمُحَصَّب، وباتوا بها، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال القرطبي ﵀: وقولها: "فلما كانت ليلة الحَصْبة" - بسكون الصاد -، وهي: الليلة التي ينزل الناس فيها المحصب عند انصرافهم من منى إلى مكة، والتحصيب: إقامتهم بالمحصَّب، وهو الشِّعبُ الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ ﷺ حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة؛ الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما تسمَّى: الأبطح، والبطحاء: لقربه منه، ونزوله بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر والعصر والعشاءين ويخرج منه ليلًا سُنَّة عند مالك، والشافعي، وبعض السَّلف؛ اقتداءً بالنبيّ ﷺ ، ولم يره بعضهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى (٣). وقولها: (وَقَدْ قَضَى اللهُ حَجَّنَا) أي: والعمرة التي قرئت معه. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ) قال النوويّ ﵀: هذا محمول على إخبارها عن نفسها؛ أي: لم يكن عليّ في ذلك هدي، ولا صدقةٌ، ولا صوم، ثم إنه مشكلٌ من حيث إنها كانت قارنةً، والقارن يلزمه

стр. 13334

الدم، وكذلك المتمتع، ويمكن أن يُتأوَّل هذا على أن المراد لم يجب عليّ دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام، كالطيب، وستر الوجه، وقتل الصيد، وإزالة شعر وظفر، وغير ذلك؛ أي: لم أرتكب محظورًا، فيجب بسببه هديٌ، أو صدقةٌ، أو صوم، هذا هو المختار في تأويله. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه تكلّف ظاهر. وقال في "الفتح": وأما قوله في هذا الحديث: "فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ، ولا صدقة، ولا صومٌ" فظاهره أن ذلك من قول عائشة ﵂، وكذا أخرجه مسلم، وابن ماجه، من رواية عبدة بن سليمان، ومسلم من طريق ابن نُمَير، والإسماعيليّ من طريق عليّ بن مسهر وغيره، لكن قد تقدم الحديث عند البخاريّ في "كتاب الحيض" من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة إلخ، فقال في آخره: قال هشام: "ولم يكن في شيء من ذلك إلخ"، فتبيّن أنه في رواية يحيى القطان ومن وافقه مُدْرَج، وكذا أخرجه أبو داود، من طريق وُهيب، والحمادين، عن هشام، ووقع في الحديث موضعٌ آخر مُدْرَجٌ، وهو قوله قبل ذلك: "فقضى الله حجها وعمرتها"، فقد بَيَّن أحمد في روايته عن وكيع، عن هشام، أنه من قول عروة، وبَيَّنه مسلم، عن أبي كريب، عن وكيع بيانًا شافيًا، فإنه أخرجه عقب رواية عبدة، عن هشام: وقال فيه: فساق الحديث بنحوه، وقال في آخره: قال عروة: "فقضى الله حجها وعمرتها"، قال هشام: "ولم يكن في ذلك هديٌ، ولا صيامٌ ولا صدقةٌ"، وساقه الْجَوْزقيّ من طريق مسلم بهذا الإسناد بتمامه، بغير حوالة. ورواه ابن جريج، عن هشام، فلم يذكر الزيادة، أخرجه أبو عوانة، وكذا أخرجه الشيخان من طريق الزهريّ، وأبي الأسود، عن عروة، بدون الزيادة. قال ابن بطال: قوله: "فقضى الله حجها وعمرتها … " إلى آخر الحديث، ليس من قول عائشة ﵂، وإنما هو من كلام هشام بن عروة، حدّث به هكذا في العراق، فوهم فيه، فظهر بذلك أن لا دليل فيه من قال إن عائشة لم تكن قارنةً، حيث قال: لو كانت قارنة لوجب عليها الهدي للقران، وحمل قوله لها: "ارْفُضي عمرتك" على ظاهره.

стр. 13335

لكن طريق الجمع بين مختلف الأحاديث تقتضي ما قررناه، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر، كما تقدم، وروى مسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ أهدى عنها، فيُحْمَل على أنه ﷺ أهدى عنها من غير أن يأمرها بذلك، ولا أعلمها به. وقال القرطبي ﵀: قولها: "ولم يكن في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صوم" هذا الكلام مشكل على من يقول: إنها كانت معتمرة، أو قارنة؛ لأنها إن كانت معتمرة فقد استباحت مشط رأسها، وإلقاء القمل؛ إن تنزلنا على تأويل من قال: إنها كان بها أذى، وإنها رُخِّص لها كما رُخِّص لكعب بن عجرة، فكانت تلزم الفدية كما نصَّ الله على ذلك، وأما إن كانت قارنة فيلزمها الهدي للقران عند جماعة العلماء إلا داود فإنه لا يرى في القران هديًا. وقد أشكل هذا على أصحابنا حتى قال القاضي أبو الفضل عياض: لم تكن معتمرة ولا قارنة، وإنما كانت أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملت حجها اعتمرت عمرة مبتدأة، فلم تكن متمتعة، فلم يجب عليها هدي. قال القرطبي ﵀: وكأن القاضي ﵀ لم يسمع قولها: "وكنت فيمن أهلّ بعمرة"، وقولها: "ولم أهلّ إلا بعمرة"، ولا قوله ﷺ لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك". قال: وهذا الكلام المشكل يهوّن إشكاله: أنه قد رواه وكيع موقوفًا على هشام بن عروة وأبيه، فقال: قال عروة: إنه قضى الله حجها وعمرتها، قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صيام، ولا صدقة، وإذا كان الأمر كذلك سهل الانفصال؛ بأن يقال: إن عروة وهشامًا لمّا لم يبلغهما في ذلك شيء أخبرا عن نفي ذلك في علمهما، ولا يلزم من ذلك انتفاء ذلك الأمر في نفسه، فلعل النبيّ ﷺ أهدى عنها، ولم يبلغهما ذلك، وهذا التأويل أيضًا منقدح على تقدير: أن يكون هذا الكلام من قول عائشة ﵂، ويؤيده قول جابر: أن النبيّ ﷺ أهدى عن عائشة بقرة على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -. ويَحْتَمِل أن يكون معنى قولهم: "لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة" أي: لم يأمرها بذلك، ولم يكلّفها شيئًا من ذلك؛ لأنه نوى أن يقوم به عنها، كما قد

стр. 13336

فعل على ما رواه جابر وغيره. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ. وقال ابن خزيمة: معنى قوله: "لم يكن في شيء من ذلك هديٌ" أي: في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا، وهذا تأويل حسنٌ، والله أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة أنه إن كان هذا الكلام - أعني: "ولو يكن في شيء من ذلك هديٌ … إلخ" - من قول عائشة ﵂ ما قاله ابن خزيمة ﵀: إن المراد أنه لم يلزمها شيء في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا، وهذا لا ينافي هدي القران، وهو قد ذُكر في قول جابر ﵁: "إن النبيّ ﷺ أهدى عن نسائه بالبقر"، ومنهنّ عائشة ﵂، فزال الإشكال، وعلى هذا أيضًا يؤوّل إن كان من كلام هشام ﵀، فتأمله بالإنصاف. والحديث متّفقٌ عليه، دون الكلام الأخير، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، لَا نَرَى إِلا الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِل بِعُمْرَ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ) أي: لا نعتقد أنا نُحرم إلا بالحجّ؛ لأنا كنّا

стр. 13337

نظنّ امتناع العمرة في أشهر الحجّ، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال القرطبي ﵀: يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يُخبرهم النبيّ ﷺ في أنواع الإحرام، ويُبيّنها لهم. انتهى (٢). وقولها أيضًا: (لَا نُرَى) بضم النون؛ أي: لا نظنّ، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمّها (إِلَّا الْحَجَّ) وفي رواية عنها: "لا نَنْوِي إلا الحج"، وفي أخرى: "لا نذكر إلا الحجّ"، وفي أخرى: "مهلّين بالحجّ" وفي أخرى: "لبّينا بالحجّ". وظاهر هذه الروايات أن عائشة مع غيرها من الصحابة ﵃، كانوا أوّلًا محرمين بالحجّ، لكن هذا يُستشكل مع قولها: "فمنّا من أهلّ بالحجّ، ومنّا من أهلّ بعمرة"، وفي رواية: "فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحجّ". وقد ذكر الحافظ ﵀ الجمع بأن الأول يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا يَعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا، لا يعرفون إلا الحجّ، ثمّ بيّن لهم النبيّ ﷺ وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ، وقال لهم: "من شاء أن يُهلّ بحجّ فليُهلّ، ومن شاء أن يُهلّ بعمرة فليهلّ بعمرة". قال: وأما عائشة نفسها، فقد جاء عنها، أنها قالت: "وكنت ممن أهلّ بعمرة"، زاد أحمد: "ولم أسق هديًا". فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، والصواب رواية الأسود، والقاسم، وعروة عنها أنها أهلّت بالحجّ مفردًا. وتُعُقّب بأن قول عروة عنها إنها أهلّت بعمرة صريحٌ، وأما قول الأسود وغيره عنها: "لا نرى إلا الحجّ"، فليس صريحًا في إهلالها بحجّ مفرد، فالجمع بينهما ما تقدّم، من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابيّ، كما أخرجه مسلم عنه. وكذا طاوس، ومجاهد، عن عائشة. ويَحْتَمِل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلّت عائشة بالحجّ مفردًا، كما فعل

стр. 13338

غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزّل حديث الأسود، ومن تبعه: "ثمّ أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يفسخوا الحجّ إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتّعة"، وعلى هذا يتنزّل حديث عروة: "ثم لما دخلت مكّة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض، أمرها أن تُحرم بالحجّ"، على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ بتصرّف. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذكره الحافظ ﵀ جمع حسنٌ جدًّا؛ إذ به تجتمع الروايات في الباب دون تغليط بعض الرواة. وحاصله أن عائشة ﵂ كانت أولًا أحرمت بالحجّ مفردًا، كما فعل غيرها من الصحابة ﵃، ثم لما أمر النبيّ ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت مثلهم، فصارت متمتّعةً، ثم لما دخلت مكة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف بالبيت أمرها ﷺ أن تُحرم بالحجّ، فصارت قارنة، وهذا جمع لا غبار عليه، وبه تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب دون تغليط بعض الرواة، ولا سيّما عروة، فتأمله. وأما ما أطال به ابن القيّم ﵀ في الردّ على من قال ذلك، وبالغ فيه، ففيه نظر لا يخفى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ) فاعل "ساق" ضمير عبد الله بن نمير. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٩/ ٢٤٩) فقال: (٣٩٤٢) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة مع رسول الله ﵀، فقال النبيّ ﵀: "من أحب منكم أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، فإني لولا أني أهديت، لأهللت بعمرة"، فأهلّ به بعض أصحابه بحجة، وبعضهم بعمرة، قالت: وكنت فيمن أهلّ بعمرة، فأدركني يوم عرفة، وأنا حائض، لم أحلّ من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج"، قالت: ففعلت حتى إذا كانت ليلة الحصبة، أرسل

стр. 13339

معها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفها، فخرجت إلى التنعيم، فأهلّت بعمرة، مكان عمرتها، فطافت بالبيت، وبين الصفا والمروة، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك صوم، ولا هديٌ، ولا صدقة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ، وَلَا صَدَقَةٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) فاعل "ساق" ضمير وكيع؛ أي: ساق وكيع الحديث بمثل ما ساقه عبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير. وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ … إلخ) فيه بيان أن قوله: "ولم يكن … إلخ" ليس من كلام عائشة ﵂، وإنما هو من كلام هشام، وقد تقدّم تحقيق ذلك. [تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام بن عروة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا

стр. 13340

قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمنَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ، وَأَهَل رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ، أَو جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و (١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣. والباقون ذُكروا في الباب. قال الحافظ أبو عمر ﵀ بعد ذكر هذا الحديث -: وفي هذا الحديث خروج النساء في سفر الحجّ مع أزواجهنّ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. وفيه أيضًا: إباحة التمتع بالعمرة إلى الحجّ، وإباحة القران، وهو جمع الحج والعمرة، وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه، وإنما اختلفوا في الأفضل في ذلك، وكذلك اختلفوا فيما كان رسول الله ﷺ به محرمًا في خاصته عام حجة الوداع. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: في هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته، وهو مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته، واختَلَف السلف هل المَحرم لها من شروط الاستطاعة، وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء: ليس له منعها منه، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يمنعها منه كما قال الجمهور، وأصحهما: له منعها؛ لأن حقه على الفور، والحج على التراخي، قال أصحابنا: ويستحب له أن يحج بزوجته؛ للأحاديث الصحيحة فيه. انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →