فعل على ما رواه جابر وغيره. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال ابن خزيمة: معنى قوله: "لم يكن في شيء من ذلك هديٌ" أي: في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا، وهذا تأويل حسنٌ، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة أنه إن كان هذا الكلام - أعني: "ولو يكن في شيء من ذلك هديٌ … إلخ" - من قول عائشة ﵂ ما قاله ابن خزيمة ﵀: إن المراد أنه لم يلزمها شيء في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحجّ، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التنعيم أيضًا، وهذا لا ينافي هدي القران، وهو قد ذُكر في قول جابر ﵁: "إن النبيّ ﷺ أهدى عن نسائه بالبقر"، ومنهنّ عائشة ﵂، فزال الإشكال، وعلى هذا أيضًا يؤوّل إن كان من كلام هشام ﵀، فتأمله بالإنصاف.
والحديث متّفقٌ عليه، دون الكلام الأخير، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، لَا نَرَى إِلا الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِل بِعُمْرَ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ) أي: لا نعتقد أنا نُحرم إلا بالحجّ؛ لأنا كنّا
стр. 13337
نظنّ امتناع العمرة في أشهر الحجّ، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبي ﵀: يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يُخبرهم النبيّ ﷺ في أنواع الإحرام، ويُبيّنها لهم. انتهى (٢).
وقولها أيضًا: (لَا نُرَى) بضم النون؛ أي: لا نظنّ، وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمّها (إِلَّا الْحَجَّ) وفي رواية عنها: "لا نَنْوِي إلا الحج"، وفي أخرى: "لا نذكر إلا الحجّ"، وفي أخرى: "مهلّين بالحجّ" وفي أخرى: "لبّينا بالحجّ".
وظاهر هذه الروايات أن عائشة مع غيرها من الصحابة ﵃، كانوا أوّلًا محرمين بالحجّ، لكن هذا يُستشكل مع قولها: "فمنّا من أهلّ بالحجّ، ومنّا من أهلّ بعمرة"، وفي رواية: "فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحجّ".
وقد ذكر الحافظ ﵀ الجمع بأن الأول يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا يَعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا، لا يعرفون إلا الحجّ، ثمّ بيّن لهم النبيّ ﷺ وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ، وقال لهم: "من شاء أن يُهلّ بحجّ فليُهلّ، ومن شاء أن يُهلّ بعمرة فليهلّ بعمرة".
قال: وأما عائشة نفسها، فقد جاء عنها، أنها قالت: "وكنت ممن أهلّ بعمرة"، زاد أحمد: "ولم أسق هديًا". فادعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، والصواب رواية الأسود، والقاسم، وعروة عنها أنها أهلّت بالحجّ مفردًا.
وتُعُقّب بأن قول عروة عنها إنها أهلّت بعمرة صريحٌ، وأما قول الأسود وغيره عنها: "لا نرى إلا الحجّ"، فليس صريحًا في إهلالها بحجّ مفرد، فالجمع بينهما ما تقدّم، من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابيّ، كما أخرجه مسلم عنه. وكذا طاوس، ومجاهد، عن عائشة.
ويَحْتَمِل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلّت عائشة بالحجّ مفردًا، كما فعل
стр. 13338
غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزّل حديث الأسود، ومن تبعه: "ثمّ أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يفسخوا الحجّ إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتّعة"، وعلى هذا يتنزّل حديث عروة: "ثم لما دخلت مكّة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض، أمرها أن تُحرم بالحجّ"، على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ بتصرّف.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذكره الحافظ ﵀ جمع حسنٌ جدًّا؛ إذ به تجتمع الروايات في الباب دون تغليط بعض الرواة.
وحاصله أن عائشة ﵂ كانت أولًا أحرمت بالحجّ مفردًا، كما فعل غيرها من الصحابة ﵃، ثم لما أمر النبيّ ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت مثلهم، فصارت متمتّعةً، ثم لما دخلت مكة، وهي حائض، فلم تقدر على الطواف بالبيت أمرها ﷺ أن تُحرم بالحجّ، فصارت قارنة، وهذا جمع لا غبار عليه، وبه تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب دون تغليط بعض الرواة، ولا سيّما عروة، فتأمله.
وأما ما أطال به ابن القيّم ﵀ في الردّ على من قال ذلك، وبالغ فيه، ففيه نظر لا يخفى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدَةَ) فاعل "ساق" ضمير عبد الله بن نمير.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٩/ ٢٤٩) فقال:
(٣٩٤٢) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة مع رسول الله ﵀، فقال النبيّ ﵀: "من أحب منكم أن يُهِلّ بعمرة فليهلّ، فإني لولا أني أهديت، لأهللت بعمرة"، فأهلّ به بعض أصحابه بحجة، وبعضهم بعمرة، قالت: وكنت فيمن أهلّ بعمرة، فأدركني يوم عرفة، وأنا حائض، لم أحلّ من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج"، قالت: ففعلت حتى إذا كانت ليلة الحصبة، أرسل
стр. 13339
معها عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفها، فخرجت إلى التنعيم، فأهلّت بعمرة، مكان عمرتها، فطافت بالبيت، وبين الصفا والمروة، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك صوم، ولا هديٌ، ولا صدقة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّة، مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِحَجَّةٍ، فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صِيَامٌ، وَلَا صَدَقَةٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) فاعل "ساق" ضمير وكيع؛ أي: ساق وكيع الحديث بمثل ما ساقه عبدة بن سليمان، وعبد الله بن نمير.
وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ … إلخ) فيه بيان أن قوله: "ولم يكن … إلخ" ليس من كلام عائشة ﵂، وإنما هو من كلام هشام، وقد تقدّم تحقيق ذلك.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن هشام بن عروة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا
стр. 13340
قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاع، فَمِنَّا مَنْ أَهَل بِعُمْرَةٍ، وَمنَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَل بِالْحَجِّ، وَأَهَل رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَل بِحَجٍّ، أَو جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و (١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
قال الحافظ أبو عمر ﵀ بعد ذكر هذا الحديث -: وفي هذا الحديث خروج النساء في سفر الحجّ مع أزواجهنّ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
وفيه أيضًا: إباحة التمتع بالعمرة إلى الحجّ، وإباحة القران، وهو جمع الحج والعمرة، وهذا ما لا خلاف بين العلماء فيه، وإنما اختلفوا في الأفضل في ذلك، وكذلك اختلفوا فيما كان رسول الله ﷺ به محرمًا في خاصته عام حجة الوداع. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: في هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته، وهو مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته، واختَلَف السلف هل المَحرم لها من شروط الاستطاعة، وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء: ليس له منعها منه، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يمنعها منه كما قال الجمهور، وأصحهما: له منعها؛ لأن حقه على الفور، والحج على التراخي، قال أصحابنا: ويستحب له أن يحج بزوجته؛ للأحاديث الصحيحة فيه. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13341
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ، أَو قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأنا أَبْكِي، فَقَالَ: "أَنَفِسْتِ؟ " يَعْنِي الْحَيْضَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالْبَيْتِ حَتى تَغْتَسِلِي"، قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٤ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) أي: من المدينة عام حجة الوداع، وكان خروجهم لخمس بقين من ذي القعدة، وقَدِموا مكة لأربع، أو خمس من ذي الحجة، فكانوا في طريقهم إلى مكة تسعة أيام، أو عشرة.
وقولها: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) - بفتح السين، وكسر الراء: موضع قريب من مكة ممنوع من الصرف، وقد يُصْرَف، وفي "المصباح": سَرف: موضع قريب من التنعيم، مثال تَعب، وجَهْل، وبه تزوج رسول الله ﷺ ميمونة الهلالية ﵂، وبه تُوُفِّيَت، ودُفنَت.
وقال في "العمدة": سَرِف: اسم موضع قريب من مكة، بينهما نحو من عشرة أميال، وقيل: عشرة، وقيل: تسعة، وقيل: سبعة، وقيل: ستة، وهو غير
стр. 13342
منصرف؛ للعلمية والتأنيث. انتهى (١).
وقولها: (حِضْتُ) بكسر الحاء؛ لأنه من حاض يحيض، كبِعْتُ، من باع يبيع، فأصله حَيَضْتُ، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار حَضْتُ بالفتح، ثم أُبدلت الفتحة كسرة؛ لتدل على الياء المحذوفة، قاله في "العمدة" (٢).
وقولها: (فَقَالَ: "أَنَفِسْتِ؟ ") - بفتح النون وكسر الفاء، أو بضم النون وكسر الفاء؛ أي: أحضت، والهمزة للاستفهام.
وقوله: ("إِنَّ هَذَا شَيْءٌ) وفي رواية "أمرٌ"، والإشارة إلى الحيض، والأمر بمعنى الشأن.
وقوله: (كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) أي: الحيض أمر أثبته الله على النساء، من أولاد آدم، أراد ﷺ بهذا تسلية عائشة ﵁ حيث إنها بكت، كالْمُقَصِّرة في ذلك، فكأنه يقول لها: لا تقصير منك؛ لأنه مما كتبه الله على النساء كلهن، فلا لوم عليك.
[فإن قيل]: هذا الحديث يعارضه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن مسعود ﵁، قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد"، فإنه يدل على أن ابتداء الحيض من بني إسرائيل، وحديث الباب يدل على أنه على بنات آدم عمومًا.
[أجيب]: بأنه لا تعارض بينهما، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم فيكون قوله: "على بنات آدم" عامًّا أريد به الخصوص، قاله الداوديّ.
وقال الحافظ: ويمكن الجمع مع القول بالتعميم بأن الذي أُلقيَ على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبةً لهن، لا ابتداء وجوده.
وقد روى ابن جرير وغيره، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]؛ أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب.
стр. 13343
وروى ابن المنذر والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة. انتهى (١).
وقوله: (فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ) أي: افعلي ما يفعل من أحرم بالحج.
وقال في "العمدة": قوله: "فاقضي" خطاب لعائشة ﵄، فلذلك لم تسقط الياء، ومعناه: فأدّي؛ لأن القضاء يأتي بمعنى الأداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: إذا أُدِّيت صلاة الجمعة.
وقوله: (مَا يَقْضِي الْحَاجُّ) قال الكرماني: المراد من الحاجّ الجنس، فيشمل الجمع، فهو كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] (٢).
وقوله: (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالْبَيْتِ) بنصب "غيرَ" على الاستثناء، و"أن" يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن، و"تطوفي" مجزوم بـ "لا" الناهية، والمعنى: لا تطوفي ما دُمت حائضًا، ويجوز أن تكون ناصبة و"لا" زائدة، والفعل منصوب بأن، مؤول بالمصدر؛ أي: غير طوافك.
وقال السنديّ في "شرح النسائيّ": كلمة "لا" زائدة، إذ المقصودُ إخراج الطواف عما يقضي الحاجّ، لا إخراج عدم الطواف، ويمكن إبقاء "لا" على معناها، على أنه استثناء مما يفهم من الكلام السابق؛ أي: فلا فرق بينك وبين الحاجّ غير أن لا تطوفي.
ثم المراد غير الطواف وما يتبعه من السعي؛ لأنه "حج" لا يجوز تقديم السعي على الطواف، ولكونه تابعًا لم يذكره. اهـ كلام السنديّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: "لا يجوز تقديم … " إلخ، نظر؛ لأن الراجح أنه يجوز تقديمه عليه؛ لما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أسامة بن شريك ﵁، قال: خرجت مع النبيّ ﷺ حاجًّا فكان الناس يأتونه، فمن قائل له: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدّمت شيئًا، أو أخرت شيئًا، فكان يقول: "لا حرج، لا حرج … " الحديث.
وقولها: (وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: ذبح أضحية قال في "المصباح":
стр. 13344
ضَحَّى تضحيةً: إذا ذبح الأضحية وقت الضحى، هذا أصله، ثم كثر حتى قيل: ضحّى في أي وقت كان من أيام التشريق، ويتعدى بالحرف فيقال: ضحيت بشاة. انتهى.
(عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ) فيه جواز تضحية الرجل عن امرأته، وقال النوويّ : هذا محمول على أنه ﷺ استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه، قال العينيّ : هذا في الواجب، وأما في التطوع فلا يحتاج إلى الإذن.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قالاه نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث يدل على الجواز مطلقًا، وأين الدليل على وجوب الاستئذان؟ ولقد أجاد الإمام البخاريّ حيث ترجم في "صحيحه" بقوله: "باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنّ"، ثم أورد هذا الحديث حجة على ذلك، وهذا هو الحقّ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
واستدل مالك ﵀ به على أن التضحية بالبقرة أفضل من البَدَنَة، ولكن الاستدلال غير واضح، وذهب الأكثرون منهم الشافعي إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من البقرة؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة (١).
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩١٩] ( … ) - (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ، فَطَمَثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأنا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ " فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ
стр. 13345
خَرَجْتُ الْعَامَ، قَالَ: "مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي"، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "اجْعَلُوهَا عُمْرَةً"، فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَة، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَفَضْتُ، قَالَتْ: فَأُتِيَنَا بِلَحْم بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ ليْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأرْجِعُ بِحَجَّةٍ، قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِه، قَالَتْ: فَإِنِّي لأَذْكُرُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْل، حَتَّى جِئْنَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتي اعْتَمَرُوا (١) ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) الْعَقَديّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون - بكسر الجيم، بعدها معجمة مضمومة - المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنّف [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (فَطَمَثْتُ) - بفتح الطاء المهملة، والميم، وتكسر، قال الفيّوميّ : طَمَثَت المرأة طَمْثًا، من باب ضَرَبَ: إذا حاضت، وبعضهم يزيد أول ما تحيض، فهي طامثٌ، بغير هاء، وطَمِثَتْ تَطْمَثُ، من باب تَعِبَ لغةٌ. انتهى (٢).
стр. 13346
وقال النوويّ : قولها: "فَطَمِثْتُ" بفتح الطاء، وكسر الميم؛ أي: حضت، يقال: حاضت المرأة تحيضت، وطَمَثت، وعَرَكَت بفتح الراء، ونَفِست، وضَحِكَت، وأعصرت، وأكبرت، كله بمعنى واحد، والاسم منه الحيض، والطمثُ، والعِرَاك، والضحك، والإكبار، والإعصار، وهي حائض، وحائضة في لغة غريبة، حكاها الفراء، وطامث، وعارك، ومُكْبِر، ومُعْصِرٌ. انتهى (١).
وقولها: (وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ) هذا قالته ظنًّا منها أن الحيض يمنع من الحج، فأعلمها النبيّ ﷺ أنه لا يمنع إلا الطواف بالبيت حتى تطهر.
وقوله: (اجْعَلُوهَا عُمْرَةً) أي: أحلّوا من إحرام الحجّ بأفعال العمرة، وافسخوه إليها.
وقولها: (وَذَوِي الْيَسَارَةِ) أي: أصحاب غنى.
وقولها: (ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا) تعني الذين تحلّلوا بعمرة، وأهلّوا بالحجّ حين راحوا إلى منى، وذلك يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وفيه دلالة لمذهب الشافعي، وموافقيه أن الأفضل من كان في مكة أن يُحرم بالحجّ يوم التروية، ولا يُقدّمه عليه، وقد سبقت المسألة مستوفاةً.
وقولها: (فَأَفَضْتُ) أي: طُفت طواف الإفاضة، يقال: أفاض الناس من عرفات: دفعوا منها، وكلّ دَفْعة إفاضةٌ، وأفاضوا من منى إلى مكة يوم النحر: رجعوا إليها، ومنه طواف الإفاضة؛ أي: طواف الرجوع من منًى إلى مكة، قاله في "المصباح" (٢).
وقولها: (فَأُتِينَا بِلَحْمِ بَقَرٍ) ببناء الفعل للمفعول.
وقولها: (أَنْعَسُ) بضم العين، قال الفيّوميّ : نَعَسَ يَنْعُسُ، من باب قتل، والاسم النُّعَاس، فهو ناعس، والجمع نُعَّسٌ، مثل راكع ورُكَّع، والمرأة ناعسة، والجمع نَوَاعس، وربما قيل: نَعْسان، ونَعْسَى حَمَلوه على وَسْنَان ووَسْنَى، وأول النوم النُّعَاس، وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الْوَسَنُ،
стр. 13347
وهو ثِقَل النعاس، ثم التَّرْنيق، وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الْكَرَى، والْغَمْضُ، وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم الْعَفْقُ، وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الْهُجُود، والْهُجُوعُ، ورُوي أن أهل الجنة لا ينامون؛ لأن النوم موت أصغر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وكثيرًا ما يُحْمَل الشيء على نظيره، قال الفراء: وأحسن ما يكون ذلك في الشعر، قال الأزهريّ حقيقةُ النُّعاس: الْوَسَنُ من غير نوم. انتهى (١).
وقولها: (مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ) بضم الميم، وسكون الهمزة، وفتح الخاء، وكسرها، وبفتح الهمزة، وتشديد الخاء مفتوحة، ومكسورةً، قال في "القاموس": آخرةُ الرَّحْل: خلاف قادمته، كآخِرِه، ومُؤَخَّرِه، ومُؤَخَّرَته، وتكسر خاؤهما، مخفّفةً ومُشدّدةً. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": آخرة الرَّحْلِ والسَّرْجِ بالمدّ: الخشبةُ التي يستند إليها الراكب، والجمع: الأواخر، وهذه أفصح اللغات، ويقال: مُؤْخِرَةٌ بضمّ الميم، وسكون الهمزة، ومنهم من يُثَقِّل الخاء، ومنهم من يَعُدُّ هذه لحنًا. انتهى (٣).
وقولها: (جَزَاءً بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتي اعْتَمَرُوا) وفي نسخة: "التي اعتمروها"، والمعنى أنها تقوم مقام عمرة الناس التي اعتمروها مفردةً، وتكفيني عنها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ
стр. 13348
حَدِيثِ الْمَاجِشُون، غَيْرَ أَن حَمَّادًا لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَذَوِي الْيَسَارَة، ثُمَّ أَهَلُّوا حِينَ رَاحُوا، وَلَا قَوْلُهَا: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أنعَسُ، فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيُّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٢ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تغيّر في الآخر، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقون ذُكروا قبله، و"أبو أيوب الغيلانيّ" هو: سليمان بن عُبيد الله، و"عبد الرحمن" هو: ابن القاسم بن محمد.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاجِشُونِ) فاعل "ساق" ضمير حمّاد بن سلمة، و"الماجشون" هو: عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم هذه ساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(١٥١٨) - حدّثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدّثنا حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: لبّينا بالحجّ حتى إذا كنا بِسَرِفَ حضتُ، فدخل عليّ رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي، فقال: "ما يبكيك يا عائشة؟ " فقلت: حضت، ليتني لم أكن حججت، فقال: "سبحان الله، إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم"، فقال: "انسكي المناسك كلها، غير أن لا تطوفي بالبيت"، فلما دخلنا مكة، قال رسول الله ﷺ : "من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة، إلا من كان معه الهدي"، قالت: وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر، فلما كانت ليلة البطحاء، وطهرت عائشة، قالت: يا رسول الله أترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر، فذهب بها إلى التنعيم، فلبّت بالعمرة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13349
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢١] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك، ونسيبه المدنيّ، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠].
رَوَى عن أبيه، وأخيه أبي بكر، وخاله فأكثر، وعن سلمة بن وردان، وابن أبي الزناد، وعبد العزيز الماجشون، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وهما الباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وأحمد بن صالح المصريّ، والحسن غير منسوب، وأبي خيثمة، والدارميّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، وجعفر بن مسافر، والذهليّ، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، وكذا قال عثمان الدارميّ عن ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة عنه: صدوق ضعيف العقل، ليس بذاك، يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه، وقال معاوية بن صالح عنه: هو وأبوه ضعيفان، وقال عبد الوهاب بن عصمة عن أحمد بن أبي يحيى، عن ابن معين: ابنُ أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث، وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: مخلط يكذب، ليس بشيء، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: غير ثقة، وقال اللالكائيّ: بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بأن له ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف، وقال ابن عديّ: روى عن خاله أحاديث غرائب، لا يتابعه عليها أحد، وعن سليمان بن بلال وغيرهما من شيوخه، وقد حدّث عنه الناس، وأثنى عليه ابن معين، وأحمد، والبخاري يحدّث عنه الكثير، وهو خير من أبيه أبي أويس.
стр. 13350
وقال الدُّولابيّ في "الضعفاء": سمعت النضر بن سلمة المروزيّ يقول: ابن أبي أويس كذّاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب، وقال العقيليّ في "الضعفاء": ثنا أسامة الدقّاق بصريّ: سمعت يحيى بن معين يقول: ابن أبي أويس يَسْوَى (١) فلسين، وقال الدارقطنيّ: لا أختاره في الصحيح، ونقل الخليليّ في "الإرشاد" أن أبا حاتم قال: كان ثبتًا في حاله، وفي "الكمال": أن أبا حاتم قال: كان من الثقات، وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبيد الله العباسيّ صاحب اليمن أن إسماعيل ارتَشَى من تاجر عشرين دينارًا حتى باع له على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة، وذكره الإسماعيليّ في "المدخل"، فقال: كان ينسب في الخفّة والطيش إلى ما أكره ذكره، قال: وقال بعضهم: جانبناه للسنة، وقال ابن حزم في "المحلى": قال أبو الفتح الأزديّ: حدّثني سيف بن محمد، أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث، وقرأت على عبد الله بن عمر، عن أبي بكر بن محمد أن عبد الرحمن بن مكيّ أخبرهم كتابةً: أنا الحافظ أبو طاهر السلفيّ، أنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلانيّ، أنا الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الْبَرْقانيّ، ثنا أبو الحسن الدارقطنيّ، قال: ذكر محمد بن موسى الهاشميّ، وهو أحد الأئمة، وكان النسائيّ يخصه بما لم يخصّ به ولده، فذكر عن أبي عبد الرحمن، قال: حَكَى لي سلمة بن شبيب، قال: بم توقف أبو عبد الرحمن؛ قال: فما زلت بعد ذلك أداريه أن يحكي لي الحكاية حتى قال: قال لي سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم، قال الْبَرْقانيّ: قلت للدارقطنيّ: مَن حَكَى لك هذا، عن محمد بن موسى؟ قال: الوزير، كتبتها من كتابه، وقرأتها عليه، يعني بالوزير الحافظ الجليل جعفر بن خزابة.
قال الحافظ: وهذا هو الذي بأن للنسائي منه حتى تجنب حديثه، وأطلق القول فيه بأنه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته، ثم انصلح، وأما الشيخان فلا يُظَنّ بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي
стр. 13351
شارك فيه الثقات، وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاريّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عجيب من مثل الحافظ ﵀ أن يحكي هذه الحكاية، ثم لا يعترض عليها، ثم يُجيب عما أخرجه الشيخان عن إسماعيل، إن هذا لهو العجب العُجاب، فكيف يسوغ أن نقول إنهما يُخرجان لشخص وضّاع ما وافق فيه الثقات، فأيّ فرق بين إسماعيل إذا ثبت كونه وضّاعًا، وبين غيره من الوضّاعين الذين لا يتعرّض الشيخان إلى إخراج شيء لهم، ولو وافق ثقات الدنيا كلّهم؟ فهل يُخرج البخاريّ في "صحيحه" لإسماعيل بن أبي أويس نحو (٢٢٩) حديثًا، ومسلم سبعة أحاديث، وهو وضّاع، هيهات هيهات!!!
والحاصل أن عندي في صحّة هذه الحكاية وقفة، وإن ذكرها الحافظ، وقبله الذهبيّ، والحقّ ما قاله الذهبيّ ﵀ بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: الرجل قد وَثَبَ إلى ذاك الْبَرّ، واعتمده صاحبا "الصحيحين"، ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تَنغَمِر في سعة ما روى، فإنه من أوعية العلم، وهو أقوى من عبد الله كاتب الليث.
وقال أيضًا: وكان عالم أهل المدينة، ومحدّثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجّا به لزُحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن، هذا الذي عندي فيه. انتهى كلام الذهبيّ ﵀ (١)، وهو كلام نفيسٌ وبحث أنيسٌ جدًّا، فتمسّك به، والله تعالى أعلم.
قال ابن عساكر: مات سنة ست، ويقال: سنة سبع وعشرين ومائتين في رجب، وجزم ابن حبان في "الثقات" أنه مات سنة ست.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم (١٢١١) و (١٤٩٧) و (١٥٥٧) و (١٦٥٠) و (١٩٢٧) و (٢٠٩٤) و (٢٤١٧).
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (أفرَدَ الْحَجَّ) أي: أحرم بالحجّ وحده. واحتجّ به من قال: كان حجه ﷺ مفردًا، وهم عامّة الشافعيّة والمالكيّة، وحمله المحقّقون منهم
стр. 13352
كالقاضي عياض، والنوويّ، والحافظ، وغيرهم على أن فيه بيان ابتداء الحال، ثم صار قارنًا، فإنه لا يلزم من إهلاله بالحجّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة، وحمله الحنفية، والحنابلة القائلون بكونه ﷺ قارنًا ابتداء على أن عائشة ﵂ سمعت تلبيته بالحجّ فقط، وللقارن أن يُلبّي بأيهما شاء، فيقول تارةً: لبيك بحجة، وتارة لبيك بعمرة، وتارة لبيك بحجة وعمرة، فحكت عائشة ما سمعت، فلا يخالف قولُها من حكى أنه لبّى بهما جميعًا، وكان قارنًا من الابتداء، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في صفة إحرامه ﷺ ، وأن الأرجح أنه كان لبى بالحجّ، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: معنى إفراد الحجّ: هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند مجيزيه، والاعتمار بعد الفراغ من الحجّ من شاء، قاله في "الفتح".
ومعنى قوله: "عند مجيزيه" أن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مختلف فيه، قال ابن قُدامة ﵀: لا ينبغي أن يحرم بالحجّ قبل أشهره، هذا هو الأولى، فإن الإحرام بالحجّ قبل أشهره مكروه؛ لكونه إحرامًا به قبل وقته، فأشبه الإحرام به قبل ميقاته؛ ولأن في صحته اختلافًا، فإن أحرم به قبل أشهره صحّ، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحجّ جاز، نصّ عليه أحمد، وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، وإسحاق، وقال عطاء، وطاوس، ومجاهد، والشافعيّ: يجعله عمرة؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تقديره: وقت الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر معلومات، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ومتى ثبت أنه وقته لم يجز تقديم إحرامه عليه، كأوقات الصلوات.
قال: ولنا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فدلّ على أن جميع الأشهر ميقات. انتهى كلام ابن قدامة.
وتعقّبه بعضهم: بأنه لو صحّ ذلك لجاز صيام رمضان في شهر آخر، فإن قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ لا يختلف عن تعيين شهر رمضان باسمه، فإن قوله: ﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ كتسميتها سواء. انتهى (١).
стр. 13353
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه القائلون بعدم جواز تقديم إحرام الحجّ عن أشهره هو الصواب عندي؛ لصريح قوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقد عيّنها وبيّن أن الحجّ يقع فيها، لا في غيرها من الأشهر، ولا تخالف بين هذه الآية، وآية ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فإن هذه محمولة على الأولى، فالمراد بالأهلة التي هي مواقيت للحجّ أهلّة أشهر الحجّ، لا مطلق الأهلّة، بدليل تعيين وقت أداء الحجّ، فإنه لا يجوز إيقاع الحجّ في رمضان مثلًا، بالإجماع، والإحرام جزء منه، فلا يجوز تقديم جزئه، كما لا يجوز تقديم كلّه، وهذا واضح لا خفاء فيه، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه آخر]: [اعلم]: أن الحجّ على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران، ويخيّر مريد الإحرام بين هذه الأنواع الثلاثة.
قال العلامة ابن قُدامة ﵀: إن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران، وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأيّ الأنساك الثلاثة شاء، وكذا حكى النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب"، و"شرح مسلم" الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما ورد من النهي عن التمتّع عن بعض الصحابة.
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀ في "طرح التثريب": أجمعت الأمة على جواز تأدية نسكي الحجّ والعمرة بكل من هذه الأنواع الثلاثة: الإفراد، والتمتّع، والقران. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ أن أنواع النسك هي الثلاثة المذكورة، فبأيها أدّى المسلم، فقد فعل ما أمر به، وتمّ نسكه، إلا أن من أتى محرمًا بالحجّ، أو قارنًا ولم يسق الهدي لزمه أن يتحلّل بأفعال العمرة، ثم يُحرم بالحجّ، كما فعل أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا هو المذهب الحقّ، على ما سيأتي تحقيقه، ونستوفي بحثه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٢١] (١٢١١)، وأخرجه أيضًا (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧٧)، و (الترمذيّ) في
стр. 13354
"الحجّ" (٨٢٠)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٤٥) و"الكبرى" (٢/ ٣٤٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٦٩٤)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٣٣٥)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٤٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٣)، و (البزّار) في "مسنده" (٩/ ٢٦٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٣٢٤ و ٣٢٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٧٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٢] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أفلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَن الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ، حَتى نَزَلْنَا بِسَرِفَ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِه، فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا"، فَمِنْهُم الْآخِذُ بِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ " قُلْتُ: سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَة، قَالَ: "وَمَا لَكِ؟ " قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: "فَلَا يَضُرُّك، فَكُونِي فِي حَجِّك، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا، وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ"، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي، حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى، فَتَطَهَّرْتُ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْت، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَم، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْت، فَإِنِّي أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا"، قَالَتْ: فَخَرَجْنَا، فَأَهْلَلْتُ، ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْت، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَجِئْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ
стр. 13355
فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْل، فَقَالَ: "هَلْ فَرَغْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَنَ (١) فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيل، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْت، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْح، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو يحيى الرازيّ، كوفيّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت ٢٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الزكاة" ٤٣/ ٢٤٢٩.
٣ - (أفلَحُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفَيراء، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِه، فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَدْيٌ) ظاهره أن أمره ﷺ لأصحابه بفسخ الحج إلى العمرة كان بسرف قبل دخولهم مكة، والمعروف في غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك بعد دخول مكة، ويَحْتَمِل التعدد، قاله في "الفتح" (٢).
وقولها: (وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ) - بضم الحاء المهملة والراء -؛ أي: أزمنته، وأمكنته، وحالاته، ورُوي بفتح الراء، وهو جمع حُرْمة؛ أي: ممنوعات الحج (٣).
وقال النوويّ ﵀: قولها: "حُرُم الحج" هو بضم الحاء والراء، كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض في "المشارق" عن جمهور الرواة، قال: وضبطه الأصيليّ بفتح الراء، قال: فعلى الضم كأنها تريد الأوقات، والمواضع، والأشياء، والحالات، وأما بالفتح فجمع حُرْمة؛ أي: ممنوعات الشرع ومحرَّماته، وكذلك قيل للمرأة المحرَّمة بنسب: حُرْمة، وجمعها حُرَم.
وأما قولها: "في أشهر الحج"، فاختَلَف العلماء في المراد بأشهر الحجّ
стр. 13356
في قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، فقال الشافعيّ، وجماهير العلماء، من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم: هي شوّالٌ، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، تَمْتَدّ إلى الفجر ليلة النحر، وروي هذا عن مالك أيضًا، والمشهور عنه شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة بكماله، وهو مروي أيضًا عن ابن عباس، وابن عمر ﵃، والمشهور عنهما ما قدمناه عن الجمهور. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه مالك ﵀ هو الأقرب لظاهر النصّ، حيث قال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ بصيغة الجمع، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فَمِنْهُمُ الْآخِذُ بهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا، مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ) قال النوويّ ﵀: وفي الحديث الآخر بعد هذا أنه ﷺ قال: "أَوَ ما شَعَرت أني أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون"، وفي حديث جابر: "فأمرنا أن نَحِلّ"، يعني بعمرة، وقال في آخره: "قال: فَحِلُّوا، قال: فحللنا، وسمعنا، وأطعنا"، وفي الرواية الأخرى: "أَحِلُّوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقَصِّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ، واجعلوا الذي قَدِمتم بها مُتْعَةً، قالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمّينا الحجّ؟ قال: افعلوا ما آمركم به".
هذه الروايات صحيحةٌ في أنه ﷺ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة أمرَ عزيمةٍ وتحتمٍ، بخلاف الرواية الأولى، وهي قوله ﷺ : "من لم يكن معه هديٌ، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل".
قال العلماء: خَيَّرهم أوّلًا بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم، وإيناسًا بالعمرة في أشهر الحجّ؛ لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حَتَمَ عليهم بعد ذلك الفسخَ، وأمرهم به أمرَ عزيمةٍ، وألزمهم إياه، وكَرِهَ ترَدُّدهم في قبول ذلك، ثم قَبِلوه، وفعلوه إلا من كان معه هدي، والله أعلم. انتهى.
وقولها: (سَمِعْتُ كَلَامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ، فَسَمِعْتُ بِالْعُمْرَةِ) كذا هو في
стр. 13357
النسخ: "فسَمِعتُ بالعمرة"، قال القاضي عياض: كذا رواه جمهور رواة مسلم، ورواه بعضهم: "فمُنِعتُ العمرةَ"، وهو الصواب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كذا نقل النوويّ كلام القاضي عياض، وأقرّه عليه، وعندي أن ما في النسخة الأولى صحيح أيضًا، ووجهه أن قولها: "فسمعت بالعمرة" أي: سمعتك تأمر أصحابك بعمل العمرة، والتحلّل بعدها، ولكني لا أستطيع ذلك؛ لما حلّ بي من الحيض، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ ") زاد في رواية البخاريّ: "يَا هَنْتَاهْ" - بفتح الهاء والنون، وقد تسكن النون، بعدها مثناة، وآخرها هاء ساكنة: كناية عن شيء، لا يذكره باسمه، تقول في الثداء للمذكر: يا هَنُ، وقد تزاد الهاء في آخره للسكت، فتقول: يا هنهْ، وتشبع الحركة في النون، فتقول: يا هناه، وتزاد في جميع ذلك للمؤنث مثناة، وقال بعضهم: الألف والهاء في آخره كهما في النُّدْبة، قاله في "الفتح" (٢).
وقولها: (لَا أُصَلِّي) كناية عن أنها حاضت، وهي من لطيف الكنايات، قال ابن الْمُنَيِّر: كَنَتْ عن الحيض بالحكم الخاصّ به؛ أدبًا منها، وقد ظهر أثر ذلك في بناهها المؤمنات، فكلهنّ يَكْنين عن الحيض بحرمان الصلاة، أو غير ذلك. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: فيه استحباب الكناية عن الحيض ونحوه، مما يُستحى منه، ويُستشنع لفظه، إلا إذا كانت حاجة، كإزالة وهم، ونحو ذلك. انتهى (٤).
قَوله: (فَلَا يَضُرُّكِ) وعند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "فلا يَضِيرك" بكسر الضاد، وتخفيف التحتانية، من الضير، وهو الضرر.
وقوله: (فَكُوني فِي حَجِّكِ) فيه أنه ﷺ أمرها أن تهلّ بالحجّ، وتدخله على عمرتها التي ما تمكّنت من الفراغ منها بسبب حيضها، فتكون قارنة.
وقوله: (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) أي: العمرة المفردة، وقد تحقّق ذلك
стр. 13358
حيث أمر أخاها أن يُعمرها من التنعيم، فحصل لها ما ترجّاه ﷺ لها، ولله الحمد والمنّة.
وقولها: (الْمُحَصَّبَ) بصيغة اسم المفعول المضعّف، من التحصيب، وهو موضع بمكة على طريق منًى، ويسمّى البطحاء، والمحصّب أيضًا: مَرْمَى الجمار بمنى، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِن الْحَرَمِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل لما قاله العلماء: إن من كان بمكة وأراد العمرة فميقاته لها أدنى الحلّ، ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم، فإن خالف وأحرم بها من الحرم، وخرج إلى الحلّ قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان:
أحدهما: لا تصحّ عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف، ويسعى ويحلق.
والثاني: وهو الأصح: يصحّ، وعليه دم لتركه الميقات.
قال العلماء: وإنما وجب الخروج إلى الحل؛ ليجمع في نسكه بين الحلّ والحرم، كما أن الحاجّ يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي في الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، هذا تفصيل مذهب الشافعيّ، وهكذا قال جمهور العلماء: إنه يجب الخروج لإحرام العمرة إلى أدنى الحلّ، وانه لو أحرم بها في الحرم ولم يخرج لزمه دم.
وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحلّ، قال القاضي عياض: وقال مالك: لا بُدّ من إحرامه من التنعيم خاصّة، قالوا: وهو ميقات المعتمرين من مكة، وهذا شاذّ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحلّ سواء، ولا تختص بالتنعيم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي قول من قال: لا تجزئ العمرة إلا بالخروج إلى الحلّ هو الأظهر؛ لظاهر قوله ﷺ : "اخرُج بأختك من الحرم … " الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَنْتَظِرُكُمَا هَا هُنَا) يعني المحصّب.
стр. 13359
وقولها: (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في جوف الليل، فـ "من" بمعنى "في"، وفي رواية الإسماعيليّ: "من آخر الليل"، وهي أوفق لبقية الروايات، وظاهرها أنها أتت إلى النبيّ ﷺ ، وسيأتي قولها: "فلقيني رسول الله ﷺ ، وهو مُصعِدٌ من مكة، وأنا منهبطةٌ عليها، أو أنا مُصعِدةُ، وهو منهبط منها"، والجمع بينهما واضح، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
قال عياض: قوله في رواية القاسم، يعني هذه: "فجئنا رسول الله ﷺ ، وهو في منزله، فقال: فهل فرغتِ؟ قلت: نعم، فآذن بالرحيل"، وفي رواية الأسود، عن عائشة، يعني الآتية في هذا الباب بلفظ: "فلقيني رسول الله ﷺ ، وهو مُصْعِد من مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مُصعِدةٌ وهو منهبطٌ منها"، وفي رواية صفية بنت شيبة عنها، يعني الآتية أيضًا: "فأقبلنا حتى أتيناه، وهو بالحصبة"، وهذا موافق لرواية القاسم، وهما موافقان لحديث أنس ﵁ عند البخاريّ: "أنه ﷺ رَقَدَ رَقْدَةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به".
قال: وفي حديث الباب من الإشكال قوله: "فمَرّ بالبيت، فطاف به"، بعد أن قال لعائشة: "أفرغتِ؟ قالت: نعم"، مع قولها في الرواية الأخرى: إنه توجه لطواف الوداع، وهي راجعة إلى المنزل الذي كان به، قال: فيَحْتَمِل أنه أعاد طواف الوداع؛ لأن منزله كان بالأبطح، وهو بأعلى مكة، وخروجه من مكة إنما كان من أسفلها، فكأنه لما توجّه طالبًا للمدينة، اجتاز بالمسجد؛ ليخرج من أسفل مكة، فكَرَّر الطواف؛ ليكون آخر عهده بالبيت. انتهى.
وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: والقاضي في هذا معذورٌ؛ لأنه لم يشاهد تلك الأماكن، فظَنّ أن الذي يقصد الخروج إلى المدينة من أسفل مكة يتحتم عليه المرور بالمسجد، وليس كذلك كما شاهده من عاينه، بل الراحل من منزله بالأبطح يمر مجتازًا من ظاهر مكة إلى حيث مقصده، من جهة المدينة، ولا يحتاج إلى المرور بالمسجد، ولا يدخل إلى البلد أصلًا.
قال عياض: وقد وقع في رواية الأصيليّ في البخاريّ: "فخرج رسول الله ﷺ ومن طاف بالبيت"، قال: فلم تذكر أنه أعاد الطواف، فيَحْتَمِل أن طوافه هو طواف الوداع، وأن لقاءه لعائشة ﵂ كان حين انتقَلَ من المحصب، كما عند عبد الرزاق، أنه كَرِهَ أن يقتدي الناس بإناخته بالبطحاء،
стр. 13360
فرَحَلَ حتى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، قال: فيَحْتَمِل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرحيل، وأنه المكان الذي عنته في رواية الأسود بقوله لها: "موعدك بمكان كذا وكذا"، ثم طاف بعد ذلك طواف الوداع. انتهى.
قال الحافظ: وهذا التأويل حسنٌ، وهو يقتضي أن الرواية التي عزاها للأصيليّ مسكوت عن ذكر طواف الوداع فيها، وقد بيّنا أن الصواب فيها: فَمَرّ بالبيت، فطاف به، بدل قوله: "ومن طاف بالبيت".
قال: ثم في عزو عياض ذلك إلى الأصيليّ وحده نظرٌ، فإن كل الروايات التي وقفنا عليها في ذلك سواء، حتى رواية إبراهيم بن مَعْقِل النسفيّ، عن البخاريّ، والله أعلم. انتهى (١).
وقوله: ("هَلْ فَرَغْتِ؟ ") أي: من أفعال العمرة.
وقولها: (فَآذَنَ) بالمدّ؛ أي: أعلم، وفي نسخة: "فأَذَّنَ" بلا مدّ، وتشديد الذال المعجمة، وهو بمعناه.
وقولها: (بِالرَّحِيلِ) - بفتح الراء، وكسر الحاء - مصدر رَحَل؛ أي: بالارتحال إلى المدينة.
وقولها: (فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْت، فَطَافَ بِهِ) هذا هو طواف الوَداع بفتح الواو، وفي رواية البخاريّ: "فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت قبل صلاة الصبح".
قال الحافظ ﵀: قوله: "فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت"، هو من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الناس أعمّ من الطائفين، ولعلها أرادت بالناس من لم يطف طواف الوداع، ويَحْتَمِل أن يكون الموصول صفة "الناس"، من باب تَوَسُّط العاطف بين الصفة والموصوف، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢] وقد أجاز سيبويه نحو مررت بزيد وصاحبِك، إذا أراد بالصاحب زيدًا المذكور.
قال: وهذا كله بناء على صحة هذا السياق، والذي يغلب عندي أنه وقع
стр. 13361
فيه تحريف والصواب: فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت إلخ، وكذا وقع عند أبي داود، من طريق أبي بكر الحنفيّ، عن أفلح، بلفظ: "فأَذَّن في أصحابه بالرحيل، فارتحل، فمرّ بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة".
وفي رواية مسلم: "فآذن في أصحابه بالرحيل، فخرج، فمَرّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة"، وقد أخرجه البخاري من هذا الوجه بلفظ: "فارتحل الناس، فمَرّ متوجهًا إلى المدينة"، أخرجه في "باب الحج أشهر معلومات".
[تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريّ ﵀ بهذا الحديث على أن المعتمر إذا توجه إلى بلده بعد انتهاء أفعال العمرة، يجزؤه عن طواف الوداع، ودونك نصّه: "باب المعتمرِ إذا طاف طواف العمرة، ثم خرج، هل يجزئه من طواف الوداع؟ "، ثم أورد حديث عائشة هذا، حيث قال ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر ﵁: "اخرُج بأختك من الحرم، فلتهلّ بعمرة، ثم افرُغا من طوافكما … " الحديث، فلما فرغا من أفعال العمرة قال: "أفرغتما؟ "، فنادى بالرحيل، ولم يأمرهما بطواف الوداع.
قال ابن بطال ﵀: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف، فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة ﵂. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ويستفاد من قصة عائشة ﵂ أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن، إن قلنا: إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع أنّ تخلل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع أجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا. انتهى، وهو بحث مهمّ مفيدٌ جدًّا.
وحاصله أن من جعل طوافه للركن آخر العهد بالبيت، سواء كان طواف الحجّ، أو طواف العمرة، أجزأه عن طواف الوداع، ولا يضرّه تخلّل السعي بين الطواف والخروج من مكة، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13362
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا عَبَادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَتَعَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ) هو: عباد بن عبّاد بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها بسنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (فَرْدًا) بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو من "الحجّ".
[تنبيه]: الإفراد هو الإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحجّ من شاء.
وأما التمتع: فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم التحلل من تلك العمرة، والإهلال بالحجّ في تلك السنة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويُطلق التمتع في عرف السلف على القران أيضًا، قال ابن عبد البرّ ﵀: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحجّ، قال: ومن التمتع أيضًا القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة. انتهى.
وأما القران: فصورته: الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ، أو عكسه، وهذا مختلف فيه، والصحيح الجواز، كما فعله النبيّ ﷺ ، وأصحابه ﵃.
стр. 13363
وأما فسخ الحج: فهو الإحرام بالحجّ، ثم يتحلل منه بعمل عمرة، فيصير متمتعًا، وفي جوازه اختلاف (١)، والحقّ جوازه، بل وجوبه، على ما يأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه [١٧/ ٢٩٢٣] (١٢١١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، غير محمد بن بكر، وابن جريج، فتقدّما قبل باب.
وقوله: (قَالَ: جَاءتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً) هذا يَحْتَمِل أن يكون مرسلًا إن كان المراد مجيئها عام حجة الوداع؛ لأن القاسم لم يحضر ذلك، وهذا هو ظاهر صنيع المصنّف ﵀، حيث أورده في خلال أحاديث عائشة ﵂ المتعلّقة بقصّة حجة الوداع، ويَحْتَمل أن يكون متّصلًا، وأراد به الإخبار عما فعلته عائشة ﵂ بعد النبيّ ﷺ ، وهو معها، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٢٤] (١٢١١) ولم أره لغيره بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٧) بلفظ آخر، ونصّه:
(٢٨٠٥) - ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد الحرانيّ، ثنا أبو
стр. 13364
يوسف محمد بن أحمد الصيدلانيّ، حدّثنا مُطَرِّف، يعني ابن مازن، عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، قال: جاءت عائشة، وهي تبكي، فقال: "ما لك تبكي (١)؟ "، قالت: أبكي أن الناس حَلُّوا، ولم أَحْلِلْ، وطافوا، ولم أَطُف، وهذا الحج قد حَضَرَ كما ترى، فقال النبيّ ﷺ : "هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم … "، فذكره بطوله.
(٢٨٠٦) - حدّثنا محمد، ثنا الحسين، ثنا الفضل بن يعقوب، ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، أخبره عبيد الله، أن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة، بمثله.
ثم قال أبو نعيم ﵀: رواه مسلم عن عبد بن حُميد، عن محمد بن بكر. انتهى.
وصنيع أبي نعيم هذا يدلّ على أن رواية مسلم مثل روايته: "جاءت عائشة وهي تبكي … إلخ"، وهذا النصّ ليس في النسخ التي بين أيدينا، فليُحرّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْني ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَة، وَلَا نَرَى إِلا أَنَّهُ الْحَجُّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ لي الله عليه وسلم - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ).
стр. 13365
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
و"عائشة ﵂" ذُكرت قبله.
قوله: (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، وفي الرواية التالية: "أخبرتني عمرة"، فصرّح يحيى بالإخبار.
وقولها: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) اختُلف في عدد الذين كانوا معه ﷺ ، فقيل: كانوا تسعين ألفًا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك، حكاه البيهقيّ.
قال الزرقانيّ: هذا في عدّة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجّوا معه، فأكثر المقيمين بمكّة، والذين أتوا من اليمن مع عليّ، وأبي موسى الأشعريّ ﵃. انتهى.
وقال القاري: بلغ جملة من معه ﷺ تسعين ألفًا، وقيل: مائة وثلاثين ألفًا. انتهى.
وقال الشيخ الدهلويّ في "اللمعات": ورد في بعض الروايات أنهم كانوا أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعيّنوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته ﷺ مائة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بدّ أن يزدادوا فيها.
ويُروى: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مائة ألف وعشرون ألفًا. انتهى.
وإلى هذا الاختلاف أشار الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة"، حيث قال:
стр. 13366
فِي الْعَشْرِ كَانَتْ حِجَّةُ الْوَدَاعِ … لَا يُحْصَرُ الْوَافُونَ بِاطِّلَاعِ
فَقِيلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفَا … أَو ضعْفَهَا وَزِدْ عَلَيْهَا ضِعْفَا
وقولها: (لِخَمْسٍ) وفي رواية: "لخمس ليال" (بَقِينَ، مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وتكسر: اسم الشهر الذي بين شوّال، وذي الحجّة، قال الفيّوميّ: والجمع ذوات القَعْدة، وذوات الْقَعَدَات، والتثنية ذواتا الْقَعْدة، وذواتا القَعْدتين، فثنّوا الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية، ولا جمع. انتهى.
وكذا وقع في حديث ابن عبّاس ﵄ عند البخاريّ في "باب الخروج آخر الشهر"، من "كتاب الجهاد"، وفي "باب ما يلبس المحرم من الثياب"، من "كتاب الحجّ"، وكذا وقع في حديث جابر ﵁ عند النسائيّ.
قال القسطلّانيّ ﵀: يقتضي أن تكون قالته عائشة بعد انقضاء الشهر، ولو قالته قبله لقالت: إن بقين. انتهى.
وقال الحافظ: فيه استعمال الفصيح في التاريخ، وهو ما دام في النصف الأول من الشهر يؤرّخ بما خلا، وإذا دخل النصف الثاني يؤرّخ بما بقي، وقال أيضًا: فيه ردّ على من منع إطلاق القول في التاريخ؛ لئلا يكون الشهر ناقصًا، فلا يصحّ الكلام، فيقول مثلًا: لخمس، إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجّة الجواز أن الإطلاق يكون على الغالب. انتهى.
قال: ويؤيّده ما ورد في ليالي القدر عند الترمذيّ من حديث أبي بكرة ﵁، رفعه: "التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين … " الحديث، وما وقع في حديث آخر: "في تاسعة تبقى، وسابعة تبقى".
[تنبيه]: اختُلف في يوم خروجه ﷺ على ثلاثة أقوال:
(الأول): أنه خرج يوم الجمعة، وهذا وَهَمٌ قبيح، وخطأ فاحش، تردّه الروايات الصحيحة؛ إذ من المعلوم الذي لا ريب فيه أنه ﷺ صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين.
(القول الثاني): ما ذهب إليه ابن حزم، واختاره العينيّ في "شرح البخاريّ" أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، لستّ بقين من ذي
стр. 13367
القعدة، حكى هذا القول ابنُ القيّم في "الهدي" عن ابن حزم، وذكر كلامه مفصّلًا، ثم بسط في الرّدّ عليه، وسيأتي شيء من كلامه.
(القول الثالث): ما اختاره المحقّقون من شُرّاح الحديث، وأصحاب التواريخ أنّ خروجه ﷺ كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابن القيّم في "الهدي"، وهو ما اختاره الحافظ في "الفتح"، إذ قال في شرح قول ابن عبّاس ﵄: "وذلك لخمس بقين من ذي القعدة" ما لفظه: أخرج مسلم مثله من حديث عائشة ﵂، واحتجّ به ابن حزم في "كتاب حجة الوداع" له على أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، قال: لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس بلا شكّ؛ لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عبّاس: "لخمس" يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة، بناءً على ترك يوم الخروج، وقد ثبت أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما سيأتي من حديث أنس ﵁، فتبيّن أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيّن أنه يوم الخميس.
وتعقّبه ابن القيّم بأن المتعيّن أن يكون يوم السبت، بناءً على عدّ يوم الخروج، أو على ترك عدّه، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا. انتهى.
ويؤيّده ما رواه ابن سعد، والحاكم في "الإكليل" أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت، لخمس بقين من ذي القعدة.
وقال الحاقظ أيضًا: جزم ابن حزم بأن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعًا؛ لما ثبت، وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، وتعيّن أن أول الشهر يوم الخميس، فلا يصحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في "الصحيحين" عن أنس ﵁: "صلينا الظهر مع النبيّ ﷺ بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين". فدلّ على أنّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويُحمَل قول من قال: "لخمس بقين" أي: إن كان الشهر ثلاثين، فاتفق أن جاء تسعًا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجّة بعد مضيّ أربع ليال، لا خمس، وبهذا تتّفق الأخبار.
стр. 13368
هكذا جمع الحافظ عماد الدين ابن كثير بين الروايات، وقوّى هذا الجمع بقول جابر ﵁ إنه خرج لخمس بقين، أو أربع، وكان دخوله ﷺ مكّة صُبْحَ رابعة، كما ثبت في حديث عائشة ﵂، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت، كما تقدّم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى. انتهى.
وقال في شرح "بابُ الخروج آخر الشهر" من "كتاب الجهاد": قد استُشْكل قول ابن عبّاس، وعائشة ﵃ أنه خرج لخمس بقين؛ لأن ذا الحجة كان أوله الخميس؛ للاتفاق على أن الوقفة كانت يوم الجمعة، فيلزم من ذلك أن يكون خرج يوم الجمعة، ولا يصحّ ذلك؛ لقول أنس ﵁: إنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم خرج.
وأجيب بان الخروج كان السبت، وإنما قال الصحابة: "لخمس بقين" بناء على العدد؛ لأن ذا القعدة كان أوله الأربعاء، فاتّفق أن جاء ناقصًا، فجاء أول ذي الحجة الخميس، فظهر أن الذي كان بقي من الشهر أربع، لا خمس، كذا أجاب به جمع من العلماء.
ويَحْتَمِل أن يكون الذي قال: "لخمس بقين" أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما بقي؛ لأن التأهّب وقع في أوله، وإن اتّفق التأخير إلى أن صُلّيت الظهر، فكأنهم لَمّا تأهّبوا باتوا ليلة السبت على سفر اعتدّوا به من جملة أيام السفر، والله تعالى أعلم.
وقال العلامة ابن القيّم ﵀: وجه ما اخترناه أن الحديث صريحٌ في أنه خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعدّ يوم الخروج كان لستّ، وأيّهما كان، فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لستّ ليال بقين، لا لخمس، فلا يصحّ الجمع بين خروجه يوم الخميس، وبين بقاء خمس من الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت كان الباقي بيوم الخروج خمسًا بلا شكّ، ويدلّ عليه أن النبيّ ﷺ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور
стр. 13369
الخطبة، وقد شهد ابن عمر ﵄ هذه الخطبة بالمدينة على منبره، وكان من عادته ﷺ أن يعلّمهم في كلّ وقت ما يحتاجون إليه، إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي تلي خروجه، والظاهر أنه لم يكن ليدع الجمعة، وبينه وبينها بعض يوم، من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخَلْق، وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه وبين الحجّ ممكن، بلا تفويت، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال أن خروجه ﷺ كان يوم السبت، وبهذا تجتمع الروايات المختلفة في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقولها: (أَمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ) أي: يجعل نسكه عمرة، وفي بقاء هذا الحكم خلاف، والحقّ بقاؤه، كما هو مذهب الإمام أحمد، وعليه البخاريّ، وجمهور المحدّثين، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
وقولها: (فَدُخِلَ) بالبناء للمفعول، ولم يُعلم الداخل به.
وقولها: (فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ) لم يعلم قائل ذلك، قال ابن بطال ﵀: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي والأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما رواية يونس عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ نَحَر عن أزواجه بقرة واحدة، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى.
قال الحافظ ﵀: ورواية يونس أخرجها النسائيّ، وأبو داود، وغيرهما، ويونس ثقةٌ حافظٌ، وقد تابعه معمر، عند النسائيّ أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونمس قال: "ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة"، ورَوَى النسائي أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: "قال: ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهنّ"، صححه الحاكم، وهو شاهدٌ قويّ لرواية الزهريّ، وأما ما رواه عَمّار الدُّهْنِيّ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "ذبح عنا رسول الله ﷺ يوم حججنا بقرة بقرة"، أخرجه النسائيّ أيضًا، فهو شاذّ مخالف
стр. 13370
لما تقدم، وقد رواه البخاريّ في "الأضاحي"، ومسلم أيضًا من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: "ضَحَّى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر"، ولم يذكر ما زاده عَمّار الدُّهْنيّ، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الرحمن، لكن بلفظ: "أهدى" بدل "ضَحَّى"، والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتَمَر من نسائه، فقَوِيت رواية من رواه بلفظ: "أهدى"، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: "لا ضحايا على أهل منى"، وتبيّن توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن أكثر الرواة رووه بلفظ "ضحّى"، فهو أرجح، فيدلّ على استحباب الأضحيّة للحاج، كالهدي، وفيه الردّ على من أنكر ذلك كمالك، وقد ترجم البخاريّ ﵀ في "كتاب الأضاحي" من "صحيحه" (٢) بقوله: "باب الأضحيّة للمسافر والنساء"، ثم أورد حديث عائشة ﵂ هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (قَالَ يَحْيَى) هو: ابن سعيد الأنصاريّ بالإسناد المذكور إليه.
وقوله: (فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ) أي: حديث عمرة، عن عائشة ﵂.
وقوله: (لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) هو: ابن أبي بكر الصديق.
وقوله: (فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) أي: قال القاسم: ساقته عمرة لك سياقًا تامًّا، لم تختصر منه شيئًا، وكأنه يشير بذلك إلى روايته هو عن عائشة، فإنها مختصرة، هكذا قال في "الفتح" (٣)، وفيه نظرٌ؛ لأن رواية القاسم عند المصنّف أتمّ من رواية عمرة، فتنبّه.
стр. 13371
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرَّ البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٦] ( .... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ (ح) وَحَدَّثنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنَزيّ الزمِنُ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٩٧) فقال:
(٣١٩١) - وحدّثني عمر بن شبة، نا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: حدّثتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: خرجنا مع النبيّ ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرى إلا الحجّ، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت أن يَحِلّ، قالت: فأُدخِل علينا يومَ النحر لحمُ بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذَبَحَ رسول الله عن أزواجه، قال: سمعت يحيى قال: ذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك والله بالحديث على وجهه. انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى، فساقها الحميديّ، في "مسنده" (١/ ١٠٤) فقال:
(٢٠٧) - حدّثنا الحميديّ (١)، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي
стр. 13372
القعدة، لا نُرى إلا الحج، فلما كنا بِسَرِف أو قريبًا منها، أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هديٌ أن يجعلها عمرةً، فلما كنا بمنى أُتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر، قال يحيى: فحدثت به القاسم، فقال: جاءتك والله بالحديث على وجهه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (ح) وَعَن الْقَاسِم، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْن، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، قَالَ: "انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ، فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيم، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا"، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: "غَدًا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ"، أَو قَالَ: "نَفَقَتِكِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَعَن الْقَاسِمِ … إلخ) عطف على "عن إبراهيم"، فابن عون يروي هذا الحديث بإسنادين: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، وعن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂.
وقولها: (يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ … إلخ) أي: يرجعون بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجّ فقط، وفي رواية منصور الآتية: "يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة"، وذلك لأن عمرتها اندرجت في الحجّ حيث كانت قارنة.
وقوله: (ثُمَّ الْقَيْنَا) بفتح القاف، من باب تَعِبَ.
стр. 13373
وقوله: (عِنْدَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: "ثم ائتنا بمكان كذا وكذا"، قال في "الفتح": في رواية إسماعيل "بحبل كذا"، وضبطه في "صحيح مسلم" وغيره بالجيم وفتح الموحدة، لكن أخرجه الإسماعيليّ من طريق حسين بن حسن، عن ابن عون، وضبطه بالحاء المهملة، يعني وإسكان الموحدة، والمكان المبهم هنا هو الأبطح، كما تبيّن في غير هذا الطريق. انتهى (١).
وقوله: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: غَدًا) أي: قال: "ثم القَيْنا عند كذا وكذا غَدًا"، وهذا الظنّ من أحد الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ) بفتح النون، والصاد المهملة؛ أي: التعَبِ.
وقوله: (أَو قَالَ: نَفَقَتِكِ) قال الكرمانيّ ﵀: "أو" إما للتنويع في كلام النبيّ ﷺ ، وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصَب، أو النفقة، والمراد: النصَب الذي لا يَذُمّه الشرع، وكذا النفقة، قاله النوويّ ﵀. انتهى.
ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق أحمد بن منيع، عن إسماعيل: "على قدر نَصَبك، أو على قدر تَعَبِك"، قال الحافظ ﵀: وهذا يؤيد أنه من شك الراوي، وفي روايته من طريق حسين بن حسن: "على قدر نفقتك، أو نصبك"، أو كما قال رسول الله ﷺ ، وأخرجه الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق هشام، عن ابن عون، بلفظ: "إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك"، بواو العطف، وهذا يؤيِّد الاحتمال الأول.
وقوله في رواية ابن علية: "لا أعرف حديث ذا من حديث ذا"، قد أخرج الدارقطنيّ، والحاكم، من وجه آخر ما يدلّ على أن السياق الذي هنا للقاسم، فإنهما أخرجا من طريق سفيان، وهو الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن النبيّ ﷺ قال لها في عمرتها: "إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك".
стр. 13374
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "في رواية ابن عليّة" فيه نظر؛ لأن هذا الكلام في رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون التالية، لا في رواية ابن عليّة هذه، فتنبّه.
قال: واستُدِلّ به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحلّ القريبة أقلُّ أجرًا من الاعتمار من جهة الحلّ البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث.
وقال الشافعيّ في "الإملاء": أفضل بقاع الحلّ للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبيّ ﷺ أحرم منها، ثم التنعيم؛ لأنه أَذِنَ لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هدين الموضعين، فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحبّ إليّ.
وحَكَى الموفق في "المغني" عن أحمد أن المكيّ كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية، والحنابلة، ووجهه ما قدمناه أنه لم يُنْقَل أن أحدًا من الصحابة ﵃ في عهد النبيّ ﷺ خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة ﵂، وأما اعتماره ﷺ من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مُجتازًا إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل؛ لِمَا دلّ عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحلّ، لا من جهة أبعد منه، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنفيّة من أن أفضل بقاع الحلّ للاعتمار التنعيم هو الأرجح؛ لتنصيصه ﷺ عليه، وقد أخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح أنه ﷺ قال: "يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم، فإذا هَبَطَت بها من الأَكَمَة، فمُرْها فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة"، فهذا نصّ صريح في أفضليته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: ظاهر الحديث أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة. انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطَّرد، فقد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض، وهو أكثر فضلًا وثوابًا بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة
стр. 13375
المالية والبدنية، كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها، أو أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع، أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في "القواعد"، قال: وقد كانت الصلاة قرة عين النبيّ ﷺ ، وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته ﷺ مطلقًا. انتهى، وهو بحث نفيسٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٨] ( … ) (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَن الْقَاسِم، وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَر، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْن، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين.
وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن أبي عديّ.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْت، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ