والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرَّ البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٦] ( .... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ (ح) وَحَدَّثنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنَزيّ الزمِنُ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٩٧) فقال:
(٣١٩١) - وحدّثني عمر بن شبة، نا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: حدّثتني عمرة، قالت: سمعت عائشة تقول: خرجنا مع النبيّ ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرى إلا الحجّ، حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي، إذا طاف بالبيت أن يَحِلّ، قالت: فأُدخِل علينا يومَ النحر لحمُ بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذَبَحَ رسول الله عن أزواجه، قال: سمعت يحيى قال: ذكرت هذا الحديث للقاسم، فقال: أتتك والله بالحديث على وجهه. انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى، فساقها الحميديّ، في "مسنده" (١/ ١٠٤) فقال:
(٢٠٧) - حدّثنا الحميديّ (١)، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي
стр. 13372
القعدة، لا نُرى إلا الحج، فلما كنا بِسَرِف أو قريبًا منها، أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هديٌ أن يجعلها عمرةً، فلما كنا بمنى أُتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر، قال يحيى: فحدثت به القاسم، فقال: جاءتك والله بالحديث على وجهه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (ح) وَعَن الْقَاسِم، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْن، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ، قَالَ: "انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ، فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيم، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا"، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: "غَدًا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ"، أَو قَالَ: "نَفَقَتِكِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَعَن الْقَاسِمِ … إلخ) عطف على "عن إبراهيم"، فابن عون يروي هذا الحديث بإسنادين: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، وعن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂.
وقولها: (يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ … إلخ) أي: يرجعون بحج وعمرة، وأرجع أنا بحجّ فقط، وفي رواية منصور الآتية: "يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة"، وذلك لأن عمرتها اندرجت في الحجّ حيث كانت قارنة.
وقوله: (ثُمَّ الْقَيْنَا) بفتح القاف، من باب تَعِبَ.
стр. 13373
وقوله: (عِنْدَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: "ثم ائتنا بمكان كذا وكذا"، قال في "الفتح": في رواية إسماعيل "بحبل كذا"، وضبطه في "صحيح مسلم" وغيره بالجيم وفتح الموحدة، لكن أخرجه الإسماعيليّ من طريق حسين بن حسن، عن ابن عون، وضبطه بالحاء المهملة، يعني وإسكان الموحدة، والمكان المبهم هنا هو الأبطح، كما تبيّن في غير هذا الطريق. انتهى (١).
وقوله: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: غَدًا) أي: قال: "ثم القَيْنا عند كذا وكذا غَدًا"، وهذا الظنّ من أحد الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ) بفتح النون، والصاد المهملة؛ أي: التعَبِ.
وقوله: (أَو قَالَ: نَفَقَتِكِ) قال الكرمانيّ ﵀: "أو" إما للتنويع في كلام النبيّ ﷺ ، وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصَب، أو النفقة، والمراد: النصَب الذي لا يَذُمّه الشرع، وكذا النفقة، قاله النوويّ ﵀. انتهى.
ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق أحمد بن منيع، عن إسماعيل: "على قدر نَصَبك، أو على قدر تَعَبِك"، قال الحافظ ﵀: وهذا يؤيد أنه من شك الراوي، وفي روايته من طريق حسين بن حسن: "على قدر نفقتك، أو نصبك"، أو كما قال رسول الله ﷺ ، وأخرجه الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق هشام، عن ابن عون، بلفظ: "إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك"، بواو العطف، وهذا يؤيِّد الاحتمال الأول.
وقوله في رواية ابن علية: "لا أعرف حديث ذا من حديث ذا"، قد أخرج الدارقطنيّ، والحاكم، من وجه آخر ما يدلّ على أن السياق الذي هنا للقاسم، فإنهما أخرجا من طريق سفيان، وهو الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن النبيّ ﷺ قال لها في عمرتها: "إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك".
стр. 13374
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "في رواية ابن عليّة" فيه نظر؛ لأن هذا الكلام في رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون التالية، لا في رواية ابن عليّة هذه، فتنبّه.
قال: واستُدِلّ به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحلّ القريبة أقلُّ أجرًا من الاعتمار من جهة الحلّ البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث.
وقال الشافعيّ في "الإملاء": أفضل بقاع الحلّ للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبيّ ﷺ أحرم منها، ثم التنعيم؛ لأنه أَذِنَ لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هدين الموضعين، فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحبّ إليّ.
وحَكَى الموفق في "المغني" عن أحمد أن المكيّ كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية، والحنابلة، ووجهه ما قدمناه أنه لم يُنْقَل أن أحدًا من الصحابة ﵃ في عهد النبيّ ﷺ خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة ﵂، وأما اعتماره ﷺ من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مُجتازًا إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل؛ لِمَا دلّ عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحلّ، لا من جهة أبعد منه، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنفيّة من أن أفضل بقاع الحلّ للاعتمار التنعيم هو الأرجح؛ لتنصيصه ﷺ عليه، وقد أخرج أحمد، وأبو داود بسند صحيح أنه ﷺ قال: "يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم، فإذا هَبَطَت بها من الأَكَمَة، فمُرْها فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة"، فهذا نصّ صريح في أفضليته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: ظاهر الحديث أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة. انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطَّرد، فقد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض، وهو أكثر فضلًا وثوابًا بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة
стр. 13375
المالية والبدنية، كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها، أو أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع، أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في "القواعد"، قال: وقد كانت الصلاة قرة عين النبيّ ﷺ ، وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته ﷺ مطلقًا. انتهى، وهو بحث نفيسٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٨] ( … ) (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، عَن الْقَاسِم، وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَر، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْن، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين.
وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن أبي عديّ.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عديّ، عن ابن عون هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٢٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْت، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ
стр. 13376
قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: "أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيم، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا"، قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ، قَالَ: "عَقْرَى، حَلْقَى، أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: "لَا بَأْسَ، انْفِرِي"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَو أَنَا مُصْعِدَةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقولها: (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملة، وفتح الباء الموحدة - وفي رواية المستملي: "ليلة الحصباء".
وقوله: (ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) هو المحصّب، كما بُيّن في الروايات الأخرى.
وقولها: (وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ) ولأبي الأسود، عن عروة، عنها: "مهلّين بالحج"، وللقاسم عنها: "لا نذكر إلا الحجّ"، وله أيضًا: "لبّينا بالحج"، وظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولًا محرمين بالحج، لكن في رواية عروة عنها: "فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّا من أهلّ بحجّ وعمرة، ومنّا من أهلّ بالحجّ" فيُحْمَل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحجّ، ثم بيّن لهم النبيّ ﷺ وجوه الإحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحج.
ويَحْتَمِل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلّت عائشة بالحج مفردًا كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا يُنَزَّل حديث الأسود ومن تبعه، ثم أمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت
стр. 13377
متمتعةً، وعلى هذا يتنزل حديث عروة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تُحرِم بالحج، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ) أرادت غيرها؛ لقولها بعده: "فلم أطف"، فإنه تبيّن به أن قولها: "تطوّفنا" من العام الذي أريد به الخاص، قاله في "الفتح".
وقولها: (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ) أي: من الحجّ بعمل العمرة، وهذا هو معنى فسخ الحجّ إلى العمرة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك - إن شاء الله تعالى -.
وقولها: (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ، فَأَحْلَلْنَ) أي: وهي منهنّ، لكن منعها من التحلل كونها حاضت ليلة دخولهم مكة، وقد مضى بيان ذلك، وأنها بكت، وأن النبيّ ﷺ قال لها: "كوني في حجك"، فظاهره أنه ﷺ أمرها أن تجعل عمرتها حجّا، ولهذا قالت: "يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج"، فأعمرها لأجل ذلك من التنعيم، وقال مالك: ليس العمل على حديث عروة قديمًا ولا حديثًا، قال ابن عبد البر: يريد ليس عليه العمل في رفض العمرة، وجعلها حجًّا، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة، واختُلِف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: "ارفُضي عمرتك" أي: اتركي التحلل منها، وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنةً، ويؤيِّده قوله في رواية لمسلم: "وأمسكي عن العمرة"؛ أي: عن أعمالها.
وقوله: (يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) إنما قالت عائشة ﵂: "وأرجع بحجّ"؛ لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين، قيل: ويُبعد هذا التأويل قولها في رواية عطاء عنها: "وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة"، أخرجه أحمد، وهذا يقوّي قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة، وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك بقولها في الرواية المتقدمة: "دعي عمرتك"، وفي رواية: "ارفُضي عمرتك"، ونحو ذلك، واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلّت بالعمرة متمتعةً، فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة، وتُهِلّ بالحج مفردًا كما فعلت عائشة ﵂.
стр. 13378
وتُعُقّب بأن في رواية عطاء عنها ضعفًا، بل الرافع للإشكال في ذلك هو ما رواه مسلم من حديث جابر: "أن عائشة أهلّت بعمرة، حتى إذا كانت بِسَرِف حاضت، فقال لها النبي ﷺ : أهلّي بالحج، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، وسعت، فقال: قد حللت من حجك وعمرتك، قالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال: فأعمرها من التنعيم".
ولمسلم من طريق طاوس عنها: "فقال لها النبيّ ﷺ : طوافك يسعك لحجك وعمرتك"، فهذا صريح في أنها كانت قارنةً؛ لقوله: "قد حللت من حجك وعمرتك"، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها؛ لكونها لم تطف بالبيت لَمّا دخلت معتمرةً، وقد وقع في رواية لمسلم أيضًا: "وكان النبيّ ﷺ رجلًا سهلًا إذا هَوِيَت الشيء تابعها عليه"، أفاده في "الفتح" (١).
وقولها: (قَالَتْ صَفِيَّةُ) بنت حييّ بن أخطب الإسرائيليّة، أم المؤمنين ﵂، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خيبر، وماتت سنة ستّ وثلاثين من الهجرة، وقيل: في ولاية معاوية ﵁، وهو الصحيح، أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في "كتاب السلام" برقم (٢١٧٥) وسنستوفي ترجمتها هناك - إن شاء الله تعالى -.
وقولها: (مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) بضم الهمزة؛ أي: ما أظنّ نفسي إلا مانعتكم عن الرجوع إلى المدينة، قال النوويّ ﵀: معناه أن صفية أم المؤمنين ﵂ حاضت قبل طواف الوداع، فلما أراد النبيّ ﷺ الرجوع إلى المدينة، قالت: ما أظنني إلا حابستكم لانتظار طهري، وطوافي لِلْوَدَاع، فإني لم أطف للوداع، وقد حضتُ، ولا يمكنني الطواف الآن، وظَنَّتْ أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، فقال النبيّ ﷺ : "أما كنتِ طُفْتِ طواف الإفاضة يوم النحر؟ قالت: بلى، قال: يكفيك ذلك"؛ لأنه هو الطواف الذي هو ركنٌ، ولا بدّ لكل أحد منه، وأما طواف الوداع فلا يجب على الحائض. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قول صفية ﵂: "ما أراني إلا حابستكم"؛ ظنت أنها لا بدَّ لها من طواف الوداع، وأنها لا تطوف حتى تطهر، ومن ضرورة ذلك
стр. 13379
أن تحتبس عليها، فلما سمعها النبيّ ﷺ ظنَّ أنها لم تطف طواف الإفاضة، فأجابها بما يدلُّ على استثقاله احتباسه بسببها، فقال: (قَالَ: "عَقْرَى، حَلْقَى) الرواية فيه بغير تنوين، بألف التأنيث المقصورة.
قال القاضي: يقال للمرأة: "عقرى حلقى"؛ أي: مشوَّهة مؤذية، وقيل: تعقرهم وتحلقهم، وقيل: عقرى: ذات عقير.
و"حلقى": أصابها وجع الحلق، وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض، وقال أبو عبيد: صوابه: عقرًا، حلقًا - بالتنوين - لأن معناه: عقرها الله عقرًا، وهذا على مذهبهم - أعني: العرب - فيما يجري على ألسنتهم؛ مما ظاهره الدعاء بالمكروه، ولا يقصدونه، على ما تقدَّم في الطهارة (١).
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله ﷺ : "عقرى حلقى" فهكذا يرويه المحدّثون بالألف التي هي ألف التأنيث، ويكتبونه بالياء، ولا ينونونه، وهكذا نقله جماعة لا يُحْصَون من أئمة اللغة وغيرهم، عن رواية المحدثين، وهو صحيح فصيح.
قال الأزهريّ في "تهذيب اللغة": قال أبو عُبيد: معنى "عَقْرَى" عقرها الله تعالى، و"حَلْقَى" حلقها الله، قال: يعنى عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها، قال أبو عبيد: أصحاب الحديث يروونه: "عقرى حلقى"، وإنما هو: عقرًا حلقًا، قال: وهذا على مذهب العرب في الدعاء على الشيء من غير إرادة وقوعه، قال شَمِر: قلت لأبي عبيد: لم لا تجيز عقرى؟ فقال: لأن فَعْلَى تجيء نعتًا، ولم تجئ في الدعاء، فقلت: رَوَى ابن شُمَيل عن العرب: مُطَّيْرَى، وعَقْرَى أخفّ منها، فلم ينكره، هذا آخر ما ذكره الأزهريّ.
وقال صاحب "المحكم": يقال للمرأة: عَقْرَى حَلْقَى، معناه: عقرها الله، وحلقها؛ أي: حلق شعرها، أو أصابها بوجع في حلقها، قال: فـ"عقرى" ها هنا مصدر كدَعْوَى، وقيل: معناه تَعْقِر قومها، وتَحلقهم بشؤمها، وقيل: العقرى: الحائض، وقبل: عقرى حلقى؛ أي: عقرها الله، وحلقها، هذا آخر كلام صاحب "المحكم".
وقيل: معناه جعلها الله عاقرًا لا تَلِدُ، وحلقى مشؤمة على أهلها، وعلى
стр. 13380
كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه، ثم اتَّسَعَت العرب فيها، فصارت تطلقها، ولا تريد حقيقة ما وُضِعت له أوّلًا، ونظيره: تَرِبَت يداه، وقاتله الله ما أشجعه، وما أشعره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": قوله: "عَقْرَى حَلْقَى" بالفتح فيهما، ثم السكون، وبالقصر بغير تنوين في الرواية، ويجوز في اللغة التنوين، وصوّبه أبو عبيد؛ لأن معناه الدعاء بالعَقْر والْحَلْق، كما يقال: سَقْيًا ورَعْيًا، ونحو ذلك من المصادر التي يُدْعَى بها، وعلى الأول هو نعت لا دُعاءٌ، ثم معنى عَقْرَى: عَقَرها الله؛ أي: جرحها، وقيل: جعلها عاقرًا لا تلد، وقيل: عقر قومها، ومعنى حَلْقَى: حَلَق شعرها، وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حَلَق قومها بشؤمها؛ أي: أهلكهم.
وحَكَى القرطبيّ أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتَّسَعَتِ العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما، كما قالوا: قاتله الله، وتربت يداه، ونحو ذلك.
قال القرطبيّ وغيره: شتان بين قوله ﷺ لصفية، وبين قوله لعائشة لَمّا حاضت معه في الحج: "هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم"؛ لما يُشعر به من الميل لها، والْحُنُوّ عليها، بخلاف صفية.
قال الحافظ: وليس فيه دليل على اتِّضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها، وهي تبكي أَسَفًا على ما فاتها من النسك، فسَلّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. انتهى (٢)، وهو توجيه حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَوَ مَا كُنْتِ) بفتح الواو، فالهمزة للاستفهام، والواو عاطفة.
وقوله: (طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟) أي: طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحجّ.
وقوله: (لَا بَأْسَ، انْفِرِي) أي: اخرجي من منى راجعةً إلى المدينة من
стр. 13381
غير طواف الوداع، وفيه دليل على أن طواف الوداع لا يجب على الحائض، ولا يلزمها الصبر إلى طهرها لتأتي به، ولا دم عليها في تركه، قال النوويّ ﵀: وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حكاه القاضي عن بعض السلف، وهو شاذّ مردود. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "فلا باس انفري" هو بيان لقوله في الرواية الأخرى: "فلا إذًا"، وفي رواية: "قال: اخرجوا"، وفي رواية: "قال: اخرجي"، وفي رواية: "فلتنفر"، ومعانيها متقاربة، والمراد بها كُلِّها الرحيل من منى إلى جهة المدينة.
قال: وفي أحاديث الباب: أن طواف الإفاضة ركنٌ، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف، وأن طواف الوداع واجبٌ.
قال: واستُدِلّ به على أن أمير الحاجّ يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض، ممن لم تطف للإفاضة.
وتُعُقِّب باحتمال أن تكون إرادته ﷺ تأخير الرحيل إكرامًا لصفية، كما احتَبَس بالناس على عِقْد عائشة، وأما الحديث الذي أخرجه البزار، من حديث جابر، وأخرجه البيهقيّ في "فوائده"، من طريق أبي هريرة مرفوعًا: "أميران، وليسا بأميرين: من تَبعَ جنازةً، فليس له أن ينصرف حتى تُدْفَن، أو يأذن أهلها، والمرأة تحجّ، أو تعتمر مع قوم، فتحيض قبل طواف الركن، فليس لهم أن ينصرفوا حتى تَطْهَرَ، أو تأذن لهم"، فلا دلالة فيه على الوجوب إن كان صحيحًا، فإن في إسناد كل منهما ضعفًا شديدًا.
وقد ذكر مالك في "الموطإ" أنه يلزم الْجَمَّالَ أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، وكذا على النفساء، واستشكله ابن الْمَوَّاز بأن فيها تعريضًا للفساد، كقطع الطريق، وأجاب عياض بان محل ذلك مع أمن الطريق، كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم. انتهى (٢).
وقولها: (وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَو أنَا مُصْعِدَةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا) معنى "مُصعد من مكة" أي: ذاهبٌ منها، يقال: أصعد في
стр. 13382
الأرض: إذا مضى، وأصعد في الوادي: إذا انحدر، كصعّد، تصعيدًا، قاله في "القاموس"، وقال أيضًا: صَعِدَ في السلّم، كسَمِع صُعُودًا، وصَعَّد في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمع: صَعِدَ فيه؛ أي: بالتخفيف. انتهى (١).
و"المنهبط": ضدّ الْمُصْعِد.
قال النوويّ ﵀: قولها: "فلقيني رسول الله ﷺ ، وهو مصعد من مكة … إلخ"، وقالت في الرواية الأخرى: "فجئنا رسول الله ﷺ ، وهو في منزله، فقال: هل فرغتِ؟ فقلت: نعم، فأذَّن في أصحابه، فخرج، فمَرّ بالبيت، وطاف"، وفي الرواية الأخرى: "فأقبلنا حتى أتينا رسول الله ﷺ ، وهو بالحصبة".
قال: وجه الجمع بين هذه الروايات أنه ﷺ بعث عائشة مع أخيها بعد نزوله المحصَّب، وواعدها أن تَلْحَقه بعد اعتمارها، ثم خرج هو ﷺ بعد ذهابها، فقصد البيت؛ ليطوف طواف الوداع، ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع، وكلُّ هذا في الليل، وهي الليلة التي تلي أيام التشريق، فلقيها ﷺ ، وهو صادر بعد طواف الوداع، وهي داخلة لطواف عمرتها، ثم فَرَغَت من عمرتها، ولَحِقته ﷺ ، وهو بعدُ في منزله بالمحصَّب.
وأما قولها: "فأَذَّن في أصحابه، فخرج، فمَرَّ بالبيت، وطاف"، فيُتَأَوَّل على أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن طوافه ﷺ كان بعد خروجها إلى العمرة، وقبل رجوعها، وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن معنى كلامها أن النبيّ ﷺ لقيها، والحال أنه راجع من مكة بعد طوافه للصدر إلى محلّ نزوله من المحصّب الذي قال لها حين توجهت إلى التنعيم موعدك مكان كذا وكذا، وهي منحدرة على مكة لأداء العمرة بالطواف والسعي.
والحاصل أن ملاقاتهما كانت حين رجوعه ﷺ بعد طوافه للصدر إلى محل نزوله، وهي متوجّهة من التنعيم إلى مكة لأداء العمرة، ولا ينافي هذا ما
стр. 13383
تقدّم من قولها: "فمرّ بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح … "؛ لاحتمال أن يكون أعاد الطواف لَمّا مرّ بالبيت، وهذا أولى من دعوى التقديم والتأخير، كما قاله النوويّ ﵀، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبِّطٌ) بيّن به اختلاف شيخيه زهير بن حرب، وإسحاق ابن راهويه، فالأول قال: "منهبطة" بالنون، والثاني قال: "متهبّطة" بالتاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّي، لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثاني، هرويّ الأصل، صدوقٌ، عَمِيَ، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الكوفيّ، قاضي الموصل، تقدّم قريبًا.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير الأعمش.
[تنبيه]: رواية الأعمش، عن إبراهيم هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٩) فقال:
(٢٨١٠) - ثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا عبد الغفار بن عبد الله، ثنا عليّ بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر حجًّا ولا عمرة، فلما قَدِمنا مكة، أمرنا رسول الله ﷺ ، فأحللنا، فحَلَّ الناس من عمرتهم، وكنت حائضًا، فلم أطف بالبيت، فلما كان ليلة النفر، قلت: يا
стр. 13384
رسول الله، إني لم أكن تطوفت بالبيت يوم النحر، قال: "اذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فاعتمري"، وحاضت صفية بنت حُيَيّ ليلة النفر، فقالت: ما أُراني إلا حابستكم، فقال لها رسول الله ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، أما كنت تطوفت بالبيت يوم النحر؟ " قالت: بلى، قال: "فانفري"، قالت: فلقيت رسول الله ﷺ مُدْلِجًا على العقبة، وهو منهبط على المدينة، وأنا منهبطة، فقال: "موعدك يوم كذا وكذا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣١] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّة، أَو خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: "أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ"، قَالَ الْحَكَمُ: "كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ - أَحْسِبُ - وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي، حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلُّ كَمَا حَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببُندار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّام، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، تقدّم قريبًا.
٥ - (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد فاضلٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٣) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٣٠/ ١٨١٨.
٦ - (ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ) أبو عمرو المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عنها، وعنه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو أكبر منه،
стр. 13385
وابن أبي مليكة، وعليّ بن الحسين، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الواقديّ: كانت عائشة قد دَبَّرته، وله أحاديث قليلة، ومات ليالي الحرّة، وقال ابن أبي مليكة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يؤم عائشة، فإذا لم يحضر ففتاها ذكوان، وقال البخاريّ في "صحيحه": وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان في المصحف، قال الحافظ: وقد وصلته فيما كتبته على تعاليق البخاريّ، وقال البخاريّ في "تاريخه" من طريق ابن أبي مليكة أنه أحسن على ذكوان الثناء. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ.
وقال الهيثم بن عديّ: أحسبه قُتِل بالحرّة سنة (٦٣).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٢١١)، وحديث (١٤٢٠): "نعم تُستأمر … " الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثم فرّق؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الحكم، عن عليّ بن الحسين، عن ذكوان.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشار من المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ) أي: لأربع ليال (مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّة، أَو خَمْسٍ) شكّ من عائشة ﵂، أو ممن بعدها، وسيأتي في حديث جابر "أنه ﷺ قَدِمَ صبح رابعة مضت من ذي الحجة" (فَدَخَلَ عَلَيَّ، وَهُوَ غَضْبَانُ) أي: ملآن من الغضب حين تأخر بعض أصحابه في فسخ
стр. 13386
الحج إلى العمرة، قال النوويّ ﵀: أما غضبه ﷺ فلانتهاك حرمة الشرع، وتردّدهم في قبول حكمه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، فغضب ﷺ ؛ لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع، والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم. انتهى (١).
(فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ) هذا دعاء من عائشة ﵂، أو إخبار منها بذلك، وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع.
وقال القرطبيّ ﵀: كأنها سبق لها أن الذي يُغضب النبيّ ﷺ إنما هو منافقٌ، فدَعَت عليه بذلك. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: قولها: "من أغضبك": "من" يجوز أن تكون شرطيّةً، وجوابها "أدخله الله النار"، وأن تكون استفهاميّة على سبيل الإنكار، وقولها: "أدخله الله النار" على هذا لا يكون إلا دعاءً، بخلاف الأول، فإنه يَحْتَمل الدعاء، والإخبار. انتهى (٣).
(قَالَ) ﷺ ("أَوَ مَا شَعَرْتِ) بفتح العين المهملة؛ أي: أَوَ ما عَلِمت (أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد؛ حيث وقعت مفعولًا لـ"شَعَرتُ"؛ أي: أمري الناسَ، والمراد بعض الناس، وهم الذين أحرموا بالحجّ مفردًا، أو أحرموا بالحج والعمرة قرانًا، ولم يكن معهم هدي، وقوله: (بِأَمْرٍ) نتعلّق بـ"أمرتُ"؛ أي: وهو فسخ الحجّ (فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ") "إذا" هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأ أن بعضهم يترددون؛ أي: في طاعة الأمر، والمسارعة فيه، أو في أن هذه الطاعةَ هل هي نقصان بالنسبة إلى حجهم؟ قاله القاري (٤).
(قَالَ الْحَكَمُ: "كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) قال القاضي عياض ﵀: كذا وقع هذا اللفظ، وهو صحيح، وإن كان فيه إشكال، قال: وزاد إشكاله تغيير
стр. 13387
فيه، وهو قوله: "قال الحكم: كأنهم يترددون"، وكذا رواه ابن أبي شيبة عن الحكم، ومعناه أن الحكم شكّ في لفظ النبيّ ﷺ هذا، مع ضبطه لمعناه، فشكّ هل قال: يترددون، أو نحوه من الكلام، ولهذا قال بعده: "أحسب" أي: أظنّ أن هذا لفظه، ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر: "ولم يذكر الشكّ من الحكم في قوله: يترددون"، والله أعلم. انتهى (١).
(وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي) أي: من الميقات (حَتَّى أَشْتَرِيَهُ) أي: من مكة، أو من الطريق، قال الطيبيّ ﵀: "حتى" بمعنى "كي"، و"أشتريه" منصوب به. انتهى (٢). (ثُمَّ أَحِلَّ) بالنصب عطفًا على "أشتريَهُ"، ويوجد مضبوطًا بضبط القلم "أَحِلُّ" بالرفع، فعليه يكون بتقدير مبتدإ؛ أي: فأنا أحلّ (كَمَا حَلُّوا") أي: مثل حلّ الصحابة المأمورين به.
قال القرطبيّ ﵀: قوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري … إلخ" هذا يدل
على أنه ﷺ لم يكن أحرم به متحتمًا متعينًا عليه، وأنه كان مخيَّرًا بين أنواع الإحرام، فأحرم بأحدها، ثم إنه لما قلَّد الهدي لم يمكنه أن يتحلل حتى ينحره يوم النحر بمحله، فمعنى الكلام: لو ظهر لي قبل الإحرام ما ظهر عند دخول مكة من توقف الناس عن التحلل بالعمرة لأحرمت بعمرة، ولما سُقْتُ الهدي، وإنما قال ذلك تطييبًا لنفوسهم، وتسكينًا لهم. انتهى (٣).
وقال الأبّيّ ﵀: قوله: "لو استقبلت إلخ" يدلّ على أنه ﷺ كان مُهلًّا بالحجِّ، ويفسّره قوله في رواية أخرى: "لأهللتُ بالعمرة"، قال: والمعنى: أنه لو أن هذا الذي رأيت في الآخر، وأمرتكم به من الفسخ عَنّ لي في أول الأمر ما سُقت الهدي؛ لأن سوقه يمنع منه؛ لأنه لا يُنحر إلا بعد بلوغه محله يوم النحر، وقال ﷺ ذلك تطييبًا لنفوسهم حين رآهم يتوقّفون عن الإحلال؛ تأسّيًا به؛ لأنه لم يحلّ، وشقّ عليهم أن يحلّوا، ويبقى هو محرمًا، وما كانوا ليرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فطيَّب نفوسهم بذلك، قال: ولا يؤخذ منه أن التمتّع أفضل؛ لأنه تمنّى أن يكون متمتّعًا، وإنما يَتمنّى الأفضل، ولأن الشيء قد
стр. 13388
يكون أفضل باعتبار ذاته، وقد يكون باعتبار ما يقترن به، ولا يلزم أن يكون أفضل باعتبار ذاته، وهو هنا كذلك؛ لأن هذا التكليف يقترن به أنه قصد موافقة الصحابة ﵃ في الفسخ بما شقّ عليهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٣١ و ٢٩٣٢] (١٢١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٧٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين.
٢ - (ومنها): جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع.
٣ - (ومنها): جواز قول "لو" في التأسف على فوات أمور الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن "لو" تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في استعمال "لو" في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه، قاله النوويّ ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَم، سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْن، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَرْبَعٍ، أَو خَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّة، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ مِنَ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ: يَتَرَدَّدُونَ).
стр. 13389
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ … إلخ) فاعل "يَذكُر" ضمير معاذ بن معاذ.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ عن شعبة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمَتْ، وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ (١): "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ"، فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت تغيّر بآخره قليلًا [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، تقدّم قبل باب.
стр. 13390
و"عائشة ﵂" ذُكرت قبله.
وقوله: (أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) أي: رفعت صوتها بالتلبية للعمرة، وأصل الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ثم توسع فيه بإطلاقه على مطلق الإحرام، وإن لم يكن فيه رفع صوت (١).
وقوله: (وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ) أي: مدخلة له على العمرة، وحينئذ فصارت قارنة بعد أن كانت متمتعة، وهو جائز بالإجماع إذا كان قبل الطواف، وإنما فَعَلت ذلك؛ لأنه تعذر عليها إتمام العمرة، والتحلل منها؛ للحيض الطارئ المانع لها من الطواف (٢).
وقوله: (يَوْمَ النَّفْرِ) ووقع في بعض النسخ: "يوم النحر"، و"النفر" بسكون الفاء: الرجوع، يقال: نَفَرَ الحجّاج من منى، من بابي ضرب، وقعد: إذا دفعوا، وللحجاج نفَران، فالأول هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني هو اليوم الثالث من أيام التشريق (٣).
وقوله: ("يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ") هذه الرواية والتي بعدها صريحتان في أن عمرة عائشة ﵂ باقية صحيحة مجزئة؛ حيث قال ﷺ : "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وقد عُلم أن الأعمال الشرعية لا يجوز الخروج منها إما مطلقًا، أو الواجبات منها، ويزيد الحج والعمرة على غيرهما بأنهما لشدة تشبثهما ولزومهما لا يصح الخروج منهما بنية الخروج، وإنما يُخرَج منهما بالتحلل بعد فراغهما.
وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة ظاهرة على أنها كانت قارنةً، ولم ترفُض العمرة رفض إبطال، بل تركت الاستمرار في أعمال العمرة بانفرادها. انتهى (٤).
وقوله: (فَأَبَتْ) أي: امتنعت عن الاكتفاء بالعمرة المندرجة في الحجّ، بل لا بدّ لها من عمرة منفردة كسائر أمهات المؤمنين ﵅، والله تعالى أعلم.
стр. 13391
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٣٣] (١٢١١)، وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٦) و"المعرفة" (٤/ ١٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلّال، أبو محمد نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خُراسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ حافظٌ [٧] (ع) تقدم في "الزكاة" ٢٤/ ٢٣٦٠.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ) يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربما دلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في "الجنائز" ٦/ ٢١٣٤.
٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزومي مولاهم المكيّ، تقدّم قريبًا.
و"عائشة ﵂ " ذُكرت قبله.
وقولها: (فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ) قال الحافظ أبو الحسن القطّان ﵀: الصحيح عن عائشة ﵂ من غير رواية مجاهد أنها إنما طهرت يوم النحر، ويوم النحر إنما تكون فيه إما بمزدلفة سحرًا، أو بمنى، أو بمكة، قال: وصحّ عنها أيضًا
стр. 13392
في كتاب مسلم: "أدركني يوم عرفة، وأنا حائض". انتهى (١).
وقوله: ("يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ") تقدّم أن "يجزي" بضمّ أوله، من أجزأ رباعيًّا، أو بفتحه، من جزى ثلاثيًّا، ومعنى "طوافك بالصفا والمروة" سعيك بينهما.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٣٤] (١٢١١)، وأخرجه (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: انتقد الحافظ الرشيد العطار في "غرره" هذا الإسناد، فقال: وفي اتصال هذا الإسناد نظر، فإن جماعة من أئمة أهل النقل أنكروا سماع مجاهد عن عائشة، منهم شعبة، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد عن عائشة، مرسل.
قال: والعذر لمسلم ﵀ ما بيّناه في غير موضع من هذا الكتاب، وهو اعتبار التعاصر، وجواز السماع، وإمكانه ما لم يَقُم دليل بَيِّن على خلاف ذلك، ولا خلاف في إدراك مجاهد بن جبر لعائشة ﵂، ومعاصرته لها، ومع هذا فقد أخرج مسلم معنى هذا الحديث من رواية طاوس، عن عائشة، بإسناد لا أعلم خلافًا في اتصاله، وقَدَّمه على حديث مجاهد هذا - والله أعلم -.
وقد أخرج البخاريّ ومسلم حديثًا غير هذا لمجاهد، عن عائشة، من رواية منصور، عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، والناس يصلون الضحى … الحديث بكماله، وفيه: وسمعنا استنان عائشة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أم المؤمنين إلى ما يقول أبو عبد الرحمن … الحديث. انتهى.
قال الرشيد ﵀: وفي ظاهر لفظ هذا الحديث ما يدلّ على سماع مجاهد، من عائشة ﵂، ولهذا أخرجه البخاريّ، ولو لم يكن عنده كذلك لما أخرجه؛ لأنه يشترط اللقاء، وسماع الراوي ممن روى عنه مرة واحدةً فصاعدًا، والله أعلم.
قال: وقد أخرج النسائيّ في "سننه" من رواية موسى الجهنيّ، عن
стр. 13393
مجاهد، قال: أُتِيَ مجاهد بِقَدَح حَزَرته ثمانية أرطال، فقال: حدّثتني عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يغتسل بمثل هذا.
قال الرشيد: وهذا أيضًا يدل على سماعه منها والله أعلم. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أفاده الحافظ الرشيد العطار ﵀ في بحثه هذا أنه إنما أخرج مسلم هذا الحديث مع أن كثيرًا من الأئمة حكموا بانقطاعه؛ لأمور:
(الأول): وهو الأقوى أنه ثبت دديه سماع مجاهد من عائشة ﵂، بدليل أنه أخرج مع البخاريّ حديثًا من روايته عنها، فهذا دليل قويّ؛ لأن البخاريّ لا يُخرج في "صحيحه" إلا ما ثبت لديه سماع رواته بعضهم من بعض.
وأيضًا مما يثبت ذلك ما رواه النسائيّ بسند صحيح عنه أنه قال: حدثتني عائشة ﵂ … الحديث، وهذا هو القاطع دابر الشكوك والظنون في المسألة، فليُتنبّه.
(والثاني): أنه على تقدير عدم ثبوت سماعه منها صريحًا إلا أن شرط مسلم قد تحقّق، وهو المعاصرة، مع إمكان اللقيّ، كما سبق في "مقدّمة" كتابه.
(والثالث): أن هذا الحديث قد أخرجه مسلم قبله من رواية طاوس، عن عائشة ﵂، وهذا مما لا خلاف في ثبوت السماع فيه، فتكون رواية مجاهد متابعة، والمتابعة قد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِث، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ الله، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْن، وَأَرْجِعُ
стр. 13394
بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهَا إِلَى التَّنْعِيم، قَالَتْ: فَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي، أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي، فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَة، قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (قُرَّةُ) بن خالد السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ) بن عثمان الحجبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الصيام" ٢٦/ ٢٦٨١.
٥ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ، لها رؤيةٌ، حدّثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "صحيح البخاريّ" التصريح بسماعها من النبيّ ﷺ ، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها (ع) تقدمت في "الحيض" ٣/ ٦٩٩.
و"عائشة ﵂ " ذُكرت قبله.
وقولها: (فجَعَلْتُ أَرْفَعُ خِمَارِي، أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي، فَيَضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَة، قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟).
قال النوويّ ﵀: أما قولها: "أحسره" فبكسر السين وضمها لغتان؛ أي: أكشفه، وأزيله، وأما قولها: "بعلّة الراحلة" فالمشهور في اللغة أنه بباء موحدة، ثم عين مهملة مكسورتين، ثم لام مشدّدة، ثم هاء، وقال القاضي عياض ﵀: وقع في بعض الروايات "نَعْلَة" يعني بالنون، وفي بعضها بالباء، قال: وهو كلام مُخْتَلّ، قال: قال بعضهم: "صوابه: ثَفِنة الراحلة (١) " - بفتح الثاء، وكسر
стр. 13395
الفاء - أي فخذها، يريد ما خَشُن من مواضع مباركها، قال أهل اللغة: كلُّ ما وَليَ الأرضَ من كلّ ذي أربع إذا بَرَكَ فهو ثَفِنة، قال القاضي: ومع هذا فلا يستقيم هذا الكلام، ولا جوابها لأخيها بقولها: "وهل ترى من أحد"، ولأن رجل الراكب قَلّما تبلغ ثَفِنة الراحلة، قال: وكل هذا وهمٌ، قال: والصواب فيضرب رِجْلي بنعلة السيف، يعنى أنها لما حَسَرت خمارها ضرب أخوها رجلها بنعلة السيف، فقالت: وهل ترى من أحد؟ انتهى كلام القاضي ﵀.
قال النوويّ ﵀: ويَحْتَمِل أن المراد: فيضرب رجلي بسبب الراحلة؛ أي: يضرب رجلي عامدًا لها في صورة من يضرب الراحلة، ويكون قولها: "بعلة" معناه: بسبب، والمعنى أنه يضرب رجلها بسوط، أو عصا، أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غَيْرَةً عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد؟ أي: نحن في خَلاء، ليس هنا أجنبي أستتر منه، وهذا التأويل متعين، أو كالمتعين؛ لأنه مطابق للّفظ الذي صحت به الرواية، وللمعنى، ولسياق الكلام، فتعيّن اعتماده، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ حسنٌ جدًّا؛ إذ به يصحّ ما ثبت
стр. 13396
في الكتاب، وأما ما سلكه القاضي عياض، وإن كان معنى صحيحًا إلا أنه يؤول إلى تخطئة الرواية الصحيحة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقولها: (حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ) - بفتح الحاء، وإسكان الصاد المهملتين؛ أي: بالمحصَّب.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٣٥] (١٢١١)، وأخرجه (النسائيّ) في "الكبرى" في "الحج" (٣٨٩٣) وفي "عِشرة النساء" (٩٢٣٤)، و (إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ٦٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٦] (١٢١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، فَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٍو) بن دينار الأثرم المكيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ التابعيّ الكبير، ثقةٌ [٢] ووهم من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٦/ ١٦٩٤.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، شقيق عائشة ﵂، تأخّر إسلامه إلى قبيل الفتح، وشَهِدَ اليمامة، والفتوح، ومات سنة (٥٣) في طريق مكة فَجْأةً، وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٢.
والباقون ذُكروا في الباب، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"سفيان" هو: ابن عيينة.
وقوله: (أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإرداف، وهو أن يُركبها خلفه على ظهر بعيره.
وقوله: (فَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ) بضمّ حرف المضارعة أيضًا، من الإعمار؛ أي: يجعلها تعتمر من التنعيم.
стр. 13397
قال في "الفتح": هذا الحديث يدلّ على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبي ﷺ ، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود، من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: "يا عبد الرحمن أَرْدِف أختك عائشة، فأعمرها من التنعيم … " الحديث، ونحوه رواية مالك السابقة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أرسلني النبيّ ﷺ مع عبد الرحمن إلى التنعيم"، ورواية الأسود، عن عائشة: قال: "فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم"، ورواية الأسود والقاسم جميعًا عنها بلفظ: "فاخرجي إلى التنعيم"، وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبيّ ﷺ ، وكل ذلك يُفسِّر قوله في رواية القاسم عنها السابقة بلفظ: "اخرُج بأختك من الحرم". انتهى (١)، وهو بحث مفيدٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٣٦] (١٢١٢)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٨٤) و"الجهاد" (٢٩٨٥)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٣٤)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤٢٣٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٩٩)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١١٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٤٩) وفي "مسنده" (٢/ ٢٩٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٩٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٩٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٥٧) و"الصغرى" (٤/ ٣٣٥) و"المعرفة" (٣/ ٥٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٧] (١٢١٣) - (حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى
стр. 13398
إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ (١)، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَة، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ"، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيب، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِية، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ؟ " قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أَحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ"، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَة، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَة، ثُمَّ قَالَ: (قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا"، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: "فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَن، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ"، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام ﵄، تقدّم في الباب الماضي.
و"الليث بن سعد" ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
стр. 13399
٣ - (ومنها): أن فيه مصريين: ابن رُمح، والليث، ومكيّين: أبو الزبير، وجابر، وهو مدني، وقد سكن مكة أيضًا، وبَغلانيّ، وهو قُتيبة.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللَّه ﵄ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ) بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا) أي: توجهنا إلى مكة حال كوننا (مُهِلِّينَ) أي: رافعين أصواتنا بالتلبية (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِحَجٍّ مُفْرَدٍ) هذا باعتبار أغلبهم، وإلا فبعضهم قرن، كالنبيّ ﷺ ، وذوي أليسار من أصحابه (وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ مُهِلَةً بعُمْرَةٍ) أي: باعتبار آخر أمرها، وإلا فإنما أهلُّوا في الميقات بالحجّ، لكن لما أمر خيّرهم النبيّ ﷺ في الطريق أن يجعلوها عمرة، فمنهم من جعلها عمرة، ومنهم من استمرّ على حجه حتى عَزَمَ الأمرَ عند المروة، ففَرَضَ عليهم أن يتحللوا بالعمرة، فصاروا كلهم معتمرين (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء: موضع قريبٌ من مكة بينهما نحو من عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف، وقد يصرف. قاله في "الفتح" (عَرَكَتْ) - بفتح العين والراء؛ أي: حاضت عائشة ﵂، يقال: عَرَكت تعرُك عُرُوكًا، من باب قعد: إذا حاضت (حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بِالْكَعْبَة، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ولفظ النسائيّ: "وبالصفا والمروة"؛ أي: وسعينا بينهما (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي: أيّ نوع من الحلّ هذا الحلّ؟ فإن الإحرام يحصل به حُرُم متعدّدة.
وقال القرطبيّ ﵀: هذا سؤال من جوّز أنه يُحلّ من بعض الأشياء دون بعضها، فقال لهم رسول الله ﷺ : "الحلّ كله" لا يبقى معه شيء من ممنوعات الإحرام بعد التحلّل المأمور به. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ ("الْحِلُّ كُلُّهُ") مبتدأ خبره محذوف؛ أي: جائز، أو فاعل لفعل مقدّر؛ أي: يجوز الحلّ، و"كله" توكيد، يعني أن كلّ الأشياء التي مُنِعت بسبب
стр. 13400
الإحرام تحلّ لكم (فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ) أي: فتحلّلنا، وجامعنا النساء (وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيب، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا) أي: الثياب الممنوعَ لبسُها في الإحرام (وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا أَربَعُ لَيَالٍ) يعني أنه لم يبق للوقوف بعرفة إلا أربع ليال، وذلك لأنهم دخلوا مكة لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطافوا، وتحللوا، فلم يبق بينهم وبين عرفة إلا ليلة الخامس، والسادس، والسابع، والثامن (ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيةِ) أي: أحرمنا بالحجّ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الماء كان قليلًا بمنى، فكانوا يرتوون من الماء لما بَعْدُ، قاله الفيّوميّ.
قال النوويّ: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ استُحبّ له أن يُحرم يوم التروية، ولا يقدّمه عليه. انتهى.
(ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ؟ "، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ) أي: من إحرامهم بالحجّ بعمل العمرة (وَلَمْ أُحْلِلْ) بضم أوله، من الإحلال رباعيًّا، وبفتحه من الحلّ ثلاثيًّا، يقال: حلّ المحرم حِلًّا بالكسر: خرج من إحرامه، وأحلّ بالألف مثله، فهو مُحِلٌّ، وحِلٌّ أيضًا تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضًا، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
ثم ذكرت سبب عدم إحلالها بقولها: (وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أي: لكونها حائضًا (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّ هَذَا) إشارة إلى الحيض الذي حلّ بها، فمنعها من الطواف بالبيت (أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللهُ) أي: قدّره من غير اختيار الشخص فيه، فلا عتب على الشخص به (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قال النوويّ ﵀: هذا تسلية لها، وتخفيف لهمّها، ومعناه أنك لست مختصّة به، بل كلّ بنات آدم يكون منهنّ هذا، كما يكون منهنّ، ومن الرجال البول والغائط، وغيرهما.
وقد استدلّ البخاريّ ﵀ في "صحيحه" في "كتاب الحيض" بعموم هذا
стр. 13401
الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أُرْسِل، ووقع في بني إسرائيل. انتهى.
ولفظ البخاريّ: باب كيف كان بدء الحيض، وقول النبيّ ﷺ : "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"، وقال بعضهم: كان أول ما أُرسل الحيض على بني إسرائيل، قال أبو عبد اللَّه: وحديث النبيّ ﷺ أكثر. انتهى.
والذي أشار إليه البخاريّ هو ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود ﵁ بإسناد صحيح، قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى الله عليهنّ الحيض، ومنعهن المساجد"، وعنده عن عائشة ﵂ نحوه.
قال الداوديّ: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله: "بنات آدم" عام أريد به الخصوص.
قال الحافظ: ويمكن أن يُجْمَع بينهما مع القول بتعميمه بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبة لهنّ، لا ابتداء وجوده، وقد روى الطبريّ، وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصّة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ الآية [هود: ١٧] أي: حاضت، والقصّة متقدّمة علي بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم، وابن المنذر بماسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄: "أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهبطت من الجنة"، وإذا كان كذلك، فبنات آدم بناتها، والله أعلم. انتهى (١).
(فَاغْتَسِلِي) قال النوويّ ﵀: هذا الغسل هو الغسل للإحرام، وقد سبق بيانه، وأنه يستحبّ لكلّ من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، سواء الحائض، وغيرها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الراجح وجوبه على الحائض والنفساء؛ لظاهر الأمر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ"، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ) أي: عرفة، ومزدلفة، ومنى (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ) بفتح الطاء، وضمها، والفتح أفصح.
стр. 13402
واعلم أن طهر عائشة ﵂ هذا المذكور كان يوم السبت، وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضًا لثلاث خَلَون من ذي الحجة سنة عشر، ذكره أبو محمد بن حزم في "كتاب حجة الوداع" (١).
(طَافَتْ بِالْكَعْبَة، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: سعت بينهما (ثُمَّ قَالَ: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا") هذا صريح في أن عمرتها لم تَبْطُل، ولم تخرج منها، وأن قوله ﷺ في الرواية المتقدّمة: "ارفُضي عمرتك"، و"دَعِي عمرتك" ليس معناه إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة، والحجّ لا يصحّ الخروج منهما بعد الإحرام بنيّة الخروج، وإنما يُخرَج منهما بالتحلل بعد فراغهما، فيكون معناه: ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف، والسعي، وتقصير شعر الرأس، فأمرها ﷺ بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تُحْرِم بالحجّ، فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فتؤخّره حتى تطهر، وكذلك فعلت عائشة ﵂، فقوله ﷺ هنا: "قد حَلَلْتِ من حجتك، وعمرتك جميعًا" يوضّح هذا التأويل.
قال النووي ﵀: يُستنبط منه - أي: من قوله ﷺ : "قد حَلَلتِ من حجتك، وعمرتك جميعا" - ثلاث مسائل:
[إحداها]: أن عائشة ﵂ كانت قارنة، ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض المذكور مُتَأَوَّلٌ، كما سبق.
[والثانية]: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعيٌ واحد، وهو مذهب الشافعيّ، والجمهور، وقال أبو حنيفة، وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان، والحديث يردّ عليهم.
[والثالثة]: أن السعي بين الصفا والمروة يُشتَرط وقوعه بعد طواف صحيح، وموضع الدلالة أن رسول الله ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاجّ، غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقّفًا على تقدم الطواف عليه لَمَا أخّرته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى؛ فإن
стр. 13403
حديث "سعيت قبل أن أطوف، قال: طف ولا حرج" يردّ عليه، والحقّ أن تقديم السعي على الطواف جائزٌ، فتنبه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي) أي: حيث لم أعتمر عمرة مستقلّة، كسائر أمهات المؤمنين ﵅ (أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) "إنّ" الأولى بالكسر؛ لوقوعها في الابتداء، والثانية بالفتح؛ لوقوعها موقع المفرد؛ لأنها مفعول "أجد"، وهي من النواسخ التي تنصب المبتدأ والخبر، كـ"ظنّ" وأخواتها، والتقدير هنا: إني أجد في نفسي عدمَ طوافي بالبيت نقصًا عليّ، والله تعالى أعلم.
وقولها: (حَتَّى حَجَجْتُ) متعلّق بـ"أطف"؛ أي: إلى أن انتهيتُ من الحجِّ (قَالَ: "فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَن، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ"، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين؛ أي: ليلة المبيت بالمحصّب بعد النفر من منى.
قال القرطبيّ ﵀: "ليلةُ الحصبة": هي الليلة التي ينزل الناس فيها المحصّب عند انصرافهم من منى إلى مكة، والتحصيب: إقامتهم بالمحصّب، وهو الشِّعْب الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ ﷺ حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يُسمّى الأبطح، والبطحاء؛ لقربه منه.
وقال الأبيّ ﵀: والمحصّب موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، وإلى منى يُضاف، ودليله قول الشافعيّ، وهو عالم بمكة وأحوازها [من الكامل]:
يَا رَاكِبًا قِفْ بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى … وَاهْتِفْ بِنَاطِقِ خَيْفِهَا وَالنَّاهِضِ
قال: وإنما يتمّ الاحتجاج بالبيت إن جُعل "من منى" في موضع الصفة و"المحصّب"، وأما إذا عُلِّقَ بـ"راكبًا" فلا تكون فيه حجة.
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الأول هو الظاهر، فلا يُعدل عنه، فتنبّه.
قال: ونظير البيت قول عمر بن ربيعة [من الطويل]:
نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنَى
стр. 13404
وأَبْيَنُ من البيتين قول مجنون بني عامر [من الطويل]:
وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنَى … فَهَيَّجَ لَوْعَاتِ الْعُوَّادِ وَمَا يَدْرِي
دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا … أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي (١)
قال القرطبيّ ﵀: ونُزُولُهُ بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر، والعصر، والعشاءين، ويخرج منه ليلًا سنةٌ عند مالك، والشافعيّ، وبعض السلف؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، ولم يره بعضهم، وقالوا: إنما نزله ﷺ ؛ لأنه أسمح لخروجه إلى المدينة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الأرجح استحباب النزول بالمحصّب؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٣٧ و ٢٩٣٨ و ٢٩٣٩ و ٢٩٤٠] (١٢١٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٨٥ و ١٧٨٦)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٦٤) و"الكبرى" (٢/ ٣٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٩٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٢٥ و ٣٠٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧/ ١٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٤٧) و" الصغرى" (٤/ ٣٠٤) و"المعرفة" (٤/ ٩٨)، وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في الأحاديث الماضية، والحمد لله على التوفيق.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للطواف بالبيت:
стр. 13405
قال الحافظ وليّ الدين ﵀ عند قوله: "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري":
فيه نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها، وتغتسل، والنهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معناه الجنابة، وكذا سائر الأحداث، وهذا يدلّ على اشتراط الطهارة في صحّة الطواف، وقد ذكر هذا الاستدلال ابن المنذر، وغيره.
ويدلّ له أيضًا ما رواه البيهقيّ وغيره من حديث ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام"، لكن الصحيح وقفه على ابن عبّاس، كما ذكره البيهقيّ وغيره، وقد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.
ويدلّ له أيضًا ما رواه البخاريّ، ومسلم عن عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ، ثم طاف بالبيت"، مع قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم".
وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم، وحكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن عامة العلماء.
قال: وانفرد أبو حنيفة، فقال: الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه، واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيد ما دام بمكة.
وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهبنا - يعني الشافعيّة - والثانية: إن أقام بمكة أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بدم.
وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه، إلا الحائض، وقال المنصوريّ من أصحاب داود ة الطهارة شرط كمذهبنا. انتهى.
قال وليّ الدين: وفيما ذكره من انفراد أبي حنيفة بذلك نظر، فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا،
стр. 13406
ومنصورًا، وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها، وذكر ابن حزم في "المحلّى" عن عطاء، قال: حاضت امرأة، وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمّت بها عائشة بقية طوافها، قال ابن حزم: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط الطواف. انتهى.
وفي تقييد هذه الرواية عن أحمد بالعود إلى بلده نظر، فقد حكى المجد بن تيمية في "المحرّر" رواية عن أحمد أن الطهارة واجبة تُجبر بالدم، ولم يقيّد ذلك بشيء.
وعند المالكية قول يوافق هذا فحكى ابن شاس في "الجواهر" عن المغيرة أنه إن طاف غير متطهّر أعاد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء، وخرج إلى بلده أجزأه.
وقال ابن حزم من أهل الظاهر: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز للنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ للنهي فيه، وهذا جمود عجيب، وقد تقدّم في حديث ابن عباس ذكر النفساء مع الحائض، وسكت عليه أبو داود، وحسّنه الترمذيّ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي هو قول الجمهور من أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله ﷺ : "حتى تطهري"، فعلّق حلّ الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرط فيه لما علّق حله بها، ولحديث: "الطواف بالبيت صلاة … " الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع، كما تقدّم، وقد حقّقت كونه مرفوعًا صحيحًا في "شرح النسائيّ" (١)، فيفيد وجوب الطهارة مثل الصلاة، وبأنه ﷺ توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): الظاهر أن اشتراط الطهارة في الطواف يعم البدن
стр. 13407
والثوب، والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان.
قال النووي في "شرح المهذّب": والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه، أو ثوبه، أو مشى عليها عمدًا، أو سهوًا لم يصحّ طوافه، قال: ومما عمّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير، وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يُعفى عما يشقّ الاحتراز عنه من ذلك، كنظائره. انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي من نجاسة خرء الطير ونحوه مبنيّ على مذهبه، والراجح أن هذه الأشياء ليست بنجس؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد استوفيت تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" من "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة:
ذهب إلى عدم اشتراطها جمهور العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكان الحسن البصريّ يقول: إن ذَكَره قبل أن يحلّ، فليُعد الطواف، وإن ذكره بعدما حلّ فلا شيء عليه.
وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا اشترط الطهارة فيه إلا الحسن، فإنه قال: إن سعى على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحلّ فليُعد، وإن ذكر بعدما حلّ فلا شيء عليه. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: وفيه نظر من وجهين:
[أحدهما]: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمت أحدًا نُقِل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في "مصنف ابن أبي شيبة" عن الحسن، وابن سيرين أنهما لم يريا بأسًا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحبّ إليهما، وهذا يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له، كما يقوله غيره من العلماء.
стр. 13408
[ثانيهما]: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وقال: الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت، وعن ابن عمر ﵄: "تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة"، وهو في "الموطإ" عن ابن عمر أيضًا: "لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر". وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عنه ابن تيمية في "المحرّر". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جاء في رواية يحيى بن يحيى في "الموطإ" في حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري"، قال ابن عبد البرّ: لم يقله من رواة "الموطإ"، ولا غيرهم إلا يحيى. انتهى.
وأشار بهذا إلى أنها شاذّة، فإن صحّت هذه الرواية دلّت على وجوب الطهارة للسعي، وإلا فالأصل البقاء على جواز السعي بلا طهارة؛ لعدم دليل الوجوب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلف في جواز السعي قبل الطواف، فذهب الجمهور - كما قاله في "الفتح" - إلى أنه لا يجوز، وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجّ بحديث أسامة بن شريك ﵁: "أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، فقال: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: طف، ولا حرج" وهو حديث صحيح.
وتأوله الجمهور على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة، قاله في "الفتح" (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه القائلون بجواز تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة بن شريك ﵁ المذكور.
стр. 13409
وأما تأويل الجمهور بما ذُكر، ففيه نظر لا يخفى؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبيّ ﷺ هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟ فلما لم يستفصله علمنا أنه على عمومه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تَبْكِي، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِه، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ … إلخ) فاعل "ذَكَر" ضمير ابن جريج.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن أبي الزبير هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ١٠٦) فقال:
(٩٢٠٦) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ محمد بن يعقوب الشيبانيّ، ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا هارون بن عبد الله (ح) وأنبا أبو عبد الله، قال: وأخبرني أبو أحمد الحافظ، أنبأ أبو عروبة، حدثنا الفضل بن يعقوب، قالا: ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: دخل النبيّ ﷺ على عائشة، وهي تبكي، فقال: "ما لك تبكين؟ " قالت: أبكي أن الناس حَلُّوا، ولم أَحْلِل، وطافوا بالبيت، ولم أطف، وهذا الحجّ قد حَضَر، قال: "إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاغتسلي، وأهلِّي بالحج، ثم حجي"، قالت: ففعلت ذلك، فلما طَهُرت، قال: "طوفي بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم قد حللتِ من حجك وعمرتك"، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي من عمرتي، إني لم أكن طُفْت حتى حججت، فقال: "اذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13410
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٣٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْث، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيتِ الشَّيْءَ (١) تَابَعَهَا عَلَيْه، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيم، قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنَ هِشَامٍ) الدستوائيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مَطَرُ) بن طَهْمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوق كثير الخطإ [٦] (ت ١٢٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (في حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بـ"أهلّت" بعده.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "ساق" ضمير مطر.
وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوَيتِ الشَّيْءَ) وفي نسخة: "شيئًا" بالتنكير، و"هَوِيَت" من باب تعبت، يقال: هَوِي الشيء يهوَاه: إذا أحبّه، وتعَلَّقَ به.
وقوله: (إِذَا هَوِيت الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀: معناه إذا هَوِيت شيئًا لا نقص فيه في الدين، مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه، وقوله: