← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13406–13445 · переход к 13411.

стр. 13406

ومنصورًا، وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا، وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها، وذكر ابن حزم في "المحلّى" عن عطاء، قال: حاضت امرأة، وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمّت بها عائشة بقية طوافها، قال ابن حزم: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط الطواف. انتهى. وفي تقييد هذه الرواية عن أحمد بالعود إلى بلده نظر، فقد حكى المجد بن تيمية في "المحرّر" رواية عن أحمد أن الطهارة واجبة تُجبر بالدم، ولم يقيّد ذلك بشيء. وعند المالكية قول يوافق هذا فحكى ابن شاس في "الجواهر" عن المغيرة أنه إن طاف غير متطهّر أعاد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء، وخرج إلى بلده أجزأه. وقال ابن حزم من أهل الظاهر: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز للنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ للنهي فيه، وهذا جمود عجيب، وقد تقدّم في حديث ابن عباس ذكر النفساء مع الحائض، وسكت عليه أبو داود، وحسّنه الترمذيّ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي هو قول الجمهور من أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله ﷺ : "حتى تطهري"، فعلّق حلّ الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرط فيه لما علّق حله بها، ولحديث: "الطواف بالبيت صلاة … " الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع، كما تقدّم، وقد حقّقت كونه مرفوعًا صحيحًا في "شرح النسائيّ" (١)، فيفيد وجوب الطهارة مثل الصلاة، وبأنه ﷺ توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): الظاهر أن اشتراط الطهارة في الطواف يعم البدن

стр. 13407

والثوب، والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان. قال النووي في "شرح المهذّب": والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه، أو ثوبه، أو مشى عليها عمدًا، أو سهوًا لم يصحّ طوافه، قال: ومما عمّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير، وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يُعفى عما يشقّ الاحتراز عنه من ذلك، كنظائره. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي من نجاسة خرء الطير ونحوه مبنيّ على مذهبه، والراجح أن هذه الأشياء ليست بنجس؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد استوفيت تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" من "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة: ذهب إلى عدم اشتراطها جمهور العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكان الحسن البصريّ يقول: إن ذَكَره قبل أن يحلّ، فليُعد الطواف، وإن ذكره بعدما حلّ فلا شيء عليه. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا اشترط الطهارة فيه إلا الحسن، فإنه قال: إن سعى على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحلّ فليُعد، وإن ذكر بعدما حلّ فلا شيء عليه. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وفيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمت أحدًا نُقِل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في "مصنف ابن أبي شيبة" عن الحسن، وابن سيرين أنهما لم يريا بأسًا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحبّ إليهما، وهذا يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له، كما يقوله غيره من العلماء.

стр. 13408

[ثانيهما]: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وقال: الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت، وعن ابن عمر ﵄: "تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة"، وهو في "الموطإ" عن ابن عمر أيضًا: "لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر". وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عنه ابن تيمية في "المحرّر". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جاء في رواية يحيى بن يحيى في "الموطإ" في حديث عائشة ﵂، مرفوعًا: "غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري"، قال ابن عبد البرّ: لم يقله من رواة "الموطإ"، ولا غيرهم إلا يحيى. انتهى. وأشار بهذا إلى أنها شاذّة، فإن صحّت هذه الرواية دلّت على وجوب الطهارة للسعي، وإلا فالأصل البقاء على جواز السعي بلا طهارة؛ لعدم دليل الوجوب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف في جواز السعي قبل الطواف، فذهب الجمهور - كما قاله في "الفتح" - إلى أنه لا يجوز، وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجّ بحديث أسامة بن شريك ﵁: "أن رجلًا سأل النبيّ ﷺ ، فقال: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: طف، ولا حرج" وهو حديث صحيح. وتأوله الجمهور على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة، قاله في "الفتح" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه القائلون بجواز تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة بن شريك ﵁ المذكور.

стр. 13409

وأما تأويل الجمهور بما ذُكر، ففيه نظر لا يخفى؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبيّ ﷺ هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟ فلما لم يستفصله علمنا أنه على عمومه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تَبْكِي، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِه، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: كلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ … إلخ) فاعل "ذَكَر" ضمير ابن جريج. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن أبي الزبير هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ١٠٦) فقال: (٩٢٠٦) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ محمد بن يعقوب الشيبانيّ، ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا هارون بن عبد الله (ح) وأنبا أبو عبد الله، قال: وأخبرني أبو أحمد الحافظ، أنبأ أبو عروبة، حدثنا الفضل بن يعقوب، قالا: ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: دخل النبيّ ﷺ على عائشة، وهي تبكي، فقال: "ما لك تبكين؟ " قالت: أبكي أن الناس حَلُّوا، ولم أَحْلِل، وطافوا بالبيت، ولم أطف، وهذا الحجّ قد حَضَر، قال: "إن هذا أمر كتبه الله علي بنات آدم، فاغتسلي، وأهلِّي بالحج، ثم حجي"، قالت: ففعلت ذلك، فلما طَهُرت، قال: "طوفي بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم قد حللتِ من حجك وعمرتك"، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي من عمرتي، إني لم أكن طُفْت حتى حججت، فقال: "اذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13410

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٣٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْث، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيتِ الشَّيْءَ (١) تَابَعَهَا عَلَيْه، فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيم، قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنَ هِشَامٍ) الدستوائيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مَطَرُ) بن طَهْمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الْخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوق كثير الخطإ [٦] (ت ١٢٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (في حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ) متعلّق بـ"أهلّت" بعده. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "ساق" ضمير مطر. وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوَيتِ الشَّيْءَ) وفي نسخة: "شيئًا" بالتنكير، و"هَوِيَت" من باب تعبت، يقال: هَوِي الشيء يهوَاه: إذا أحبّه، وتعَلَّقَ به. وقوله: (إِذَا هَوِيت الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) قال النوويّ ﵀: معناه إذا هَوِيت شيئًا لا نقص فيه في الدين، مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه، وقوله:

стр. 13411

"سَهْلا": أي سهل الخلق، كريم الشمائل، لطيفًا ميسرًا في الخلق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وفيه حسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، لا سيما فيما كان من باب الطاعة، والله أعلم. انتهى (١). وقوله: (قَالَ مَطَرٌ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ … إلخ) يَحتمل أن يكون هذا مما رواه أبو الزبير عن جابر ﵁، فيكون متّصلًا، ويَحْتَمل أنه رواه عن غيره، فيكون منقطعًا، والله تعالى أعلم. وقوله: (إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ) يعني أنها إذا جاءت للحج بعد النبيّ ﷺ كانت تعتمر بعد الحجّ من التنعيم مثلما صنعته مع النبيّ ﷺ ، وفيه أنها كانت لا ترى كراهة تكرار العمرة، وكذا الاعتمار بعد الحج، فما نُقل عن بعضهم فلا حجة عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية مطر الورّاق، عن أبي الزبير هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٩٠) فقال: (٣١٧٢) - حدّثنا مسلم بن الحجاج ببغداد، نا أبو غَسّان مالك بن عبد الواحد، نا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن مطر، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن عائشة في حجة نبي الله ﷺ أهلّت بعمرة، فلما كانت بسرف حاضت، فاشتد ذلك عليها، فقال نبي الله ﷺ : "إنما أنت من بني آدم يصيبك ما أصابهم"، فلما قَدِمت البطحاء أمرها نبي الله ﷺ ، فأهلّت، فلما قضت نسكها، فجاءت إلى الحصبة، أحبت أن تعتمر، فقال لها نبي الله ﷺ : "إنك قد قضيت حجتك وعمرتك"، قال: وكان رسول الله ﷺ رجلًا سهلًا، إذا هَوِيَت الشيء تابعها عليها، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فأهلّت بعمرة من التنعيم. انتهى. وساقها البيهقيّ ﵀ أيضًا في "الكبرى" (٥/ ١٠٧) فقال: (٩٢٠٧) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر أحمد بن سلمان بن

стр. 13412

الحسن الفقيه ببغداد إملاءً من أصل كتابه، ثنا محمد بن غالب بن حرب، ثنا أبو غَسَان مالك بن عبد الواحد، ثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن مَطَر الورّاق، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عائشة ﵂ في حجة النبيّ ﷺ أهلت بعمرة، فلما كانت بسرف حاضت، فاشتدّ ذلك عليها، فقال النبيّ ﷺ : "إنما أنتِ من بنات آدم، يصيبك ما أصابهنّ"، فلما قَدِمت البطحاء أمرها نبي الله ﷺ ، فأَهَلَّت بالحجّ، فلما قضت نسكها، وجاءت إلى الحصباء أرادت أن تعتمر، فقال لها النبيّ ﷺ : "إنك قد قضيت حجك وعمرتك"، وكان رسول الله ﷺ رجلًا سهلًا، إذا هَوِيت الشيء تابعها عليه. قال مطرٌ: "قال أبو الزبير: وكانت عائشة ﵂ إذا حجت صنعت كما صنعت". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ ﵁ (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْت، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَة، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ"، قَالَ: قُلْنَا: أيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: "الْحِلُّ كُلُّهُ"، قَالَ: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسِسْنَا الطِّيبَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَة، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُل سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ) بكسر الواو: جمع وَليد، وهم الصبيان،

стр. 13413

قال النوويّ ﵀: فيه صحة حج الصبيّ، والحج به، ومذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّة من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم أنه يصح حج الصبيّ، ويثاب عليه، ويترتب عليه أحكام حجّ البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام، فإذا بلغ بعد ذلك، واستطاع لزمه فرض الإسلام. وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: لا يصح له إحرام، ولا حجّ، ولا ثواب فيه، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحجّ، قال: وإنما يُحَجّ به ليتمرّن، ويتعلّم، ويتجنب محظوراته للتعلم، قال: وكذلك لا تصح صلاته، وإنما يؤمر بها؛ لما ذكرناه، وكذلك عنده سائر العبادات، والصواب مذهب الجمهور؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت صبيًّا، فقالت: يا رسول الله ألهذا حجّ؟ قال: "نعم". انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) أي: جامعناهنّ. وقوله: (وَمَسِسْنَا الطِّيبَ) - بكسر السين الأولى - هذه هي اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، حكاها أبو عبيدة، والجوهريّ، قال الجوهريّ: يقال: مَسِسْتُ الشيءَ - بكسر السين - أَمَسَّه - بفتح الميم - مَسًّا، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة: مَسَسْتُ الشيءَ - بالفتح - أَمُسّه - بضم الميم - قال: وربما قالوا: مَسْتُ الشيءَ، يحذفون منه السين الأولى، ويُحَوِّلون كسرتها إلى الميم، قال: ومنهم من لا يُحَوِّل، ويترك الميم على حالها مفتوحة، ذكره النوويّ ﵀ (٢). قوله: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) "كان" هنا تامّة، فـ"يومُ" مرفوع على الفاعليّة؛ أي: فلما جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. وقوله: (وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أراد القارن منهم، وأما المتمتع فلا بد له من السعي بين الصفا والمروة في الحج بعد رجوعه من عرفات، وبعد طواف الإفاضة. وقوله: (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ) "البدنةُ": تُطْلَق على البعير، والبقرة، والشاة، لكن غالب استعمالها في

стр. 13414

البعير، والمراد بها ها هنا البعير، والبقرة، وهكذا قال العلماء: تجزي البدنة من الإبل والبقر، كل واحدة منهما عن سبعة، ففي هذا الحديث دلالة إجزاء كل واحدة منهما عن سبعة أنفس، وقيامها مقام سبع شِيَاهٍ. وفيه دلالة لجواز الاشتراك في الهدي والأضحية، وبه قال الشافعيّ وموافقوه، فيجوز عند الشافعيّ اشتراك السبعة في بدنة، سواء كانوا متفرقين، أو مجتمعين، وسواء كانوا مفترضين، أو متطوعين، وسواء كانوا متقربين كلهم، أو كان بعضهم متقربًا، وبعضهم يريد اللحم، روى هذا عن ابن عمر، وأنس، وبه قال أحمد. وقال مالك: يجوز إن كانوا متطوعين، ولا يجوز إن كانوا مفترضين. وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقربين جاز، سواء اتفقت قربتهم، أو اختلفت، وإن كان بعضهم متقربًا، وبعضهم يريد اللحم، لم يصح الاشتراك، قاله النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من جواز الاشتراك مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لأنه ﷺ حينما أمرهم بالاشتراك، لم يفصّل، ولو كان هذا التفصيل لازمًا لما أهمله، فتأمل، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٤٠] (١٢١٣)، و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (١٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٨٨ و ٢٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٩١ و ٣١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧/ ١٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣٤ و ٩/ ٢٩٤) و"الصغرى" (٤/ ٥٠٦) و"المعرفة" (٧/ ٢٣٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤١] (١٢١٤) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (٢)، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا

стр. 13415

النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ القطّان، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى) يعنى يوم التروية كما صُرِّح به في الرواية السابقة، قال النوويّ ﵀: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ وموافقيه، أن الأفضل للمتمتع، وكلِّ من أراد الإحرام بالحج من مكة أن لا يحرم به إلَّا يوم التروية. وقال مالك، وآخرون: يُحْرِم من أول ذي الحجة، وسبقت المسألة بأدلتها. وقوله: (فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ) قال النوويّ ﵀: "الأبطح": هو بطحاء مكة، وهو مُتَّصِلٌ بالْمُحَصَّب، قال: قد يَسْتَدِلّ به من يُجَوِّز للمكي والمقيم بها الإحرام بالحج من الحرم، وفي المسألة وجهان لأصحابنا: أصحهما لا يجوز أن يُحرم بالحج إلَّا من داخل مكة، وأفضله من باب داره، وقيل: من المسجد الحرام. والثاني: يجوز من مكة، ومن سائر الحرم، وقد سبقت المسألة في باب المواقيت، فمن قال بالثاني احتجَّ بحديث جابر ﵁ هذا؛ لأنهم أحرموا من الأبطح، وهو خارج مكة، لكنه من الحرم، ومن قال بالأول، وهو الأصح قال: إنما أحرموا من الأبطح؛ لأنهم كانوا نازلين به، وكل من كان دون الميقات المحدود، فميقاته منزله، كما سبق في باب المواقيت، والله أعلم. انتهى. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه [١٧/ ٢٩٤١] (١٢١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٨ و ٣٧٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥/ ٣١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٥٦ و ٥/ ٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13416

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٢] (١٢١٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ: طَوَافَهُ الْأَوَّلَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ) يعني الذين قرنوا بين الحجِّ والعمرة، وأما الذين تمتّعوا فإنهم سعوا سعيين: سعيًا لعمرتهم، ثم سعيًا آخر لحجهم يوم النحر، كما بُيّن في الروايات الأخرى، فتنبّه. وقوله: (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا) قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعيّ وموافقيه في أن القارن ليس عليه إلَّا طواف واحد للإفاضة، وسعي واحد، وممن قال بهذا ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وطاوسٌ، وعطاءٌ، والحسن البصريّ، ومجاهدٌ، ومالك، وابن الماجشون، وأحمد، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وقالت طائفة: يلزمه طوافان وسعيان، وممن قاله الشعبيّ، والنخعيّ، وجابر بن زيد، وعبد الرَّحمن بن الأسود، والثوريّ، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة، وحُكِي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، قال ابن المنذر: لا يثبت هذا عن عليّ ﵁. انتهى (١)، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في المسألة السادسة من مسائل الحديث الأول في هذا الباب رقم (١٧/ ٢٩١٠)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين

стр. 13417

يحيى بن سعيد القطّان وبين محمد بن بكر الْبُرسانيّ، فالأول انتهى حديثه عند قوله: "إلَّا طوافًا واحدًا"، وزاد الثاني قوله: (طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) وهو منصوب على البدليّة لـ"طوافًا واحدًا"، ومعنى "طوافه الأول" سعيه الذي سعاه بين الصفا والمروة حين قدموا مكة، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٤٢] (١٢١٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٩٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٢٤٤) و"الكبرى" (٢/ ٤١٦ و ٤٦٢)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٧٢ و ٢٩٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده) (٢/ ٣٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٣ و ٣٦٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار (٢/ ٢٠٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨١٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٥٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٦) و"الصغرى" (٤/ ٢٠٢ و ٢٨٩) و"المعرفة" (٤/ ٩٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٣] (١٢١٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ (١)، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ فِي نَاسٍ مَعِي، قَالَ: أَهلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّة، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: "حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ"، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِه، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي؛ أَتْقَاكُمْ لله، وَأَصْدَقَكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِ لَحَلَلْتُ، كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا

стр. 13418

اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا"، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِه، فَقَالَ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟! قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَهْد، وَامْكُثْ حَرَامًا"، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ الله، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبدٍ؟ فَقَالَ: "لِأَبدٍ" (١). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في السند السابق. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) وفي نسخة: "أخبرني ابن جُريج" (أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رَبَاح (قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ فِي نَاسٍ مَعِي) أي: مع جماعة من الناس كانوا معي (قَالَ: أَهْلَلْنَا) أي: رفعنا أصواتنا بالتلبية (أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ) بالنصب على الاختصاص؛ أي: أخصّ أصحاب محمد ﷺ ، كما قال في الخلاصة": الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "أَلْ" … كَـ"أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ"ارْجُونِيَا" وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ" وقد تقدّم أن قوله هذا بالنظر للغالب، أو بالنظر لأول الأمر، فلا تنافي بينه، وبين حديث: "فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة وعمرة، ومنا من أهلّ بالحج … " الحديث. (بِالْحَجِّ) متعلّق بـ"أهللنا"، وقوله: (خَالِصًا وَحْدَهُ) حالان من "الحجِّ" (قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ) ﵁ (فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتُكسر، كما في "القاموس" (٢)؛ أي: صَباح اليوم الرابع (مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) يعني أنهم وصلوا إلى مكة صباح الليلة الرابعة التي مضت من شهر ذي الحجة، وتلك الصبيحة صبيحة يوم الأحد (فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ) تقدّم أنه بضمّ أوله،

стр. 13419

من الإحلال، وبفتحه، من الحلّ (قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ) ﷺ ("حِلُّوا) بكسر الحاء، أمرٌ من حلّ يَحلّ، من باب ضرب حِلًّا بالكسر، وفي رواية النسائيّ: فَقَالَ: "أَحِلُّوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً" أي: اجعلوا الحجة التي قدمتم بها عمرة، بأن تطوفوا، وتسعوا، وتقصروا، وتتحللوا (وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ") أي: جامعوهنّ (قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ) من باب ضرب؛ أي: لَمْ يوجبه عليهم، وقال النوويّ ﵀: معناه لَمْ يعزم عليهم في وطء النساء، بل أباحه، ولم يوجبه، وأما الإحلال فعزم فإيه على من لَمْ يكن معه هديٌ. انتهى. (وَلَكِنْ أَحَلّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ) أي: خمس ليال، وهي من ليلة الخامس من ذي الحجة، وهي ليلة الاثنين إلى الليلة التاسعة منه، وهي ليلة الجمعة (أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإفضاء رباعيًّا؛ أي: يجامعهنّ، يقال: أفضى إلى امرأته: إذا باشرها وجامعها (فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر (مَذَاكِيرُنَا) بفتح الميم: جمع ذكر على غير قياس؛ لأن قياسه ذِكَرَةٌ بكسر، ففتح، كعِنَبَةٍ (الْمَنِيَّ) قال النوويّ ﵀: هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء (قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ) أي: يشير، ففيه إطلاق القول على الفعل (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلهِ بِيَدِهِ) هذا قول عطاء، يعني أنه الآن كأنه ينظر إشارة جابر ﵁ بيده حال كونه (يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا) وفي رواية النسائيّ: "فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَخَطَبَنَا" (فَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لله، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ) أي: أطوعكم له (وَلَوْلَا هَدْيِ) أي: لولا سوقي الهدي معي من المدينة (لَحَلَلْتُ، كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت في ابتداء شروعي ما علمته الآن من لحوق المشقّة بكم بانفرادكم بالفسخ، حتى توقفتم، وترددتم، وراجعتموني في ذلك (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) جوابو "لولا"؛ أي: ما سقت الهدي معي، بل أهللت بحج، ثم فسخت معكم، وهذا قاله ﷺ تشجيعًا لهم على امتثال أمره. وقوله: (فَحِلُّوا") بكسر الحاء المهملة، أمر من الحلّ، كرّره للتأكيد (فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا) قوله ﷺ (وَأَطَعْنَا) أمره ﷺ . (قَالَ عَطَا: قَالَ جَابِرٌ) ﵁ (فَقَدِمَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالب ﵁ (مِنْ سِعَايَتِهِ) بكسر السين المهملة؛ أي: جمعه للصدقات، يقال: سعى الرجل على

стр. 13420

الصدقة يَسْعَى سَعْيًا، كرمى يرمي رَمْيًا: عَمِلَ في أخذها من أربابها (١). وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "من سعايته"؛ أي: من عَمَله في السعي في الصدقات، قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث أنه ﷺ إنما بَعَث عليًّا ﵁ أميرًا لا عاملًا على الصدقات؛ إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات؛ لقوله ﷺ للفضل بن عباس، وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: "إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد"، ولم يستعملهما، قال القاضي: ويَحْتَمِل أن عليًّا ﵁ وَلي الصدقات وغيرها احتسابًا، أو أعطى عُمالته عليها من غير الصدقة، قال: وهذا أشبه؛ لقوله: "من سعايته"، والسعاية تختص بالصدقة. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٢). قال النوويّ ﵀ بعد نقله كلام عياض المذكور: وهذا الذي قاله حسنٌ، إلَّا قوله: "إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة"، فليس كذلك؛ لأنَّها تستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، ومما يدلّ لما ذكرته حديث حذيفة ﵁ السابق في "كتاب الإيمان" من "صحيح مسلم"، قال في حديث رفع الأمانة: "ولقد أتى عليّ زمانٌ، وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلمًا ليردنّه عليّ دينه، ولئن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنّه عليّ ساعيه"، يعنى الوالي عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) النبيّ ﷺ له ("بِمَ أَهْلَلْتَ؟ ") "ما" استفهاميّة، والقاعدة عند الجمهور في "ما" الاستفهاميّة وجوب حذف ألفها إذا كانت مجرورة، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة": و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ ووقع عند النسائيّ: "بما أهللت"، بالألف، وهو قليل في الاستعمال، كما في قول الشاعر [من الوافر]:

стр. 13421

عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ … كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ وحكاه الأخفش لغةً (١)، وإليه ذهب الفرّاء في كتابه "معاني القرآن"، حيث أعرب "ما" في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]، استفهاميّة، قال: وقد أتمّها الشاعر، وهي استفهاميّة، فقال [من البسيط]: إِنَّا قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتَكُمْ … أَهْلَ اللِّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ (٢) والله تعالى أعلم. (قَالَ) عليّ ﵁ (بِمَا أَهَل بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) "ما" هنا موصولة؛ أي: بمثل الإهلال الذي أهلّ به رسول الله ﷺ ، قال النوويّ ﵀: قوله: "بما أهلّ به النبيُّ ﷺ … إلخ"، ثم ذكر بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ ، وهو مُنِيخ بالبطحاء، فقال لي: "حججت؟ "، فقلت: نعم، فقال: "بم أهللت؟ " قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبيّ ﷺ ، قال: "قد أحسنت، طُفْ بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلّ"، وفي الرواية الأخرى عن أبي موسى أيضًا أن النبيَّ ﷺ قال له: "بم أهللت؟ " قال: أهللت بإهلال النبيّ ﷺ ، قال: "هل سُقْت من هدي؟ " قلت: لا، قال: "طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حِلَّ". قال: هذان الحديثان متفقان على صحة الإحرام معلقًا، وهو أن يُحْرِم إحرامًا كإحرام فلان، فينعقد إحرامه، ويصير محرمًا بما أحرم به فلان، واختَلَفَ آخر الحديثين في التحلل، فأمر عليًّا بالبقاء على إحرامه، وأمر أبا موسى بالتحلل، وإنما اختلف آخرهما؛ لأنهما أحرما كإحرام النبيّ ﷺ ، وكان مع النبيِّ ﷺ الهديُ فشاركه عليّ في أن معه الهديَ، فلهذا أمره بالبقاء على إحرامه، كما بقي النبيُّ ﷺ على إحرامه بسبب الهدي، وكان قارنًا، وصار عليّ ﵁ قارنًا، وأما أبو موسى فلم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ ﷺ لو لَمْ يكن معه هديٌ، وقد قال النبيُّ ﷺ : إنه لولا الهدي لجعلها عمرةً،

стр. 13422

وتحلل، فأمر أبا موسى بذلك، فلذلك اختَلَف في أمره ﷺ لهما، قال: فاعتمد ما ذكرته، فهو الصواب، وقد تأولهما الخطابيّ، والقاضي عياض تأويلين غير مرضيين. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَهْدِ) أي: انْحَر هديًا؛ لأنه واجب عليك، لكونك قارنًا، وفيه وجوب الهدي على القارن، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث قال: لا يجب الهدي على القارن، وإنما هو على المتمتّع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، والظاهر أنه ما انتبه لهذه الرواية، وإلا لما قال ذلك، والله تعالى أعلم. (وَامْكُثْ حَرَامًا") منصوب على الحال؛ أي: حال كونك محرمًا، زاد في رواية النسائيّ: "كَمَا أَنْتَ"؛ أي: على ما أنت عليه، فالكاف بمعنى "على"، أو هي للتشبيه؛ أي: كن في مستقبلك مثل حالك فيما مضى. (قَالَ) جابر ﵁ (وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا) قال النوويّ ﵀: يعني هديًا اشتراه؛ لا أنه من السعاية على الصدقة. انتهى، وسيأتي في حديث جابر ﵁ الطويل أن جملة ما أتى به النبيّ ﷺ من الهدايا، وما أهداه له عليّ ﵁ كان مائة (فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) ابن مالك بن عمرو بن تيم بن مُدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكنانيّ المدلجيّ، وقد ينسب إلى جدّه، يكنى أبا سفيان، كان ينزل قُدَيدًا، رَوَى الشيخان قصّته في إدراكه النبيّ ﷺ لَمّا هاجر إلى المدينة، ودعا النبيّ ﷺ حتى ساخت رجلا فرسه، ثم إنه طلب منه الخلاص، وأنه لا يدلّ عليه، ففعل، وكتب له أمانًا، وأسلم يوم الفتح، ورواها أيضًا من طريق البراء بن عازب، عن أبي بكر الصدّيق ﵁، وفي قصّة سراقة مع النبيّ ﷺ يقول سراقة مخاطبًا لأبي جهل [من الطويل]: أَبَا حَكَم وَاللهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا … لأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ وقال ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله ﷺ قال لسراقة بن مالك: "كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى؟ "، قال: فلما أُتي

стр. 13423

عمر بسواري كسري، ومنطقته، وتاجه، دعا سراقة، فألبسه، وكان رجلًا أزبّ، كثير شعر الساعدين، فقال له: ارفع يديك، قل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هُرْمُز، وألبسهما سراقة الأعرابيّ، وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرَّحمن بن مالك بن جعشم، وروى عنه أيضًا ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيّب، وطاوس، قال أبو عمر: مات في خلافة عثمان ﵁ سنة (٢٤) وقُتل من بعده عثمان. (يَا رَسُولَ الله، أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) وفي لفظ: "يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِه، لِعَامِنَا هَذَا، أَو لِلْأَبَدِ؟ "، ومعناه: هل الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة لعامنا هذا خاصة، أم للأمة عامة إلى يوم القيامة؟ (فَقَالَ) ﷺ ("لِأَبَدٍ" (١) وفي رواية: "بل لأبد أبد" بإضافة الأول إلى الثاني، و"الأبد": الدهر؛ أي: هذا إلَّا آخر الدهر، أو بغير الإضافة، وكرره للتأكيد. وزاد في رواية ابن الجارود، وأحمد: "ثلاث مرات"، يعني أن ذلك مشروع في كلّ عام، لا يختصّ بعام، دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتاكيد. وفي الرواية في حديث جابر الطويل: "فقام سراقة بن مالك بن جعشُم، فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين، لا، بل للأبد أبد". فتشبيكه ﷺ أصابعه إشارة إلى اشتراك كلّ الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختَلَفَ العلماء في معنى سؤال سراقة، فقال الجمهور: معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجّ، إبطالًا لما كان عليه الجاهلية. - وقيل: معناه جواز القران؛ أي: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجِّ. وقيل: معناه سقوط وجوب العمرة، قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي النسخ بغير دليل، وقال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل.

стр. 13424

وقال آخرون: معناه فسخ الحجِّ إلى العمرة، وهذا هو الذي يؤيده سياق الحديث، وهو الصحيح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وأما قول النووي: إنه ضعيف، فقد رُدَّ عليه، قال الحافظ: وتُعقّب - أي: كلام النوويّ - بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة، إلَّا الثالث. انتهى. والحاصل أن الصواب أن سؤال سراقة عن فسخ الحجِّ إلى العمرة، وجواب النبيّ ﷺ له واضح في ذلك كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٣ و ٢٩٤٤] (١٢١٦)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٥٧ و ١٥٦٨ و ١٥٧٠ و ١٦٥١) و"العمرة" (١٧٨٥) و"التمنّي" (٧٢٣٠) و"الشركة" (٢٥٠٥) و"المغازي" (٤٣٥٢) و"الاعتصام" (٧٣٦٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٨٨ و ١٧٨٩)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٢٠٢) و"الكبرى" (٢/ ٣٦٦)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (١/ ٣٤١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٧٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٧٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢١٧ و ٣٠٥ و ٣٦٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢/ ٧٥ - ٧٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ١٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٤١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٧٢ و ١٨٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الوقت الذي دخل فيه النبيّ ﷺ ، وأصحابه مكة، وهو صبح رابعة ذي الحجة، وذلك يوم الأحد.

стр. 13425

٢ - (ومنها): بيان أمر النبيّ ﷺ من لَمْ يسق الهدي أن يفسخ حجه بعمل العمرة. ٣ - (ومنها): بيان وجوب ذلك الفسخ، حيث غَضِب ﷺ على من توقّف فيه، وقالت له عائشة" ﵂: "من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار"، وأقرّها على ذلك، ولا يكون مثل هذا الوعيد إلَّا لمن ترك واجبًا، أو ارتكب محرّمًا، لكن الراجح أن الوجوب خاصّ بذلك الركب، وتلك السنَة، وأما مشروعيّة الفسخ، واستحبابه فهو إلى يوم القيامة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان تشديد أمر الفسخ؛ لأن النبيّ ﷺ ، غضب، وقال لهم: "قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم … إلخ". [فإن قلت]: كيف توقّف الصحابة ﵃ في هذه المسألة، مع أنهم أطوع الناس لأمره ﷺ في كلّ قليل وكثير؟ [قلت]: إنما توقّفوا فيها؛ لشدة حرصهم على موافقة حجهم لحجه ﷺ كمًّا وكيفًا، فلمَّا أمرهم بالفسخ مع أنه لا يفسخ ظنّوا أنه سيُخفّف عنهم بترك العزم عليهم، حتى يحلّوا معه ﷺ ، فهذا وجه توقّفهم، فلا يُظنّ بهم غير ذلك، ولكن لَمّا كان الأمر حتمًا شدّد النبيّ ﷺ في النكير عليهم، وألزمهم ذلك، ولم يسمح لهم بموافقته؛ لاختلاف هيئته عن هيئتهم، حيث لَمْ يسوقوا الهدي مثله، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): وفيه جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره، كأن يقول: أهللت بما أهلّ به فلان، قال النوويّ ﵀: وفي هذين الحديثين - يعني حديث جابر هذا، وحديث أبي موسى الأشعريّ الآتي -: دلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقًا، بأن ينوي إحرامًا كإحرام زيد، فيصير هذا المعلِّق كزيد، فإن كان زيد محرمًا بحج، كان هذا بالحج أيضًا، وإن كان بعمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقًا صار هذا محرمًا إحرامًا مطلقًا، فيصرفه إلى ما شاء من حجّ أو عمرة، ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13426

(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم فسخ الحج بعمل العمرة لمن لَمْ يسق الهدي: اختلفوا في هذا الفسخ، هل هو خاصّ بالصحابة تلك السنَة، أم عامّ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فذهب أحمد، والظاهريّة، وعامّة أهل الحديث إلى أنه ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكلّ من أحرم بحجّ مفردًا، أو قارنًا، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها، بل هذا هو المستحبّ عند الإمام أحمد، وأوجبه الظاهريّة. وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، من السلف والخلف إلى أنه مختصّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أُمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليّة، من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ. واستُدلّ للجمهور بحديث أبي ذر ﵁ عند مسلم: "قال: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمد ﷺ خاصّة"، وفي رواية: "قال: كانت لنا رخصة" يعني المتعة في الحجّ، ومراد أبي ذرّ ﵁ بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبيّ ﷺ بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذر ﵁ بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذرّ ﵁ كان يقول فيمن حجّ، ثم فسخها بعمرة: لَمْ يكن ذلك إلَّا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرّ بفسخ الحجِّ بالعمرة، وهي تفسير مراده بالمتعة في رواية مسلم. وردّ عليهم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة. واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، والدارميّ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحجِّ لنا خاصّة، أم للناس عامة؟ قال: "بل لكم خاصّه". وردّ عليهم بأنه ضعيف أيضًا لجهالة الحارث بن بلال، وقال أحمد رحمه الله تعالى: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل - يعني الحارث بن بلال

стр. 13427

- قال: وقد رَوَى فسخ الحجِّ إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ وأيضًا حديث أبي ذرّ ﵁ موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك. والحاصل أن أدلّة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة، والله تعالى أعلم. ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحبّ؟: فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه قال ابن حزم، وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق. واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجة، وأبو يعلى، واللفظ لأحمد من حديث البراء بن عازب ﵄، قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: "اجعلوا حجكم عمرة"، قال: فقال الناس: يا رسول الله، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ قال: "انظروا ما آمركم به، فافعلوا"، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟ أغضبه الله، قال: "وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أُتّبع". قال ابن القيّم ﵀: ونحن نشهد الله علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ "، واتباعًا لأمره، فوالله ما نُسِخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد يعارضه، ولا خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن سأله، هل ذلك مختصّ بهم؟ فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه … إلى آخر ما أطال ابن القيّم ﵀ في "الهدي" نفسه في تحقيق هذا المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته ٢/ ١٨٠ - ٢٢٣.

стр. 13428

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يترجّح عندي هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، ومن قال بقوله، وهو أن الفسخ مستحبّ (١)؛ لقوله: "بل لأبد الأبد"، وأما الوجوب فخاصّ بتلك السنة؛ جمعًا بين النصوص في المختلفة في الباب، وهذا هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀. قال صاحب "المرعاة": القول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه أحمد، ومن وافقه من أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصًّا بالصحابة ﵃ في تلك السنة، بل يجوز، أو يُسنّ، ويستحبّ لكل من أحرم بحج، وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرةً، ويتحلّل بأعمالها؛ ليصير متمتّعًا، وأما حديث أبي ذرّ، وبلال بن الحارث، فمحمولان على الوجوب، يعني أن وجوب فسخ الحج إلى العمرة خاصّ بذلك الركب في تلك السنة، وأما الجواز والاستحباب، فهو باق للأمة إلى يوم القيامة، وهو محمل حديث جابر ﵁ وغيره من أحاديث الفسخ، ولا منافاة بين اختصاص الوجوب بالصحابة، وبين بقاء المشروعيّة والاستحباب إلى أبد الأبد، وعلى ذلك حمل الإمام ابن تيميّة ﵀ تلك الأحاديث، كما تقدّم، وهو محمل حسنٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام صاحب "المرعاة" ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الأرجح استحباب فسخ الحج بعمل العمرة لمن لَمْ يسق الهدي ممن أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا؛ وبهذا تجتمع الأحاديث، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٢٩٤٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نُحِلَّ، وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا، وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَا نَدْرِي أَشَيْءٌ بَلَغَهُ مِنَ المَاء، أَمْ شَيْءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ أَحِلُّوا، فَلَوْلَا الْهَدْيُ الَّذِي مَعِي (٢) فَعَلْتُ كَمَا

стр. 13429

فَعَلْتُمْ"، قَالَ: فَأَحْلَلْنَا حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ، وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَل الْحَلَالُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَة، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسَرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقون ذُكروا في الباب، و"ابن نُمير" هو "محمد بن عبد الله بن نُمير"، و"أبوه" هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، و"عطاء" هو: ابن أبي رَبَاح. وقوله: (أَنْ نُحِلَّ) تقدّم أنه من الإحلال، ويدلّ قوله بعده: "أحِلُّوا"، أنه من الحلّ، ويدلّ عليه قوله في الرواية الماضية: "حِلُّوا". وقوله: (فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا) بضمّ الموحدة؛ أي: شقّ علينا التحلّل بعمل العمرة؛ لعدم موافقته لفعل النبيّ ﷺ . وقوله: (حَتَّى وَطِئْنَا النِّسَاءَ) بفتح الواو، وكسر الطاء المهملة، يقال: وطئته برجلي أطؤه وَطْئًا: عَلَوتُهُ، ويتعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: أوطأت زيدًا الأرضَ، ووطِئَ زوجته وَطْئًا: جامعها؛ لأنه استعلاء (١). وقوله: (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل للشافعيّ وموافقيه أن المتمتع، وكلَّ من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ، فالسنّة له أن يُحْرِم يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وقد سبقت المسألة مرات. وقوله: "جعلنا مكة بظهرٍ" معناه: أهللنا عند إرادتنا الذهاب إلى منى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا بِعُمْرَةٍ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ

стр. 13430

حَجَّتُكَ الْآنَ مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ ﵄: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، وَقَضرُوا، وَأَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوَية، فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً"، قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: "افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِه، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِه، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ "، فَفَعَلُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، واسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الْمُلاليّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١. ٢ - (مُوسَى بْنُ نَافِعٍ) الأسديّ، ويقال: الْهُذَليّ الكوفيّ، ويقال: البصريّ، وهو أبو شِهاب الْحَنّاط الأكبر، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي عليّ النعمان بن عليّ الوالبيّ. ورَوى عنه الثوريّ، وعيسى بن يونس، ووكيع، والقطان، والمحاربيّ، وأبو أسامة، ومحمد بن عبيد الطَّنَافسيّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال عليّ بن المدينيّ: سألت يحيى بن سعيد عن موسى بن نافع، فقال: أفسدوه علينا، وقال أبو حاتم: قال عثمان بن أبي شيبة: أثنى أبو نعيم على موسى بن نافع خيرًا، وقال أيضًا: قال أبو جعفر الحمّال: قال أحمد بن حنبل: موسى بن نافع منكر الحديث، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يُكتب حديثه، قال: وغيري يَحكِي عن أبي أنه قال: ثقةٌ، وقال البخاريّ: قال عثمان بن أبي شيبة: هو أسديّ، وأثنى عليه خيرًا، وقال ابن سعد: كان مولى بني أسد، وكان ثقةٌ، قليل الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: هو ثقةٌ، وقال ابن عديّ: موسى بن

стр. 13431

نافع هذا بصريّ ليس بالمعروف، ولم يحضرني له شيء، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب، ولا في "صحيح البخاريّ " غير هذا الحديث، وله عند النسائيّ حديثان فقط. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي شهاب، فانفرد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير جابر فمدنيّ، وقد سكن مكة أيضًا، وعطاء فمكيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: عَنْ مُوسَى بْنُ نَافِعٍ أنه (قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا) حال من الضمير الذي في "قَدِمتُ"، وقوله: (بِعُمْرَةٍ) حال أيضًا أي: متلبسًا بعمرة (قَبْلَ التَّرْوِيَةِ) هو اليوم الثامن من ذي الحجة (بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ النَّاسُ) وفي رواية البخاريّ: "فقال لي أناس من أهل مكة" (تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكيَّةً) أي: قليلة الثواب؛ لقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه: أنك تنشئ حجك من مكة، كما ينشئ أهل مكة منها، فيفوتك فضل الإحرام من الميقات (فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ) أي: طلبت منه أن يُفتيني في هذه المسألة (فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ ﵄: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ) أي: في عام حجة الوداع، وفي رواية البخاريّ: "يوم ساق البدن معه"، وهو بضم الباء الموحدة، وضم الدال وسكونها: جمع بَدَنَة بفتحات (وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا) بفتح الراء، حال من "الحجِّ"، وبكسرها حال من الواو باعتبار كلّ واحد، كما قاله الكرمانيّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَطُوفُوا بِالْبَيْتِ) أي: اجعلوا حجكم عمرة، وتحللوا منها بالطواف والسعي، أو

стр. 13432

التقدير: اجعلوا إحرامكم عمرةً، ثم أحلوا منه بالطواف بالبيت (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: وبالسعي بين الصفا والمروة، وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة، قال ابن التين ﵀: هذا الحديث أبين ما في هذه من فسخ الحج إلى العمرة. (وَقَصِّرُوا) أمرهم بالتقصير؛ لأنهم يُهِلّون بعد قليل بالحج، وأَخَّر الحلق؛ لأن بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط (وَأَقِيمُوا حَلًالا) بالنصب على الحال، بمعنى مُحِلِّين (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوَيةِ) تقدّم قريبًا أن "كان" في مثل هذا تامّة، تكتفي بمرفوعها، ولا تحتاج إلى خبر؛ أي: جاء يوم التروية (فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا) أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها (مُتْعَةً") أي: عمرةً تتحلّون منها، فتصيرون متمتّعين، وأَطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرةٌ، قاله في "العمدة" (١). وقال النوويّ ﵀: قوله: "فأهلّوا بالحج، واجعلوا الذي قدمتم بها متعة": اعلم أن هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: وقد أهلّوا بالحج مفردًا، فقال رسول الله ﷺ : "اجعلوا إحرامكم عمرة، وتحللوا بعمل العمرة"، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة. انتهى (٢). (قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: "افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِه، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ) فيه ما كان عليه النبيّ ﷺ من تطييب قلوب أصحابه، وتلطّفه بهم، وحلمه عنهم (وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ) بكسر حاء "يَحِلّ"، والمعنى: لا يحل مني ما حُرِّم عليّ. [تنبيه]: قال في "الفتح: وقع في رواية مسلم: "لا يُحِلّ مني حَرَامًا" بالنصب على المفعولية، وعلى هذا فيقرأ "يُحِلّ" بضم أوله، والفاعل محذوف، تقديره: لا يُحِلّ طولُ المكث، ونحو ذلك مني شيئًا حرامًا حتى يبلغ الهدي محله؛ أي: إذا نُحِر يوم منى. انتهى، ومثله في "عمدة القاري" (٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذه النسخة التي ذكرها في "الفتح" و"العمدة"

стр. 13433

من نصب "حرامًا" لا توجد في النسخ التي بين يديّ، بل هي بالرفع مثلما وقع في البخاريّ، ولعل النسخ في ذلك مختلفة، والله تعالى أعلم. (﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ") أي: وهو منًى، فينحر فيه. واستُدِلّ به على أن من اعتمر، فساق هديًا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وسيأتي في حديث حفصة ﵂ نحوه، وقد تقدم حديث عائشة ﵂، من طريق عُقيل، عن الزهريّ، عن عروة، عنها، بلفظ: "ومن أحرم بعمرة، فأهدي، فلا يحل حتى ينحر هديه"، وتأول ذلك المالكية والشافعية على أن معناه: ومن أحرم بعمرة، وأهدي، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل مخالف لظاهر هذه الأحاديث، فلا ينبغي الاعتماد عليه. قال الحافظ ﵀ بعد تأويلهم هذا: ولا يخفى ما فيه، فإنه خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة. انتهى. والحاصل أن الحقّ أن من أحرم بعمرة، وأهدى فلا يحلّ حتى ينحر يوم النحر؛ لهذه الأحاديث الصحيحة، فتبصر، وبالله تعالى التوفيق. (فَفَعَلُوا) أي: فعل الصحابة ﵃ ما أمرهم به النبيّ ﷺ ، وقالوا: سمعنا وأطعنا، وفيه بيان فضلهم حيث استجابوا لما دعاهم الرسول ﷺ ممتثلين أمر ربهم في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٥] (١٢١٦)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٥٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧/ ١٢٣)، وفوائده تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13434

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَنُحِل، قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ) الْبَحْرانيّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١١] (ت ٢٥٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٢ - (أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَبُو بِشْرٍ) ابن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَنُحِلَّ) تقدّم أنه بضمّ أوله، وفتحه، من الإحلال، أو الحلّ. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٤٦] (١٢١٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧/ ١٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٧] (١٢١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَة، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ، تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ، قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاء بِمَا شَاءَ،

стр. 13435

وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ، وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاء، فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةٍ إِلَى أَجَلٍ، إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀ وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير جابر ﵁، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة - بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة - أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄ (يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ) هي الاعتمار في أشهر الحجِّ قبل الحجّ، ثم الحجِّ من عامه ذلك (وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله ﵄ (يَنْهَى عَنْهَا) وفي رواية أبي عوانة: "قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، فكان ابن الزبير ينهى عنها، وقال: إن أقوامًا قد أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم (١)، يُفتون الناس بغير علم، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله … " الحديث.

стр. 13436

(قَالَ) أبو نضرة (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي: اختلافهما في المتعة (لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (فَقَالَ) جابر ﵁ (عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ) أي: حديث جواز المتعة (تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ) أي: بأمر الخلافة بعد وفاة أبي بكر ﵄ (قَالَ: إِنَّ الله كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ) ﷺ (مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ) أي: بالوحي الذي شاء إنزاله، من الآياتِ القرآنيّة، أو بالأحاديث النبويّة (وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ) أي: استقرت أحكامه، وثبتت معالمه، فلا يقبل النسخ ولا التبديل، بعد أن توفي رسول الله ﷺ ، ويعني بذلك: أن متعة الحج قد رفعت لَمّا أمر الله بإتمام الحج والعمرة، ومتعة النِّكَاح أيضًا كذلك؛ لما ذكر الله شرائط النِّكَاح في كتابه، وبيّن أحكامه، فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها شي، ولا يغيّر (١). (فَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ) أي: بقوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، أراد بذلك أن الأمر بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، ومنع التحلّل، والمتمتّع يتحلّل، ويستمتع بما كان محظورًا عليه. وقال النوويّ ﵀: قوله: "فأتموا الحجَّ والعمرة لله كما أمر الله"، وفي الرواية الأخرى عن عمر ﵁: "فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم، وأتمّ لعمرتكم"، وذكر بعد هذا من رواية أبي موسى الأشعريّ ﵁ أنه كان يفتي بالمتعة، ويحتج بأمر النبيّ ﷺ له بذلك، وقول عمر ﵁: إن ناخذ بكتاب الله، فإن الله تعالى أمر بالإتمام، وذكر عن عثمان أنه كان ينهى عن المتعة، أو العمرة، وأن عليّا خالفه في ذلك، وأهلّ بهما جميعًا، وذكر قول أبي ذرّ ﵁: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصّةً، وفي رواية: رخصةً، وذكر قول عمران بن حصين ﵄ أن النبيّ ﷺ أعمر طائفةً من أهله في العشر، فلم تنزل آية تفسخ ذلك، وفي رواية: جمع بين حج وعمرة، ثم لَمْ ينزل فيها كتاب، ولم ينه. قال المازريّ ﵀: اختُلِف في المتعة التي نَهَى عنها عمر في الحجّ، فقيل: هي فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: هي العمرة في أشهر الحجّ، ثم

стр. 13437

الحج من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، أو تحريمها. وقال القاضي عياض ﵀: ظاهر حديث جابر، وعمران، وأبي موسى ﵃ أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج إلى العمرة، قال: ولهذا كان عمر ﵁ يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان مخصوصًا في تلك السنَة؛ للحكمة التي قدّمنا ذكرها. قال ابن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده، قال: ومن التمتع أيضًا فسخ الحج إلى العمرة. انتهى كلام القاضي. قال النوويّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نَهَوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، ومرادهم نهيُ أولوية؛ للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد، والتمتع، والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها، وقد سبقت هذه المسألة في أوائل هذا الباب مستوفاةً. انتهى كلام النوويّ. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها"؛ هذه المتعة التي اختلفا فيها: هي فسخ الحج في العمرة التي أمرهم بها النبيّ ﷺ ، فكان ابن عباس ﵄ يرى أن ذلك جائز لغير الصحابة، وكان ابن الزبير ﵄ يرى أن ذلك خاص بهم، وهي التي قال فيها جابر بن عبد الله ﵁: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، وهي التي منعها عمر ﵁، واستَدَلَّ على منعها بقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ولا معنى لقول مَن قال: إن اختلافهما كان في الأفضل بين المتعة التي هي الجمع بين الحج والعمرة في عام واحد وسفر واحد، وبين غيرها من الإفراد والقران؛ لأنه لو كان اختلافهما في ذلك لكان استدلال عمر ضائعًا؛ إذ كان

стр. 13438

يكون استدلالًا في غير محله، غير أنه لما كان لفظ المتعة يقال عليهما بالاشتراك خفي على كثير من الناس، وكذلك يصلح هذا اللفظ لمتعة النِّكَاح، ولذلك ذكرهما جابر عن عمر في نسق واحد، وكان ابن عباس أيضًا خالف في متعة النِّكَاح، ولم يبلغه ناسخها على ما يأتي في "النِّكَاح" - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الذي اختلف فيه ابن عبّاس، وابن الزبير، والذي كان ينهى عنه عمر وعثمان ﵃ هو المتعة مطلقًا، سواء المتعة التي هي فسخ الحجِّ إلى العمرة، أو المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجِّ بعده من عامه، كما يتبيّن ذلك فيما يأتي من قصّة أبي موسى الأشعريّ مع عمر ﵄، وقصّة عليّ مع عثمان ﵄، وغير ذلك مما هو واضح فيما قلته. ثم إن نهي هؤلاء الذين نهوا عنها إنما هو اجتهاد منهم، وقد خالفهم الجمهور، وهو الحقّ، وقد حمل بعضهم نهيهم على التنزيه، قال البيهقيّ في "سننه" بعد إخراج هذا الحديث ما نصّه: ونحن لا نشك في كونها - يعني المتعة - على عهد رسول الله ﷺ ، لكنا وجدناه نَهَى عن نكاح المتعة عام الفتح بعد الإذن فيه، ثم لَمْ نجده ﷺ فيه بعد النهي عنه، حتى مضى لسبيله ﷺ ، فكان نهي عمر بن الخطاب ﵁ عن نكاح المتعة موافقًا لسنة رسول الله ﷺ ، فأخذنا به، ولم نجده منهى عن متعة الحج في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر ﵁ ما دل على أنه أحبّ أن يُفْصَل بين الحج والعمرة؛ ليكون أتمّ لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه، وعلى اختيار الإفراد على غيره، لا على التحريم، وبالله التوفيق. انتهى كلام البيهقيّ ﵀ (٢)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" ما حاصله: قد ذكر العلماء في نهي عمر وعثمان ﵄ عن متعة الحجِّ تأويلين:

стр. 13439

[أحدهما]: أنهما نهيا عنه تنزيهًا، وحملًا للناس على ما هو الأفضل عندهما، وهو الإفراد، لا أنهما يعتقدان بطلان التمتع هذا، مع علمهما بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. [والثاني]: أنهما كانا ينهيان عن التمتع الذي فعلته الصحابة في حجة الوداع، وهو فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن ذلك كان خاصّا لهم، وهذا التأويل ضعيف، وإن كان مشهورًا، وسياق الأحاديث الصحيحة يقتضي خلافه. قال: ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضي كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع، وهو ضعيف، ولا ينبغي أن يُحْمَل كلامه عليه، بل المختار في مذهبه ما قدمته، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن الذي يظهر لي أن نهي عمر وعثمان ﵄ عن متعة الحج يعئم الفسخ أيضًا، كما سيتبيّن من قصّة أبي موسى الأشعريّ ﵁، وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَأَبِتُّوا) بقطع الهمزة، أمر من الإبتات، وهو القطع (نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ) يعني اللاتي عُقِد عليهنّ نكاح المتعة؛ أي: اقطعوا أمر نكاحهنّ، ولا تجعلوه غير مبتوت، بجعله مُتعة، مقدّرة بمدّة، أراد بذلك النهي عن متعة النساء، قال القرطبيّ ﵀: وهذا منه أمر، وتهديدٌ، ووعيدٌ شديدٌ لمن استمر على ذلك بعد المتقدمة. انتهى. وقال النوويّ ﵀: متعة النِّكَاح: هي نكاح المرأة إلى أجل، وكان مباحًا، ثم نُسِخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نُسِخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى الآن، وإلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع، وأجمعوا على تحريمه، وسيأتي بسط أحكامه في "كتاب النِّكَاح" - إن شاء الله تعالى - انتهى (٢). (فَلَنْ أُوتَى) بالبناء للمفعول (بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ) أي: نكحها نكاح المتعة (إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ) هذا قاله ﵁ مبالغة في النهي والزجر، وإلا فهو ﵁ قد درأ الحدّ عن بَغِيّ بأجرة، فكيف لا يدرأ عن مستمتع؟

стр. 13440

وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إلَّا رجمته بالحجارة" هذا على جهة التغليظ، وظاهره: أنه كان يرجمه؛ لأنه قد كان حصل عنده على القطع والبتات نسخ نكاح المتعة، ثم إنه تقدم بهذا البيان الواضح والتغليظ الشديد؛ فكأنه لو أُتِي بمن فعل ذلك بعد تلك الأمور لحكم له بحكم الزاني المحصن، ولم يقبل له اعتذارًا بجهل ولا غيره. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٧ و ٢٩٤٨] (١٢١٧) وسيأتي مختصرًا في [٣٠٢٦] (١٢٤٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٩٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٤٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢١ و ٧/ ٢٠٦) وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَفانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.

стр. 13441

٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٩) فقال: (٣٣٥٤) - حدّثنا يعقوب بن سفيان، نا عمر بن عاصم، نا همّام، نا قتادة، عن أبي نضرة، قلت لجابر بن عبد الله: إن ابن عباس يأمر بالمتعة، وإن ابن الزبير ينهى عنها، قال: فقال جابر: على يدي جرى الحديث، تمتعت مع رسول الله ﷺ ، فنزل فيه القرءان، فلما وَليَ عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس، فقال: إن القرءان القرءان، والرسول الرسول، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ ، وأنهى عنهما، وأعاقب عليهما: إحداهما متعة الحج، فافصلوا بحجكم عن عمرتكم، والأخرى متعة النساء، فلا أقدر على رجل تزوج إلى أجل إلَّا غيّبته في الحجارة، زاد همام: فافصلوا حجكم من عمرتكم، وقال فيه: فإنه أتم لحجكم وعمرتكم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٩] (١٢١٦) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيع، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَف: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) المقرئ البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العَتَكيّ الزهرانيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة السختيانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.

стр. 13442

والباقيان ذُكرا في الباب، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق. [تنبيه]: قال في "الفتح": يؤخذ من هذا الحديث فسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه منسوخ، وذهب ابن عبّاس ﵄ إلى أنه مُحكَم، وبه قال أحمد، وطائفة يسيرة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن دعوى النسخ غير صحيحة، وأن الحقّ هو ما ذهب إليه ابن عبّاس ﵄، وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو مذهب البخاريّ وجمهور المحدّثين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٩] (١٢١٦)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥٦ و ٣٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثاني والعشرين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" صباح يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير (٨/ ٢/ ١٤٢٩ هـ) الموافق (١٥ فبراير ٢٠٠٨ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].

стр. 13443

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث والعشرون مفتتحًا بـ (١٨) - (بَابُ ذِكْرِ حديثِ جابِرِ بنِ عبد اللهِ ﵁ الطويل في حِجَّةِ النبيِّ ﷺ ) رقم الحديث [٢٩٥٠] (١٢١٨). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". * * *

стр. 13444

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير ٨/ ٢/ ١٤٢٩ هـ أول الجزء الثالث والعشرين من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه الله تعالى. (١٨) - (بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ الطَّوِيلِ فِي حِجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ -) [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: حديث جابر ﵁ هذا حديث عظيمٌ، مشتمل على جُمَل من الفوائد، ونفائسَ من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لَمْ يروه البخاريّ في "صحيحه"، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي عياض: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصَنَّف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرَّج فيه من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه، وقد سبق الاحتجاج بنكت منه، في أثناء شرح الأحاديث السابقة، وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: وأنا - إن شاء الله تعالى - سأقوم بشرح الحديث شرحًا مستوعبًا، مستكملًا لمقاصده، ومستجمعًا لفوائده، ومستخرجًا لعوائده، بحيث تقرّ به عيون الراغبين من روّاده، وبالله تعالى أستعين، ومنه أطلب المدد والتمكين، إنه جواد كريم، رءوف رحيم. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:

стр. 13445

[٢٩٥٠] (١٢١٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ حَاتِمٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَسَأَل عَنْ الْقَوْم، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، وَأَنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ (١)، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاة، فَقَامَ في نِسَاجَةٍ (٢)، مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِه، رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْه، مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَب، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ بِيَدِهِ: فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ (٣) فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيْعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِه، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَة، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِد، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاء، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْه، مِنْ رَاكِبٍ، وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِه، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِه، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
следующие страницы →