٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٩) فقال:
(٣٣٥٤) - حدّثنا يعقوب بن سفيان، نا عمر بن عاصم، نا همّام، نا قتادة، عن أبي نضرة، قلت لجابر بن عبد الله: إن ابن عباس يأمر بالمتعة، وإن ابن الزبير ينهى عنها، قال: فقال جابر: على يدي جرى الحديث، تمتعت مع رسول الله ﷺ ، فنزل فيه القرءان، فلما وَليَ عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس، فقال: إن القرءان القرءان، والرسول الرسول، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ ، وأنهى عنهما، وأعاقب عليهما: إحداهما متعة الحج، فافصلوا بحجكم عن عمرتكم، والأخرى متعة النساء، فلا أقدر على رجل تزوج إلى أجل إلَّا غيّبته في الحجارة، زاد همام: فافصلوا حجكم من عمرتكم، وقال فيه: فإنه أتم لحجكم وعمرتكم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٤٩] (١٢١٦) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيع، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَف: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) المقرئ البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العَتَكيّ الزهرانيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة السختيانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
стр. 13442
والباقيان ذُكرا في الباب، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق.
[تنبيه]: قال في "الفتح": يؤخذ من هذا الحديث فسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه منسوخ، وذهب ابن عبّاس ﵄ إلى أنه مُحكَم، وبه قال أحمد، وطائفة يسيرة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن دعوى النسخ غير صحيحة، وأن الحقّ هو ما ذهب إليه ابن عبّاس ﵄، وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو مذهب البخاريّ وجمهور المحدّثين، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٩] (١٢١٦)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥٦ و ٣٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثاني والعشرين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" صباح يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير (٨/ ٢/ ١٤٢٩ هـ) الموافق (١٥ فبراير ٢٠٠٨ م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
стр. 13443
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث والعشرون مفتتحًا بـ (١٨) - (بَابُ ذِكْرِ حديثِ جابِرِ بنِ عبد اللهِ ﵁ الطويل في حِجَّةِ النبيِّ ﷺ ) رقم الحديث [٢٩٥٠] (١٢١٨).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
стр. 13444
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير ٨/ ٢/ ١٤٢٩ هـ أول الجزء الثالث والعشرين من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج" رحمه الله تعالى.
(١٨) - (بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ الطَّوِيلِ فِي حِجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ -)
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: حديث جابر ﵁ هذا حديث عظيمٌ، مشتمل على جُمَل من الفوائد، ونفائسَ من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لَمْ يروه البخاريّ في "صحيحه"، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي عياض: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصَنَّف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرَّج فيه من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه، وقد سبق الاحتجاج بنكت منه، في أثناء شرح الأحاديث السابقة، وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وأنا - إن شاء الله تعالى - سأقوم بشرح الحديث شرحًا مستوعبًا، مستكملًا لمقاصده، ومستجمعًا لفوائده، ومستخرجًا لعوائده، بحيث تقرّ به عيون الراغبين من روّاده، وبالله تعالى أستعين، ومنه أطلب المدد والتمكين، إنه جواد كريم، رءوف رحيم.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب، أو أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ) أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيه إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقةٌ فاضلٌ ٤١، مات سنة بضع و (١١٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.
٦ - (جَابرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما فيها.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني مروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، وغزا مع النبيّ ﷺ تسع عشرة غزوة، وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، وهو من المعمّرين، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم.
стр. 13450
شرح الحديث:
(عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) المعروف بالصادق ﵀ (عَنْ أَبِيهِ) محمد بن عليّ المعروف بالباقر ﵀ أنه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (فَسَأَل عَنِ الْقَوْم) أي: عن الجماعة الذين دخلوا عليه؛ لأنه كان إذ ذاك أعمى؛ لأنه عَمِيَ في آخر عمره، كما صرّح به في هذه الرواية، وفيه عناية الإنسان بالداخلين عليه، والسؤال عنهم؛ لينزل كلًّا منزلته.
(حَتَّى انْتَهَى) أي: وصل بالسؤال (إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي) أي: يده إليها، قال الفيّوفي: يقال: أهوى إلى الشيء بيده: مدّها؛ ليأخذه إذا كان عن قُرْب، فإن كان عن بُعْدٍ قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأتُ به. انتهى (١).
(فَنَزَعَ) بفتح الزاي، يقال: نزَعته من موضعه نَزْعًا، من باب ضرب: إذا قَلَعته، وانتزعه: مثله. (زِرِّي الْأَعْلَى) بكسر الزاي، وتشديد الراء، هو الذي يوضع في القميص، جمعه: أَزْرارٌ، وزُرُورٌ، قاله في "القاموس" (٢)، وقال في "المصباح": زَرّ الرجلُ القميصَ زَرًّا، من باب قَتَلَ: أدخل الأزرار في الْعُرَا، وزَرّرَه بالتضعيف مبالغةٌ، وأزرّه بالألف: جَعَل أَزرَارًا، واحدها زِرٌّ بالكسر. انتهى (٣).
والمعنى: أنه أخرج زرّي من عروته؛ لينكشف صدري عن القميص، وفيه إكرام الرجل بنزع ردائه عنه؛ إيناسًا له، وملاطفة، وإظهار مودّة.
(ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ) تثنية ثَدْيٍ، بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ ﵀: الثَّدْيُ: للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السِّكِّيت، ويُذَكَّرُ وُيؤَنَّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثديُ، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثلُ أَفْلُس وفُلُوس، وربما جُمِع على ثِدَاءٍ،
стр. 13451
مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ، والثَّنْدُوَةُ: وزنها فُنْعُلةٌ، بضم الفاء والعين، ومنهم من يجعل النون أصلية، والواو زائدة، ويقول: وزنها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثَّدْي، وقيل: هي اللحمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثدي للمرأة، وكان رُؤبَةُ يَهْمِزُها، قال أبو عبيد: وعامة العرب لا تَهْمِزها، وحَكَى في "البارع" ضم الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السِّكِّيت: وجمع الثَّنْدُوة: ثِنَادٍ، على النقص. انتهى (١).
(وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ) إنما ذكر هذا بيانًا لسبب فعل جابر ﵁ به ما ذُكر من نزع زرّه، وكشف صدره، وذلك أنه تأنيس له لصغره، ولا يُفعل هذا مع الكبار.
(فَقَالَ) جابر ﵁ (مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي) أي: نزلتَ مكانًا رَحْبًا؛ أي: واسعًا، يقال: رَحُبَ المكان رُحْبًا، من باب قَرُبَ، فهو رَحِيبٌ، ورَحْبٌ، مثالُ قَرِيبٍ، وفَلْسٍ، وفي لغة: رَحِبَ رَحَبًا، من باب تَعِبَ، وأرحب بالألف مثله، ويَتَعَدَّى بالحرف، فيقال: رَحُبَ بك المكانُ، ثم كَثُرَ حتى تعدى بنفسه، فقيل: رَحُبَتْكَ الدارُ، وهذا شاذٌّ في القياس، فإنه لا يوجد فَعُلَ بالضم إلَّا لازمًا، مثل شَرُفَ وكَرُمَ، ومن هنا قيل: مَرْحَبًا بك، والأصل: نزلتَ مكانًا واسعًا، ورَحَّب به، بالتشديد: قال له: مَرْحَبًا. انتهى (٢).
(سَلْ) أمر من سأل بالهمزة، أو من سأل بدونها، قال الفيّوميّ ﵀: وسألت الله العافيةَ: طلبتها سؤالًا، ومسألةً، وجمعها: مسائل بالهمز، وسألته عن كذا: استعملته، وتساءلوا: سأل بعضهم بعضًا، والسؤل: ما يُسْأَل، والمسؤول: المطلوب، والأمرُ من سَأَلَ: اسْأَلْ، بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسْأَلُوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ: سَالَ يَسَالُ، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا وسَلُوا، على غير قياس، وسِلْتُهُ أنا، وهما يتساولان. انتهى (٣).
стр. 13452
(عَمَّا شِئْتَ) متعلّق بـ "سَلْ"، و"ما" اسم موصول بمعنى الذي، ووقع في بعض النسخ بلفظ: "سَلْ عَمَّ شئتَ"، والظاهر أنه غلطٌ؛ لأن "ما" الموصولة لا تُحذف ألفها، وإنما تحذف ألف "ما" الاستفهاميّة، ولا وجه لها هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى) جملة حاليّة؛ أي: كان سؤالي له في حال عماه، وإنما طرأ له العمى في آخر حياته، كما قال في "أُسد الغابة"، ويدلّ على ذلك قوله فيما يأتي من حكايته عن نفسه: "نظرت إلى مدّ بصري … إلخ".
وقوله: (وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ) جملة معطوفة على "فسألته"، ويَحْتَمِل أن تكون حالا بتقدير "قد" على رأي البصريين، ودونها على رأي الكوفيين (فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ) قال النوويّ ﵀: هي بكسر النون، وتخفيف السين المهملة، وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا، ورواياتنا لـ "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، ووقع في بعض النسخ: في "سَاجَةٍ" بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب، قال: والساجةُ، والساجُ: ثوبٌ كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسيّ، قال: ومعناه ثوب مُلَفَّقٌ، قال: قال بعضهم: النون خطأ، وتصحيفٌ، قال النوويّ: وليس كذلك، بل كلاهما صحيح، ويكون ثوبًا مُلَفّقًا على هيئة الطيلسان، قال القاضي في "المشارق": الساجُ والساجة: الطيلسان، وجمعه سِيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها خاصَّة، وقال الأزهريّ: هو طيلسان مُقَوَّرٌ يُنْسَجُ كذلك، قال: وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال: الطيلسان بفتح اللام، وكسرها، وضمها، وهي أقلّ. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: "النِّسَاجةُ: هي ضَرْبٌ من الملاحف منسوجةٌ، كأنها سُمِّيت بالمصدر، يقال: نسجت أَنْسُجُ نَسْجًا، وَنِسَاجَةً". انتهى (٢).
(مُلْتَحِفًا بِهَا) حال من "نساجة"، وهو اسم فاعل من الْتَحَفَ به: إذا تغطّي، و"اللِّحَافُ: ما يُلتَحَف به، كالْمِلْحَفة، والْمِلْحَف، أفاده
стр. 13453
المجد ﵀ (١)، وقال الفيّوميّ ﵀: الْمِلْحَفةُ بالكسر: هي الْمُلاءة التي تَلْتَحف بها المرأة، واللِّحَافُ، مثلُ كِتَابٍ: كلُّ ثوب يُتَغَطَّى به، والجمع لُحُفٌ، مثلُ كتاب وكُتُب. انتهى (٢).
(كلَّمَا وَضَعَهَا) أي: تلك النساجة (عَلَى مَنْكِبِهِ) بفتح الميم، وكسر الكاف، وزانُ مَجْلِس: هو مُجْتَمَعُ رأس العَضُد والْكَتِفِ؛ سُمّي بذلك؛ لأنه يُعْتَمَد عليه (رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْه، مِنْ صِغَرِهَا) أي: لأجل صغرها (وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة، وقوله: (عَلَى الْمِشْجَبِ) حال أيضًا، وهو بميم مكسورة، ثم شين معجمة ساكنة، ثم جيم، ثم باء موحدة، وهو اسم لأعواد، توضع عليها الثياب، ومتاع البيت، قاله النوويّ (٣).
وقال الفيّوميّ ﵀: شَجِبَ شَجَبًا، فهو شَجِبٌ، من باب تَعِبَ: إذا هَلَكَ، وتشاجب الأمر: اختَلَطَ، ودخل بعضه في بعض، ومنه اشتقاق المِشْجَب بالكسر، قاله ابن فارس، وقال الأزهريّ: الْمِشْجَبُ: خشباتٌ مُوَثَّقَةٌ، تُنْصَبُ، فيُنشَرُ عليها الثياب. انتهى (٤).
(فَصَلَّى بِنَا) أي: صار جابر إمامًا لهم في تلك الصلاة التي حضرت، وفيه أن صاحب البيت أحقّ بالإمامة إذا لَمْ يأذن، فقد تقدّم للمصنّف حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ مرفوعًا: "ولا تؤُمّنّ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلَّا أن يأذن لك".
(فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) بفتح الحاء وكسرها، أصل الحجِّ: القصد، قال الفيّوميّ: حَجَّ حَجًّا، من باب قَتَلَ: قَصَدَ، فهو حاج، هذا أصله، ثم قُصِر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، ومنه يقال: ما حَجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجُّ: القصد للنُّسُك، والدَّجُّ: القصد للتجارة، والاسم: الحِجُّ بالكسر، والْحِجَّة: المرة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَجٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسْمَع من العرب، وبها سُمِّي الشهر ذو الحجة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه: ذَوَاتُ
стр. 13454
الحجة. انتهى (١).
(فَقَالَ بِيَدِهِ) أي: أشار، ففيه إطلاق القول على الفعل (فَعَقَدَ تِسْعًا) أي: أن يضمّ الوسطى والخنصر والبنصر مع مدّها إلى أصل لحمة الإبهام.
[تنبيه]: عقد تسعة من العقود المعروفة عند العرب قديمًا حيث يستعملون الأصابع في الحساب، وقد بيّنت ذلك في أبيات، فقلت:
يَا طَالِبًا مَعْرِفَةَ الْحِسَابِ … لِلْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ خُذْ جَوابِي
لِلْوَاحِدِ اضْمُمْ خِنْصِرًا لأَقْرَبِ … بَاطِنِ كَفِّكَ وَأَحْكِمْ تُصِبِ
لاثْنَيْنِ بِنْصِرًا تَزِيدُ وَإِذَا … تَزِيدُ وُسْطَاكَ ثَلَاثَةً خُذَا
ضَمُّهُمَا مَعْ رَفِعِ خِنْصِرٍ غَدَا … أَرْبَعَةً وَضَمُّ وُسْطَى أَرْشَدَا
لِخَمْسَةٍ وِبِنْصِرٍ لِسِتَّةِ … وَضَمُّ خِنْصِرٍ فَقَطْ لِسَبْعَةِ
مَعْ مَدِّهَا لِلَحْمَةٍ تَتَّصِلُ … بِأَصْلِ إِبْهَامِكَ خُذْمَا نَقَلُوا
وَمَعَهَا الْبِنْصِرُ لِلثَّمَانِيَهْ … وَمَعَهَا الْوُسْطَى لِتِسْعٍ وَاقِيَهْ
إلى آخر الأبيات، وقد تقدّمت في "كتاب الصلاة"، فراجعها هناك، وبالله تعالى التوفيق.
(فَقَالَ) جابر ﵁ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ) بضمّ الكاف، وفتحها؛ أي: لبث، قال الفيّوميّ ﵀: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ: أقام، وتلبّث، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قَرِيبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لَمْ يَعْجَل فيه. انتهى (٢).
زاد في رواية النسائيّ: "بالمدينة" (تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ) اتّفق العلماء على أنه ﷺ لَمْ يحجّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع هذه، وعلى أنَّها كانت سنة عشر (ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ) بتشديد الذال المعجمة، وفي نسخة: "ثمّ آذن" بالمدّ والتخفيف، وفي "المرعاة": "ثمّ أُذّن" بضمّ الهمزة، وكسر الذال المعجمة، مبنيّ للمجهول؛ أي: نادى منادً بإذنه ﷺ ، ويجوز بناؤه للمعلوم؛ أي: أمر بأن ينادى بينهم، قال: وعلى كلا الاحتمالين
стр. 13455
فالمراد إعلام الناس بحجه ﷺ ، وإشاعته بينهم؛ ليتأهّبوا للحج معه، ويتعلّموا المناسك، والأحكام، ويُشاهدوا أفعاله، وأقواله، ويوصيهم ليبلّغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يُستحبّ للإمام إيذان الناس بالأمور المهمّة؛ ليتأهّبوا لها، ولا سيّما في هذه الفريضة الكثيرة الإحكام المفروضة (١).
(فِي الْعَاشِرَةِ) متعلّق بخبر لمبتدإ محذوف؛ أي: ذلك كائن في السنة العاشرة من الهجرة، ولا يتعلّق بـ "آذن"، فتنبّه.
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ) أي: خارج إلى الحجّ، ومريد له، وقاصد، زاد في رواية أحمد، والنسائيّ: "هذا العام" (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ) تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: راكبين على كلّ بعير ضعيف ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد، ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أي: ليحضروا منافع دينية، ودنيوية، وأخروية، وفي رواية النسائيّ: "فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبًا، أو راجلًا إلَّا قَدِمَ، فتدارك الناس؛ ليخرجوا معه".
(كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ) أي: يطلب (أَنْ يَأْتَمَّ) أي: يقتدي (بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ) لأنه القدوة الحسنة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، و ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقال القاضي عياض ﵀: هذا مما يدلّ على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ لأنه ﷺ أحرم بالحج، وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر ﵁: "وما عَمِل من شيء عملنا به"، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لَمْ يتحلل حتى أغضبوه، واعتذر إليهم، ومثله تعليق عليّ وأبي موسى ﵄ إحرامهما على إحرام النبيّ ﷺ . انتهى (٢).
(فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أي: لخمس بقين من ذي القعدة، كما رواه النسائيّ بين
стр. 13456
الظهر والعصر، وروى الترمذيّ، وابن ماجة، عن أنس منه، والطبراني عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ حج على رَحْلِ رَثٍّ، يساوي أربعة دراهم (١).
(حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ) أي: المكان المعروف بهذا الاسم، وهو ماء من مياه بني جُشَم، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مرحلة عنها، ويقال: ستة أميال (٢).
(فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) تقدّمت ترجمتهما قبل باب (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ) الظاهر أنَّها أرسلت زوجها أبا بكر الصدّيق ﵁، ويدلّ له ما رواه مالك في "الموطإ" عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن أسماء بنت عُميس أنَّها ولدت محمد بن أبي بكر، فذَكَر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ ، ويدلّ عليه أيضًا ما رواه النسائيّ من حديث أبي بكر ﵁: فأتى أبو بكر النبيّ ﷺ ، فأخبره، فأمره أن يأمرها أن تغتسل، وقوله: (كَيْفَ أَصْنَعُ؟) مقول لقول محذوف حال من الفاعل؛ أي: أرسلت حال كونها قائلةً كيف أصنع؟ أي: في الإحرام بالحجّ.
وقال الباجيّ في "شرح الموطإ": يَحْتَمِل أن أبا بكر سأل أن النفاس الذي يمنع صحة الصلاة والصوم يمنع صحّة الحج؟ فبيّن ﷺ أنه لا ينافي الحجّ، وَيحْتَمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام بعد أن عَلِمَ أن إحرامها بالحجِّ يصحّ، فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب حكم الطهر. انتهى.
(قَالَ) ﷺ مجيبًا عن سؤالها، مبيّنًا كيفيّة ما تصنعه في حال الإحرام ("اغْتَسِلِي) فيه دلالة على أن اغتسال النفساء للإحرام سنة، وهو للنظافة لا للطهارة، ومثلها في ذلك الحائض، كما أمر النبيّ ﷺ عائشة ﵂ بذلك حين حاضت بسرف، كما تقدّم بيانه.
وقال الخطّابيّ ﵀ في "المعالم": في الحديث استحباب التشبّه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم طمعًا في إدراك مراتبهم، ورجاء مشاركتهم في نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل
стр. 13457
أوان الطهر لا يُطهّرهما، ولا يُخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت.
قال وليّ الدين العراقيّ ﵀: هذا يدلّ على أن العلّة عنده في اغتسالهما التشبّه بأهل الكمال، وهنّ الطاهرات، والظاهر أنه إنما هو لشمول المعنى الذي شُرع الغسل لأجله، وهو التنظيف، وقطع الرائحة المكريهة؛ لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك علّله الرافعيّ، ولا يَرِد عليه التيمّم عند العجز؛ لأن التنظيف هو أصل مشروعيّته للإحرام، فلا ينافيه قيام التراب مقامه؛ لأنه يقوم مقام الغسل الواجب، فأولى المسنون، وبعد استمرار الحكم قد لا توجد علته في بعض المحالّ. انتهى.
قال الخطّابيّ ﵀: وفي أمره ﷺ "الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. انتهى (١).
(وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ) بالثاء المثلّثة، بعد الفوقيّة: أمر من الاستثفار، يقال: استثفرت الحائض: إذا شدّت على فرجها خرقةً، وعلقت طرفيها إلى شيء مشدود في وسطها من مُقَدَّمها ومؤخرها، مأخوذ من ثَفَر الدابة، وهو ما يكون تحت ذنبها.
وقال في "المرعاة": الاستثفار هو أن تحتشي المرأة قطنًا، وتشُدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقةً عريضةً تجعلها على محلّ الدم، وتشدّ طرفيها من قُدّامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم تنزهًا أن تظهر النجاسة عليها؛ إذ لا تقدر على أكثر من ذلك.
قال النوويّ ﵀: فيه استحباب غسل الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقلّ فيه أمر الحائض والنفساء، والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن تَشُدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم، وتشُدّ طرفيها من قُدّامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثَفَر الدابة - بفتح الفاء - وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه. انتهى (٢).
стр. 13458
(وَأَحْرِمِي") بقطع الهمزة، من الإحرام؛ أي: أحرمي بالنيّة والتلبية، وفيه صحّة إحرام النفساء، ومثلها الحائض، وأولى منهما الجنب؛ لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث، وزادتا عليه بسيلان الدم، وهو مجمع عليه (١).
(فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: ركعتي الظهر، وقيل: سنة الإحرام، والصحيح الأول (فِي الْمَسْجِدِ) أي: في مسجد ذي الحليفة، قال ابن العجميّ في منسكه: ينبغي إن كان في الميقات مسجد أن يصلي ركعتي الإحرام فيه، ولو صلاهما في غير المسجد فلا بأس به، ولو أحرم بغير صلاة جاز، ولا يصلّ في أوقات الكراهة، وتجزئ المكتوبة عنهما كتحيّة المسجد، وقيل: صلى الظهر، وقال ابن القيّم: لَمْ ينقل أنه ﷺ صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) بفتح القاف، وبالمدِّ: اسم ناقة النبيّ ﷺ ، قال القاضي عياض ﵀: ووقع في نسخة العذريّ "القُصْوَى" بضم القاف، والقصر، قال: وهو خطأٌ، قال القاضي: قال ابن قتيبة: كانت للنبيّ ﷺ نُوقٌ: القصواء، والجدعاء، والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء: اسم لناقة النبيّ ﷺ ، ولم تسم بذلك لشيء أصابها، قال القاضي: قد ذكر هنا أنه "رَكِب القصواء"، وفي آخر هذا الحديث: "خطب على القصواء"، وفي غير مسلم: "خطب على ناقته الجدعاء"، وفي حديث آخر: "على ناقةٍ خَرْماء"، وفي آخر: "العضباء"، وفي حديث آخر: "كانت له ناقة لا تُسْبَق"، وفي آخر: "تسمى مخضرمة"، وهذا كله يدلُّ على أنَّها ناقة واحدة، خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها، أو وصفها لهذا الذي بها، خلاف ما قال أبو عبيد، لكن يأتى في "كتاب النذر" أن القصواء غير العضباء، كما سنبينه هناك.
قال الحربيّ: الْعَضْبُ والْجَدْع، والْخَرْم، والْقَصْوُ، والْخَضْرمة في الأُذن، قال ابن الأعرابيّ: القصواء التي قُطِع طرف أذنها، والجدع أكثر منه.
وقال الأصمعيّ: والقصو مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصطلمتا فهي صَلْمَاء.
стр. 13459
وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا، والمخضرمة المستأصلة، والعضباء المقطوعة النصف فما فوقه.
وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن.
قال الحربيّ: فالحديث يدلّ على أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الأذن، فقد جُعِل اسمها. انتهى كلام القاضي ﵀.
وقال محمد بن إبراهيم التيميّ التابعيّ وغيره: إن العضباء، والقصواء، والجدعاء اسم لناقة واحدة، كانت لرسول الله ﷺ . انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀ في "المجموع": "القَصْواء" - بفتح القاف، وإسكان الصاد، وبالمدّ - قال أهل اللغة: يقال: شاة قصواء، وناقة قصواء: إذا قُطِع من أذنها شيءٌ لا يجاوز الربع، فإن جاوز فهي عضباء، قال العلماء: ولم تكن ناقة النبيّ ﷺ مقطوعًا من أذنها شيءٌ، قال صاحب المطالع: قال الدراوريّ: إنما قيل لها: القصواء؛ لأنَّها كانت لا تكاد تُسْبَقُ، قال الجوهريّ: يقال: شاة قصواء، وناقة قصواء، ولا يقال: جَمَلٌ أقصى، وإنما يقال: مَقْصُوّ، ومَقْصِيٌّ، كما يقال: امرأة حسناء، ولا يقال: رجل أحسن، وكان يقال لهذه الناقة: القصواء، والقصي، والجدعاء، قال العلماء: هي اسم لناقة واحدة، وقيل: هي ثلاثٌ، والله أعلم. انتهى (٢).
[تنبيه]: عقد الحافظ العراقي ﵀ في "ألفيّة السيرة" بابًا في بيان جِماله ﷺ ، فقال: "باب ذكر لقاحه، وجِماله ﷺ ":
كَانَتْ لَهُ لِقَاحٌ … الْحِنَاءُ عُرَيِّسٌ بَغُومٌ السَّمْرَاءُ
بُرْدَةُ وَالْمَرْوَةُ وَالسَّعْدِيَّةُ … حَفَدَةٌ مَهْرَةُ وَالْيُسَيْرَةُ
رَيَّاءُ وَالشَّقْرَاءُ وَالصَّهْبَاءُ … عَضْبَاء وَجَدْعَاءُ هُمَا الْقَصْوَاءُ
وَغَيْرُهُنَّ وَالْجِمَالُ الثَّعْلَبُ … وَجَمَلٌ أَحْمَرُ وَالْمُكْتَسَبُ
غَنِمَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ مِنْ أَبِي … جَهْل فَأهْدَاهُ إِلَى الْبَيْتِ النَّبِيّ
فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ أيْ مِنْ فِضَّةِ … غَاظَ بِهِ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةِ
(حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ) بفتح الموحدة، وسكون التحتانيّة:
стр. 13460
هي المفازة، جمعها بِيد بالكسر، والمراد هنا بيداء ذي الحليفة (نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "مَدّ بصري"، وهو صحيح، ومعناه مُنْتَهَى بصري، وأنكر بعض أهل اللغة مَدّ بصري، وقال: الصواب: "مَدَى بَصَري"، وليس هو بمنكر، بل هما لغتان، المدّ أشهر. انتهى (١).
(بَيْنَ يَدَيْه، مِنْ رَاكِبٍ، وَمَاشٍ) فيه جواز الحجِّ راكبًا وماشيًا، وهو مُجْمَعٌ عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، واخَتَلَف العلماء في الأفضل منهما، فقال مالك، والشافعيّ، وجمهور العلماء: الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبيّ ﷺ ، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أكثر نفقةَ، وقال داود: ماشيًا أفضل؛ لمشقته، وهذا فاسد؛ لأن المشقة ليست مطلوبة، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: لا خلاف في جواز الركوب والمشي في الحج، واختُلف في الأفضل منهما: فذهب مالك، والشافعيّ في آخرين: إلى أن الركوب أفضل اقتداءً بالنبيِّ ﷺ ، ولكثرة التفقه، ولتعظيم شعائر الحج بأبَّهة الركوب.
وذهب غيرهم: إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس.
ولا خلاف في: أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل.
واختلفوا في الطواف والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبيِّ ﷺ . انتهى (٣).
(وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أي: من راكب، وماش (وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرنَا) في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ) مقصوده: الحثّ على التمسك بما أخبرهم عن فعله ﷺ في حجته تلك.
стр. 13461
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله" يعني: أنه ﷺ إنما كان يفعل الفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو، ويبئنه للناس بفعله، ولذلك قال ﷺ : "خذوا عنِّي مناسككم"، وكانوا كما قال جابر ﵁: إذا عَمِل شيئًا اقتدوا به فيه، وعملوه على نحو ما عمل. انتهى.
(وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ) أي: إنه ﷺ إذا عَمِل شيئًا من أعمال الحجّ اقتدوا به فيه، وعملوه على نحو ما عمل، وفيه ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الحرص على الاقتداء بالنبيَّ ﷺ .
(فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ) أي: رفع صوته بكلمة التوحيد، يعني قوله: "لا شريك لك"، وقوله: ("لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ") تقدّم شرحه في "باب التلبية"، وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية، تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك، فكانوا يقولون: "لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، كما سبق ذلك في "باب التلبية" أيضًا.
(وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِه، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ) يعني: أنهم لم يلتزموا هذه التلبية الخاضَة التي لبَّى بها رسول الله ﷺ ؛ إذ فهموا أنها ليست مُتعيِّنَة، فترك ﷺ كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا فلا بدَّ أن يأتي الملبِّي بما يقال عليه تلبية لسانًا، ولا يجزئ منها التحميد، ولا التكبير، ولا غيره، عند مالك، قاله القرطبيّ ﵀ (١).
وفي رواية أحمد، وابن الجارود: "ولبّى الناس، والناس يزيدون ذا
المعارج، ونحوه من الكلام، والنبيّ ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا" (وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ) المذكورة، قال القاضي عياض ﵀: فيه إشارة إلى ما رُوي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر، كما رُوي في ذلك عن عمر ﵁ أنه كان يزيد: "لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبًا منك، ومرغوبًا إليك"، وعن ابن عمر ﵄: "لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء
стр. 13462
إليك والعمل"، وعن أنس ﵁: "لبيك حقًّا تَعَبُّدًا ورِقًّا"، قال القاضي: قال أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ ، وبه قال مالك، والشافعيّ. انتهى (١).
(قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ) أي: لسنا ننوي شيئًا من النيّات إلا نيّة الحجّ، قال السنديّ ﵀: هذا في أول الأمر، وقت خروجهم من المدينة، وإلا فقد أحرم بعضهم بالعمرة، أو هو خبر عما كان عليه حال غالبهم، أو أن المقصد الأصليّ من الخروج كان الحجّ، وإن نوى بعض العمرة. انتهى.
وقوله: (ولَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ) تأكيد للحصر الذي قبله، قال القرطبيّ ﵀: هذا يَحْتَمِل أن يُخْبِر به عن حالهم الأَوَّل قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما تقدَّم، فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم النبيّ ﷺ ، فقال: "من أراد أن يُهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهلّ بعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهلّ بحج وعمرة فليفعل"، فارتفع ذلك الوهم الواقع بهم. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: فقول جابر ﵁: "لسنا ننوي إلا الحج … إلخ" مع قوله في الحديث الآخر قبلُ: "مهلّين مع رسول الله ﷺ بحجّ مفرد"، يرُدّ كلّ ما خالفه من رواية: أن منهم من كان معتمرًا، أو متمتّعًا وقارنًا، وكيف وهو يقول: "لا نعرف العمرة"، وكذلك كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجّ حتى جاء الإسلام، ولذلك جعل النبيّ ﷺ عُمَره كلها في أشهر الحجّ على الصحيح، وسيأتي هذا، وقد أثبتنا قبلُ ترتيب هذه الأخبار، وتأليف مختلفها، ومن خالف حديث جابر، ومن وافقه إنما هو إخبار من مآل الحال، واستقرار العمل، كما تقدّم. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما قاله المحقّقون من الجمع بين قول جابر ﵁: "لسنا ننوي إلا الحجّ … إلخ"، وبين حديث عائشة ﵂: "فمنا
стр. 13463
من أهلّ بعمرة … إلخ" أن حديث جابر ﵁ محمول على أول الأمر قبل أن يأمرهم النبيّ ﷺ بالعمرة، وحديث عائشة ﵂ محمول على آخر الأمر بعد أن أمرهم النبيّ ﷺ بالعمرة، فلا اختلاف بين الأحاديث، ولله الحمد.
(حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ) أي: وصلنا إليه (مَعَهُ) ﷺ ، بعد أن نزل بذي طُوى، وبات بها، واغتسل فيها، ودخل مكة من الثنيّة العليا، صبيحة رابع ذي الحجة، وقصد المسجد من شقّ باب السلام، ثم بدأ بالطواف، ولم يبدأ بركعتي تحية المسجد؛ لأنهما يحصلان بعد الطواف، وإنما يؤمر بهما من يريد الجلوس، والطائف لا يجلس، فلم يشمله النهي الوارد في قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين"، وأما ما اشتهر عند كثير من الناس: إن تحية المسجد الحرام الطواف لا صلاة ركعتين، فمن كلام العوامّ الذين لا علم عندهم، ولا تفكير لهم في النصوص، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وفي الحديث أن السنة لداخل مكة للنسك أن يبدأ بالبيت قبل غيره، إلا أن يكون مضطرًّا، كأن يخشى على رحله، فله الصبر عليه، والبداية به حتى لا يضيع، وكذلك من جاء متأخّرًا يوم عرفة، وخاف فوت الوقوف لو بدأ بالبيت، ونحو ذلك من كل من يضطرّ إلى أن يبدأ بغيره، فله ذلك، والله تعالى أعلم.
(اسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أي: الركن الأسود؛ إذ ينصرف إليه الركن عند الإطلاق، وسُمّي ركنًا؛ لأنه في ركن البيت.
وفي رواية أحمد، وابن الجارود: "الحجر الأسود"، والاستلام: افتعال من السلام بمعنى التحيّة، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيّا؛ لأن الناس يُحيّونه بالسلام، وقيل: من السِّلام بكسر السين، وهي الحجارة، واحدتها سَلِمة بكسر اللام، ويقال: استلم الحجر: إذا لَثَمَه وتناوله، والمعنى: وضع يديه عليه وقبّله، واستلم النبيّ ﷺ الركن اليماني أيضًا في هذا الطواف، كما في حديث ابن عمر ﵄، ولكن لم يُقبّله، فلا يُسنّ تقبيله.
والحاصل أن السنّة تقبيل الحجر الأسود في كلّ طوفة، إن تيسّر ذلك، فإن شقّ التقبيل استلمه بيده، ثم قبّلها، وإلا استلمه بنحو عصا، وقبّلها، وإلا أشار إليه، ولا يقبّله ما أشار به إليه، وهذا الذي ذكرناه في الحجر الأسود، لا
стр. 13464
يُشرع شيء منها في الأركان الأخرى، إلا الركن اليمانيّ، فيسنّ استلامه بوضع اليد عليه فقط، دون تقبيله، فما يفعله كثير من الناس من تقبيلهم الركن اليماني فمن غلبة جهلهم بالسنة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله.
وقال الزرقانيّ ﵀ في "شرح المواهب": واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم؛ أي: أساس بناه، والثاني هو الركن اليماني له الفضيلة الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبّل الأول، كما في "الصحيحين" عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قبّل الحجر الأسود، وفي "صحيح البخاريّ" عن ابن عمر ﵄: "رأيت رسول الله ﷺ يستلمه، ويقبّله"، ويُستلَم الثاني فقط؛ لما في "الصحيح" عن ابن عمر ﵄: أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني. ولا يُقبّل الآخران، ولا يُستلمان؛ اتّباعًا للفعل النبويّ؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم؛ هذا قول الجمهور، واستَحَبّ بعضهم تقبيل اليمانيين أيضًا، وهذا ضعيفٌ؛ لمخالفته السنّة.
وقد أجاب الشافعيّ ﵀ عن قول من قال كمعاوية ﵁ وقد قبّل الأركان كلها: ليس شيء من البيت مهجورًا، فردّ عليه ابن عبّاس ﵄ فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فأجاب الشافعيّ ﵀: بأنّا لم نَدَع استلامهما هَجْرًا للبيت، وكيف يهجره، وهو يطوف به؟ ولكنا نتّبع السنة فعلًا أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هَجْرًا له لكان ترك استلام ما بين الأركان هَجرًا له، ولا قائل به، ورُوي عن الشافعيّ، عن ابن عمر ﵄ قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر الأسود، فاستلمه، ومسح يده عليه، ثم وضع شفتيه عليه طويلًا يقبّله. ويستفاد منه استحباب الجمع بينهما. انتهى.
ومما يُستحبّ عند استلام الركن الأسود التكبير في كلّ طوفة؛ لحديث ابن عبّاس ﵄ قال: طاف النبيّ ﷺ بالبيت على بعيره كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبّر، رواه البخاريّ.
وأما التسمية فلا تثبت في حديث مرفوع كما نبّه عليه الشيخ الألبانيّ ﵀، وإنما ثبتت عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر، أخرجه البيهقيّ وغيره بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، والحافظ، ووهم
стр. 13465
ابن القيّم، فذكره من رواية الطبرانيّ مرفوعًا، وإنما رواه موقوفًا كالبيهقيّ، كما ذكره الحافظ في "التلخيص". انتهى (١).
(فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا) وفي رواية النسائيّ والترمذيّ: "فطاف سبعًا، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا"، فقوله: "فرَمَل" أي: مشى بسرعة، مع تقارب الْخُطى، وهزّ الكتفين، وفي الرواية الآتية عند مسلم: "لَمّا قَدِم مكة أتى الحجر، فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا".
وقوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرّات، وهي الأشواط الأوَل من السبعة، زاد في رواية لأحمد: "حتى عاد إليه".
وقوله: (وَمَشَى أَرْبَعًا) أي: على السكون والهيئة في الأربعة الأشواط الباقية.
وقال القرطبيّ ﵀: وبفعله ﷺ هذا تقرر أن الرَّمل في الثلاثة الأشواط سنَّة راتبة، وإن كان أصل مشروعيته في عمرة القضاء؛ لِيُرِيَ أهل مكة قوَّتهم، وتجلّدهم، كما في حديث ابن عباس ﵄ على ما يأتي؛ لكن لما فعله في حجة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقق أنه تعبّد، وأنه سُنَّة.
وهذا الطواف المذكور هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سنَّة مؤكدة يجب بتركه دم على غير المراهق، وهو قول أبي ثور، وأحد قولي مالك، وقيل: لا يجب بتركه دم، ويجزئ عنه طواف الإفاضة، وهو قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يخاطب بطواف القدوم مكيٌّ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول الشافعي ومن معه هو الأرجح في هذا؛ لأن إيجاب الدم يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: والأطواف ثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة، ويسمَّى: طواف الزيارة؛ لأن الطائف يزور البيت من مِنى، فيطوفه، وقد أجاز الحنفي وغيره هذه التسمية، وكره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وطوافُ الوداع، وهو الذي يفعل عند الصَّدَر من مكة، ولا دم على تاركه. انتهى (٢).
стр. 13466
قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ ﵀: ولا دم على تاركه؛ أي: عند من يقول: إنه ليس من النسك، وإلا فالقائلون: إنه من النسك يوجبون الدم بتركه، فتنبّه.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "حتى إذا أتينا البيت معه … إلخ": فيه أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يُسَنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبع طوافات، وفيه أن السنة أيضًا الرمل في الثلاث الأُوَل، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة.
قال العلماء: الرمل هو أسرع المشي مع تقارب الخطى، وهو الْخَبَب.
قال أصحابنا: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حجّ أو عمرة فلا رمل، بلا خلاف، ولا يُسْرع أيضًا في كل طواف حجّ، وإنما يسرع في واحد منها، وفيه قولان مشهوران للشافعيّ:
أصحهما طواف يعقبه سعيٌ، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع.
والقول الثاني: أنه لا يُسرع إلا في طواف القدوم، سواء أراد السعي بعده أم لا، ويُسرع في طواف العمرة؛ إذ ليس فيها إلا طواف واحد، والله أعلم.
قال أصحابنا: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في سنن أبي داود، والترمذيّ، وغيرهما، وهو أن يجعل وَسَط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، قالوا: وإنما يسنّ الاضطباع في طواف يسنّ فيه الرمل على ما سبق تفصيله، والله أعلم. انتهى (١).
(ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇؛ "نَفَذَ" بالنون، والفاء، والذال المعجمة؛ أي: توجّه، يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغ من طوافه (فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾) بكسر الخاء المعجمة على الأمر، وبفتحها على الخبر (﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾) بفتح الميم؛ أي: موضع قيامه، وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت،
стр. 13467
وفيه أثر قدمين إلى الآن، وهو موضوع قُبالة البيت (﴿مُصَلًّى﴾) بالتنوين؛ أي: موضع صلاة الطواف.
قال القرطبيّ ﵀: الرواية هنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾، بكسر الخاء على الأمر، وهي قراءة الكوفيين، وأبي عمرو، وهي أمر، وعلى قراءة الفتح، وهي قراءة الباقين، هو خبر عن الملتزمين لاستقبال الكعبة.
واختُلِف في مقام إبراهيم ﵇ ما هو؟ فقال ابن عباس ﵄: هو مواقِفُه كلها، وقال الشعبيّ وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار، وقال مجاهد: الحرم، وقال جابر وقتادة: الحجر الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفع به كلما ارتفع البناء، ويرفع هذا الخلاف، ويبيِّن المراد بالمقام قوله: فجعل المقام بينه وبين الكعبة؛ وهذا يدلّ على أنه هو الموضع المعروف هناك الذي يَستَقبِل بابَ البيت.
و (﴿مُصَلًّى﴾) أي: موضع صلاة ودعاء، وهاتان الركعتان هما المسنونتان للطُوَّاف، وهما سنتان مؤكدتان، يجب بتركهما دم عند مالك، ويدركهما ما لم يخرج من الحرم، فإن خرج ولم يركع، فهل يعيد الطواف لهما، أم لا؟ قولان، فإذا قلنا: لا يعيد الطواف لهما فقد وجب الدَّم، وكذلك إذا رجع إلى بلاده وجب الدَّم، وغير مالك لا يرى فيهما دمًا، ويركعهما متى ذكرهما. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
زاد في رواية الترمذيّ، والنسائيّ: "فصلّى ركعتين"، وعند أحمد، وابن الجارود: "حتى إذا فرغ - أي: من الطواف - عَمَدَ إلى مقام إبراهيم، فصلّى خلفه ركعتين".
(فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) أي: صلّى خلفه، وهذا بيان للأفضل، وإلا فيجوز أن يصلي الركعتين في أي موضع شاء.
وقال النوويّ ﵀: هذا دليل لِما أَجْمَع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختَلَفوا هل هما واجبتان، أم سنتان؟ وعندنا فيه خلاف حاصله: ثلاثة أقوال: أصحها
стр. 13468
أنهما سنة، والثاني أنهما واجبتان، والثالث إن كان طوافًا واجبًا فواجبتان، وإلا فسنتان، وسواء قلنا واجبتان أو سنتان، لو تركهما لم يبطل طوافه، والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الْحِجْر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة، وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز، وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حيًّا، ولو أراد أن يطوف أطوفة استُحِبّ أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة، ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه، قال أصحابنا: يجوز ذلك، وهو خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه، وممن قال بهذا: الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، وعائشة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، وكرهه ابن عمر، والحسن البصريّ، والزهريّ، ومالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء. انتهى (١).
(فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَن النَّبِيِّ ﷺ ) قال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد رَوَى هذا الحديث عن أبيه، عن جابر ﵁، قال: كان أبي - يعنى محمدًا - يقول: إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، بل عن جابر، عن قراءة النبيّ ﷺ في صلاة هاتين الركعتين، قال: وأما قوله: "لا أعلم ذَكَرَه إلا عن النبيّ ﷺ " ليس هو شكًّا في ذلك؛ لأن لفظة العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبيّ ﷺ ، وقد ذكره البيهقيّ بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁: أن النبيّ ﷺ طاف بالبيت، فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا، ثم صلى ركعتين، قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. انتهى (٢).
وقوله: (كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾) قال النوويّ ﵀: معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة
стр. 13469
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
قال في "المرعاة": الواو لمطلق الجمع، فلا إشكال، قال الطيبيّ: كذا في "صحيح مسلم"، و"شرح السنّة" في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر تقديم "سورة الكافرون"، وفي رواية للنسائيّ: "فصلّى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ "، وفي رواية للترمذيّ: "قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ". انتهى (١).
(ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ) يعني أنه ﷺ بعد صلاة ركعتي الطواف رجع إلى الحجر الأسود، فاستلمه، وهذا يدلّ على شدّة العناية، والتهمّم باستلام الحجر الأسود (٢).
وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: أنه يستحب للطائف طوافَ القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام، أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يَخرُج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم. انتهى (٣).
(ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَاب) أي: من باب البيت الحرام (إِلَى الصَّفَا) مقصورًا، في الأصل هي الحجارةَ الْمُلْسُ، الواحدة صفاوٌ، مثلُ حَصًى وحَصَاوٍ، ومنه سُمّي الصفا موضع بمكة، ويجوز تذكيره وتأنيثه باعتبار إطلاق لفظ المكان والبقعة عليه، قاله في "المصباح" (٤).
(فَلَمَّا دَنَا) أي: قَرُب (مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾) قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": أصل الصفا في اللغة: الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف، وذَكَّر الصفا؛ لأن آدم ﵇ وقف عليه، فسُمِّي به، ووقفت حواء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأُنِّث لذلك، والله أعلم.
стр. 13470
وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يُسَمَّى إِسَافًا، وعلى المروة صنم يُدْعَى نائلة، فاطّرَد ذلك في التذكير والتأنيث، وقُدِّم المذكر، وهذا حسنٌ؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا، حتى رفع الله الحرج في ذلك، وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتَبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدا من دون الله، والله تعالى أعلم.
و"الصفا": مقصورٌ جمع صَفَاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ، وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِيٌّ بضم الصاد، وكسرها (١)، وأَصْفاءٌ على مثل أَرْحاء، قال الراجز:
كَأَنَّ مَتْنَيْهِ (٢) مِنَ النَّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ
وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو؛ أي: خَلَص من التراب، والطين.
و"المروة": واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لِينٌ، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو: الحجارة صَلِيبها ورِخوها الذي يتشظى، وتَرِقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر:
وَتَوَلَّى الأَرْضَ خِفًّا ذَابِلًا … فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ
وقال أبو ذؤيب [من الكامل]:
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا الْمُشَقَّرِ كُلَّ يَوْم تُقْرَعُ
وقد قيل: إنها الحجارة السُّود، وقيل: حجارة بيض بَرّاقة، تكون فيها النار.
(﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي: من أعلام مناسكه، ومواضع عباداته، وهي جمع شعيرة، والشعائر المتعبَّدات التي أشعرها الله تعالى؛ أي: جعلها أعلامًا للناس
стр. 13471
من الموقف، والسعي، والنحر، والشعار: العلامة، يقال: أشعر الهدي: أعلمه بغرز حديدة في سنامه، من قولك: أشعرت؛ أي: أعلمت، وقال الكميت [من الطويل]:
نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ … شَعَائِرَ قِرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ (١)
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ في "المفهم": و"الشعائر": المعالم التي للحجّ، جمع شعيرة، سُمّيت بذلك؛ لما تُشعِر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تُعْلِم، أو لِما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه، قال: والطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة عند جمهور العلماء، ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا في الحج، وسيأتي استيفاء الكلام عليهما - إن شاء الله تعالى. انتهى (٢).
(أَبْدَأُ) بصيغة المتكلّم؛ أي: قال: أنا أبدًا، ووقع في بعض النسخ "ابدؤوا بما بدأ الله" بصيغة الأمر، وأشكّ في صحّتها؛ لأن هذه وقعت عند النسائيّ في رواية له، ولفظها: "فابدءوا بما بدأ الله به" (٣)، (بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ") أي: بذكره، وهو الصفا، يعني أنه يبتدئ السعي من الصفا؛ لأن الله تعالى ابتدأ بذكره، حيث قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية؛ لأن الترتيب الذكريّ له اعتبار في الأمر الشرعيّ، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع.
وقال السنديّ ﵀: هذا يفيد أن بداءة الله تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملًا، والظاهر أنه يقتضي ندب الابتداء عملًا، لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر. انتهى (٤).
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصَّفا … إلخ": هكذا المشروعية المستحبة مهما أمكنت، ولذلك يمنع الابتداء بالمروة، فإن فعل أُلغي ذلك الشوط عند الجمهور، وقال عطاء: إن جهل ذلك أجزأه.
стр. 13472
ويكره الجلوس على الصفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويؤخذ من قوله ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به": أن الذي يقدَّم ليعطفَ عليه أوكد من المعطوف في مقصود المقدِّم بوجهٍ ما، كما يُفْهَم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدَّم لمزية له على المعطوف، ومثل هذا كثير، وله موضع آخر يُعْرف فيه، ولا يُفْهَم منه أن الواو ترتب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء، لا بالترتيب، وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل العمرة. انتهى (١).
وقول النوويّ ﵀ قوله: "أبدأ بما بدأ الله به … إلخ": في هذا اللفظ أنواع من المناسك:
[منها]: أن السعي يشترط فيه أن يُبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائيّ في هذا الحديث بإسناد صحيح: أن النبيّ ﷺ قال: "ابدءوا بما بدأ الله به"، هكذا بصيغة الجمع.
[ومنها]: أنه ينبغي أن يَرقَى على الصفا والمروة، وفي هذا الرُّقِيّ خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصحّ سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب الأول، قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئًا من المسافة بين الصفا والمروة، فليُلْصِق عقبيه بدرج الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في المرات السبع يُشتَرط في كل مرة أن يُلصق عقبيه بما يبدأ منه، وأصابعه بما ينتهي إليه، قال أصحابنا: يُستحب أن يَرْقَى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه.
[ومنها]: أنه يُسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور، ويدعو، ويكرّر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا، والدعاء
стр. 13473
مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(فَبَدَأَ) ﷺ السعي (بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ) بكسر القاف، قال في "القاموس": رَقِيَ إليه، كرَضِيَ رَقْيًا، ورُقِيًّا: صَعِدَ، كارتقى، وترقَّى، والْمِرْقَاةُ، بالفتح، ويُكسر: الدرجة. انتهى (٢).
وقال في "المصباح": رَقِيتُ في السَّلَّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِبَ رُقِيًّا على فُعُولٍ، ورَقْيًا مثلُ فَلْسٍ أيضًا، وارتقيتُ، وترقّيتُ مثله، ورَقِيتُ السَّطْحَ والجبلَ: عَلَوته يتعدَّى بنفسه. انتهى (٣).
(حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ) أي: إلى أن رأى الكعبة المشرّفة (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) وضع الظاهر موضع المضمر؛ تنصيصًا على أن البيت هو القبلة، وتنبيهًا على أن المقصود بالذات هو التوجّه إلى القبلة، لا خصوص رؤية البيت، قاله القاري ﵀. (فَوَحَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال الطيبيّ ﵀: هذا يَحْتَمِل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، ويَحْتَمِل أن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به، لكن معناه مستفاد من هذا القول؛ أي: لأن معنى التكبير التعظيم، قال القاري: والأظهر أنه قول آخر. (وَحْدَهُ) حال مؤكّد من "الله"، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ الآية [البقرة: ٩١]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨] في أحد الوجهين، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا، قاله الطيبيّ ﵀ (٤)، وقال في "المرعاة": "وحده" حال مؤكّدة؛ أي: منفردًا بالألوهيّة، أو متوحّدًا بالذات، وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) حال أيضًا؛ أي: لا شريك له في الألوهيّة، فيكون تأكيدًا، أو في الصفات، فيكون تأسيسًا، وهو الأولى (٥). (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ) زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ، والبيهقيّ، والشافعيّ: "يُحيي ويُميت" (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 13474
قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ) أي: وَفَى بما وعد به من إظهار دينه، حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٥)﴾ [الصفّ: ٩] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمدًا ﷺ نصرًا عزيزًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]، ووقع في رواية أحمد: "صدق عبده"، ومعنى صدق الله تعالى عبده: تأييده له بالمعجزات، والله تعالى أعلم.
(وَهَزَمَ) وفي رواية: "وغلب" (الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ") أي: هزمهم بغير قتال من الآدميين، ولا بسبب من جهاتهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، والمراد بالأحزاب: هم الذين تَحَزّبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، قاله النوويّ ﵀ (١)، ويَحتمل أن يكون المراد بالأحزاب: أنواع الكفّار الذين تحزّبوا لحرب رسول الله ﷺ ، وغُلبوا بالهزيمة والفرار (٢).
وقوله: (ثُمَّ) هنا لمجرّد الترتيب، دون التراخي (دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ) أي: بين مرّات هذا الذكر بما شاء (قَالَ مِثْلَ هَذَا) وفي نسخة: "مثل ذلك"؛ أي: مثل الذكر المتقدّم (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الطيبيّ ﵀: كلمة "ثُمّ" تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و"بين" تقتضي التعدّد والتوسّط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله: "وهو على كلّ شيء قدير"، ثم الدعاء، فتمحّل من قال: لما فرغ من قوله: (وهزم الأحزاب وحده) دعا بما شاء، ثم قال مرّة أخرى هذا الذكرَ، ثم دعا، حتى فعل ثلاث مرّات، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله: "ثم دعا بين ذلك" بعد قوله: "قال مثل هذا ثلاث مرّات"، وتكون "ثمّ" للتراخي في الإخبار، لا تأخّر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرّتين. انتهى (٣).
وقال السنديّ ﵀: يقول الذكر ثلاث مرّات، ويدعو بعد كلّ مرّة. انتهى.
стр. 13475
(ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ) وفي رواية النسائيّ: "ثم نزل ماشيًا" (حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ) بتشديد الموحّدة (قَدَمَاهُ) أي: انحدرتا بسهولة، ومنه قولهم: "إذا مشى كأنه ينحطّ في صَبَب" أي: موضع منحدر، وهو مجازٌ من قولهم: "صببت الماء، فانصبّ"؛ أي: سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْوَادِي) أي: المسعى، وفي رواية النسائيّ: "في بطن المسيل"، يعني انحدرتا بسهولة حتى وصلتا إلى بطن الوادي، والمراد به المنخفض منه، وقوله: (سَعَى) جواب "إذا".
[تنبيه]: سقط من معظم النسخ لفظ "سعى"، ولا بدّ منه، قال النوويّ ﵀: قوله: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صَعِدتا م. ى حتى أتى المروة": هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وفيه إسقاط لفظةٍ لا بُدّ منها، وهي "حتى إذا انصبّت قدماه رَمَلَ في بطن الوادي"، ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين"، وفي "الموطأ": "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى خرج منه"، وهو بمعنى رَمَلَ. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١).
قال النوويّ ﵀: وقد وقع في بعض "نسخ صحيح مسلم": "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى"، كما وقع في "الموطإ" وغيره، والله أعلم. انتهى (٢).
(حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا) بكسر العين المهملة؛ أي: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي، وخرجتا منه إلى طرفه الأعلى، وقال الطيبيّ ﵀: معناه: ارتفعتا عن بطن الوادي إلى المكان العالي؛ لأنه في مقابلة "انصبّت قدماه"؛ أي: دخلتا في الْحُدُور. انتهى (٣).
قال المجد ﵀: صَعِدَ في السّلّم، كسَمِعَ صُعُودًا، وصَعَّدَ في الْجَبَل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمع: صَعِدَ فيه، وأصعد: أتى مكة، وفي الأرض: مَضَى، وفي الوادي: انحدر، كصَعّد تصعيدًا. انتهى (٤).
стр. 13476
وقال الفيّوميّ ﵀: صَعِدَ في السلم والدرجة يَصْعَد، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل بالتثقيل: إذا علوته، وصَعِدت في الجبل، من باب تَعِبَ لغةٌ قليلةٌ، وصَعِدت في الوادي تصعيدًا: إذا انحدرت منه، وأصعد من بلد كذا إلى بلد كذا إصعادًا: إذا سافر من بلد سُفْلى إلى بلد عُليا (١)، وقال أبو عمرو: أصعد في البلاد إصعادًا: ذهب أينما توجه، وصَعِد بالكسر، وأصعد إصعادًا: إذا ارتقى شَرَفًا. انتهى (٢).
(مَشَى) أي: سار على السكون، يعني أنه لما بلغ المكان المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه.
قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرّة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعيّ وموافقيه، وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكِر، والثانية: تجب عليه إعادته. انتهى (٣).
(حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) زاد في رواية أحمد: "فرَقِي عليها حتى نظر إلى البيت" (فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) أي: مثل ما فعله عليه، من الرُّقيّ، واستقبال القبلة، والذكر والدعاء، قال النوويّ ﵀: فيه أنه يسنّ عليها من الذكر والدعاء والرُّقيّ مثل ما يسنّ على الصفا، وهذا متفق عليه. انتهى (٤).
(حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ) وفي نسخة: "آخر طوف" بلا ضمير، و"كان" هنا تامّة؛ أي: وُجد (عَلَى الْمَرْوَةِ) متعلّق بـ "كان"، وفي رواية لأحمد، وابن الجارود: "فلما كان السابع عند المروة".
стр. 13477
قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ والجمهور: أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحسَب مرّةً، والرجوع إلى الصفا ثانيةً، والرجوع إلى المروة ثالثةً، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يُحْسَب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يَرُدّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. انتهى، وهو تعقّبٌ جيّدٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ) جواب "إذا"، زاد في رواية لأحمد، وابن الجارود: "يا أيها الناس" ("لَوْ أَنِّي استَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي) أي: لو علمت في قُبُلٍ من أمري (مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: ما علمته في دُبُرٍ منه، والمعنى: لو ظهر لي هذا الأمر الذي ظهر لي الآن وأمرتكم به في أول أمري، وابتداء خروجي (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) بضمّ السين المهملة؛ أي: ما جعلت عليّ هديًا، وأشعرته، وقلّدته، وسُقته بين يديّ، فإنه إذا ساق الهدي لا يتحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر، فلا يصحّ له فسخ الحجّ بعمل العمرة، بخلاف من لم يسق معه هديًا، فإنه يفسخ الحجّ، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتّعًا.
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت … إلخ" هذا يرُدّ على من قال: إن النبيّ ﷺ أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما أحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الاحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد منها؛ فأمر به، ولكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو، أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه ما ظهر له بعده، لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج. انتهى (١).
وقال الخطّابيّ ﵀: إنما أراد رسول الله ﷺ بهذا القول لأصحابه؛
стр. 13478
تطييبًا لقلوبهم، وذلك أنه كان يشقّ عليهم أن يحلّوا، ورسول الله ﷺ مُحرِم، ولم يُعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ويتركوا الاقتداء به، فقال عند ذلك القولَ؛ لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه، قال: وقد يستدلّ بهذا الحديث من يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من الإفراد والقران.
قال الطيبيّ: ولعلّهم إنما شقّ عليهم؛ لإفضائهم إلى النساء قبل انقضاء المناسك، كما ورد في حديث جابر قالوا: "فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيّ"، وأشاروا إلى مذاكيرهم.
وقال البيضاويّ: إنما قال ذلك تأسيسًا للتمتّع، وتقريرًا لجواز العمرة في أشهر الحجّ، وإماطةً لما ألِفُوا من التحرّج عنها. انتهى (١).
(وَجَعَلْتُهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً) أي: كنت متمتّعًا من أول الأمر من غير سوق الهدي، وقال القاري؛ أي: جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقةً.
وقال ابن القيّم ﵀ في شرح قوله ﷺ : "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت … إلخ": يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي.
وقال النوويّ ﵀: في الحديث دليل على جواز قول "لو" في التأسّف على فوات أمر الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن "لو" تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسّف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثُرت الأحاديث الصحيحة في استعمال "لو" في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيُجمَع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ) الفاء جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر ما
стр. 13479
ذكرت من أني سُقت الهدي، فمن كان منكم (لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ) بسكون الدال وتخفيف الياء، وكسرها وتشديد الياء (فَلْيَحِلَّ) بكسر الحاء، وفي رواية عند أحمد: "فليحلل" بسكون الحاء؛ أي: ليصر حلالًا، وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وَلْيَجْعَلْهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً") إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع؛ إذ الجعل مقدّم على الخروج؛ لأن المراد من الجعل الفسخ، وهو أن يفسخ نيّة الحجّ، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة، أو الواو للعطف التفسيريّ، قاله القاري ﵀.
وفي رواية عطاء عن جابر عند الشيخين، "فقال: أحلّوا من إحرامكم"؛ أي: اجعلوا حجكم عمرةً، وتحلّلوا منها بالطواف والسعي، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية، فأهلُّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدِمتم بها مُتعةً، قال الحافظ؛ أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرةً تتحلّلون منها، فتصيرون متمتّعين، فأطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة. انتهى (١).
(فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم الجيم، وضمّ الشين المعجمة، وفتحها، كما ذكره الجوهريّ وغيره، تقدّمت ترجمته في الباب الماضي، زاد في رواية أحمد، وابن الجارود: "وهو في أسفل المروة" (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) الإشارة إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة، كما هو ظاهر سياق الحديث، وقال به المحقّقون، أو الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ، أو مع الحجّ، كما قال الأكثرون؛ أي: هل يختصّ هذا بهذه السنة، أم هو إلى الأبد؛ أي: للحال والاستقبال، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ: "أرأيت عمرتنا - وفي لفظ: متعتنا - ألعامنا هذا أم للأبد؟ ".
قال القرطبيّ ﵀: وقول سراقة بن جُعْشُم: "أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ .. إلخ" ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبّدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة، وبهذا استدل من قال
стр. 13480
بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر، وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعْل العمرة في أشهر الحج، فاجاب بذلك، وعلى هذا: فيكون معنى "دخلت العمرة في الحج"؛ أي: في أشهر الحج. وقيل: دخلت العمرة في الحج؛ أي: في حق القارن، والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصًا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما دلّ عليه الظاهر من أن المراد فسخ الحج إلى العمرة، وأن ذلك ليس خاصًّا بالصحابة هو الحقّ؛ لظهور أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى) "واحدةً" منصوب بعامل مضمر؛ أي: جاعلًا واحدةً من الأصابع في الأخرى، والحال مؤكّدة (وَقَالَ) ﷺ ("دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ) زاد في رواية أحمد، وابن الجارود: "إلى يوم القيامة" (مَرَّتَيْنِ) أي: قال ذلك مرّتين، وقوله: (لَا) أي: ليس لعامنا هذا فقط، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "لا" هو جواب عن السؤال، وهو مشكلٌ؛ لأن السؤال بـ "أم" المعادلة إنما يُتلقّى في الجواب بأحد المتعادلين المستويين على التعيين، فالوجه أن يُحمَل على التشديد، وأن يقدّر: ليس لعامك هذا، بل أبد أبد، وتكرير "أبد" ينصر ما ذكرنا من التشديد، كما إذا سأل سائل عن الأمر الثابت بـ "أم" المتّصلة، فيكون الردّ لإيراد أم في غير موقعه، وقد سبق مثله في قوله ﷺ : "كلّ ذلك لم يكن" جوابًا عن سؤال ذي اليدين: "أقُصِرت الصلاة، أو نسيت؟ ". انتهى (٢).
(بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ") بالتنوين مكرّرًا للتأكيد، أو بإضافة الأول إلى الثاني، وفي بعض النسخ: "لأبدِ الأبدِ"، والأبد: الدهر؛ أي: هذا لآخر الدهر، وزاد في رواية أحمد، وابن الجارود: "ثلاث مرّات"، يعني أن ذلك جائز في كلّ عام،