وقال الفيّوميّ ﵀: صَعِدَ في السلم والدرجة يَصْعَد، من باب تَعِبَ صُعُودًا، وصَعِدتُ السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل بالتثقيل: إذا علوته، وصَعِدت في الجبل، من باب تَعِبَ لغةٌ قليلةٌ، وصَعِدت في الوادي تصعيدًا: إذا انحدرت منه، وأصعد من بلد كذا إلى بلد كذا إصعادًا: إذا سافر من بلد سُفْلى إلى بلد عُليا (١)، وقال أبو عمرو: أصعد في البلاد إصعادًا: ذهب أينما توجه، وصَعِد بالكسر، وأصعد إصعادًا: إذا ارتقى شَرَفًا. انتهى (٢).
(مَشَى) أي: سار على السكون، يعني أنه لما بلغ المكان المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه.
قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرّة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعيّ وموافقيه، وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكِر، والثانية: تجب عليه إعادته. انتهى (٣).
(حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) زاد في رواية أحمد: "فرَقِي عليها حتى نظر إلى البيت" (فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) أي: مثل ما فعله عليه، من الرُّقيّ، واستقبال القبلة، والذكر والدعاء، قال النوويّ ﵀: فيه أنه يسنّ عليها من الذكر والدعاء والرُّقيّ مثل ما يسنّ على الصفا، وهذا متفق عليه. انتهى (٤).
(حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ) وفي نسخة: "آخر طوف" بلا ضمير، و"كان" هنا تامّة؛ أي: وُجد (عَلَى الْمَرْوَةِ) متعلّق بـ "كان"، وفي رواية لأحمد، وابن الجارود: "فلما كان السابع عند المروة".
стр. 13477
قال النوويّ ﵀: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ والجمهور: أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحسَب مرّةً، والرجوع إلى الصفا ثانيةً، والرجوع إلى المروة ثالثةً، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يُحْسَب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يَرُدّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. انتهى، وهو تعقّبٌ جيّدٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ) جواب "إذا"، زاد في رواية لأحمد، وابن الجارود: "يا أيها الناس" ("لَوْ أَنِّي استَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي) أي: لو علمت في قُبُلٍ من أمري (مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: ما علمته في دُبُرٍ منه، والمعنى: لو ظهر لي هذا الأمر الذي ظهر لي الآن وأمرتكم به في أول أمري، وابتداء خروجي (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) بضمّ السين المهملة؛ أي: ما جعلت عليّ هديًا، وأشعرته، وقلّدته، وسُقته بين يديّ، فإنه إذا ساق الهدي لا يتحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر، فلا يصحّ له فسخ الحجّ بعمل العمرة، بخلاف من لم يسق معه هديًا، فإنه يفسخ الحجّ، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتّعًا.
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت … إلخ" هذا يرُدّ على من قال: إن النبيّ ﷺ أحرم متمتعًا، ويدل على أنه إنما أحرم بما أحرم به مختارًا له، وإنه خُيّر في أنواع الاحرام الثلاثة، ولم يُعَيّن له واحد منها؛ فأمر به، ولكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثم إنه لما أمر أصحابه بالتحلل بعمل العمرة، فتوقفوا لأجل أنه لم يتحلل هو، أخبرهم بسبب امتناعه، وهو: سوقه الهدي، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من المصلحة التي اقتضت أن أباح لهم فسخ الحج، وأنه لو ظهر له من ذلك قبل إحرامه ما ظهر له بعده، لأحرم بعمرة حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من إيقاع العمرة في أشهر الحج. انتهى (١).
وقال الخطّابيّ ﵀: إنما أراد رسول الله ﷺ بهذا القول لأصحابه؛
стр. 13478
تطييبًا لقلوبهم، وذلك أنه كان يشقّ عليهم أن يحلّوا، ورسول الله ﷺ مُحرِم، ولم يُعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ويتركوا الاقتداء به، فقال عند ذلك القولَ؛ لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم إليه، قال: وقد يستدلّ بهذا الحديث من يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من الإفراد والقران.
قال الطيبيّ: ولعلّهم إنما شقّ عليهم؛ لإفضائهم إلى النساء قبل انقضاء المناسك، كما ورد في حديث جابر قالوا: "فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيّ"، وأشاروا إلى مذاكيرهم.
وقال البيضاويّ: إنما قال ذلك تأسيسًا للتمتّع، وتقريرًا لجواز العمرة في أشهر الحجّ، وإماطةً لما ألِفُوا من التحرّج عنها. انتهى (١).
(وَجَعَلْتُهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً) أي: كنت متمتّعًا من أول الأمر من غير سوق الهدي، وقال القاري؛ أي: جعلت إحرامي بالحج مصروفًا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقةً.
وقال ابن القيّم ﵀ في شرح قوله ﷺ : "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت … إلخ": يعني أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة، ولم يسق الهدي؛ لأن الذي استدبره هو الذي فعله ومضى، فصار خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعدُ، بل هو أمامه، فمقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدي.
وقال النوويّ ﵀: في الحديث دليل على جواز قول "لو" في التأسّف على فوات أمر الدين، ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن "لو" تفتح عمل الشيطان، فمحمول على التأسّف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثُرت الأحاديث الصحيحة في استعمال "لو" في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيُجمَع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ) الفاء جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر ما
стр. 13479
ذكرت من أني سُقت الهدي، فمن كان منكم (لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ) بسكون الدال وتخفيف الياء، وكسرها وتشديد الياء (فَلْيَحِلَّ) بكسر الحاء، وفي رواية عند أحمد: "فليحلل" بسكون الحاء؛ أي: ليصر حلالًا، وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وَلْيَجْعَلْهَا) أي: الحجة (عُمْرَةً") إذ قد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج، والواو لمطلق الجمع؛ إذ الجعل مقدّم على الخروج؛ لأن المراد من الجعل الفسخ، وهو أن يفسخ نيّة الحجّ، ويقطع أفعاله، ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة، أو الواو للعطف التفسيريّ، قاله القاري ﵀.
وفي رواية عطاء عن جابر عند الشيخين، "فقال: أحلّوا من إحرامكم"؛ أي: اجعلوا حجكم عمرةً، وتحلّلوا منها بالطواف والسعي، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا، وأقيموا حلالًا، حتى إذا كان يوم التروية، فأهلُّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدِمتم بها مُتعةً، قال الحافظ؛ أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرةً تتحلّلون منها، فتصيرون متمتّعين، فأطلق على العمرة متعةً مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة. انتهى (١).
(فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضم الجيم، وضمّ الشين المعجمة، وفتحها، كما ذكره الجوهريّ وغيره، تقدّمت ترجمته في الباب الماضي، زاد في رواية أحمد، وابن الجارود: "وهو في أسفل المروة" (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟) الإشارة إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة، كما هو ظاهر سياق الحديث، وقال به المحقّقون، أو الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ، أو مع الحجّ، كما قال الأكثرون؛ أي: هل يختصّ هذا بهذه السنة، أم هو إلى الأبد؛ أي: للحال والاستقبال، وفي رواية النسائيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ: "أرأيت عمرتنا - وفي لفظ: متعتنا - ألعامنا هذا أم للأبد؟ ".
قال القرطبيّ ﵀: وقول سراقة بن جُعْشُم: "أَلِعَامِنا هذا أم لأبد؟ .. إلخ" ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحج في العمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقًا مُؤبّدًا، وليس مخصوصًا بالصحابة، وبهذا استدل من قال
стр. 13480
بجواز ذلك مطلقًا، وهم أهل الظاهر، وقد صرف هذا الظاهر الجمهور إلى: أن السؤال إنما كان عن فِعْل العمرة في أشهر الحج، فاجاب بذلك، وعلى هذا: فيكون معنى "دخلت العمرة في الحج"؛ أي: في أشهر الحج. وقيل: دخلت العمرة في الحج؛ أي: في حق القارن، والذي حملهم على هذه التأويلات ما تقدَّم من أن الأصل وجوب الإتمام لما دخل فيه من الحج والعمرة، وأن الصحابة قد قالوا: إن ذلك كان مخصوصًا بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن ما دلّ عليه الظاهر من أن المراد فسخ الحج إلى العمرة، وأن ذلك ليس خاصًّا بالصحابة هو الحقّ؛ لظهور أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى) "واحدةً" منصوب بعامل مضمر؛ أي: جاعلًا واحدةً من الأصابع في الأخرى، والحال مؤكّدة (وَقَالَ) ﷺ ("دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ) زاد في رواية أحمد، وابن الجارود: "إلى يوم القيامة" (مَرَّتَيْنِ) أي: قال ذلك مرّتين، وقوله: (لَا) أي: ليس لعامنا هذا فقط، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "لا" هو جواب عن السؤال، وهو مشكلٌ؛ لأن السؤال بـ "أم" المعادلة إنما يُتلقّى في الجواب بأحد المتعادلين المستويين على التعيين، فالوجه أن يُحمَل على التشديد، وأن يقدّر: ليس لعامك هذا، بل أبد أبد، وتكرير "أبد" ينصر ما ذكرنا من التشديد، كما إذا سأل سائل عن الأمر الثابت بـ "أم" المتّصلة، فيكون الردّ لإيراد أم في غير موقعه، وقد سبق مثله في قوله ﷺ : "كلّ ذلك لم يكن" جوابًا عن سؤال ذي اليدين: "أقُصِرت الصلاة، أو نسيت؟ ". انتهى (٢).
(بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ") بالتنوين مكرّرًا للتأكيد، أو بإضافة الأول إلى الثاني، وفي بعض النسخ: "لأبدِ الأبدِ"، والأبد: الدهر؛ أي: هذا لآخر الدهر، وزاد في رواية أحمد، وابن الجارود: "ثلاث مرّات"، يعني أن ذلك جائز في كلّ عام،
стр. 13481
لا يختصّ بعام دون عام إلى يوم القيامة، وكرّر ذلك ثلاث مرّات للتأكيد، وشبّك بين أصابعه إشارة إلى اشتراك الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها.
[تنبيه]: قد اختلف العلماء في سؤال سُراقة هذا:
فقال بعضهم: المراد منه الإتيان بالعمرة في أشهر الحجّ.
وذهب آخرون إلى أن المراد بذلك القران، يعني اقتران الحج بالعمرة.
وقال آخرون: المراد منه فسخ الحجّ إلى العمرة.
فعلى الأول يكون معنى قوله ﷺ : "دخلت العمرة في الحجّ" أي: حلّت العمرة في أشهر الحجّ وصحّت، والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهليّة من أن العمرة لا تجوز في أشهر الحجّ، وعليه الجمهور.
وعلى الثاني: دخلت العمرة في الحجّ؛ أي: اقترنت به، لا تنفكّ عنه لمن نواهما معًا، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ حتى يتحلّل منهما معًا، قيل: ويدلّ عليه تشبيك أصابعه.
وتُعُقّب بأنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب، فتدبّر.
وعلى الثالث؛ أي: دخلت نيّة العمرة في نيّة الحجّ، بحيث إن من نوى الحجّ صحّ له الفراغ منه بأفعال العمرة، قال النوويّ: وهو ضعيف، وقال القاري بعد ذكره: أقول: هذا هو الظاهر من سياق الحديث، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ: وتُعُقّب - أي: قول النووي - بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك، حتى يتناول التأويلات المذكورة. انتهى.
وقيل: معنى دخولها في الحجّ سقوط وجوب العمرة بوجوب الحجّ، قال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل.
قال صاحب "المرعاة": قلت: حديث جابر ﵁ هذا صريح في أن سؤال سراقة ﵁ عن فسخ الحجّ إلى العمرة، وجواب النبيّ ﷺ له يدلّ على تأييد مشروعيّته كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، ومعنى فسخ الحجّ إلى العمرة أن من أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا، ولم يسق الهدي، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة له أن يفسخ نيّته بالحجّ، وينوي عمرة مفردةً، فقصّر، ويتحلّل من إحرامه؛ ليصير متمتّعًا. انتهى كلام صاحب "المرعاة".
стр. 13482
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب "المرعاة" ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وحاصله أن حمل حديث جابر ﵁ هذا على أن المراد به هو فسخ الحج إلى العمرة هو الصواب؛ لأنه صريح في ذلك، وأما ما عداه من التأويلات فضعيف؛ إذ يردّه سياق السؤال والجواب، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، فتبصّر بالإنصاف، وقد تقدّم تحقيق ذلك بأدلّته في الباب الماضي، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
(وَقَدِمَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالب ﵁ (مِنَ الْيَمَنِ) لأنه ﷺ كان بعثه إليها، قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح أن رسول الله ﷺ كان بعث عليًّا إلى نجران، فلقيه بمكة، وقد أحرم، وفي رواية عطاء، عن جابر السابقة: "فقدم عليّ من سعايته"، وتقدم البحث فيها. (بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ) بضمّ الموحّدة، وسكون الدال: جمع بدنة بفتحتين، وهي تقع على الجمل والناقة، وتطلق على البقرة أيضًا، وسُمّيت بذلك؛ لعظمها وسِمَنها.
ونُسبت للنبيّ ﷺ لأن عليًّا ﵁ اشتراها له، لا أنها من السعاية على الصدقة، كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعًا وثلاثين بدنةً، وكان عدد الهدي الذي ساقه النبيّ ﷺ معه من المدينة ثلاثًا وستين بدنةً، كما جاء في رواية الترمذيّ، وأعطى عليًّا البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة، قال الزرقانيّ: ظاهر قوله: "قدم عليّ من اليمن ببدن النبيّ ﷺ " أن البدن للنبيّ ﷺ ، وفي رواية النسائيّ، وأحمد، وابن الجارود: "قدِم عليّ من اليمن بهدي، وساق النبيّ ﷺ من المدينة هديًا"، وظاهره أن الهدي كان لعليّ ﵁، فيَحْتَمل أن عليًّا قَدِمَ من اليمن بهدي لنفسه، وهدي النبيّ ﷺ ، فذكر كلّ راو واحدًا منهما. انتهى، وسيأتي مزيد البحث في هذا عند ذكر نحر هذه البُدْن - إن شاء الله تعالى - (١).
(فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ) أي: من النساء اللاتي تحلّلن عن حجهنّ بأفعال المرأة حيث أمر ﷺ بذلك كل من معه من الرجال والنساء، ممن لم يسق الهدي، وكانت فاطمة ﵂ ممن لم يسقه (وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا) بفتح
стр. 13483
الصاد، وكسر الموحّدة، فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مصبوغًا بما لا يحلّ للنساء لبسه في الإحرام، وهو ما صُبغ بورس أو زعفران، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم، وصححه، من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ "نهى النساء في إحرامهنّ عن القفازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب، مُعَصْفَرًا، أو خَزًّا، أو حُلِيًّا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خُفًّا"، وهو حديث صحيح.
(وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا) أي: ظنًّا منه أنه لا يجوز ذلك لها، وفيه إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها.
قال القرطبيّ ﵀: وإنكار عليٍّ على فاطمة ﵄ تحللها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمت بالحج، وأنها تحللت منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبيّ ﷺ بالتحلل؛ لأنها لم تَسُق الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهدي. انتهى (١).
(فَقَالَتْ) فاطمة ﵂ (إِنَّ أَبِي) النبيّ ﷺ (أَمَرَنِي بِهَذَا) أي: حيث أمرهم بالتحلّل، فقالوا له: أي الحلّ؟ فقال: "الحلّ كلُّه"، فدخل فيه جميع محظورات الإحرام، من لبس الصبيغ وغيره (قَالَ) أي: جعفر بن محمد، عن أبيه (فَكَانَ عَلِيُّ) ﵁ (يَقُولُ بِالْعِرَاقِ) أي: حينما ذهب إلى العراق، في خلافته ﵁، وقوله: (فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) مقول "يقول" (مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ) حال من الفاعل، والتحريش: الإغراء، والمراد به هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها (لِلَّذِي صَنَعَتْ) متعلّق بـ "مُحرّشًا"؛ أي: لأجل الأمر الذي صنعته، من لبس الصبيغ ونحوه، مما ينافي الإحرام، وقوله: (مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) حال أيضًا، إما مترادف، أو متداخلٌ؛ أي: طالبًا منه أن يُفتني (فِيمَا ذَكَرَتْ) أي: فاطمة ﵂ (عَنْهُ) ﷺ ، مما زعمت أنه أمرها به (فَأَخْبَرْتُهُ) ﷺ ("أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا) ظنًّا مني أنها فعلت محظورات الإحرام (فَقَالَ) ﷺ ("صَدَقَتْ) أي: في قولها: "إن أبي أمرني بهذا"، وقوله: (صَدَقَتْ) كرّره تأكيدًا، وكرّره في رواية النسائيّ ثلاث مرّات.
стр. 13484
قال ﷺ لعليّ ﵁: (مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ ") أي: ألزمته نفسك بالنيّة والتلبية، وفي رواية لأحمد، وابن الجارود: "وقال لعليّ: بم أهللت؟ "؛ أي: بأيّ شيء نويت حين أحرمت: بحجّ، أو عمرة، أو بهما؟
قال القرطبيّ ﵀: وقوله ﷺ لعليّ ﵁: "بم أهللت؟ " يدل على أنه لم يكن عنده خبر مما يُحرم به النبيّ ﷺ ، ولم يتقدَّم له فيه عهد منه، وأنَّ عليًّا ﵁ هو الذي ابتدأ إحرامه محالًا به على إحرام النبيّ ﷺ من غير تعيين حجّ ولا عمرة، وأنه ﷺ أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حجة على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشافعي، وأُخِذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعيَّن، وسيأتي. انتهى (١).
(قَالَ) عليّ ﵁ (قُلْتُ: اللَّهمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ) ﷺ ، فيه أنه يصحّ الإحرام معلّقًا، وهو أن يُحرم إحرامًا كإحرام فلان، وقد سبق شرحه في الباب الماضي (قَالَ) ﷺ ("فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ) بسكون ياء "معي"، وفتحها، والمعنى: أنك إذا علّقت إحرامك بإحرامي، فإني أحرمت بالحجّ والعمرة، ولا أقدر أن أتحلّل؛ لأن معي الهديَ (فَلَا تَحِلُّ") "لا" ناهية، والفعل مجزوم، أو نافية، والفعل مرفوع، لكن المراد به النهي؛ أي: لا تحلّ أنت بالخروج من الإحرام، كما لا أحلّ أنا حتى يبلغ الهدي محلّه، وفي رواية: "فأَهْد، وامكث حرامًا كما أنت".
(قَالَ) جابر ﵁ (فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي) أي: من الإبل، و"الهدي" بالتشديد، والتخفيف: ما يُهدى إلى البيت الحراَم من النعم؛ ليُنحر عنده (الَّذِي قَدِمَ بِهِ) أي: بذلك الهدي (عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ) أي: للنبيّ ﷺ (وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) زاد في رواية أبي داود، والنسائيّ وابن ماجه: "من المدينة" (مِائَةً) وفي رواية الدارميّ: "مائة بدنة" (قَالَ) جابر ﵁ (فَحَلَّ النَّاسُ) المراد من لم يكن معه هديٌ؛ أي: خرجوا من الإحرام بأفعال العمرة، وقوله: (كُلُّهُمْ) أي: معظمهم، قال النوويّ ﵀: فيه إطلاق اللفظ العام، وإرادة الخصوص؛ لأن عائشة ﵂ لم تحلّ، مع كونها لم تسق الهدي (وَقَصَّرُوا) قال الطيبيّ ﵀:
стр. 13485
وإنما قصّروا مع أن الحلق أفضل؛ لأن يبقى لهم بقيّة من الشعر حتى يُحلق في الحجّ. انتهى، وليكونوا داخلين في المقصّرين والمحلّقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة، كذا في "المرقاة"، وقال المحبّ الطبريّ ﵀: فيه دليلٌ على استحباب التقصير للمتمتّع، وتوفير الشعر للحلق في الحجّ، ويُشبه أن يكون ذلك عن أمر النبيّ ﷺ ؛ إذ عنه يأخذون مناسكهم، وبه يقتدون، وبذلك أمرهم، فقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، وقوله: (إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ ) استثناء من "الناس" (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) عطف على المستثنى (فَلَمَّا كَانَ) تامّة؛ أي: جاء (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) بفتح التاء، وسكون الراء المهملة، وكسر الواو، وتخفيف الياء، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة سُمّي بذلك؛ لأن الحجاج كانوا يرتوون فيه من الماء؛ لبُعده؛ أي: يستقون، ويسقون إبلهم فيه استعدادًا للوقوف بعرفة؛ إذ لم يكن في عرفات ماء، وقيل: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحجاج تسقيهم، وتُطعمهم، فيروون منه، وقيل: لأن الإمام يروي فيه للناس أمر مناسكهم، وقيل: لأن إبراهيم الخليل ﵇ تَرَوَّى فيه؛ أي: تفكر في ذبح ولده، وأنه كيف يصنع؟ حتى جزم عزمه يوم العاشر بذبحه.
[فائدة]: للأيام الستّة من ذي الحجة أسماء على التوالي، فاليوم الثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم الْقَرّ - بفتح القاف، وتشديد الراء - لأنهم يستقرّون فيه بمنى، والثاني عشر يوم النَّفْر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، والله تعالى أعلم (١).
(تَوَجَّهُوا) أي: أرادوا التوجّه (إِلَى مِنًى) يُنوّن، وقيل: لا يُنوّن، فيُكتب بالألف، سُمّيت به؛ لأنه يُمنى الدماء في أيامها؛ أي: يُراق، ويُسفك، أو لأنه يُعطى الحجاج مناهم بإكمال أفعال الحج فيها (فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ) أي: من البطحاء، كما في رواية لأحمد، والشيخين، والطحاويّ، والبيهقيّ، يعني أنه أحرم به من كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة، وفي رواية لأحمد: "حتى كان يوم التروية، وأرادوا التوجّه إلى منى أهلّوا بالحجّ".
وقال المحبّ الطبريّ: فيه بيان وقت إهلال أهل مكة، والمتمتّعين، وفيه
стр. 13486
إشارة إلى أن المحرم من مكة لا يُقدّم طوافه وسعيه؛ لأنه إذا اشتغل بذلك لا يُسمّى متوجّهًا.
وقال النوويّ: والأفضل عند الشافعيّ وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ أحرم يوم التروية؛ عَمَلًا بهذا الحديث، وسبق بيان مذاهب العلماء فيه، وفي هذا بيان أن السنة أن لا يتقدّم أحد إلى منى قبل يوم التروية، وقد كَرِهَ مالك ذلك، وقال بعض السملف: لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف السنة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "توجهوا إلخ"؛ أي: قَصَدوا، وأخذوا في الأهبة إلى منى، لا أنَّهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها، فإن ذلك باطل بإجماع العلماء، على أنَّهم أحرموا من مكة، والمستحبّ عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج أن يكون إحرامه من مكة متصلًا بسيره إلى منى يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، واستدل بعضهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة؛ ليلحقهم من الشَّعَث إلى وقت الحج ما يلحق غيرهم.
والقولان عن مالك، وقد تقدَّم في حديث ابن عمر ﵄. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الإهلال قبل يوم التروية لمن بمكة مخالف للسنّة، كما في هذا الحديث، وحديث ابن عمر ﵄ المتقدّم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: حين طلوع الشمس من يوم التروية، وسار من مكة إلى منى (فَصَلَّى بِهَا) أي: بمنى في موضع مسجد الخيف (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ) أي: كلّ صلاة لوقتها المعتاد.
قال القرطبيّ ﵀: وقوله: "فصلَّى بها الظهر … إلخ"، يعني: أنه ﷺ صلَّى كل صلاة في وقتها، غير مجموعة، كما توهمه بعضهم، ممن لا يعرف، وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا؛ لِيُعْلَم الوقت الذي وصل فيه إلى منى، والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين، وقد استحب جميع العلماء
стр. 13487
الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: فيه بيان سُنَنٍ:
إحداها: أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين، أن الركوب أفضل، وللشافعيّ قول آخر ضعيفٌ أن المشي أفضل، وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب، إلا في مواطن المناسك، وهي مكة، ومنى، ومزدلفة، وعرفات، والتردد بينهما.
والسنّة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس.
والثالثة: أن يبيت بمنى هذه الليلة، وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة، ليس بركن، ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع. انتهى.
وقال ابن المنذر ﵀: هذا المبيت أجمع أهل العلم على الفرق بينه وبين مبيت ليالي منى، فأوجبوا على تارك ذلك ما أوجبوا، ولم يوجبوا على تارك المبيت بمنى ليلة عرفة؛ أي: ليلة التاسع من ذي الحجة شيئًا. انتهى (٢).
(ثُمَّ مَكَثَ) بفتح الكاف، وضمّها؛ أي: لبِثَ بعد أداء الفجر (قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه.
(وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ) عطف على "رَكِبَ"، أو حال؛ أي: وقد أَمَر بضرب خيمة بنَمِرة قبل قدومه إليها (مِنْ شَعَرٍ) بفتح العين وسكونها (تُضْرَبُ لَهُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لقُبّة، أو حال (بِنَمِرَةَ) بفتح النون، وكسر الميم، وهو غير منصرف، موضع على يمين الخارج من مأزمي (٣) عرفة إذا أراد الموقف، وليس من عرفة.
стр. 13488
وقال النوويّ ﵀: "نَمِرَةُ" بفتح النون، وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم، مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: هو موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منى إلى الموقف. انتهى.
وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، قال النوويّ ﵀: ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها - إن شاء الله تعالى - وفيه جواز اتخاذ القباب، وجوازها من شعر. انتهى.
(فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: من منى إليها (وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) قال الزرقانيّ في "شرح المواهب": ظاهره أنه ليس لقريش شكّ في شيء إلا في وقوفه عند المشعر، فإنهم يشكّون فيه، وليس المراد ذلك، بل عكسه، وهو أنهم لا يشكّون في أنه ﷺ سيقف عند المشعر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به، ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبيّ: الأظهر في "إلا" أنها زائدة، و"أنّ" في موضع النصب على إسقاط الجارّ؛ أي: ولا تشكّ قريش في أنه واقف عند المشعر. انتهى.
وقيل: الشك هنا بمعنى الظنّ، أي: لا تظنّ قريش إلا أنه يقف عند المشعر؛ لأنه من مواقف الْحُمْس، وأهلِ حرم الله.
وقال الطيبيّ ﵀ أي: ولم يشكوا في أنه خالفهم في سائر مناسك الحج إلا الوقوف عند المشعر الحرام، فإنهم لم يشكّوا في المخالفة، بل تحقّقوا أنه ﷺ يقف عند المشعر الحرام؛ لأنه من مواقف الْحُمْس، وأهل الحرم. انتهى (٢).
(كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال النوويّ ﵀: معنى هذا أن
стр. 13489
قريشًا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة، يقال له: قُزَحُ، وقيل: إن المشعر الحرام كل المزدلفة، وهو بفتح الميم على المشهور، وبه جاء القرآن، وقيل: بكسرها، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة، ويَقِفون بعرفات، فظنّت قريش أن النبيّ ﷺ يقف في المشعر الحرام على عادتهم، ولا يجاوزه، فتجاوز ﷺ إلى عرفات؛ لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]؛ أي: سائر العرب، غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة؛ لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. انتهى (١).
(فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: جاوز المزدلفة، ولم يقف بها، بل توجّه إلى عرفات، يقال: جاز وأجاز بمعنى واحد، وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلّفه، وقطعه، قال الأصمعيّ: جاز: مشى فيه، وأجازه: قطعه. انتهى (٢).
(حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ) أي: قاربها؛ لأنه فسّره بقوله: "فوجد القبّة قد ضُربت بنمرة، فنزل بها"، وقد سبق أن نمرة ليس من عرفات، وقد قدّمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جمعًا خلاف السنّة، قاله النوويّ ﵀ (٣).
وقال الطبريّ: الظاهر أن المراد بإتيان عرفة القرب منها، فإن نَمِرة دونها، وسُمِّيت عرفة بذلك لتعريف جبريل إبراهيم المناسك، وقيل: لمعرفة آدم حوّاء هناك، أو لتعارف الناس، أو لاعترافهم بذنوبهم، وقيل: إن إبراهيم؛ رأى ليلة التروية ذبح ولده، فتروّى يومه، وعرف في الثاني، ونحر في الثالث، فسُمّيت الأيام بذلك.
(فَوَجَدَ الْقُبَّةَ) أي: الخيمة (قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: بُنيت لأجله (بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا) أي: بتلك القبّة، وفيه جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها (حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) "حتى" غاية لنزوله؛ أي: نزل بها، واستمرّ فيها إلى أن مالت الشمس، وزالت عن كَبِد السماء من جهة الشرق إلى جهة
стр. 13490
الغرب (أَمَرَ) بالبناء للفاعل، جواب "إذا" (بِالْقَصْوَاءِ) أي: بإحضارها، ورَحْلها، والقصواء اسم ناقته ﷺ ، وقد تقدّم ضبطها، وشرحها في أول شرح الحديث (فَرُحِلَتْ لَهُ) بالبناء للمفعول، مخفّفًا؛ أي: شُدّ على ظهرها الرحل؛ ليركبها ﷺ ، والرحل - بفتح، فسكون - في الأصل: كلُّ شيء يُعدّ للرّحيل، من وِعاء للمتاع، ومَرْكب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أَرْحُلٌ ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس وسِهَامٍ (١).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "فرُحلت له" أي: أمر بوضع الرحل على القصواء، ففُعِل، تقول: رَحَلتُ البعيرَ أرحله رَحْلًا: إذا شددت على ظهره الرحلَ، قال الأعشى [من الكامل]:
رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غُدْوَةً أَجْمَالَهَا … غَضْبَى عَلَيْكَ فَمَا تَقُولُ بَدَا لَهَا (٢)
(فَأَتَى) أي: فركبها ﷺ ، فأتى (بَطْنَ الْوَادِي) هو وادي عُرَنة - بضمّ العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون، وزانُ رُطَبَة، وفي لغة بضمّتين: موضع بين منى وعرفات، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣)، قال النوويّ ﵀: وليس من عرفات عند الشافعيّ، والعلماء كافّةً، إلا مالكًا، فقال: هي من عرفات. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: "بطن الوادي": المنخفض منه، ويعني به وادي عُرنة المعروف هناك، وهو موضع مُتَّسَعٌ جامع، ولذلك خصّه ﷺ بخطبته، والله تعالى أعلم. انتهى (٤).
(فَخَطَبَ النَّاسَ) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية، ومذهب الشافعي أن في الحجّ أربعَ خُطَب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التي ببطن عُرَنة يوم عرفات، والثالثة: يوم النحر، والرابعة يوم النَّفْر الأَوَّل، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكلُّ هذه الخطب أفراد، وبعد
стр. 13491
صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويُعَلّمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فخطب الناس" دليل لمالك وجميع المدنيين والمغاربة؛ إذ قالوا: ليوم عرفة خطبة قبل الصلاة، يُذَكِّر الناس فيها، ويُعَلِّمُهم ما يستقبلون من الوقوف وغيره من المناسك، وهو أيضًا حجة على الشافعيّ، وأبي حنيفة؛ إذ قالا: ليست عرفة بموضع خطبة، وهو قول العراقيين من أصحابنا.
وخطب الحج عندنا ثلاثة:
يوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام، يذكّر الناس، ويحلّمهم أحكام إحرامهم، ويحضهم على الخروج إلى منى.
والثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائل بها، وأجمعوا: على أنه لو صلَّى ولم يخطب فصلاته جائزة.
والثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكام الرمي والتعجيل. انتهى (٢).
وقال الزرقانيّ ﵀: في الحديث أنه يستحبّ للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور، والمدنيون والمغاربة من المالكيّة، وهو المشهور، فقول النوويّ: خالف فيها المالكيّة، فيه نظرٌ إنما هو قول العراقيين منهم، والمشهور خلافه، واتّفق الشافعيّة أيضًا على استحبابها خلافًا لما تَوَهَّمه عياض والقرطبيّ. انتهى (٣).
(وَقَالَ) ﷺ في خطبته تلك ("إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ) زاد في حديث ابن عبّاس عند أحمد، والبخاريّ، والترمذيّ، والبيهقيّ، وفي حديث ابن عمر عند البخاريّ: "وأعراضكم"، والْعِرْضُ بكسر العين: موضع المدح والذمّ من الإنسان، سواء كان في نفسه، أو في سلفه، قال الحافظ: هذا الكلام على
стр. 13492
حذف مضاف: أي: سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وثَلْبُ أعراضكم. انتهى.
وقيل: المعنى: إن انتهاك دمائكم، وأموالكم، وأعراضكم، قيل: وهذا أولى مما ذكره الحافظ؛ لأن ذلك إنما يحرُم إذا كان بغير حقّ، فلا بُدّ من التصريح به، فلفظة "انتهاك" أولى؛ لأن موضوعها بتناول الشيء بغير حقّ.
(حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) قال الزرقانيّ: معنى الحديث: إن دماء بعضكم على بعض حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كلّ واحد حرام عليه نفسِه، ومال كلّ واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع، والمعنى فيه مفهوم، ولا يبعد إرادة المعنى الثاني، أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه: تحريم تصرّفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله وليّ الدين العراقيّ (١).
(كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) أي: متأكّدة التحريم شديدته كحرمة يومكم هذا، يعني يوم عرفة (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) يعني ذا الحجة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) يعني مكة، وإنما شبّهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحتها، وانتهاك حرمتها بحال.
وقال النوويّ ﵀: معناه: متأكّدة التحريم، شديدته، وفي هذا دليلٌ لضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا. انتهى (٢).
وقال ابن المنيّر: قد استقرّ في القواعد أن الأحكام لا تتعلّق إلا بأفعال المكلّفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر: تحريم أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض، فيكون المعنى إذًا من تشبيه الشيء بنفسه.
وأجاب بأن المراد أن هذه الأفعال في غير هذا البلد، وهذا الشهر، وهذا اليوم مغلّظة الحرمة، عظيمةٌ عند الله، فلا يستسهل المعتدي كونه تعدى في غير البلد الحرام، والشهر الحرام، بل ينبغي له أن يخاف خوف من فعل ذلك في البلد الحرام، وإن كان فعل العدوان في البلد الحرام أغلظ، فلا ينفي كون ذلك في غيره غليظًا أيضًا، وتفاوت ما بينهما في الغلظ لا ينفع المعتدي في غير البلد الحرام، فإن فرضناه تعدّى في البلد الحرام فلا يستسهل حرمة
стр. 13493
البلد، بل ينبغي أن يعتقد أن فعله أقبح الأفعال، وأن عقوبته بحسب ذلك، فيُراعي الحالتين. انتهى.
وقال الزرقانيّ: وفي تقديم اليوم على الشهر، وهو على البلد الترقّي، فالشهر أقوى من اليوم، وهو ظاهر في الشهر؛ لاشتماله على اليوم، فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد فلأنه محرم في جميع الشهور، لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختصّ به، فهو أقوى منه. انتهى.
وقال الحافظ: وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّة ضَرْبِ الْمَثَل، وَإِلْحَاق النَّظِير بِالنَّظِيرِ؛ لِيَكُونَ أَوْضَحَ لِلسَّامِع، وَإِنَّمَا شَبَّه حُرْمَة الدَّم وَالْعِرْض وَالْمَال بِحُرْمَةِ الْيَوْمِ وَالشَّهْر وَالْبَلَد؛ لِأَنَّ المُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ تِلْكَ الْأَشْيَاء، وَلَا يَرَوْن هَتْكَ حُرْمَتِهَا، وَيَعِيبُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدّ الْعَيْب. انتهى (١).
وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله: "كحرمة يومكم" وما بعده ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم، مُقَرّرًا عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يَرِدُ كون المشبه به أخفض رتبةً من المشبه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. انتهى (٢).
وقال التوربشتيّ: أراد أموال بعضكم على بعض، إنما ذكره مختصرًا؛ اكتفاء بعلم المخاطبين، حيث جعل "أموالكم" قريبة "دماءكم"، وإنما شبّه ذلك في التحريم بيوم عرفة، وبذي الحجة، وبالبلد؟ لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرّمة أشدّ تحريم، لا يستباح منها شيء، وفي تشبيهه هذا مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيدٌ لحرمة تلك الأشياء التي شُبّه بتحريمها الدماء والأموال. انتهى.
وقال الطيبيّ: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به؛ لأنهم عالمون بحرمة الثلاث، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾
стр. 13494
الآية [الأعراف: ١٧١] كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهليّة في غير الأشهر الحرم، ويحرّمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرّمة عليكم أبدًا، كحرمة يومكم، وشهركم، وبلدكم، ثم أتبعه بما يؤكّده تعميمًا من قوله: "ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع". انتهى (١).
(أَلا) بالفتح، والتخفيف: أداة استفتاح وتنبيه (كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) يعني الذي أحدثوه، والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره قبل الإسلام (تَحْتَ قَدَمَيَّ) بتشديد الياء بصيغة التثنية (مَوْضُوعٌ) أي: مردود وباطلٌ حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين، قال في "اللمعات": يَحْتَمِل أن يكون قوله: "موضوع"، وقوله: "تحت قدميّ" خبرين، أو الخبر هو "موضوعٌ"، و"تحت" ظرف له، وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم: إبطاله وتركه.
وقال القاري؛ أي: هو كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن إبطاله، والمعنى: عفوت عن كل شيء فعله رجل قبل الإسلام، وتجافيت عنه، حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدم، تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره: جعلتُ ذلك دُبُر أذني، وتحت قدمي. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وهذا كقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ" (٣)، متّفقٌ عليه.
(وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ) أي: متروكة، لا قصاص ولا دية، ولا كفارة، أعادها للاهتمام، أو ليبني عليه ما بعده من الكلام، قاله القاري.
وقال وليّ الدين العراقيّ: يمكن أنه عطف خاصّ على عامّ؛ لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حقّ، ومنها ما هو باطلٌ، وما يثبت، وما لا يثبت. انتهى (٤).
стр. 13495
(وَإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ) أي: أضعه وأتركه (مِنْ دِمَائِنَا) أي: المستحقة لنا أهلَ الإسلام، كذا قيل، والظاهر أن المراد دماء أقاربنا، ولذا قال الطيبيّ ﵀: ابتدأ في وضع القتل والدماء بأهل بيته وأقاربه؟ ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدّ لباب الطمع بترخص فيه، وقال النوويّ ﵀: في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهليّة، وبيوعها التي لم يتّصل بها قبضٌ، وأنه لا قصاص في قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر ينبغي له أن يبدأ بنفسه، وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام. انتهى (١).
(دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) أي: ابن عبد المطّلب، قال النوويّ ﵀: قال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم، قال الدارقطنيّ: وهو تصحيف، وقيل: اسمه تمام، وممن سماه آدم: الزبير بن بكار، قال القاضي عياض: ورواه بعض رواة مسلم: "دم ربيعة بن الحارث"، قال: وكذا رواه أبو داود، قيل: هو وَهَمٌ، والصواب ابن ربيعة؛ لأن ربيعة عاش بعد النبيّ ﷺ إلى زمن عمر بن الخطاب ﵁، وتأوله أبو عبيد، فقال: "دم ربيعة"؛ لأنه وليّ الدم، فنسبه إليه، وهو حسنٌ ظاهرٌ، وبه تتفق الروايتان (٢).
وربيعة هذا هو ابن عمّ النبيّ ﷺ ، يُكنى أبا أروى، وكان أسنّ من عمّه العباس بسنتين، صحابيّ، روى عن النبيّ ﷺ أحاديث، وتُوُفِّي في أول خلافة عمر، وقيل: في أواخرها سنة ثلاث وعشرين (٣).
(كَانَ مُسْتَرْضِعًا) بصيغة اسم المفعول (فِي بَنِي سَعْدٍ) أي: كان لهذا الابن ظئرٌ تُرضعه من بني سعد (فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ) بهاء مضمومة، فذال معجمة مفتوحة، مصغّرًا، وكان هذا الابن المقتول طفلًا صغيرًا يَحْبُو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر، قاله الزبير بن بكار. انتهى (٤).
стр. 13496
قال وليّ الدين العراقيّ ﵀: ظاهره أنها تعمّدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنوويّ وغيرهما ساكتين عليه، وهو مناف لقوله: "فقتلته هُذيل"؛ لأنهم غير بني ليث؛ إذ هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، كما بيّنه أبو عبيد القاسم بن سلّام في "أنسابه"، كذا في "شرح المواهب"، ذكره في "المرعاة" (١).
(وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ) قال النوويّ ﵀: معناه الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث؛ لأن الربا هو الزيادة، فإذا وُضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضح الردّ والإبطال. انتهى (٢).
وقال وليّ الدين: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهليّة من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنه من إحداثاتهم، وشرعهم الفاسد. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وربا الجا هلية موضوع" الرِّبا: الزيادة، والكثرة لغةً، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمُّونها: بيع الربا، منها: أنهم كانوا إذا حَلّ أجل الدَّين يقول الغريم لرب الدَّين: أنظرني وأزيدك، فيُنظره إلى وقت آخر على زيادة مقررة، فإذا حلّ ذلك الوقت الآخر قال له أيضًا كذلك، وربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم بنذر يسير كان أخذه أوَّل مرة، فأبطل الله تعالى ذلك، وحرَّمه، وتوعَّد عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ … ﴾ الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١]، وردّهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ ذلك رسول الله ﷺ قرآنًا وسنَّة، ووعظ الناس، وذكّرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغة في التبليغ، وبدأ بربا العباس لخصوصيته بالنبيّ ﷺ ليقتدي الناس به قولًا وفعلًا، فيضعون عن غرمائهم ما
стр. 13497
كان من ذلك. انتهى (١).
وقوله: (مَوْضُوعٌ) تقدّم آنفًا أن المراد بوضعه وضع الزائد منه، لا وضع رأس المال، فإنه مردود لصاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩].
(وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ) أي: أبطله، وأتركه (رِبَانَا) أي: ربا أهل الإسلام، أو ربا أهل بيتنا، وهذا أوضح (رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) عم النبيّ ﷺ ، وهو بدل من "ربانا"، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو ربا عباس ﵁، وقوله: (فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) يَحْتَمل عود ضمير "إنه" لربا عبّاس تأكيدًا لوضعه، ويَحْتَمِل أَن يعود لجميع الربا؛ أي: ربا العبّاس موضوع؛ لأن الربا موضوع كلّه، قاله الوليّ العراقيّ.
وإنما ابتدأ في وضع دماء الجاهليّة، ورِباها من بين أهل الإسلام بأهل بيته؛ ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدّ لأبواب الطمع في الترخيص.
(فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ) أي: في حقّهنّ، قال الطيبيّ ﵀: عطف من المعنى على قوله: "إن دماءكم وأموالكم"، يعني فاتّقوا الله في استباحة الدماء، وفي نهب الأموال، وفي النساء، وهي من عطف الإنشائيّ على الإخباريّ بالتأويل، كما عُطف قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ [يس: ٥٩] على قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ﴾ الآية [يس: ٥٥]. انتهى (٢).
وقال الوليّ العراقيّ ﵀: يَحْتَمِل أن الفاء زائدة؛ لأنه في رواية بدونها، وأنها للسببيّة؛ لأنه لَمّا قرّر إبطال أمر الجاهليّة، وكان من جملتها منع النساء من حقوقهنّ، وترك إنصافهنّ أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهنّ، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهليّة اتقوا الله في النساء، وأنصفوهنّ، فإن تركه من أمر الجاهليّة، قال: و"في" تَحْتَمل السببيّة، نحو قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٣٢]، والظرفيّةَ مجازًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٧٩]؛ أي: إن النساء ظرف للتقوى المأمور بها. انتهى.
стр. 13498
قال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على مراعاة حقّ النساء، والوصية بهنّ، ومعاشرتهنّ بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهنّ، وبيان حقوقهنّ، والتحذير من التقصير في ذلك، وقد جمعتها أو معظمها في "رياض الصالحين". انتهى (١).
(فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ) أي: بعهده، وهو ما عَهِد إليكم فيهنّ، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في كثير من الأصول، وفي بعضها: "بأمانة الله".
وقال الزرقانيّ ﵀: أي: بأن الله ائتمنكم عليهنّ، فيجب حفظ الأمانة، وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها الدينيّة والدنيويّة، قال: وفي قوله: "أخذتموهنّ" دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة عند زوجها، وله التصرّف فيها، والسلطنة عليها حسبما بيّنه الشرع، ويوافقه قوله في رواية أخرى: "فإنهنّ عوان عندكم" جمع عانية، وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء، بل هي أسيرة آمنة. انتهى.
وقوله: (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ) في معناه أربعة أقوال:
[الأول]: أن المراد بكلمة الله: أمره، وحكمه، وإباحته الْمُنَزَّلة في كتابه، وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣]، قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيح، ووَجَّه القرطبيّ في "المفهم" إذ قال: فإن حكم الله كلامه المتوجّه للمحكم عليه على جهة الاقتضاء، أو التخيير.
[الثاني]: المراد كلمة التوحيد، "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ إذ لا تحلّ مسلمة لغير مسلم.
[الثالث]: المراد كلمة النكاح التي تُستحلّ الفروج؛ أي: الصيغ التي ينعقد بها النكاح، من الإيجاب والقبول؛ لأن الله تعالى أمر بها.
[الرابع]: المراد قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]، قال الخطّابيّ ﵀: هذا أحسن الوجوه. انتهى (٢).
وقال التوربشيّ ﵀: المعنى: إن استحلالكم فروجهنّ، وكونهنّ تحت أيديكم إنما كان بعهد الله وحكمه، فإن نقضتم عهده، وأبطلتم حكمه انتقم الله
стр. 13499
منكم لهنّ. انتهى (١).
(وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ) أي: من الحقوق، لَمّا ذكر ﷺ استحلال الفروج بكلمة الله تعالى، وعُلم منه تأكّد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كلّ واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحقّ الأزواج؛ لأنهم المخاطبون (أَنْ لَا يُوطِئْنَ) بهمزة، أو بتخفيفها بالإبدال مسند إلى جمع الإناث، من الإيطاء، من باب الإفعال (فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ) أي: تكرهون دخوله في بيوتكم، وعبّر بالفُرُش؛ لأن الداخل يطأ المنزل الذي يدخل فيه.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولكم عليهن ألا يوطئن … إلخ" معناه: ألا يُدخِلن منازلكم أحدًا ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء، الأقرباء والأجانب، قال: ولا يُفهم من هذا الكلام أنه النهي عن الزنى، فإن ذلك محرم مع من يكرهه الزوج ومع من لا يكرهه، وقد قال: "أحدًا تكرهونه"، ثم إنها كانت تكون استعارة بعيدة، وأيضًا: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ. انتهى (٢).
وقال المازريّ ﵀: قيل: المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال، ولم يُرِد زناها؛ لأن ذلك يوجب جلدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج، ومن لا يكرهه.
وقال الخطّابيّ ﵀: معنى الحديث أن لا يأذنّ لأحد من الرجال يدخل، فيتحدّث إليهنّ، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، ولا يرون ذلك عيبًا، ولا يعدّونه ريبةً، فلما نزلت آية الحجاب صار النساء مقصورات، نُهي عن محادثتهنّ، والقعود إليهنّ، وليس المراد بوطئ الفُرُش هنا نفس الزنا؛ لأنه محرّم على الوجوه كلّها، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرّح الشديد، والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرّح. انتهى كلام الخطّابيّ ﵀، ونحوه للقاضي عياض ﵀ (٣).
وقال النوويّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم -: والمختار أن معناه أن لا يأذنّ
стр. 13500
لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا، أو أمرأةً، أو أحدًا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل، أو امرأة، ولا محرم، ولا غيره في دخول منزل الزوج، إلا من عَلِمت، أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا، ولم يترجح شيء، ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول، ولا الإذن. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أن لا يوطئن … إلخ" مشعر بالكناية عن الجماع، فعبّر به عن عدم الإذن مطلقًا تغليظًا وتشديدًا. انتهى (٢).
(فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ) أي: الإيطاء المذكور بدون رضاكم بلفظ صريح، أو بقرائن (فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) أي: ضربًا ليس بشديد، ولا شاقّ، والْبَرْح: المشقة، والضرب الْمُبَرِّح بضم الميم، وفتح الموحدة، وكسر الراء، آخره حاء مهملة: اسم فاعل، من التبريح: وهو الضرب الشديد الشاقّ.
وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب، فإن ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب، ووجبت الكفارة على الضارب (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "غير مبرح" أي: ليس بالحدّ، وإنما هو تأديب، والمبرِّح: الشديد الشاقّ، والبَرْح: المشقة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق. انتهى (٤).
(وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ) أي: وجوبًا (رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) المراد بالرزق النفقة، من المأكول والمشروب، وفي معناه سُكناهنّ (بِالْمَعْرُوفِ) أي: على قدر كفايتهنّ، من غير إسراف، وتقتير، أو باعتبار حالكم فقرًا وغنًى، وفيه وجوب نفقة
стр. 13501
الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالكتاب، والسنّة، والإجماع.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "بالمعروف أي: بما يُعْرَف من حاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث يقول: إن النفقات على الزوجات غير مقدّرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن. انتهى.
(وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ) أي: بينكم (مَا) موصولة، أو موصوفة (لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) أي: بعد تركي إياه فيكم، أو بعد التمسّك به، والعمل بما فيه، ويؤيّد الأول قوله: (إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ) أي: في الاعتقاد والعمل، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيحٌ، وذلك لبيان أن هذا الشيء الذي تركه فيهم شيءٌ جليلٌ عظيمٌ، فيه جميع المنافع الدينيّة والدنيويّة، ثم لَمّا حصل من هذا التشويق التامّ للسامع، وتوجّه إلى استماع ما يَرِد بعده، واشتاقت نفسه إلى معرفته بيّنه بقوله: (كِتَابَ اللهِ) بالنصب بدل، أو بيان لـ"ما"، جزم به بعضهم، فإن كانت الرواية، وإلا فيجوز رفعه على أنه خبر مبتدإ محذوف؛ أي: هو كتاب الله، ولم يذكر السنّة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها؛ لاندراجها تحته، فإن الكتاب هو المبيّن للكل، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، كذا في "شرح المواهب".
وقال القاري ﵀: إنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنة؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، ويلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب. انتهى (١).
(وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية أبي داود، وابن ماجه، والدارميّ، وابن الجارود، والبيهقيّ: "مسئولون" (عَنِّي) أي: عن تبليغي وعدمه، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "تسألون" عطف على مقدّر؛ أي: قد بلّغتُ ما أرسلت به إليكم جميعًا، غير تارك لشيء مما بَعَثني الله به، وأنتم تُسألون عن
стр. 13502
ذلك يوم القيامة: هل بلّغكم محمد ﷺ جميع ما أُمر أن يبلِّغ إليكم؟ كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]؛ أي: إن لم تُبلّغ الجميع ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ لأنك كتمت شيئًا مما أُنزل إليك، فما بلّغت جميع ما أنزل إليك، والفاء في قوله: (فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ") تدلّ على هذا المحذوف؛ أي: إذا كان الأمر على هذا، فبأيّ شيء تجيبون؟ ومن ثَمّ طابق جوابهم السؤال، فأتوا بالألفاظ الجامعة حيث (قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ) ما أنزل إليك (وَأَدَّيْتَ) ما كان عليك (وَنَصَحْتَ) أي: وزدت على ذلك بما نصحتنا من السنن والآداب وغير ذلك.
(فَقَالَ) أي: أشار ﷺ ، ففيه إطلاق القول على الفعل (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أنها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الباء الموحّدة، والعاشرة أُصبوع، بوزن عصفور، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، وقوله: (السَّبَّابَةِ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان لـ "إِصْبَعه"، وهي الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت سبّابةٌ؛ لأنها يشار بها عند السبّ، وقوله: (يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ) في محلّ نصب على الحال من فاعل "قال"؛ أي: رافعًا إياها، أو من السبّابة؛ أي: مرفوعةً.
وقال القرطبيّ: قوله: "يرفعها إلى السَّماء … إلخ" هذه الإشارة منه ﷺ إمَّا إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وأما لعلوّ الله تعالى المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهةٍ. وقد بيّن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ هذا فيه نظر لا يخفى، أولًا قوله: إن السماء قبلة الدعاء، من أين له هذا؟ فإن القبلة للدعاء هي القبلة للصلاة، فإنه ﷺ كان إذا أراد أن يدعو استقبل القبلة، ولم يثبت أنه كان يستقبل السماء، فتبصّر.
وثانيًا قوله: ولا يختص بجهة، مخالف للنصوص الكثيرة الدالّة على أنه في جهة العلو، كقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله ﷺ : "يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل" الحديث، "ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم،
стр. 13503
فيسألهم ربهم … " الحديث، وغير ذلك، مما ورد في "الصحيحين"، وغيرهما، من النصوص الدالّة على أن الله فوق عباده، استوى على العرش، فهو في جهة العلو بلا شكّ، وقد بسطت الكلام في هذا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب وغيره، وبيّنت فيه أن قول القرطبيّ وغيره من المتأخرين في نفي العلو لله تعالى، حتى قال قائلهم:
عَنْ جِهَاتِ السِّتِّ خالٍ
مخالف لمذهب السلف، فلا تلتفت إليه؛ إذ فيه الهلاكُ والتلف، فمذهب السلف أعلم وأحكم، فتمسك به تسلم وتغنم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم.
(وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ) بفتح حرف المضارعة، وسكون النون، وضمّ الكاف، بعدها تاء، من نَكَت الأرض بالقضيب ونحوه: إذا ضرب، فأثّر فيها، وهذا بعيد من معنى الحديث، وقيل: مجاز من الإشارة بقرينة "إلى"، وفي "المرقاة": "وينكتها إلى الناس"؛ أي: يشير بها إليهم، كالذي يضرب بها الأرض، والنكت ضرب رأس الأنامل إلى الأرض، وفي نسخة صحيحة بالموحدة، وفي "النهاية": بالباء الموحدة؛ أي: يميلها إليهم، يريد بذلك أن يُشْهِد الله عليهم، قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "ينكتها" بعد الكاف تاء مثناة من فوقُ، قال القاضي ﵀: هكذا الرواية بالتاء المثنّاة فوقُ، وهو بعيد المعنى، قال: قيل: صوابه "ينكبها" بباء موحدة، قال: ورويناه في "سنن أبي داود" بالتاء المثناة من طريق ابن الأعرابيّ، وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار، ومعناه: يقلبها، ويرَدِّدها إلى الناس، مشيرًا إليهم، ومنه نَكَبَ كنانته: إذا قلبها. انتهى كلام القاضي عياض (١).
قال الطيبيّ تعليقًا على كلام عياض هذا: أراد بقوله: "بعيد المعنى" أنه غير موافق للّغة، قال الجوهريّ: نكت في الأرض بالقضيب: إذا ضرب في الأرض، فأثّر فيها، وفي "المُغرِب": في الحديث: "نكتت خدرها بإصبعها"؛ أي: نقرت، وضربت، هذا إذا استُعمل بـ "في"، أو بالباء، وفي الحديث
стр. 13504
مستعمل بـ "إلى"، فيكون النكت مجازًا عن الإشارة بقرينة "إلى"، وتقديره ما ذكر من قوله: "يقلبها إلى الناس مشيرًا إليهم". انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: "ينكُتُها": روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدَّدة، وضم الباء بواحدة؛ أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت: "يَنْكُبها" مفتوحة الياء، ساكنة النون، وبضم الكاف؛ ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت: "ينكُتُها" باثنتين فوقُ، وهي أبعدها. انتهى (٢).
("اللَّهُمَّ اشْهَدْ) أي: على عبادك بأنهم قد أقرّوا بأني قد بلّغت، والمعنى: اللهم اشهد أنت؛ إذ كفى بك شهيدًا.
وقال الزرقانيّ في "شرح المواهب": فإن قيل: ليس في هذه الخطبة ذكر شيء من المناسك، فيَرُدّ ذلك على قول الفقهاء: يعلّمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى.
وأجيب بأنه ﷺ اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول؛ لأنه أوضح، واعتنى بما أهمّه في الخطبة التي قالها، والخطباء بعده ليست أفعالهم قدوة، ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستُحبّ لهم البيان بالقول، قال: وفيه حجة للمالكيّة وغيرهم أن خطبة عرفة فردة؛ إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين.
وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين فضعيف، كما قاله البيهقيّ وغيره.
روى الشافعيّ بسنده عن جابر ﵁ قال: راح النبيّ ﷺ إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذّن بلالٌ، ثم أخذ النبيّ ﷺ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلال من الأذان، ثم أقام بلالٌ، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر.
قال الشوكانيّ في "النيل": حديث جابر هذا أخرجه أيضًا البيهقيّ، وقال: تفرّد به إبراهيم بن أبي يحيى، وفي حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم ما يدلّ على أنه ﷺ خطب، ثم أذّن بلالٌ، ليس فيه ذكر أخذ النبيّ ﷺ
стр. 13505
في الخطبة الثانية، وهو أصحّ، ويترجّح بأمر معقول، وهو أن المؤذّن قد أُمر بالإنصات للخطبة، فكيف يؤذّن، ولا يستمع الخطبة.
قال المحبّ الطبريّ: وذكر الملا في "سيرته" أن النبيّ ﷺ لما فرغ من خطبته أذّن بلال، وسكت رسول الله ﷺ ، فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلمات، ثم أناخ راحلته، وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعيّ؛ إذ لا يفوت به سماع الخطبة من المؤذّن. انتهى كلام الشوكاني.
وقال الطبريّ بعد ذكر رواية الملا من سيرته ما لفظه: وهذا وإن كان قريبًا مما ذهب إليه الشافعيّ إلا أنه ليس فيه أن الخطبة تكون مع الأذان، ثم إن تلك الكلمات لم يقل: إنها كانت خطبة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالخطبة الثانية مما لا دليل عليه، بل الحديث الصحيح حديث جابر ﵁ هذا ظاهر في أن الخطبة واحدة، وأما ما احتجّ به الشافعيّ ففيه إبراهيم بن أبي يحيى، ضعيف، بل كذّبه بعضهم، وأما ما ذكر في سيرة الملا، فلم يُذكر سنده حتى يُنظر فيه.
والحاصل أن خطبة عرفة خطبة واحدة؟ لهذا الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كرّره للتأكيد عليهم (ثُمَّ أَذَّنَ) ولفظ ابن ماجه، والدارميّ، والبيهقيّ، وابن الجارود: "ثم أذّن بلال"، زاد الدارميّ: "بنداء واحد" (ثمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ) أي: جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عند الحنفيّة، وبعض أصحاب الشافعيّ، وجمع سفر عند الشافعيّ، وأكثر أصحابه، فمن كان حاضرًا، أو مسافرًا دون مرحلتين، كأهل مكة لم يجز له الجمع عند الشافعيّ كما لا يجوز له القصر.
والحديث يدلّ على أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
[الأول]: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين؛ لحديث جابر ﵁ هذا، وإليه
стр. 13506
ذهب أبو حنيفة، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد في رواية، ومالك في رواية، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن المواز من المالكيّة.
[والقول الثاني]: بإقامتين من غير أذان، وروي ذلك عن ابن عمر، قال ابن قُدامة في شرح قول الخرقيّ: وإن أذّن فلا بأس: كأنه ذهب إلى أنه مخيّر بين أن يؤذّن للأولى، أو لا يؤذّن، وكذا قال أحمد؛ لأن كلًّا مرويّ عن رسول الله ﷺ ، والأذان أولى، وهو قول الشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. انتهى.
[والقول الثالث]: بأذانين وإقامتين، وهو الأشهر من مذهب مالك، كما في الجلاب، وهو المذكور في المدوّنة، وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁، قال ابن قُدامة: واتّباع ما جاء في السنّة أولى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها أن الصحيح هو المذهب الأول، وهو أنه يجمع بين الصلاتين بأذان واحد، وإقامتين لكلّ صلاة؛ لأن أصحّ ما روي في هذا حديث جابر ﵁ المذكور هنا، وهو صريح في أنه ﷺ صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: اشترط الحنفيّة للجمع بين الظهر والعصر بعرفة الجماعة، فيهما، والإمام الأعظم، أو نائبه، بخلاف الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فلم يشترطوا له ذلك، وإليه ذهب الثوريّ، والنخعيّ، ولا يشترط ذلك مالك، ولا الشافعيّ، ولا أحمد (٢)، وهو الحقّ؛ لعدم ما يدلّ على الاشتراط المذكور، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال الطبريّ: قوله: "ثمّ أذّن، ثم أقام" قال ابن المنذر: عرف جابر أن وقت الأذان في يوم عرفة عند فراغ الإمام من خطبته، وقال الشافعيّ: يخطب الخطبة الثانية مع استفتاح المؤذّن بالأذان، ويفرغ مع فراغه، ويستدلّ بحديث رواه عن جابر، فذكر الحديث الذي قدّمناه، قال الطبريّ: وهذا يغاير حديث مسلم من وجهين: أحدهما في وقت الأذان، والثاني في مكان الخطبة، فإن
стр. 13507
مسلمًا ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادي قبل إتيان الموقف، والشافعيّ ذكر أنها بعد إتيان عرفة، وحديث مسلم أصحّ، ويترجّح بوجه معقول، وهو أن المؤذّنين قد أُمروا بالإنصات كما أُمر به سائر الناس، وكيف يؤذّن من قد أُمر بالإنصات، ثم لا يبقى للخطبة معنى؛ إذ يفوت المقصود منها أكثرَ الناس؛ لاشتغالهم بالأذان عن استماعها.
قال البيهقيّ ﵀: وهذا التفصيل في ابتداء بلال بالأذان، وأخذ النبيّ ﷺ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلالٌ من الأذان مما تفرّد به ابن أبي يحيى - أي: وهو ضعيف -.
ثم ذكر الطبريّ رواية الملا من سيرته، وذكرناها مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبريّ: وقال مالك: إن شاءِ يؤذّن، والإمام يخطب، وإن شاء يؤذّن بعد الفراغ من الخطبة، وقال مرّة أخرى: إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان، ثم بالإقامة، ثم بالصلاة.
قال ابن حزم: وهذا القول الثاني عن مالك هو الصحيح الذي لا يجوز تعدّيه، لصحّته عن رسول الله ﷺ ، وبه نأخذ؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ، فلا خير في مخالفته.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن قول ابن حزم ﵀ هذا؛ فإن واجب كلّ مسلم التمسّك بما صحّ عن رسول الله ﷺ ، ولا يسع أحدًا مخالفته بسبب مخالفة إمامه له، فإن الإمام لا يخالفه قصدًا، بل لعدم بلوغه إليه، فهو معذور، وأما أتباعه فلا عذر لهم بعدما تبيّنت لهم السنة، وقامت عليهم الحجة، فليتنبّه المقلّدون لهذه الدقائق، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال الطبريّ ﵀: وجمعه ﷺ بالناس بعرفة دليل على جواز الجمع في السفر القصير؛ إذ لم يُنقل عن أحد من أهل مكة التخلّف عن الصلاة معه ﷺ ، فإن الجمع بعلّة النسك، وفي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بعلّة أصل السفر، والثاني أنه بعلّة السفر الطويل، والثالث أنه بعلّة النسك، وقال في موضع آخر: قد اختلف أصحابنا، هل كان جمعه ﷺ بعلّة مطلق السفر، أو الطويل، أو بعلّة النسك؟ والظاهر أنه بعلّة النسك، حتى يجوز للآفاقيّ والمكيّ، وأهل المزدلفة، وعرفة، وعلى الأول لا يجوز لأهل عرفة، وعلى
стр. 13508
الثاني لا يجوز لغير الآفاقيّ، ولا خلاف أنه سنّة، حتى لو صلّى كلّ صلاة وحدها في وقتها جاز. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح الذي يدلّ عليه ظاهر هذا الحديث الصحيح أن الجمع بعلّة النسك؛ لجمع كل من حضر الموقف من الآفاقيّ، وأهل مكة، وغيرهم معه ﷺ ، فدلّ على أنه للنسك، لا للسفر، ثم إن قوله: "حتى لو صلى كل صلاة … إلخ" أين الدليل على جواز هذا؟ بل الظاهر أنه لا يصلي إلا جمعًا وقصرًا كما فعل النبيّ ﷺ ، وكلّ من شهد حجة الوداع معه ﷺ ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أي: من السنن والنوافل، وذلك للاستعجال بالوقوف.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا" أي: لم يُدْخِل بينهما صلاة أخرى، لا نفلًا ولا غيره، وبهذا قال مالك وغيره، وقال ابن حبيب: يجوز أن يتنفل بينهما، وليس بالبيِّن، ولا خلاف في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة، وإنما اختلفوا فيمن فاته الجمع مع الإمام بعرفة، فالجمهور على أنه يجمع بينهما اتباعًا لفعله ﷺ ، وقال الكوفيون: يصليهما مَنْ فاتتاه لوقتهما، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام، ولم يختلف: أن من صلاهما في وقتهما أن صلاته جائزة إذا لم يكن إمامًا.
واختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما لا تجزيانه، ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب، وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا مِنْ عُذْرٍ به، أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجّ أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قول الكوفيين في عدم إجزاء الصلاة قبل
стр. 13509
المزدلفة، وأن من صلاها قبلها يلزمه الإعادة هو الأرجح؛ لأنه ﷺ قال: "الصلاة أمامك"، فلا صلاة قبل المزدلفة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: القصواء، كما في رواية ابن الجارود (حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ) أي: وسار إلى أن أتى أرض عرفات، أو اللام للعهد، والمراد موقفه الخاصّ به ﷺ (فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ) بالجر على البدليّة (إِلَى الصَّخَرَاتِ) بفتحتين، قال الطيبيّ: أي: منتهيًا إليها، وتعقّبه الأبّيّ، فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صحّ هذا التقدير، والأظهر أنه تجوّز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات تحاذي في قبلته؛ لأنه إنما وقف مستقبل القبلة.
وقال القرطبيّ: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته.
قال الوليّ العراقيّ: لا حاجة إلى هذا؛ لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها؛ أي: إلى جانبها، وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليًا عليها. انتهى.
وقال الطبريّ: ظاهر قوله: "جعل بطن ناقته إلى الصخرات" يدلّ على أنه كان واقفًا على الصخرات، حتى يكون بطن الناقة إليها، ويؤيّده ما رواه ابن إسحاق في "سيرته" أنه ﷺ قال: "هذا الموقف" للجبل الذي كان واقفًا عليه. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: في هذا الفصل مسائلُ، وآدابٌ للوقوف، منها: أنه إذا فرغ من الصلاتين عَجَّل الذهاب إلى الموقف، ومنها أن الوقوف راكبًا أفضل، وفيه خلاف بين العلماء، وفي مذهبنا ثلاثة أقوال: أصحها أن الوقوف راكبًا أفضل، والثاني: غير الراكب أفضل، والثالث: هما سواء.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى استحباب الركوب في الوقوف؛ اتّباعًا للسنّة، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
قال: ومنها: أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحبّ، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء
стр. 13510
بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، وسيأتي في آخر الحديث بيان حدود عرفات - إن شاء الله تعالى - عند قوله ﷺ : "وعرفة كلها موقف".
ومنها: استحباب استقبال الكعبة في الوقوف.
ومنها: أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صحّ وقوفه، وحجه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب؟ فيه قولان للشافعيّ: أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيّان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا، وفيه قولان: أصحهما سنة، والثاني واجب.
وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة، وطلوع الفجر الثاني يوم النحر، فمن حَصَل بعرفات في جزء من هذا الزمان صحّ وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحجّ، هذا مذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفردًا، بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على الليل كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يصحّ وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركنٌ، لا يصح الحج إلا به، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الإمام أحمد ﵀: إن وقت الوقوف يدخل بطلوع الفجر يوم عرفة هو الأرجح؟ لما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وغيرهما بإسناد صحيح عن عروة بن مُضَرِّس الطائيّ ﵁ قال: جِئْتُ رسُولَ اللهِ في الْمَوْقِفِ، فقلت: جِئْتُ يا رسُولَ اللهِ من جبلي طيء، أَكْلَلْتُ مطيتي، وَأَتْعَبْتُ نفسي، والله ما تَرَكْتُ من جبل إِلَّا وَقَفْتُ عليه، هل لي من حَجٍّ؟ فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : "من أَدْرَكَ مَعَنَا هذه الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قبل ذلك لَيْلًا أو نَهَارًا، تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ"، فقوله ﷺ : "ليلًا أو نهارًا" صريح في أن النهار
стр. 13511
كلّه وقت للوقوف كالليل، فمن وقف في أي جزء من أجزاء النهار، أو الليل فقد أدرك الوقوف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَجَعَلَ) ﷺ (حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ) "الحبل" بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحّدة، ثم لام: هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التَّلّ الضخم منه، والْمُشاة بضمّ الميم: جمع ماشٍ، وأُضيف الحبل إليهم؛ لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صفّ المشاة، ومُجتمعهم في مشيهم تشبيهًا بحبل الرمل، وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل.
وقال النوويّ ﵀: رُوي حَبْل بالحاء المهملة، وإسكان الباء، ورُوي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض ﵀: الأول أشبه بالحديث، وحَبْلُ المشاة أي: مُجتمعهم، وحبلُ الرَّمْل: ما طال منه، وضَخُم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرَّجَّالة. انتهى.
وتعقّبه الوليّ العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتيب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي، لا في "الإكمال"، ولا في "المشارق"، ولا في كلام غيره أيضًا. انتهى.
وقال الطبريّ: حبل المشاة بالحاء المهملة المفتوحة، والموحّدة الساكنة، ثم لام أي: صفّهم، ومُجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبّر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم، وصححه شيخنا ابن الصلاح في "منسكه"، قال: وبه شَهِدت المشاهدة، وذكره بعض من صنّف في الأمكنة المتعلّقة بالحجيج، وهو الظاهر. انتهى (١).
(وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فيه أنه يستحبّ استقبال القبلة في الوقوف بعرفة (فَلَمْ يَزَلْ) ﷺ (وَاقِفًا) بعرفة (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا) أي: ذهابًا قليلًا (حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) أي: قرص الشمس، وهو بضمّ، فسكون: عينها، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال: قيل: لعل صوابه حين غاب القرص. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن الكلام على ظاهره، ويكون قوله: "حتى غاب
стр. 13512
القرص" بيانًا لقوله: "غربت الشمس، وذهبت الصفرة"، فإن هذه تُطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: "حتى غاب القرص"، والله أعلم. انتهى (١).
وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر؛ إذ لا يظهر معنى لقوله: "ذهبت الصفرة قليلًا حين غاب القرص"، وكان القائل غفل عن قيد القلّة، وذَهِل عن الرواية التي تطابق الدراية.
وفيه تنبيهٌ على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال، وفي وقوفه ﷺ على راحلته، وإطالته الوقوف عليها دليلٌ على إباحة ذلك مطلقًا، خلافًا من كرهه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مقصورًا على ما هو قربةٌ دون غيره من المباح، وعلى ما خفّ أمره دون الأحمال الثقال، والمحامل الثقيلة بالركبان المتعدّدة، لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة (٢).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "فلم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلًا" لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يُجزئ قبله، وأن وقوف الليل يُجزئ، وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية الجمع بين الوقوفين ليلًا ونهارًا، وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس.
قال: وقد رَوَى الترمذيّ حديثًا صحيحًا يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه"، قال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 13513
وزاد النسائي: "ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك"، فظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيَّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ "أو" التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت النبيّ ﷺ بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلًا، فسأله عن الحجّ، فقال: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه"، وقال الترمذي: "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر": قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١) وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيد حِبّه، وابن حبّه ﵄ (خَلْفَهُ) فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مُطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث.
وقال الطبريّ ﵀: في إردافه ﷺ أسامة رخصة في ركوب اثنين على بعير واحد، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئًا، وبيان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل بن عبّاس في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليّ في استنابته في النحر، وبإشراكه في هديه.
(وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: ارتحل، ومَضَى، وقال الطيبيّ ﵀؛ أي: ابتدأ السير، ودفع نفسه، ونحّاها، أو دفع ناقته وحملها على السير، وقال السيوطيّ: أي: خرج من عرفات، وفي رواية: "أفاض، وعليه السكينة" (وَقَدْ شَنَقَ) بفتح الشين المعجمة، والنون المخفّفة، فقاف، أي: ضمّ، وضيّق (لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ) بكسر الزاي، قال الفيّوميّ ﵀: الزِّمَام للبعير، جمعه أَزِمّةٌ، وزَمَمته زَمًّا، من باب قتل: شددت عليه زمامه، قال بعضهم: الزمام في الأصل الخيط الذي يُشدّ في الْبُرَة، أو في الْخِشَاش، ثم يُردّ إليه الْمِقْوَد، ثمّ سُمّي به الْمِقْود نفسه. انتهى (٢).
ثم فسّر، وبيّن معنى قوله: "وشنق … إلخ" بقوله: (حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا) أي: رأس القصواء (لَيُصِيبُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإصابة (مَوْرِكَ رَحْلِهِ) قال
стр. 13514
الجوهريّ: قال أبو عبيد: الْمَوْرِك، والمورِكة - يعني بفتح الميم، وكسر الراء -: هو الموضع الذي يَثْنِي الراكب رجله عليه قُدّام واسطة الرحل إذا مَلَّ من الركوب، وضبطه القاضي بفتح الراء، قال: وهو قطعة أَدَم يتورك عليها الراكب، تُجْعَل في مُقَدَّم الرحل، شِبْهُ الْمِخَدَّة الصغيرة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة، وبأصحاب الدواب الضعيفة، قاله النوويّ (١).
(وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) أي: يشير بها، ففيه إطلاق القول على الفعل ("أيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ") بالتكرار مرّتين للتأكيد، منصوبًا على الإغراء؛ أي: الزموا السكينة، وهي الرفق، والطمأنينة، وعدم الزحام، وفيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنةٌ، فإذا وجد فُرْجة يسرع، كما ثبت في الحديث الآخر، (كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ) بالحاء المهملة المكسورة جمع حَبْل، وهو التَّلُّ اللطيف من الرمل الضخم، وقد تقدّم قريبًا (أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا) أي: أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلًا، أو زمانًا قليلًا (حَتَّى تَصْعَدَ) بفتح حرف المضارعة، والعين، من باب تَعِبَ صُعُودًا؛ أي: إلى أن تَعْلُو، فـ "حتى" غاية للإرخاء، وجوّز النوويّ ضمّ حرف المضارعة، مِن أصعد، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وفيه نظر؛ لأن الإصعاد معناه الإبعاد في الأرض، وليس مرادًا هنا، بل المراد العُلوّ، فتأمل. (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ) أي: إلى أن وصل إلى المزدلفة المكان المعروف.
وأصل المزدلفة: مزتلفة، فأبدل التاء دالًا؛ لقرب المخرج، كما قال في "الخلاصة":
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِي
قال النوويّ ﵀: وأما المزدلفة فمعروفة، سُمِّيت بذلك، من التزلف، والازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل؛ أي: ساعات، وتسمى جَمْعًا بفتح الجيم، دياسكان الميم، سُمِّيت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها.
стр. 13515
قال: واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، قال الأزرقيّ في "تاريخ مكة"، والماورديّ، وأصحابنا في كتب المذهب، وغيرهم: حَدُّ مزدلفة ما بين مأْزَمَي عرفة، ووادي مُحَسِّر، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب، والجبال الداخلية في الحدّ المذكور. انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: وسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا، وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى، وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها، والازدلاف: الاجتماع، وقيل: سُمِّيت بذلك: للنزول بها بالليل، وزلف الليل: ساعاته، وتسمَّى أيضًا المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الْحُمْسُ تقف فيه، ولا تتعداه، وتَكْتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة.
وسُمِّيت مني بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فيها.
وسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف بها آدم، فقال: عرفت عرفت، وقيل: سميت عرفة لأن آدم ﵇ تعزف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف، والتعريف: الوقوف بها. انتهى (٢).
(فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: جمع بينهما في وقت العشاء (بِأَذَانٍ - وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) أي: لكل واحدة منهما.
[تنبيه]: اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاتين المذكورتين على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك:
(أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذّن لواحدة منهما، وهو قول القاسم بن محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر ﵄، وبه قال إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ، وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد، وقال النوويّ في "شرح