كلّه وقت للوقوف كالليل، فمن وقف في أي جزء من أجزاء النهار، أو الليل فقد أدرك الوقوف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَجَعَلَ) ﷺ (حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ) "الحبل" بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحّدة، ثم لام: هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو التَّلّ الضخم منه، والْمُشاة بضمّ الميم: جمع ماشٍ، وأُضيف الحبل إليهم؛ لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صفّ المشاة، ومُجتمعهم في مشيهم تشبيهًا بحبل الرمل، وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل.
وقال النوويّ ﵀: رُوي حَبْل بالحاء المهملة، وإسكان الباء، ورُوي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض ﵀: الأول أشبه بالحديث، وحَبْلُ المشاة أي: مُجتمعهم، وحبلُ الرَّمْل: ما طال منه، وضَخُم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرَّجَّالة. انتهى.
وتعقّبه الوليّ العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتيب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي، لا في "الإكمال"، ولا في "المشارق"، ولا في كلام غيره أيضًا. انتهى.
وقال الطبريّ: حبل المشاة بالحاء المهملة المفتوحة، والموحّدة الساكنة، ثم لام أي: صفّهم، ومُجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبّر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم، وصححه شيخنا ابن الصلاح في "منسكه"، قال: وبه شَهِدت المشاهدة، وذكره بعض من صنّف في الأمكنة المتعلّقة بالحجيج، وهو الظاهر. انتهى (١).
(وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فيه أنه يستحبّ استقبال القبلة في الوقوف بعرفة (فَلَمْ يَزَلْ) ﷺ (وَاقِفًا) بعرفة (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا) أي: ذهابًا قليلًا (حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) أي: قرص الشمس، وهو بضمّ، فسكون: عينها، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال: قيل: لعل صوابه حين غاب القرص. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن الكلام على ظاهره، ويكون قوله: "حتى غاب
стр. 13512
القرص" بيانًا لقوله: "غربت الشمس، وذهبت الصفرة"، فإن هذه تُطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: "حتى غاب القرص"، والله أعلم. انتهى (١).
وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر؛ إذ لا يظهر معنى لقوله: "ذهبت الصفرة قليلًا حين غاب القرص"، وكان القائل غفل عن قيد القلّة، وذَهِل عن الرواية التي تطابق الدراية.
وفيه تنبيهٌ على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال، وفي وقوفه ﷺ على راحلته، وإطالته الوقوف عليها دليلٌ على إباحة ذلك مطلقًا، خلافًا من كرهه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مقصورًا على ما هو قربةٌ دون غيره من المباح، وعلى ما خفّ أمره دون الأحمال الثقال، والمحامل الثقيلة بالركبان المتعدّدة، لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة (٢).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "فلم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلًا" لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يُجزئ قبله، وأن وقوف الليل يُجزئ، وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكًا، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية الجمع بين الوقوفين ليلًا ونهارًا، وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس.
قال: وقد رَوَى الترمذيّ حديثًا صحيحًا يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه"، قال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 13513
وزاد النسائي: "ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك"، فظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيَّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ "أو" التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت النبيّ ﷺ بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلًا، فسأله عن الحجّ، فقال: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه"، وقال الترمذي: "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر": قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١) وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيد حِبّه، وابن حبّه ﵄ (خَلْفَهُ) فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مُطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث.
وقال الطبريّ ﵀: في إردافه ﷺ أسامة رخصة في ركوب اثنين على بعير واحد، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئًا، وبيان فضل أسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل بن عبّاس في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليّ في استنابته في النحر، وبإشراكه في هديه.
(وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: ارتحل، ومَضَى، وقال الطيبيّ ﵀؛ أي: ابتدأ السير، ودفع نفسه، ونحّاها، أو دفع ناقته وحملها على السير، وقال السيوطيّ: أي: خرج من عرفات، وفي رواية: "أفاض، وعليه السكينة" (وَقَدْ شَنَقَ) بفتح الشين المعجمة، والنون المخفّفة، فقاف، أي: ضمّ، وضيّق (لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ) بكسر الزاي، قال الفيّوميّ ﵀: الزِّمَام للبعير، جمعه أَزِمّةٌ، وزَمَمته زَمًّا، من باب قتل: شددت عليه زمامه، قال بعضهم: الزمام في الأصل الخيط الذي يُشدّ في الْبُرَة، أو في الْخِشَاش، ثم يُردّ إليه الْمِقْوَد، ثمّ سُمّي به الْمِقْود نفسه. انتهى (٢).
ثم فسّر، وبيّن معنى قوله: "وشنق … إلخ" بقوله: (حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا) أي: رأس القصواء (لَيُصِيبُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإصابة (مَوْرِكَ رَحْلِهِ) قال
стр. 13514
الجوهريّ: قال أبو عبيد: الْمَوْرِك، والمورِكة - يعني بفتح الميم، وكسر الراء -: هو الموضع الذي يَثْنِي الراكب رجله عليه قُدّام واسطة الرحل إذا مَلَّ من الركوب، وضبطه القاضي بفتح الراء، قال: وهو قطعة أَدَم يتورك عليها الراكب، تُجْعَل في مُقَدَّم الرحل، شِبْهُ الْمِخَدَّة الصغيرة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة، وبأصحاب الدواب الضعيفة، قاله النوويّ (١).
(وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) أي: يشير بها، ففيه إطلاق القول على الفعل ("أيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ") بالتكرار مرّتين للتأكيد، منصوبًا على الإغراء؛ أي: الزموا السكينة، وهي الرفق، والطمأنينة، وعدم الزحام، وفيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنةٌ، فإذا وجد فُرْجة يسرع، كما ثبت في الحديث الآخر، (كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ) بالحاء المهملة المكسورة جمع حَبْل، وهو التَّلُّ اللطيف من الرمل الضخم، وقد تقدّم قريبًا (أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا) أي: أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلًا، أو زمانًا قليلًا (حَتَّى تَصْعَدَ) بفتح حرف المضارعة، والعين، من باب تَعِبَ صُعُودًا؛ أي: إلى أن تَعْلُو، فـ "حتى" غاية للإرخاء، وجوّز النوويّ ضمّ حرف المضارعة، مِن أصعد، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وفيه نظر؛ لأن الإصعاد معناه الإبعاد في الأرض، وليس مرادًا هنا، بل المراد العُلوّ، فتأمل. (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ) أي: إلى أن وصل إلى المزدلفة المكان المعروف.
وأصل المزدلفة: مزتلفة، فأبدل التاء دالًا؛ لقرب المخرج، كما قال في "الخلاصة":
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ … فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَادَّكِرْ دَالًا بَقِي
قال النوويّ ﵀: وأما المزدلفة فمعروفة، سُمِّيت بذلك، من التزلف، والازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل؛ أي: ساعات، وتسمى جَمْعًا بفتح الجيم، دياسكان الميم، سُمِّيت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها.
стр. 13515
قال: واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، قال الأزرقيّ في "تاريخ مكة"، والماورديّ، وأصحابنا في كتب المذهب، وغيرهم: حَدُّ مزدلفة ما بين مأْزَمَي عرفة، ووادي مُحَسِّر، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب، والجبال الداخلية في الحدّ المذكور. انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: وسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا، وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى، وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها، والازدلاف: الاجتماع، وقيل: سُمِّيت بذلك: للنزول بها بالليل، وزلف الليل: ساعاته، وتسمَّى أيضًا المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الْحُمْسُ تقف فيه، ولا تتعداه، وتَكْتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة.
وسُمِّيت مني بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فيها.
وسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف بها آدم، فقال: عرفت عرفت، وقيل: سميت عرفة لأن آدم ﵇ تعزف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف، والتعريف: الوقوف بها. انتهى (٢).
(فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: جمع بينهما في وقت العشاء (بِأَذَانٍ - وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) أي: لكل واحدة منهما.
[تنبيه]: اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاتين المذكورتين على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك:
(أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذّن لواحدة منهما، وهو قول القاسم بن محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر ﵄، وبه قال إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ، وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد، وقال النوويّ في "شرح
стр. 13516
مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى، وإقامتين لكلّ واحدة، وقال في "الإيضاح": إنه الأصحّ.
(الثاني): أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر ﵄، وهو قول سفيان الثوريّ، فيما حكاه الترمذيّ، والخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهم.
(الثالث): أن يؤذِّن للأولى، ويقيم لكلّ واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصحّ قوليه، وبه قال أبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون، من المالكيّة، والطحاويّ، وقال الخطابيّ: هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البرّ أن الْجُوزجانيّ حكاه عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة.
(الرابع): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يؤذّن للثانية، ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، حكاه النوويّ، وغيره. قال العينيّ: هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر بأذان وإقامتين.
(الخامس): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ﵄، وهو قول مالك، وأصحابه، إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البرّ.
(السادس): أنه لا يؤذّن لواحد منهما، ولا يقيم، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعض السلف. وهذا كله في جمع التأخير.
وأما جمع التقديم، كالظهر والعصر بنمرة، ففيه ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول الشافعيّ، وجمهور أصحابه.
(الثاني): أن يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة.
(الثالث): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعيّ عن ابن كجّ، عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهًا.
قال العينيّ: [فإن قلت]: ما الأصل في هذه الأقوال؟:
[قلت]: الذي قال بأذان وإقامتين قال برواية جابر، والذي قال بلا أذان، ولا إقامة، قال بحديث أبي أيوب، وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان، ولا
стр. 13517
إقامة، وكذا رواه طلق بن حبيب، وابن سيرين، ونافع عن ابن عمر من فعله. والذي قال بإقامة واحدة قال بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - يعني المذكور في الباب، وكذا رواه ابن عباس ﵄ مرفوعًا عند مسلم، والذي قال بإقامة للمغرب، وإقامة للعشاء قال بحديث أسامة، وكذا فعله عمر بن الخطّاب ﵁.
فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: أشدّ الاضطراب في ذلك عن ابن عمر ﵄، فإنه روي عنه من فعله الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه أيضًا بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، وروي عنه مسندأ الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسندًا بأذان واحد، وإقامة واحدة، قال: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن النبيّ ﷺ ، وهو ما رويناه عن ابن مسعود ﵁ أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة، ذكره العينيّ في "شرح البخاريّ".
وقد مال البخاريّ ﵀ في "صحيحه" إلى ما ذهب إليه ابن مسعود ﵁، فقال: "باب من أذن، وأقام لكل واحدة منهما" قال: حدّثنا عمرو بن خالد، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: "حج عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا، فاذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر رجلًا فأذن، وأقام … " الحديث.
قال في "الفتح": وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويًّا عن النبيّ ﷺ ، ولو ثبت عنه لقلت به، ثم أخرج من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر، محمد بن علي، فقال: أما نحن أهلَ البيت، فهكذا نصنع.
قال ابن حزم: وقد رُوي عن عمر من فعله.
قال الحافظ: أخرجه الطحاويّ بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأَذَّن لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر، لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم
стр. 13518
يتأت له في حق ابن مسعود؛ لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاريّ.
ورَوَى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك، حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين، مع كونه موقوفًا، ومع كونه لم يروه، ويترك ما روى عن أهل المدينة، وهو مرفوع.
قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين، حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحدًا.
قال الحافظ ﵀: الجواب عن ذلك أن مالكاَ اعتَمَد على صنيع عمر في ذلك، وإن كان لم يروه في "الموطأ"، واختار الطحاويّ ما جاء عن جابر ﵁ يعني هذا الحديث أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعيّ في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون، وابن حزم، وقوّاه الطحاويّ بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.
وقال الشافعي في الجديد، والثوري، وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة ﵁ الآتي، حيث قال: "فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يَحُلّوا حتى أقام العشاء"، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، أخرجه الطحاويّ وغيره، وكأنه يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي قول من قال: يصلي الأولى بالأذان والإقامة، والثانية بالإقامة فقط، لحديث جابر ﵁ هذا، فإنه مرفوع صريح في ذلك، وما عداه إما موقوف، كحديث عمر، وابن مسعود ﵄، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة وابن عمر ﵄، فيؤول بأنه صلى الأولى بالإقامة مع الأذان، والثانية بالإقامة فقط، وإنما أوّلنا بذلك؛ لأنه لا يمكن أن يُحْمَل على تعدد الواقعة، إذ حجته ﷺ واحدة، فتعيّن الجمع بين
стр. 13519
الروايات، وحديث جابر ﵁ صريح مُفَسَّر، فوجب حمل غيره عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أي: لم يصلّ بين المغرب والعشاء شيئًا من النوافل والسنن، والنافلة تسمّى سبحةً؛ لاشتمالها على التسبيح، وفي حديث ابن عمر ﵄: "ولم يسبّح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما"، فقوله: "ولم يسبّح بينهما" أي: لم يتنفّل بين الصلاتين، وقوله: "ولا على إثر واحدة منهما" أي: ولا عقب كل واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية.
قال في "الفتح": ويستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفّل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لم يتنفّل عقبها، لكنه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمّ قال الفقهاء: تؤخّر سنة العشاء عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوّع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصحّ أنه جمع بينهما. انتهى.
قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود ﵁ الآتي في الباب التالي (١). انتهى.
وقال النوويّ ﵀: الحديث دالّ على الموالاة بين الصلاتين
стр. 13520
المجموعتين، ولا خلاف في هذا، لكن اختلفوا، هل هو شرط للجمع أم لا؟ والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعض أصحابنا: هو شرط، أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف. انتهى (١).
(ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: للنوم؛ تقويةً للبدن، ورحمة للأمة؛ لأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حَتى طَلَعَ الْفَجْرُ) قال ابن القيّم ﵀: ولم يحي ﷺ تلك الليلة، ولا صحّ عنه في إحياء ليلتي العيد شيء. انتهى.
وقال في "المواهب"، و"شرحه": وترك ﷺ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح؛ لما تقدّم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى ما بعد المغرب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد المغرب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا لها وجمعًا لهما جمع تأخير، ورَقَد بقيّة ليلته مع كونه ﷺ كان يقوم الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة؛ لما تقدّم في عرفة من التعب، وقد قال: "إن لجسدك عليك حقًّا"، ولما هو بصدد يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة ثلاثًا وستّين بدنةً، وباقي المائة نحره عليّ، ثم ذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى (٢).
(تنبيه): اختلف العلماء في حكم المبيت بالمزدلفة ليلة النحر:
فذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعيّ في أحد قوليه، إلى وجوب المبيت بها، وهو قول عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومجاهد، وعن الشافعيّ: سنة، وهو قول مالك رحمهم الله تعالى، أفاده العينيّ.
وقال النوويّ: المشهور من مذهب الشافعيّ أنه ليس بركن، فلو تركه صحّ حجه، قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف.
وقال خمسة من أئمة التابعين: هو ركن، لا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف
стр. 13521
بعرفات. هذا قول علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال من الشافعيّة ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وبالحديث المرويّ عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "من فاته المبيت بالمزدلفة، فقد فاته الحجّ".
وأجيب بأن الأمر في الآية إنما هو الذكر، وليس هو بركن بالإجماع، وأما الحديث فليس بثابت، ولا معروف، ولو صحّ لحمل على فوات كمال الحجّ، لا فوات أصله.
قال: واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرّس ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج للصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيّء، أكللت مطيّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه"، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الترمذيّ: هو حديث حسنٌ صحيح. انتهى كلام النوويّ بتصرّف (١).
وقال العينيّ: وقال الشافعيّ: يحصل المبيت بساعة في النصف الثاني من الليل، دون الأول، وعن مالك: النزول بالمزدلفة واجب، والمبيت بها سنة، وكذا الوقوف مع الإمام سنة. وقال أهل الظاهر: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بالمزدلفة بطل حجه، بخلاف النساء والصبيان، والضعفاء. وقال الحنفية: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام، فتعجل السير إلى منى، فلا شيء عليه، والمأمور في الآية الكريمة الذكر، دون الوقوف، ووقت الوقوف بالمشعر الحرام.
بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى أن يسفر جدًّا. وعن مالك: لا يقف أحد إلى الإسفار، بل تدفعون قبل ذلك. انتهى كلام العينيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن المبيت بالمزدلفة سنة؛
стр. 13522
لأنه ﷺ بات بها، وأما شهود صلاة الصبح، والوقوف بعدها إلى أن يدفع الإمام، فواجب إلا لأهل الأعذار؛ لحديث عروة بن مضرّس ﵁ المذكور آنفًا، فإنه ﷺ ذكره لصحة الحج، وتمامه، فقال: "من شهِد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا، أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقضى تفثه"، فما ذكر المبيت بها لتمام الحجّ، وإنما ذكر الوقوف بعرفة، وشهود صلاة الصبح بالمزدلفة، والدفع معه، وقد أوجبت الآية المذكورة الذكر عند المشعر الحرام، فأفادت أن الوقوف به من واجبات الحجّ، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ) أي: ظهر (لَهُ الصُّبْحُ) قال النوويّ ﵀: فيه أن السنّة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع، ويتأكّد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكّده في سائر السّنَة؛ للاقتداء برسول الله ﷺ ، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرةٌ، فسُنّ المبالغة في التبكير للصبح ليتّسع الوقت للوظائف. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: فيه سُنَّة المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها بغلس، وسيأتي أنه ﷺ أرخص لبعض نسائه في النَّفْر منها إلى منى قبل طلوع الفجر، وفيه: الأذان في السفر؛ خلافًا من قال: يقتصر المسافر على الإقامة. انتهى (١).
(بِأَذَانٍ) واحد (وَإِقَامَةٍ) واحدة، وهذا لا خلاف فيه، قال النوويّ ﵀: يُسَنّ الأَذان والإقامة لهذه الصلاة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله ﷺ في السفر كما في الحضر، والله أعلم. انتهى.
(ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) أي: ناقته ﷺ ، وففيه أن السنة الركوب، وأنه أفضل من المشي، وقد سبق بيانه مرات، وبيان الخلاف فيه.
(حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) زاد في رواية أبي داود، وابن ماجه، وابن الجارود، والبيهقيّ: "فَرَقِي عليه"، و"المشعر" بفتح الميم، والعين المهملة،
стр. 13523
وقيل: بكسر الميم: موضع خاصّ من المزدلفة، سُمّي بالمشعر؛ لأنه مَعْلمٌ للعبادة، وسُمِّي الحرام؛ لأنه من الحرم، أو لحرمته.
وقال النوويّ ﵀: "المشعر": بفتح الميم، هذا هو الصحيح، وبه جاء القرآن، وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال أيضًا: بكسر الميم، والمراد به هنا قُزَحُ، بضم القاف، وفتح الزاي، وبحاء مهملة، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قُزَحُ، وقال جماهير المفسرين، وأهل السير، والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة. انتهى (١).
وقال المحبّ الطبريّ ﵀: المشعر الحرام: هو الجبل الصغير المعروف بالمزدلفة، يقال له: قُزَح، والأفصح فتح الميم، وأكثر كلام العرب بكسرها، ولا نعرف الكسر في القراءة إلا شاذًّا. انتهى.
وقد روى الشيخان من حديث جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ وقف بالمزدلفة، وقال: "وقفت ههنا، ومزدلفة كلها موقفٌ"، وروى أبو داود، والترمذيّ، وصححه من حديث عليّ ﵁ أن النبيّ ﷺ لَمّا أصبح بجمع أتى قُزَح، فوقف عليه، وقال: هذا قُزَح، وهو الموقف، "وجمغ كلها موقفٌ"، وروى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر ﵄ أنه رأى ناسًا يزدحمون على الجبل الذي يقف عليه الإمام، فقال: يا أيها الناس لا تشُقّوا على أنفسكم، ألا إن ما ههنا مشعرٌ كلّه، وعنه قال: المشعر الحرام المزدلفة كلها، أخرجه أبو ذرّ، ذكر هذا الأحاديث الطبريّ، ثم قال: حديث ابن عمر هذا مصرّح بأن المشعر الحرام هو المزدلفة، وكذلك تضمّنه كثير من كتب التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وحديث عليّ وجابر ﵄ يدلّان على أن قُزَح هو المشعر الحرام، وهو المعروف في كتب الفقه، فتعيّن أن يكون في أحدهما حقيقةً، وفي الآخر مجازًا؛ دفعًا للاشتراك؛ إذ المجاز خير منه، فترجّح احتماله عند التعارض، فيجوز أن يكون حقيقةً في قُزَح، فيكوز إطلاقه على الكلّ؛ لتضمّنه إياه، وهو
стр. 13524
أظهر الاحتمالين في الآية، فإن قوله تعالى: ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ يقتضي أن يكون الوقوف في غيره، وتكون المزدلفة كلّها عنده لما كانت كالحريم له، ولو أريد بالمشعر الحرام المزدلفة لقال: في المشعر الحرام، ويجوز أن يكون حقيقةً في المزدلفة كلها، وأُطلق على قُزَح وحده تجوّزًا؛ لاشتمالها عليه، وكلاهما وجهان من وجوه المجاز، أعني إطلاق اسم الكلّ على البعض، والعكس، وهذا القائل يقول: حروف المعاني يقوم بعضها مقام بعض، فقامت "عند" مقام "في"، ومنه ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾؛ أي: عليهم، وفي الحديث والأثر ما يُصدّق كلّ واحد من الاحتمالين.
وقُزَح موضع من المزدلفة، وهو موقف قريش في الجاهليّة؛ إذ كانت لا تقف بعرفة.
وقال الجوهريّ: قُزَح اسم جبل بالمزدلفة، قال الطبريّ: وقد بُنِي عليه بناءٌ، فمن تمكّن من الرقيّ عليه رَقِيَ، وإلا وقف عنده مستقبل القبلة، فيدعو، ويُكبّر، ويُهلّل، ويوحّد الله، ويُكثر من التلبية إلى الإسفار، ولا ينبغي أن يفعل ما تطابق عليه الناس اليوم من النزول بعد الوقوف من درج في وسطه ضيّقة يزدحم الناس على ذلك حتى يكاد يُهلك بعضهم بعضًا، وهو بدعة شنيعة، بل يكون نزوله من حيثُ رُقِيُّه من الدرج الظاهرة الواسعة.
وقد ذكر ابن الصلاح في "منسكه" أن قُزح جبل صغير آخر المزدلفة، ثم قال بعد ذلك: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوفَ على بناء مستحدث في وسط المزدلفة، ولا تتأدّى به هذه السنّة. انتهى كلام ابن الصلاح.
قال الطبريّ: والظاهر أن البناء إنما هو على الجبل كما تقدّم ذكره، ولم أر ما ذكره لغيره. انتهى كلام الطبريّ (١).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام" فيه: أن الوقوف بالمشعر الحرام إلى الإسفار من المناسك، وقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
стр. 13525
وقد أختُلِف في وجوب الوقوف فيه، فذهب أبو عبيد القاسم بن سلَّام: إلى وجوبه، والجمهور على أنه مُستحب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو عبيد ﵀ من الوجوب هو الأظهر؛ لظاهر الآية، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ) وفي رواية أبي داود وابن ماجه: "فحمد الله".
[تنبيه]: لا يتعيّن شيء من الدعاء في هذا الموقف، ولا في موقف عرفة، ولا غيرها من المشاعر؛ إذ لم يصحّ في ذلك شيء، إلا آية ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وأما ما يُذكر في كتب المناسك من الدعوات الكثيرة، فلا يثبت شيء منها، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَكَبَّرَهُ) أي: قال: الله أكبر (وَهَلَّلَهُ) أي: قال: لا إله إلا الله (وَوَحَّدَهُ) أي: قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … إلخ؛ عملًا بقوله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا) فيه أن الوقوف عند المشعر الحرام من مناسك الحجّ، وهذا لا خلاف فيه.
قال الشاه وليّ الله الدهلويّ ﵀: إنما شُرع الوقوف بالمشعر الحرام؛ لأنه كان أهل الجاهليّة يتفاخرون، ويتراءون، فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله تعالى؛ ليكون كابحًا عن عادتهم، ويكون التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن كالمنافسة، كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله أكثر، أو ذكر أهل الجاهليّة مفاخرهم أكثر؟ انتهى (٢).
(حَتَّى أَسْفَرَ) أي: أضاء الفجر إضاءة تامّةً، فالضمير في "أسفر" يعود إلى الفجر المذكور أوّلًا، وقوله: (جِدًّا) بكسر الجيم؛ أي: إسفارًا بليغًا.
قال المحبّ الطبريّ ﵀: هذا كمال السنّة في المبيت بالمزدلفة، وعليه اعتمد من أوجب ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن بها بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره، فإن كان بها أجزأه، وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغويّ عن مالك، وأحمد، وفي وجوب المبيت عندنا - يعني
стр. 13526
الشافعيّة - قولان: الأصحّ وجوبه، والمعتمد فيه أدنى جزء بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، هذا المشهور، وللشافعيّ قول آخر إلى طلوع الشمس، فمن كان بها فيه فلا شيء عليه، وإن لم يكن قبله، ومن دفع قبله فعليه دم على الأصحّ. انتهى.
وقال ابن عابدين من الحنفيّة: الوقوف عند المشعر الحرم واجب عندنا لا سنّة، والبيتوتة بمزدلفة سنّة مؤكّدة إلى الفجر، لا واجبة، خلافًا للشافعيّ فيهما، كما في "اللباب". انتهى (١).
(فَدَفَعَ) أي: ذهب النبيّ ﷺ إلى منى (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) هذا صريحٌ في أنه ﷺ ذهب إلى منى قبل طلوع الشمس، وبه أخذ الجمهور، قال النوويّ ﵀: اختلفوا في وقت الدفع من المشعر الحرام، فقال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه، يدعو، ويذكر حتى يُسْفِر الصبح جدًّا، كما في هذا الحديث، وقال مالك: يَدْفَع منه قبل الإسفار. انتهى (٢).
وقال الطبريّ ﵀: قال أهل العلم: وهذه سنّة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس، قال طاوس ﵀: كان أهل الجاهليّة: يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أَشْرِق ثَبِير كيما نُغِير، فأخّر الله هذه، وقدّم هذه، قال الشافعيّ ﵀: يعني قدّم المزدلفة قبل طلوع الشمس، وأخّر عرفة إلى أن تغيب الشمس. انتهى.
وقوله: (وَأَرْدَفَ) يَحتمل أنه معطوف على "دَفَع"، أو حال من فاعل "دفَعَ"، بتقدير "قد"؛ أي: وقد أردف (الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب ﵄؛ أي: أركبه خلفه بدل أُسامة بن زيد ﵄ (وَكَانَ) أي: الفضل (رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْر، أَبْيَضَ) اللون (وَسِيمًا) بفتح الواو، وكسر السين المهملة؛ أي: حسنًا، يقال: وَسُمَ بالضمّ وَسَامةً: حَسُن وجهه، وهو وَسِيمٌ (٣). (فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
стр. 13527
مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ) قال النوويّ ﵀: الظُّعُنُ بضمّ الظاء، والعين، ويجوز إسكان العين: جميع ظَعِينة، كسَفِينة وسُفُن، وأصل الظَّعِينة البعير الذي عليه امرأة، ثم تُسَمَّى به المرأة مجازًا؛ لملابستها البعير، كما أن الراوية أصلها الجمل الذي يَحْمِل الماء، ثم تُسَمَّى به القِرْبة؛ لما ذكرناه. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: ظَعَنَ ظَعْنًا، من باب نَفَعَ: ارتحَلَ، والاسم ظَعَنٌ بفتحتين، ويتعدّى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنْتُ به، والفاعل ظاعنٌ، والمفعول مظعونٌ، والأصل مظعون به، ولكن حُذِفت الصلة؛ لكثرة الاستعمال، وباسم المفعول سُمّي الرجل، ويقال للمرأة: ظَعِينةٌ، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة؛ لأن زوجها يَظْعَن بها - أي: يَرْحَل بها - ويقال: الظَّعِينة: الْهَوْدَجُ، وسواء كان فيه امرأة أم لا، ويقال: الظَّعِينة في الأصل وصفٌ للمرأة في هَوْدجها، ثمّ سُمّيت بهذا الاسم، وإن كانت في بيتها؛ لأنها تصير مظعونةً. انتهى (٢).
(يَجْرِينَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإجراء؛ أي: يُجرين رواحلهنّ، أو بفتحها، من الجري؛ أي: يُسرعن في سيرهنّ (فَطَفِقَ) من بابي فَرِحَ، وضَرَبَ، طَفْقًا وطُفُوقًا؛ أي: شرع، وأخذ (الْفَضْلُ) ﵁ (يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ) أي: إلى الظُّعُن (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ) أي: ليمنعه من النظر إليهنّ، قال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على غضّ البصر عن الأجنبيات، وغضهنّ عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قوله: "وكان أبيضَ وَسِيمًا حَسَنَ الشعر"، يعنى أنه بصفة مَن تُفْتَتن النساء به؛ لحسنه، وفي رواية الترمذيّ وغيره في هذا الحديث: أن النبيّ ﷺ لَوَى عنق الفضل، فقال له العباس: لَوَيتَ عنق ابن عمك؟ قال: "رأيت شابًّا وشابّة، فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدلُّ على أن وضعه ﷺ يده على وجه الفضل، كان لدفع الفتنة عنه وعنها، وفيه أن من رأى منكرًا، وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه، ولم ينكَفّ المقول له، وأمكنه بيده، أثم ما دام مقتصرًا على اللسان، والله أعلم. انتهى (٣).
стр. 13528
وقال القرطبي ﵀: ووضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل: إنما كان خوفًا من الفتنة عليه، وكونه ﷺ لم ينهه عن ذلك ولم يزجره؛ دليل: على أنه لم يفعل محرمًا، وقال بعض مشايخنا: ستر الوجه عن النساء سُنَّة، وكان الحجاب على أزواج النبيّ ﷺ واجبًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال القرطبي ﵀، والأوجه ما سبق عن النوويّ ﵀، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ) بكسر الشين المعجمة؛ أي: الجانب (الْآخَرِ) أي: غير الجانب الذي صرفه منه النبيّ ﷺ ، وقوله: (يَنْظُرُ) حال من الفضل (فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ) أي: من جهة الجانب الذي صرف منه وجه الفضل إلى الجهة الثانية التي ينظر منها مرّة أخرى (عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ) متعلّق بـ "حوّل"، وقوله: (يَصْرِفُ وَجْهَهُ) حال من "رسول الله"؛ أي: حال كونه ﷺ صارفًا وجه الفضل (مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ) أي: من الجانب الثاني الذي ينظر فيه إليهنّ، والمراد أنه ﷺ منعه من النظر إليهنّ مرّة ثانية من الجانب الثاني، وقوله: (يَنْظُرُ) حال أيضًا.
(حَتى أتى) غاية لدفعه ﷺ ؛ أي: إلى أن أتى (بَطْنَ مُحَسِّرٍ) بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر السين المشددة المهملتين، اختَلَفوا فيه، فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى، قال ابن القيّم ﵀: ومُحَسِّرٌ بَرْزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه ولا من هذه، وقيل: ما صبّ منه في المزدلفة فهو منها، وما صبّ منه في منى فهو منها، وصوّبه بعضهم، وقد جاء في الحديث: "والمزدلفة كلها موقف، إلا بطن محسّر" (٢)، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسّر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكلّ على البعض جائزٌ مجازًا شائعًا.
وقال الطحاويّ: ليس وادي محسّر من منى، ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله: "إلا بطن محسّر" منقطع.
стр. 13529
وسُمِّي بذلك؛ لأن فِيل أصحاب الفيل حُصِر فيه؛ أي: أعيا فيه، وَكَلَّ ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، قاله النوويّ ﵀.
وقيل: لأنه يحسّر سالكينه، ويُتعبهم، يقال: حسّرت الناقة: أتعبتها، وأهل مكة يسمّون هذا الوادي وادي النار، يقال: إن رجلًا اصطاد فيه، فنزلت نار، فأحرقته (١).
(فَحَرَّكَ قَلِيلًا) أي: حرّك ﷺ ناقته تحريكًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، أو مكانًا قليلًا؛ أي: يسيرًا، وصح أنه ﷺ لما أتى محسرًا أسرع ناقته حتى جاوز الوادي، قال النوويّ: قدر رمية حجر، قال القاري: وأما ما صحّ عن ابن عباس وأسامة ﵃ أنه ﷺ تركه من عرفة إلى منى، فمحمول على أنه تركه عند الزحمة؛ لأن الإثبات مقدم، لا سيما وهو أكثر رواةً، وأصح إسنادًا، وقد يُحْمَل على أنه أسرع في بعضه، وترك الإسراع في كلّه، مع أن القياس استبقاؤه خشية المزاحمة الموجبة للوحشة، مع وجود الكثرة.
قال: ويُسَنّ أن يقول المارّ به ما جاء عن ابن عمر ﵄، (٢) وروى الطبرانيّ بعضه مرفوعًا:
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا … مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا … قَدْ ذَهَبَ الشَّحْمُ الَّذِي يَزِينُهَا
"الوضين": بِطَانٌ عَريضٌ يُنسَج من سُيُور، أو شَعَر، أو لا يكون إلا من
стр. 13530
جلد، كذا في "القاموس" (١).
وذكر النوويّ ﵀ في "المجموع" البيت الأول فقط، ونصّه:
قال أصحابنا: واستُحِبّ الإسراع فيه؛ للاقتداء بالنبيّ ﷺ ، ولأن وادي محسِّرٍ كان موقف النصارى، فاستُحِب مخالفتهم، واستدلوا بما رواه البيهقيّ بإسناده، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يُوضِع، ويقول:
إَلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا … مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارى دِينُهَا
قال البيهقيّ: يعني الإيضاع في وادي محسَّر، ومعنى هذا البيت: أن ناقتي تَعْدُو إليك يا رب مسرعةً في طاعتك، قَلِقًا وَضِينُها، وهو الحبل الذي كالْحِزَام، وإنما صار قَلِقًا من كثرة السير، والإقبال التامّ، والاجهاد البالغ في طاعتك، والمراد صاحب الناقة، وقوله: "مخالفًا دين النصارى دينها" بنصب "دينَ النصارى"، ورفع "دِينُها"؛ أي: إني لا أفعل فعل النصارى، ولا أعتقد اعتقادهم، قال القاضي حسين في "تعليقه": يُستحب للمارّ بوادي محسر أن يقول هذا الذي قاله عمر ﵁، والله تعالى أعلم (٢).
قال النوويّ ﵀: وأما قوله: "فحَرَّك قليلًا" فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع، قال أصحابنا: يُسْرع الماشي، ويُحَرِّك الراكب دابته في وادي مُحَسِّر، ويكون ذلك قدر رَمْيَةِ حجر. انتهى.
وقال الشافعيّ ﵀ في "الأُمّ"؛ وتحريكه ﷺ الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع، قال الطبريّ: وهكذا كلُّ من خرج من مضيق في فضاء جرت العادة بتحريكه فيه، وقيل: يجوز أن يكون فعله؛ لأنه مأوى الشياطين، وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستُحبّ الإسراع فيه.
وقال الإسنويّ ﵀: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستُحبّ فيه الإسراع؛ لما ثبت في "الصحيح" أمره ﷺ المارّ على ديار ثمود ونحوهم بذلك.
стр. 13531
قال ابن القيّم ﵀: وهذه عادته ﷺ في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الْحِجر، وديار ثمود تقنّع بثوبه، وأسرع السير. انتهى.
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ ﵀: إنما أوضع ﷺ بالْمُحَسَّر لأنه محلّ هلاك أصحاب الفيل، فمِن شأن من يخاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرُب من الغضب، ولَمّا كان استشعاره أمرًا خفيًّا ضُبِطَ بفعل ظاهر، مُذكِّر له، منبِّه للنفس عليه - أي: وهو الإسراع. انتهى.
قال الزرقانيّ ﵀: وهذا الجواب - أي: ما قاله الطبريّ، وابن القيّم، والإسنويّ في وجه التسمية بالمحسَّر، وفي حكمة الإسراع فيه - مبنيّ على قول، الأصل خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وإنما أهلكوا قرب أوله.
وقال القاري ﵀: المرجّح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر مَن وراءهم. انتهى (١).
(ثُمَّ سَلَكَ) ﷺ (الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضبّ، وهذا طريق المأزِمين، وهما جبلان، قال النوويّ ﵀: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا؛ يذهب إلى عرفات في طريق ضَبّ، ويرجع في طريق المأزِمين؛ ليخالف الطريق، تفاؤلًا بتغير الحال، كما فعل النبيّ ﷺ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق، ورجع في طريق آخر، وحَوَّل رداءه في الاستسقاء. انتهى (٢).
(الَّتِي تَخْرُجُ) وفي رواية أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه: "التي تُخرجك" (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) قال النوويّ ﵀: الجمرة الكبرى هي جمرة العقبة، وهي الجمرة التي عند الشجرة، وقوله: (حَتَّى أَتَى) غاية لسلوكه ﷺ ؛
стр. 13532
أي: إلى أن وصل (الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) أي: جمرة العقبة، وهذا يدلّ على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فَرَمَاهَا) أي: ضحًى، كما جاء في الرواية الأخرى.
قال الشاه وليّ الله الدهلويّ ﵀: والسر في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث، من أنه إنما جعل لإقامة ذكر الله، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر، وأكملها، وأجمعها لوجوه التوقيت، أن يُوَقَّت بزمان، وبمكان، ويقام معه ما يكون حافظأ لعدده، محقّقًا لوجوده، على رءوس الأشهاد، حيث لا يخفى شيء، وذكر الله تعالى نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس، دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك، ونوع يقصد به انصياع النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة سَنّها إبراهيم؛ حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيهٌ للنفس أيُّ تنبيه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أحسن ما ذُكر من حكمة تشريع رمي الجمار، هو ما جاء عن ابن عبّاس ﵄ يرفعه قال: "لَمّا أتى إبراهيم خليل الله المناسك، عَرَض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عَرَض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض"، قال ابن عباس: "الشيطانَ ترجمون، وملةَ أبيكم تتّبعون"، أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم واللفظ له، وصححه على شرط الشيخين.
وقال النوويّ ﵀: فيه أن السنة للحاجّ إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله.
قال: وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا غير، بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي عصى، ولزمه دم، وصحّ حجه، وقال مالك: يفسد حجه. انتهى (٢).
стр. 13533
(بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) متعلّق بـ "رماها"، وفيه أن الرمي يكون بسبع حصيات، قال النوويّ ﵀: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم تكفه الست. انتهى، وعند الحنفيّة إذا ترك أكثر السبع لزمه دئم، كما لو لم يرم أصلًا، وإن ترك أقلّ منه، كثلاث فما دونها، فعليه لكلّ حصاة صدقةٌ، ولا يشترط الموالاة بين الرميات، بل يُسنّ، ويكره تركها.
وقال النوويّ: ولا يجوز عند الشافعيّ، والجمهور الرمي بالكحل، والزرنيخ، والذهب، والفضة، وغير ذلك مما لا يُسَمّى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض؛ أي: من جنسها؛ كالحجر، والمدر، والتبن، والْمَغَرة، وكلّ ما يجوز التيمّم به.
(يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النوويّ ﵀: فيه أنه يُسَنّ التكبير مع كل حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدة واحدةً، فإن رَمَى السبعة رميةً واحدةً حُسِب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة: "يكبر مع كل حصاة"، فهذا تصريح بأنه رمى كلَّ حصاة وحدها، مع قوله ﷺ في الحديث الآتي بعد هذا، في أحاديث الرمي: "لتأخذوا عني مناسككم". انتهى.
(مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) بجرّ "مثل" على البدليّة من "حصاة"، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب، بتقدير "هي"، و"أعني".
و"الخَذْف" بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمة، قال في "النهاية": الخذف: هو رَمْيُك حصاةً، أو نواةً تأخذها بين سبّابتيك، وترمي بها، والمراد بيان مقدار الحصى التي يُرمى بها في الصغر والكبر، وفسّروا حصى الخذف بقدر حبّة الباقلّاء.
وقال الفيّوميّ ﵀: خَذَفتُ الحصاةَ ونحوَها خَذْفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف: معناه: حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: وفيه أن الرمي بسبع حصيات، وأن قدرهنّ بقدر
стр. 13534
حصى الخذف، وهو نحو حَبّة الباقلّاء، وينبغي ألا يكون أكبر، ولا أصغر، فإن كان أكبر، أو أصغر، أجزأه بشرط كونها حجرًا. انتهى.
وقال المحبّ الطبريّ: قال عطاء بن أبي رَبَاح: حصى الخذف مثل طرف الأصابع، وقال الشافعيّ: هو أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال: بقدر الباقلّاء، وفيه تنبيه على استحباب الرمي بذلك. انتهى (١).
[تنبيه]: قوله: "مثل حصى الخذف" هكذا هو في بعض نسخ مسلم بإثبات لفظة "مثل"، وهو الذي وقع في نسخة "شرح الأبيّ"، ونسخة محمد ذهني، وكذا هو عند أبي داود، والبيهقيّ، وقع في أكثر نسخ مسلم بإسقاطها، ولفظه: "فرماها بسبع حصيات، يكبّر مع كلّ حصاة منها"، حصى الخذف، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ، قال: وصوابه "مثل حصى الخذف"، قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: والذي في النسخ من غير لفظة "مثل" هو الصواب، بل لا يتجه غيره، ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: "حصى الخذف" متعلقًا بـ "حصيات"؛ أي: رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف متصل بحصيات، واعتَرَض بينهما "يكبر مع كل حصاة"، وهذا هو الصواب. انتهى كلام النوويّ.
قال القاري ﵀ بعد نقل كلام النوويّ هذا -: وعندي أن اتصال "حصى الخذف" بقوله: "مع كل حصاة" أقرب لفظًا، وأنسب معنى، ومع هذا لا اعتراض، ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلقه بحصاة، أو حصيات لا ينافي وجود "مثل" لفظًا، أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودًا فهو واضح معنى، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه، أي: كحصى الخذف، بل لا يظهر للتعلق غير هذا المعنى، فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر ﵁، رواه الترمذي بلفظ: "وأمرهم أن يرموا
стр. 13535
بمثل حصى الخذف"، ورَوَى مسلم عنه بلفظ: "رمى الجمرة بمثل حصى الخذف" يُرَجِّح وجود المثل، ويؤيّد تقديره. انتهى كلام القاري ﵀ (١)، وهو تحقيق مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) بدل من قوله: "فرماها"، أو استئناف بيانيّ، وهو الأظهر، كما قال القاري، والاستئناف البياني ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: من أين رمى؟ فأجاب بأنه رمى من بطن الوادي، والله تعالى أعلم.
قال النوويّ ﵀: وفيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يَقِف مستقبل الكعبة، وكيفما رمى أجزأه، بحيث يسمى رميًا بما يسمى حجرًا، والله أعلم. انتهى.
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: رجع ﷺ عن جمرة العقبة (إِلَى الْمَنْحَرِ) بفتح الميم؛ أي: موضع نحر البدن، قال القاري ﵀: والآن يقال له: المذبح؛ لعدم النحر، أو تغليبأ للأكثر، كما غلب في الأول للأفضل، وهو قريب من جمرة العقبة، وأما ما اشتهر من صورة مسجد بُنِي قريب من الجمرة الوسطى، منحرف عن الطريق إلى جهة اليمن، وبُني بإزائه على الطريق مسجدٌ، تسميه العامة مسجد النحر، فليس هو، بل الأصح أن منحره ﷺ في منزله الذي بقرب مسجد الخيف، متقدمًا على قبلة مسجد الخيف. انتهى (٢).
وقال الزرقانيّ: المنحر موضع معروفٌ بمنى، وكلُّها منحر، كما في الحديث، قال ابن التين: منحر النبيّ ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره؛ لقوله ﷺ : "هذا المنحر، وكلُّ منى منحرٌ"، وقال عياض: فيه دليلٌ على أن المنحر موضع معيّنٌ من منى، وحيث يَذبح منها أو من المحرم أجزأه. انتهى.
(فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ "ثلاثًا
стр. 13536
وستين بيده"، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة، سوى ابن ماهان، فإنه رواه "بدنةً"، قال: وكلامه صوابٌ، والأول أصوب، قال النوويّ: وكلاهما صحيح، فنحر ثلاثًا وستين بدنةً بيده.
وقال المحبّ الطبريّ ﵀: قوله: "ثلاثًا وستين بيده" فيه استحباب ذبح المرءِ هديه بنفسه، وعند ابن ماهان: "بدنة" مكان "بيده"، وكلّ صوابٌ، و"بيده" أصوب؛ لقوله: "ثم أعطى عليًّا، فنحر ما غَبَرَ"، ويجوز أن يقال: "بدنةً" أصوب؛ لأن قوله: "بيده" لا يفيد أن المنحور بدنة، أو غيرها، بخلاف قوله: "بدنةً"، وإسناد الفعل إليه يفيد أنه فعل بنفسه من حيث الظاهر، فلا حاجة إلى قوله: "بيده"، وذكر بعض أهل المعاني أن نحر النبيّ ﷺ ثلاثًا وستين بدنة إشارة إلى منتهى عمره، ويكون قد أهدى من كلّ عام بدنة. انتهى.
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ: إنما نحر ﷺ بيده هذا العدد؛ ليشكر ما أولاه الله تعالى في كلّ سنة من عمره ببدنة. انتهى (١).
وفيه استحباب تكثير الهدي، وكان هدي النبيّ ﷺ في تلك السنة مائة بدنة، كما يأتي قريبًا.
وقال القرطبي ﵀: قوله: "فنحر ثلاثًا وستين بيده" هكذا رواية الجماعة، وعند ابن ماهان: "بدنة" مكان "بيده" وكلٌّ صواب، وفيه ما يدل على أن الأولى للمهدي أو للمضحي أن يتولى ذلك بيده.
وإعطاؤه ما بقي لعليٍّ لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير كتاب مسلم: أنه إنّما أعطاه إياها ليهديها عن نفسه، ويدل عليه قوله: "وأشركه في هديه" وعلى هذا: فلا يكون فيه حجة على الاستنابة، وقيل: إنما نحر النبيّ ﷺ ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة، كما ذكره الترمذيّ، وقيل: إنما خصَّ النبيّ ﷺ ذلك العدد؛ لأنه منتهى عمره؛ على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة. انتهى (٢).
(ثُمَّ أَعْطَى) بالبناء للفاعل (عَلِيًّا) ﵁، والمفعول الثاني محذوف؛ أي:
стр. 13537
بقيّة البُدْن (فَنَحَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: نحر عليّ ﵁ (مَا غَبَرَ) "ما" موصولة مفعول "نحر"، و"غبر" بفتح الغين المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيًّا للفاعل؛ أي: بقي، يقال: غَبَر الشيءُ غُبُورًا، من باب قعد: بقي، وقد يُستعمل فيما مضى أيضًا، فيكون من الأضداد، وقال الزُّبيديّ: غَبَر غُبُورًا: مَكَثَ، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وفيه جواز الاستنابة في نحر الهدي، وذلك جائز بالإجماع إذا كان النائب مسلمًا، قال النوويّ: ويجوز عندنا أن يكون النائب كافرًا كتابيًّا بشرط أن ينوي صاحب الهدي عند دفعه إليه، أو عند ذبحه، وفيه أيضًا استحباب تعجيل ذبح الهدايا، وإن كانت كثيرة في يوم النحر، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق. انتهى.
(وَأَشْرَكَهُ) أي: أشرك النبيّ ﷺ عليًّا ﵁ (فِي هَدْيِهِ) قال النوويّ ﵀: ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي، قال القاضي عياض ﵀: وعندي أنه لم يكن تشريكًا حقيقةً، بل أعطاه قدرًا يذبحه. انتهى (٢).
[تنبيه]: روى أبو داود عن عليّ ﵁: لَمّا نَحَر رسول الله ﷺ بُدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني، فنحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه، وبه أعلّه ابن المنذر.
وروى أبو داود أيضًا عن غرفة (٣) بن الحارث الكِنْديّ ﵁، قال: شهدت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وأُتي بالبدن، فقال: "ادعوا لي أبا حسن"، فدُعي له عليّ، فقال: "خذ بأسفل الحربة"، وأخذ رسول الله ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغا ركب بغلته، وأردف عليًّا.
وجمع الوليّ العراقيّ ﵀ باحتمال أنه ﷺ انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي التي في حديث عليّ، واشترك هو وعليّ في نحر ثلاث وثلاثين بدنةً، وهي المذكورة في حديث غرفة، وقول جابر: "نحر ثلاثًا وستين"، مراده: كلّ ما له
стр. 13538
دخلٌ في نحره، إما منفردًا به، أو مع مشاركة عليّ ﵁.
وجمع الحافظ ﵀ بين حديثي عليّ وجابر ﵄ بأنه ﷺ نحر ثلاثين، ثم أمر عليًّا أن ينحر، فنحر سبعًا وثلاثين، ثم نحر ﷺ ثلاثًا وثلاثين، قال: فإن ساغ هذا، وإلا فما في "الصحيح" أصحّ؛ أي: مع مشاركة عليّ؛ ليلتئم مع حديث غرفة، وإن لم يذكره.
وقال عياض ﵀: والظاهر أن النبيّ ﷺ نحر الْبُدْن التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثًا وستين، كما جاء في رواية الترمذيّ، وأعطى عليًّا البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام المائة. انتهى.
وقال الطبريّ ﵀ بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا في غير المائة المذكورة، أو يكون في الثلاث والستين منها، وأُضيف الفعل إليه ﷺ ؛ لأن من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكّن من النحر دون الآخر، والله أعلم.
وقد روى أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ نحر في حجته سبع بدنات، أخرجه البخاريّ، وذكره ابن حزم، وقال في الجمع بين الأحاديث: يُخَرَّج هذا على وجوه:
أحدها: أنه ﷺ لم ينحر بيده أكثر من هذه السبع، وأمر من نحر من بعد ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته، ثم غاب، وأمر عليًّا بنحر ما بقي إما بنفسه، أو بالإشراف على ذلك.
الثاني: أن يكون أنس ﵁ لم يشاهد إلا نحره ﷺ سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره ﷺ الباقي، فأخبر كلّ منهما بما رأى.
الثالث: أنه نحر بيده منفردًا سبع بدنات، ثم أخذ هو وعليّ الحربة، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قاله غرفة بن الحارث الكنديّ، ثم انفرد عليّ بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر.
قال ابن القيّم ﵀: [فإن قيل]: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه أحمد، وأبو داود عن عليّ ﵁، قال: لَمّا نحر رسول الله ﷺ بُدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرها؟
[قلنا]: هذا غلطٌ، انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين هو
стр. 13539
عليّ ﵁، والنبيّ ﷺ نحر سبعًا بيده، لم يشاهده عليّ، ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى، فبقي من المائة ثلاثون، فنحرها عليّ، فانقلب على الراوي عدد ما نحره عليّ بما نحره النبيّ ﷺ .
[فإن قيل]: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قُرط، قال: قرّب لرسول الله ﷺ بدنات خمس، فطفِقن يزدلفن إليه بأيتهنّ يبدأ … الحديث، أخرجه أبو داود، وغيره؛
[قيل]: نقبله، ونصدّقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالًا، فقرّب منهنّ إليه خمس بدنات رسلًا، وكان ذلك الرسل يُبادرن، ويتقرّبن إليه ليبدأ بكلّ واحدة منهن. انتهى كلام ابن القيّم ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الطبريّ ﵀ بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فان الأول والثاني يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال: نحر سبعًا منفردًا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعليّ ﵁، ونُسب الفعل إليه ﷺ لما ذكاناه، ثم أمر عليًّا بنحر ما بقي من المائة، والله تعالى أعلم (١).
(ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل؛ أي: أمر النبيّ ﷺ (مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ) أي: من المائة (بِبَضْعَةٍ) بفتح الباء الثانية؛ أي: بقطعة من لحمها، قال النوويّ: البضعة بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم، وقال الجوهريّ: هذه بالفتح، وأخواتها بالكسر، مثل القِطعة، والْفِلْذة، والْفِدرة، والكِسفة، والخرقة، وفي العدد تُكسر وتفتح، مذكرًا كان أو مؤنّثًا -. انتهى (٢).
(فَجُعِلَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: جُعلت تلك القطع (فِي قِدْرٍ) بكسر القاف: لأنْ يُطبخ فيه، وهي مؤنثة، ولهذا تدخل الهاء في التصغير، فيقال: قُديرةٌ، وجمعها قُدُورٌ، مثلُ حَمْل وحُمُول (٣). (فَطُبِخَتْ) بالبناء للمفعول (فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا) قال المظهر: الضمير المؤنّث يعود إلى القدر؛
стр. 13540
لأنها مؤنثٌ سماعيّ، قال الطيبيّ ﵀: ويَحْتَمِل أن يعود إلى الهدايا.
قال النوويّ: وفيه استحباب الأكل من هدي التطوع، وأضحيته، قال العلماء: لَمّا كان الأكل من كل واحدة سنةً، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردةً كُلْفة، جُعِلت في قدر؛ أي: جُمعت في قدر واحدة؛ ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر، وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع، وأضحيته سنة، ليس بواجب، وقد استُدلّ به على جواز الأكل من هدي المتعة والقران على القول بأنه ﷺ كان متمتّعًا، أو قارنًا.
وقد تقدّم أن الأصحّ عند المحقّقين من الشافعيّة أنه ﷺ كان قارنًا في آخره، فيُرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه، وكان فيها دم القران أيضًا، فلم يكن إذًا كلُّها هدايا تطوّع وأضحيّة، ولا يجوز الأكل من الهدي الواجب، كهدي التمتّع، والقران، والنذر في مذهب الشافعيّ؟
قال الطبريّ: ولا حجة في هذا الحديث عليهم؛ إذ الواجب عليه سُبُع بدنة، ويكون الأكل من حصّة التطوّع. انتهى، ولا يخفى ما فيه من التعسّف. قاله في "المرعاة" (١).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ … إلخ"، إنما فعل هذا ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٥٨]، وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة، فقد شربا من مرق كل ذلك، وخصوصية عليّ ﵁ بالمؤاكلة؛ دليل على أنه أشركه في الهدي.
وفيه دليل: على أن من حَلَف لا يأكل لحمًا فشرب مرقه: أنه يحنث.
وفيه دليل على استحباب أكل الأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بأكثر.
وفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران، وقد قدَّمنا: أنه كان قارنًا، وسيأتي حكم الأكل من الهدايا. انتهى (٢).
(ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ) أي: أسرع إلى بيت الله
стр. 13541
ليطوف به طواف الإفاضة، ويُسمّى أيضًا طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، قال الطبريّ: الإفاضة الدفع في السير، وقال ابن عرفة: أفاض من المكان: إذا أسرع منه لمكان آخر، وقال غيره: أصل الإفاضة الصبّ، فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه، أو راحلته، فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدّي.
وطواف الإفاضة هو الذي يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة، ويقال له أيضًا: طواف الزيارة، وطواف الفرض.
قال القرطبي ﵀: هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وسُمِّي: طواف الزيارة، وهو واجب بإجماع، وهو الذي تناوله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، ولا خلاف أن إيقاعه يوم النحر أولى وأفضل، فلو أوقعه بعد يوم النحر، فهل يلزم الدم بتأخيره أم لا يلزم؟ واختلف فيه، وسيأتي، والجمهور على أن من ترك طواف الإفاضة؛ أن طواف الوداع لا يجزئ عنه إلا مالكًا، فإنه قال: يجزئ عنه إذا رجع إلى بلده، قال القاضي عياض: وكذلك طواف التطوُّع. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحجّ بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشدّ كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته، بل يصحّ ما دام الإنسان حيًّا، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات، فوقف قبل الفجر لم يصحّ طوافه؛ لأنه قدمه على الوقوف، واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رملٌ، ولا اضطباع إذا كان قد رمل، واضطبع عقب طواف القدوم، ولو طاف بنية الوداع، أو القدوم، أو التطوع، وعليه طواف إفاضة وقع عن طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا، نَصّ عليه الشافعيّ، واتفق
стр. 13542
الأصحاب عليه، كما لو كان عليه حجة الإسلام، فحج بنيّة قضاء، أو نذر، أو تطوع، فإنه يقع عن حجة الإسلام.
وقال أبو حنيفة، وأكثر العلماء: لا يجزئ طواف الإفاضة بنيّة غيره.
قال: واعلم: أن طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضًا: طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، وسمّاه بعض أصحابنا طواف الصَّدَر، وأنكره الجمهور، قالوا: وإنما طواف الصدر طواف الوداع. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وعند الحنفيّة أول وقت طواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر، وهو في يوم النحر الأول أفضل، ويمتدّ إلى آخر العمر، فإن أخّره عن أيام النحر كُره تحريمًا، ووجب دم لترك الواجب، وهذا عند الإمكان، كذا في "الدرّ المختار".
وقال المحبّ الطبريّ: قد دلّت الأحاديث على استحباب وقوع طواف الإفاضة في يوم النحر، وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عند الشافعيّة نصف الليل من ليلة النحر، بدليل حديث أم سلمة ﵂ أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر، ثم مضت إلى مكة، فأفاضت. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّة من أن أول وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر هو الأرجح؛ لحديث أم سلمة ﵂ المذكور، والله تعالى أعلم.
(فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ) قال النوويّ ﵀: فيه محذوف، تقديره: فأفاض، فطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلى الظهر، فحُذف ذكر الطواف؛ لدلالة الكلام عليه، وأما قوله: "فصلى بمكة الظهر"، فقد ذكر مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة، من حديث ابن عمر ﵄: "أن النبيّ ﷺ أفاض يوم النحر، فصلى الظهر بمنى".
ووجه الجمع بينهما أنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى، فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه،
стр. 13543
حين سألوه ذلك، فيكون متنفلًا بالظهر الثانية التي بمنى، وهذا كما ثبت في "الصحيحين" في صلاته ﷺ ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف، فإنه ﷺ صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها، وسلّم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى، فكانت له صلاتان، ولهم صلاة.
وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها: أن النبيّ ﷺ أَخَّر الزيارة يوم النحر إلى الليل، فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه، لا لطواف الإفاضة، ولا بُدّ من هذا التأويل؛ للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال ابن القيّم ﵀ في "الهدي": واختُلِف أين صلى النبيّ ﷺ الظهر يومئذ؟ ففي "الصحيحين" (٢) عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهر بمنى، وفي "صحيح مسلم" عن جابر ﵁ أنه ﷺ صلى الظهر بمكة، وكذلك قالت عائشة ﵂.
واختُلِف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر، فقال أبو محمد بن حزم: قول عائشة وجابر ﵄ أولى، وتبعه على هذا جماعة، ورجحوا هذا القول بوجوه:
[أحدها]: أنه رواية اثنين، وهما أولى من الواحد.
[الثاني]: أن عائشة ﵂ أخص الناس به ﷺ ، ولها من القرب والاختصاص به، والمزية ما ليس لغيرها.
[الثالث]: أن سياق جابر ﵁ لحجة النبيّ ﷺ من أولها إلى آخرها أتمّ سياق، وقد حَفِظ القصة، وضبطها حتى ضبط جزئياتها، حتى ضبط منها أمرًا لا يتعلق بالمناسك، وهو نزول النبيّ ﷺ ليلة جمْع في الطريق، فقضى حاجته عند الشِّعْب، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر، فهو بضبط مكان صلاته يوم النحر أولى.
[الرابع]: أن حجة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي الليل والنهار،
стр. 13544
وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بُدنًا عظيمة، وقسمها، وطُبخ له من لحمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه، وتطيّب، ثم أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم، ومن نبيذ السقاية، ووقف عليهم، وهم يسقون، وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار.
[الخامس]: أن هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي، فقد كانت عادته ﷺ في حجته الصلاة في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين، فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة ﵂ الأمر الذي هو خارج عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ.
ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر ﵄ لوجوه:
[أحدها]: أنه لو صلى الظهر بمكة لم تصلّ الصحابة بمنى وُحدانًا وزَرَافَات، بل لم يكن لهم بُدٌّ من الصلاة خلف إمام، يكون نائبًا عنه، ولم يَنقُل هذا أحد قطّ، ولا يقول أحد: إنه استناب من يصلي بهم، ولولا علمه أنه يرجع إليهم، فيصلي بهم لقال: إن حضرت الصلاة، ولست عندكم، فليصلّ بكم فلان، وحيث لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلى الصحابة هناك وُحدانًا قطعًا، ولا كان من عادتهم إذا اجتمعوا أن يصلوا عِزِين عِزِين عُلِم أنهم صلوا معه على عادتهم.
[الثاني]: أنه لو صلى بمكة لكان خلفه بعض أهل البلد، وهم مقيمون، وكان يأمرهم أن يتموا صلاتهم، ولم ينقل أنهم قاموا، فأتموا بعد سلامه صلاتهم، وحيث لم يُنقل هذا، ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعًا عُلِم أنه لم يصلّ حينئذ بمكة، وما ينقله بعض من لا علم عنده، أنه قال: "يا أهل مكة أتمّوا صلاتكم، فإنا قوم سَفْر"، فإنما قاله عام الفتح، لا في حجته.
[الثالث]: أنه من المعلوم أنه لما طاف ركع ركعتي الطواف، ومعلوم أن كثيرًا من المسلمين كانوا خلفه يقتدون به في أفعاله ومناسكه، فلعله لما ركع ركعتي الطواف، والناس خلفه يقتدون به، ظَنّ الظان أنها صلاة الظهر، ولا سيما إذا كان ذلك في وقت الظهر، وهذا الوهم لا يمكن رفع احتماله، بخلاف صلاته بمنى، فإنها لا تحتمل غير الفرض.
стр. 13545
[الرابع]: أنه لا يُحفظ عنه في حجه أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالأبطح بالمسلمين مدة مقامه، كان يصلي بهم أين نزلوا، لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام.
[الخامس]: أن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن، فأين يقع حاتم بن إسماعيل من عبيد الله بن عمر العمريّ، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ نافع؟
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: حديث ابن عمر ﵄ متفق عليه، هذا خطأ، والصواب أنه من أفراد مسلم أيضًا، وقد حقّق هذا صاحب "المرعاة" (١)، فراجعه تستفد.
[السادس]: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه طاف نهارًا، الثاني: أنه أخر الطواف إلى الليل، الثالث: أنه أفاض من آخر يومه، فلم يضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة، بخلاف حديث ابن عمر.
[السابع]: أن حديث ابن عمر أصحّ منه بلا نزاع، فإن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فكيف يُقَدَّم على قول عبيد الله: حدّثني نافع، عن ابن عمر؟
[الثامن]: أن حديث عائشة ليس بالبيّن أنه ﷺ صلى الظهر بمكة، فإن لفظه هكذا: "أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه، حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات"، فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنه صلى الظهر يومئذ بمكة؟ وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر: "أفاض يوم النحر، ثم صلى الظهر بمنى" - يعني راجعًا؟ وأين حديث اتَّفق أصحاب
стр. 13546
الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به؟ انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١).
وقوله: "اتّفق أصحاب الصحاح" قد عرفت أن هذا خطأ، فلم يُخرجه البخاريّ، وإنما هو من أفراد مسلم، كحديث جابر ﵁، فتنبّه.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ترجيح بعض هذه الأحاديث على بعضها؛ لأنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند عدم إمكان الجمع، وهنا إمكانه واضح بأنه ﷺ صلى الظهر في المكانين، كما تقدّم عن النوويّ ﵀.
والحاصل أنه ﷺ طاف طواف الإفاضة، ثم دخل وقت الظهر، فصلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى، فوجد الناس ينتظرونه للصلاة معه، فصلّى بهم مرّة أخرى، فبهذا تجتمع الأحاديث دون حاجة إلى ترجيح بعضها على بعض، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَأَتَى) أي: أتى النبيّ ﷺ بعد فراغه من طواف الإفاضة (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) هم العبّاس، وأولاده؛ لأن سقاية الحاجّ كانت وظيفتهم (يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ) يعني أنه مرّ عليهم، وهم ينزعون الماء من بئر زمزم، ويسقون الناس، قال النوويّ ﵀: قوله: "يسقون على زمزم" معناه: يُغْرِفون بالدلاء، ويصبّونه في الحياض ونحوها، ويُسَبِّلونه للناس. انتهى.
(فَقَالَ: "انْزِعُوا) بكسر الزاي، من باب ضرب، من النزع، وهو الاستقاء، قال النوويّ: معناه: استقوا بالدِّلاء، وانزِعوها بالرِّشاء (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا بني عبد المطّلب، أو هو منصوب على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … "أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ"
(فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لنَزَعْتُ مَعَكُمْ") قال القرطبي ﵀: يعني أنه لو استقى هو بيده لاقتدى الناس به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول
стр. 13547
خصوصية بني عبد المطلب، وهي ثابتة لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي - إن شاء الله تعالى -.
ويقال: نَزَع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصل فيها الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق، فالأصل في مضارعه أن يأتي على: يَفْعُل، بفتح العين أو بضمها، والنزع: الاستقاء بالرِّشا، والنزح بالحاء: الاستقاء بالدَّلو. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ … إلخ" معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحجّ، ويزدحمون عليه، بحيث يغلبونكم، ويدفعونكم عن الاستقاء، لاستقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء، وقيل: إنما قال ذلك شفقةً على أمته من الحرج والمشقّة، والأول أظهر.
أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ اذهب إلى أمك، فَأْتِ رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: "اسقني"، قال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: "اسقني"، فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون، ويعملون فيها، فقال: "اعملوا، فإنكم على عمل صالح - ثم قال -: لولا أن تُغْلَبُوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه"، يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه.
[فائدة]: قال النوويّ ﵀ في "تهذيب الأسماء واللغات": "زَمْزَمُ" - زادها الله تعالى شرفًا - بزاءين، وفتحهما، وإسكان الميم بينهما - وهي بئر في المسجد الحرام - زاده الله تعالى شرفًا - بينها وبين الكعبة - زادها الله تعالى شرفًا - ثمان وثلاثون ذراعًا، قيل: سُمِّيت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماهلا زمزم، وزمزومٌ، وزمزام: إذا كان كثيرًا، وقيل: لضمّ هاجر ﵍ لمائها حين انفجرت، وزَمِّها إياها، وقيل: لزمزمة جبريل، وكلامه، وقيل: إنه غير مشتقّ، ولها أسماء أُخَرُ، ذكرها الأزرقيّ وغيره: هَزْمَةُ جبريل، والهزمة الغمزة بالعقِب في الأرض، وبَرّة، وشُباعة، والمضنونة، وتَكْتُم، ويقال لها: طعامُ طُعم،
стр. 13548
وشفاءُ سُقْم، وشراب الأبرار، وجاء في الحديث: "ماء زمزم طعام طُعْم، وشفاء سقم"، وجاء: "ماء زمزم لما شُرِب له"، معناه: من شربه لحاجة نالها، وقد جَرَّبه العلماء والصالحون لحاجات أخروية ودنيوية، فنالوها بحمد الله تعالى، وفضله.
وفي "الصحيح" عن أبي ذر الغفاريّ ﵁ أنه أقام شهرًا بمكة، لا قوت له إلا ماء زمزم، وفضائلها أكثر من أن تُحْصَر، والله تعالى أعلم.
وروى الأزرقيّ، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يَفِدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صَبُوحًا لهم، وقد كنا نَعُدّها عونًا على العيال، قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تُسَمَّى شُباعة.
وفي غريب الحديث لابن قتيبة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "خير بئر في الأرض زمزم، وشرّ بئر في الأرض بُرْهُوت" (١).
قال ابن قتيبة: "برهوت": بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفار فيها، وذكر له دلائل.
قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كل ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعًا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر مَكْبَس ساجٍ مُرَبَّع، فيه اثنتا بكرة يُستقى عليها، وأول من عمل الرُّخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته.
قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يسقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أَدَم بفناء الكعبة، فيَرِده الحاج حتى يتفرقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفي، فقام بأمر السقاية من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك
стр. 13549
حتى حَفَر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاجّ، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي لبنها بالعسل في حوض من آدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبِذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر ليكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاج في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرها النبيّ ﷺ في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد الله بن عباس ﵂، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا ينازعه فيها منازع، حتى توفي، فكانت بيد ابنه علي بن عبد الله، يفعل كفعل أبيه وجدّه، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى (١).
وأخرج الطبرانيّ بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم، وشرّ ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقبة حضرموت، كرجل الجراد من الهوام، تصبح تتدفق، وتمسي لا بلال فيها"، قال الهيثميّ بعد عزوه إلى الطبرانيّ: ورجاله ثقات، وصححه ابن حبّان (٢)، وبُرُهُوت بضمّ الموحّدة، والراء، والهاء، آخره تاء مثنّاة: بئر عميقة بحضرموت، لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: بُرْهوت، بضمّ الباء، وسكون الراء.
(فَنَاوَلُوهُ) أي: أعطوه (دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ) أي: من الدلو، أو من الماء، وفيه دليل على استحباب الشرب للحاجّ من ماء زمزم.
стр. 13550
وذكر الواقديّ أنه لما شَرب صبّ على رأسه، وذكر أبو ذرّ في "منسكه" عن عليّ ﵁ أن النبيّ ﷺ لَمّا أفاض دعا بسجل من زمزم، فتوضّأ، وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: دعا بسجل من ماء زمزم، فشرب منه، وتوضّأ، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عبّاس ﵄، وفي رواية عنده أنهم لَمّا نزعوا الدلو، غسل منه وجهه، وتمضمض فيه، ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور.
قيل: ويستحبّ أن يشرب قائمًا، واستُدلّ له بما رواه البخاريّ من طريق عاصم، عن الشعبيّ أن ابن عباس حدّثهم قال: سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب، وهو قائم، قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير.
قال في "المرعاة": وفي الاستدلال بهذا على استحباب الشرب من زمزم قائمًا نظر؛ لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب، وهو على الراحلة، ويُطلق عليه قائم، ويكون ذلك مراد ابن عبّاس ﵄ من قوله: "قائمًا"، فلا يكون بينه وبين النهي عن الشرب قائمًا تضادّ، وبجوز أن يُحمل على ظاهره، وبكون دليلًا على إباحة الشرب قائمًا، يعني أنه ﷺ شربه قائمًا؛ لبيان الجواز، قيل: أو لعذر به في ذلك المقام من طين، أو زحام. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[فوائد]:
(الأولى): أخرج أحمد، وابن ماجه من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له"، وأخرجه الدارقطنيّ، من حديث ابن عبّاس ﵄، وزاد: "إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل"، وروى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ مرفوعًا: "إنها مباركة، وإنها طعام طُعم، وشفاء سقم".
وقد شربه جماعة من العلماء لمآرب، فوجدوها، ونالوها.
أخرج الدينوري في "المجالسة" عن الحميدي - وهو شيخ البخاريّ -