← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13546–13585 · переход к 13551.

стр. 13546

الصحيح على إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به؟ انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١). وقوله: "اتّفق أصحاب الصحاح" قد عرفت أن هذا خطأ، فلم يُخرجه البخاريّ، وإنما هو من أفراد مسلم، كحديث جابر ﵁، فتنبّه. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ترجيح بعض هذه الأحاديث على بعضها؛ لأنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند عدم إمكان الجمع، وهنا إمكانه واضح بأنه ﷺ صلى الظهر في المكانين، كما تقدّم عن النوويّ ﵀. والحاصل أنه ﷺ طاف طواف الإفاضة، ثم دخل وقت الظهر، فصلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى، فوجد الناس ينتظرونه للصلاة معه، فصلّى بهم مرّة أخرى، فبهذا تجتمع الأحاديث دون حاجة إلى ترجيح بعضها على بعض، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. (فَأَتَى) أي: أتى النبيّ ﷺ بعد فراغه من طواف الإفاضة (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) هم العبّاس، وأولاده؛ لأن سقاية الحاجّ كانت وظيفتهم (يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ) يعني أنه مرّ عليهم، وهم ينزعون الماء من بئر زمزم، ويسقون الناس، قال النوويّ ﵀: قوله: "يسقون على زمزم" معناه: يُغْرِفون بالدلاء، ويصبّونه في الحياض ونحوها، ويُسَبِّلونه للناس. انتهى. (فَقَالَ: "انْزِعُوا) بكسر الزاي، من باب ضرب، من النزع، وهو الاستقاء، قال النوويّ: معناه: استقوا بالدِّلاء، وانزِعوها بالرِّشاء (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا بني عبد المطّلب، أو هو منصوب على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة": الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … "أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا" وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ" (فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لنَزَعْتُ مَعَكُمْ") قال القرطبي ﵀: يعني أنه لو استقى هو بيده لاقتدى الناس به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول

стр. 13547

خصوصية بني عبد المطلب، وهي ثابتة لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي - إن شاء الله تعالى -. ويقال: نَزَع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصل فيها الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق، فالأصل في مضارعه أن يأتي على: يَفْعُل، بفتح العين أو بضمها، والنزع: الاستقاء بالرِّشا، والنزح بالحاء: الاستقاء بالدَّلو. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: قوله: "فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ … إلخ" معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحجّ، ويزدحمون عليه، بحيث يغلبونكم، ويدفعونكم عن الاستقاء، لاستقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء، وقيل: إنما قال ذلك شفقةً على أمته من الحرج والمشقّة، والأول أظهر. أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ اذهب إلى أمك، فَأْتِ رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال: "اسقني"، قال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: "اسقني"، فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون، ويعملون فيها، فقال: "اعملوا، فإنكم على عمل صالح - ثم قال -: لولا أن تُغْلَبُوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه"، يعني عاتقه، وأشار إلى عاتقه. [فائدة]: قال النوويّ ﵀ في "تهذيب الأسماء واللغات": "زَمْزَمُ" - زادها الله تعالى شرفًا - بزاءين، وفتحهما، وإسكان الميم بينهما - وهي بئر في المسجد الحرام - زاده الله تعالى شرفًا - بينها وبين الكعبة - زادها الله تعالى شرفًا - ثمان وثلاثون ذراعًا، قيل: سُمِّيت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماهلا زمزم، وزمزومٌ، وزمزام: إذا كان كثيرًا، وقيل: لضمّ هاجر ﵍ لمائها حين انفجرت، وزَمِّها إياها، وقيل: لزمزمة جبريل، وكلامه، وقيل: إنه غير مشتقّ، ولها أسماء أُخَرُ، ذكرها الأزرقيّ وغيره: هَزْمَةُ جبريل، والهزمة الغمزة بالعقِب في الأرض، وبَرّة، وشُباعة، والمضنونة، وتَكْتُم، ويقال لها: طعامُ طُعم،

стр. 13548

وشفاءُ سُقْم، وشراب الأبرار، وجاء في الحديث: "ماء زمزم طعام طُعْم، وشفاء سقم"، وجاء: "ماء زمزم لما شُرِب له"، معناه: من شربه لحاجة نالها، وقد جَرَّبه العلماء والصالحون لحاجات أخروية ودنيوية، فنالوها بحمد الله تعالى، وفضله. وفي "الصحيح" عن أبي ذر الغفاريّ ﵁ أنه أقام شهرًا بمكة، لا قوت له إلا ماء زمزم، وفضائلها أكثر من أن تُحْصَر، والله تعالى أعلم. وروى الأزرقيّ، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يَفِدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صَبُوحًا لهم، وقد كنا نَعُدّها عونًا على العيال، قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تُسَمَّى شُباعة. وفي غريب الحديث لابن قتيبة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "خير بئر في الأرض زمزم، وشرّ بئر في الأرض بُرْهُوت" (١). قال ابن قتيبة: "برهوت": بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفار فيها، وذكر له دلائل. قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كل ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعًا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلى البئر مَكْبَس ساجٍ مُرَبَّع، فيه اثنتا بكرة يُستقى عليها، وأول من عمل الرُّخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته. قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يسقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أَدَم بفناء الكعبة، فيَرِده الحاج حتى يتفرقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاجّ حتى توفي، فقام بأمر السقاية من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك

стр. 13549

حتى حَفَر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاجّ، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي لبنها بالعسل في حوض من آدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبِذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر ليكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاج في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرها النبيّ ﷺ في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد الله بن عباس ﵂، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا ينازعه فيها منازع، حتى توفي، فكانت بيد ابنه علي بن عبد الله، يفعل كفعل أبيه وجدّه، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى (١). وأخرج الطبرانيّ بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السقم، وشرّ ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقبة حضرموت، كرجل الجراد من الهوام، تصبح تتدفق، وتمسي لا بلال فيها"، قال الهيثميّ بعد عزوه إلى الطبرانيّ: ورجاله ثقات، وصححه ابن حبّان (٢)، وبُرُهُوت بضمّ الموحّدة، والراء، والهاء، آخره تاء مثنّاة: بئر عميقة بحضرموت، لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: بُرْهوت، بضمّ الباء، وسكون الراء. (فَنَاوَلُوهُ) أي: أعطوه (دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ) أي: من الدلو، أو من الماء، وفيه دليل على استحباب الشرب للحاجّ من ماء زمزم.

стр. 13550

وذكر الواقديّ أنه لما شَرب صبّ على رأسه، وذكر أبو ذرّ في "منسكه" عن عليّ ﵁ أن النبيّ ﷺ لَمّا أفاض دعا بسجل من زمزم، فتوضّأ، وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: دعا بسجل من ماء زمزم، فشرب منه، وتوضّأ، وأخرجه أيضًا من حديث ابن عبّاس ﵄، وفي رواية عنده أنهم لَمّا نزعوا الدلو، غسل منه وجهه، وتمضمض فيه، ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور. قيل: ويستحبّ أن يشرب قائمًا، واستُدلّ له بما رواه البخاريّ من طريق عاصم، عن الشعبيّ أن ابن عباس حدّثهم قال: سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب، وهو قائم، قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. قال في "المرعاة": وفي الاستدلال بهذا على استحباب الشرب من زمزم قائمًا نظر؛ لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب، وهو على الراحلة، ويُطلق عليه قائم، ويكون ذلك مراد ابن عبّاس ﵄ من قوله: "قائمًا"، فلا يكون بينه وبين النهي عن الشرب قائمًا تضادّ، وبجوز أن يُحمل على ظاهره، وبكون دليلًا على إباحة الشرب قائمًا، يعني أنه ﷺ شربه قائمًا؛ لبيان الجواز، قيل: أو لعذر به في ذلك المقام من طين، أو زحام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [فوائد]: (الأولى): أخرج أحمد، وابن ماجه من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: "ماء زمزم لما شُرب له"، وأخرجه الدارقطنيّ، من حديث ابن عبّاس ﵄، وزاد: "إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل"، وروى أبو داود الطيالسيّ من حديث أبي ذرّ مرفوعًا: "إنها مباركة، وإنها طعام طُعم، وشفاء سقم". وقد شربه جماعة من العلماء لمآرب، فوجدوها، ونالوها. أخرج الدينوري في "المجالسة" عن الحميدي - وهو شيخ البخاريّ -

стр. 13551

قال: كنا عند ابن عيينة، فحدّثنا بحديث: "ماءُ زمزم لما شُرِب له"، فقام رجل من المجلس، ثم عاد، فقال: يا أبا محمد، ليس الحديث الذي قد حدثتنا في زمزم صحيحًا، فقال: بلى، فقال الرجل: فإني شربت الآن دلوًا من زمزم على أن تحدثني بمائة حديث، فقال سفيان ﵀: اقعد، فقعد، فحدثه بمائة حديث (١). (الثانية): روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تَحمل من ماء زمزم، وتخبر عن النبيّ ﷺ أنه كان يحمله، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ غريب، والبيهقيّ، والحاكم، وصححه (٢)، قال الشوكانيّ ﵀: فيه دليلٌ على استحباب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة. وعن أبي الطفيل، عن ابن عباس ﵄، قال: سمعته يقول: كنا نسميها شُباعة، يعني زمزم، وكنا نجدها نعم العون على العيال. رواه الطبراني في "الكبير"، قال الهيثميّ: ورجاله ثقات. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "ابن السبيل أول شارب"، يعني من زمزم، رواه الطبراني في "الصغير"، قال الهيثميّ: ورجاله ثقات. وعن ابن عباس ﵄: أن النبيّ ﷺ استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم، رواه الطبرني في "الكبير"، و"الأوسط"، قال الهيثميّ: وفيه عبد الله بن المؤمل المخزوميّ وثقه ابن سعد، وابن حبان، وقال: يخطئ، وضعّفه جماعة (٣). (الثالثة): قال ابن عباس ﵄ الرجل: من أين جئت؟ قال: شربت من زمزم، قال: شربت كما ينبغي؟ قلت: كيف أشرب؟ قال: إذا شربت فاستقبل القبلة، ثم اذكر اسم الله، ثم تنفس ثلاثًا، وتضلّع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن النبيّ ﷺ قال: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم"، أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ (٤)، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر مجهول.

стр. 13552

وكان ابن عباس ﵄ إذا شرب ماء زمزم قال: "اللهم أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء"، أخرجه الدارقطنيّ، والحاكم، وهو ضعيف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: حديث جابر ﵁ هذا رواه عنه سبعة من أصحابه الثقات، وهو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر، وأبو الزبير بن محمد بن مسلم المكيّ، وعطاء بن أبي رباح المكيّ، ومجاهد بن جبر المكيّ، ومحمد بن المنكدر المدنيّ، وأبو صالح ذكوان السمان المدنيّ، وأبو سفيان طلحة بن نافع الواسطيّ نزيل مكة. فأما رواية الأول فأخرجها مسلم، وأبو نعيم في "مستخرجه"، وأبو داود، والدارميّ، وابن ماجه، وابن الجارود في "المنتقى"، والبيهقي من طريق جعفر بن محمد الصادق عنه بتمامه. وساقه مسلم هنا بتمامه، وأخرج القسم الأكبر منه الطيالسي في "مسنده"، وأحمد، وروى قطعًا متفرقة منه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، والدارميّ، وابن ماجه، ومالك في "موطئه"، والطحاوي في "شرح معاني" الآثار، وفي "مشكل الآثار"، والطبراني في "المعجم الصغير"، والدارقطني في "سننه"، والحاكم في "المستدرك"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه الكبرى"، وأحمد في "مسنده"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى"، وأبو نعيم في "حلية الأولياء". وأما رواية أبي الزبير: فأخرجها مسلم، وأبو نعيم في "المستخرج"، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، والدارميّ، وابن ماجه، والشافعيّ، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار"، وفي "مشكل الآثار"، والدارقطنيّ، والحاكم، والبيهقيّ، والطيالسيّ، وأحمد، وابن سعد.

стр. 13553

وأما رواية عطاء: فأخرجها البخاريّ، ومسلم، وأبو نعيم، وأبو داود، والنسائيّ، والدارميّ، وابن ماجه، والشافعيّ، والطحاويّ في "شرح معاني الآثار" وفي "المشكل"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، والبيهقيّ، والطيالسيّ، وأحمد، وابن سعد. وأما رواية مجاهد: فأخرجها البخاريّ، ومسلم، والحاكم، والبيهقيّ، وأحمد. وأما رواية محمد بن المنكدر: فأخرجها الترمذيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ، وأحمد. وأما رواية أبي صالح، وأبي سفيان، فأخرجهما أحمد في "مسنده". وقد أجاد الشيخ الألبانيّ ﵀ في تخريج هذه الروايات في رسالته القيّمة: "حجة النبيّ ﷺ كما رواها عنه جابر ﵁، فراجعها تستفد علمًا جمًّا. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٩٥٠ و ٢٩٥١ و ٢٩٥٢ و ٢٩٥٣] (١٢١٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٠٥)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٢١)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢/ ١٠٢٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٠)، و (الدا رميّ) في "سننه" (٢/ ٦٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٨٧ و ٢٨٠٢ و ٢٨٠٩ و ٢٨١٢ و ٢٨٢٦ و ٢٨٥٥ و ٢٩٤٤ و ٣٥٧٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٢٥)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨ و ٥/ ٢٧٤ و ٩/ ١٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): (اعلم): أنه قد تقدّم ذكر كثير من هذه الفوائد خلال الشرح، لكن جمعها وسوقها متتاليةً في موضع واحد أتمّ فائدة، وأعون على الفهم، والاستفادة، فتنبّه.

стр. 13554

١ - (فمنها): بيان حجة النبيّ ﷺ منذ أن خرج من المدينة إلى أن انتهى من أعمال الحج، فجابر بن عبد الله ﵄ أحسن الصحابة الذين رووا حجة الوداع سياقة لها. ٢ - (ومنها): أنه يستحب من ورد عليه زائرون، أو ضِيفان، ونحوهم أن يسأل عنهم؛ لِيُنْزِلهم منازلهم، كما جاء في حديث عائشة ﵍: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنَزِّل الناس منازلهم"، وهو حديث مرسلٌ، لكن قد تقدّم أنّ المصنّف احتجّ به في "مقدّمة صحيحه". ٣ - (ومنها): أن فيه إكرامَ أهل بيت رسول الله ﷺ كما فعل جابر ﵁ بمحمد بن عليّ. ٤ - (ومنها): استحباب قوله للزائر، والضيف، ونحوهما: "مَرْحَبًا". ٥ - (ومنها): ملاطفة الزائر بما يليق به، وتأنيسه، وهذا سبب حَلّ جابر ﵁ زِرَّي محمد بن علي ﵀، ووضع يده بين ثدييه، وإنما فعل به ذلك؛ تأنيسًا له؛ لصغره، كما أشار إليه بقوله: "وأنا يومئذ غلام شاب"، وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه، والمسح بين ثدييه، قاله النوويّ ﵀. ٦ - (ومنها): جواز إمامة الأعمى البصراءَ، ولا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب، قال النوويّ ﵀: وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأن الأعمى أكمل خشوعًا لعدم نظره إلى الملهيات. والثاني: البصير أفضل لأنه أكثر احترازًا من النجاسات. والثالث: هما سواء؛ لتعادل فضيلتهما، وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا، وهو نصّ الشافعيّ. قال الجامع عفا الله عنه: إن مثل هذا الاختلاف مما يُتعجب منه، فكيف يختلفون فيه بعد بيان النبيّ ﷺ الأحقّ والأفضل في الإمامة، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أبي مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سِلْمًا … "

стр. 13555

الحديث، فلم يفضّل بالبصر، ولا عدمه، فمن كان متّصفًا بما في هذا الحديث، فهو الأحقّ، والأفضل بالإمامة من غيره، سواء كان بصيرًا، أو أعمى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٧ - (ومنها): أن صاحب البيت أحقّ بالإمامة من غيره. ٨ - (ومنها): جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه. ٩ - (ومنها): جواز نسبة الثدي للرجل، وفيه خلاف لأهل اللغة، منهم من جَوَّزه كالمرأة، ومنهم من منعه، وقال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في الرجل: ثَنْدُؤة، وقد سبق إيضاحه في أوائل "كتاب الإيمان" في حديث الرجل الذي قتل نفسه، فقال فيه النبيّ ﷺ : إنه من أهل النار". ١٠ - (ومنها): أنه يُستحبّ للإمام إيذان الناس بالأمور المهمّة؛ ليتأهّبوا لها، ولا سيّما في هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة. ١١ - (ومنها): بيان استحباب غسل الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقل. ١٢ - (ومنها): أن فيه أمرَ الحائض، والنفساء، والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن تَشُدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خِرْقة عَرِيضة تجعلها على محلّ الدم، وتَشُدّ طرفيها من قدّامها، ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بِثَفَر الدابة - بفتح الفاء -. ١٣ - (ومنها): بيان صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه. ١٤ - (ومنها): جواز الحجّ راكبًا وماشيًا، وهو مُجْمَعٌ عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، واخَتَلَف العلماء في الأفضل منهما، فقال مالك، والشافعيّ، وجمهور العلماء: الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبيّ ﷺ ، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أكثر نفقةً، وقال داود: ماشيًا أفضل؛ لمشقته، وهذا فاسد؛ لأن المشقة ليست مطلوبة (١).

стр. 13556

١٥ - (ومنها): بيان أن السنة للحجاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات؛ ليطوفوا للقدوم وغير ذلك. ١٦ - (ومنها): بيان أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يُسَنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه. ١٧ - (ومنها): بيان أن الطواف سبع طوافات. ١٨ - (ومنها): بيان أن السنة في الطواف الرَّمَلُ في الثلاث الأوَل، والمشي على العادة في الأربع الأخيرة، والرَّمَلُ هو إسراع المشي مع تقارب الْخُطَا، ويقال له: الْخَبُب. ١٩ - (ومنها): بيان أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. ٢٠ - (ومنها): بيان أنه يُستحبّ للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام، أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يَخرُج من باب الصفا ليسعى، كما فعل النبيّ ﷺ . ٢١ - (ومنها): بيان أن بداية السعي من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائيّ في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبيّ ﷺ قال: "ابدءوا بما بدأ الله به" هكذا بصيغة أمر الجماعة، والأمر للوجوب، فلا يجوز أن يبدأ من المروة، فتنبّه. ٢٢ - (ومنها): أنه ينبغي أن يَرْقَى على الصفا والمروة ولا خلاف بين الجمهور في هذا الرقيّ، وجعله بعضهم شرطًا في صحة السعي، والصواب الأول. ٢٣ - (ومنها): بيان أنه يسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور في الحديث، ويدعوَ، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. ٢٤ - (ومنها): بيان استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما

стр. 13557

قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة، على الراجح، والله تعالى أعلم. ٢٥ - (ومنها): بيان أنه يُسَنّ على المروة من الذكر والدعاء والرقيّ مثل ما يُسَنّ على الصفا، وهذا متفق عليه؛ لقوله في الحديث: "ففعل - يعني النبيّ ﷺ - على المروة مثل ما فعل على الصفا". ٢٦ - (ومنها): أن قوله: "حتى إذا كان آخر طواف على المروة" فيه دلالة لمذهب الجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحْسَب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقد خالف في ذلك بعضهم، فقال: يُحْسَب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرةً واحدةً، فيقع آخر السبع في الصفا، هو مردود بهذا الحديث الصحيح، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، كما قاله النوويّ. ٢٧ - (ومنها): استحباب التقصير من يتحلّل بالعمرة ممن لم يسق الهدي من الحجاج. ٢٨ - (ومنها): بيان أن الأفضل أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ أحرم يوم التروية؛ عملًا بهذا الحديث، ولا ينبغي له أن يتقدّم قبل ذلك على القول الراجح. ٢٩ - (ومنها): بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية، وقد كَرِهَ مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به، والحقّ أن هذا خلاف السنة، فليُتنبّه. ٣٠ - (ومنها): بيان أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي. هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، كما قاله النوويّ ﵀. ٣١ - (ومنها): بيان أن السنّة أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس. ٣٢ - (ومنها): بيان أن المبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة سنّة، ليس بركن، ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع، هكذا قال النوويّ ﵀.

стр. 13558

٣٣ - (ومنها): بيان أن السنة أن لا يخرج الحجّاج إلى عرفات من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. ٣٤ - (ومنها): بيان استحباب النزول بنمرةَ إذا ذهبوا من منى؛ لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعًا، فالسنة أن ينزلوا بنمرة، فمن كان له قبة ضربها، فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى بطن عرنة، وخطب بهم، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جمعًا، فإذا فرغ من الصلاة سار إلى الموقف. ٣٥ - (ومنها): بيان جواز الاستظلال للمحرم بِقُبّة وغيرها، قال النوويّ: ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك، وأحمد، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها - إن شاء الله تعالى -. ٣٦ - (ومنها): جواز اتخاذ القباب، وجواز كونها من شعر. ٣٧ - (ومنها): بيان استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية. ٣٨ - (ومنها): بيان استحباب ضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا؛ لزيادة الإيضاح والبيان، فإنه ﷺ قال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا … " الحديث. ٣٩ - (ومنها): بيان إبطال أفعال الجاهلية، وبيوعها التي لم يتصل بها قبض، وأنه لا قصاص في قتلها. ٤٠ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للإمام وغيره، ممن يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر أن يبدأ بنفسه، وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله، وإلى طيب نفس مَن قَرُب عهده بالإسلام، فإنه ﷺ قال: "والدم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة … " الحديث، وقال أيضًا: "وأول ربًا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطّلب، فإنه موضوع كلّه". ٤١ - (ومنها): الحثّ على مراعاة حقّ النساء، والوصية بهنّ، ومعاشرتهنّ بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهنّ،

стр. 13559

وبيان حقوقهنّ، والتحذير من التقصير في ذلك، قال النوويّ ﵀: وقد جمعتها، أو معظمها في "رياض الصالحين". انتهى. ٤٢ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن في دخول بيتها لأحد يكره الزوج دخوله، سواء كان رجلًا أجنبيًّا، أو امرأةً، أو أحدًا من محارم الزوجة، ويجوز لها أن تأذن من علمت، أو ظنت أن الزوج لا يكرهه. ٤٣ - (ومنها): بيان إباحة ضرب الرجل امرأته؛ للتأديب، قال النوويّ ﵀: فإن ضربها الضرب المأذون فيه، فماتت منه، وجبت ديتها على عاقلة الضارب، ووجبت الكفارة في ماله. ٤٤ - (ومنها): بيان وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالإجماع. ٤٥ - (ومنها): بيان أنه يُشْرَع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل: بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعيّ، وقال أكثر أصحاب الشافعيّ: هو بسبب السفر، والأول هو الأرجح، فيُشرع من كان حاضرًا، أو مسافرًا دون مرحلتين، كأهل مكة الجمع، والقصر، كما فعل كل من صلّى خلف النبيّ ﷺ من الحاضرين والمسافرين، وقد تقدّم تحقيق ذلك. ٤٦ - (ومنها): بيان أن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أوّلًا، وأنه يؤذّن للأولى، وأنه يقيم لكل واحدة منهما، وأنه لا يفرّق بينهما. ٤٧ - (ومنها): بيان أنه إذا فرغ من الصلاتين عَجّل الذهاب إلى الموقف. ٤٨ - (ومنها): بيان أن الوقوف راكبًا أفضل، وفيه خلاف بين العلماء، واتّباع فعل النبيّ ﷺ هو الصواب. ٤٩ - (ومنها): بيان أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحبّ، وأما ما اشتهر بين العوامّ من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلطٌ، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله ﷺ -

стр. 13560

عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، قاله النوويّ ﵀. ٥٠ - (ومنها): استحباب استقبال الكعبة في الوقوف. ٥١ - (ومنها): أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صحّ وقوفه وحجه، ولكنه أساء. ٥٢ - (ومنها): جواز الإرداف إذا كانت الدابّة مطيقةً، وقد تظاهرت به الأحاديث الصحيحة. ٥٣ - (ومنها): استحباب لزوم السكينة والوقار في الدفع من عرفات، فإذا وجد فرجة يسرع، كما ثبت في الحديث الآخر. ٥٤ - (ومنها): بيان أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنيّة الجمع، ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء، وقد تقدّم أن الراجح أن الجمع بسبب النسك، كما قال به طائفة من العلماء. قال النوويّ ﵀: ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، وصلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك، لكنه خلاف الأفضل، هذا مذهبنا، وبه قال جماعات من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعيّ، وأبو يوسف، وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة، ولا يجوز قبلها، وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة إلا من به أو بدابته عذر، فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط كونه بعد مغيب الشفق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن قول من قال: لا يصلي قبل المزدلفة هو الحقّ؛ لقوله ﷺ : "الصلاة أمامك"، فلا يجوز تقديمها قبل مكانها المحدّد شرعًا، فتبصّر. ٥٥ - (ومنها): بيان أنه يصلي الصلاتين في وقت الثانية بأذان للأولى، وإقامتين لكل واحدة منهما، وهذا هو الصحيح عند المحقّقين، وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى، ويؤذن ويقيم أيضًا للثانية، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: أذان واحد وإقامة واحدة، والقول الأول هو الحقّ، لهذا الحديث.

стр. 13561

٥٦ - (ومنها): بيان أنه يوالي بين الصلاتين المجموعتين، ولا خلاف في هذا، لكن اختلفوا هل هو شرط للجمع أم لا؟ والصحيح عند الشافعيّة أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعضهم: هو شرط، أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف، قاله النوويّ. ٥٧ - (ومنها): بيان أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نُسك، قال النوويّ: وهذا مجمع عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب، أم ركن، أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعيّ أنه واجب، لو تركه أثم، وصحّ حجه، ولزمه دم، والثاني أنه سنةٌ، لا إثم في تركه، ولا يجب فيه دم، ولكن يستحبّ، وقال جماعة من أصحابنا: هو ركن لا يصح الحج إلا به، كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا: ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين، وهم: علقمة، والأسود، والشعبيّ، والنخعيّ، والحسن البصريّ. انتهى. تقدّم أن الأرجح أن المبيت في المزدلفة سنة، وأما صلاة الصبح، والوقوف بالمشعر الحرام، فواجب إلا لأصحاب الأعذار كالمريض، والعجزة؛ لحديث عروة بن مُضرّس ﵁ الماضي، ولقوله - سبحانه وتعالي -: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والأمر للوجوب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٥٨ - (ومنها): أن السنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم الدفع قبل الفجر، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى -. ٥٩ - (ومنها): أن السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع، ويتأكد التبكير بها، في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة؛ للاقتداء برسول الله ﷺ ، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فيسنّ المبالغة بالتبكير بالصبح؛ ليتسع الوقت للوظائف. ٦٠ - (ومنها): بيان أنه يسنّ الأذان والإقامة لصلاة الصبح في المزدلفة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول الله ﷺ في السفر كما في الحضر.

стр. 13562

٦١ - (ومنها): بيان أن الركوب أفضل من المشي في الإتيان إلى المشعر الحرام. ٦٢ - (ومنها): بيان أن الوقوف على قُزَح من مناسك الحج، قال النوويّ ﵀: وهذا لا خلاف فيه، لكن اختلفوا في وقت الدفع منه، فقال ابن مسعود، وابن عمر ﵄، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه، يدعو، ويذكر الله، حتى يُسْفِرَ الصبح جِدًّا، كما في هذا الحديث، وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار، والحديث يردّ عليه. ٦٣ - (ومنها): أن فيه الحثّ على غَضّ البصر عن الأجنبيّات، وغضّهنّ عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قوله: "وكان أبيض وسيمًا حسن الشعر"، يعني أنه بصفة مَن تُفْتَتن النساء به؛ لحسنه، وفي رواية الترمذيّ وغيره في هذا الحديث: أن النبيّ ﷺ لَوَى عنق الفضل، فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك؟ قال: "رأيت شابًّا وشابّةً، فلم آمن الشيطان عليهما"، فهذا يدلّ على أن وضعه ﷺ يده على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها. ٦٤ - (ومنها): بيان أن من رأى منكرًا، وأمكنه إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه، ولم ينكفّ المقول له، وأمكنه بيده أَثِمَ ما دام مقتصرًا على اللسان، فقد تقدّم للمصنّف حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا: "من رأى منكم منكرًا، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". ٦٥ - (ومنها): بيان أن تحريك الراحلة حتى تُسرع في وادي محسّر سنّة من سُنَن السير في ذلك الموضع. ٦٦ - (ومنها): أن في قوله: "ثم سلك الطريق الوسطى" بيان أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنّة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات. ٦٧ - (ومنها): بيان أن السنّة للحاجّ إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله. ٦٨ - (ومنها): بيان أن الرمي بسبع حصيات، وأن قدرهنّ بقدر حصى الْخَذْف، وهو نحو حبة الباقلاء.

стр. 13563

٦٩ - (ومنها): بيان أنه يسن التكبير مع كل حصاة. ٧٠ - (ومنها): بيان أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدةً واحدةً، كما فعل النبيّ ﷺ ، فإن رمى السبعة رَمْيَةً واحدةً حُسِب ذلك كله حصاة واحدة على الصحيح من أقوال العلماء. ٧١ - (ومنها): بيان أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يقف مستقبل الكعبة، والأول هو الحقّ. ٧٢ - (ومنها): بيان أن الرمي المشروع يوم النحر هو رمي جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين، وهو نُسك بإجماعهم. ٧٣ - (ومنها): بيان استحباب تكثير الهدي، وكان هدي النبيّ ﷺ في تلك السنة مائة بَدنة. ٧٤ - (ومنها): بيان استحباب ذبح المهدي هديه بنفسه، وجواز الاستنابة فيه، قال النوويّ ﵀: وذلك جائز بالإجماع. ٧٥ - (ومنها) بيان استحباب تعجيل ذبح الهدايا، وإن كانت كثيرة في يوم النحر، ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق. ٧٦ - (ومنها): بيان استحباب الأكل من هدي التطوع، وأضحيته. ٧٧ - (ومنها): بيان استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة، ومن مكة إلى منى، ونحو ذلك من مناسك الحجّ. ٧٨ - (ومنها): بيان فضيلة العمل في هذا الاستقاء، واستحباب شرب ماء زمزم، وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العبّاس، كبقاء الحجابة لبني شيبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر بعض النصائح للحجاج، مما ذكره الشيخ الألبانيّ ﵀ في "حجة الوداع": ١ - (فمنها): أن كثيرًا من الحجاج إذا أحرموا بالحج لا يشعرون أنهم تلبّسوا بعبادة تَفْرِض عليهم الابتعاد عما حرّم الله تعالى من المحرّمات عليهم خاصّة، وعلى كل مسلم عامّة، وكذا تراهم يحجون، ويفرغون منه، ولم يتغير

стр. 13564

شيء من سلوكهم المنحرف قبل الحج، وذلك دليل عملي منهم على أن حجهم ليس كاملًا، إن لم نَقُلْ: ليس مقبولًا، ولذلك فإن على كل حاج أن يتذكر هذا، وأن يحرص جهد طاقته أن لا يقع فيما حرّم الله عليه من الفسق والمعاصي، فإن الله ﵎ يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، وقال رسول الله ﷺ : "من حج، فلم يرفُث، ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، متّفق عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث فلهذا ميّز بينه وبين الفسوق، وأما سائر المحظورات، كاللباس، والطيب، فإنه وإن كان يأثم بها فلا تُفْسِد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين، وهو يشير في آخر كلامه إلى أن هناك من العلماء من يقول بفساد الحج بأي معصية يرتكبها الحاجّ، فمن هؤلاء الإمام ابن حزم ﵀، فإنه يقول: (وكلّ من تعمّد معصية أيّ معصية كانت، وهو ذاكر لحجه مذ أن يتم طوافه بالبيت للإفاضة، ويرمي الجمرة فقد بطل حجه … ). واحتج بالآية السابقة، فراجعه في كتابه (المحلى) (٧/ ١٨٦) فإنه مهمّ. ومما سبق يتبيّن أن المعصية من الحاجّ إما أن تُفسد عليه حجه على قول ابن حزم، وإما أن يأثم بها، ولكن هذا الإثم ليس كما لو صدر من غير الحاجّ، بل هو أخطر بكثير، فإن من آثاره أن لا يرجع من ذنوبه كما ولدته أمه كما صرح بذلك الحديث المتقدم. فبذلك يكون كما لو خَسِرَ حجته؛ لأنه لم يحصل على الثمرة منها، وهي مغفرة الله تعالى، فالله المستعان. قال: وإذا تبيّن هذا، فلا بدّ لي من أن أحذّر من بعض المعاصي التي يكثر ابتلاء الناس بها، ويحرمون بالحج، ولا يشعرون بأن عليهم الإقلاع عنها، وذلك لجهلهم، وغلبة الغفلة عليهم، وتقليدهم لآبائهم. ٢ - (فمنها): الشرك بالله ، فإن من أكبر المصائب التي أصيب بها بعض المسلمين جهلهم بحقيقة الشرك الذي هو من أكبر الكبائر، ومن صفته أنه يُحبط الأعمال، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فقد

стр. 13565

رأينا كثيرًا من الحجاج يقعون في الشرك، وهم في بيت الله الحرام، وفي مسجد النبيّ ﷺ يتركون دعاء الله، والاستغاثة به إلى الاستعانة بالأنبياء وبالصالحين، ويحلفون بهم، ويدعونهم من دون الله ، والله يقول: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، وفي هذه كفاية لمن فتح قلبه للهداية؛ إذ ليس الغرض الآن البحث العلمي في هذه المسألة، وإنما هو التذكير فقط. قال: فليت شعري ماذا يستفيد هؤلاء من حجهم إلى بيت الله الحرام إذا كانوا يصرّون على مثل هذا الشرك، ويغيّرون اسمه فيسمونه توسلًا وتشفعًا وواسطةً، أليست هذه الواسطة هي التي ادّعاها المشركون من قبل يبررون بها شركهم، وعبادتهم لغيره ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فيا أيها الحاج قبل أن تعزم على الحج يجب عليك وجوبًا عينيًا أن تبادر إلى معرفة التوحيد الخالص، وما ينافيه من الشرك، وذلك بدراسة كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ ، فإن من تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما ضلّ، والله المستعان. ٣ - (ومنها): التزين بحلق اللحية، وهذه المعصية من أكثر المعاصي شيوعًا بين المسلمين في هذا العصر بسبب استيلاء الكفار على أكثر بلادهم، ونقلهم هذه المعصية إليها، وتقليد المسلمين لهم فيها، مع نهيه ﷺ إياهم عن ذلك صراحة في قوله ﷺ : "خالفوا المشركين، احفوا الشوارب، وأوفوا اللحى"، متّفق عليه، وفي حديث آخر: "وخالفوا أهل الكتاب"، وفي هذه القبيحة عدة مخالفات: الأولى: مخالفة أمره ﷺ الصريح بالإعفاء. الثانية: التشبه بالكفار. الثالثة: تغيير خلق الله الذي فيه طاعة الشيطان في قوله - كما حكى الله تعالى ذلك عنه -: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. الرابعة: التشبه بالنساء، وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك.

стр. 13566

قال: وإن من المشاهدات التي يراها الحريص على دينه أن جماهير من الحجاج يكونون قد وفَّروا لحاهم بسبب إحرامهم، فإذا تحللوا منه، فبدل أن يحلقوا رؤوسهم كما ندب إليه رسول الله ﷺ حلقوا لحاهم التي أمرهم ﷺ بإعفائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٤ - (ومنها): تختم الرجال بالذهب، قال: لقد رأينا كثيرًا من الحجاج قد تزينوا بخاتم الذهب، ولدى البحث معهم في ذلك تبيّن أنهم على ثلاثة أنواع: بعضهم لا يعلم تحريمه، ولذلك كان يسارع إلى نزعه بعد أن نذكر له شيئًا من النصوص المحرِّمة، كحديث: "نهى ﷺ عن خاتم الذهب"، مُتّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده؟ "، رواه مسلم. وبعضهم على علم بالتحريم، ولكنه متبع لهواه، فهذا لا حيلة لنا فيه إلا أن يهديه الله. وبعضهم يعترف بالتحريم، ولكن يعتذر هو - كما يقال: عذر أقبح من ذنب - فيقول: إنه خاتم الخطبة، ولا يدري المسكين أنه بذلك يجمع بين معصيتين: مخالفة نهيه ﷺ الصريح كما تقدم، وتشبهه بالكفار؛ لأن خاتم الخطبة لم يكن معروفًا عند المسلمين إلى ما قبل هذا العصر، ثم سرت هذه العادة إليهم من تقاليد النصارى (١). ٥ - (ومنها): التحذير من أن يدع الحاجّ البيات في منى ليلة عرفة، وكذا البيات في المزدلفة ليلة النحر، فذلك من هدي نبيك ﷺ ، لا سيما في البيات في المزدلفة حتى الصبح، فهو ركن من أركان الحجّ على الراجح من أقوال

стр. 13567

أهل العلم، ولا تغتر بما يزخرف لك من القول بعض من يسمون بـ "المطوفين"، فإنهم لا هَمّ لهم إلا قبض الفلوس، وتقليل العمل الذي أخذوا عليه الأجر كافيًا وافيًا على أدائه بتمامه، وسواء عليهم بعد ذلك أتمّ حجك أم نقص؟ اتبعت سنة نبيك أم خالفت؟ ٦ - (ومنها): الحذر من أن تمر بين يدي أحد من المصلين في المسجد الحرام، وفي غيره من المساجد؟ لقوله ﷺ : "لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه"، قال الراوي: لا أدري قال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة، متّفق عليه. قال: وكما لا يجوز لك هذا، فلا يجوز لك أيضًا أن تصلي إلى غير سترة، بل عليك أن تصلي إلى أيّ شيء يمنع الناس من المرور بين يديك، فإن أراد أحد أن يجتاز بينك وبين سترتك فعليك أن تمنعه، وفي ذلك أحاديث وآثار أذكر بعضها: ١ - منها: حديث: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرجل فليصلّ، ولا يبالي من مر من وراء ذلك"، متّفقٌ عليه. ٢ - وحديث: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، وليدرأ ما استطاع، فإن أبى فليقاتل، فإنما هو شيطان"، متّفق عليه. ٣ - قال يحيى بن كثير: "رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئًا أو هيأ شيئًا يصلي إليه"، رواه ابن سعد في "الطبقات" (١٨/ ٧) بسند صحيح. ٤ - عن صالح بن كيسان قال: "رأيت ابن عمر ﵄ يصلي في الكعبة، ولا يَدَع أحدًا يمر بين يديه"، رواه أبو زرعة الرازيّ في "تاريخ دمشق" (٩١/ ١) (٢)، وكذا ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٨/ ١٠٦/ ٢) بسند صحيح. قال: ففي الحديث الأول إيجاب اتخاذ السترة، وأنه إذا فعل ذلك فلا يضره من مر وراءها. وفي الحديث الثاني: إيجاب دفع المارّ بين يدي المصلي إذا كان يصلي إلى السترة، وتحريم المرور عمدًا، وأن فاعل ذلك شيطان.

стр. 13568

قال: وليت شعري ما هو الكسب الذي يعود به الحاج إذا رجع، وقد استحقّ هذا الاسم (الشيطان)؟ والحديثان، وما في معناهما مطلقان، لا يختصان بمسجد دون مسجد، ولا بمكان دون مكان، فهما يشملان المسجد الحرام، والمسجد النبويّ من باب أولى؛ لأن هذه الأحاديث إنما قالها ﷺ في مسجده، فهو المراد بها أصالةً، والمساجد الأخرى تبعًا. والأثران المذكوران نصّان صريحان على أن المسجد الحرام داخل في تلك الأحاديث، فما يقال من بعض المطوفين وغيرهم: إن المسجد المكيّ والمسجد النبويّ مستثنيان من النهي لا أصل له في السنة، ولا عن أحد من الصحابة، اللهم سوى حديث واحد، رُوي في المسجد المكيّ لا يصح إسناده، ولا دلالة فيه على الدعوى، كما سيأتي بيانه في بيان بدع الحج - إن شاء الله تعالى. ٧ - (ومنها): أن على أهل العلم والفضل أن يغتنموا فرصة التقائهم بالحجاج في المسجد الحرام وغيره من المواطن المقدسة، فيعلّموهم ما يلزم من مناسك الحج، وأحكامه على وفق الكتاب والسنّة، وأن لا يشغلهم ذلك عن الدعوة إلى أصل الإسلام الذي من أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، ألا وهو التوحيد، فإن أكثر من لقيناهم حتى ممن ينتمي إلى العلم وجدناهم في جهل بالغ بحقيقة التوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات، كما أنهم في غفلة تامة عن ضرورة رجوع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وكثرة أحزابهم إلى العمل الثابت في الكتاب والسنة في العقائد والأحكام والمعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من شؤون الحياة، وأن أيّ صوت يرتفع، وأيّ إصلاح يُزْعَم على غير هذا الأصل القويم، والصراط المستقيم، فسوف لا يجني المسلمون منه إلا ذُلًّا وضُعفًا، والواقع أكبر شاهد على ذلك، والله المستعان. وقد تتطلب الدعوة إلى ما سبق شيئًا قليلًا أو كثيرًا من الجدال بالتي هي أحسن، كما قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فلا يصدنّك عن ذلك معارضة الجهلة

стр. 13569

بقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فإن الجدال المنهيّ عنه في الحج هو كالفسق المنهيّ عنه في غير الحج أيضًا، وهو الجدال بالباطل، وهو غير الجدال المأمور به في آية الدعوة، قال ابن حزم ﵀ (٧/ ١٩٦): والجدال قسمان: قسم في واجب وحقّ، وقسم في باطل، فالذي في الحقّ واجب في الإحرام وغير الإحرام، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥]، ومن جادل في طلب حقّ له، فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى، وسعى في إظهار الحقّ والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حقّ لغيره، أو لله تعالى، والجدال بالباطل، وفي الباطل عمدًا ذاكرًا لإحرامه مبطل للإحرام وللحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وهذا كله على أن (الجدال) في الآية بمعنى المخاصمة والملاحاة، حتى تغضب صاحبك. وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من السلف، وعزاه ابن قدامة في "المغني" (٣/ ٢٩٦) إلى الجمهور، ورجحه. وهناك في تفسيره قول آخر: وهو المجادلة في وقت الحج، ومناسكه، واختاره ابن جرير، ثم ابن تيمية في "مجموعة الرسائل الكبرى" (٢/ ٣٦١)، وعلى هذا فالآية غير واردة فيما نحن فيه أصلًا، والله أعلم. ومع ذلك فإنه ينبغي أن يلاحِظ الداعية أنه إذا تبيّن له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالفة له لتعصبه لرأيه، وأنه إذا صابره على الجدل فلربما ترتّب عليه ما لا يجوز، فمن الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه؛ لقوله ﷺ : "أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان مُحِقًّا"، رواه أبو داود بسند حسن، عن أبي أمامة ﵁، وللترمذي نحوه من حديث أنس ﵁، وحسّنه، وفّقنا الله والمسلمين لمعرفة سنّة نبيه ﷺ ، واتِّباع هديه. (المسألة الخامسة): في بيان أمور يتحرّج منها بعض الحجاج، وهي جائزة: (اعلم): أن الشيخ الألبانيّ ﵀ ذكر في "حجة النبيّ ﷺ " أمورًا لا حرج على من فعلها من الحجّاج، أحببت إيرادها هنا؛ تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة:

стр. 13570

١ - (فمنها): الاغتسال لغير احتلام ودلك الرأس ففي "الصحيحين، وغيرهما عن عبد الله بن حُنين، أن أبا أيوب الأنصاريّ ﵁ أراه كيف كان النبيّ ﷺ ، يغتسل، وهو محرم، وقد تقدّم الحديث هنا برقم (١٣/ ٢٨٨٩). وروى البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁: تعال أباقيك في الماء، أيّنا أطول نفسًا، ونحن محرمون. وعن عبد الله بن عمر: أن عاصم بن عمر، وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان - يتغاطسان - يغيّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إليهما، فلم ينكر ذلك عليهما. ٢ - (ومنها): حكّ الرأس، ولو سقط بعض الشعر، وحديث أبي أيوب المتقدّم آنفًا دليل عليه. وروى مالك في "الموطّأ" (١/ ٣٥٨/ ٩٢) عن أم علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة ﵂ زوج النبيّ ﷺ تُسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم فليحكه وليشدد، ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت، قال: وسنده حسنٌ في الشواهد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (المجموعة الكبرى) (٢/ ٣٦٨): وله أن يحك بدنه إذا حكه، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره. ٣ - (ومنها): الاحتجام، ولو بحلق الشعر مكان الحجم؛ لحديث ابن بحينة ﵁ قال: "احتجم النبيّ ﷺ ، وهو محرم، بلحي جمل" - موضع بطريق مكة - "في وسط رأسه"، مُتَّفقٌ عليه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مناسكه) (٢/ ٣٣٨): وله أن يحك بدنه إذا حكه، ويحتجم في رأسه، وغير رأسه، وإن احتاج أن يحلق شعرًا لذلك جاز، فإنه قد ثبت في "الصحيح"، ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إذا اغتسل، وسقط شيء من شعره بذلك لم يضرّه، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل، وهذا مذهب الحنابلة كما في "المغني" (٣/ ٣٠٦) ولكنه قال: (وعليه الفدية)، وبه قال مالك وغيره، وردّه ابن حزم في "المحلّى" (٧/ ٢٥٧) بقوله عقب هذا الحديث: لم يخبر ﷺ أن

стр. 13571

في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكان ﵇ كثير الشعر أفرع (١)، وإنما نُهينا عن حلق الرأس في الإحرام. ٤ - (ومنها): شم الريحان، وطرح الظفر إذا انكسر، قال ابن عباس ﵄: المحرم يدخل الحمام، وينزع ضِرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئًا، رواه البيهقيّ في "السنن الكبرى" (٥/ ٦٢ - ٦٣) بسند صحيح، وإلى هذا ذهب ابن حزم في "المحلّى" (٧/ ٢٤٦)، وروى مالك، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر، وهو محرم؟ فقال سعيد: اقطعه. ٥ - (ومنها): الاستظلال بالخيمة أو المظلة (الشمسية) وفي السيارة، ورفع سقفها من بعض الطوائف تشدد، وتنطع في الدين، ولم يأذن به رب العالمين، فقد صح أن النبيّ ﷺ أمر بنصب القبة له بنمرة، ثم نزل بها، كما تقدّم في حديث الباب. وعن أم الحصين ﵂ قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ، حتى رمى جمرة العقبة. وأما ما روى البيهقيّ عن نافع قال: أبصر ابنُ عمر ﵂ رجلًا على بعيره، وهو محرم قد استظَلَّ بينه وبين الشمس، فقال له: ضحِّ لمن أحرمت له، وفي رواية من طريق أخرى أنه رأى عبد الله بن أبي ربيعة جَعَلَ على وسط راحلته عودًا، وجعل ثوبًا يستظلّ به من الشمس، وهو محرم، فلقيه ابن عمر ﵄، فنهاه. فلعل ابن عمر ﵄ لم يبلغه حديث أم الحصين المذكور، وإلا فما أنكره هو عين ما فعله رسول الله ﷺ ، ولذلك قال البيهقي: هذا موقوف، وحديث أم الحصين صحيح، يعني فهو أولى بالأخذ به، وترجم له بقوله:

стр. 13572

"باب المحرم يستظلّ بما شاء ما لم يمس رأسه" (١). ٦ - (ومنها): أن له أن يشُدّ الْمِنْطَقة والْحِزام على إزاره وله أن يعقده عند الحاجة، وأن يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة؛ لعدم النهي عن ذلك، وورد بعض الآثار بجواز شيء من ذلك، فعن عائشة ﵂ ﵂ أنها سئلت عن الْهِيْمَان للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته، وسنده صحيح، وعن عطاء: يتختم - يعني المحرم - ويلبس الهيمان، رواه البخاري تعليقًا. قال: ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة، مع عدم ورود ما ينهى عنهما، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ ﵀ ببعض اختصار (٢). [تنبيه]: قد أجاد الشيخ الألبانيّ ﵀ في آخر "حجة النبيّ ﷺ ﷺ " حيث ذكر أنواعًا من بدع الحج والزيارة، فعلى كلّ من يشح بدينه، ويحرص على اتباع السنّة أن يطالع ما كتبه ﵀ ليكون على بصيرة من أمره، والله وليّ التوفيق. [خاتمة]: - نسأل الله تعالى حسنها - في ذكر قصيدة العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعانيّ، صاحب "سبل السلام" المتوفَّى سنة (١١٨٢ هـ) رحمه الله تعالى في ذكر الحجّ، وبركاته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَيَا عَذَبَاتِ الْبَانِ مِنْ أَيْمَنِ الْحِمَى … رَعَى اللهُ عَيْشًا فِي رُباكِ قطعْنَاهُ سَرَقْنَاهُ مِنْ شَرْخِ الشَّبَابِ وَرَوْقِهِ … فَلَمَّا سَرَقْنَا الصَّفْوَ مِنْهُ سُرِقْنَاهُ وَجَاءَتْ جُيُوشُ الْبَيْنِ يَقْدُمُهَا الْقَضَا … فَبَدَّدَ شَمْلًا بِالْحِجَازِ نَظَمْنَاهُ

стр. 13573

حَرَامٌ بِذِي الدُّنْيَا دَوَامُ اجْتِمَاعِنَا … فَكَمْ صَرَمَتْ لِلشَّمْلِ حَبْلًا وَصَلْنَا فَيَا أَيْنَ أَيَّامٌ تَوَلَّتْ عَلَى الْحِمَى … وَلَيْل مَعَ الْعُشَّاقِ فِيهِ سَهِرْنَاهُ وَنَحْنُ لِجِيرَانِ الْمُحَصَّبِ جِيرَةٌ … نُوَفِّي لَهُمْ حُسْنَ الْوِدَادِ وَنَرْعَاهُ وَنَخْلُو بِمَنْ نَهْوَى إِذَا رَقَدَ الْوَرَى … وَيَجْلُو عَلَيْنَا مَنْ نُحِبُّ مُحَيَّاهُ فَقُرْبٌ وَلَا بُعْدٌ وَشَمْلٌ مُجَمَّعٌ … وَكَاسُ وِصَالٍ بَيْنَنَا قَدْ أَدَرْنَاهُ فَهَاتِيكَ أَيَّامُ الْحَيَاةِ وَغَيْرُهَا … مَمَات فَيَا لَيْتَ النَّوَى مَا شَهِدْنَاهُ فَيَا مَا أَمَرَّ الْبَيْنَ مَا أَقْتَلَ الْهَوَى … أَمَا يَا الْهَوَى إِنَّ الْهَنَا قَدْ سُلِبْنَاهُ فَوَاللهِ لَمْ يُبْقِ الْفِرَاقُ لَذَاذَةً … فَلَوْ مِنْ سَبِيل لِلْفِرَاقِ فَرَقْنَاهُ فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ بَيْنَنَا بِسِهَامِهِ … فَلَوْ أَنَّنَا نُعْطَى الْقِصَا صقَتَلْنَاهُ فَأَحْبَابُنَا بِالشَّوْقِ بِالْحُبِّ بِالْجَوَى … لحرمة عقد عندنا ما حللناه لِحَقِّ هَوَانَا فِيكُمُ وَوِدَادُنَا … لِمِيثَاقِ عَهْدٍ صَادِقٍ مَا نَقَضْنَاهُ أَعِيدُوا لَنَا أَعْيَادَنَا بِرُبُوعِكُمْ … وَوَقْتَ سُرُورٍ فِي حِمَاكُمْ قَضَيْنَاهُ فَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا قَضَيْنَا عَلَى الْحِمَى … فَذَاكَ الَّذِي مِنْ عُمْرِنَا قَدْ عَدَدْنَاهُ فَيَا لَيْتَ عَنَّا أَغْمَضَ الْبَيْنُ طَرْفَهُ … وَيَا لَيْتَ وَقْتًا لِلْفِرَاقِ فَقَدْنَاهُ وَتَرْجِعُ أَيَّامُ الْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى … وَيَبْدُو ثَرَاهُ لِلْعُيُونِ وَحَصْبَاهُ وَتَسْرَحُ فِيهِ الْعِيس بَيْنَ ثُمَامَةٍ … وَتَسْتَنْشِقُ الأَرْوَاحُ نَشْرَ خُزَامَاهُ وَنَشْكو إِلَى أَحْبَابِنَا طُولَ شَوْقِنَا … إِلَيْهِمْ وَمَاذَا بِالْفِرَاقِ لَقِينَاهُ فَلَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يُعَايِنُوا … هُمُ الْقَصْدُ فِي أُولَى الْمَشُوقِ وَأُخْرَاهُ عَلَيْكُمْ سَلَامُ اللهِ يَا سَاكِنِي الْحِمَى … بِكُمْ طَابَ رَيَّاهُ بِكُمْ طَابَ سُكْنَاهُ وَرَبِّكُمُ لَوْلَاكُمُ مَا نَوَدُّهُ … وَلَا الْقَلْبَ مِنْ شَوْفي إِلَيْهِ أَذَبْنَاهُ أَسُكَّانَ وَادِي الْمُنْحَنَى زَادَ وَجْدُنَا … بِمَغْنَى حِمَاكُمْ ذَاكَ مَغْنًى شَغَفْنَاهُ نَحِنُّ إِلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ تَشَوُّقًا … فَفِيهَا لَنَا عَهْدٌ وَعَقْدٌ عَقَدْنَاهُ وَرَبٍّ بَرَانَا مَا سَلَوْنَا رُبُوعَكُمْ … وَمَا كَانَ مِنْ رَبْعٍ سِوَاهُ سَلَوْنَاهُ فَيَا هَلْ إِلَى رَبْعِ الأَعَارِيبِ عَوْدَةٌ … فَذَاكَ وَحَقِّ اللهِ رَبْعًا حَبَبْنَاهُ قَضَيْنَا مَعَ الأَخبَابِ فِيهِ مَآرِبًا … إِلَى الْحَشْرِ لَا تُنْسَى سَقَى اللهُ مَرْعَاهُ فَشُدُّوا مَطَايَانَا إِلَى الرَّبْعِ ثَانِيًا … فَإِنَّ الْهَوَى عَنْ رَبْعِهِمْ مَا ثَنَيْنَاهُ

стр. 13574

ذكرُ البيت والطواف فَفِي رَبْعِهِمْ للهِ بَيْتٌ مُبَارَكٌ … إِلَيْهِ قُلُوبُ الْخَلْقِ تَهْوِي وَتَهْوَاهُ يَطُوفُ بِهِ الْجَانِي فَيُغْفَرُ ذَنْبُهُ … وَيَسْقُطُ عَنْهُ جُرْمُهُ وَخَطَايَاهُ فَكَمْ لَذَّةٍ كَمْ فَرْحَةٍ لِطَوَافِهِ … فَلِلَّهِ مَا أَحْلَى الطَّوَافَ وَأَهْنَاهُ نَطُوفُ كَأَنَّا فِي الْجِنَانِ نَطُوفُهَا … وَلَا هَمَّ لَا غَمّ فَذَاكَ نَفَيْنَاهُ فَوَا شَوْقَنَا نَحْوَ الطَّوَافِ وَطِيبهِ … فَذَلِكَ شَوْق لَا يُعَبَّرُ مَعْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَذُقْهُ لَمْ يَذُقْ قَطُّ لَذًّةً … فَذُقْهُ تَذُقْ يَا صَاحِ مَا قَدْ أُذِقْنَاهُ فَوَاللهِ مَا نَنْسَى الْحِمَى فَقُلُوبُنَا … هُنَاكَ تَرَكْنَاهَا فَيَا كَيْفَ نَنْسَاهُ تَرَى رَجْعَةً هَلْ عَوْدَةٌ لِطَوَافِنَا … وَذَاكَ الْحِمَى قَبْلَ الْمَنِيَّةِ نَغْشَاهُ وَوَاللهِ مَا نَنْسَى زَمَانَ مَسِيرِنَا … إِلَيْهِ وَكُلُّ الرَّكْب قَدْ لَذَّ مَسْرَاهُ وَقَدْ نُسِيتْ أَوْلَادُنَا وَنسَاؤُنَا … وَأَمْوَالُنَا فَالْقَلْبَ عَنْهُمْ شَغَلْنَاهُ تَرَاءَتْ لَنَا أَعْلَامُ وَصْلٍ عَلَى اللِّوَى … فَمِنْ أَجْلِهَا فَالْقَلْبَ عَنْهُمْ لَوَيْنَاهُ جَعَلْنَا إِلَهَ الْعَرْشِ نُصْبَ عُيُونِنَا … وَمَنْ دُونَهُ خَلْفَ الظُّهُورِ نَبَذْنَاهُ وَسِرْنَا نَشُقُّ الْبِيْدَ لِلْبَلَدِ الَّذِي … بِجُهْدٍ وَشِق لِلنُّفُوسِ بَلَغْنَاهُ رِجَالًا وَرُكْبَانًا عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ … وَمِنْ كُلِّ ذِي فَجٍّ عَمِيقٍ أَتَيْنَاهُ نخُوضُ إِلَيْهِ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ وَالدُّجَى … وَلَا قَاطِع إِلَّا وَعَنْهُ قَطَعْنَاهُ وَنَطْوِي الْفَلَا مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ لِلِّقَا … فَتُمْسِي الْفَلَا تَحْكِي سِجِلًّا قَطَعْنَاهُ وَلَا صَدَّنَا عَنْ قَصْدِنَا فَقْدُ أَهْلِنَا … وَلَا هَجْرُ جَارٍ أَو حَبِيب أَلِفْنَاهُ وَأَمْوَالُنَا مَبْذُولَةٌ وَنُفُوسُنَا … وَلَمْ نُبْقِ شَيْئًا مِنْهُمَا مَا بَذَلْنَاهُ عَرَفْنَا الَّذِي نَبْغِي وَنَطْلُبُ فَضْلَهُ … فَهَانَ عَلَيْنَا كُلُّ شَيْءٍ بَذَلْنَاهُ فَمَنْ عَرَفَ الْمَطْلُوبَ هَانَتْ شَدَائِدُ … عَلَيْهِ وَيَهْوَى كُلَّ مَا فِيهِ يَلْقَاهُ فَيَا لَوْ تَرَانَا كُنْتَ تَنْظُرُ عُصْبَةً … حَيَارَى سَكَارَى نَحْوَ مَكَّةَ وُلَّاهُ فَلِلَّهِ كَمْ لَيْلٍ قَطَعْنَاهُ بِالسُّرَى … وَبَرٍّ بِسَيْرِ الْيَعْمَلَاتِ بَرَيْنَاهُ وَكَمْ مِنْ طَرِيقٍ مُفْزِعٍ فِي مَسِيرِنَا … سَلَكْنَا وَوَادٍ بِالْمَخَاوِفِ جُزْنَاهُ وَلَوْ قِيلَ إِنَّ النَّارَ دُونَ مَزَارِكُمْ … دُفِعْنَا إِلَيْهَا وَالْعَذُولَ دَفَعْنَاهُ فَمَوْلَى الْمَوَالِي لِلزِّيَارَةِ قَدْ دَعَا … أَنَقْعُدُ عَنْهَا وَالْمَزُورُ هُوَ اللهُ

стр. 13575

تَرَادَفَتِ الأَشْوَاقُ وَاضْطَرَمَ الْحَشَا … فَمَنْ ذَا لَهُ صَبْرٌ وَتَضْرَمُ أَحْشَاهُ وَأَسْرَى بِنَا الْحَادِي فَأَمْعَنَ فِي السُّرَى … وَوَلَّى الْكَرَى نَوْمَ الْجُفُونِ نَفَيْنَاهُ الإحرام من الميقات وَلَمَّا بَدَا مِيقَاتُ إِحْرَامِ حَجِّنَا … نَزَلْنَا بِهِ وَالْعِيسَ فِيهِ أَنَخْنَاهُ لِيَغْتَسِلَ الْحُجَّاجُ فِيهِ وَيُحْرِمُوا … فَمِنْهُ نُلَبِّي رَبَّنَا لَا حُرِمْنَاهُ وَنَادَى مُنَادٍ لَلْحَجِيج لِيُحْرِمُوا … فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ أَجَابَ ولَبّاهُ وَجُرِّدَتِ الْقُمْصَانُ وَالْكلُّ أَحْرَمُوا … وَلَا لُبْسَ لَا طِيبٌ جَمِيعًا هَجَرْنَاهُ وَلَا لَهْوَ لَا صَيْدٌ وَلَا نَقْرَبُ النِّسَا … وَلَا رَفَثٌ لَا فِسْقَ كُلًّا رَفَضْنَاهُ وَصِرْنَا كَأَمْوَاتٍ لَفَفْنَا جُسُومَنَا … بِأَكْفَانِنَا كُلٌّ ذَلِيلٌ لِمَوْلَاهُ لَعَلَّ يَرَى ذُلَّ الْعِبَادِ وَكَسْرَهُمْ … فَيَرْحَمَهُمْ رَبٌّ يُرَجّونَ رُحْمَاهُ يُنَادُونَهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ذَا الْعُلَا … وَسَعْدَيْكَ كُلَّ الشِّرْكِ عَنْكَ نَفَيْنَاهُ فَلَوْ كُنْتَ يَا هَذَا تُشَاهِدُ حَالَهُمْ … لأَبْكَاكَ ذَاكَ الْحَالُ فِي حَالِ مَرْآهُ وُجُوهُهُمُ غُبْرٌ وَشُعْثٌ رُؤُوسُهُمْ … فَلَا رَأْسَ إِلَّا لِلإِلَهِ كَشَفْنَاهُ لَبِسْنَا دُرُوعًا مِنْ خُضُوعٍ لِرَبِّنَا (١) … وَمَا كَانَ مِنْ دِرْعِ الْمَعَاصِي خَلَعْنَاهُ وَذَاكَ قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ ذُنُوبِنَا … فَيَا طَالَمَا رَبُّ الْعِبَادِ عَصَيْنَاهُ إِلَى زَمْزَمٍ زُمَّتْ رِكَابُ مَطِيِّنَا … وَنَحْوَ الصَّفَا عِيسَ الْوُفُودِ صَفَفْنَاهُ نَؤُمُّ مَقَامًا لِلْخَلِيلِ مُعَظَّمًا … إِلَيْهِ اسْتَبَقْنَا وَالرِّكَابَ حَثَثْنَاهُ وَنَحْنُ نُلَبِّي فِي صُعُودٍ وَمَهْبَطٍ … كَذَا حَالُنَا فِي كُلِّ مَرْقًى رَقِينَاهُ وَكَمْ نَشَزٍ عَالٍ عَلَتْهُ وُفُودُنَا … وَتَعْلُو بِهِ الأَصْوَاتُ حِينَ عَلَوْنَاهُ نَحُجُّ لِبَيْتٍ حَجَّهُ الرُّسْلُ قَبْلَنَا … لِنَشْهَدَ نَفْعًا فِي الْكِتَابِ وُعِدْنَاهُ دَعَانَا إِلَيْهِ اللهُ قَبْلَ بِنَائِهِ … فَقُلْنَا لَهُ لَبَّيْكَ دَاعٍ أَجَبْنَاهُ أَتَيْنَاكَ لَبَّيْنَاكَ جِئْنَاكَ رَبَّنَا … إِلَيْكَ هَرَبْنَا وَالأَنَامَ تَرَكْنَاهُ وَوَجْهَكَ نَبْغِي أَنْتَ لِلْقَلْبِ قِبْلَةٌ … إِذَا مَا حَجَجْنَا أَنْتَ لِلْحَجِّ رُمْنَاهُ فَمَا الْبَيْتُ مَا الأَرْكَانُ مَا الْحِجْرُ مَا الصَّفَا … وَمَا زَمْزَمٌ أَنْتَ الَّذِي قَدْ قَصَدْنَاهُ

стр. 13576

وَأَنْتَ مُنَانَا أَنْتَ غَايَةُ سُؤْلِنَا … وَأَنْتَ الَّذِي دُنْيَا وَأُخْرَى أَرَدْنَاهُ إِلَيْكَ شَدَدْنَا الرَّحْلَ نَخْتَرِقُ الْفَلَا … فَكَمْ سُدَّ سَدٌّ فِي سَوَادٍ خَرَقْنَاهُ كَذَلِكَ مَا زِلْنَا نُحَاوِلُ سَيْرَنَا … نَهَارًا وَلَيْلًا عِيسَنَا مَا أَرَحْنَاهُ إِلَى أَنْ بَدَا إِحْدَى الْمَعَالِمِ مِنْ مِنَى .. وَهَبَّ نَسِيمٌ بِالْوِصَالِ نَشِقْنَاهُ (١) وَنَادَى بِنَا حَادِي الْبِشَارَةِ وَالْهَنَا … فَهَذَا الْحِمَى هَذَا ثَرَاهُ غَشِينَاهُ رؤية البيت وَمَا زَالَ وَفْدُ اللهِ يَقْصِدُ مَكَّةً … إِلَى أَنْ بَدَا الْبَيْتُ الْعَتِيقُ وَرُكْنَاهُ فَضَجَّتْ ضُيُوفُ اللهِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَا … وَكَبَّرَتِ الْحُجَّاجُ حِينَ رَأَيْنَاهُ وَقَدْ كَادَتِ الأَرْوَاحُ تَزْهَقُ فَرْحَةً … لِمَا نَحْنُ مِنْ عُظْمِ السُّرُورِ وَجَدْنَاهُ تُصَافِحُنَا الأَمْلَاكُ مَنْ كَانَ رَاكِبًا … وَتَعْتَنِقُ الْمَاشِي إِذَا تَتَلَقَّاهُ طواف القدوم فَطُفْنَا بِهِ سَبْعًا رَمَلْنَا ثَلَاثَةً … وَأَرْبَعَةً مَشْيًا كَمَا قَدْ أُمِرْنَاهُ كَذَلِكَ طَافَ الْهَاشِمِيُّ مُحَمَّدٌ … طَوَافَ قُدُوم مِثْلَ مَا طَافَ طُفْنَاهُ وَسَالَتْ دُمُوعٌ مِنْ غَمَامِ جُفُونِنَا … عَلَى مَا مَضَى مِنْ إِثْمِ ذَنْب كَسَبْنَاهُ وَنَحْنُ ضُيُوفُ اللهِ جِئْنَا لِبَيْتِهِ … نُرِيدُ الْقِرَى نَبْغِي مِنَ اللهِ حُسْنَاهُ فَنَادَى بِنَا أَهْلًا ضُيُوفِي تَبَاشَرُوا … وَقَرُّوا عُيُونًا فَالْحَجِيجَ قَبِلْنَاهُ غَدًا تَنْظُرُوني فِي جِنَانِ خُلُودِكُمْ … وَذَاكَ قِرَاكُمْ مَعْ نَعِيمٍ ذَخَرْنَاهُ فَأَيُّ قِرًى يَعْلُو قِرَانَا لِضَيْفِنَا … وَأَيُّ ثَوَابٍ مِثْلَ مَا قَدْ أَثَبْنَاهُ وَكُلُّ مُسِيءٍ قَدْ أَقَلْنَا عِثَارَهُ … وَلَا وِزْرَ إِلًّا عَنْكُمُ قَدْ وَضَعْنَاهُ وَلَا نَصَبٌ إِلَّا وِعِنْدِي جَزَاؤُهُ … وَكُلَّ الَّذِي أَنْفَقْتُمُوهُ حَسَبْنَاهُ سَأُعْطِيكُمُ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مِثْلِهِ … فَطِيبُوا نُفُوسًا فَضْلَنَا قَدْ فَضِلْنَاهُ فَيَا مَرْحَبًا بالْقَادِمِينَ لِبَيْتِنَا … إِلَيَّ حَجَجْتُمْ لَا لِبَيْتٍ بَنَيْنَاهُ عَلَيَّ الْجَزَا مِنِّي الْمَثُوبَةُ وَالرِّضَى … ثَوَابَكُمُ يَوْمَ الْجَزَا أَتَوَلَّاهُ

стр. 13577

فَطِيبُوا سُرُورًا وَافْرَحُوا وَتَبَاشَرُوا … وَتيهُوا وَهِيمُوا بَابُنَا قَدْ فَتَحْنَاهُ وَلَا ذَنْبَ إِلَّا قَدْ غَفَرْنَاهُ عَنْكُمُ … وَمَا كَانَ مِنْ عَيْبٍ عَلَيْكُمْ سَتَرْنَاهُ فَهَذَا الَّذِي نِلْنَا بِيَوْمِ قُدُومِنَا … وَأَوَّلَ ضِيقٍ لِلصُّدُورِ شَرَحْنَاهُ المبيت بمنى، والمسير إلى عرفات وَبِتْنَا بِأَقْطَارِ الْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى … فَيَا طِيبَ لَيْل بِالْمُحَصَّبِ بِتْنَاهُ وَفي يَوْمِنَا سِرْنَا إِلَى الْجَبَل الَّذِي … مِنَ الْبُعْدِ جِئْنَاهُ لِمَا قَدْ وَجَدْنَاهُ فَلَا حَجَّ إِلَّا أَنْ نَكُونَ بِأَرْضِهِ … وُقُوفًا وَهَذَا فِي الصَّحِيحِ رَوينَاهُ إِلَيْهِ ابْتَدَرْنَا قَاصِدِينَ إِلا هَنَا … فَلَوْلَاهُ مَا كُنَّا لِحَجٍّ سَلَكْنَاهُ وَسِرْنَا إِلَيْهِ قَاصِدِينَ وُقُوفَنَا … عَلَيْهِ وَمِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ أَتَيْنَاهُ عَلَى عَلَمَيْهِ لِلْوُقُوفِ جَلَالَةٌ … فَلَا زَالَتَا تَحْمَى وَتُحْرَسُ أَرْجَاهُ وَبَيْنَهُمَا جُزْنَا إِلَيْهِ بِزَحْمَةٍ … فَيَا طِيبَهَا لَيْتَ الزِّحَامَ رَجَعْنَاهُ وَلَمَّا رَأَيْنَاهُ تَعَالَى عَجِيجُنَا … نُلَبِّي وَبِالتَّهْلِيلِ مِنَّا مَلْأنَاهُ وَفِيهِ نَزَلْنَا بُكْرَةً بِذُنُوبِنَا … وَمَا كَانَ مِنْ ثِقْلِ الْمَعَاصِي حَمَلْنَاهُ الوقوف بعرفة وَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ كَانَ وُقُوفُنَا … إِلَى اللَّيْلِ نَبْكِي وَالدُّعَاءَ أَطَلْنَاهُ فَكَمْ حَامِدٍ كَمْ ذَاكِرٍ وَمُسَبِّح … وَكَمْ مُذْنِب يَشْكُو لِمَوْلَاهُ بَلْوَاهُ فَكَمْ خَاضِعٍ كَمْ خَاشِعٍ مُتَذَلِّلٍ … وَكَمْ سَائِلٍ مُدَّتْ إِلَى اللهِ كَفَّاهُ وَسَاوَى عَزِيزٌ فِي الْوُقُوفِ ذَلِيلَنَا … وَكَمْ ثَوْب عِزٍّ فِي الْوُقوفِ لَبِسْنَاهُ وَرَبٌّ دَعَانَا نَاظِرٌ لِخُضُوعِنَا … خَبِيرٌ عَلِيمٌ بِالَّذِي قَدْ أَرَدْنَاهُ وَلَمَّا رَأَى تِلْكَ الدُّمُوعَ الَّتِي جَرَتْ … وَطُولَ خُشُوع مَعْ خُضُوعٍ خَضَعْنَاهُ تَجَلَّى عَلَيْنَا بِالْمَتَابِ وَبِالرِّضَى … وَبَاهَى بنَا الأَمْلَاكَ حِينَ وَقَفْنَاهُ وَقَالَ انْظُرُوا شُعْثًا وَغُبْرًا جُسُومُهُمْ … أَجِرْنَا أَغِثْنَا يَا إِلَاهًا دَعَوْنَاهُ وَقَدْ هَجَرُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ … وَأَوْلَادَهُمْ وَالْكُلُّ يَرْفَعُ شَكْوَاهُ إِلَيَّ فَإِنِّي رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ … لِمَنْ يَشْتَكِي الْمَمْلُوكُ إِلَّا لِمَوْلَاهُ أَلَا فَاشْهَدُوا أَنِّي غفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ … أَلَا فَانْسَخُوا مَا كَانَ عَنْهُمْ نَسَخْنَاهُ فَقَدْ بُدِّلَتْ تِلْكَ الْمَسَاوِي مَحَاسِنًا … وَذَلِكَ وَعْدٌ مِنْ لَدُنَّا وَعَدْنَاهُ

стр. 13578

فَيَا صَاحِبِي مَنْ مِثْلُنَا فِي مَقَامِنَا … وَمَنْ ذَا الَّذِي قَدْ نَالَ مَا نَحْنُ نِلْنَاهُ عَلَى عَرَفَاتٍ قَدْ وَقَفْنَا بِمَوْقِفٍ … بِهِ الذَّنْبُ مَغْفُورٌ وَفِيهِ مَحَوْنَاهُ وَقَدْ أَقْبَلَ الْبَارِي عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ … وَقَالَ ابْشِرُوا (١) فَالْعَفْوَ فِيكُمْ نَشَرْنَاهُ وَعَنْكُمْ ضَمِنَّا كُلَّ تَبِعَةٍ جَرَتْ … عَلَيْكُمْ وَأَمَّا حَقُّنَا فَوَهَبْنَاهُ أَقَلْنَاكُمُ مِنْ كُلِّ مَا قَدْ جَنَيْتُمُ … وَمَا كَانَ مِنْ عُذْرٍ لَدَيْنَا عَذَرْنَاهُ فَيَا مَنْ أَسَا يَا مَنْ عَصَى لَوْ رَأَيْتَنَا … وَأَوْزَارُنَا تُرْمَى وَيَرْحَمُنَا اللهُ وَدِدْتَ بِأَنْ لَوْ كُنْتَ بَيْنَ رِحَالِنَا … وَتَرْجُو رَحِيمًا كُلُّنَا يَتَرَجَّاهُ وَقَفْنَا لَدَيْهِ تَائِبِينَ مِنَ الْخَطَا … وَغُفْرَانَنَا مِنْ رَبِّنَا قَدْ طَلَبْنَاهُ أُمِرْنَا بحُسْنِ الظَّنِّ وَاللهُ حَثَّنَا … عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الْحَدِيثِ رَوينَاهُ عَلَيْهِ اتَّكَلْنَا وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُنَا … لِمَا عِنْدَهُ مِنْ وُسْع عَفْوٍ عَرَفْنَاهُ فَطُوبَى لِمَنْ ذَاكَ الْمُقَامُ مُقَامُهُ … وَبُشْرَاهُ فِي يَوْمِ التَّغَابُنِ بُشْرَاهُ تَرَى مَوْقِفًا فِيهِ الْخَزَائِنُ فُتِّحَتْ … وَأوْلَى عَلَيْنَا اللهُ مِنْهُ عَطَايَاهُ فَصَالَحَ مَهْجُورًا وَأَقْرَبَ مُبْعَدًا … وَذَاكَ مَقَامُ الصُّلْحِ لِلصُّلْحِ قُمْنَاهُ وَدَارَ عَلَيْنَا الْكَأسُ بِالْفَضْلِ وَالرِّضَا … سُقِينَا شَرَابًا مِثْلَهُ مَا سُقِينَاهُ فَإِنْ شِئْتَ تُسْقَى مَا سُقِينَا عَلَى الْحِمَى … فَخَلِّ الْوَنَى وَاقْصِدْ مَقَامًا قَصَدْنَاهُ وَفِيهِ بَسَطْنَا لِلرَّحِيلِ كُفُوفَنَا … فَقَالَ كُفِيتُمْ عَفْوُنَا قَدْ بَسَطْنَاهُ وَأَعْتَقَنَا كُلًّا وَأَهْدَرَ مَا مَضَى … وَقَالَ لَنَا كُلُّ الْعِتَابِ طَوَيْنَاهُ ذكرُ خِزْي إبليس اللعين فَإِبْلِيسُ مَغْمُومٌ لِكَثْرَةِ مَا يَرَى … مِنَ الْعِتْقِ مَحْقُورًا ذَلِيلًا دَحَرْنَاهُ عَلَى رَأسِهِ يَحْثُو التُّرَابَ مُنَادِيًا … بِأَعْوَانِهِ ويلَاهُ ذَا الْيَوْمَ ويلَاهُ وَأَظْهَرَ مِنَّا حَسْرَةً وَنَدَامَةً … وَكُلُّ بِنَاءٍ قَدْ بَنَاهُ هَدَمْنَاهُ تَرَكْنَاهُ يَبْكِي بَعْدَ مَا كَانَ ضَاحِكًا … فَكَمْ مُذْنِبٍ مِنْ كَفِّهِ قَدْ سَلَلْنَاهُ وَكَمْ أَمَلٍ نِلْنَاهُ يَوْمَ وُقُوفِنَا … وَكَمْ مِنْ أَسِيرٍ لِلْمَعَاصِي فَكَكْنَاهُ وَكَمْ قَدْ رَفَعْنَا لِلإِلَاهِ مَطَالِبًا … وَلَا أَحَدًا مِمَّنْ نُحِبُّ نَسِينَاهُ

стр. 13579

وَخُصِّصَتِ الآبَاءُ وَالأَهْلُ بِالدُّعَا … وَكَمْ صَاحِب دَانٍ وَنَاءٍ ذَكَرْنَاهُ كَذَا فَعَلَ الْحُجَّاجُ هَاتِيكَ عَادَةً … وَمَا فَعَلَ الْحُجَّاجُ فِيهِ فَعَلْنَاهُ وَظَلَّ إِلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وُقُوفُنَا … وَقِيلَ ادْفَعُوا فَالْكُلَّ مِنْكمْ قَبِلْنَاهُ الإفاضة، والمبيت بمزدلفة، وذكرُ الله عند المشعر الحرام أَفِيضوا وَأَنْتُمْ حَامِدُونَ إَلَاهَكُمْ … إِلَى مَشْعَرٍ جَاءَ الْكِتَابُ بِذِكْرَاهُ وَسِيرُوا إِلَيْهِ وَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَهُ … فَسِرْنَا وَفِي وَقْتِ الْعِشَاءِ نَزَلْنَاهُ وَفِيهِ جَمَعْنَا مَغْرِبًا وَعِشَاءَهَا … تَرَى عَائِدًا جَمْعًا لِجَمْعٍ جَمَعْنَاهُ وَبِتْنَا بِهِ حَتَّى لَقَطْنَا جِمَارَنَا … وَرَبًّا شَكَرْنَاهُ عَلَى مَا هَدَانَاهُ وَمِنْهُ أَفَضْنَا حَيْثُمَا النَّاسُ قَبْلَنَا … أَفَاضُوا وَغُفْرَانَ الإِلَاهِ طَلَبْنَاهُ نزول منى، والرمي، والحلق، والنحر وَنَحْوَ مِنًى مِلْنَا بِهَا كَانَ عِيدُنَا … وَنِلْنَا بِهَا مَا الْقَلْبُ كَانَ تَمَنَّاهُ فَمَنْ مِنْكُمُ بِاللهِ عَيَّدَ عِيدَنَا … فَعِيدُ مِنًى رَبُّ الْبَرِيَّةَ أَعْلَاهُ وَفِيهِ رَمَيْنَا لِلْعِقَابِ (١) جِمَارَنَا … وَلَا جُرْمَ إِلَّا مَعْ جِمَارٍ رَمَيْنَاهُ وَبِالْجَمْرَةِ الْقُصْوَى بَدَانَا وَعِنْدَهَا … حَلَقْنَا وَقَصَّرْنَا لِشَعْرٍ حَضَرْنَاهُ وَلَمَّا حَلَقْنَا حَلَّ لُبْسُ مَخِيطِنَا … فَيَا حِلْقَةً مِنْهَا الْمَخِيطَ لَبِسْنَاهُ وَفِيهَا نَحَرْنَا الْهَدْيَ طَوْعًا لِرَبِّنَا … وَإِبْلِيس لَمَّا أَنْ نَحَرْنَا نَحَرْنَاهُ وَمِنْ بَعْدِهَا يَوْمَانِ لِلرَّمْي عَاجِلًا … فَفِيهَا رَمَيْنَا وَالإِلَاهَ دَعَوْنَاهُ وَإِيَّاهُ أَرْضَيْنَا بِرَمْي جِمَارِنَا … وَشَيْطَانَنَا الْمَرْجُومَ ثَمَّ رَجَمْنَاهُ وَبِالْخَيْفِ أَعْطَانَا الَإِلَاهُ أَمَانَنَا … وَأَذْهَبَ عَنَّا كُلَّ مَا نَحْنُ نَخْشَاهُ النَّفْرُ مِن منى وَرُدَّتْ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وُفُودُنَا … نَحِنُّ لَهُ كَالطَّيْرِ حَنَّ لِمَأوَاهُ وَطُفْنَا طَوَافًا للإِفَاضَةِ حَوْلَهُ … وَفُزْنَا بِهِ بَعْدَ الْجِمَارِ وَزُرْنَاهُ وَمِنْ بَعْدِ مَا زُرْنَا دَخَلْنَاهُ دَخْلَةً … كَأَنَّا دَخَلْنَا الْخُلْدَ حِينَ دَخَلْنَاهُ

стр. 13580

وَنِلْنَا أَمَانَ اللهِ عِنْدَ دُخُولِهِ … كَذَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ فِيمَا قَرَأنَاهُ فَيَا مَنْزِلًا قَدْ كَانَ أَبْرَكَ مَنْزِلٍ … نَزَلْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَبَيْتًا وَطِئْنَاهُ تَرَى حَجَّةً أُخْرَى إِلَيْهِ وَدَخْلَةً … وَهَذَا عَلَى رَبِّ الْوَرَى نَتَمَنَّاهُ فَإخْوَانَنَا مَا كَانَ أَحْلَى دُخُولَنَا … إِلَيْهِ وَلُبْثًا فِي ذُرَاهُ لَبِثْنَاهُ طواف الإفاضة نَطُوفُ بِهِ وَاللهُ يُحْصِي طَوَافَنَا … لِيُسْقِطَ عَنَّا مَا نَسِينَا وَأَحْصَاهُ وَبِالْحَجَرِ الْمَيْمُونِ عُجْنَا فَإِنَّهُ … لِرَبِّ السَّمَا وَالأَرْضِ لِلْخَلْقِ يُمْنَاهُ نُقَبِّلُهُ مِنْ حُبِّنَا لإِلَاهِنَا … وَكَمْ لَثْمَةٍ طَيَّ الطَّوَافِ لَثَمْنَاهُ وَذَاكَ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدٌ … وَفِيهِ لَنَا لِلَّهِ عَهْدٌ عَهِدْنَاهُ وَنَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ طَاعَةً .... وَنَسْتَغْفِرُ الْمَوْلَى إِذَا مَا لَمَسْنَاهُ وَمُلْتَزَمٌ فِيهِ الْتَزَمْنَا لِرِّبنَا .... عُهُودًا وَعُقْبَى اللهِ فِيهِ لَزِمْنَاهُ وَكَمْ مَوْقِفٍ فِيهِ يُجَابُ لَنَا الدُّعَا … دَعَوْنَا بِهِ وَالْقَصْدَ فِيهِ نَوَيْنَاهُ الصلاة بالمقام، والشرب من زمزم، والسعي وَصَلَّى بِأَرْكَانِ الْمَقَامِ حَجِيجُنَا … وَفِي زَمْزَمٍ مَاءً طَهُورًا وَرَدْنَاهُ وَفِيهِ الشِّفَا فِيهِ بُلُوغُ مُرَادِنَا … لِمَا نَحْنُ نَنْوِيهِ إِذَا مَا شَرِبْنَاهُ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الْوَفْدُ قَدْ سَعَى … فَإِنَّ تَمَامَ الْحَجِّ تَكْمِيلُ مَسْعَاهُ فَسَبْعًا سَعَاهَا سَيِّدُ الرُّسْلِ قَبْلَنَا … وَنَحْنُ تَبِعْنَاهُ فَسَبْعًا سَعَيْنَاهُ نُهَرْوِلُ فِي أَثْنَائِهَا كُلَّ مَرَّةٍ … فَهَذَاكَ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ فَعَلْنَاهُ تمام الحجّ، والتحلّل الثاني وَبَعْدَ تَمَامِ الْحَجِّ وَالنُّسْكِ كُلِّهَا … حَلَلْنَا وَبَاقِي عِيسِنَا قَدْ أَنَخْنَاهُ فَمَنْ شَاءَ وَافَى الصَّيْدَ وَالطِّيبَ وَالنِّسَا … فَقَدْ تَمَّ حَجٌّ لِلإِلَاهِ حَجَجْنَاهُ وَلَمَّا اعْتَمَرْنَا كَانَ أَبْرَكُ عُمْرِنَا … زَمَانًا نَرَاهُ بِاعْتِمَارٍ عَمَرْنَاهُ ذِكرُ أقسام الدعاء بعد تمام النسك وَلَمَّا قَضَيْنَا لِلإلَاهِ مَنَاسِكًا … ذَكَرْنَاهُ وَالْمَطْلُوبَ مِنْهُ سَأَلْنَاهُ

стр. 13581

فَمِنْ طَالِب حَظًّا بِدُنْيَا فَمَا لَهُ … خَلَاقٌ بِأُخْرَاهُ إِذَا اللهُ لَاقَاهُ وَمِنْ طَالِبٍ حُسْنًا بِدُنْيَا لِدِينِهِ … وَحُسْنًا بِأُخْرَاهُ وَذَاكَ يُوَفَّاهُ وَآخَرُ لَا يَبْغِي مِنَ اللهِ حَاجَةً … سِوَى نَظْرَةٍ فِي وَجْهِهِ يَوْمَ عُقْبَاهُ طواف الوداع وَبَاتَ حَجِيجُ اللهِ بالْبَيْتِ مُحْدِقًا … وَرَحْمَةُ رَبِّ الْعَرْشِ ثَمَّتَ تَغْشَاهُ تَدَاعَتْ رِفَاقًا بِالرَّحِيلِ فَمَا تَرَى … سِوَى دَمْعِ عَيْنٍ بِالدّمَاءِ مَزَجْنَاهُ لِفُرْقَةِ بَيْتِ اللهِ وَالْحَجَرِ الَّذِي … لأَجْلِهِمَا صَعْبَ الأُمُورِ سَلَكْنَاهُ وَوَدعَتِ الْحُجَّاجُ بَيْتَ إِلَاهِهَا … وَكُلُّهُمُ تَجْرِي مِنَ الْحُزْنِ عَيْنَاهُ فَلِلَّهِ كَمْ بَاكٍ وَصَاحِبِ حَسْرَةٍ … يَوَدُّ بِأَنَّ اللهَ كَانَ تَوَفَّاهُ فَلَوْ تَشْهَدُ التَّوْدِيعَ يَوْمًا لِبَيْتِهِ … فَإِنَّ فِرَاقَ الْبَيْتِ مُرٌّ وَجَدْنَاهُ فَمَا فُرْقَةُ الأَوْلَادِ وَاللهِ إِنَّهُ … أَمَرُّ وَأَدْهَى ذَاكَ شَيْءٌ خَبَرْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يُجَرِّبْ لَيْسَ يَعْرِفُ قَدْرَهُ … فَجَرّبْ تَجِدْ تَصْدِيقَ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ لَقَدْ صُدِعَتْ أَكْبَادُنَا وَقُلُوبُنَا … لِمَا نَحْنُ مِنْ مُرِّ الْفِرَاقِ شَرِبْنَاهُ وَوَاللهِ لَوْلَا أَنْ نُؤَمِّلَ عَوْدَةً … إِلَيْهِ لَذُقْنَا الْمَوْتَ حِينَ فُجِعْنَاهُ ذكرُ الرحيل إلى طيبة، وزيارةُ النبيّ ﷺ - وَمِنْ بَعْدِ مَا طُفْنَا طَوَافَ وَدَاعِنَا … رَحَلْنَا لِمَغْنَى الْمُصْطَفَى وَمُصَلَّاهُ وَوَاللهِ لَوْ أَنَّ الأَسِنَّةَ أُشْرِعَتْ … وَقَامَتْ حُرُوبٌ دُونَهُ مَا تَرَكْنَاهُ وَلَوْ أَنَّنَا نَسْعَى عَلَى الرَّأسِ دُونَهُ … وَمِنْ دُونِهِ جَفْنَ الْعُيُونِ فَرَشْنَاهُ وَتُمْلَكُ مِنَّا بِالْوُصُولِ رِقَابُنَا … وَيُسْلَبُ مِنَّا كُلُّ شَيءٍ مَلَكْنَاهُ لَكَانَ يَسِيرًا فِي مَحَبَّةِ أَحْمَدٍ … وَبِالرُّوحِ لَوْ يُشْرَى الْوِصَالُ شَرَيْنَاهُ وَرَبِّ الْوَرَى لَوْلَا مُحَمَّدُ لَمْ نَكُنْ … لِطَيْبَةَ نَسْعَى وَالرِّكَابَ شَدَدْنَاهُ وَلَوْلَاهُ مَا اشْتَقْنَا الْعَقِيقَ وَلَا قُبَا … وَلَوْلَاهُ لَمْ نَهْوَ الْمَدِينَةَ لَوْلَاهُ هُوَ الْقَصْدُ إِنْ غَنَّتْ بِنَجْدٍ حُدَاتُنَا … وَإِلَّا فَمَا نَجْدٌ وَسَلْعٌ أَرَدْنَاهُ وَمَا مَكَّةٌ وَالْخَيْفُ قُلَ لِي وَلَا مِنًى … وَمَا عَرَفَات قَبْلَ شَرْعٍ أَرَانَاهُ بِهِ شُرِّفَتْ تِلْكَ الأَمَاكِنُ كُلُّهَا … وَرَبُّكَ قَدْ خَصَّ الْحَبِيبَ وَأَعْطَاهُ لِمَسْجِدِهِ سِرْنَا وَشُدَّتْ رِحَالُنَا … وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَوْقُنَا قَدْ كَشَفْنَاهُ

стр. 13582

قَطَعْنَا إِلَيْهِ كُلَّ بَرٍّ وَمَهْمَهٍ … وَلَا شَاغِلٌ إِلَّا وَعَنَّا قَطَعْنَاهُ كَذَا عَزَمَاتُ السَّائِرِينَ لِطَيْبَةٍ … رَعَى اللهُ عَزْمًا لِلْحَبِيبِ عَزَمْنَاهُ وَكَمْ جَبَلٍ جُزْنَا وَرَمْلٍ وَحَاجِرٍ (١) … وَللَّهِ كَمْ وَادٍ وَشِعْبٍ عَبَرْنَاهُ تُرَنِّحُنَا (٢) الأَشْواقُ نَحْوَ مُحَمَّدٍ … فَنَسْرِي وَلَا نَدْرِي بِمَا قَدْ سَرَيْنَاهُ وَلَمَّا بَدَا جِزْعُ الْعَقِيقِ رَأَيْتُنَا … نَشَاوَى سُكَارَى فَارَحِينَ بِرُؤيَاهُ شَمَمْنَا نَسِيمًا جَاءَ مِنْ نَحْوِ طَيْبَةٍ … فَأَهْلًا وَسَهْلًا يَا نَسِيمًا شَمَمْنَاهُ فَقَدْ مُلِئَتْ مِنَّا الْقُلُوبُ مَسَرَّةً … وَأَيُّ سُرُورٍ مِثْلَ مَا قَدْ سُرِرْنَاهُ فَوَا عَجَبَاهُ كَيْفَ قَرَّتْ عُيُوُننَا … وَقَدْ أَيْقَنَتْ أَنَّ الْحَبِيبَ أَتَيْنَاهُ وَلُقْيَاهُ مِنَّا بَعْدَ بُعْدٍ تَقَارَبَتْ … فَوَاللهِ لَا لُقْيَا تُعَادِلُ لُقْيَاهُ وَصَلْنَا إِلَيْهِ وَاتَّصَلْنَا بِقُرْبِهِ … فَلِلَّهِ مَا أَحْلَى وُصُولًا وَصَلْنَاهُ وَقَفْنَا وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وإِنَّهُ … لَيَسْمَعُنَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَدَيْنَاهُ وَرَدَّ عَلَيْنَا بِالسَّلَامِ سَلَامَنَا … وَقَدْ زَادَنَا فَوْقَ الَّذِي قَدْ بَدَانَاهُ كَذَا كَانَ خُلْقُ الْمُصْطفَى وَصِفَاتُهُ … بِذَلِكَ فِي الْكُتْبِ الصِّحَاحِ عَرَفْنَاهُ وَثَمَّ دَعْوَنَا لِلأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ … فَكَمْ مِنْ حَبِيب بِالدُّعَا قَدْ خَصَصْنَاهُ وَمِلْنَا لِتَسْلِيمِ الإِمَامَيْنِ عِنْدَهُ … فَإِنَّهُمَا حَقًّا هُنَاكَ ضَجِيعَاهُ وَكَمْ قَدْ مَشَيْنَا فِي مَكَانٍ بِهِ مَشَى … وَكَمْ مَدْخَل لِلْهَاشِمِيِّ دَخَلْنَاهُ وَآثَارُهُ فِيهَا الْعُيُونُ تَمَتَّعَتْ … وَقُمْنَا وَصَليْنَا بِحَيْثُ مُصَلَّاهُ وَكَمْ قَدْ نَشَرْنَا شَوْقَنَا لِحَبِيبِنَا … وَكَمْ مِنْ غَلِيلٍ فِي الْقُلُوبِ شَفَينَاهُ وَمَسْجِدُهُ فِيهِ سَجَدْنَا لِرَبِّنَا … فَلِلَّهِ مَا أَعْلَى سُجُودًا سَجَدْنَاهُ بِرَوْضَتِهِ قُمْنَا فَهَاتِيكَ جَنَّةٌ … فَيَا فَوْزَ مَنْ فِيهَا يُصَلِّي وَبُشْرَاهُ وَمِنْبَرُهُ الْمَيْمُونُ مِنْهُ بَقِيَّةٌ … وَقَفْنَا عَلَيْهَا وَالْفُؤَادَ كَرَرْنَاهُ كَذَلِكَ مِثْلَ الْجِذْعِ حَنَّتْ قُلُوُبنَا … إِلَيْهِ كَمَا وَدَّ الْحَبِيبَ وَدِدْنَاهُ وَزُرْنَا قُباً حُبًّا لأحْمَدَ إِذْ مَشَى … عَسَى قَدَمًا يَخْطُو مَقَامًا تَخَطَّاهُ لِنُبْعَثَ يَوْمَ الْبَعْثِ تَحْتَ لِوَائِهِ … إِذَا اللهُ مِنْ تِلْكَ الأَمَاكِنِ نَادَاهُ

стр. 13583

وَزُرْنَا مَزَارَاتِ الْبَقِيعِ فَلَيْتَنَا … هُنَاكَ دُفِنَّا وَالْمَمَاتَ رُزِقْنَاهُ وَحَمْزَةَ زُرْنَاهُ وَمَنْ كَانَ حَوْلَهُ … شَهِيدًا وَاحْدًا بِالْعُيُونِ شَهِدْنَاهُ وَلَمَّا بَلَغْنَا مِنْ زِيَارَةِ أَحْمَدٍ … مُنَانَا حَمِدْنَا رَبَّنَا وَشَكَرْنَاهُ وَمِنْ بَعْدِ هَذَا صَاحَ بِالْبَيْنِ صَائِحٌ … وَقَالَ ارْحَلُوا يَا لَيْتَنَا مَا أَطَعْنَاهُ سَمِعْنَا لَهُ صَوْتًا بِتَشْتِيتِ شَمْلِنَا … فَيَا مَا أَمَرَّ الصَّوْتَ حِينَ سَمِعْنَاهُ وَقُمْنَا نَؤُمَّ الْمُصْطَفَى لِوَدَاعِهِ … وَلَا دَمْعَ إِلَّا لِلْوَدَاعِ صَبَبْنَاهُ وَلَا صَبْرَ كَيْفَ الصَّبْرُ عِنْدَ فِرَاقِهِ … وَهَيْهَاتَ إِنَّ الصَّبْرَ عَنْهُ صَرَفْنَاهُ أَيَصْبِرُ ذُو عَقْلٍ لِفُرْقَةِ أَحْمَدٍ … فَلَا وَالَّذِي مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ أَدْنَاهُ فَوَا حَسْرَتَاهُ مِنْ وَدَاعِ مُحَمَّدٍ … وَأَوَّاهُ مِنْ يَوْمٍ التَّفَرُّقِ أَوَّاهُ سَأَبْكِي عَلَيْهِ قَدْرَ جُهْدِي بِنَاظِرٍ … مِنَ الشَّوْقِ مَا تَرْقَى مِنَ الدَّمْعِ غَرْبَاهُ فَيَا وَقْتَ تَوْدِيعِي لَهُ مَا أَمَرَّهُ … وَوَقْتَ اللِّقَا وَاللهِ مَا كَانَ أَحْلَاهُ عَسَى اللهُ يُدْنِينِي لأَحْمَدَ ثَانِيًا … فَيَا حَبَّذَا قُرْبُ الْحَبِيبِ وَمُدْنَاهُ فَيَا رَبِّ فَارْزُقْنِي لِمَغْنَاهُ عَوْدَةً … تُضَاعِفْ لَنَا فَيهِ الثَّوَابَ وَتَرْضَاهُ رَحَلْنَا وَخَلَّفْنَا لَدَيْهِ قُلُوبَنَا … فَكَمْ جَسَدٍ مِنْ غَيْرِ قَلْبٍ قَلَبْنَاهُ وَلَمَّا تَرَكْنَا رَبْعَهُ مِنْ وَرَائِنَا … فَلَا نَاظِرٌ إِلَّا إِلَيْهِ رَدَدْنَاهُ لِنَغْنَمَ مِنْهُ نَظْرَةً بَعْدَ نَظْرَةٍ … فَلَمَّا أَغَبْنَاهُ السُّرُورَ أَغَبْنَاهُ فَلَا عَيْشَ يَهْنِي مَعْ فِرَاقِ مُحَمَّدٍ … أَاَفْقِدُ مَحْبُوبِي وَعَيْشِي أُهَنَّاهُ دَعُونِي أَمُتْ شَوْقًا إِلَيْهِ وَحُرْقَةً … وَخُطُّوا عَلَى قَبْرِي بِأنِّيَ أَهْوَاهُ فَيَا صَاحِبِي هَذِي الَّتِي بِيَ قَدْ جَرَتْ … وَهَذَا الَّذِي فِي حَجِّنَا قَدْ عَمِلْنَاهُ فَإِنْ كُنْتَ مُشْتَاقًا فَبَادِرْ إِلَى الْحِمَى … لِتَنْظُرَ آثَارَ الْحَبِيب وَمَمْشَاهُ وَتَحْظَى بِبَيْتِ اللهِ مِنْ قَبْلِ مَنْعِهِ … كَأَنَّا بِهِ عَمَّا قَلِيلٍ مُنِعْنَاهُ أَلَيْسَ تَرَى الأَشْرَاطَ كَيْفَ تَتَابَعَتْ … فَبَادِرْهُ وَاغْنَمْهُ كَمَا قَدْ غَنِمْنَاهُ إِلَى عَرَفَاتٍ عَاجِلِ الْعُمْرَ وَاسْتَبِقْ … فَثَمَّ إِلَاهُ الْخَلْقِ يُسْبِغُ نُعْمَاهُ وَعَيِّدْ مَعَ الْحُجَّاجِ يَا صَاحِ فِي مِنًى … فَعِيدُ مِنًى أَعْلَاهُ عِيدًا وَأَسْنَاهُ وَضَحِّ بِهَا وَاحْلِقْ وَسِرْ مُتَوَجِّهًا … إِلَى الْبَيْتَ وَاصْنَعْ مِثْلَ مَا قَدْ صَنَعْنَاهُ وَكُنْ صَابِرًا إِنَّا لَقِينَا مَشَقَّةً … فَإِنْ تَلْقَهَا فَاصْبِرْ كَصَبْرٍ صَبَرْنَاهُ لَقَدْ بَعُدَتْ تِلْكَ الْمَعَالِمُ وَالرُّبَا … فَكَمْ مِنْ رَوَاحٍ مَعْ غُدُوٍّ غَدَيْنَاهُ

стр. 13584

فَبَادِرْ إِلَيْهَا لَا تَكُنْ مُتَوَانِيًا … لَعَلَّكَ تَحْظَى بِالَّذِي قَدْ حَظِينَاهُ وَحُجَّ بِمَالٍ مِنْ حَلَالٍ عَرَفْتَهُ … وَإِيَّاكَ وَالْمَالَ الْحَرَامَ وَإِيَّاهُ فَمَنْ كَانَ بِالْمَالِ الْمُحَرَّمِ حَجُّهُ … فَعَنْ حَجِّهِ وَاللهِ مَا كَانَ أَغْنَاهُ إِذَا هُوَ لَبَّى اللهَ كَانَ جَوَابُهُ … مِنَ اللهِ لَا لَبَّيْكَ حَجٌّ رَدَدْنَاهُ كَذَلِكَ جَانَا فِي الْحَدِيثِ مُسَطَّرًا … فَفِي الْحَجِّ أَجْرٌ وَافِرٌ قَدْ سَمِعْنَاهُ وَمِنْ بَعْدِ حَجِّ سِرْ لِمَسْجِدِ أَحْمَدٍ … وَلَا تَخْطُهُ تَنْدَمْ إِذَا تَتَخَطَّاهُ فَوَا أَسَفَ السَّارِي إِذَا ذَكَرَ الْحِمَى … إِذَا رَبْعَ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ تَخَطَّاهُ وَوَا لَهَفَ الآتِي بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ … إِذَا لَمْ يُكَمِّلْ بِالزِّيَارَةِ مَمْشَاهُ يُعَزَّى عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ مَزَارِه … فَقَدْ فَاتَهُ أَجْرٌ كَثِيرٌ بِأُخْرَاهُ نَظَرْنَاهُ حَقًّا حِينَ بَانَتْ رِكَابُنَا … عَلَى طَيْبَةٍ حَقًّا وَصِدْقًا نَظَرْنَاهُ وَزَادَتْ بِنَا الأَشْوَاقُ عِنْدَ دُنُوِّنَا … إِلَيْهَا فَمَا أَحْلَى دُنُوًّا دَنَيْنَاهُ (١) وَلَمَّا بَدَتْ أَعْلَامُهَا وَطُلُولُهَا … تَحَدَّرَتِ الرُّكْبَانُ عَمَّا رَكِبْنَاهُ وَسِرْنَا مُشَاةً رِفْعَةً لِمُحَمَّدٍ … حَثَثْنَا الْخُطَا حَتَّى الْمُصَلَّى دَخَلْنَاهُ لِنَغْنَمَ تَضْعِيفَ الثَّوَابِ بِمَسْجِدٍ .... صَلَاةُ الْفَتَى فِيهِ بِأَلْفٍ يُوَفَّاهُ كَذَلِكَ فَاغْنَمْ فِي زِيارَةِ طَيْبَةٍ … كَمَا قَدْ فَعَلْنَا وَاغْتَنِمْ مَا غَنِمْنَاهُ فَإِذْ مَا رَأَيْتَ الْقَبْرَ قَبْرَ مُحَمَّدٍ … فَلَا تَدْنُ مِنْهُ ذَاكَ أَوْلَى لِعُلْيَاهُ وَقِفْ بِوَقَارٍ عِنْدَهُ وَسَكِينَةً … وَمَثِّلْ رَسُولَ اللهِ حَيًّا بِمَثْوَاهُ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَالْوَزِيرَيْنِ عِنْدَهُ … وَزُرْهُ كَمَا زُرْنَا لِتَحْصِدَ عُقْبَاهُ وَبَلِّغْهُ عَنَّا لَا عَدِمْتَ سَلَامَنَا … فَأَنْتَ رَسُولٌ لِلرَّسُولِ بَعَثْنَاهُ (٢) وَمَنْ كَانَ مِنَّا مُبْلِغًا لِسَلَامِنَا … فَإِنَّا بِإِبْلَاغِ السَّلَامِ سَبَقْنَاهُ فَيَا نَعْمَةً لِلَّهِ لَسْنَا بِشُكْرِهَا … نَقُومُ وَلَوْ مَاءَ الْبُحُورِ مَدَدْنَاهُ فَنَحْمَدُ رَبَّ الْعَرْشِ إِذْ كَانَ حَجُّنَا … بِزَوْرَةِ مَنْ كَانَ الْخِتَامَ خَتَمْنَاهُ عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ مَا دَامَتِ السَمَا … سَلَامٌ كَمَا يَبْغِي الإِلَاهُ وَيَرْضَاهُ

стр. 13585

انتهت قصيدة العلامة الأمير الصنعانيّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٥١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أتيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَسَأَلتُهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ، عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ، فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ منَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَام، لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْه، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أتَى عَرَفَاتٍ، فَنَزَلَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِم [١٠] (ت ٢٢٢) (خ م د ت ق) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٥. ٢ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "ساق" ضمير حفص بن غياث؛ أي: ساق حفص الحديث عن جعفر بن محمد بنحو حديث حاتم بن إسماعيل، عنه. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) أي: زاد حفص في الحديث قوله: "وكانت العرب … إلخ". (وَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ … إلخ) قال النوويّ ﵀: هو بسين مهملة، ثم ياء مثناة تحتُ مشدّدةٍ؛ أي: كان يدفع بالعرب في الجاهلية رجل يقال له: أبو سيّارة، واسمه عُميرةُ بن الأعزل، قاله القرطبيّ ﵀. وقوله: (عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، بعدها ياء تحتانية مخفّفة؛ أي: ليس عليه سَرْجٌ، قال الفيّوميّ ﵀: فرسٌ عُرْيٌ: لا سَرْجَ
следующие страницы →