انتهت قصيدة العلامة الأمير الصنعانيّ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أتيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَسَأَلتُهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ، عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ، فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ منَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَام، لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْه، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أتَى عَرَفَاتٍ، فَنَزَلَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِم [١٠] (ت ٢٢٢) (خ م د ت ق) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٥.
٢ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) فاعل "ساق" ضمير حفص بن غياث؛ أي: ساق حفص الحديث عن جعفر بن محمد بنحو حديث حاتم بن إسماعيل، عنه.
وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) أي: زاد حفص في الحديث قوله: "وكانت العرب … إلخ".
(وَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ … إلخ) قال النوويّ ﵀: هو بسين مهملة، ثم ياء مثناة تحتُ مشدّدةٍ؛ أي: كان يدفع بالعرب في الجاهلية رجل يقال له: أبو سيّارة، واسمه عُميرةُ بن الأعزل، قاله القرطبيّ ﵀.
وقوله: (عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، بعدها ياء تحتانية مخفّفة؛ أي: ليس عليه سَرْجٌ، قال الفيّوميّ ﵀: فرسٌ عُرْيٌ: لا سَرْجَ
стр. 13586
عليه، وُصِفَ بالمصدر، ثم جُعل اسمًا، وجُمِع، فقيل: خيل أَعْرَاءٌ، مثلُ قُفْل وأَقْفالٍ، قالوا: ولا يقال: فرس عُرْيانٌ، كما لا يقال: رجل عُرْي. انتهى (١).
وقوله: (فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ الله ﷺ ) أي: جاوز، وتعدّاه يقال: جاز المكان يجوزه جَوْزًا، وجَوَازًا بالفتح، وجِوَازًا بالكسر: سار فيه، وأجازه بالألف: قطعه (٢).
وقوله: (مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) تقدّم أنه بفتح الميم على المشهور، وقيل: بكسرها وأنه قُزَحُ الجبل المعروف في المزدلفة، وقيل: كل المزدلفة، وأوضحنا الخلاف فيه بدلائله، وهذا الحديث ظاهر الدلالة في أنه ليس كل المزدلفة، قاله النوويّ ﵀ (٣).
وقوله: (لَمْ تَشُكَّ قُرَيْش أنهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ) أي: على الوقوف بالمشعر الحرام.
وقوله: (وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ) بفتح الثاء المثلّثة، وتشديد الميم؛ أي: هناك، يعني عند المشعر الحرام.
قال النوويّ ﵀: معنى الحديث: أن قريشًا كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة، وهي من الحرم، ولا يقفون بعرفات، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وكانت قريش تقول: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه، فلما حج النبيّ ﷺ ، ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يَقِف بالمزدلفة على عادة قريش، فجاوز إلى عرفات؛ لقول الله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. أي: جمهور الناس، فإن مَن سِوَى قريش كانوا يقفون بعرفات، ويُفيضون منها.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فلما أجاز رسول الله ﷺ بالمشعر الحرام لم تشكَّ قريشٌ … إلخ": يعني: أنهم توهَّموا أنه كان يفعل كما كانت تفعل في الجاهلية، فإنهم كانوا يَرَون لأنفسهم أنهم لا يقفون بعرفة، ولا يخرجون من الحرم، ويقفون بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة، وهذا مما كانوا ابتدعوه في الحج، فلما حجَّ النبيّ ﷺ أحكم الله الحجَّ، وأزال ما ابتدعته
стр. 13587
الجاهلية، وأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]، يخاطب قريشًا، ويأمرهم بأن يقفوا بعرفة حيث يقف غيرهم من الناس، وكذلك فعل النبيّ ﷺ ، فعدل عن المشعر الحرام إلى عرفة، فوقف بها، وهي سُنَّة إبراهيم المعروفة عند العرب وغيرهم. انتهى (١).
وقوله: (وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ) بفتح الياء، وكسر الراء؛ أي: لم يتعرّض للوقوف فيه.
وقوله: (حَتَّى أتَى عَرَفَاتٍ، فَنَزَلَ) قال النوويّ ﵀: فيه مجازٌ تقديره: فأجاز متوجهًا إلى عرفات، حتى قاربها، فضُرِبت له القبة بنَمِرَة قريب من عرفات، فنزل هناك، حتى زالت الشمس، ثم خطب، وصلى الظهر والعصر، ثم دخل أرض عرفات، حتى وصل الصخرات، فوقف هناك، وقد سبق هذا واضحًا في الرواية الأولى. انتهى (٢).
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا، وَجَمْعٌ كلُّهَا مَوْقِفٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وهم المذكورون في السند الماضي.
وقوله: (في حَدِيثِهِ ذَلِكَ) أشار بهذا إلى حديث جابر ﵁ الذي تقدّم قبل حديث من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد.
وقوله: (نَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ) قال النوويّ ﵀: المراد بالرحال المنازل، قال أهل اللغة: رَحْلُ الرجل: منزله،
стр. 13588
سواءٌ كان من حجر، أو مَدَر، أو شعر، أو وَبَر، ومعنى الحديث: منى كلها منحر، يجوز النحر فيها، فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منى.
قال: قال الشافعيّ، وأصحابنا: يجوز نحر الهدي، ودماء الحيوانات في جميع الحرم، لكن الأفضل في حقّ الحاجّ النحر بمنى، وأفضل موضع منها للنحر موضع نحر رسول الله ﷺ ، وما قاربه، والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة؛ لأنها موضع تحلله، كما أن منى موضع تحلل الحاجّ، قالوا: ويجوز الوقوف بعرفات في أيّ جزء كان منها، وكذا يجوز الوقوف على المشعر الحرام، وفي كل جزء من أجزاء المزدلفة؛ لهذا الحديث، والله أعلم. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فانحروا في رحالكم" يعني: أنه وإن كان قد نحر في ذلك الموضع المخصوص من منى، فالنحر واسع في كل مواضعها، وهو متفق عليه، وكذلك عرفة ومزدلفة، غير أن تَوَخِّي موقف رسول الله ﷺ ومنحره أولى تبرّكًا بالنبيّ ﷺ وبآثاره، وفي حديث مالك: "عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عُرَنَة"، وهو وادي عرفة، قال ابن حبيب: وفيه مسجد عرفة، وهو من الحرم، واتفق العلماء: على أنه لا يوقف فيه، واختلفوا فيمن وقف في عُرَنَة: فقال أبو مصعب: هو كمن لم يقف، وحُكي عن الشافعيّ، وقال مالك: حَجُّه صحيح وعليه دم، حكاه عنه ابن المنذر، ومن وقف في المسجد أجزأه عند مالك، وقال أصبغ: لا يجزيه، و"عُرَنة" بضم العين والراء، وذكره ابن دُرَيد بفتح الراء، وهو الصواب. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: "عُرَنَةُ": موضع بين منى وعرفات، وزانُ رُطَبَةٍ، وفي لغة بضمّتين، وتصغيرها عُرينة، وبها سُمّيت القبيلة، والنسبة إليها عُرَنيّ. انتهى (٣).
وقوله: (وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِف) قال القرطبيّ ﵀: في رواية مالك: "وارتفعوا عن بطن محسِّر"، واتفق العلماء على الأخذ بهذا الحديث، وترك الوقوف به، واستحبّوا الوقوف حيث المنارة، وحيث تقف الأئمة بين الجبلين،
стр. 13589
ومُحَسِّر ليس من المزدلفة، والله أعلم. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "نحرت ها هنا … إلخ" في هذه الألفاظ بيان رفق النبيّ ﷺ بأمته، وشفقته عليهم في تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم، فإنه ﷺ ذَكَر لهم الأكمل والجائز، فالأكمل موضع نحره، ووقوفه، والجائز كلُّ جزء من أجزاء الْمَنْحَر، وكلّ جزء من أجزاء عرفات، وكل جزء من أجزاء المزدلفة، وهي جَمْعٌ - بفتح الجيم، وإسكان الميم - وسبق بيانها، وبيان حدِّها، وحدِّ منى في هذا الباب. انتهى.
وأما عرفات: فحدُّها: ما جاوز وادي عُرُنةَ إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، هكذا نَصَّ عليه الشافعيّ، وجميع أصحابه، ونَقَل الأزرقيّ عن ابن عباس ﵁ أنه قال: حَدُّ عرفات من الجبل المشرف على بطن عُرُنة إلى جبال عرفات، إلى وَصِيق - بفتح الواو، وكسر الصاد المهملة، وآخره قاف - إلى مُلْتَقَى وَصِيق وادي عرنة، وقيل في حدّها: غير هذا، مما هو مُقارب له، وقد بسطت القول في إيضاحه في "شرح المهذب"، و"كتاب المناسك"، والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: ينبغي أن أذكر هنا ما ذكره النوويّ ﵀ في "المجموع" من حدود عرفات، والمزدلفة، ومنى، والمشعر الحرام، وما يتعلّق بذلك، وإن كان قد تقدّم ذكره مفرّقًا، إلا أن ذكره مجموعًا في موضع واحد يُعين على حفظه وفهمه.
قال ﵀: يصح الوقوف في أيّ جزء كان من أرض عرفات بإجماع العلماء؛ لحديث جابر ﵁ السابق أن النبيّ ﷺ قال: "وعرفة كلها موقف"، قال الشافعيّ، والأصحاب، وغيرهم من العلماء: وأفضلها موقف رسول الله ﷺ ، وهو عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، ويقال له: إِلَالٌ، بكسر الهمزة، على وزن هِلال، وذكر الجوهريّ في "صحاحه" أنه بفتح الهمزة، والمشهور كسرها.
قال: وأما حدّ عرفات، فقال الشافعيّ ﵀: هي ما جاوز وادي عُرَنة - بعين مضمومة، ثم راء مفتوحة، ثم نون - إلى الجبال القابلة مما يلي بساتين ابن عامر، هذا نصّ الشافعيّ، وتابعه عليه الأصحاب، ونَقَل الأزرقيّ، عن ابن
стр. 13590
عباس ﵁ قال: حدّ عرفات من الجبل المشرف على بطن عُرنة إلى جبال عرفات، إلى وَصِيق - بفتح الواو، وكسر الصاد المهملة، وآخره قاف - إلى ملتقى وصيق، ووادي عرنة.
قال بعض أصحابنا: لعرفات أربعة حدود: أحدها: ينتهي إلى جادّة طريق المشرق، والثاني: إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات، والثالث: إلى البساتين التي تلي قرية عرفات، وهذه القرية على يسار مستقبل الكعبة إذا وقف بأرض عرفات، والرابع ينتهي إلى وادي عرنة.
قال إمام الحرمين: ويُطيف بمنعرجات عرفات جبال، وجوهها المقبلة من عرفات.
(واعلم): أنه ليس من عرفات وادي عرنة، ولا نَمِرة، ولا المسجد المسمى مسجد إبراهيم، ويقال له أيضًّا: مسجد عرنة، بل هذه المواضع خارجة عن عرفات، على طرفها الغربيّ، مما يلي مزدلفة، ومنى، ومكة، هذا الذي ذكرته من كون وادي عرنة ليس من عرفات لا خلاف فيه، نَصَّ عليه الشافعيّ، واتفق عليه الأصحاب.
وأما نمرة فليست أيضًا من عرفات، بل بقربها، هذا هو الصواب الذي نَصّ عليه الشافعيّ في "مختصر الحج الأوسط"، وفي غيره، وصَرَّح به أبو علي البندنيجيّ، والأصحاب، ونقله الرافعيّ عن الأكثرين، قال: وقال صاحب "الشامل"، وطائفة: هي من عرفات، وهذا الذي نقله غريبٌ ليس بمعروف، ولا هو في "الشامل"، ولا هو صحيح، بل إنكارٌ للحِسّ، ولما تطابقت عليه كتب العلماء.
وأما مسجد إبراهيم، فقد نَصّ الشافعيّ على أنه ليس من عرفات، وأن من وقف به لم يصحّ وقوفه، هذا نَصُّه، وبه قطع الماورديّ، والمتوليّ، وصاحب البيان، وجمهور العراقيين، وقال جماعة من الخراسانيين، منهم الشيخ أبو محمد الجوينيّ، والقاضي حسين، في "تعليقه"، وإمام الحرمين والرافعيّ: مُقَدَّم هذا المسجد من طرف وادي عرنة، لا في عرفات، وآخره في عرفات، قالوا: فمن وقف في مقدمه لم يصحّ وقوفه، ومن وقف في آخره صحّ وقوفه، قالوا: ويتميز ذلك بصخرات كبار فُرِشت هناك.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وجه الجمع بين كلامهم ونَصّ الشافعيّ
стр. 13591
أن يكون زيد في المسجد بعد الشافعيّ هذا القدر الذي ذكره، والله أعلم.
وقال الأزرقيّ في هذا المسجد: ذَرْعُ سعته من مقدمه إلى مؤخره مائة ذراع وثلاث وستون ذراعًا، قال: ومن جانبه الأيمن إلى جانبه الأيسر من عرفة والطريق مائتا ذراع وثلاث عشرة ذراعًا، قال: وله مائة شُرْفة وثلاث شُرُفات، وله عشرة أبواب، قال: ومن حدّ الحرم إلى مسجد عرنة ألف ذراع وستمائة وخمس أذرع، قال: ومن مسجد عرفات هذا إلى موقف النبيّ ﷺ ميلٌ، والله تعالى أعلم.
(واعلم): أن عرنة ونمرة بين عرفات والحرم، ليستا من واحد منهما، وأما جبل الرحمة ففي وسط عرفات، فإذا علمت عرفات بحدودها، فقال الماورديّ: قال الشافعيّ: حيث وقف الناس من عرفات في جوانبها، ونواحيها، وجبالها، وسهلها، وبطاحها، وأوديتها، وسوقها المعروفة بذي المجاز أجزأه، قال: فأما إن وقف بغير عرفات من ورائها، أو دونها، عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا بها فلا يجزئه، وقال مالك: يجزئه، وعليه دم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ في "المجموع" (١).
قال: وأما "المزدلفة" فبكسر اللام، قال الأزهريّ: سُمِّيت بذلك من التزلُّف، والازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها؛ أي: مضوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سُمّيت بذلك؛ لمجيء الناس إليها في زُلَف من الليل؛ أي: ساعات، وسُمِّيت المزدلفة جَمْعًا - بفتح الجيم، وإسكان الميم - سُمِّيت بذلك؛ لاجتماع الناس بها.
[واعلم]: أن المزدلفة كلها من الحرم، قال الأزرقيّ في "تاريخ مكة"، والبندنيجيّ، والماورديّ صاحب "الحاوي" في كتابه "الأحكام السلطانية"، وغيرهما من أصحابنا، وغيرهم: حدُّ المزدلفة: ما بين وادي مُحَسِّرٍ ومَأُزِمي عرفة، وليس الحدّان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب القوابل، والظواهر، والجبال الداخلة في الحدّ المذكور.
وأما وادي مُحَسِّر: فبضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر السين المهملة المشدَّدة، وبالراء، سُمِّي بذلك؛ لأن فيل أصحاب الفيل حَسَرَ فيه؛
стр. 13592
أي: أعيى، وكَلَّ عن السير، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، ووادي محسر موضع فاصل بين منى ومزدلفة، وليس من واحدة منهما، قال الأزرقيّ: وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعًا.
وأما منى: فبكسر الميم، ويجوز فيها الصرف وعدمه، والتذكير والتأنيث، والأجود الصرف، وجزم ابن قتيبة في "أدب الكاتب" بأنها لا تصرف، وجزم الجوهريّ في "الصحاح" بأن منى مذكَّر مصروف، وقال العلماء: سُمِّيت منى؛ لِمَا يُمْنى فيها من الدماء؛ أي: يراقُ ويُصَبُّ، هذا هو الصواب الذي جزم به الجمهور، من أهل اللغة، والتواريخ، وغيرهم، ونَقَل الأزرقيّ وغيره: أنها سميت بذلك؛ لأن آدم لما أراد مفارقة جبريل؛ قال له: تَمَن، قال: أتمنى الجنة، وقيل: سُمِّيت بذلك، من قولهم: مَنَّى الله الشيءَ؛ أي: قَدَّره، فسميت منى لما جعل الله تعالى من الشعائر فيها، قال الجوهريّ: قال يونس: يقال: امتنى القومُ: إذا أتوا منى، وقال ابن الأعرابيّ: يقال: أمنى القوم: أَتَوْا منى.
[واعلم]: أن منى من الحرم، وهي شِعْبٌ ممدود بين جبلين: أحدهما ثَبِير، والآخر الصانع، قال الأزرقيّ، وأصحابنا في كتب المذهب: حَدُّ منى ما بين جمرة العقبة، ووادي محسر، وليست الجمرة، ولا وادي محسر من منى، قال البندنيجيّ، والأصحاب: ما أقبل على منى من الجبال، فهو منها، وما أدبر فليس منها، قال الأزرقيّ، وغيره: ذَرْعُ ما بين جمرة العقبة ومحسر سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع، قال الأزرقيّ: وعرض منى من مؤخر المسجد الذي يلي الجبال إلى الجبل بحذائه ألف ذراع وثلاثمائة ذراع، ومن جمرة العقبة إلى الجمرة الوسطى أربعمائة ذراع وسبع وثمانون ذراعًا ونصف ذراع، ومن الجمرة الوسطى إلى الجمرة التي تلي مسجد الخيف ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع، ومن الجمرة التي تلي مسجد الخيف إلى أوسط أبواب المسجد ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعًا، والله أعلم.
[واعلم]: أن بين مكة ومنى مسافة فرسخ، هو ثلاثة أميال، ومن منى إلى مزدلفة فرسخ، ومن مزدلفة إلى عرفات فرسخ، وقال إمام الحرمين، والرافعيّ: بين مكة ومنى فرسخان، والصواب فرسخ فقط، كذا قاله الأزرقيّ، والمحققون في هذا الفن، والله أعلم.
стр. 13593
وأما المشعر الحرام: فبفتح الميم هذا هو الصحيح المشهور، وبه جاء القرآن، وهو المعروف في رواية الحديث، قال صاحب "المطالع": ويجوز كسر الميم، لكن لم يرد إلا بالفتح، وحَكَى الجوهريّ الكسر، ومعنى "الحرام": الْمُحَرَّم؛ أي: الذي يحرم فيه الصيد وغيره، فإنه من الحرم، ويجوز أن يكون معناه: ذا الحرمة.
واختَلَفَ العلماء في المشعر الحرام، هل هو المزدلفة كلها، أم بعضها؟ وهو قُزَحُ خاصَّة، وقد تقدّم بيان الخلاف في ذلك.
قال العلماء: سُمِّي مَشْعَرًا؛ لما فيه من الشعائر، وهي معالم الدين، وطاعة الله تعالى. انتهى كلام النوويّ ﵀ في "المجموعِ" (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تمام البحث فيه في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أتى الْحَجَرَ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِه، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، من كبار [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا في الباب، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه.
وقوله: (لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أتى الْحَجَرَ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِه، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا) قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث أن السنة للحاجّ أن يبدأ أول قدومه بطواف القدوم، ويُقَدِّمه على كل شيء، وأن يستلم الحجر الأسود
стр. 13594
في أول طوافه، وأن يَرْمُل في ثلاث طوفات من السبع، وَيمْشِي في الأربع الأخيرة، وسيأتي هذا كله واضحًا حيث ذكر مسلم أحاديثه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١٩) - (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٤] (١٢١٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ، وَمَنْ دَانَ دِينَهَا، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَة، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَب، يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الاسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتي عَرَفَاتٍ، فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبت إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
стр. 13595
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي معاوية، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنها (قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ، وَمَنْ دَانَ دِينَهَا) ومن اعتقد اعتقادها، وأخذ مأخذها من قبائل العرب، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وغيرهم، يقال: دان بالإسلام دِينًا بالكسر: تعبّد به، وتديّن به كذلك، فهو ديِّنٌ، مثلُ ساد، فهو سيّدٌ، قاله الفيّوميّ (١).
(يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ) تَعْنِي أنهم لا يتجاوزونها، بل يفيضون منها إلى منى، وذلك لأن الشيطان استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وهذا من جملة ما غيّروه من دين إبراهيم ﵇.
(وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) - بضمّ، فسكون - جمع أحمس، والأحمس في اللغة: الشديد، قال في "القاموس": حَمِسَ، كفرِحَ: اشتدّ، وصَلُبَ في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ، وأحمس، وهم حُمْسٌ، والْحُمْسُ: الأمكنة الصّلْبة، جمع أحمس، وهو لقب قُريش، وكنانة، وجَدِيلة، ومن تابعهم في الجاهليّة؛
стр. 13596
لتحمّسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحَمْساء، وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد. انتهى.
وروى إبراهيم الحربيّ في "غريب الحديث" من طريق ابن جريج، عن مجاهد، قال: الحُمْس: قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس، والخزرج، وخزاعة، وثقيف، وغزوان، وبني عامر، وبني صعصعة، وبني كنانة، إلا بني بكر، والأحمس في كلام العرب: الشديد، وسمّوا بذلك لما شدّدوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلّوا بحجّ، أو عمرة لا يأكلون لحمًا، ولا يضربون وَبَرًا، ولا شعرًا، وإذا قَدِموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم.
وذكر الحربيّ أيضًا في "غريبه" عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس من غير قريش ثقيف، وليث، وخزاعة، وبنو عامر بن صعصعة - يعني: وغيرهم - قال الحافظ: وعُرِف من هذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قريشية، لا جميع القبائل المذكورة. انتهى (١).
(وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ) أي بقيّتهم غير الْحُمْس، ومن دان دينها (يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ) على العادة القديمة، والطريقة المستقيمة الموروثة عن إبراهيم ﵇ (فَلَمَّا جَاءَ الإسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأتيَ عَرَفَاتٍ، فَيَقِفَ بِهَا) اتِّباعًا لدين إبراهيم ﵇ (ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا) أي يدفع من عرفات إلى المزدلفة (فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ أي ادفعوا أنفسكم، أو مطاياكم يا معشر قريش.
وقال في "الفتح": وعُرف برواية عائشة ﵂ هذه أن المخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفِيضُوا﴾ النبيّ ﷺ ، والمراد: من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم. انتهى.
(﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾) أي غيركم، وهو عرفات، والمقصود رجوعهم من ذلك المكان، ولا شكّ أن الرجوع منه يستلزم الوقوف فيه؛ لأنه مسبوق به، فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس، وهو عرفة (٢).
стр. 13597
واختلف المفسّرون في المراد بالناس، فقيل: سائر الناس، غير الحُمْس، وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الضحّاك أن المراد به هنا إبراهيم الخليل، ويؤيّده حديث يزيد بن شيبان (١)، وعنه: المراد به الإمام، وقيل: آدم ﵇، ويؤيّده القراءة في الشواذّ: "الناسي" بكسر السين، بوزن القاضي، من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]. والأول أصحّ.
نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم ﵇، كما سيأتي في حديث يزيد بن شيبان الآتي قريبًا، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصّة بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، بل هو أعمّ من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة ﵂.
وأما الإتيان في الآية بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ فقيل: هي بمعنى الواو، وهذا اختيار الطحاويّ، وقيل: لقصد التأكيد، لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس، لا من حيث كنتم تُفيضون، قال الزمخشريّ: وموقع "ثم" هنا موقعها من قولك: أَحْسِنْ إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتي "ثم" لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بَيَّنَ لهم مكان الإفاضة، فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ ولتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب، والأخرى خطأ.
وقال الخطابيّ: تضمّن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ والأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال، وزاد: وبَيَّنَ الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه. انتهى (٢).
стр. 13598
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ في "المفهم": قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ " أي: تفرَّقوا، والإفاضة: التفرق في كثرة، من إفاضة الماء، قال الشاعر [من الكامل]:
فأَفَضْن بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ … مِنْ ذِي الأَبارِقِ إِذْ رَعَيْنَ حَفِيلا
وقال الأصمعي: الإفاضة: الدَّفعة، ومنه: فيض الدمع.
وقال الخطابي: أصل الفيض: السيلان، واختلف المفسّرون فيمن المراد بـ "الناس"؛ فقيل: المراد: آدم ﵇، وقيل: إبراهيم ﵇، وقيل: سائر الناس غير الْحُمْس، وهم قريش، ومن ولدت، وكنانة وجَدِيلة، وسُمُّوا حُمْسًا؛ لأنهم تحمَّسوا في دينهم؛ أي: تشدَّدوا، ولذلك كانوا إذا ابتدعوا أمرًا أدانت لهم العرب به.
وقال الحربي: سُمُّوا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء؛ حجرها أبيض يضرب إلى السَّواد. وكان مِمَّا ابتدعته الْحُمْس: أنه لا يطوف أحدٌ بالبيت وعليه أثوابه إلا الْحُمْس، فكان الناس يطوفون عراة إلا الْحُمْس، أو من يعطيه أحمسي ثوبًا، فإن طاف أحدٌ في ثوبه ألقاه بالأرض، ولم يعد له، ولا يأخذه أحدٌ، لا هو، ولا غيره، ولا ينتفع به، وكانت تُسمِّي تلك الثياب: اللُّقى؛ لإلقائها بالأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾، وقال رسول الله ﷺ : "لا يطوف بالبيت عُريان"، وكذلك كانوا يُفيضون من مزدلفة، والناس من عرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، فأحكم الله آياته، والله تعالى أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٩٥٤ و ٢٩٥٥] (١٢١٩)، و (البخاريّ) في
стр. 13599
"الحجّ" (١٦٦٥) و "التفسير" (٤٥٢٠)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩١٠)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٨٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٣٠١٣) و"الكبرى" (٤٠١٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣ - ١٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٩)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ١٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وجوب الوقوف بعرفة، وأنّ الحجّ لا يتمّ إلا به.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة، وذلك حيث امتنعت قريش من الوقوف بعرفة؛ لكونه خارج الحرم، فأُمروا به، فالمراد بالإفاضة الإفاضة من عرفة، وإن كان ظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بلفظة "ثم" بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام.
وأجاب بعض المفسّرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر؛ لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام، فاذكروا الله عنده، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض فيه الناس غير الحمس، قاله في "الفتح" (١).
٣ - (ومنها): أن الوقوف بها كان من شريعة إبراهيم ﵇، فكانت العرب متمسّكة به، إلا ما كان من قريش، فهدى الله تعالى نبيّه ﷺ إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كرَيْبٍ، حَدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: كَانَت الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ، وَمَا
стр. 13600
وَلَدَتْ، كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً (١)، إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُم الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ، وَكَانَت الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَة، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ، قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَني أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أنزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَة، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الْحَرَم، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: كتب الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ ﵀ في "تقييده" بعد ذكر هذا الإسناد ما نصّه: هكذا عند أبي أحمد، والكسائيّ في إسناد هذا الحديث، وعند أبي العلاء بن ماهان: "حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة"، جَعَلَ "ابن أبي شيبة" بدل أبي كُريب. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كونه عن أبي كريب هو الذي مشى عليه الحافظ المزيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" (١٢/ ١٣٩)، ولم يُشر إلى الاختلاف المذكور، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كانَت الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً) جمع عَارٍ، كقُضَاة جمع قاضٍ، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في "تطوف".
قال النوويّ ﵀: هذا من الفواحش التي كانوا عليها في الجاهلية،
стр. 13601
وقيل: نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾، ولهذا أمر النبيّ ﷺ في الحجة التي حجها أبو بكر ﵁ سنة تسع أن ينادي مناديه: "أن لا يطوف بالبيت عُرْيان". انتهى (١).
وقوله: (إِلا الْحُمْسَ) تقدّم تفسيره في الحديث الماضي.
وقوله: (وَمَا وَلَدَتْ) أي وأولادهم، واختار كلمة "ما" على كلمة "مَنْ" لعمومها.
وقيل: المراد به والدهم، وهو كنانة؛ لأن الصحيح أن قريشًا هم أولاد النضر بن كنانة، وزاد معمر هنا: وكان ممن ولدت قريش: خزاعةُ، وبنو كنانة، وبنو عامر بن صعصعة، قاله في "العمدة" (٢).
وقوله: (يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ) قال في "العمدة": هو عَلَم للموقف، وهو منصرف؛ إذ لا تأنيث فيها، قاله الكرمانيّ، والتحقيق فيه ما قاله الزمخشريّ:
[فإن قلت]: هلا مُنِعَت الصرف، وفيه السببان: التعريف والتأنيث؟.
[قلت]: لا يخلو التأنيث، إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة، كما في سُعَاد فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا تقدر تاء التأنيث في بنت؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو؛ لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث، فأبت تقديرها. انتهى.
وسُمِّيت عرفات بهذا الاسم، إما لأنها وُصِفت لإبراهيم ﵊ فلما أبصرها عرَفها، أو لأن جبريل ﵊ حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها، فقال: قد عرفتُ، أو لأن آدم ﵊ هبط من الجنة بأرض الهند، وحواء ﵇ بجُدّة فالتقيا ثَمَّة، فتعارفا، أو لأن الناس يتعارفون بها، أو لأن إبراهيم ﵇ عَرَف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثَمَّة، أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم، أو لأن فيها جبالًا،
стр. 13602
والجبال هي الأعراف، وكل عالٍ فهو عَرْف. انتهى (١).
وقوله: (كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ) أصله من إفاضة الماء، وهو صَبّه بكثرة، وقال الزمخشريّ: أفضتم: دفعتم من كثرة الماء.
وقوله: (رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ) أي رجعوا إلى ما كان عليه دين إبراهيم ﵇ من الوقوف بعرفات، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٦] (١٢٢٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْس، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ حافظ فقيهٌ إمامٌ حجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النوفليّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة عارف بالنسب [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٤٠.
стр. 13603
٦ - (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ الصحابيّ ﵁، كان عارفًا بالأنساب، مات سنة ثمان، أو تسع وخمسين (ع) تقدّم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) ﵁ أنه (قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي) أي فقدته، يقال: ضلّ البعير: إذا غاب، وخَفِيَ موضعه، وأضللته بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأضللت الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْته، ولا تقل: أضللته بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أضلّني كذا بالألف: إذا عَجَزتَ عنه، فلم تقدر عليه، وقال في "البارع": ضَلَّني فلانٌ، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّني: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تَهْتَدِ إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْته، وقال الفارابيّ: أضللتُهُ بالألف: أضعته، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
(فَذَهَبْتُ أطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) وفي رواية النسائيّ: "فذهبت أطلبه بعرفة يوم عرفة" فيكون الجارّ، والظرف متعلقان بـ "أطلب" يعني أنه ذهب لطلب بعيره في الموضع المسمّى بعرفة، في يوم بعرفة (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِن هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ) إشارة إلى النبيّ ﷺ ، وهذا تعجب
стр. 13604
من جبير بن مطعم، وإنكار منه لَمّا رأى النبيّ ﷺ واقفًا بعرفة مخالفًا لعادة قريش، ولذلك قال: (فَمَا شَأْنهُ هَا هُنَا؟) أي في عرفة (وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنْ الْحُمْسِ) تقدّم معناه قريبًا، أي فما باله يقف بعرفة، والحمس لا يقفون بها؛ لأنهم لا يخرجون من الحرم.
وفي رواية الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي عمر جميعًا عن سفيان: "فما له خرج من الحرم".
[تنبيه]: قوله: "وكانت قريش تُعدّ من الحمس"، هذه الزيادة ليست في رواية البخاريّ، قال في "الفتح" بعد ذكر هذه الزيادة عند مسلم ما نصّه: هذه الزيادة توهم أنها من أصل الحديث، وليس كذلك، بل هي من قول سفيان، بيّنه الحميديّ في "مسنده" عنه، ولفظه متّصلًا بقوله: "فما شأنه ههنا؟ " قال سفيان: والأحمس الشديد على دينه، وكانت قريش تُسمّى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظّمتم غير حرمكم، استخفّ الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم. ووقع عند الإسماعيليّ من طريقيه بعد قوله: "فما له خرج من الحرم؟ " قال سفيان: الحمس - يعني قريشًا - وكانت تسمّى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله، لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. انتهى.
وروى ابن خزيمة، وإسحاق ابن راهويه في "مسنده" موصولًا من طريق ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عمّه نافع بن جبير، عن أبيه، قال: "كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت رسول الله ﷺ في الجاهليّة يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا"، ولفظ يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في "المغازي" مختصرًا، وفيه: "توفيقًا من الله له"، وأخرجه إسحاق أيضًا عن الفضل بن موسى، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء أن جبير بن مطعم، قال: "أضللت حمارًا لي في الجاهليّة، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وفّقه لذلك".
стр. 13605
قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يُسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضًا، كما تقدّم.
وتضمّن ذلك التعقيب على السهيليّ حيث ظنّ أن رواية جبير لذلك كانت في الإسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حجّ بالناس عتّاب سنة ثمان، وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع، كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم.
وقال الكرمانيّ: وقفة رسول الله ﷺ بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارًا، أو تعجبًا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة عما كانت عليه الحمس، فلا إشكال، ويَحْتَمِل أن يكون لرسول الله ﷺ وقفة بعرفة قبل الهجرة. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد كما بيّنته قبلُ بدلائله، وكأنه تبع السهيليّ في ظنّه أنها حجة الوداع، أو وقع له اتفاقًا. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جبير بن مطعم ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٩٥٦] (١٢٢٠)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٦٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٣٠١٤) و"الكبرى" (٤٠٠٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٨٠ و ٨٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٦٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٧٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٠)، و (البزّار) في
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، أبو بسطام الواسطيّ، ثُم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٥ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِم) الْجَدَليّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٥.
٦ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابِ) بن عبد شمس الْبَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة، له رؤية [٢] (ت ٢ أو ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٥.
٧ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ رؤبةً عن صحابيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) وفي رواية للبخاريّ في "المغازي": "عن قيس بن مسلم: سمعت طارق بن شهاب" (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس
стр. 13608
الأشعريّ ﵁، وفي رواية البخاريّ المذكورة: "حدّثني أبو موسى" (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُول اللهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "بعثني النبيّ ﷺ إلى قومي باليمن، فجئت، وهو بالبطحاء" (وَهُوَ مُنِيخ بِالْبَطْحَاءِ) اسم فاعل، من أناخ بعيره: إذا أبركه، أي وهو نازل بالبطحاء، وذلك في ابتداء قدومه إلى مكة.
(فَقَالَ لِي: "أَحَجَجْتَ؟ ") أي أحرمت بالحجِّ (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: "بِمَ (١) أَهْلَلْتَ؟ ") أي: بأيّ شيء رفعت صوتك بالتلبية، فـ "ما" استفهاميّة، ولذا حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في "الخلاصة":
وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وفي بعض النسخ: "بما أهللت" دون حذف الألف، وهو قليل الاستعمال.
(قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإهْلَالٍ كإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ) "لبيك" بكاف الخطاب، أي قلت هذا اللفظ، ووقع في بعض النسخ: "لبيتُ" بتاء المتكلّم (قَالَ: "فَقَدْ أَحْسَنْتَ) أي في إهلالك هذا، وفيه جواز تعليق الإهلال بإهلال فلان، زاد في الرواية التالية: "قال: هل سقت من هدي؟، قلت: لا، قال: فطف بالبيت … " (طُفْ بِالْبَيْت، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوةِ" أي اسْعَ بينهما (وَأَحِلَّ") بقطع الهمزة، أمر من الإحلال رباعيًّا: إذا خرج من إحرامه، وفي الرواية التالية: "ثُمَّ حِلَّ" بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، أمر مِن حَلّ يحلّ، ثلاثيًّا من باب ضرب، وهو بمعناه.
قال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام أن أبا موسى ﵁ صار كالنبيّ ﷺ ، وتكون وظيفته أن يفسخ حجه إلى عمرة، فيأتي بأفعالها، وهي الطواف، والسعي، والحلق، فإذا فعل ذلك صار حلالًا، وتمّت عمرته، وإنما لم يذكر الحلق هنا؛ لأنه كان مشهورًا عندهم، ويَحْتَمِل أنه داخل في قوله: "وأَحِلَّ". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الحقّ، فتأمل، والله تعالى أعلم.
стр. 13609
(قَالَ) أبو موسى ﵁ (فَطُفْتُ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوة، ثُمَّ أتيْتُ امْرَأةً) لم يعرف المرأة (١) (مِنْ بَيي قَيْسٍ) وفي رواية للبخاريّ: "امرأة من قيس"، قال الحافظ ﵀: والمتبادر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: "امرأة من نساء بني قيس"، وظهر لي من ذلك أن المراد بقيس: قيس بن سُليم والد أبي موسى الأشعريّ، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْم، وأبو بردة، قيل: ومحمد. انتهى (٢).
(فَفَلَتْ رَأسِي) بتخفيف اللام: أي أخرجت منه القملَ، يقال: فَلَيتُ رأسي فَلْيًا، من باب رَمَى: نقّيته من القمل (٣)، وفي الرواية التالية: "فمشطتني، وغسلت رأسي".
قال النوويّ ﵀: هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرمًا لأبي موسى ﵁.
(ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ) قال النوويّ ﵀: يعنى أنه تحلل بالعمرة، وأقام بمكة حلالًا إلى يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، ثم أحرم بالحج يوم التروية، كما جاء مبينًا في غير هذه الرواية.
[فإن قيل]: قد عَلَّقَ عليّ بن أبي طالب، وأبو موسى ﵄ إحرامهما بإحرام النبيّ ﷺ ، فأمر عليًّا بالدوام على إحرامه قارنًا، وأمر أبا موسى بفسخه إلى عمرة؟.
[فالجواب]: أن عليًّا ﵁ كان معه الهديُ، كما كان مع النبيّ ﷺ الهديُ، فبقي على إحرامه، كما بقي النبيّ ﷺ ، وكلُّ من معه هديٌ، وأما أبو موسى فلم يكن معه هديٌ، فتحلل بعمرة، كمن لم يكن معه هديٌ، ولولا الهديُ مع النبيّ ﷺ لجعلها عمرةً، وقد سبق إيضاح هذا الجواب في الباب الذي قبل هذا. انتهى (٤).
(قَالَ) أبو موسى ﵁ (فَكُنْتُ أُفتِي بِهِ النَّاسَ) يعني بالتحلّل لمن أحرم
стр. 13610
بالحجِّ بعمل العمرة إذا لم يسق الهدي، وهذا يدلّ على أن أبا موسى ﵁ ممن يرى عموم مشروعيّة ما أمر به النبيّ ﷺ من الفسخ، وتعدّيه لغير الصحابة، ولم ير أن ذلك خاصّ بالصحابة ﵃، وهذا هو الحقّ، كما مرّ تحقيقه.
(حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁) وفي الرواية التالية: فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر، وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجلٌ، فقال: "إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين … " (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُوسَى، أَو) للشكِّ من الراوي (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ،) أي أمْهِل بعض ما تفتي به، ولا تستعجل.
[تنبيه]: قوله: "رويدك" اسم فعل، بمعنى أَمْهِل"، وأصله أَرْوِدْ إِرْوَادًا: أي أمهل إمهالًا، فصغّروا الإرواد بحذف زيادتيه، وهما الهمزة والألف، تصغير الترخيم، واستعملوه مصدرًا نائبًا عن فعله، وهو أَرْوِدْ، ثم إنه إذا انتصب ما بعده، كرُوَيْدَ زيدًا، وكـ "بعضَ فتياك" في هذا الحديث، فإنه اسم فعل، وإن انجرّ ما بعده فهو مصدرٌ، نحو رُويد زيدٍ، أي إرواد زيد، أي إمهاله، وهو منصوب بفعل مضمر، أي أروِدْ.
وفي "لسان العرب" نقلًا عن الأزهريّ ﵀: اعلم أن رُويدًا تلحقها الكاف، وهي في موضع أَفْعِلْ، وذلك قولك: رُويدَك زيدًا، ورويدَكم زيدًا، فهذه الكاف التي أُلحقت لتبيين المخاطب في رويدًا، ولا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست باسم، ورُويد غيرُ مضاف إليها، وهو متعدّ إلى زيد؛ لأنه اسم سمّي به الفعلُ، يعمل عمل الأفعال، وتفسير رُويدَ: مَهْلًا، وتفسير رويدَكَ: أَمْهِلْ؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أَفْعِلْ، دون غيره، وإنما حُرّكت الدال لالتقاء الساكنين، فنُصب نصب المصادر، وهو مصغّر، مأمور به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر أرود يُروِدُ، وله أربعة أوجه: اسم فعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رُويدَ عمرًا، أي أرود عمرًا، بمعنى أمهله، والصفة نحو قولك: ساروا سيرًا رُويدًا، والحال نحو قولك: سار القوم رُويدًا، لَمَّا اتصل بالمعرفة صار حالًا لها، والمصدر نحو قولك: رُويدَ عمرٍ وبالإضافة، كقوله تعالى ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وفي حديث أنجشة ﵁: "رُويدك رِفقًا بالقوارير": أي أمهل، وتَأَنَّ، وارفُق.
стр. 13611
انتهى ما في "اللسان" (١).
والى هذا مع "بَلْهَ" أشار ابن مالك ﵀ في "خلاصته" حيث قال:
كَذَا رُويدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ … وَيَعْمَلَانِ الْخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ (٢)
قال النوويّ ﵀: معنى "رُوَيدك": ارفُق قليلًا، وأمسك عن الْفُتْيَا، ويقال: فُتيا، وفَتْوى لغتان مشهورتان. انتهى.
(فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) أي عمر بن الخطّاب ﵁ (فِي النُّسُكِ) أي في شأنها (بَعْدَكَ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد مفارقته لك، أو بعد ما كنت تعلمه مما تفتي به الناس، من جواز المتعة (فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ) أي بجواز المتعة (فُتْيَا فَلْيَتَّئِدْ) -بمثناة فوقية مشددة، بعدها همزة- افتعال من التؤدة: أي ليتأنّ، ولا يتعجّل بالمضيّ على فتيانا (فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عمر ﵁ (قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتَمُّوا) أي فاقتدوا به، وخذوا بقوله، واتركوا قولنا، إن خالفه (قَالَ) أبو موسى ﵁ (فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) وفي الرواية التالية: "فلما قَدِم قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، يعني نهيه الناس من المتعة (فَقَالَ) عمر ﵁ (إِنْ نَأْخُذْ بكِتَابِ اللهِ) هو قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (فَإِنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ) وفي نسخة "يَأمرنا" (بِالتَّمَامِ) أي بكون كلِّ من النسكين تامّين بإتيانه بسفر جديد، أو بإحرام جديد، لا يجعل أحدهما تابعًا للآخر.
(وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يعني أنه ﷺ في حجة الوداع لم يتحلّل حتى روى جمرة العقبة، ونحر هديه، ولم يتحلّل بعمل العمرة؛ أي والمتمتّع يتحلّل إذا لم يسق الهدي، كما فَعَل أصحاب النبيّ ﷺ .
والحاصل أن الجمع بين القرآن والسنة قد أدّى عمر ﵁ إلى النهي عن التمتّع والقران جميعًا، فيحصل حينئذ الإتمام، والحلّ يوم النحر، لا قبله.
стр. 13612
وقال الحافظ ﵀: ومحصّل جواب عمر ﵁ في منعه الناس من التحلّل بالعمرة أن كتاب الله تعالى دالّ على منع التحلّل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأن سنة رسول الله ﷺ أيضًا دالّة على ذلك؛ لأنه لم يحلّ حتى بلغ الهدي محلّه.
لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به النبيّ ﷺ ، حيث قال: "ولولا أن معي الهدي لأحللت"، فدلّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي.
وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر ﵁ في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة.
وقال المازريّ: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامة، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها.
وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، بناء على مُعْتَقَده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة.
قال النوويّ ﵀: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامة، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتّع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل.
قال الحافظ: ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريبًا من مسلم: "إن الله يُحلّ لرسوله ما شاء"، والله أعلم.
وفي قصّة أبي موسى، وعليّ ﵄ دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ ﷺ لو لم يكن معه هديٌ، وقد قال: "لولا الهدي لأحللت"؛ أي وفسخت الحجّ إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره، وأما عليّ، فكان معه هديٌ، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا.
قال النوويّ: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطابيّ، وعياض بتأويلين غير مرضيين. انتهى.
стр. 13613
قال الحافظ: فأما تأويل الخطابيّ، فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل عليّ، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبيّ ﷺ ؛ أي كما يبيّنه لي، ويُعيّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمره أن يحلّ بعمل عمرة؛ لأنه لم يكن معه هديٌ.
وأما تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: "فكنت أفتي الناس بالمتعة" أي بفسخ الحجّ إلى العمرة.
والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنه ﷺ كان مفردًا، مع قوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"؛ أي فسخت الحج، وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلّل؛ لأنه لم يكن معه هديٌ، بخلاف عليّ.
قال عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان خاصًّا بالصحابة. انتهى.
وقال ابن المنيّر في "الحاشية": ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب، ودلّت عليه السنّة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد.
ثم أجاب بأنه لعله أراد إبطال وَهْم من توهّم أنه خالف السنّة، حيث منع من الفسخ، فبيّن أن الكتاب والسنة متوافقان على الأمر بالإتمام، وأن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة؛ لإبطال اعتقاد الجاهليّة أن العمرة لا تصحّ في أشهر الحجّ. انتهى.
وأما إذا قلنا: كان قارنًا، على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النوويّ، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب أن فسخ الحج إلى العمرة ليس خاصًا بتلك السنة، بل هو سنة مستمرة إلى يوم القيامة، كما بيّنه النبيّ ﷺ ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 13614
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٩٥٧ و ٢٩٥٨ و ٢٩٥٩ و ٢٩٦٠] (١٢٢١)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٦٥ و ١٧٢٤ و ١٧٩٥) و"المغازي" (٤٣٩٧)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٥٦) و"الكبرى" (٢/ ٣٤٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٤٠ و ٣٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٢٦٤)، و (البزّار) في "مسنده" (١/ ٣٤٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الإحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وهو قول الشافعيّ، وأصحاب الحديث، ومحلّ ذلك ما إذا كان الوقت قابلًا، بناء على أن الحجّ لا ينعقد في غير أشهره، قاله في "الفتح".
وقال النوويّ ﵀: فيه جواز تعليق الإحرام، فإذا قال: أحرمت بإحرامٍ كإحرام زيد صحّ إحرامه، وكان إحرامه كإحرام زيد، فإن كان زيد محرمًا بحجّ، أو بعمرة، أو قارنًا كان المعلّق مثله، وإن كان زيد أحرم مطلقًا كان المعلّق مطلقًا، ولا يلزمه أن يصرف إحرامه إلى ما يصرف زيد إحرامه إليه، فلو صرف زيد إحرامه إلى حجّ كان للمعلِّق صرف إحرامه إلى عمرة، وكذا عكسه. انتهى (١).
٢ - (ومنها): استحباب الثناء على مَن فَعَل فِعْلًا جميلًا؛ لقوله ﷺ : "أحسنت".
٣ - (ومنها): بيان أن من لم يسق الهدي ممن أحرم مفردًا، أو قارنًا عليه أن يتحلّل بعمل العمرة، ثم يُهلّ بالحج يوم التروية، ومسألة فسخ الحج إلى العمرة، قد استوفيت بيان اختلاف العلماء فيها، وترجيح الراجح بأدلّته قبل بابين في شرح حديث جابر ﵁ برقم [١٧/ ٢٩٤٣] (١٢١٦) فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 13615
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من عنايتهم بتبليغ السنّة إلى الأمة، فإن أبا موسى ﵁ لم يزل يُفتي الناس بذلك إلى أن خالفه عمر ﵁، فتوقف.
٥ - (ومنها): أن المجتهد ربما يخالف بعض السنن، مع علمه بها لتأويل يراه، ولا لوم عليه في ذلك، وإنما يُذَكّر لعله يتذكّر.
٦ - (ومنها): أن العلة التي كره عمر ﵁ التمتع من أجلها هي كون حال المتمتع مخالفًا لحال الحاجّ من كونه أشعث، أغبر، فإنه قال -كما سيأتي-: "ولكن كرهت أن يظلُّوا مُعْرِسين بهنّ في الأراك"، لكن مثل هذا الرأي المخالف لصريح السنة، وإن كان صاحبه يُعذر باجتهاده لا يُلتفت إليه.
٧ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم ولاة الأمور، فإن أبا موسى الأشعريّ ﵁ ترك فتياه، وأمر الناس بأن يتئدوا عما أفتاهم به؛ إذ سمع أن عمر ﵁ خالفه فيه.
٨ - (ومنها): بيان الأدب مع ولاة الأمور، وإن وقعوا في المخالفة، فلا ينبغي إساءة القول أو الفعل لهم، حيث إن أبا موسى خاطب عمر ﵄ بأسلوب أدبيّ، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟، مع أنه يعلم أنه مخالف لما ثبت عن النبيّ ﷺ ، فينبغي لمن رأى مخالفة من وليّ أمره أن يلاطفه، ويخاطبه باحترام وتعظيم، ولا يُعنّفه، ولا يسيء له القول أو الفعل، والله تعالى أعلم
٩ - (ومنها): بيان أن الأكابر أحيانًا يقعون في خلاف السنّة؛ اجتهادًا منهم، فإن عمر ﵁ خالف ما صحّ عنه ﷺ من جواز فسخ الحج إلى العمرة، أو من جواز الاعتمار في أشهر الحج بسبب رأي رآه، فيُعتذر له بالتأويل، ولا ينقص ذلك من قدره شيئًا.
١٠ - (ومنها): أن المجتهد ينبغي له إذا بلغه من غيره خلاف ما يعتقده أن يتأنى حتى يعرف دليل ذلك المخالف، فلعلّ عنده حجة أقوى من حجته، فيرجع إليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13616
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٥٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ (١)، فَقَالَ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَطُفْ بالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ"، فَطُفْتُ بِالْبَيتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِى النَّاسَ بِذَلِكَ، فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ فَلْيَتَّئِدْ، فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَبِهِ فَأْتَمُّوا،
стр. 13617
فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِن اللهَ قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﵊ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة [٩] (ت ١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله، و"قيسٌ" هو ابن مسلم.
وقوله: (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، من حلّ الثلاثيّ، وتقدم في الرواية الأولى بلفظ: "أَحِلّ" من الإحلال رباعيًّا، وكلاهما لغتان بمعنى واحد، أي: اخرُج من إحرامك، وتحلّل منه بعمل العمرة.
وقوله: (فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، وَيحْتَمِل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطًا، من باب قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة، قاله الفيّوميّ، والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى ﵁، وأصلحته.
وقوله: (فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاج، قال الليث: موسم الحجّ، سُمِّي موسمًا لأنه مَعْلَمٌ يُجتمع إليه، وقال ابن السكّيت: كل مَجمَع من الناس كثيرٍ هو مَوْسِمٌ، ومنه مَوْسِم منى، أفاده في "اللسان".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الرواية الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي إِلى الْيَمَنِ، قَالَ:
стр. 13618
فَوَافَقْتُهُ فِي الْعَامِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا مُوسَى، كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أَحْرَمْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ إِهْلَالًا كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلْ سُقْتَ هَدْيًا؟ " فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَانْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنِ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذلي المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ) فاعل "ساق" ضمير أبي الْعُميس.
[تنبيه]: رواية أبي العميس، عن قيس بن مسلم هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٨) فقال:
(٨٤٦٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون، أنبأ أبو عميس، قال: سمعت قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ بعثني إلى اليمن، قال: فوافقته في العام الذي حَجّ فيه، فقال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا موسى كيف قلت حين أحرمت؟ " قال: قلت: إهلالٌ كإهلال النبيّ ﷺ ، فقال: "هل سُقْتَ هديًا؟ " قلت: لا، قال: فانطلق، فطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم أَحِلَّ، فانطلقت، فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم عَمَدت إلى نسوة من آل قيس؛ يعني عماته، فمَشَطْن رأسي بالغسل، فلما كان بعد ذلك في إمارة
стр. 13619
عمر ﵁ قَدِمتُ حاجًّا، فبينا أنا أُحَدِّث الناس عند البيت بما أمرني رسول الله ﷺ إذ قدم رجل، فقال: دونك أيها الرجل بحديثك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فقلت: يا أيها الناس مَن سَمِعَ شيئًا، فلا يأخذ به، حتى يَقْدَم أمير المؤمنين، فبه ائتمُّوا، فلما قَدِمَ عمر ﵁، قلت له: يا أمير المؤمنين أَحَدَثَ في النسك شيء؟ فغَضِبَ عمر أمير المؤمنين من ذلك، ثم قال: أَجَلْ، لئن نأخذ بكتاب الله فقد أمر الله بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ بيننا، فإنه لم يَحِلّ حتى بلغ الهدي محله. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦١] (١٢٢٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَّى لَقِيَهُ بَعْدُ، فَسَأَلهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٩/ ٩٧٧.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ، وُلد في حياة رسول الله ﷺ ، فسمّاه، وحَنّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وعنه الشعبيّ، وعُمَارة بن عمير.
стр. 13620
قال ابن حبان في "الصحابة": لم يسمع من النبيّ ﷺ ، روى عنه الحكم بن عُتيبة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وذكره جماعة في الصحابة على عادتهم فيمن له إدراك.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ) أي بجواز التمتّع، والمراد فسخ الحجّ بعمل العمرة.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف الرجل، كما قال صاحب "التنبيه" (١).
وقوله: (رُويدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ) أي تمهّل عن بعض الأحكام التي تفتي الناس بها.
وقوله: (فِي النُّسُكِ) أي في شأن النسك.
وقوله: (بَعْدُ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد ما كنت تعرفه من جواز التمتّع.
(فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ) أي التمتّع، بمعنى القران، أو المراد التمتع المعروف، ومعناه أمر بفعله، أو التمتّع الذي هو فسخ الحج بعمل العمرة، وقال السنديّ: أي فلا نهي عنه لذاته، بل لأن الناس لا يؤدّون حقّ الحجّ لأجله. انتهى.
وقوله: (كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا) -بفتح التحتانيّة، والظاء، وتشديد اللام- قال الفيّوميّ: وظلّ يَفْعَل كذا، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى.
وقوله: (مُعْرِسِينَ بِهِنَّ) اسم فاعل من الإعراس، لا من التعريس، قال الفيّوميّ: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس عَمِلَ عُرْسًا، وأما عرّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عرّس: إذا نزل المسافر ليستريح نزلةً، ثم يرتحل، قال أبو زيد: وقالوا: عرّس القوم في