← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13791–13830 · переход к 13796.

стр. 13791

وأما الثانية، فرُويت أيضًا بالعين المهملة، وممن ذكر الروايتين فيها المعجمة والمهملة: أبو عبيد، والقاضي عياض، ومعنى المهملة: أنَّها فَرَّقَت مذاهب الناس، وأوقعت الخلاف بينهم، ومعنى المعجمة: خَلَطَت عليهم أمرهم. انتهى. وقال في "كشف المشكل": قوله: "تشغفت الناس" هذه الكلمة تُروى على ستة أوجه: [أحدها]: "تشغفت" أي حَلّت شغاف قلوبهم، فشغلتها. [والثاني]: تشعبت بالناس: أي تفرقت بهم. [والثالث]: شعبت الناس. [والرابع]: شعّبت بالتشديد والتخفيف، ومعناهما: فرقتهم. [والخامس]: شغبت: أي أوجبت الشغب، والاختلاف بينهم، والشغب ها هنا هَيَجَان الشرّ والمنازعة. [والسادس]: أن هذا الأمر قد تفشغ الناس، والمعنى: تفشغ فيهم: أي كَثُر، يقال: تفشغ في رأسه الشيب؛ أي كثر، وانتشر، قال الأصمعي: تفشغ الشيء: فشا وكثُر. انتهى (١). وقوله: (أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ) يَحْتَمِل فتح همزة "أَنَّ" ويكون المصدر المؤوّل خبرًا لمحذوف؛ أي: هي حلُّ من طاف بالبيت، وَيحتَمِل أن تكون بالكسر، وتكون الجملة بيانًا للفتيا (فَقَدْ حَلَّ) أي من إحرامه (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) برفع "سنّةُ" خبرًا لمحذوف؛ أي هي سنته ﷺ (وَإِنْ رَغَمْتمْ) بفتح أوله، وثانيه، وبكسر ثانية أيضًا: أي وإن ذَلَلتم، قال الفيّوميّ ﵀: الرَّغَام بالفتح: التراب، ورَغَمَ أنفه رَغْمًا، من باب قَتَلَ، ورَغِمَ من باب تَجبَ لغةٌ، كناية عن الذّلّ، كانه لَصِقَ بالرَّغَام. انتهى (٢). وفي الرواية التالية: "قيل لابن عبّاس: إن هذا الأمر قد تفشّغ بالناس، من طاف بالبيت فقد حلّ، الطواف عمرة، فقال: سنة نبيكم ﷺ ، وإن رغمتم". قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر من مجموع الروايات أن مراد ابن

стр. 13792

عبّاس ﵄ بهذا أن من طاف بالبيت؛ أي وسعى بعده وجب عليه أن يتحلّل، فهو عبارة عن فسخ الحجِّ إلى العمرة، لا أنه يريد أن مجرّد الطواف بالبيت يتحلّل به، بدليل احتجاجه في رواية عطاء الآتية بأمر النبيّ ﷺ أصحابه أن يتحلّلوا، ومعلوم أنه ﷺ إنما أمرهم أن يتحلّلوا بالطواف والسعي، والحلق، أو التقصير، وكان ذلك على رأس المروة، كما هو مصرّح به في حديث جابر ﵁، فقد تقدّم بلفظ: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة … إلى أن قال: فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ، وليجعلها عمرة"، فقد تبيّن أنه ما أمرهم إلَّا بعد السعي، وأما الشرّاح فقد حملوا كلام ابن عباس هذا على أنه يرى أن مجرد الطواف يكون عمرة كاملة. ومما يؤيّد ما قلناه من أن ابن عبّاس يعني فسخ الحجِّ ما تقدّم في الباب الماضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لَمْ يكن عنده الهدي، فليحلّ الحلّ كله، فإن العمرة قد دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة". ثم إن حمل كلام ابن عبّاس على الفسخ هو الذي استظهره الأبيّ ﵀ في "شرحه"، وعبارته بعد ذكر تأويلات الشرّاح: ولولا تفسيرهم مذهبه بما ذكروا لكان الأظهر، أو يتعيّن تفسيرها -يعني فتيا ابن عبّاس - بالفسخ؛ لأنه يجيزه، ويشهد لتفسيرها به استبعاد السائل بقوله: "الطواف عمرة"؛ لأن المعنى أنه يجيز الفسخ في العمرة (١)، لا الطواف وحده عمرة، وإذا فسّرت فتياه بما ذُكر لَمْ يمكن استبعاده، ويشهد أيضًا لتفسيرها بالفسخ قول عطاء: "وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ ﷺ حين أمرهم أن يحلّوا في حجة الوداع"؛ لأن الذي أمرهم به فيها إنما هو الفسخ، وإذا فُسّرت بالفسخ لَمْ يُشكل قوله: "سنة نبيّكم ﷺ "؛ لأنه ﷺ أمر به في حجة الوداع، وما أمر به سنة، وأما إذا فسّرت بما ذكروا، فإنه يُشكل قوله: "سنة نبيكم ﷺ "، فإنه ﷺ لَمْ يفعله، ولم يأمر به. انتهى كلام الأبيّ ﵀، فراجعه (٢).

стр. 13793

قال الجامع: هذا الذي قاله الأبيّ ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله أن الأولى حمل فتيا ابن عبّاس ﵄ هذه على أنَّها فتيا بفسخ الحجِّ إلى العمرة لمن لَمْ يُهد، وهذا الذي قلناه هو الذي مشى عليه ابن القيّم: في "زاد المعاد" (١) فقد أورد هذا الحديث في جملة الأحاديث التي ساقها لإثبات الفسخ، وتأبيده، حيث عدّ ابن عبّاس ﵄ ممن يرى الفسخ دائمًا، بل يوجبه، كما أسلفنا تحقيقه في محلّه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافّةً، سوى ابن عباس أن الحاجّ لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات، ويرمي، ويحلق، ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل التحللان، ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاثة التي هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، والطواف. وأما احتجاج ابن عباس بالآية، فلا دلالة له فيها؛ لأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ معناه: لا تُنحَر إلَّا في الحرم، وليس فيه تعرّض للتحلّل من الإحرام؛ لأنه لو كان المراد به التحلّل من الإحرام لكان ينبغي أن يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم، قبل أن يطوف. وأما احتجاجه بأن النبيّ ﷺ أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا، فلا دلالة فيه؛ لأن النبيّ ﷺ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة، فلا يكون دليلًا في تحلل من هو ملتبس بإحرام الحجِّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله تلك السنّة ليس عليه دليل، بل هو مخالف لقوله ﷺ : "بل لأبد الأبد"، فمن أين له تخصيصه بتلك السنة؟، وهذا هو الذي أراده ابن عبّاس ﵄ في هذا الحديث، فإنه يرى أن كلّ من جاء حاجًّا، وليس معه هدي، فعليه أن يتحلّل بأداء العمرة، كما أمر ﷺ أصحابه بذلك، وفعلوه، فتبصّر بالإنصاف. وقال القاضي عياض: قال المازريّ: وتأوّل بعض شيوخنا قول ابن عباس في هذه المسألة على من فاته الحج، أنه يتحلل بالطواف والسعي، قال:

стр. 13794

وهذا تأويل بعيد؛ لأنه قال بعده وكان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ ولا غيره إلَّا حلّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٣٠١٩ و ٣٠٢٠] (١٢٤٤)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٩٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧٨ و ٢٨٠ و ٣٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٢١٣)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، الطَّوَافُ عُمْرَةٌ، فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَإِنْ رَغَمْتُمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د، ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢١١) (م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٤/ ١٦٠٩. ٣ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) الْعَوذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. والباقون ذُكروا قبله.

стр. 13795

وقوله: (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ) بتقديم الفاء على الشين: أي كثر وانتشر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢١] (١٢٤٥) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ، وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قريبًا. و (ابن عبّاس ﵄) ذُكر قبله. شرح الحديث: عن عَطَاء بن أبي رباح أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵁ (يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ حَاجٌّ) أي مهلّ بالحاجّ (وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ) وهو المعتمر (إِلَّا حَلَّ) أي بعد أَن يسعى؛ لأن مراد ابن عبّاس ﵄ فسخ الحجِّ بعمل العمرة، كما أسلفنا تحقيقه في الحديث الماضي، قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح (مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟) أي ما هي حجة ابن عبّاس في ذلك؟ (قَالَ) عطاء (مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾) أي محل الهدي، وانتهاؤه إلى (﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾) وهو الكعبة كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. (قَالَ) ابن جريجٍ (قُلْتُ: فَمنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ) بفتح الراء: أي بعد التعريف؛ أي الوقوف

стр. 13796

بعرفة، يقال: عَرَّف الناس: إذا شهدوا عرفة، قاله في "العمدة" (١). وقال ابن الأثير: يريد بالْمُعَرَّف بعد الوقوف بعرفة، وهو التعريف أيضًا، والْمُعَرَّف في الأصل: موضع التعريف، ويكون بمعنى المفعول. انتهى (٢). (فَقَالَ) عطاء (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، وَقَبْلَهُ) يعني أنه يرى أن من طاف بالبيت يحلّ سواء كان بعد الوقوف بعرفة، أو قبله (وَكَانَ يَأخُدُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ حِينَ أَمَرَهُمْ) أي أمر أصحابه (أَنْ يَحِلُّوا) بفتح أوله، وضمّه، كما سبق غير مرّة. (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أي أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة عام حجة الوداع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٣٠٢١] (١٢٤٥)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٣٩٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ جَوَازِ التَّقْصِيرِ لِلْمُعْتمِرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٢] (١٢٤٦) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ

стр. 13797

هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: أَعَلِمْتَ أَنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْو بِمِشْقَصٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَعْلَمُ هَذَا (١) إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ) مصغّرًا المكيّ، صدوقٌ له أوهام [٧]، تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩. [تنبيه]: إنما أخرج المصنّف ﵀ لهشام بن حجير ما توبع عليه، فحديث الباب تابعه فيه الحسن بن مسلم في السند التالي، وحديث قصّة سليمان؛ تابعه فيه أبو الزناد، عن الأعرج، كما سيأتي برقم (١٦٥٤) (٢)، فتنبّه. ٤ - (طَاوُسُ) بن كيسان، تقدّم قبل باب. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ تقدّم في السند الماضي. ٦ - (مُعَاوِيةُ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبو عبد الرَّحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم ﵁ قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وابن حُجير. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ.

стр. 13798

شرح الحديث: (عَنْ طَاوُسٍ) أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ﵄ (أَعَلِمْتَ) الهمزة للاستفهام (أَنِّي قَصَّرْتُ) بتشديد الصاد المهملة، من التقصير، وفي لغة يجوز تخفيفها، قال الفيّوميّ ﵀: وقَصُرَ الشيءُ بالضمّ قِصَرًا، وزانُ عِنَبٍ: خلاف طال، فهو قصير، والجمع قِصَارٌ، ويتعدَّى بالتضعيف، فيقال: قَصَّرتُهُ، وعليه قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، وفي لغة: قَصَرته، من باب قَتَلَ، وأقصرته: إذا أخذت من طوله. انتهى (١). (مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الْمَرْوَةِ) أي عند المكان المعروف بهذا الاسم، وهو في الأصل واحدة المرو، وهي الحجارة الْبِيض، ثم سُمّي به الجبل المعروف بمكة. (بِمِشْقَصٍ) -بكسر الميم، وإسكان الشين المعجمة، وفتح القاف- قال أبو عبيد وغيره: هو نَصْلُ السهم إذا كان طويلًا، ليس بعريض، جمعه مَشاقص، فإذا كان عريضًا فهو مَعْبَلة، وجمعه معابل، وقال أبو حنيفة الدِّينَوَرِيّ: هو كلّ نَصْل فيه عَيْرٌ (٢)، وهو الناتئ وسط الحربة، وقال الخليل: هو سهم فيه نصل عريضٌ، يُرْمَى به الوحش. انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا يُشعر بأن ذلك كان في نسك، إما حج، أو عمرة، وقد ثبتٌ أنه حلق في حجته، فتعيّن أن يكون في عمرة، ولا سيما وقد روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة، ولفظه: "قصّرت عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة"، أو "رأيته يُقَصَّر عنه بمشقص، وهو على المروة". وهذا يَحْتَمل أن يكون في عمرة القضيّة، أو الجعرانة، لكن وقع عند مسلم من طريق أخرى عن طاوس بلفظ: "أما علمت أني قصّرت عن رسول الله ﷺ بمشقص، وهو على المروة، فقلت له: لا أعلم هذه إلَّا حجة

стр. 13799

عليك"، وبيّن المراد من ذلك في رواية النسائيّ، فقال بدل قوله: "فقلت له: لا. . إلخ": يقول ابن عباس: "وهذه على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتّع رسول الله ﷺ "، ولأحمد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس، قال: "تمتع رسول الله ﷺ حتى مات" الحديث، وقال: أول من نهى عنها معاوية، قال ابن عباس: فعجبت منه، وقد حدثني أنه قصّر عن رسول الله ﷺ بمشقص. انتهى. وهذا يدلّ على أن ابن عبّاس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع؛ لقوله لمعاوية: "إن هذه حجة عليك"؛ إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاولة حجة. وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: "أن معاوية حدّث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله ﷺ في أيام العشر بمشقص معي، وهو محرم"، وفي كونه في حجة الوداع نظر؛ لأن النبيّ ﷺ لَمْ يحلّ حتى بلغ الهدي محله، فكيف يقصّر عنه على المروة. وقد بالغ النوويّ هنا في الردّ على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع، فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصّر عن النبيّ ﷺ في عمرة الجعرانة؛ لأن النبيّ ﷺ في حجة الوداع كان قارنًا، وثبت أنه حلق بمني، وفرّق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصحّ حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصحّ حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع؛ لأن معاوية لَمْ يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصحّ قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أن النبيّ ﷺ كان متمتّعًا؛ لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبيّ ﷺ قيل له: "ما شأن الناس حلّوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟، فقال: إني لبّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحلّ حتى أنحر". قال الحافظ: ولم يذكر الشيخ هنا ما مرّ في عمرة القضيّة، والذي رجحه

стр. 13800

من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، لكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خُفْية، وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلَّا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضيّة، وأنه كان يُخفي إسلامه خوفًا من أبويه، وكان النبيّ ﷺ لما دخل في عمرة القضيّة مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظروه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعلّ معاوبة كان ممن تخلّف بمكة لسبب اقتضاه، ولا يعارضه أيضًا قول سعد بن أبي وقّاص فيما أخرجه مسلم وغيره: "فعلناها -يعني العمرة- في أشهر الحجِّ، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش" - بضمّتين -يعني بيوت مكة، يشير إلى معاوية؛ لأنه يُحْمَل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله، ولم يطّلع على إسلامه؛ لكونه كان يُخفيه. وَيعْكُر على ما جوّزوه أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة أن النبيّ ﷺ ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب أحدًا معه إلَّا بعض أصحابه المهاجرين، فقدم مكة، فطاف، وسعي، وحلق، ورجع إلى الجعرانة، فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس. وكذا أخرجه الترمذيّ وغيره، ولم يعدّ معاوية فيمن صحبه حينئذ، ولا كان معاوية فيمن تخلّف عنه بمكة في غزوة حنين، حتى يقال: لعله وجده بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة، مع جملة المؤلّفة. وأخرج الحاكم في "الإكليل" في آخر قصّة غزوة حنين أن الذي حلق رأسه ﷺ في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة. فإن ثبتٌ هذا، وثبت أن معاوية كان حينئذ معه، أو كان بمكة فقصّر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصّر عنه أَوّلًا، وكان الحلّاق غائبًا في بعض حاجته، ثم حضر، فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق؛ لأنه أفضل، ففعل.

стр. 13801

وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضيّة، وثبت أنه ﷺ حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه، وحصل التوفيق بين الأخبار كلها. قال الحافظ: وهذا مما فتح الله عليّ به في هذا الفتح، ولله الحمد، ثم لله الحمد أبدًا. قال صاحب "الهدي": الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدلّ على أنه ﷺ لَمْ يحلّ من إحرامه إلى يوم النحر، كما أخبر عن نفسه بقوله: "فلا أحلّ حتى أنحر"، وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال: ولعلّ معاوية قصّر عنه في عمرة الجعرانة، فنسي بعد ذلك، وظنّ أنه كان في حجته. انتهى. قال الحافظ: ولا يعكر على هذا إلَّا رواية قيس بن سعد المتقدّمة لتصريحه فيها بكون ذلك في أيام العشر، إلَّا أنَّها شاذّة، وقد قال قيس بن سعد عقبها: والناس ينكرون ذلك. انتهى. ويعكر عليه قوله في رواية أحمد: "قصّرت عن رسول الله ﷺ عند المروة"، أخرجه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄. وقال ابن حزم: يَحْتَمِل أن يكون معاوية قصّر عن رأس رسول الله ﷺ بقية شعر لَمْ يكن الحلّاق استوفاه يوم النحر. وتعقّبه صاحب "الهدي" بأن الحالق لا يبقي شعرًا يقصر منه، ولا سيما وقد قسم ﷺ شعره بين الصحابة الشعرة والشعرتين، وأيضًا فهو ﷺ لَمْ يسعَ بين الصفا والمروة إلَّا سعيًا واحدًا في أول ما قَدِمَ، فماذا يصنع عند المروة في العشر؟. قال الحافظ: وفي رواية العشر نظر كما تقدّم، وقد أشار النوويّ إلى ترجيح كونه في الجعرانة، وصوّبه المحبّ الطبريّ، وابن القيّم. وفيه نظر؛ لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة، واستبعاد بعضهم أن معاوية قصّر عنه في عمرة الحديبية لكونه لَمْ يكن أسلم ليس ببعيد. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).

стр. 13802

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ظهر لي مما سبق كله أن الأرجح هو الذي رجحه النوويّ، والمحبّ الطبريّ، وابن القيم من أنه محمول على أنه قصر معاوية عنه ﷺ في الجعرانة، ولا يبعد أن يكون في عمرة القضيّة، ولا يعكُر على ذلك ما مرّ عن الحاكم أنه ﷺ حلق فيها؛ لما تقدم في كلام الحافظ من الجمع، وأما الرواية التي تدلّ على أن ذلك كان في حجة الوداع فهي غلط من بعض الرواة، أو أن معاوية ﵁ نفسه ظن ذلك؛ حيث نسي، كما قاله ابن القيّم ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب. قال ابن عبّاس ﵄ (فَقُلْتُ لَهُ) أي لمعاوية ﵁ (لَا أَعْلَمُ هَذا) أي الذي ذكرته من تقصيرك عنه رأسه ﷺ " (إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ) أي حيث تنهى عن المتعة، وهذا من ابن عبّاس ﵄ إنكارٌ على معاوية ﵁ في نهيه عن ذلك مع أنه أخبره أنه قصّر عنه ﷺ ، وهذا محمول على أن ابن عبّاس ﵄ حمل ذلك على حجة الوداع، ولكن الصواب ما تقدّم من أنه ﷺ لَمْ يتحلّل في حجة الوداع إلَّا يوم النحر بمني، وأما هذا فمحمول على عمرة الجعرانة، أو عمرة القضيّة، فتفطّن. وفي رواية النسائيّ: "قال: لا، يقول ابن عبّاس: هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتّع النبيّ ﷺ "، وغرضه أيضًا الإنكارُ عليه في نهيه عن التمتع حيث خالف ما ثبتٌ عن النبيّ ﷺ أنه تمتّع، وقد عرفت أن المراد بتمتّعه ﷺ أنه أمر أصحابه به، فتحلّلوا بالعمرة، وأما هو فكان قارنًا لَمْ يتحلّل إلَّا يوم النحر، فتنبّه لهذا فإنه مهمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٣٠٢٢ و ٣٥٢٣] (١٢٤٦)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٧٣٠)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٠٢ و ١٨٠٣)،

стр. 13803

و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨٢٢)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٢٧٣٧ و ٢٩٨٧ و ٢٩٨٨ و ٢٩٨٩) وفي "الكبرى" (٣٧١٧ و ٣٩٨١ و ٣٩٨٢ و ٣٩٨٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٥ و ٩٦ و ٩٨ و ١٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٣٥٨ - ٣٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة)؛ في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة التقصير في العمرة. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة التمتّع. ٣ - (ومنها): جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق أفضل، وسواء في ذلك الحاجّ، والمعتمر، إلَّا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، قاله النوويّ ﵀. ٤ - (ومنها): بيان أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر، أو حلقه، عند المروة؛ لأنَّها موضع تحلّله، كما يستحب للحاجّ أن يكون حلقه، أو تقصيره في منى؛ لأنَّها موضع تحلله، وحيث حَلَقا أو قصرا من الحرم كله جاز، قاله النوويّ ﵀ أيضًا (١). ٥ - (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن كان كبير القوم؛ إذ الحقّ أكبر منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن

стр. 13804

ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاوَيةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ، أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ، وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل باب. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم قبل حديث. ٤ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنّاق المكيّ، ثقةٌ [٥١] مات بعد المائة بقليل (خ م د س ق) تقدم في "صلَاة العيدين" ١/ ٢٠٤٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَوْ رَأَيْتُهُ) "أو" للشكّ من الراوي، وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "أو قال: رأيت رسول الله ﷺ قُصِّر عنه بمشقص". وقوله: (يُقَصَّرُ عَنْه إلخ) بالبناء للمفعول. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣١) - (بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٤] (١٢٤٧) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (١)، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، أَمَرَنَا أَنْ

стр. 13805

نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَرُحْنَا إِلَى مِنًى، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنىّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، هو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ﵁ زاد في نسخة: "الخدريّ"، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا) أي نرفع أصواتنا لتلبية الحجِّ، يقال: صرخ يصرُخ، من باب نصر صُرَاخًا، بالضمّ: إذا صاح.

стр. 13806

وهذا الحديث يدلّ على أنهم كانوا مفردين بالحجّ، وقد سبقت أحاديث تدلّ على أن بعضهم كانوا متمتّعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم كانوا مفردين، وقد تقدّم التوفيق بينها. وقال السنديّ ﵀ في "شرح سنن ابن ماجة" عند قوله: "فكان من القوم من أهل بعمرة إلخ" ما نصّه: هذا الحديث يدلّ على أن بعضهم كانوا متمتعين، وبعضهم مفردين بالحجّ، وحديث أبي سعيد عند مسلم: "خرجنا مع رسول الله ﷺ نَصْرُخ بالحج صُراخًا" يدلّ على أنهم كانوا مفردين بالحجّ، وحديث أنس عند البخاريّ: "كنت رَدِيف أبي طلحة، وإنهم ليصرخون بهما جميعًا: الحج والعمرة"، وحديث الشيخين عن عائشة يدلّ على أن بعضهم كانوا متمتعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم كانوا مفردين. ووجه الجمع أن الفعل يُنسب إلى الآمر، كقولك: ضرب الأمير فلانًا، أي أمر بضربه، وكان أصحاب النبيّ ﷺ منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل ذلك منهم بأمره ﷺ ، وتعليمه، فجاز أن يضاف كلُّ ذلك إليه، وكذلك اختَلَفت الأخبار في فعله ﷺ هل كان قارنًا، وفيه أحاديث كثيرة مروية عن سبعة عشر من عظام الصحابة ﷺ ، أو كان مفردًا بالحج، وفيه أيضًا أحاديث كثيرة، وجاء في التمتع أيضًا أحاديث صحيحة، وذكروا في توفيقها، وترجيح كونه قارنًا وجوهًا متعددةً، منها ما قال النوويّ: والصحيح أنه كان مفردًا أولًا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، فصار قارنًا، فمن روى القران اعتبر آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغويّ، وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتَفَقَ بالقران كارتفاق التمتع، وزيادةً، وهي الاقتصار على فعل واحد. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما صحّحه النوويّ من كونه ﷺ أولًا مفردًا، ثم كان قارنًا، فيه نظر لا يخفي، يردّه حديث عمر ﵁ عند البخاريّ في إتيان الملك إليه، وأمره له بالقران، وهذا من أول الأمر، فالأرجح أنه ﷺ كان قارنًا من أول الأمر، لما ذُكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

стр. 13807

(فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال (مَكَّةَ، أَمَرَنَا) ﷺ (أَنْ نَجْعَلَهَا) أي الحجة التي كانوا صرخوا بها من الميقات (عُمْرَةً) يعني أنهم يتحلّلون بأفعال العمرة، من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، أو التقصير (إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ) أي فإنه لا يجوز أن يتحلّل حتى يبلغ الهدي محلّه، كما أمر الله تعالى بذلك، حيث قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وهو أن يُنحر يوم النحر في مني، أو غيره، من فجاج مكة (فَلَمَّا كانَ يَوْمُ الترْوِيَةِ) "كان" هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، وهو "يوم"؛ أي فلما جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وقد تقدّم سبب تسميته، فلا تنس. (وَرُحْنَا) بضمّ الراء، من باب قال، رَواحًا: المراد: أردنا الذهاب، قال الفيّوميّ ﵀: رَاحَ يَرُوحُ رَوَاحًا، وتَرَوَّحَ مثله، يكون بمعنى الغُدُوّ، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾؛ أي ذهابها، ورجوعها، وقد يَتَوَهَّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلَّا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والغُدُوّ عند العرب يستعملان في المسير؛ أي وقت كان، من ليل أو نهار، قاله الأزهريّ وغيره. انتهى (١). وقوله: (إِلَى مِنًى) متعلّق ب "رُحْنا" (أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) أي رفعنا أصواتنا بتلبية الحجِّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٣٠٢٤] (١٢٤٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٥ و ٧١ و ٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٣٥٤)، و (ابن

стр. 13808

حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٩٣ و ١٩٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١ و ٤٠) و"المعرفة" (٣/ ٥٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب رفع الصوت بالتلبية، وهو مُتّفق عليه، بشرط أن يكون رفعًا مقتصدًا، بحيث لا يُؤدِّيَ نفسه، قال النوويّ ﵀: والمرأة لا ترفع، بل تسمع نفسها؛ لأن صوتها محل فتنة. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه يُستحبّ للمرأة أيضًا رفع الصوت بالتلبية؛ لعموم الأدلة، فتنبّه. قال: ورفع الرجل مندوب عند العلماء كافّة، وقال أهل الظاهر: هو واجب، ويرفع الرجل صوته بها في غير المساجد، وفي مسجد مكة، ومني، وعرفات، وأما سائر المساجد ففي رفعه فيها خلاف للعلماء، وهما قولان للشافعي، ومالك، أصحهما استحباب الرفع كالمساجد الثلاثة، والثاني لا يرفع؛ لئلا يهوش على الناس، بخلاف المساجد الثلاثة؛ لأنَّها محل المناسك. ٢ - (ومنها): بيان جواز العمرة في أشهر الحجِّ، وهو مجمع عليه. ٣ - (ومنها): أن فيه حجة للشافعيّ، وموافقيه أن المستحب للمتمتع أن يكون إحرامه بالحجّ يوم التروية، وهو الثامن من ذى الحجة عند إرادته التوجّه إلى مني، وقد سبقت المسألة غير مرّة (١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٥] (١٢٤٨) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ في قَالا: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنَحْنُ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا).

стр. 13809

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَدَّثنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم قريبًا. ٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الهيثم البصريّ، أخو بَهْز، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٨) على الصحيح (خ م قد ت س ق) تقدم في "الطهارة" ٣٤/ ٦٨٤. ٣ - (وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) تقدّم قبل بابين. ٤ - (جَابرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [٣١/ ٣٠٢٥] (١٢٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ١٥، و (أبو نعيم) في "المستخرج" ٣/ ٣٤٦، و (البيهقي) في "الكبرى" ٥/ ٤٠، و (الطبراني) في "الأوسط" ٣/ ٣٥٤، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٦] (١٢٤٩) - (حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كلنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرَّحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فِي الْمُتْعَتَيْنِ) أي متعة الحجِّ، ومتعة النساء، وأراد بمتعة الحجِّ فسخ الحجِّ إلى العمرة.

стр. 13810

والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد أخرجه هنا [٣١/ ٣٠٢٦] (١٢٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" ٣/ ٣٢٥، و (أبو نعيم) في "المستخرج" ٣/ ٣٤٦، و (البيهقي) في "الكبرى" ٢٠٦/ ٧، وقد تقدّم بأتمّ من هذا برقم [١٧/ ٢٩٤٧] (١٢١٧) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٧] (١٢٥٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ "بِمَ (١) أَهْلَلْتَ؟ " فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرَّحمن، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) "سليم" بفتح السين المهملة، وكسر اللام مكبّرًا، و"حيّان" بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت س ق) تقدم في "صلاة الجنائز" ٢١/ ٢٢٠٧. [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّاني ﵀ أنه وقع عند العلاء بن ماهان في إسناده "سليمان بن حيّان" بضمّ السين، وزيادة نون، وهذا وهَمٌ، وصوابه "سلِيم" كما رواه أبو أحمد. انتهى (٢). ٤ - (مَرْوَانُ الْأَصْفَرُ) (٣) أبو خَلَف البصريّ، يقال: هو مروان بن خاقان، ويقال: ابن سالم، ثقةٌ [٤].

стр. 13811

رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وأبي وائل، والشعبيّ، وجماعة. وروى عنه خالد الحذاء، وعوف الأعرابيّ، وسَلِيم بن حبان، وشعبة، وغيرهم. قال الآجريّ: قلت لأبي داود: مروان الأصفر؟ قال: مروان بن خاقان، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. [تنبيه]: قال في "الفتح": ليس لمروان الأصفر في البخاريّ عن أنس سوى هذا الحديث، وهو من أفراد الصحيح، قال الترمذيّ: حسن غريبٌ، وقال الدارقطنيّ في "الأفراد": لا أعلم رواه عن سَلِيم بن حيّان غير عبد الصمد بن عبد الوارث. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "غير عبد الصمد" فيه نظر لا يخفي، فقد رواه عنه عبد الرَّحمن بن مهديّ، وبهز بن أسد، عند مسلم هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. و"أنس" ﵁ ذُكر قبل حديث. شرح الحديث: (عَنْ أنَسٍ ﵁: أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ) حيث بعثه النبيّ ﷺ إليها قبل حجة الوداع (فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ ") بحذف الألف من "ما" الاستفهاميّة؛ لكونها مجرورةً، كما قال في "الخلاصة": وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ ووقع في بعض النسخ: "بما أهللت" بإثبات الألف، وهو قليل. (فَقَالَ) عليّ ﵁ (أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي قلت: لبيك بمثل ما أهلّ به النبيّ ﷺ ، ففيه جواز تعليق التلبية بتلبية غيره، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى (قَالَ) ﷺ ("لَوْلَا أَنَّ ﷺ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ) هذا إشارة إلى أمر على ﵁ بالبقاء

стр. 13812

على إحرامه؛ حيث إنه أهلّ بإهلال النبيّ ﷺ ، ومعه الهدي، والنبيّ لَمْ يتحلّل بسبب الهدي، فكان حكمه حكمه. وأصرح من هذا ما أخرجه البخاريّ من طريق بكر المزنيّ أنه ذكر لابن عمر أن أنسًا حدّثهم: أن النبيّ ﷺ أهلّ بعمرة وحجة، فقال: أهلّ النبيّ ﷺ بالحجّ، وأهللنا به معه، فلما قَدِمنا مكة، قال: "من لَمْ يكن معه هدي، فليجعلها عمرةً"، وكان مع النبيّ ﷺ هديٌ، فقدِم علينا عليّ بن أبي طالب من اليمن حاجًّا، فقال النبيّ ﷺ : "، أهللت؟، فإن معنا أهلك"، قال: أهللت بما أهلّ به النبيّ ﷺ قال: "فأمسك، فإن معنا هديًا". فهذه الرواية أوضحت ما كان مختصرًا في هذا الحديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٣٠٢٧ و ٣٠٢٨] (١٢٥٠)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٥٨) و"المغازي" (٤٣٥٣)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٩٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٧٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٤٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٤٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثنَا بَهْزٌ، قَالَ: حَدَّثنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ (١) فِي رِوَايَةِ بَهْزٍ: "لَحَلَلْتُ").

стр. 13813

رجال هذا هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ) بن حيّان الْعَبْديّ، أبو عبد الرَّحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و (٢٥٠) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. وهو من أفراد المصنّف ﵀. ٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّي، أخو معلّى المذكور قبل حديثين، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن سَلِيم بن حيّان هذه ساقها الترمذيّ ﵀ في "جامعه" (٣/ ٢٩٥) فقال: (٩٥٦) - حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدّثني أبي (١)، قال: حدّثنا سَلِيم بن حيّان، قال: سمعت مروان الأصفر، عن أنس بن مالك، أن عليًّا قَدِم على رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: "بم أهللت؟ " قال: أهللت بما أهلّ به رسول الله ﷺ ، قال: "لولا أن معي هديًا لأحللت". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. انتهى. وأما رواية بهز بن أسد، عن سَلِيم، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٣/ ١٨٥) فقال: (١٢٩٥٠) - حدّثنا عبد اللهِ (٢)، حدّثني أبي، ثنا بَهْزٌ، ثنا سَلِيمُ بن حَيَّانَ، قال: سمعت مروان الأصفر يحدِّث عن أنس، أن عليًّا قَدِمَ من اليمن، فقال له النبيّ ﷺ : "، أهللت؟ "، فقال: أهللت بما أهلّ به رسول الله ﷺ ، فقال: "فإني لولا أن معي الهديَ لحللت". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13814

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢٩] (١٢٥١) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَحُمَيْدٍ، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَسًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير، تقدّم قريبًا. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الْحَضْرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢/ ١٥٨٦. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبِ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٥ - (حُمَيْدٌ) الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ عابد [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩. و"أنس" ﵁ ذُكر قبله، والحديث مرّ برواية بكر بن عبد الله المزنيّ، عن أنس ﵁ برقم (٢٥/ ٢٩٩٦) وتقدّم شرحه هناك. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٣٠٢٩ و ٣٠٣٠] (١٢٥١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٩٥)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨٢١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٥٠)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٦٨ و ٢٩٦٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٩٩ و ١١١ و ١٨٢ و ١٨٧ و ٢٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٧)، و (الحاكم) في

стр. 13815

"مستدركه" (١/ ٤٧٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩ و ٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا"، وَقَالَ حُمَيْدٌ: قَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله، والحديث سبق البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣١] (١٢٥٢) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّن ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثنِيَنَّهُمَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي.

стр. 13816

٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. ٦ - (حَنْظَلَةُ الْأَسْلَمِيُّ) هو: حنظلة بن عليّ بن الأسقع الأسلميّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٥٧. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، المتوفّى سنة (٧ أو ٨ أو ٥٩) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم في ذلك. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ حَنْظَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ) بضمّ حرف المضارعة، من الإهلال، واللام هي الموطّئة للقسم؛ أي: والله ليُهلنّ عيسى (ابْنُ مَرْيَمَ) ﵇ (بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ) - بفتح الفاء، وتشديد الجيم - قال الحافظ أبو بكر الحارثيّ: هو بين مكة والمدينة، قال: وكان طريق رسول الله ﷺ إلى بدر، والى مكة عام الفتح، وعام حجة الوداع. انتهى، وقيل: الرَّوْحاء - بفتح أوله، وبالحاء المهملة، ممدودًا - قرية جامعة لمزينة، على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلًا، قاله البكريّ في "معجمه". انتهى (١). (حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا) الظاهر أن "أو" في الموضعين للشكّ من الراوي، إما من أبي هريرة، أو من دونه، كما أشار إليه ابن حزم ﵀ (٢). وقال الأبيّ ﵀: العطف بـ"أو" إن كان من الراوي، فهو شكّ منه، هل

стр. 13817

سمع "معتمرًا"، أو مفردًا، أو قارنًا، وإن كان من النبيّ ﷺ فهو إبهام، وفائدة الحديث الإخبار بالمغيّبات. انتهى (١). (أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا") بفتح الياء في أوله، ومعناه: يقرُن بينهما، وهذا يكون في آخر الزمان بعد نزول عيسى ﵇ من السماء، قاله النوويّ ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٣٠٣١ و ٣٠٣٢ و ٣٠٣٣] (١٢٥٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٤٠٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ و ٢٧٢ و ٥١٣ و ٥٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥/ ٢٣٢)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٤٢٢)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٧١٤٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٤١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز التلبية بالحجّ والعمرة، وهو القران. ٢ - (ومنها): بيان أن الأنبياء يحجّون، ويعتمرون، أما بالنسبة لعيسى ﵇، فإنه حيّ في السماء، وسينزل إلى الأرض حاكمًا بشريعة نبيّنا ﷺ ، فحجه لا يُستغرب. وأما بالنسبة لغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فإنه ثبتت النصوص بذلك، فنثبته، ومعلوم أنهم أحياء في قبورهم حقيقة حياة برزخيّة، ويتقربون إلى الله تعالى بالصلاة، والحج وغيرهما من الطاعات، وهم في قبورهم، ففي "صحيح مسلم" عن أنس ﵁ أنه ﷺ رأى موسى قائمًا في قبره

стр. 13818

يصلي، وفي رواية البخاريّ ذكر إبراهيم، وفي أخرى لمسلم ذكر يونس (١). وقد ثبتٌ في أحاديث كثيرة نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، وفي حديث النَّوّاس بن سمعان ﵁ عن النبيّ ﷺ حين ذكر الدجال، وذكر مكثه في الأرض، ثم قال: "ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق، فيطلبه، فيدركه بباب لُدّ، فيقتله". رواه مسلم. وفي "الصحيحين" من حديث الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية (٢). وأخرج أبو داود، وصححه ابن حبّان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الأنبياء كلهم إخوةٌ لعلات، أمهاتهم شتي، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبيّ، وإنه نازل؛ إذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوعٌ، إلى الحمرة والبياض، بين ممصرين (٣) كأن رأسه يقطر، وإن لَمْ يصبه بللٌ، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويُهلك الله في زمانه الملل كلها إلَّا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، وتقع الأَمَنَةُ في الأرض، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، لا تضرهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتَوَفَّي، فيصلي عليه المسلمون، صلوات الله عليه". انتهى (٤). وروى عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك، عن عثمان بن الضحاك بن عثمان الأسديّ، عن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن

стр. 13819

جدّه قال: يُدفَن عيسى ﵇ مع النبيّ ﷺ وصاحبيه، ثَمَّ موضع قبر رابع (١). [تنبيه]: اختلف العلماء في قول الله : ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقالت طائفة: أراد: إني رافعك، ومتوفيك، قالوا: وهذا جائز في الواو، والمعنى عند هؤلاء أنه تَوَفِّي موت، إلَّا أنه لَمْ يمت بعدُ. وقال زيد بن أسلم وجماعة: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ قابضك من غير موت، مثل تَوَفَّيت المال، واستوفيته؛ أي قبضته. وقال الربيع بن أنس: يعني وفاة منام؛ لأن الله تعالى رفعه في منامه. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مميتك، وقال وهب: توفاه الله ثلاث ساعات من النهار. قال ابن عبد البرّ ﵀: والصحيح عندي في ذلك قول من قال: متوفيك: قابضك من الأرض؛ لما صح عن النبيّ ﷺ من نزوله، وإذا حُمِلت رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس على التقديم والتأخير: أي رافعك، ومميتك لَمْ يكن بخلاف لما ذكرناه. انتهى (٢). وأما قوله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، فقال أبو هريرة، وابن عباس: قبل موت عيسى ﵇، وهو قول الحسن، وعكرمة، وأبي مالك، ومجاهد، هذه رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وروى مجاهد، عن ابن عباس: قبل موته: قبل موت صاحب الكتاب، فقيل لابن عباس: وإن ضُربت عنقه، فقال: وإن ضربت عنقه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ).

стр. 13820

رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. و"ابنُ شهاب" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها يعقوب بن سفيان ﵀ في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٢١٠) فقال: حدّثنا أبو صالح، وابن بكرٍ، ومحمد بن خلاد، عن الليث، حدّثني ابن شهاب، أن حنظلة بن عليّ الأسلميّ أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لَيُهِلَّن ابن مريم بفَجِّ الرَّوْحاء حاجًّا، أو معتمرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ" بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) أي حديث ابن عيينة، والليث بن سعد، كلاهما عن الزهري. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 13821

(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَزَمَانِهِنَّ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٤] (١٢٥٣) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أنَسًا ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبة، ثقةٌ عابد، من صغار [٩] مات سنة بضع و (١٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوذيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (أنَسٌ ﵁) تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٨٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار. ٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. شرح الحديث: عن قَتَادَةَ (أَنَّ أَنَسًا ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ)

стр. 13822

بضمّ، ففتح: جمع عمرة (كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وكسرها، وجمعه: ذوات القعدة، وذوات القَعَدات، والتثنية: ذواتا القَعدة، وذواتا القَعدتين، فثَنَّوُا الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية، ولا جمع، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ) بفتح الحاء وكسرها. قال في "الفتح": قوله: "إلَّا التي مع حجته" استَشْكَل ابن التين هذا الاستثناء، فقال: هو كلام زائد، والصواب: "أربع عمر، في ذي القعدة، عمرة من الحديبية" الحديث، قال: وقد عَدَّ التي مع حجته في الحديث، فكيف يستثنيها أَوَّلًا؟ وأجاب القاضي عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال: في ذي القعدة منها ثلاث، والرابعة عمرته في حجته، أو المعنى كلها في ذي القعدة، إلَّا التي اعتمر في حجته؛ لأن التي في حجته كانت في ذي الحجة. انتهى (٢). (عُمْرَةً) بالنصب على البدليّة من "أربع"، أو مفعولًا لفعل مقدَّر؛ أي: أعني، ويجوز النصب خبرًا لمحذوف؛ أي إحداها، أو مبتدأ خبره "في ذي القعدة، وقوله: (مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ) متعلّق بصفة لـ"عمرةٌ"، وهو بتخفيف الياء الثانية، وتُشدَّد، أحد حدود الحرم، على تسعة أميال من مكة، وقوله: (أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) "أو" فيه للشكّ من الراوي. [تنبيه]: قال الفيّوميّ ﵀: "الحديبية": بئر بقرب مكة، على طريق جدة، دون مرحلة، ثم أُطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحلّ، وبعضه في الحرم، وهوأبعد أطراف الحرم عن البيت، ونَقَل الزمخشريّ، عن الواقديّ أنَّها على تسعة أميال من المسجد، وقال أبو العباس أحمد الطبريّ في "كتاب دلائل القبلة": حَدُّ الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدّة عشرة أميال، ومن طريق الطائف سبعة أميال، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن طريق العراق سبعة أميال. قال في "المحكم": فيها التثقيل والتخفيف، ولم أر التثقيل لغيره، وأهل

стр. 13823

الحجاز يخففون، قال الطرطوشيّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾: هو صلح الحديبية، قال: وهي بالتخفيف، وقال أحمد بن يحيى: لا يجوز فيها غيره، وهذا هو المنقول عن الشافعيّ، وقال السهيليّ: التخفيف أعرف عند أهل العربية، قال: وقال أبو جعفر النحاس: سألت كلّ من لَقِيت ممن أَثِق بعلمه من أهل العربية عن الحديبية، فلم يختلفوا في أنَّها مخففة، ونَقَل البكريّ التخفيف عن الأصمعيّ أيضًا، وأشار بعضهم إلى أن التثقيل لَمْ يُسمَع من فصيح، ووجهه أن التثقيل لا يكون إلَّا في المنسوب، نحو الإسكندرية، فإنها منسوبة إلى الإسكندر، وأما الحديبية، فلا يُعقَل فيها النسبة، وياء النسب في غير منسوب قليل، ومع قلّته فموقوف على السماع، والقياس أن يكون أصلها حَدْباة بألف الإلحاق ببنات الأربعة، فلما صُغِّرت انقلبت الألف ياءً، وقيل: حديبية، ويشهد لصحة هذا قولهم: لُيَيلِيَة، بالتصغير، ولم يرد لها مكبّر، فقدَّره الأئمة ليلاةً؛ لأن المصغر فرع المكبّر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله، فقُدِّر أصله؛ ليجري على سنن الباب، ومثله مما سمع مصغرًا دون مكبّره، قالوا في تصغير غلمة، وصبية: أغيلمة، وأصيبية، فقدّروا أصله: أغلمة، وأصبية، ولم ينطقوا به؛ لما ذكرت، فافهمه، فلا محيد عنه، وقد تكلمت العرب بأسماء مصغرة، ولم يتكلموا بمكبّرها، ونقل الزجاجيّ، عن ابن قتيبة: أنَّها أربعون اسمًا. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١). ثم إن عمرة الحديبية قد ثبتٌ أنه ﷺ أحرم بها من ذي الحليفة، ولكن لَمْ يؤدها، فعدّها هنا محمول على أنه همّ بالدخول محرمًا بها، إلَّا أنه صُدَّ عنها، وأُحصر منها فإطلاق العمرة عليها، مع عدم أفعالها باعتبار النية المترتب عليها المثوبة (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "عمرة من الحديبية" يعني: التي صدَّه فيها المشركون عن البيت، فحلّ فيها من الحديبية، وحلق، ونحر، ورجع إلى المدينة؛ كما صالحهم عليه، ثم إنه اعتمر في السَّنة الثانية عمرة القضاء، وسُمِّيت بذلك، وبعمرة القضية أيضًا؛ لأنه إنما اعتمرها في السَّنة الثانية على ما

стр. 13824

كان قاضاهم عليه؛ أي: صالحهم، وذلك: أنهم كانوا اشترطوا عليه أن لا يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك، بل في السَّنة الثانية، ولا يدخلها عليهم بشيء من السِّلاح إلَّا بالسيف وقِرابه، وأنه لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام، إلى غير ذلك من الشروط التي هي مذكورة في كتب السِّير، فوفَّى لهم النبيّ ﷺ بذلك. انتهى (١). (فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ) بصيغة اسم الفاعل؛ أي العام الذي بعد عام الحديبية، وهي عمرة القضاء (فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ) - بكسر الجيم، وسكون العين، وقيل: بكسر العين، وتشديد الراء - قال الفيّوميّ ﵀: "والجعرانة": موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتصر عليه في "البارع"، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في "المحكم"، وعن ابن المدينيّ: العراقيون يثقلون الجعرانة، والحديبية، والحجازيون يخففونهما، فأُخذ به المحدّثون، على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة، عن أئمة اللغة، إلَّا ما حكاه في "المحكم" تقليدًا له في الحديبية، وفي "العباب": والجعرانة بسكون العين، وقال الشافعيّ: المحدّثون يخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ. انتهى (٢). (حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) أي بعد فتح مكة (فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ) يعني التي قرنها مع حجته. قال القرطبيّ ﵀: وأما عمرته من جعرانة فكانت بعد منصرفه من حنين، ومن الطائف، وبعد قسم غنائم حنين بجعرانة، وأما عمرته مع حجته فهي التي قرنها مع حجته على رواية أنس، أو أردفها على ما ذكرناه عن ابن عمر، واعتمد مالك في "موطئه": على أنه ﷺ "اعتمر ثلاث عُمَر: إحداها في شوال، فأسقط التي مع حجته بناءً منه على أن النبيّ ﷺ كان مفردًا بالحج، وأما هذه العُمرة المنسوبة إلى شوال فهي - والله أعلم -: عمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات شوال، وكمَّلَها في ذي القعدة، فصدقت عليها النِّسبتان، والله تعالى أعلم.

стр. 13825

ولا يُعلم للنبيّ ﷺ عُمرة غير ما ذكرناه مما اتُّفق عليه، واختُلف فيه، وقد ذكر الدارقطني: أنه ﷺ خرج معتمرًا في رمضان (١)، وليس بالمعروف. وأما قول ابن عمر: إنه اعتمر في رجب؛ فقد غلَّطَتْهُ في ذلك عائشة، ولم ينكر عليها، ولم ينتصر، فظهر: أنه كان على وَهْم، وأنه رجع عن ذلك. وأما حَجُّهُ ﷺ : فلم يُختلف أنه إنما حج في الإسلام حجَّة واحدة، وهي المعروفة بحجَّة الوداع، وأما قبل هجرته: فاختُلف هل حجَّ واحدة - كما قال أبو إسحاق السَّبيعيّ -، أو حجَّتين؛ كما قال غيره، وسيأتي عدد غزواته في الجهاد - إن شاء الله تعالى - انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: الحاصل من رواية أنس، وابن عمر اتفاقهما على أربع عُمَر، وكانت إحداهن في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصُدُّوا فيها، فتحلّلوا، وحُسِبت لهم عمرة، والثانية: في ذي القعدة، وهي سنة سبع، وهي عمرة القضاء، والثالثة: في ذي القعدة سنة ثمان، وهي عام الفتح، والرابعة مع حجته، وكان إحرامها في ذي القعدة، وأعمالها في ذي الحجة. وأما قول ابن عمر: إن إحداهنّ في رجب، فقد أنكرته عائشة، وسكت

стр. 13826

ابن عمر حين أنكرته، قال العلماء: هذا يدلّ على أنه اشتبه عليه، أو نسي، أو شكّ، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة، ومراجعتها بالكلام، فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعيّن المصير إليه. وأما القاضي عياض، فقال: ذَكَر أنس أن العمرة الرابعة كانت مع حجته، فيدلّ على أنه كان قارنًا، قال: وقد ردّه كثير من الصحابة، قال: وقد قلنا: إن الصحيح أن النبيّ ﷺ كان مفردًا، وهذا يردّ قول أنس، وردّت عائشة قول ابن عمر، قال: فحصل أن الصحيح ثلاث عُمَر، قال: ولا يُعلم للنبيّ ﷺ اعتمار، إلَّا ما ذكرناه، قال: واعتمد مالك في "الموطأ" على أنهن ثلاث عُمَر. انتهى كلام القاضي. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهو قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، والصواب أنه ﷺ اعتمر أربع عُمَر، كما صرح به ابن عمر، وأنس، وجزما الرواية به، فلا يجوز ردّ روايتهما بغير جازم، وأما قوله: إن النبيّ ﷺ كان في حجة الوداع مفردًا، لا قارنًا، فليس كما قال، بل الصواب أن النبيّ ﷺ كان مفردًا في أول إحرامه، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارنًا، ولا بد من هذا التأويل، قال العلماء: وانما اعتمر النبيّ ﷺ هذه العُمَر في ذي القعدة؛ لفضيلة هذا الشهر، ولمخالفة الجاهلية في ذلك، فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور، كما سبق، ففعله ﷺ مرات في هذه الأشهر؛ ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ ﵀ تحقيق حسنٌ، إلَّا قوله: إنه ﷺ كان مفردًا في أول إحرامه إلخ، فقد قدّمنا أن هذا خلاف الصحيح، بل الصواب أنه ﷺ كان قارنًا من أول ما أنشأ الإحرام؛ كما بيّنه حديث عمر ﵁ في قصّة إتيان الملك له ﷺ بوادي العقيق، ولما أخرجه أحمد، وابن ماجة، بإسناد صحيح، وصححه ابن حبّان، عن أنس ﵁ قال: إنا عند ثَفِنات ناقة رسول الله ﷺ عند المسجد، فلما استوت به، قال: "لبيك بحجة وعمرة معًا"، وذلك في حجة الوداع. انتهى لفظ ابن حبّان.

стр. 13827

فهذا حديث صحيح ونصّ صريح في أنه ﷺ أنشأ الإحرام من أول الأمر قارنًا، وما عدا ذلك من الروايات فتؤوّل على ما يوافق هذا المعنى، وقد مرّ توجيهها، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٣٠٣٤ و ٣٠٣٥] (١٢٥٣)، و (البخاريّ) في "العمرة" (١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨٠) و"الجهاد" (٣٠٦٦) و"المغازي" (٤١٤٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٩٤)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٤ و ٢٤٥ و ٢٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٧١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٦٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٤٥ و ٥/ ١٠ و ٩/ ٥٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدد عُمَر النبيّ ﷺ ، وهي أربع. ٢ - (ومنها): بيان استحباب العمرة في أشهر الحج؛ لِما لها من الفضل، ولمخالفة أهل الجاهليّة، حيث كانوا يرونه من أفجر الفجور، كما سبق بيانه. ٣ - (ومنها): بيان أنه ﷺ كان قارنًا في حجته، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء، كما أسلفت حججه قريبًا، وأما الأحاديث الدالّة على أنه كان متمتعًا فتؤوّل على أنه أمر بالتمتّع، فنُسب إليه، أو المراد به التمتّع اللغويّ؛ لأن القران يُسمّى تمتّعًا، حيث تمتّع القارن بعمل الحج، ولم يحتج إلى عمل مفرد للعمرة، وإطلاق التمتّع على القران هو الذي كان عُرف الصحابة ﵃، كما تقدّم بيانه عن ابن القيّم ﵀. ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى صحة قول الجمهور: إنه لا يجب القضاء

стр. 13828

على من صُدّ عن البيت، خلافًا للحنفية، ولو كانت عمرة القضيّة بدلًا عن عمرة الحديبية، لكانتا واحدةً، وإنما سُمِّيت عمرة القضيّة، والقضاء؛ لأن النبيّ ﷺ قاضى قريشًا فيها، لا أنَّها وقعت قضاءً عن العمرة التي صُدّ عنها؛ إذ لو كان كذلك، لكانتا عمرةً واحدةً، قاله في "الفتح" (١). ٥ - (ومنها): أنّ في عدّهم عمرةَ الحديبية التي صُدّ عنها ما يدلّ على أنَّها عمرة تامًةٌ. ٦ - (ومنها): أن من نوى فعل خير، ومنع مانع يثاب عليه كاملًا، فقد صحّ في هذا الحديث أن عمرة الحديبية سُمّيت، فكانت الرابعة من عُمَره ﷺ ، ولم يفعل من أعمالها شيئًا، لا هو ولا أصحابه، إلَّا الإهلال بها فقط، حيث صُدّوا عن البيت. ٧ - (ومنها): بيان إباحة الغنائم، وهي من خصوصيّات النبيّ ﷺ ، فقد سبق حديث جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسًا … " فذكره، وفيه: "وأُحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي … " الحديث. ٨ - (ومنها): بيان مشروعيّة قسمة الغنائم، حيث قسم ﷺ غنائم حنين بالجعرانة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ أنَسًا: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: حَجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هَدَّابٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدَّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله.

стр. 13829

[تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن همّام هذه لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٦] (١٢٥٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ (١)، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً، حَجَّةَ الْوَدَاعِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢١. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلَّا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما روى عنه بعد الاختلاط كما سلف آنفًا؟. [أُجيب]: بأنه لَمْ ينفرد به، بل تابعه عليه شعبة، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، وكذا تابعه إسرائيل بن يونس، وهو وإن كان متأخّرًا إلَّا أنه يحفظ أحاديث أبي إسحاق حفظًا جيّدًا، كما نُقل عن عبد الرَّحمن بن مهديّ أنه قال: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة، والثوري. وهذا غاية في الوصف بالإتقان.

стр. 13830

فأما رواية شعبة، فقد أخرجها البخاريّ، في "كتاب المغازي" من "صحيحه"، فقال: حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا وهب، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبيّ ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيُّهم كانت أولَ؟ قال: العسيرة، أو العشير، فذكرت لقتادة، فقال: العشيرة. وأما رواية إسرائيل، فأخرجها البخاريّ أيضًا، فقال في الكتاب المذكور: حدّثنا عبد الله بن رجاء، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سألت زيد بن أرقم ﵁، كم غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: سبع عشرة، قلت: كم غزا النبيّ ﷺ ؟ قال: تسع عشرة. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مكثرٌ اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٧/ ١٢٠٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من زهير بن معاوية، والباقيان بغداديّان. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، شهد الخندق وما بعدها، كما ذكر هنا أنه غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، وأنزل الله تعالى في تصديقه "سورة المنافقون" ﵁. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ؛ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁ (كَمْ عزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ) زيد ﵁ (سَبْعَ عَشْرَةَ) وفي بعض النسخ: "سبع عشرة غزوةً (قَالَ) أبو إسحاق (وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) ﵁ -
следующие страницы →