← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13826–13865 · переход к 13831.

стр. 13826

ابن عمر حين أنكرته، قال العلماء: هذا يدلّ على أنه اشتبه عليه، أو نسي، أو شكّ، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة، ومراجعتها بالكلام، فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعيّن المصير إليه. وأما القاضي عياض، فقال: ذَكَر أنس أن العمرة الرابعة كانت مع حجته، فيدلّ على أنه كان قارنًا، قال: وقد ردّه كثير من الصحابة، قال: وقد قلنا: إن الصحيح أن النبيّ ﷺ كان مفردًا، وهذا يردّ قول أنس، وردّت عائشة قول ابن عمر، قال: فحصل أن الصحيح ثلاث عُمَر، قال: ولا يُعلم للنبيّ ﷺ اعتمار، إلَّا ما ذكرناه، قال: واعتمد مالك في "الموطأ" على أنهن ثلاث عُمَر. انتهى كلام القاضي. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهو قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، والصواب أنه ﷺ اعتمر أربع عُمَر، كما صرح به ابن عمر، وأنس، وجزما الرواية به، فلا يجوز ردّ روايتهما بغير جازم، وأما قوله: إن النبيّ ﷺ كان في حجة الوداع مفردًا، لا قارنًا، فليس كما قال، بل الصواب أن النبيّ ﷺ كان مفردًا في أول إحرامه، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارنًا، ولا بد من هذا التأويل، قال العلماء: وانما اعتمر النبيّ ﷺ هذه العُمَر في ذي القعدة؛ لفضيلة هذا الشهر، ولمخالفة الجاهلية في ذلك، فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور، كما سبق، ففعله ﷺ مرات في هذه الأشهر؛ ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ ﵀ تحقيق حسنٌ، إلَّا قوله: إنه ﷺ كان مفردًا في أول إحرامه إلخ، فقد قدّمنا أن هذا خلاف الصحيح، بل الصواب أنه ﷺ كان قارنًا من أول ما أنشأ الإحرام؛ كما بيّنه حديث عمر ﵁ في قصّة إتيان الملك له ﷺ بوادي العقيق، ولما أخرجه أحمد، وابن ماجة، بإسناد صحيح، وصححه ابن حبّان، عن أنس ﵁ قال: إنا عند ثَفِنات ناقة رسول الله ﷺ عند المسجد، فلما استوت به، قال: "لبيك بحجة وعمرة معًا"، وذلك في حجة الوداع. انتهى لفظ ابن حبّان.

стр. 13827

فهذا حديث صحيح ونصّ صريح في أنه ﷺ أنشأ الإحرام من أول الأمر قارنًا، وما عدا ذلك من الروايات فتؤوّل على ما يوافق هذا المعنى، وقد مرّ توجيهها، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٣٠٣٤ و ٣٠٣٥] (١٢٥٣)، و (البخاريّ) في "العمرة" (١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨٠) و"الجهاد" (٣٠٦٦) و"المغازي" (٤١٤٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٩٤)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٤ و ٢٤٥ و ٢٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٧١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٦٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٤٥ و ٥/ ١٠ و ٩/ ٥٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدد عُمَر النبيّ ﷺ ، وهي أربع. ٢ - (ومنها): بيان استحباب العمرة في أشهر الحج؛ لِما لها من الفضل، ولمخالفة أهل الجاهليّة، حيث كانوا يرونه من أفجر الفجور، كما سبق بيانه. ٣ - (ومنها): بيان أنه ﷺ كان قارنًا في حجته، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء، كما أسلفت حججه قريبًا، وأما الأحاديث الدالّة على أنه كان متمتعًا فتؤوّل على أنه أمر بالتمتّع، فنُسب إليه، أو المراد به التمتّع اللغويّ؛ لأن القران يُسمّى تمتّعًا، حيث تمتّع القارن بعمل الحج، ولم يحتج إلى عمل مفرد للعمرة، وإطلاق التمتّع على القران هو الذي كان عُرف الصحابة ﵃، كما تقدّم بيانه عن ابن القيّم ﵀. ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى صحة قول الجمهور: إنه لا يجب القضاء

стр. 13828

على من صُدّ عن البيت، خلافًا للحنفية، ولو كانت عمرة القضيّة بدلًا عن عمرة الحديبية، لكانتا واحدةً، وإنما سُمِّيت عمرة القضيّة، والقضاء؛ لأن النبيّ ﷺ قاضى قريشًا فيها، لا أنَّها وقعت قضاءً عن العمرة التي صُدّ عنها؛ إذ لو كان كذلك، لكانتا عمرةً واحدةً، قاله في "الفتح" (١). ٥ - (ومنها): أنّ في عدّهم عمرةَ الحديبية التي صُدّ عنها ما يدلّ على أنَّها عمرة تامًةٌ. ٦ - (ومنها): أن من نوى فعل خير، ومنع مانع يثاب عليه كاملًا، فقد صحّ في هذا الحديث أن عمرة الحديبية سُمّيت، فكانت الرابعة من عُمَره ﷺ ، ولم يفعل من أعمالها شيئًا، لا هو ولا أصحابه، إلَّا الإهلال بها فقط، حيث صُدّوا عن البيت. ٧ - (ومنها): بيان إباحة الغنائم، وهي من خصوصيّات النبيّ ﷺ ، فقد سبق حديث جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسًا … " فذكره، وفيه: "وأُحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي … " الحديث. ٨ - (ومنها): بيان مشروعيّة قسمة الغنائم، حيث قسم ﷺ غنائم حنين بالجعرانة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ أنَسًا: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: حَجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هَدَّابٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدَّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله.

стр. 13829

[تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن همّام هذه لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٦] (١٢٥٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ (١)، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً، حَجَّةَ الْوَدَاعِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢١. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلَّا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما روى عنه بعد الاختلاط كما سلف آنفًا؟. [أُجيب]: بأنه لَمْ ينفرد به، بل تابعه عليه شعبة، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، وكذا تابعه إسرائيل بن يونس، وهو وإن كان متأخّرًا إلَّا أنه يحفظ أحاديث أبي إسحاق حفظًا جيّدًا، كما نُقل عن عبد الرَّحمن بن مهديّ أنه قال: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة، والثوري. وهذا غاية في الوصف بالإتقان.

стр. 13830

فأما رواية شعبة، فقد أخرجها البخاريّ، في "كتاب المغازي" من "صحيحه"، فقال: حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا وهب، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبيّ ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيُّهم كانت أولَ؟ قال: العسيرة، أو العشير، فذكرت لقتادة، فقال: العشيرة. وأما رواية إسرائيل، فأخرجها البخاريّ أيضًا، فقال في الكتاب المذكور: حدّثنا عبد الله بن رجاء، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سألت زيد بن أرقم ﵁، كم غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: سبع عشرة، قلت: كم غزا النبيّ ﷺ ؟ قال: تسع عشرة. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مكثرٌ اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. ٥ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٧/ ١٢٠٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من زهير بن معاوية، والباقيان بغداديّان. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، شهد الخندق وما بعدها، كما ذكر هنا أنه غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، وأنزل الله تعالى في تصديقه "سورة المنافقون" ﵁. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ؛ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ) ﵁ (كَمْ عزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ) زيد ﵁ (سَبْعَ عَشْرَةَ) وفي بعض النسخ: "سبع عشرة غزوةً (قَالَ) أبو إسحاق (وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) ﵁ -

стр. 13831

(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ) قال في "الفتح": كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبيّ ﷺ فيها بنفسه، سواء قاتل، أو لَمْ يقاتل، لكن رَوَى أبو يعلي، من طريق أبي الزبير، عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأَبْواء وبُوَاط، وكأن ذلك خَفِي عليه؛ لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ: قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير، أو العشيرة. انتهى. والعشيرة هي الثالثة. وأما قول ابن التين: يُحْمَل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو؛ أي زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها؟؛ أي: وأنت معه، قال: العشير، فهو مُحْتَمِل أيضًا، ويكون قد خَفِي عليه اثنتان مما بعد ذلك، أو عدَّ الغزوتين واحدةً، فقد قال موسى بن عقبة: قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان: بدر، ثم أُحد، ثم الأحزاب، ثم المصطلق، ثم خيبر، ثم مكة، ثم حنين، ثم الطائف. انتهى. وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب؛ لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره؛ لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عدّ الطائف وحنين واحدة؛ لتقاربهما. فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم، وقول جابر، وقد توسع ابن سعد، فبلّغ عدّة المغازي التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه سبعًا وعشرين، وتبع في ذلك الواقديّ، وهو مطابق لما عدّه ابن إسحاق، إلَّا أنه لَمْ يُفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيليّ، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يُحمَل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيِّب، قال: غزا رسول الله ﷺ أربعًا وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان، عن سلمة بن شَبيب، عن عبد الرزاق، فزاد فيه: أن سعيدًا قال أَوّلًا: ثماني عشرة، ثم قال: أربعًا وعشرين، قال الزهريّ: فلا أدري أَوَهِمَ، أو كان شيئًا سمعه بعدُ؟ قال الحافظ: وحمْله على ما ذكرته يدفع الوهم، ويجمع الأقوال، والله أعلم. وأما البعوثُ والسرايا، فعَدَّ ابن إسحاق ستًّا وثلاثين، وعدّ الواقديّ ثمانيًا

стр. 13832

وأربعين، وحَكَى ابن الجوزيّ في "التلقيح" ستًّا وخمسين، وعدّ المسعوديّ ستين، وبلّغها الحافظ العراقيّ في "نظم السيرة" زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في "الإكليل" أنَّها تزيد على مائة، فلعله أراد ضمّ المغازي إليها. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في "الجهاد والسير" حيث يذكره المصنّف ﵀ هناك - إن شاء الله تعالى -. (وَأَنَّهُ) ﷺ (حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً) زاد في رواية البخاريّ: "لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا"، وقوله: (حَجَّةَ الْوَدَاعِ) بالنصب على البدليّة من "حجةً"، أو مفعولًا لفعل محذوف؛ أي: أعني، ويَحتمل الرفع على تقدير مبتدإ؛ أي: هي حجةُ الوداع (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيّ، وهو موصول بالإسناد المذكور (وَبِمَكَّةَ أُخْرَى) يعني أنه حج حجة أخرى بمكة قبل أن يهاجر، قال في "العمدة": وهذا يوهم أنه لَمْ يحج قبل الهجرة إلَّا حجة واحدة، وليس كذلك، بل حجّ قبل الهجرة مرارًا عديدة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": قوله: "لَمْ يحج بعدها"؛ يعني ولا حج قبلها، إلَّا أن يريد نفي الحج الأصغر، وهو العمرة فلا، فإنه اعتمر قبلها قطعًا. وقوله: قال أبو إسحاق: "وبمكة أخرى" وغرضه أن لقوله: "بعدما هاجر" مفهومًا، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حَجّ، لكن اقتصاره على قوله: "أخرى" قد يوهم أنه لَمْ يحجّ قبل الهجرة إلَّا واحدةً، وليس كذلك، بل حجّ قبل أن يهاجر مرارًا، قال الحافظ: بل الذي لا أرتاب فيه، أنه لَمْ يترك الحجِّ، وهو بمكة قطّ؛ لأن قريشًا في الجاهلية لَمْ يكونوا يتركون الحجِّ، وَإنما يتأخر منهم عنه من لَمْ يكن بمكة، أو عاقه ضعف، وإذا كانوا، وهم على غير ديني يَحرِصون على إقامة الحجِّ، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يُظَنّ بالنبيّ ﷺ أنه يتركه، وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم، أنه رآه في الجاهلية واقفًا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت

стр. 13833

دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متواليةً. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ﵁ متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٣٠٣٦] (١٢٥٤)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٩٤٩ و ٤٤٠٤ و ٤٤٧١)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (١٦٧٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٩٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٨ و ٣٧٠ و ٣٧٣)، و (سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٣٦١)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٥٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥/ ١٨٧ و ١٨٨ و ١٨٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٤٢) و"المعرفة" (٢/ ١٩٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٧] (١٢٥٥) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْن عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يُخْبِرُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ، مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيْ أُمَّتَاهُ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَعَمْرِي مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَمَا اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ، إِلَّا وَإِنَّهُ لَمَعَهُ، قَالَ: وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ، فَمَا قَالَ: لَا، وَلَا نَعَمْ، سَكَتَ).

стр. 13834

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريبًا. ٦ - (وَابْنُ عُمَرَ) ﵄، تقدّم أيضًا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: عن عَطَاء بن أبي رباح أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ أنا وَابْنُ عُمَرَ) ﵄ (مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ) ﵂ (وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا) أي ضربها أسنانها (بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ) جملة حاليّة من "ضربها"؛ أي حال كونها تستاك (قَالَ) عروة (فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر، وقوله: (اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ) استفهام بتقدير همزة الاستفهام (قَالَ) ابن عمر (نَعَمْ) أي اعتمر فيه، وفي الرواية التالية: "فقال له عروة: يا أبا عبد الرَّحمن، كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: أربع عُمَر، إحداهنّ في رجب". (فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ) ﵂ (أَيْ أُمَّتَاهُ) "أي" حرف نداء للبعيد، كما قال في "الخلاصة": وِللْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَانَّاءِ "يَا" … وَ "أَيْ" وَ "آ" كَذَا "أَيَا" ثُمَّ "هَيَا" و"أُمَّتاه" هي في الأصل "أُمّي"، ثم حُذفت الياء، وعُوّض عنها التاء،

стр. 13835

فصار: أي أمّت، بفتح التاء وكسرها، ثم لحقتها ألف، ثم هاء السكت، وهي ساكنة، والظاهر أن ضمها في النسخ غلطٌ، قال في "الخلاصة": وَفِي النِّدَا أَبَتَ أَمَّتَ عَرَضْ … وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ قال في "الفتح": وقول عروة لهذا بالمعنى الأخصّ؛ لكونها خالته، وبالمعنى الأعمّ؛ لكونها أم المؤمنين. انتهى (١). (أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) "ما" هنا اسم موصول مفعول به لـ"تسمعين" (قَالَتْ: وَمَا يَقُولُ) و"ما" هنا استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء يقوله (قُلْتُ: يَقُولُ اعْتَمَرَ النَّبِي ﷺ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي الرواية التالية: "يرحم الله أبا عبد الرحمن"، هو عبد الله بن عمر، ذكرته بكثيته؛ تعظيمًا له، ودعت له إشارة إلى أنه نسي (٢). (لَعَمْرِي) قال النوويّ ﵀: هذا دليلٌ على جواز قول الإنسان: لعمري، وكرهه مالك؛ لأنه من تعظيم غير الله تعالى، ومضاهاته بالحلف بغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مثل هذا لا يُراد به الحلف، وإنما هو كقولهم: ما له تربت يداه، وعقرى حلقي، وأما لوأريد به الحلف فلا يجوز؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، فافهم، والله تعالى أعلم. (مَا) نافية (اعْتَمَرَ)؛ أي رسول الله ﷺ (فِي رَجَبٍ)؛ أي لَمْ يعتمر النبيّ ﷺ في شهر رجب أصلًا (وَمَا) نافية أيضًا (اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ) "من" زائدة، كما قال في "الخلاصة": وَزِيدَ فِي نَفيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ (إِلَّا وَإِنَّهُ)؛ أي ابن عمر (لَمَعَهُ)؛ أي مع النبيّ ﷺ ، وهذا قالته مبالغة في نسبته إلى النسيان، ولم تُنكر عائشة ﵂ على ابن عمر إلَّا قوله: إحداهنّ في رجب (قَالَ) عروة (وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَمَا) نافية (قَالَ: لَا) نفيًا لردّها عليه (وَلَا نعَمْ) موافقَةً لها (سَكَتَ) قال النوويّ ﵀: سكوت ابن عمر على إنكار عائشة ﵄ يدلّ على أنه كان اشتبه عليه، أو نَسِي، أو شكّ.

стр. 13836

وقال القرطبيّ ﵀: عدم إنكاره على عائشة ﵄ يدلّ على أنه كان على وهم، وأنه رجع لقولها. وقد تعَسَّف من قال: إن ابن عمر أراد بقوله: "اعتمر في رجب" عمرة قبل هجرته؛ لأنه وإن كان محتملًا، لكن قول عائشة ﵂: ما اعتمر في رجب يلزم منه عدم مطابقة ردِّها عليه لكلامه، ولا سيما، وقد بيّنت الأربع، وأنها لو كانت قبل الهجرة، فما الذي كان يمنعه أن يُفْصِح بمراده، فيرجع الإشكال؟ وأيضًا: فإن قول هذا القائل: لأن قريشًا كانوا يعتمرون في رجب، يحتاج إلى نقل، وعلى تقديره، فمن أين له أنه ﷺ وافقهم؟ وهَبْ أنه وافقهم، فكيف اقتصر على مرّة؟. قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه بالسياق التالي. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٣٠٣٧ و ٣٠٣٨] (١٢٥٥)، و (البخاريّ) في "العمرة" (١٧٧٥ و ١٧٧٦ و ١٧٧٧) و"المغازي" (٤٢٥٣ و ٤٢٥٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٩٢)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٩٣٦ و ٩٣٧)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤٢٢١ و ٤٢٢٢)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٩٨)، (وأحمد) في "مسنده" (٢/ ٧٠ و ٧٣ و ١٣٩ و ١٤٣ و ١٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٧٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٩)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٩٠٩)، و (الطبراني) في "الكبير" (١٢/ ٤١٣) و"الأوسط" (٣/ ١٣٢)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ٦١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠ - ١١)، و (الضاء) في "المختارة" (٢/ ٣٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 13837

١ - (منها): بيان عدد عُمر النبيُّ ﷺ ، كما هو واضح في الرواية التالية. ٢ - (ومنها): بيان أن الصحابيّ الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبيّ ﷺ قد يَخْفَى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان؛ لكونه غير معصوم، قاله في "الفتح" (١). وقال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": في قول ابن عمر ﵄: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَر، إحداهن في رجب" أبين البيان أن الْخَيِّرَ المتقِن الفاضل قد يَنْسَى بعض ما يسمع من السنن، أو يشهدها؛ لأن المصطفى ﷺ ما اعتمر إلَّا أربع عمر: الأولى عمرة القضاء، سنة القابل من عام الحديبية، وكان ذلك في رمضان (٢)، ثم العمرة الثانية حين فتح مكة، وكان فتح مكة في رمضان، ثم خرج منها ﷺ قِبَل هوازن، وكان من أمره ما كان، فلما رجع، وبلغ الجعرانة قسم الغنائم بها، واعتمر منها إلى مكة، وذلك في شوال، واعتمر العمرة الرابعة في حجته، وذلك في ذي الحجة، سنة عشرة من الهجرة. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ (٣). ٣ - (ومنها): أن فيه ردَّ بعض العلماء على بعض، وحسن الأدب في الردّ، وحسن التلطف في استكشاف الصواب؛ إذا ظَنّ السامع خطأ المحدث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أنا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاِتهِمْ؟ فَقَالَ: بِدْعَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَم اعْتَمَرَ

стр. 13838

رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَرْبَعَ عُمَرٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ، وَنَرُدَّ عَلَيْهِ، وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَلَا تَسْمَعِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِلَّا وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ في رَجَبٍ قَطُّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٦. ٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (الْمَسْجِدَ) يعني مسجد المدينة النبويّة. وقوله: (فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ … إلخ) "إذا" هنا هي الفجائيّة؛ أي ففاجأنا جلوس ابن عمر ﵄، وفي رواية لأحمد: "فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة ﵂". وقوله: (فَقَالَ: بِدْعَةٌ) قال النوويّ ﵀: هذا قد حمله القاضي وغيره على أن مراده أن إظهارها في المسجد، والاجتماع لها هو البدعة، لا أن أصل صلاة الضحى بدعة. انتهى (١). وقال في "الفتح" ما ملخّصه: وقد جاء عن ابن عمر ﵄ أيضًا الجزم بكونها محدثة، فروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح، عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال: إنها محدثة، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا. ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن الحكم بن الأعرج، عن الأعرج، قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: بدعةٌ، ونعمت البدعة.

стр. 13839

وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم، عن أبيه قال: لقد قُتِل عثمان، وما أحد يسبّحها، وما أحدث الناس شيئًا أحبّ إليّ منها. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن الشعبيّ، عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت، إلَّا أن أطوف بالبيت؛ أي: فأصلي في ذلك الوقت، لا على نية صلاة الضحي، بل على نية الطواف، وَيحْتَمِل أنه كان ينويهما معًا. وقد جاء عن ابن عمر أنه كان يَفْعَل ذلك في وقت خاصّ، فجاء من طريق نافع، أن ابن عمر كان لا يصلي الضحى إلَّا يوم يَقْدَم مكة، فإنه كان يَقْدَمها ضحي، فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين، ويوم يأتي مسجد قباء. ورَوَى ابن خزيمة من وجه آخر، عن نافع، عن ابن عمر: كان النبيّ ﷺ لا يصلي الضحي، إلَّا أن يَقْدَم من غيبة. وقال سعيد بن منصور: حدّثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار: أن ابن عمر كان لا يصلي الضحي، إلَّا أن يأتي قباء. وهذا يَحْتَمل أيضًا أن يريد به صلاة تحية المسجد في وقت الضحي، لا صلاة الضحي، وَيحْتَمل أن يكون ينويهما معًا، كما قلناه في الطواف. وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصةٌ، قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة؛ لأنَّها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود ﵁ أنه رأى قومًا يصلونها، فأنكر عليهم، وقال: إن كان ولا بُدّ ففي بيوتكم. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ: أَرْبَعَ عُمَرٍ) بنصب "أربع" بتقدير: "اعتَمَر"، ويجوز رفعه على تقدير: هي أربع عمر. ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "قال: أربع"، قال في "الفتح": كذا

стр. 13840

للأكثر، ولأبي ذرّ: "قال: أربعًا"؛ أي: اعتمر أربعًا، قال ابن مالك: الأكثر في جواب الاستفهام مطابقة اللفظ والمعنى، وقد يُكْتَفى بالمعنى، فمن الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَاى﴾ [طه: ١٨] في جواب ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، ومن الثاني قوله ﷺ : "أربعين" في جواب قولهم: "كم يلبث؟ "، فأضمر يَلْبَث، ونصب به "أربعين"، ولو قصد تكميل المطابقة، لقال" أربعون؛ لأن الاسم المستفهم به في موضع الرفع، فظهر بهذا أن النصب والرفع جائزان في مثل قوله: "أربع"، إلَّا أن النصب أقيس، وأكثر نظائر. انتهى (١). وقوله: (إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ) قال في "الفتح": كذا وقع في رواية منصور، عن مجاهد، وخالفه أبو إسحاق، فرواه عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: "اعتمر النبيّ ﷺ مرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: اعتمر أربع عمر"، أخرجه أحمد، وأبو داود، فاختلفا، جَعَل منصور الاختلاف في شهر العمرة، وأبو إسحاق الاختلاف في عدد الاعتمار، ويمكن تعدد السؤال، بأن يكون ابن عمر سئل أَوَّلًا عن العدد، فأجاب، فردّت عليه عائشة، فرجع إليها، فسئل مرّة ثانية، فأجاب بموافقتها، ثم سئل عن الشهر، فأجاب بما في ظنه، وقد أخرج أحمد، من طريق الأعمش، عن مجاهد، قال: "سأل عروة بنُ الزبير ابنَ عمر: في أيّ شهر اعتمر النبيّ ﷺ ؟ قال: في رجب". انتهى (٢). وقوله: (وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ)؛ أي: حِسّ مرور السواك على أسنانها، وفي رواية عطاء، عن عروة الماضية: "وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستنّ". وقوله: (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) وفي رواية عطاء الماضية: "يا أمتاه"، وفي رواية البخاريّ: "يا أماه"، قال في "الفتح": كذا للأكثر، بسكون الهاء، ولأبي ذرّ: "يا أمه" بسكون الهاء أيضًا بغير ألف. انتهى. وقوله: (أَرْبَعَ عُمَرٍ) وفي رواية البخاريّ: "أربع عمرات"، قال في "الفتح": يجوز في ميمها الحركات الثلاثة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "يجوز في ميمها … إلخ" أشار به إلى القاعدة الصرفيّة التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:

стр. 13841

وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا … أَنِلْ إِتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا بَدَا … مُخْتَتَمًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدَا وَسَكِّنِ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ … خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلًّا قَدْ رَوَوَا والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٣) - (بَابُ فَضْلِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٣٩] (١٢٥٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُنَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ " قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا عَلَى نَاضِح، وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا، نَنْضِحُ عَلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة، وفيه

стр. 13842

تصريح ابن جريجٍ بالإخبار، وهو معروف بالتدليس، فأمن من تدليسه. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ الحبر البحر ترجمان القرآن، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يُحَدِّثُنَا) جملة في محلّ نصب على الحال (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِامْرَأَةٍ مِنَ الأنصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا) القائل: نسيت اسمها هو ابن جريجٍ، بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من أن القائل عطاء، وإنما قلنا ذلك؛ لما في الرواية الثانية عند المصنّف من طريق حبيب المعلّم، عن عطاء، من تسميتها، حيث قال: "عن ابن عبّاس: أن النبيّ ﷺ قال لامرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان: ما منعكِ أن تكوني حججت معنا … ؟ " الحديث، أفاده الحافظ ﵀. قال: وَيحْتَمل أن عطاء كان ناسيًا لاسمها لَمّا حدث به ابنَ جريجٍ، وذاكرًا له لما حدّث به حبيبًا. وقد خالفه يعقوب بن عطاء، فرواه عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: حجّ أبو طلحة، وابنه، وتركاني، فقال: "يا أمّ سُليم، عمرة في رمضان تعدل حجة معي"، أخرجه ابن حبّان، وتابعه محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلي، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة، وتابعهما مَعقِل الجزريّ، لكن خالف في الإسناد، قال: عن عطاء، عن أم سُليم، فذكر الحديث دون القصّة، فهؤلاء ثلاثة يبعد أن يتّفقوا على الخطإ، فلعلّ حبيبًا لَمْ يحفظ اسمها كما ينبغي، لكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده" بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن امرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان أنَّها أرادت الحجِّ … فذكر الحديث نحوه، دون ذكر قصّة زوجها. وقد وقع شبيه بهذه القصّة لأم معقل، أخرجه النسائيّ في "الكبرى" من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث، عن امرأة من بني أسد، يقال لها: أم معقل، قالت: أردت الحجِّ، فاعتلّ بعيري، فسألت النبيّ ﷺ ؟ فقال: "اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة".

стр. 13843

وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك، عن سميّ، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، قال: جاءت امرأة … فذكره مرسلًا، وأبهمها، ورواه النسائيّ أيضًا من طريق عمارة بن عمير وغيره، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أمّ معقل، ورواه أبو داود من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن رسول مروان، عن أم معقل. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين، فعند أبي داود من طريق عيسى بن معقل، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أم معقل، قالت: لما حجّ رسول الله ﷺ حجة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، فهلك أبو معقل، فلما رجع رسول الله ﷺ من حجته جئت، فقال: "ما منعك أن تحجي معنا؟ "، فذكرت ذلك له، فقال: "فهلا حججت عليه؟، فإن الحجِّ من سبيل الله، فأما إذا فاتك، فاعتمري في رمضان، فإنها كحجة". ووقعت لأم طليق قصّة مثل هذه، أخرجها أبو عليّ بن السكن، وابن منده في "الصحابة"، والدولابيّ في "الكنى" من طريق طلق بن حبيب: أن أبا طليق حدثه، أن امرأته قالت له - وله جمل، وناقة -: أعطني جملك أحجّ عليه، قال: جملي حبيس في سبيل الله، قالت: إنه في سبيل الله أن أحجّ عليه، فذكر الحديث، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "صدقت أم طليق"، وفيه: ما يعدل الحجِّ؟ قال: "عمرة في رمضان". وزعم ابن عبد البرّ أن أمّ معقل هي أم طليق، لها كنيتان، وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبيّ ﷺ ، وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدلّ على تغاير المرأتين. ويدلّ عليه تغاير السياقين أيضًا، ولا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سنان، أو أم سليم؛ لما في القصّة التي في حديث ابن عباس من التغاير للقصّة التي في حديث غيره؛ ولقوله في حديث ابن عباس: إنها أنصاريّة، وأما أم معقل، فإنها أسديّة، ووقعت لأم الهيثم أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.

стр. 13844

(مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟) وفي رواية للبخاريّ: "أن تحجين" بإثبات النون، وهو لغة، كما في قول الشاعر [من البسيط]: أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ ويحَكُمَا … مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرَا أَحَدَا والى هذه اللغة أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ "أَنْ" حَمْلًا عَلَى … "مَا" أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا (قَالَتْ) تلك المرأة (لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ) تثنية ناضح - بضاد معجمة، ثم مهملة - أي: بعيران، قال ابن بطال ﵀: الناضح البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يُسْتَقَى عليه، لكن المراد به هنا البعير؛ لتصريحه في رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، عن ابن عباس، في رواية أبي داود بكونه جملًا. (فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا، وَابْنُهَا) قال في "الفتح": إن كانت هي أم سنان، فيَحْتَمِل أن يكون اسم ابنها سنانًا، وإن كانت هي أم سليم، فلم يكن لها يومئذ ابن يمكن أن يحجّ سوى أنس، وعلى هذا فنسبته إلى أبي طلحة بكونه ابنه مجازٌ. انتهى. وقولها: (عَلَى نَاضِحٍ) متعلّق بـ"حجّ" (وَتَرَكَ لنَا نَاضِحًا، نَنْضِحُ عَلَيْهِ) بكسر الضاد، من باب ضرب، يقال: نَضَحَ البعير الماء: حمله من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطش؛ أي يَبُلّه بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعْمِل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يَحمِل الماء، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (قَالَ) ﷺ ("فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ) وفي رواية البخاريّ: "فإذا كان رمضان"، و"كان" فيه تامّة (فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ) الفاء تعليليّة؛ أي لأن عمرة في رمضان (تَعْدِلُ حَجَّةً") بكسر الدال المهملة: أي تقوم مقام حجة في الأجر والثواب، لا في إسقاط الفرض عن الذمّة، فإن فريضة الحجِّ لا تسقط بأداء العمرة إجماعًا. قال الإمام ابن خزيمة ﵀: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء،

стр. 13845

ويُجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا جميعها؛ لأن العمرة لا يُقضَى بها فرض الحجِّ ولا النذر. وقال ابن بطّال ﵀: فيه دليل على أن الحجِّ الذي ندبها إليه كان تطوّعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة. وتعقّبه ابن المنيّر ﵀ بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضًا؛ لأن حجّ أبي بكر كان إنذارًا، قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحجِّ. واعترض عليه الحافظ ﵀ بأن ما قاله غير مسلّم؛ إذ لا مانع أن تكون حجت مع أبي بكر، وسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بنى على أن الحجِّ إنما فُرض في السنّة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحجِّ على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحثه ابن بطّال. فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجّة في الثواب، لا أنَّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حجّ الفرض. ونقل الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن. وقال ابن العربيّ: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحجِّ بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد. وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون المراد: عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة. وقال ابن التين: قوله: "كحجة" يَحتَمِل أن يكون على بابه، ويَحْتَمل أن يكون لبركة رمضان، ويَحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة. قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدّمين، ففي رواية أحمد بن منيع المذكورة، قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلَّا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أم معقل في آخر

стр. 13846

حديثها: "قال: فكانت تقول: الحجِّ حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول الله ﷺ لي، فما أدري الي خاصّة؟ "، تعني أو للناس عامة. انتهى. والظاهر حمله على العموم كما تقدّم، والسبب في التوفيق استشكال ظاهره، وقد صحّ جوابه، والله أعلم. انتهى. [فائدة]: لَمْ يعتمر النبيّ ﷺ إلَّا في أشهر الحجِّ، وقد ثبتٌ فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيهما أفضل؟، قال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبيّ ﷺ أفضل، وأما في حقّه فما صنعه هو الأفضل؛ لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الردّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهًا لغيره لكان في حقّه أفضل. وقال صاحب "الهدي": يَحْتَمِل أنه ﷺ كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هوأهمّ من العمرة، وخَشِي من المشقّة على أمته؛ إذ لو اعتمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقّة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمله؛ خشية على أمته، وخوفًا من المشقّة عليهم. انتهى (١)، وهو بحث نفيس جدًّا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: حديث ابن عباس ﵄ هذا مُتّفقٌ عليه. المسألة الئانية: في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٣٠٣٩ و ٣٠٤٠] (١٢٥٦)، و (البخاريّ) في "العمرة" (١٧٨٢) و"جزاء الصيد" (١٨٦٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٩٠)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٣٠) و"الكبرى" (٢٤٢٠)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ " (٣/ ٢٧٦)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٩٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٩ و ٢٠٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٨٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٧٧)، و (ابن حبّان) في

стр. 13847

"صحيحه" (٣٧٠٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٢٩٩ و ١١٣٢٢) و"الأوسط" (٤/ ٣٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٤٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٤٦ و ٦/ ١٦٤)، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل العمرة في رمضان، حيث إنها تعدِل ثواب الحجِّ، بل ثبتٌ أنَّها كحجة مع النبيّ ﷺ ، كما سيرد عند المصنّف في الرواية التالية، وأخرج سمّويه من حديث أنس ﵁ بلفظ: "عمرة في رمضان كحجة معي"، وهو حديث صحيح. ٢ - (ومنها): بيان فضل رمضان، حيث كان العمل فيه يضاعف أجره. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من تفقّد أحوال أصحابه رجالًا ونساء. ٤ - (ومنها): بيان جواز مخاطبة المرأة الأجنبيّة، وأن صوتها ليس بعورة. ٥ - (ومنها): بيان جواز استعمال لفظ "رمضان" من غير إضافة لفظ "شهر" إليه، وعليه بوّب النسائيّ، فقال: "الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان"، ثم أورد الحديث. وأما الحديث الذي رواه أبو معشر، نَجِيح المدنيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا: شهر رمضان"، أخرجه ابن عديّ في "الكامل"، فقد ضعّفه هو بأبي معشر، قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين، وقد استوفيت البحث في هذه المسألة في أوائل "كتاب الصيام"، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا: أُمُّ سِنَانٍ: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟ " قَالَتْ:

стр. 13848

نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلانٍ زَوْجِهَا، حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: "فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقِل بن يسار، اختُلف في اسم أبيه، فقيل: زائدة، وقيل: زيد، صدوقٌ [٦] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ١١/ ٨٨٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (زَوْجِهَا) بالجرّ بدل من "أبي فلان"، أو عطف بيان له. وقولها: (حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا) تعني أنه لَمْ يبق لها محلّ الرديف حتى تحجّ معه. وقولها: (وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي … إلخ) تعني أن الناضح الثاني نسقي عليه النخيل، وليس لنا ثالثٌ حتى أحجّ عليه. وقولها أيضًا: (يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا) ووقع في شرح النوويّ بلفظ: "يسقي غلامنا"، فقال النوويّ ﵀: هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية عبد الغافر الفارسيّ، وغيره، قال: وفي رواية ابن ماهان: "يسقى عليه غلامنا"، قال القاضي عياض: وأرى هذا كله تغييرًا، وصوابه "نَسقي عليه نخلًا لنا"، فتصحف منه "غلامنا"، وكذا جاء في البخاريّ على الصواب، ويدُلّ على صحته قوله في الرواية الأولى: "ننضح عليه"، وهو بمعنى نسقي عليه. انتهى كلام القاضي. فتعقّبه النوويّ، فقال: والمختار أن الرواية صحيحة، وتكون الزيادة التي ذكرها القاضي محذوفة مقدرةً، وهذا كثير في الكلام. انتهى كلام النووي ﵀ (١)، وهو تعقّب وجيه، والله تعالى أعلم.

стр. 13849

وقوله: (تَقْضِي حَجَّةً) أي تؤدّيها، من حيث الأجر والثواب، لا من حيث إجزاؤها عن فرض الحج، كما سبق بيانه. وقوله: (أَوْ حَجَّةً مَعِي) "أو" للشكّ من الراوي، وقد ثبتٌ من حديث أنس ﵁ من غير شكّ، ولفظه: "عمرة في رمضان كحجة معي"، وهو حديث صحيح أخرجه سمّويه، والله تعالى أجملم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَي، وَدُخُولِ بَلَدِهِ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الَّتي خَرَجَ مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤١] (١٢٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ صاحب حديث سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.

стр. 13850

٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله العدويّ، أبو عبد الرَّحمن الصحابيّ الشهير ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من عبيد الله، والباقون كوفيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ) قال القاضي عياض ﵀: هو موضع معروف على طريق مَن أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النبيّ ﷺ يخرج منه إلى ذي الحليفة، فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضًا. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: يعني - والله أعلم - الشجرة التي بذي الْحُليفة التي أحرم منها، كما قال ابن عمر في الحديث المتقدّم، ولعلها هي الشجرة التي وَلدت تحتها أسماء بنت عميس. انتهى (٢). (وَيَدْخُلُ مِن طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ) - بفتح الراء المثقلة، وبالمهملتين - موضع التعريس، والتعريس: النزول من آخر الليل، وهو مكان معروف أيضًا، وكلٌّ من الشجرة، والْمُعَرَّس على ستة أميال من المدينة، لكن المعرَّس أقرب (٣). (وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا) الثنية: هي الْهَضْبة (٤)، وقيل:

стр. 13851

هي الكَوم (١) الصغير. وفي رواية للبخاريّ، من رواية مسدد، عن يحيى القطّان: "أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كداء، من الثنيّة العليا … "، وفي حديث عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ دخل عام الفتح من كَدَاء، من أعلى مكة، وخرج من كُدًى". قال في "الفتح": "كَداء" بفتح الكاف، والمدّ، قال أبو عبيد: لا يصرف، وهذه الثنية هي التي يُنزل منها إلى الْمَعْلَى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الْحَجُون - بفتح المهملة، وضمّ الجيم - وكانت صعبة المرتقي، فسهّلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهديّ، على ما ذكره الأزرقيّ، ثم سُهِّل في عصرنا هذا منها سنة (٨١١ هـ) موضعٌ، ثم سهّلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيّد في حدود (٨٢٠ هـ). وكلّ عقبة في جبل، أو طريق عال فيه تسمّى ثنيّة. قال: "وكُدًى" بضم الكاف، مقصور، وهو عند باب الشُّبيكة بقرب شِعب الشاميين من ناحية قُعَيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع. انتهى. وقال أيضًا: قال عياض، والقرطبيّ، وغيرهما: اختلف في ضبط كداء، وكُدًى، فالأكثر على أن العُليا بالفتح والمدّ، والسفلى بالضمّ والقصر، وقيل: بالعكس، قال النوويّ: وهو غلط. وقال القرطبي ﵀ بعد ذكر ما تقدّم: وأما اللغويّون، فقال أبو عليّ القالي: كداء ممدودًا: جبل بمكة، قال الشاعر [من الخفيف]: أَقْفَرَتْ بَعْدَ عَبْدِ شَمْسٍ كَدَاءُ … فَكُدَيٌّ فَالرُّكْنُ فَالْبَطْحَاءُ وقال غيره: كدي: جبلٌ قريب من كَداء، وقال الخليل: كداء وكُدَيّ بالضمّ وتشديد الياء: جبلان بمكة، الأعلى منهما بالمدّ، وقال غيره: كُدى مضموم مقصور بأسفل مكة؛ والمشدّد لمن خرج إلى اليمن، وليس من طريق النبيُّ ﷺ . انتهى (٢).

стр. 13852

(وَيَخْرُجُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى)؛ أي التي تلي باب العمرة. واختلُف في المعنى الذي لأجله خالف النبيّ ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرّك به كلُّ من في طريقيه، ويدعو لأهل تينك الطريقين، وقيل: ليُغيظ المنافقين ممن في ذينك الطريقين منهم بإظهار الدين، وإعزاز الإسلام، وقيل: ليري السعة في ذلك، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلوّ عند الدخول؛ لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه. وقيل: لأن إبراهيم ﵇ لَمّا دخل مكة دخل منها، وقيل: لأنه ﷺ خرج منها متخفّيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرًا عاليًا، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلًا للبيت. وَيحْتَمِل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح، فاستمرّ على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعبّاس: لا أُسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يُطلع الخيل هناك أبدًا، قال العبّاس: فذكّرتُ أبا سفيان بذلك لما دخل، وللبيهقيّ من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال النبيّ ﷺ لأبي بكر: كيف قال حسّان؟، فأنشده: عَدِمْتُ بَنِيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا … تُثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ فتبسّم، وقال: ادخلوها من حيث قال حسّان. [تنبيه]: حَكَى الحميديّ عن أبي العبّاس العذريّ أن بمكة موضعًا ثالثًا، يقال لها: كُدَيّ، وهو بالضمّ، والتصغير، يُخرج منه إلى جهة اليمن، قال المحبّ الطبريّ: حققه العذريّ عن أهل المعرفة بمكة، قال: وقد بُني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 13853

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٣٠٤١ و ٣٠٤٢] (١٢٥٧)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٥٣٣ و ١٥٣٦ و ١٥٥٤ و ١٥٧٥ و ١٥٧٦)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٦٦ و ١٨٦٧)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجِّ" (٥/ ٢٠٠) و"الكبرى" (٣٨٤٨)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٤٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٤ و ١٦ و ٢٢)، و (الدارمي) في "سننه" (٢/ ٧٠ و ٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٠٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧١ - ٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان محلّ استحباب دخول مكة، وهو أن يدخل من الثنية العليا التي تُسَمَّى الكداء بالفتح والمدّ. ٢ - (ومنها): استحباب الخروج من الثنيّة السفلى التي تُسَمَّى الكُدى بالضمّ والقصر. ٣ - (ومنها): أن هذا الفعل للاستحباب، وليس من النسك الواجب، فلا يترتب على تركه شيء، بل من فعل ذلك اقتداء بالنبيّ ﷺ كان له فيه ثواب عظيم، وخير كثير، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومن تركه فلا شيء عليه. وقال النوويّ ﵀: قيل: إنما فعل النبيّ ﷺ هذه المخالفة في طريقه داخلًا وخارجًا تفاؤلًا بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك به أهلهما. قال: ومذهبنا أنه يُستحب دخول مكة من الثنية العليا، والخروج منها من السفلى؛ لهذا الحديث، ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية على طريقه، كالمدنيّ، والشاميّ، أو لا تكون، كاليمنيّ، فيستحب لليمنىّ وغيره أن يستدير، ويدخل مكة من الثنية العليا. وقال بعض أصحابنا: إنما فعلها النبيّ ﷺ ؛ لأنَّها كانت على طريقه، ولا يستحب لمن ليست على طريقه، كاليمنيّ، قال: وهذا ضعيف، والصواب

стр. 13854

الأول، وهكذا يستحب له أن يخرج من بلده من طريق، ويرجع من أخرى؛ لهذا الحديث. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وقَالَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: الْعُلْيَا الَّتي بِالْبَطْحَاءِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (يَحْيَى) بن سعيد بن فرّوخ الْقَطَّانُ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥. و"عبيد الله" ذُكر قبله. وقوله: (الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ) أي: دخل مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ، وهي بالمدّ، ويقال لها: "البطحاء" و"الأبطح"، وهي بجنب المحصّب، وهذه الثنيّة يُنحَدر منها إلى مقابر مكة، قاله النوويّ (٢). وقيل: "البطحاء" تأنيث الأبطح، وهو في الأصل اسم لكل مكان متّسع، وهي المكان الذي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي، واتسع، وهي التي يقال لها: المحصّب، والمعرَّس، وحَدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة. انتهى. وقال الجوهريّ: الأبطح مسيل واسع، فيه دُقَاق الحصي، وقال ابن

стр. 13855

سيده: وقيل: بطحاء الوادي تراب ليّنٌ مما جرّته السيول، وجمعه بَطْحاوات، وبِطَاح، قاله في "اللسان". [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٥٧٦) - حدّثنا مسدّد بن مسرهد البصريّ، حدّثنا يحيي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ دخل مكة من كَدَاء، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٣] (١٢٥٨) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصدّيق، أم المؤمنين ﵄، ماتت سنة (٥٧) أو بعد ذلك (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. و"محمد بن المثنّى" ذُكر قبله، وشرح الحديث يُعلم مما قبله. وقولها: (لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا) قد تبيّن في الرواية التالية

стр. 13856

وقت دخوله ذلك، حيث قالت: "دخل عام الفتح من كَداء، من أعلى مكة". وقولها: (وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا) قال القاري ﵀: أي لما أراد الخروج منها خرج من أسفل مكة، والمراد بأعلاها ثنية كَدَاء بفتح الكاف، والمدّ، والتنوين وعدمه؛ نظرًا إلى أنه عَلَم المكان، أو البقعة، وهي التي يُنحَدر منها إلى المقبرة المسماة عند العامة بالمعلاة، وتسمى بالحجون عند الخاصة، ويُطلق أيضًا على الثنية التي قبله بيسير، والثنية: الطريق الضيق بين الجبلين، وبأسفلها ثنية كُدًى بضم الكاف، والقصر، والتنوين وتركه، وهو المسمى الآن بباب الشبيكة. انتهى (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عديه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٣٠٤٣ و ٣٠٤٤] (١٢٥٨)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٧٧ و ١٥٧٨ و ١٥٧٩ و ١٥٨٠ و ١٥٨١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٦٨ و ١٨٦٩)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨٥٣) و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٠ و ٥٨ و ٢٠١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٩٥٩ و ٩٦٠)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: اختُلِف على هشام بن عروة في وصل هذا الحديث، وإرساله، وأورد البخاريّ، الوجهين مشيرًا إلى أن رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل؛ لأن الذي وصله حافظ، وهو ابن عيينة، وقد تابعه ثقتان، وهما أبو أسامة، عند البخاريّ، ومسلم، وعمرو بن الحارث عند البخاريّ. ورواه بالإرسال حاتم بن إسماعيل، ووُهيب بن خالد، فرّقهما عن هشام، عن أبيه: دخل النبيّ ﷺ عام الفتح من كَداء، من أعلى مكة، وكان عروة أكثر ما يدخل من كداء أقربهما إلى منزلة. وأما مسلم فأعرض عن طريق الإرسال، واكتفى بالموصول من رواية ابن

стр. 13857

عيينة، وأبي أسامة، فرّقهما عن هشام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ أَبِي يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْب) محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القُرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. والباقون ذُكروا قبله. وقولها: (دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، مِنْ أَعْلَى مَكَةَ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه بفتح الكاف، وبالمدّ، وهكذا هو في نسخ بلادنا، وهذا نقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وضبطه السمرقنديّ بفتح الكاف، والقصر. انتهى. [تنبيه]: وقع في رواية أبي أسامة عند البخاريّ وَهَم، وذلك حيث قال: "دخل عام الفتح من كَداء، وخرج من كُدًا من أعلى مكة"، فقوله: "من أعلى مكة" وَهَمٌ، فإن خروجه ﷺ من أسفل مكة لا من أعلاها، فإن أعلاها مكان دخوله، والظاهر أن الوَهَم من الراوي عنه، وهو محمود بن غيلان المروزيّ شيخ البخاريّ، والصواب رواية غيره بلفظ: "دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة"، كما في رواية أبي كريب هنا عنه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ هِشَامٌ) هو ابن عروة، وهو موصول بالإسناد المذكور. وقوله: (فَكَانَ أَبِي) يعني عروة بن الزبير. وقوله: (يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا) أي من أعلى مكة، وأسفلها.

стр. 13858

وقوله: (وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ) قال النوويّ ﵀: اختلفوا في ضبط كَداء هذه، قال جمهور العلماء بهذا الفنّ: كداء بفتح الكاف، وبالمدّ: هي الثنية التي بأعلى مكة، وكُدى بضم الكاف، وبالقصر: هي التي بأسفل مكة، وكان عروة يدخل من كليهما، وأكثر دخوله من كَدَاء بفتح الكاف، فهذا أشهر، وقيل: بالضم، ولم يذكر القاضي عياض غيره. وأما كُدَيّ بضم الكاف، وتشديد الياء، فهو في طريق الخارج إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء، هذا قول الجمهور. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ بعد قوله: "وأكثر ما يدخل من كداء" ما نصّه: "وكانت أقربهما إلى منزلة". انتهى. قال في "الفتح": قوله: "وكانت أقربهما إلى منزلة" فيه اعتذار هشام لأبيه؛ لكونه روى الحديث، وخالفه؛ لأنه رأى أن ذلك ليس بحتم لازم، وكان ربّما فعله، وكثيرًا ما يفعل غيره بقصد التيسير. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمَبِيتِ بِذِي طُوًى عِنْدَ إِرَادَةِ دُخُولِ مَكَّةَ، وَالِاغْتِسَالِ لِدُخُولِهَا، وَدُخُولِهَا نَهَارًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٥] (١٢٥٩) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعِيدٍ: حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ، قَالَ يَحْيَى: أَوْ قَالَ: حَتَّى أَصْبَحَ).

стр. 13859

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب الماضي، وكذا لطائف إسناده. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاتَ بِذِي طَوًى) بضمّ الطاء، وفتحها، والضمّ أشهر، وتقدّم أنه يجوز صرفه باعتبار أنه اسم للوادي، وعدم صرفه باعتبار أنه اسم للبقعة، وجوّز في "القاموس" تثليث طائه، ونصّه: وذو طوى مثلثة الطاء، وُينَوَّن: موضع قربَ مكة. انتهى (١). وقال النوويّ: هو موضع معروف بقرب مكة، يقال: بفتح الطاء، وضمها، وكسرها، والفتح أفصح وأشهر (٢)، ويُصْرَف، ولا يصرف. انتهى. (حَتَّى أَصْبَحَ) أي دخل في الصباح (ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ) أي نهارًا، ففي الرواية التالية: "كان ابن عمر لا يقدَم مكة إلَّا بات بذي طوى حتى يُسبّح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، وَيذكُر عن النبيّ ﷺ أنه فعله". (قَالَ) نافع (وَكانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من البيات بذي طوي، حتى الصباح، والاغتسال، ودخول مكة نهارًا، كما في الرواية الثانية. (وَفي رِوَايَةِ ابْنِ سَعِيدٍ) هو عبيد الله شيخه الثاني (حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ) يعني أن عبيد الله بن سعيد قال في روايته: "حتى صلى الصبح"، وقوله: (قَالَ يَحْيَى: أَوْ قَالَ: حَتَّى أَصْبَحَ) من تمام كلام ابن سعيد، وذلك أن شيخه يحيى القطّان شكّ في قوله: "حتى صلّى الصبح"، فقال: "أو قال: حتى أصبح" ثم إن شك يحيى لا يضرّ، فقد جاء في رواية موسى بن عقبة، عن نافع الآتية بدون شكّ، ولفظة: "كان ينزل بذي طوي، ويبيت به حتى يُصلّي

стр. 13860

الصبح"، فدلّ على أن المراد بالإصباح في الرواية الأولى كونه صلى الصبح هناك، لا مجرّد الإصباح فقط، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٣٠٤٥ و ٣٠٤٦] (١٢٥٩)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٥٧٣ و ١٥٧٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٦٥)، و (مالك) في "الموطإ" (١/ ٣٢٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦ و ٤٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٩٢ و ٢٦٩٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٧٦ و ٢٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٧٠ - ٧١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧١ - ٧٢) و"الصغرى" (٤/ ١٣٣) و"المعرفة" ٤/ ٤٥ - ٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة. ٢ - (ومنها): استحباب الاغتسال لدخول مكة، وأنه يكون بذي طوي، قال النوويّ ﵀: هذا لمن كان ذو طوى في طريقه، ويكون بقدر بُعده لمن لَمْ يكن في طريقه، قال أصحابنا: وهذا الغسل سنة، فإن عجز عنه تيمم. انتهى (١). وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحبٌ عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء، وفي "الموطإ": أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه، وهو محرم، إلَّا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه، وقال الشافعية:

стр. 13861

إن عجز عن الغسل تيمم، وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف. انتهى (١). ٣ - (ومنها): بيان استحباب دخول مكة نهارًا، قال النوويّ ﵀: وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم: إن دخولها نهارًا أفضل من الليل، وقال بعض أصحابنا، وجماعة من السلف: الليل والنهار في ذلك سواءٌ، ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ دخلها محرمًا بعمرة الجعرانة ليلًا، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول من خيّر هو الأرجح، فإن شاء دخل نهارًا، هان شاء دخل ليلًا؛ لثبوت كليهما عن النبيّ ﷺ ، وهو ما رجحه الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، حيث قال: "باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا"، ثم أورد فيه حديث ابن عمر ﵄ هذا، وهو ظاهر في الدخول نهارًا. وأما الدخول ليلًا فقد وقع منه ﷺ في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلًا، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلًا، فأصبح بالجعرانة كبائت بها، كما رواه أصحاب "السنن" الثلاثة من حديث مُحَرِّش الكعبيّ ﵁، وترجم عليه النسائيّ ﵀: "دخول مكة ليلًا". وروى سعيد بن منصور، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا، ويخرجوا منها ليلًا. وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنكم لستم كرسول الله ﷺ ، إنه كان إمامًا، فأحب أن يدخلها نهارًا؛ ليراه الناس. انتهى. قال الحافظ: وقضية هذا أن من كان إمامًا يقتدى به استُحِبّ له أن يدخلها نهارًا. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13862

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، حَدَّثنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِلا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود العتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ حجة [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَا يَقْدَمُ) بفتح أوله، وثالثه. والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَني أَنَسٌ، يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى، وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) من ولد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.

стр. 13863

٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بْنَ عُمَرَ ﵄ (حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى) تقدَّم أنه مثلّث الطاء، وأنه يجوز صرفه، وعدمه (يَبِيتُ بِهِ) أي بذلك المكان (حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحِ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ) بفتح الدال المهملة، مضارع قَدِمَ، كعَلِم يعلَمُ، والظرف متعلق بـ "ينزل" (وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ) بضم الميم، وفتح اللام المشددة: أي المحلّ الذي كان يصلي فيه حين يبيت في ذلك الموضع (عَلَى أَكَمَةٍ) بفتحات: تَلٌّ، وقيل: شُرْفَة، كالرابية، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربّما غَلُظَ، وربّما لم يغلُظ، والجمع أَكَمٌ، وأكَمَاتٌ، مثل قصَبَة، وقَصَب، وقَصَبَات، وجمع الأَكَم إِكَامٌ، مثل جَبَل وجِبَال، وجمع الإِكَام أُكُمٌ بضمتين، مثل كِتَاب وكُتُب، وجمع الأُكُم آكَام، مثل عُنُق وأَعْنَاق، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).

стр. 13864

وقوله: (غَلِيظَةٍ) بالجر صفة لـ"أكمة" (لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ، الَّذِي بُنِيَ) بالبناء للمفعول (ثَمَّ) بفتح المثلّثة ظرف مكان للبعيد، وهو مبنيّ على الفتح، يوقف عليه بالهاء، فيقال: ثَمَّهْ. والمراد هنا إشارة إلى موضع مخصوص معروف؛ أي في ذلك المكان (وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ) وفي رواية النسائيّ: "خَشِنَةٍ غَلِيظَة" وهو بفتح الخاء، وكسر الشين المعجمتين، فقوله: "غليظةٍ" صفة كاشفة له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٣٠٤٧ و ٣٠٤٨] (١٢٥٩ و ١٢٦٠)، و (البخاريّ) في "المساجد" (٤٨٤) و"الحجّ" (١٧٦٧)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٩٩) و"الكبرى" (٢/ ٣٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب النزول بذي طوى، والمبيت به؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ . ٢ - (ومنها): استحباب العناية بتتبع آثار رسول الله ﷺ من الأماكن والأوقات. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيّ الشهير عبد الله بن عمر ﵄ من شدّة التحرّي في متابعة النبيّ ﷺ ، فهذا التحديد، والتحقيق الذي صدر منه ﵁ في تعيين مواضع النبيّ ﷺ دليلٌ على شدّة عنايته، وكمال اهتمامه ﵁ بآثار النبيّ ﷺ ، فمن تتبع كتب السنّة في هديه في ذلك يرى العجب العجاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٨] (١٢٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ،

стр. 13865

يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، يَجْعَلُ الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِطَرَفِ الْأَكْمَةِ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْفَلَ مِنْهُ، عَلَى الْأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، يَدَعُ مِنْ الْأَكَمَةِ عَشْرَةَ أَذْرُع (١)، أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة، وهم المذكورون في السند الماضي. وقوله: (اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ) -بفاء مضمومة، ثم راء ساكنة، ثم ضاد معجمة مفتوحة- وهي تثنية فُرْضة، وهي الثنية المرتفعة من الجبل، قاله النوويّ ﵀. وقال في "القاموس": الْفُرْضة -بالضمّ- من النهر: ثُلْمة يُستقى منها، ومن البحر: مَحَطّ السُّفُن. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: والْفُرْضة في الحائط ونحوه كالْفُرْجة، وجمعها فُرَضٌ، وفُرْضة النهر: الثُّلْمَة التي ينحدر منها الماء، وتصعد منها السفُن. انتهى (٣). وقال في "الفتح": الفُرْضة: مدخلُ الطريق إلى الجبل، وقيل: الشق المرتفع، كالشّرافة، ويقال أيضًا: لمدخل النهر. انتهى (٤). وقوله: (نَحْوَ الْكَعْبَةِ) أي ناحيتها، وهو متعلِّق بـ "الطويل"، أو ظرف لـ"الجبل"، أو بدل من "الفُرْضة"، قاله في "العمدة" (٥). وقوله: (يَجْعَلُ الْمَسْجِدَ … إلخ) الظاهر أنه من كلام نافع، وفاعله عبد الله بن عمر، أفاده في "العمدة". وقوله: (ثَمَّ) بفتح الثاء المثلّثة: أي هنالك. وقوله: (يَسَارَ الْمَسْجِدِ) مفعول ثان "يجعل". وقوله: (الَّذِي بِطَرَفِ الْأَكَمَةِ) صفة لـ"المسجد".
следующие страницы →