← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

إن عجز عن الغسل تيمم، وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف. انتهى (١). ٣ - (ومنها): بيان استحباب دخول مكة نهارًا، قال النوويّ ﵀: وهذا هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم: إن دخولها نهارًا أفضل من الليل، وقال بعض أصحابنا، وجماعة من السلف: الليل والنهار في ذلك سواءٌ، ولا فضيلة لأحدهما على الآخر، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ دخلها محرمًا بعمرة الجعرانة ليلًا، ومن قال بالأول حمله على بيان الجواز. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول من خيّر هو الأرجح، فإن شاء دخل نهارًا، هان شاء دخل ليلًا؛ لثبوت كليهما عن النبيّ ﷺ ، وهو ما رجحه الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، حيث قال: "باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا"، ثم أورد فيه حديث ابن عمر ﵄ هذا، وهو ظاهر في الدخول نهارًا. وأما الدخول ليلًا فقد وقع منه ﷺ في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلًا، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلًا، فأصبح بالجعرانة كبائت بها، كما رواه أصحاب "السنن" الثلاثة من حديث مُحَرِّش الكعبيّ ﵁، وترجم عليه النسائيّ ﵀: "دخول مكة ليلًا". وروى سعيد بن منصور، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا، ويخرجوا منها ليلًا. وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنكم لستم كرسول الله ﷺ ، إنه كان إمامًا، فأحب أن يدخلها نهارًا؛ ليراه الناس. انتهى. قال الحافظ: وقضية هذا أن من كان إمامًا يقتدى به استُحِبّ له أن يدخلها نهارًا. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13862

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، حَدَّثنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِلا بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود العتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ حجة [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (لَا يَقْدَمُ) بفتح أوله، وثالثه. والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَني أَنَسٌ، يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى، وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) من ولد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.

стр. 13863

٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضمْرة الليثيّ، أبو ضمرة المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بْنَ عُمَرَ ﵄ (حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى) تقدَّم أنه مثلّث الطاء، وأنه يجوز صرفه، وعدمه (يَبِيتُ بِهِ) أي بذلك المكان (حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحِ، حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ) بفتح الدال المهملة، مضارع قَدِمَ، كعَلِم يعلَمُ، والظرف متعلق بـ "ينزل" (وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَلِكَ) بضم الميم، وفتح اللام المشددة: أي المحلّ الذي كان يصلي فيه حين يبيت في ذلك الموضع (عَلَى أَكَمَةٍ) بفتحات: تَلٌّ، وقيل: شُرْفَة، كالرابية، وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربّما غَلُظَ، وربّما لم يغلُظ، والجمع أَكَمٌ، وأكَمَاتٌ، مثل قصَبَة، وقَصَب، وقَصَبَات، وجمع الأَكَم إِكَامٌ، مثل جَبَل وجِبَال، وجمع الإِكَام أُكُمٌ بضمتين، مثل كِتَاب وكُتُب، وجمع الأُكُم آكَام، مثل عُنُق وأَعْنَاق، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).

стр. 13864

وقوله: (غَلِيظَةٍ) بالجر صفة لـ"أكمة" (لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ، الَّذِي بُنِيَ) بالبناء للمفعول (ثَمَّ) بفتح المثلّثة ظرف مكان للبعيد، وهو مبنيّ على الفتح، يوقف عليه بالهاء، فيقال: ثَمَّهْ. والمراد هنا إشارة إلى موضع مخصوص معروف؛ أي في ذلك المكان (وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ) وفي رواية النسائيّ: "خَشِنَةٍ غَلِيظَة" وهو بفتح الخاء، وكسر الشين المعجمتين، فقوله: "غليظةٍ" صفة كاشفة له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٣٠٤٧ و ٣٠٤٨] (١٢٥٩ و ١٢٦٠)، و (البخاريّ) في "المساجد" (٤٨٤) و"الحجّ" (١٧٦٧)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٩٩) و"الكبرى" (٢/ ٣٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب النزول بذي طوى، والمبيت به؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ . ٢ - (ومنها): استحباب العناية بتتبع آثار رسول الله ﷺ من الأماكن والأوقات. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيّ الشهير عبد الله بن عمر ﵄ من شدّة التحرّي في متابعة النبيّ ﷺ ، فهذا التحديد، والتحقيق الذي صدر منه ﵁ في تعيين مواضع النبيّ ﷺ دليلٌ على شدّة عنايته، وكمال اهتمامه ﵁ بآثار النبيّ ﷺ ، فمن تتبع كتب السنّة في هديه في ذلك يرى العجب العجاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٨] (١٢٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ،

стр. 13865

يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، يَجْعَلُ الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِطَرَفِ الْأَكْمَةِ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْفَلَ مِنْهُ، عَلَى الْأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، يَدَعُ مِنْ الْأَكَمَةِ عَشْرَةَ أَذْرُع (١)، أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة، وهم المذكورون في السند الماضي. وقوله: (اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ) -بفاء مضمومة، ثم راء ساكنة، ثم ضاد معجمة مفتوحة- وهي تثنية فُرْضة، وهي الثنية المرتفعة من الجبل، قاله النوويّ ﵀. وقال في "القاموس": الْفُرْضة -بالضمّ- من النهر: ثُلْمة يُستقى منها، ومن البحر: مَحَطّ السُّفُن. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: والْفُرْضة في الحائط ونحوه كالْفُرْجة، وجمعها فُرَضٌ، وفُرْضة النهر: الثُّلْمَة التي ينحدر منها الماء، وتصعد منها السفُن. انتهى (٣). وقال في "الفتح": الفُرْضة: مدخلُ الطريق إلى الجبل، وقيل: الشق المرتفع، كالشّرافة، ويقال أيضًا: لمدخل النهر. انتهى (٤). وقوله: (نَحْوَ الْكَعْبَةِ) أي ناحيتها، وهو متعلِّق بـ "الطويل"، أو ظرف لـ"الجبل"، أو بدل من "الفُرْضة"، قاله في "العمدة" (٥). وقوله: (يَجْعَلُ الْمَسْجِدَ … إلخ) الظاهر أنه من كلام نافع، وفاعله عبد الله بن عمر، أفاده في "العمدة". وقوله: (ثَمَّ) بفتح الثاء المثلّثة: أي هنالك. وقوله: (يَسَارَ الْمَسْجِدِ) مفعول ثان "يجعل". وقوله: (الَّذِي بِطَرَفِ الْأَكَمَةِ) صفة لـ"المسجد".

стр. 13866

وقوله: (يَدَعُ) أي: يترك. وقوله: (عَشْرَةَ أَذْرُعٍ) قال النوويّ ﵀: كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: "عشر" بحذف الهاء، وهما لغتان في الذراع: التذكير، والتأنيث، وهو الأفصح الأشهر. انتهى (١). [تنبيهات]: [الأول]: أخرج البخاريّ ﵀ حديث ابن عمر ﵄ هذا من طريق موسى بن عقبة، عن نافع مطوّلًا في "كتاب الصلاة"، فقال: (٤٨٣) - حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدميّ، قال: حدّثنا فُضيل بن سليمان، قال: حدّثنا موسى بن عقبة، قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، فيصلي فيها، ويحدِّث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة. وحدّثني نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالِمًا، فلا أعلمه إلا وافق نافعًا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشَرَف الرَّوْحاء. (٤٨٤) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر الْحِزَاميّ، قال: حدّثنا أنس بن عياض، قال: حدّثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله بن عمر أخبره: أن رسول الله ﷺ كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حجّ تحت سمرة، في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق، أو حجّ، أو عمرة هَبَط من بطن واد، فإذا ظهر من بطن وادٍ، أناخ بالبطحاء التي على شَفِير الوادي الشرقية، فعَرَّس ثَمَّ حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة، ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثَمَّ خَلِيج (٢)، يصلي عبد الله عنده، في بطنه كُثُب (٣) كان رسول الله ﷺ ثَمّ يصلي، فَدَحا (٤)

стр. 13867

السيل فيه بالبطحاء، حتى دَفَنَ ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه، وأن عبد الله بن عمر حدّثه أن النبيّ ﷺ صلى حيث المسجدُ الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الرَّوْحاء، وقد كان عبد الله يَعْلَم المكان الذي كان صلى فيه النبيّ ﷺ ، يقول: ثَمّ عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رَمْيَةٌ بحجر، أو نحو ذلك. وأن ابن عمر كان يصلي إلى العِرْق (١) الذي عند مُنْصَرف الرَّوْحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرَف، وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتُنِي ثَمّ مسجد، فلم يكن عبد الله بن عمر يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره، ووراءه، ويصلي أمامه إلى العِرْق نفسِهِ، وكان عبد الله يروح من الرَّوْحاء، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان، فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة، فإن مَرّ به قبل الصبح بساعة، أو من آخر السحر عَرَّس حتى يصلي بها الصبح. وأن عبد الله حدّثه أن النبيّ ﷺ كان ينزل تحت سَرْحة ضخمة (٢)، دون الرُّويثة (٣)، عن يمين الطريق، ووِجَاه الطريق، في مكان بَطْحٍ سَهْلٍ، حتى يُفضي من أكمة، دُوَيْن بَرِيد الرُّويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها، فانثنى في جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كُثُب كثيرة. وأن عبد الله بن عمر حدّثه أن النبيّ ﷺ صلى في طرف تَلْعة، من وراء العَرْج، وأنت ذاهب إلى هَضْبَة، عند ذلك المسجد قبران، أو ثلاثة، على القبور رَضمٌ (٤) من حجارة، عن يمين الطريق عند سَلِمَات الطريق، بين أولئك السَّلِمات (٥) كان عبد الله يروح من العَرْج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد.

стр. 13868

وأن عبد الله بن عمر حدّثه أن رسول الله ﷺ نزل عند سَرَحات، عن يسار الطريق، في مَسِيلٍ، دون هَرْشَى (١)، ذلك المسيل لاصق بكُراع هَرْشى، بينه وبين الطريق قريب من غَلْوَة (٢) وكان عبد الله يصلي إلى سَرْحة، هي أقرب السَّرَحات إلى الطريق، وهي أطولهنّ. وأن عبد الله بن عمر حدّثه أن النبيّ ﷺ كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مَرِّ الظهران، قبل المدينة، حين يهبط من الصَّفْراوات (٣) ينزل في بطن ذلك المسيل، عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله ﷺ ، وبين الطريق إلا رَمْية بحجر. وأن عبد الله بن عمر حدّثه أن النبيّ ﷺ كان ينزل بذي طوى، ويبيت، حتى يصبح، يصلي الصبح، حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله ﷺ ذلك على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بُنِي ثَمّ، ولكن أسفل من ذلك، على أكمة غليظة. وأن عبد الله بن عمر حَدّثه أن النبيّ ﷺ استقبل فُرْضتي الجبل الذي بينه، وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسمجد الذي بُنِي ثَمّ يسار المسجد، بطرف الأكمة، ومصلى النبيّ ﷺ أسفل منه، على الأكمة السوداء، تَدَعُ من الأكمة عشرة أذرع، أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفُرْضتين، من الجبل الذي بينك وبين الكعبة. انتهى. [التنبيه الثاني]: قال الحافظ ﵀: اشتَمَل هذا السياق على تسعة أحاديث، أخرجها الحسن بن سفيان في "مسنده" مفرّقة، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أنس بن عياض، يعيد الإسناد في كل حديث، إلا أنه لم يذكر الثالث، وأخرج مسلم منها الحديثين الأخيرين في "كتاب الحج". [الثالث]: قال الحافظ أيضًا: هذه المساجد لا يُعرف اليوم منها غير

стр. 13869

مسجدي ذي الحليفة، والمساجد التي بالرُّوحاء، يعرفها أهل تلك الناحية، وقد وقع في رواية الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" له من طريق أخرى، عن نافع، عن ابن عمر في هذا الحديث زيادة بسط في صفة تلك المساجد. وفي الترمذيّ من حديث عمرو بن عوف: أن النبيّ ﷺ صلى في وادي الروحاء، وقال: "لقد صلى في هذا المسجد سبعون نبيًّا". [الرابع]: عُرِف من صنيع ابن عمر ﵄ استحباب تتبع آثار النبيّ ﷺ ، والتبرك بها، وقد قال البغويّ من الشافعية: إن المساجد التي ثبت أن النبيّ ﷺ صلى فيها، لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تَعَيَّن، كما تتعين المساجد الثلاثة، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: تعيّن تلك المساجد للنذر يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم. [الخامس]: قال الحافظ ﵀: ذكر البخاريّ المساجد التي في طُرُق المدينة، ولم يذكر المساجد التي كانت بالمدينة؛ لأنه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه، وقد ذكر عُمر بن شَبّة في "أخبار المدينة" المساجد، والأماكن التي صلى فيها النبيّ ﷺ بالمدينة، مستوعبًا. وروى عن أبي غَسّان عن غير واحد، من أهل العلم أن كل مسجد بالمدينة، ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة، فقد صلى فيه النبيّ ﷺ ، وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة، سال الناس، وهم يومئذ متوافرون عن ذلك، ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة. انتهى. وقد عَيَّن عُمر بن شَبّة منها شيئًا كثيرًا، لكن أكثره في هذا الوقت قد اندثر، وبقي عن المشهورة الآن مسجد قباء، ومسجد الفَضيخ، وهو شرقي مسجد قباء، ومسجد بني قريظة، ومشربة أم إبراهيم، وهي شمالي مسجد بني قريظة، ومسجد بني ظَفَر، شرقي البقيع، ويعرف بمسجد البغلة، ومسجد بني معاوية، ويُعْرف بمسجد الإجابة، ومسجد الفتح، قريب من جبل سَلْع، ومسجد القبلتين، في بني سَلِمَة، هكذا أثبته بعض شيوخنا، وفائدة معرفة ذلك ما تقدم عن البغويّ. انتهى.

стр. 13870

قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما مضى أن تعيين مساجد المدينة للنذر مما لا دليل عليه، على أن هذه المساجد لم تثبت بأسانيد صحيحة أنها هي التي صلى فيها النبيّ ﷺ ، بل هي حكايات وبلاغات، فلا التفات إليها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الرَّمَلِ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ، وَفِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَجِّ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٤٩] (١٢٦١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ، إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِدا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأوَّلَ)؛ أي: طواف القدوم (خَبَّ ثَلَاثًا)؛ أي: عدا، وأسرع، يقال: خَبَّ في الأمر خَبَبًا، من باب طَلَبَ: أسرع الأخذ فيه، ومنه الْخَبَبُ لضرب من الْعَدْو، وهو خَطْؤٌ فَسِيخ دون الْعَنَق، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). فالْخَبَبُ والرَّمَل -بفتحتين فيهما- بمعنى واحد، وهو إسراع المشي، مع تقارب الْخُطا، ولا يَثِبُ وَثْبًا، أفاده النوويّ ﵀ (٢).

стр. 13871

وقال في "الفتح": الرَّمَلُ بفتح الراء والميم: هو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يُحرّك الماشي منكبيه في مشيه. قال: والخبب بفتح المعجمة، والموحّدة، بعدها موحّدة أخرى: العدو السريع، يقال: خَبّت الدابّة: إذا أسرعت، وراوحت بين قدميها، قال: وهذا يشعر بترادف الرمل والخبب عند هذا القائل. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: والرَّمَل مستحبّ في الطوْفَات الثلاث الأُوَل من السبع، ولا يسنّ ذلك إلا في طواف العمرة، وفي طواف واحد في الحجّ، واختلفوا في ذلك الطواف، وهما قولان للشافعيّ: أصحهما أنه إنما يُشرع في طواف يعقبه سعيٌ، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع؛ لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة، فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم، وفي نيته أنه يسعى بعده استُحِبّ الرمل فيه، وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه، بل يرمُل في طواف الإفاضة. والقول الثاني أنه يرمُل في طواف القدوم، سواء أراد السعي بعده أم لا، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول عندي أرجح؛ لموافقته لظاهر قوله: "كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول … "، فقد علّقه بكونه أول الطواف، وهو طواف القدوم، لا بالسعي بعده، فتامل، والله تعالى أعلم. قال: قال أصحابنا: فلو أخلّ بالرمل في الثلاث الأُوَل من السبع لم يأت به في الأربع الأواخر؛ لأن السنة في الأربع الأخيرة المشي على العادة، فلا يُغَيِّره، ولو لم يمكنه الرمل للزحمة أشار في هيئة مشيه إلى صفة الرمل، ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة، وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد، ويرمُل؛ لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة، لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى، والله أعلم. قال: واتفق العلماء على أن الرمل لا يُشْرَع للنساء، كما لا يُشْرَع لهنّ

стр. 13872

شدة السعي بين الصفا والمروة، ولو ترك الرجل الرمل حيث شُرع له، فهو تارك سنة، ولا شيء عليه، قال: هذا مذهبنا، واختَلَف أصحاب مالك، فقال بعضهم: عليه دمٌ، وقال بعضهم: لا دم كمذهبنا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). (وَمَشَى)؛ أي: بالسكون والهيئة (أَرْبَعًا)؛ أي: أربع مرّات من الطواف. (وَكَانَ) ﷺ (يَسْعَى)؛ أي: يُسرع، ويَشتدّ عَدْوًا، قاله القاري. (واعلم): أن السعي في كلامهم يُطْلَق على معنيين: الأول: المشي بين الصفا والمروة، وهو المذكور في كلامهم؛ إذا أطلقوا السعي بين الصفا والمروة. والثاني: شِدّة المشي بين الميلين الأخضرين، وهو المراد في هذا الحديث، وهو مندوب وسنة عند الجمهور، منهم الحنفية، والشافعيّة، وهو المرجح عند المالكية (٢). (بِبَطْنِ الْمَسِيلِ) أي المكان الذي يجتمع فيه السيل، قال في "الفتح": المراد ببطن المسيل الوادي؛ لأنه موضع السيل، وقال القاري: بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة: اسم موضع بين الصفا والمروة، وجعل علامته بالأميال الْخُضْر. انتهى، والميلان الأخضران هما العَلمان، أحدهما بركن المسجد، والآخر بالموضع المعروف بدار العباس، وقد أزيلت الدار للتوسعة من قديم الزمان، وفي الوقت الحاضر جعلت المملكة السعوديّة نورين أخضرين معلّقين ببداية مكان الوادي ونهايته. (إِذَا طَافَ)؛ أي: سعى (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) قال النوويّ ﵀: هذا مجمع على استحبابه، وهو أنه إذا سعى بين الصفا والمروة استُحِبّ أن يكون سعيه شديدًا في بطن المسيل، وهو قَدْرٌ معروف، وهو مِن قَبْل وصوله إلى الميل الأخضر المعلَّق بفناء المسجد، إلى أن يحاذى الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد، ودار العباس. انتهى (٣). (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي ما ذُكر من الرمل في الثلاثة الأول، والمشي في الأربع، في الطواف بالبيت، وكذلك السعي في بطن

стр. 13873

الوادي في الطواف بين الصفا والمروة؛ اقتداءً بالنبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٤٩ و ٣٠٥٠ و ٣٠٥١ و ٣٠٥٢ و ٣٠٥٣] (١٢٦١ و ١٢٦٢)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٠٣ و ١٦٠٤ و ١٦١٧ و ١٦٤٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٩١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٩ و ٢٣٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و ٣٠ و ٤٠ و ٥٩ و ٧١ و ٧٥ و ٩٨ و ١٠٠ و ١١٤ و ١٢٣ و ١٥٥ و ١٥٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧١٠ و ٢٧٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الرمل في الطواف بالبيت. ٢ - (ومنها): بيان أن الرمَل إنما يُشرَع في طواف القدوم؛ لأنه الطواف الأول، وهو الذي عليه الجمهور، قال أصحاب الشافعي: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل، قال النووي: بلا خلاف، ولا يشرع أيضًا في كل طوافات الحج، بل إنما يشرع في واحد منها، وفيه قولان، تقدّم بيانهما قريبًا. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن السنة أن يرمُل في الثلاثة الأُوَل من أول طواف يطوفه القادم إلى مكة، سواء كان عمرةً، أو طواف قدوم في حجّ، ويمشي على عادته في الأشواط الأربعة الباقية، ولا يرمُل فيها، وإن ترك الرمل في الأشواط الأُوَل لم يقضه في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دم على الأظهر؛ لعدم الدليل، خلافًا لمن أوجب فيه الدم. قال في "الفتح": لا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه

стр. 13874

في الأربع؛ لأن هيأتها السكينة فلا تغير، ويختص بالرجال، فلا رمل على النساء، ويختص بطواف يعقبه سعي على المشهور (١)، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف في ذلك المالكية. قال الشوكانيّ ﵀: وقد روي عن مالك ﵀ أن عليه دمًا ولا دليل على ذلك، ثم قال: يؤيده أنهم اقتصروا عند مراءاة المشركين على الإسراع إذا مروا من جهة الركنين الشاميين؛ لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية يعني ناحية الحجر، فإذا مروا بين الركنين اليمانيين مشوا على هيأتهم كما هو مبيّن في حديث ابن عباس ﵄ عند الشيخين، ولما رَمَلُوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة فكانت سنة مستقلة. وقال الطبريّ ﵀: قد ثبت أن الشارع سَعَى ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعُلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل، بل لهيأة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية، بل لصفتها، ولا شيء عليه. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قيل: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها بحيث يدور معها المعلَّل بها وجودًا وعدمًا؟. [فالجواب]: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم، حيث كَثَّرهم، وقوّاهم بعد القلّة والضعف، كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية [الأنفال: ٢٦]، وقال تعالى عن نبيّه شعيب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٨٦]، وصيغة الأمر في قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾ في الآيتين تدلّ على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذاً فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكّر نعمة الله بالقوّة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة.

стр. 13875

ومما يؤيده أن رسول الله ﷺ رَمَلَ في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يمكن بعد ذلك تركه لزوالها. قال الحافظ ﵀: إن عمر ﵁ كان هَمّ بترك الرمل في الطواف؛ لأنه عرف سببه، وقد انقضى، فَهَمّ أن يتركه؛ لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك؛ لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطّلَع عليها، فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى. وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكّر السبب الباعث على ذلك، فيتذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله. انتهى (١). وقال الشاه ولي الله الدهلويّ ﵀: إن مشروعية الرمل، والاضطباع في الطواف؛ لمعان: منها: ما ذكره ابن عباس ﵄ من إخافة قلوب المشركين، وإظهار صولة المسلمين، وكان أهل مكة يقولون: وَهَنَتهم حُمَّى يَثْرِب، فهو فعل من أفعال الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله، وأنه لم يزده السفر الشاسع، والتعب العظيم إلا شوقًا ورغبةً، كما قال الشاعر [من البسيط]: إَذَا اشْتَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ وَاعَدَهَا … رَوْحُ الْوِصَالِ فَتَحْيَى عِنْدَ مِيعَادِ (٢) ٥ - (ومنها): بيان الإسراع في السعي في الطواف بين الصفا والمروة. قال العلامة ابن قدامة ﵀: إن الرمل في بطن الوادي سنة مستحبة؛ لأن النبيّ ﷺ سَعَى، وسَعَى أصحابه ﵃، فرَوَت صفية بنت شيبة، عن أم ولد شيبة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة، ويقول: "لا يُقْطَع الأبطح إلا شدًّا"، رواه النسائيّ وابن ماجه (٣). وليس ذلك بواجب، ولا شيء على تاركه، فإن ابن عمر ﵄ قال: إن أسع بين الصفا والمروة، فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وأنا شيخ كبير. رواه أبو داود، وابن ماجه (٤). ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه، فبين الصفا والمروة أولى. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀.

стр. 13876

وكذلك عند الحنفية والمالكية كما صرح به في فروعهم، قاله في "المرعاة" (١). ٦ - (ومنها): أنه قيل في وجه مشروعية السعي الشديد، والجري في بطن الوادي: ما رواه البخاريّ عن ابن عباس ﵄، ومحصله: أن هاجر لما تركها إبراهيم ﵇ عند البيت عند دَوْحَة فوق زمزم، في أعلى المسجد، عَطِشَت، وعَطِش ابنها حين نَفِد ما في السقاء من الماء، وانقطع دَرّها، واشتد جوعهما، حتى نظرت إلى ابنها يتشحّط، ويَتَلَوَّى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فقامت على الصفا، وهو أقرب جبل يليها، ثم استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهَبَطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس ﵄: قال النبيّ ﷺ : فلذلك سعى الناس بينهما، فجُعِل ذلك نسكًا؛ إظهارًا لشرفهما، وتفخيمًا لأمرهما. قال الشاه ولي الله الدهلوي ﵀: السر في السعي بين الصفا والمروة، على ما ورد في الحديث أن هاجر أم إسماعيل؛ لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود، فكشف الله عنهما الجهد بإبداء زمزم، وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده، ومن تبعهم، وتذكُّر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيميّتهم، وتدلّهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم، فيه تذلل عند أول دخولهم مكة، وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال. انتهى. وروى أحمد عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵇ لما أُمِر بالمناسك عَرَض الشيطان له عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم. وقبل: إنما سعى نبينا ﷺ ؛ إظهارًا للجَلَد والقوّة للمشركين الناظرين إليه

стр. 13877

في الوادي، وهذا كان في عمرة القضاء، ثم بقي بعده كالرمل في الطواف؛ إذ لم يبق في حجة الوداع مشرك بمكة (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِيٍ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاَثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزبرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩. ٢ - (حَاتِمُ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (كَانَ إِذَا طَافَ في الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ) وفي رواية البخاريّ: "في الحجّ أو العمرة" بـ "أو"، والظاهر أنها للتنويع، لا للشكّ. وقوله: (أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ) بنصب "أوّلَ" على الظرفيّة لـ"طاف". وقوله: (فَإِنَّهُ يَسْعَى) المراد بالسعي الرَّمَل، كما في الروايات الأخرى. وقوله: (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ)؛ أي: أشواط، ونصبه على أنه مفعول فيه. وقوله: (ثُمَّ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ)؛ أي: يصلي ركعتين للطواف، وعبّر بالمضارع في "يُصلّي"، وفي "يَقْدَم"، و"يطوف" استحضارًا لتلك الحال. وقوله: (ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)؛ أي: يسعى بينهما. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث

стр. 13878

الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢. و"عبد الله بن عمر ﵄" ذُكر قبله. وقوله: (حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ) متعلّق بـ "رأيتُ"، وهو بفتح الدال، كما مرّ غير مرّة. وقوله: (إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ) أي الركن الذي فيه الحجر الأسود، والمراد استلام الحجر نفسه. قال النوويّ ﵀: فيه استحباب استلام الحجر الأسود في ابتداء الطواف، وهو سنة، من سنن الطواف، بلا خلاف، وقد استَدَلّ به القاضي أبو الطيب من أصحابنا في قوله: إنه يستحب أن يستلم الحجر الأسود، وأن يستلم معه الركن الذي هو فيه، فيجمع في استلامه بين الحجر والركن جميعًا، واقتصر جمهور أصحابنا على أنه يستلم الحجر.

стр. 13879

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الحقّ؛ لأن الأحاديث الكثيرة بيّنت أن الاستلام للحجر الأسود، وأما بقيّة الركن فلا دليل على استلامه، ولا ينافي هذا استحباب الركن اليمانيّ؛ لأنه بدليل آخر، فتنبّه. قال: وأما الاستلام فهو المسح باليد عليه، وهو مأخوذ من السِّلام، بكسر السين، وهي الحجارة، وقيل: من السَّلام بفتح السين الذي هو التحيّة. انتهى (١). وقوله: (أَوَّلَ مَا يَطُوفُ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "استَلَم". وقوله: (حِينَ يَقْدَمُ) متعلّق بـ "يطوف". وقوله: (يَخُبُّ) بفتح أوله، وضمّ الخاء المعجمة، بعدها موحّدة: أي يُسرع في مشيه، وقد تقدّم ضبط الْخَبَب، ومعناه. وقوله: (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ) بفتح أوله؛ أي: الطوفات السبع، وظاهره أن الرمل يستوعب الطوفة، فهو مغاير لحديث ابن عبّاس الآتي بعده؛ لأنه صريح في عدم الاستيعاب، وسيأتي القول فيه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٢] (١٢٦٢) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح بن عُمير الأمويّ مولاهم، يقال له: الْجُعفيّ نسبةً إلى خالة

стр. 13880

حسين بن عليّ الجعفيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مُشْكُدانة (١)، صدوقٌ فيه تشيّعٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (م د س) تقدم في "صلاة الاستسقاء" ٥/ ٢٠٨٨. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الْحَنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ جوادٌ مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير كلها [٨] (ت ١٨١) وله (٦٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) الرّمَل -بفتح الراء والميم- في الاسم، والفعل الماضي: سرعة المشي، مع تقارب في الخطو، والخبب هو الإسراع في المشي، مع هَزّ المنكبين، دون وثب، هكذا فسره أكثر المفسرين، وقال بعضهم: الخبب هو وثب في المشي مع هزّ المنكبين، والهرولة ما بين المشي والعدو، والسعي يقع على الجميع، فلهذا يقال: سَعْيٌ خفيفٌ، وسَعْيٌ شديدٌ، فيُحْمَل السعي المذكور في الحديث المتقدم على الرمل والخبب جمعًا بينهما، هكذا ذكره الطبريّ. (مِنَ الْحَجَرِ)؛ أي: الأسود (إِلَى الْحَجَرِ) هذا نصّ في استيعاب الرمل لجميع الطَّوْفة؛ يعني في مشروعية الرمل في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وحديثُ ابن عباس ﵄ المروي في بيان سبب الرمل الآتي نصّ في عدم الاستيعاب، فمانهم مشوا ما بين الركنين اليمانيين. ويُجمع بينهما بأن حديث ابن عباس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء، في ذي القعدة سنة سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع سنة عشر، فهو ناسخ لحديث ابن عباس ﵄، وقيل: إن الرمل سنة، فعَذَرهم النبيّ ﷺ في عمرة القضاء في استيعاب الرمل بجميع الطوفة؛ لضعفهم بالحمى، قال الباجيّ ﵀: إن جابرًا ﵁ روى ما عاين عام حجة الوداع، وابن عباس إنما روى عن غيره، فإنه لم يشهد عام القضية؛ لصغره مع أنه يَحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ ترك رمل

стр. 13881

ما بين الركنين، وإن كان مشروعًا لحاجته إلى الإبقاء على أصحابه، فلما ارتفعت هذه العلة لزم استدامة الرمل المشروع. انتهى. وقال ابن قُدامة ﵀: الرمل سنة في الأشواط الثلاثة بكمالها، يرمُل من الحجر إلى أن يعود إليه، لا يمشي في شيء منها، رُوي ذلك عن عمر، وابنه، وابن مسعود، وابن الزبير، وبه قال عروة، والنخعيّ، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وقال طاوس، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله: يمشي ما بين الركنين؛ لرواية ابن عباس ﵄. قال: ولنا ما روى ابن عمر أنه ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر، وحديث جابر عند مسلم، قال: "رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف"، وهذا يُقَدَّم على حديث ابن عباس ﵄؛ لوجوه: [الأول]: أنه مُثبِتٌ. [والثاني]: أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية، وهذا إخبار عن حجة الوداع، فيكون متأخرًا، ويجب العمل به. [والثالث]: أن ابن عباس كان في تلك الحال صغيرًا. [والرابع]: أن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا، ولو علموا من النبيّ ﷺ ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره. ويَحْتَمِل أن ما رواه ابن عباس يختص بالذين كانوا في عمرة القضية؛ لضعفهم والإبقاء عليهم، وما رويناه سنة في سائر الناس. انتهى. ويظهر من كلام ابن حزم في "المحلى" أنه مال إلى أن الرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني واجب، وفيما بينهما جائز، قاله في "المرعاة" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13882

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدثنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، حَدثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَن ابْنَ عُمَرَ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ). رجال هذا الإسناد: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (سُلَيْمُ (١) بْنُ أَخْضَرَ) البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٨] (ت ١٨٠) (م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٨. والباقون ذُكروا قبله. والحديث تقدّم الكلام فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٤] (١٢٦٣) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ أطْوَافٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبي الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.

стр. 13883

٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، الفقيه، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بالصادق الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق فقيهٌ إمام [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩. ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات ستة بضع و (١١٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄) تقدّم قريبًا. وقوله: (رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ) فيه أن الرمل يبدأ من الحجر الأسود وينتهي إليه، فلا تحصل السنّة إلا باستيعاب جميع الجهات، فتنبّه. قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في "الاستذكار": لا أعلم خلافًا أن الرمل -وهو الحركة والزيادة في المشي- لا يكون إلا في ثلاثة أطواف من السبعة، في طواف دخول مكة خاصّة للقادم الحاج أو المعتمر. وفي هذا الحديث دليل على أن الطائف يبتدئ طوافه من الحجر، وهذا ما لا خلاف فيه أيضًا. وروى ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يَقدَم مكة يستلم الركن أول ما يطوف. قال أبو عمر: إذا بدأ من الحجر مضى على يمينه، وجعل البيت عن يساره، وذلك أن الداخل من باب بني شيبة أو غيره أول ما يبتدئ به أن يأتي الحجر، يقصده، فيقبّله، إن استطاع، أو يمسحه بيمينه، ويقبّلها بعد أن يضعها عليه، فإن لم يقدر قام بحذائه فكبّر، ثم أخذ في طوافه، ثم يمضي على يمينه، كما وصفت لك على باب الكعبة، إلى الركن الذي لا يُستلَم، ثم الذي يليه مثله، ثم الركن الثالث، وهو اليماني الذي يُستَلَم، وهو يلي الأسود، ثم إلى ركن الحجر الأسود.

стр. 13884

هذا حكم كل طواف واجب، وغير واجب، وهذه طوفة واحدة، يفعل ذلك ثلاثة أطواف، يرمل فيها، ثم أربعة مثلها لا يرمل فيها؛ إذا كان هذا كله في طواف الدخول. وهذا كله إجماع من العلماء، أنه من فعل هكذا فقد فعل ما ينبغي، فإن لم يطف كما وصفنا، وجعل البيت عن يمينه، ومضى من الركن الأسود على يساره، فقد نكَّس طوافه، ولم يجزه ذلك الطواف عندنا. واختلف الفقهاء فيمن طاف الطواف الواجب منكوسًا، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما: لا يجزئه الطواف منكوسًا، وعليه أن ينصرف من بلاده فيطوف؛ لأنه كمن لم يطف، وهو قول الحميديّ، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يعيد الطواف ما دام بمكة، فإذا بلغ الكوفة، أو أبعد كان عليه دم ويجزئه. وكلهم يقول: إذا كان بمكة أعاد، وكذلك القول عند مالك، والشافعيّ، فيمن نسي شوطًا واحدًا من الطواف أنه لا يجزئه، وعليه أن يرجع من بلاده على بقية إحرامه، فيطوف. وقال أبو حنيفة: إن بلغ بلده لم ينصرف، وكان عليه دم. قال أبو عمر: حجة من لم يجز الطواف منكوسًا أن رسول الله ﷺ استلم الركن في أول طوافه، وأخذ عن يمينه، وجعل البيت عن يساره، وقال: "خذوا عني مناسككم"، فمن خالف فعله فليس بطائف، وفعله مردود عليه؛ لقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو ردٌّ". وحجة أبي حنيفة أنه طواف قد حصل بالبيت سبعًا، ولم يأت به على سنته، فيجبر بالدم إذا رجع إلى بلده، أو أبعد؛ لأن سنن الحج تجبر بالدم. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، ومن قال بقوله: من أن الطواف المنكوس لا يُجزئ، هو الحق؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال أبو عمر ﵀: وأما الرمل: فهو المشي خَبَبًا يشتدّ فيه، دون الهرولة، وهيئته أن يُحَرِّك الماشي منكبيه؛ لشدة الحركة في مشيه، هذا حكم

стр. 13885

الثلاثة الأشواط في الطواف بالبيت، طواف دخول لا غيره، وأما الأربعة الأشواط تتمة السبعة، فحكمها المشي المعهود. هذا أمر مجتمع عليه أن الرمل، لا يكون إلا في ثلاثة أطواف، من طواف الدخول للحاجّ والمعتمر، دون طواف الإفاضة وغيره. إلا أن العلماء اختلفوا في الرمل، هل هو سنة من سنن الحج، لا يجوز تركها، أم ليس بسنة واجبة؛ لأنه كان لعلة ذهبت، وزالت، فمن شاء فعليه اختيارًا. فرُوي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر. وهو قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه: إن الرمل سنة لكل قادم مكة حاجًّا، أو معتمرًا في الثلاثة الأطواف الأول، وقال آخرون: ليس الرمل بسنة، ومن شاء فعله، ومن شاء لم يفعله. روي ذلك عن جماعة من التابعين، منهم عطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وسالم، والقاسم، وسعيد بن جبير، وهو الأشهر عن ابن عباس، وقد روي عنه مثل قول عمر، ومن تابعه. وحجة من لم ير الرمل سنة حديث أبي الطفيل، عن ابن عباس الآتي عند مسلم بعد هذا. قال أبو عمر: وجمهور العلماء على أن الرمل من الحجر إلى الحجر، على ما في حديث جابر في الأشواط الثلاثة. قال: على هذا جماعة العلماء بالحجاز، والعراق، من أئمة الفتوى وأتباعهم، وهم الحجة على من شذّ عنهم. قال: وأجمعوا أنه ليس على النساء رمل في طوافهن بالبيت، ولا هرولة في سعيهن بين الصفا والمروة، وكذلك أجمعوا على أن لا رمل على من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها، وهم المتمتعون؛ لأنهم قد رملوا في حين دخولهم حين طافوا للقدوم. واختلفوا في أهل مكة إذا حجوا: هل عليهم رمل أم لا؟ فكان ابن عمر لا يرى عليهم رملًا إذا طافوا بالبيت.

стр. 13886

وقال ابن وهب: كان مالك يستحب لمن حج من مكة أن يرمل حول البيت. وقال الشافعيّ: كل طواف قبل عرفة، ويوصل بينه وبين السعي، فإنه يرمل فيه، وكذلك العمرة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثَلاثَةَ أَطْوَافٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ المعتمدة، وفي نادر منها: "الثلاثة الأطواف"، وفي أندر منه: "ثلاثة أطواف"، فأما "ثلاثة أطواف"، فلا شك في جوازه، وفصاحته، وأما الثلاثة الأطواف بالألف واللام فيهما، ففيه خلاف مشهور بين النحويين، منعه البصريون، وجوّزه الكوفيون، وأما "الثلاثة أطواف" بتعريف الأول، وتنكير الثاني، كما وقع في معظم النسخ، فمنعه جمهور النحويين، وهذا الحديث يدلّ لمن جوّزه، وقد سبق مثله في رواية سهل بن سعد، في صفة منبر النبيّ ﷺ قال: "فعَمِلَ هذه الثلاث درجات"، وقد رواه مسلم هكذا في "كتاب الصلاة"، وقد سبق التنبيه عليه. انتهى (٢). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٥٤ و ٣٠٥٥] (١٢٦٣)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٥٦ و ٨٥٧)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٨ و ٢٣٠ و ٢٣٦) و"الكبرى" (٢/ ٤٠٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥١)، و (مالك) في "الموطإ" (١/ ٣٦٤)، و (أحمد) في " مسنده" (٣/ ٣٤٠ و ٣٧٣ و ٣٨٨ و ٣٩٤ و ٣٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٠٩ و ٢٧١٧ و ٢٧١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، و (أبو

стр. 13887

يعلى) في "مسنده" (٣/ ٣٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ، مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وقد ذُكروا في الباب، و"ابن جريج" تقدّم قبل بابين. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث عنه في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٦] (١٢٦٤) - (حَدَّثنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا، قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ).

стр. 13888

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية الجريريّ، وهو ممن اختلط قبل موته بثلاث سنين، وعبد الواحد بن زياد ممن روى عنه بعد اختلاطه، وقد ذكر له متابعًا، وهو يزيد بن هارون في السند التالي، وهو أيضًا ممن روى بعد اختلاطه؟. [قلت]: لم ينفرد عبد الواحد، ويزيد بن هارون بالرواية عنه، بل تابعهما عبد الوارث بن سعيد، فرواه عنه، عند أبي نعيم في "مستخرجه" (١)، وعبد الوارث ممن روى عن الجريريّ قبل اختلاطه. وأيضًا فقد أورده المصنّف من رواية غير الجريريّ، عن أبي الطُّفيل، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن أبي الطفيل في الرواية الثالثة، فصحّ الحديث دون شكّ وريب، ولله الحمد والمنّة. ٣ - (أَبُو الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثيّ، وُلد عام أُحد، ورأى النبيّ ﷺ ، وروى عن أبي بكر، ومن بعده، وعُمّر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٧/ ١٦٣١. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، تقدّم قبل بابين. و"أبو كامل" ذُكر قبل حديثين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فعلّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها)؛ أنه مسلسل بالبصريين.

стр. 13889

٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ﵄. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة ﵁، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَرَأَيْتَ)؛ أي أخبرني (هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِن قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ) أبو الطفيل (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (صَدَقُوا، وَكَذَبُوا) قال القرطبيّ ﵀: يعني: أنهم أصابوا من وجه، وغَلِطوا من وجه، فأصابوا من حيث إنهم نسبوه إلى النبيّ ﷺ ، وغَلِطوا من حيث ظنوا أن تلك الأمور راتبة، لازمة؛ وإنما كان ذلك لأسباب نبَّه عليها فيما ذَكَر من الحديث. ويظهر من مساق كلام ابن عباس أنها ليست بسنة راتبة عنده، فارتفعت لارتفاع أسبابها، وهذا لا يمكن أن يُقال في الرَّمل في الطواف والسَّعي؛ إذ قد فعله النبيّ ﷺ مع فقد تلك الأسباب، فينبغي أن يُقال: هو سُنة مطلقًا، كما هو مذهب الجماهير. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: يعني صَدَقوا في أن النبيّ ﷺ فعله، وكَذَبُوا في قولهم: إنه سنة مقصودة، متأكدة؛ لأن النبيّ ﷺ لم يجعله سنة مطلوبةً دائمًا على تكرر السنين، وإنما أمر به تلك السنة؛ لإظهار القوّة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى. هذا معنى كلام ابن عباس ﵄، وهذا الذي قاله من كون الرمل ليس سنةً مقصودةً هو مذهبه، وخالفه جميع العلماء من الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، ومن بعدهم، فقالوا: هو سنة في الطَّوفات الثلاث من السبع، فإن تركه فقد ترك سنةً، وفاتته فضيلةٌ، ويصح طوافه، ولا دم عليه، وقال عبد الله ابن الزبير: يسنّ في الطوفات السبع، وقال الحسن البصريّ، والثوريّ، وعبد الملك بن الماجشون المالكيّ: إذا ترك الرمل لزمه دم، وكان مالك يقول به، ثم رجع عنه. دليل الجمهور أن النبيّ ﷺ رمل في حجة الوداع في الطوفات الثلاث

стр. 13890

الأُوَل، ومشى في الأربع، ثم قال ﷺ بعد ذلك: "لتأخذوا مناسككم عني". انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). (قَالَ) أبو الطفيل (قُلْتُ: مَا) استفهاميّة (قَوْلُكَ) أي ما معنى قولك: (صَدَقُوا، وَكَذَبُوا؟ قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا) ﷺ (وَأَصْحَابَهُ) ﵃ (لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ) بضمّ الهاء، وتخفيف الزاي، بعدها ألف، ثم لام: اسم من الْهُزل، بضم، فسكون: وهو الضعف، ووقع في "شرح النوويّ" بلفظ: "الْهُزْل"، فقال: هكذا هو في معظم النسخ: "الْهُزْل" -بضم الهاء، وإسكان الزاي- وهكذا حكاه القاضي في "المشارق"، وصاحب "المطالع" عن رواية بعضهم، قا لا: وهو وَهَمٌ، والصواب الْهُزَال -بضم الهاء، وزيادة الألف- قال النوويّ: وللأول وجه، وهو أن يكون بفتح الهاء؛ لأن الهزل بالفتح مصدر هَزَلته هَزْلًا، كضربته ضربًا، وتقديره: لا يستطيعون يطوفون؛ لأن الله تعالى هَزَلهم، والله أعلم. انتهى. وقال الفيّوميّ: "هَزَلْتُ الدابّة أَهزِلها، من باب ضرب هُزْلًا، مثلُ قُفْلٍ: أضعفتها بإساءة القيام عليها، والاسم الْهُزَال، وهُزِلت بالبناء للمفعول، فهي مهزولةٌ، فإن ضَعُفت من غير فعل المالك قيل: أهزل الرجلُ بالألف: أي وقع في ماله الْهُزال. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الفيّوميّ أن الْهُزل بالضمّ مصدر، فلا داعي لدعوى الفتح، كما قاله النوويّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. (وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ) أي وكان المشركون يحسدون النبيّ ﷺ ، يقال: حسدته على النعمة، وحسَدته النعمة حَسَداً بفتح السين أكثرُ من سكونها، يتعدّى إلى الثاني بنفسه، وبالحرف: إذا كرهتها عنده، وتمنّيت زوالها عنه، وأما الحسَد على الشجاعة، ونحو ذلك فهو الغِبْطة، وفيه معنى التعجّب، وليس فيه تمنّي زوال ذلك عن المحسود، فإن تمنّاه فهو القسم الأول، وهو حرام،

стр. 13891

والفاعل حاسدٌ، وحَسُودٌ، والجمع حُسّادٌ وحَسَدَة، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (قَالَ) ابن عبّاس (فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب طلب (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث أطوفة (وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، قَالَ) أبو الطفيل (قُلْتُ لَهُ) أي لابن عبّاس ﵄ (أَخْبِرْنِي عَن الطَّوَافِ)؛ أي: السعي (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا) منصوب على الحال (أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا) قال النوويّ ﵀: يعني صدقوا في أنه ﷺ طاف راكبًا، وكذبوا في أن الركوب أفضل، بل المشي أفضل، وإنما ركب النبيّ ﷺ للعذر الذي ذكره، قال: وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄ مجمع عليه، أجمعوا على أن الركوب في السعي بين الصفا والمروة جائز، وأن المشي أفضل منه، إلا لعذر. انتهى (٢). (قَالَ) أبو الطفيل (قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا؟ قَالَ) ابن عبّاس (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ) بضمّ الثاء المثلّثة (عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ) أي لكونه غاب عن مكة سنين عديدةً، فاستغربوا رؤيتهم له في ذلك المكان (حَتى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ) جمع عاتق، وهي البكر البالغة، أو المقاربة للبلوغ، وقيل: التي تتزوج، سُمّيت بذلك؛ لأنها عَتَقَت من استخدام أبويها، وابتذالها في الخروج، والتصرف التي تفعله الطفلة الصغيرة، وقد سبق بيان هذا في صلاة العيد، قاله النوويّ ﵀ (٣). وقوله: (مِنَ الْبُيُوتِ) متعلّقٌ بـ "خرج" (قَالَ) ابن عبّاس (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ) بالبناء للمفعول (النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ)؛ أي كما يُضرب بين يدي الرؤساء والجبابرة (فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ)؛ أي على الأقدام (وَالسَّعْيُ)؛ أي بين الميلين الأخضرين (أَفْضَلُ) من الركوب؛ لأنه يمنع من سنّة السعي بينهما، وهذا الذي قاله ابن عبّاس ﵄ هنا هو الحقّ، كما أشار إليه النوويّ في كلامه المذكور آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13892

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٥٦ و ٣٠٥٧ و ٣٠٥٨] (١٢٦٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٨٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٥١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥١١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٦٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧١٩ و ٢٧٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٥ و ٣٦٦)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٢/ ١٧٩ و ١٨٠)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٦٠ و ١٨١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٦٢٦ و ١٠٦٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ قَوْمَ حَسَدٍ (١)، وَلَمْ يَقُلْ: يَحْسُدُونَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَزِيدُ) بن هارون السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥. و"الْجُريريّ" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن الجريريّ هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ٨١) فقال:

стр. 13893

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن المثنى، ثنا يزيد بن هارون، ثنا الجريريّ، عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: إن قومك يزعمون أن رسول الله ﷺ قد رمل، وأنها سنّة، قال: صَدَقُوا، وكَذَبُوا، قلت: ما صدقوا، وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قَدِم، والمشركون على قُعَيقِعان، وكان أهل مكة قَومَ حَسَدٍ، فجعلوا يتحدثون بينهم، أن أصحاب رسول الله ﷺ ضعفاء، فقال رسول الله ﷺ : أَرُوهم منكم ما يَكرَهون، فرَمَل رسول الله ﷺ ؛ لِيُرِي المشركين قوّته، وقوّة أصحابه، وليست بسنّة، قال: قلت: إن قومك يزعمون أن رسول الله ﷺ ركب بين الصفا والمروة، وأنها سنّة، قال: صدقوا، وكذبوا، قال: قلت: ما صدقوا، وكذبوا؟ قال: قَدِم رسول الله ﷺ مكة، وكان أهل مكة قَوْمَ حَسَدٍ، فخرجوا حتى خرجت العواتق، ينظرون إلى رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ لا يُدَعُّون عنه، قال يزيد: يعني لا يدفعون عنه، فركب، وكان المشي أحبّ إليه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا، وَكَذَبُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النوفليّ المكيّ، وأمه أمّ عبد الله بنت أبي سَرْوَعة، ثقةٌ عالم بالمناسك [٥].

стр. 13894

رَوَى عن أبي الطفيل، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وشهر بن حَوْشَب، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وابن إسحاق، والليث، ومالك، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وعبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، وشعيب بن أبي حمزة، والسفيانان، وغيرهم. قال أحمد، والنسائيّ، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن عبد البر: ثقة عند الجميع، فقيه، عالم بالمناسك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٢٦٤) و (١٥٥٩) و (١٨٦٤) و (٢٢٧٣). والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه مختصرة، وقد بيّن أبو عوانة أن سفيان سمعها من شيخه هكذا مختصرة، ولفظه بعد إخراج الحديث بنحو لفظ المصنّف: قال سفيان: لم يزدني ابن أبي حسين على هذا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٥٩] (١٢٦٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْأَبْجَرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أُرَانِي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَصِفْهُ لِي، قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى نَاقَةٍ، وَقَدْ كَثُرَ النَّاسِ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَاكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ، وَلَا يُكْرَهُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 13895

٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَبْجَرِ) هو: عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٢. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة أنه (قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أُرَانِي) بضمّ الهمزة: أي أظنّني (قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ) ابن عبّاس (فَصِفْهُ) أي رسول الله ﷺ الذي رأيته (لِي، قَالَ) أبو الطفيل (قُلْتُ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى نَاقَةٍ) أي راكبًا عليها (وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ) أي أحاطوا به ﷺ ؛ ليتعلّموا مناسكهم عنه، ولما تقدّم في الحديث السابق، من أن أهل مكة خرجوا ليروه حتى خرجت العواتق (قَالَ) أبو الطفيل (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (ذَاكَ) أي الذي رأيته راكبًا على ناقته عند المروة (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) ثم ذكر سبب ركوبه ﷺ في ذلك المكان، بقوله: (إِنَّهُمْ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في موضع الاستئناف، فالجملة تعليليّة لما قبلها، ويَحْتَمِل أن تكون بالفتح على تقدير حرف الجرّ؛ أي لأنهم (كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ) بضم الياء، وفتح الدال، وضم العين المشدّدة: أي لا يدفعون، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾. وقوله: (وَلَا يُكْرَهُونَ) وقع في بعض الأصول من "صحيح مسلم": "ئكرَهُون"، من الإكراه، وفي بعضها: "يُكْهَرون" بتقديم الهاء، من الكَهْر، وهو الانتهار، قال القاضي عياض ﵀: هذا أصوب، وقال: وهو رواية الفارسيّ، والأول رواية ابن ماهان، والعذريّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف.

стр. 13896

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٦٠] (١٢٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٥)، و (الضياء) في "المختارة" (٨/ ٢٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦٠] (١٢٦٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ، قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ (١) جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و"أبو الربيع": هو سليمان بن داود العتكيّ، و"أيوب": هو السختيانيّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى سعيد بن جبير، فكوفيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ الحبر

стр. 13897

البحر، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ) بتخفيف الهاء، وتشديدها، ويقال: أوهن بالهمز: أي أضعفهتم، قال الفراء وغيره: يقال: وَهَنته الحمى وغيرها، وأوهنته لغتان (حُمَّى يَثْرِبَ) "حُمّى" فُعلَى غير منصرف لألف التأنيث، والجمعُ حُمّيات، وأحمّه الله بالألف من الْحُمّى، فحُمّ هو بالبناء للمفعول، وهو محمومٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). و"يَثْرِب" -بفتح الياء التحتيّة، وسكون الثاء المثلّثة، وكسر الراء، آخره باء موحّدة- غير منصرف: اسم مدينة النبيّ ﷺ في الجاهليّة، نهى النبيّ ﷺ عن تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين (٢). وقال النوويّ ﵀: وأما "يثرِب" فهو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية، وسُمِّيت في الإسلام المدينة، فطيبة، فطابة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾، ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، وسيأتي بسط ذلك في آخر "كتاب الحج" حيث ذكر مسلم أحاديث المدينة، وتسميتها -إن شاء الله تعالى- انتهى (٣). (قَالَ الْمُشْرِكونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ) بفتح أوله، وثالثه، كما تقدّم قريبًا (عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ، قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً) وفي رواية النسائيّ: "شرًّا" بدل "شدّة" (فَجَلَسُوا) أي المشركون (مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ) "من" بمعنى "في"؛ أي في الجهة التي تلي الحِجر، وهو بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: حَطِيم مكة، وهو الْمُدار بالبيت من جهة الميزاب (٤). وفي رواية النسائيّ: (وَكَانَ الْمُشْرِكونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ)، وفي رواية للبخاريّ: "لما قَدِم النبيّ ﷺ لعامه الذي استَأمن، قال: ارمُلوا؛ ليرى المشركون قوّتكم، والمشركون من قبل قُعَيقعان"، والمراد أن من كان هناك،

стр. 13898

يُشرف على الركنين الشاميين، ومن كان به لا يرى من بين الركنين اليمانيين. (وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأمر أصحابه" (أَنْ يَرْمُلُوا) بضم الميم، من باب نصر، وهو في موضع المفعول الثاني لـ"أمرهم"، يقال: أمرته كذا، وأمرته بكذا؛ يعني أمرهم بأن يُسْرِعوا ما بين الركنين: الشاميّ والعراقيّ (ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ) -بفتح الهمزة، بعدها معجمة، جمع شوط، بفتح، فسكون: وهو الجري مرّة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة. وقال النوويّ ﵀: هذا تصريح بجواز تسمية الرمل شَوْطًا، وقد نَقَل أصحابنا أن مجاهدًا، والشافعيّ كَرِها تسميته شوطًا، أو دَوْرًا، بل يسمى طَوْفةً، وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميته شوطًا، فالصحيح أنه لا كراهة فيه. انتهى (١). (وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أي اليمانين، وعند أبي داود من وجه آخر: "وكانوا إذا تَوَارَوْا عن قريش بين الركنين مشَوْا، وإذا طلعوا عليهم رَمَلُوا". (لِيَرَى) بالبناء للفاعل، من الرؤية، وهو الإبصار، وقوله: (الْمُشْرِكُونَ) مرفوع على الفاعليّة (جَلَدَهُمْ) -بفتحتين- أي: قوّتهم، منصوب على المفعوليّة، وفي بعض النسخ: "لِيُري المشركين"، بضمّ حرف المضارعة، من الإراءة، وعليه فـ "المشركين" منصوب على أنه المفعول الأول، و"جلَدهم" هو المفعول الثاني (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) لما رأوا رَمَل الصحابة ﵃ (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ)؛ أي: أضعفتهم (هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا) "أجلد" اسم تفضيل من الْجَلَد، وهو القوّة؛ أي أقوى، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: فكان ذلك ضربًا من الجهاد، قال: وعلّته في حقّنا تذكّر نعمة الله تعالى على نبيّه ﷺ بالعزّة بعد الذلّة، وبالقوّة بعد الضعف، حتى بلغ عسكره ﷺ سبعين ألفًا. انتهى. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَلَمْ يَمْنَعْهُ)؛ أي النبيّ ﷺ (أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) -بكسر الهمزة، وبالموحّدة، والقاف-: أي

стр. 13899

الرفق بهم، والشفقة عليهم، والمعنى أنه لم يمنعه ﷺ أن يأمرهم بالرمل في جميع الطوفات إلَّا الرفق بهم، فـ "الإبقاء" بالرفع على أنه فاعل "لم يمنعه"، ويجوز النصب (١)، قاله في "الفتح". وقال القرطبيّ ﵀: روايتنا "الإبقاءُ" بالرفع على أنه فاعل "يمنعه"، ويجوز نصبه على أن يكون مفعولًا من أجله، ويكون في "يمنعه" ضمير عائد على النبيّ ﷺ ، هو فاعله، فتأمله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ضمير عائد على النبيّ ﷺ … إلخ لا يخفى فساد هذا، فليس هنا ضمير يكون فاعلًا عائدًا عليه ﷺ ، بل الضمير البارز المفعول هو العائد على النبيّ ﷺ ، وكذا قول العينىّ بعد أن اعترض هذا الوجه أن الفاعل هو قوله: "أن يأمرهم" باطل أيضًا. وعندي أن في صحة النصب في "الإبقاء" نظر، والظاهر أنه لا يصحّ؛ لأن القرطبيّ قال: روايتنا بالرفع، فإذا لم يصحّ رواية، فلا وجه لهذه التكلفات العاطلة، بل الباطلة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وفي رواية عطاء التالية عن ابن عباس ﵄، قال: إنما سعى رسول الله ﷺ ، ورمل بالبيت ليري المشركين قوّته، ولفظ البخاريّ: "إنما سعى رسول الله ﷺ بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ لِيُرِي المشركين قوّته"، وفيه بيان أن علة السعي بين الصفا والمروة هي علة الرمل في الطواف بالبيت. وروى ابن خزيمة، والفاكهيّ من طريق أبي الطفيل، قال: سألت ابن عباس عن السعي؟ فقال: "لَمّا بعث الله جبريل إلى إبراهيم ﵇ ليريه المناسك، عرض له الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر الله أن يُجيز الوادي، قال ابن عباس: فكانت سنة". وفي "كتاب الأنبياء" من "صحيح البخاري" أن ابتداء ذلك كان من هاجر، وروى الفاكهيّ بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄، قال: "هذا ما أَوْرَثَتكموه أم إسماعيل". ولا تخالف بين هذه الروايات؛ إذ يمكن أن تكون هذه الأشياء سببًا

стр. 13900

للمشروعية، فكانت أم إسماعيل أقدم، ثم إبراهيم ﵇ بعد بناء البيت، ثم النبيّ ﷺ حينما تحدث المشركون بضعفهم، وتأثير الحمى فيهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٦٠] (١٢٦٦)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٠٢ و ١٦٤٩) و"المغازي" (٤٢٥٦ و ٤٢٥٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٨٥ و ١٨٨٦ و ١٨٨٩ و ١٨٩٠)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٨٦٣)، و (النسائي) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٣٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٠ و ٢٩٤ و ٣٠٦ و ٣٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٥)، و (البيهقيّ) (٥/ ٨٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الرمل في الطواف. ٢ - (ومنها): بيان العلة التي شُرع من أجلها الرمل في الطواف، وهو أن يَرَى المشركون الذين قالوا: سَيَقْدَم عليكم قوم وهنتهم حمّى يثرب، قوَّتهم وجلادتهم. ٣ - (ومنها): أن فيه مشروعية إظهار القوّة بالعُدّة، والسلاح، ونحو ذلك للكفّار؛ إرهابًا لهم، ولا يعدّ ذلك من الرياء المذموم. ٤ - (ومنها): جواز المعاريض بالفعل، كما يجوز بالقول، وربّما كانت بالفعل أولى. ٥ - (ومنها): أن في قوله: "الأشواط" جواز تسمية الطوفة شوطًا، وقد تقدّم كراهة بعضهم له، وهذا الحديث ظاهر في الردّ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
следующие страницы →