(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٦٠] (١٢٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٥)، و (الضياء) في "المختارة" (٨/ ٢٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٠] (١٢٦٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ، قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً، فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ (١) جَلَدَهُمْ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و"أبو الربيع": هو سليمان بن داود العتكيّ، و"أيوب": هو السختيانيّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى سعيد بن جبير، فكوفيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ الحبر
стр. 13897
البحر، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ) بتخفيف الهاء، وتشديدها، ويقال: أوهن بالهمز: أي أضعفهتم، قال الفراء وغيره: يقال: وَهَنته الحمى وغيرها، وأوهنته لغتان (حُمَّى يَثْرِبَ) "حُمّى" فُعلَى غير منصرف لألف التأنيث، والجمعُ حُمّيات، وأحمّه الله بالألف من الْحُمّى، فحُمّ هو بالبناء للمفعول، وهو محمومٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
و"يَثْرِب" -بفتح الياء التحتيّة، وسكون الثاء المثلّثة، وكسر الراء، آخره باء موحّدة- غير منصرف: اسم مدينة النبيّ ﷺ في الجاهليّة، نهى النبيّ ﷺ عن تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابن عباس ذلك حكاية لكلام المشركين (٢).
وقال النوويّ ﵀: وأما "يثرِب" فهو الاسم الذي كان للمدينة في الجاهلية، وسُمِّيت في الإسلام المدينة، فطيبة، فطابة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾، ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، وسيأتي بسط ذلك في آخر "كتاب الحج" حيث ذكر مسلم أحاديث المدينة، وتسميتها -إن شاء الله تعالى- انتهى (٣).
(قَالَ الْمُشْرِكونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ) بفتح أوله، وثالثه، كما تقدّم قريبًا (عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ، قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً) وفي رواية النسائيّ: "شرًّا" بدل "شدّة" (فَجَلَسُوا) أي المشركون (مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ) "من" بمعنى "في"؛ أي في الجهة التي تلي الحِجر، وهو بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: حَطِيم مكة، وهو الْمُدار بالبيت من جهة الميزاب (٤).
وفي رواية النسائيّ: (وَكَانَ الْمُشْرِكونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحِجْرِ)، وفي رواية للبخاريّ: "لما قَدِم النبيّ ﷺ لعامه الذي استَأمن، قال: ارمُلوا؛ ليرى المشركون قوّتكم، والمشركون من قبل قُعَيقعان"، والمراد أن من كان هناك،
стр. 13898
يُشرف على الركنين الشاميين، ومن كان به لا يرى من بين الركنين اليمانيين.
(وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأمر أصحابه" (أَنْ يَرْمُلُوا) بضم الميم، من باب نصر، وهو في موضع المفعول الثاني لـ"أمرهم"، يقال: أمرته كذا، وأمرته بكذا؛ يعني أمرهم بأن يُسْرِعوا ما بين الركنين: الشاميّ والعراقيّ (ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ) -بفتح الهمزة، بعدها معجمة، جمع شوط، بفتح، فسكون: وهو الجري مرّة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة.
وقال النوويّ ﵀: هذا تصريح بجواز تسمية الرمل شَوْطًا، وقد نَقَل أصحابنا أن مجاهدًا، والشافعيّ كَرِها تسميته شوطًا، أو دَوْرًا، بل يسمى طَوْفةً، وهذا الحديث ظاهر في أنه لا كراهة في تسميته شوطًا، فالصحيح أنه لا كراهة فيه. انتهى (١).
(وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أي اليمانين، وعند أبي داود من وجه آخر: "وكانوا إذا تَوَارَوْا عن قريش بين الركنين مشَوْا، وإذا طلعوا عليهم رَمَلُوا".
(لِيَرَى) بالبناء للفاعل، من الرؤية، وهو الإبصار، وقوله: (الْمُشْرِكُونَ) مرفوع على الفاعليّة (جَلَدَهُمْ) -بفتحتين- أي: قوّتهم، منصوب على المفعوليّة، وفي بعض النسخ: "لِيُري المشركين"، بضمّ حرف المضارعة، من الإراءة، وعليه فـ "المشركين" منصوب على أنه المفعول الأول، و"جلَدهم" هو المفعول الثاني (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ) لما رأوا رَمَل الصحابة ﵃ (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ)؛ أي: أضعفتهم (هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا) "أجلد" اسم تفضيل من الْجَلَد، وهو القوّة؛ أي أقوى، قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: فكان ذلك ضربًا من الجهاد، قال: وعلّته في حقّنا تذكّر نعمة الله تعالى على نبيّه ﷺ بالعزّة بعد الذلّة، وبالقوّة بعد الضعف، حتى بلغ عسكره ﷺ سبعين ألفًا. انتهى.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَلَمْ يَمْنَعْهُ)؛ أي النبيّ ﷺ (أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) -بكسر الهمزة، وبالموحّدة، والقاف-: أي
стр. 13899
الرفق بهم، والشفقة عليهم، والمعنى أنه لم يمنعه ﷺ أن يأمرهم بالرمل في جميع الطوفات إلَّا الرفق بهم، فـ "الإبقاء" بالرفع على أنه فاعل "لم يمنعه"، ويجوز النصب (١)، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ ﵀: روايتنا "الإبقاءُ" بالرفع على أنه فاعل "يمنعه"، ويجوز نصبه على أن يكون مفعولًا من أجله، ويكون في "يمنعه" ضمير عائد على النبيّ ﷺ ، هو فاعله، فتأمله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ضمير عائد على النبيّ ﷺ … إلخ لا يخفى فساد هذا، فليس هنا ضمير يكون فاعلًا عائدًا عليه ﷺ ، بل الضمير البارز المفعول هو العائد على النبيّ ﷺ ، وكذا قول العينىّ بعد أن اعترض هذا الوجه أن الفاعل هو قوله: "أن يأمرهم" باطل أيضًا.
وعندي أن في صحة النصب في "الإبقاء" نظر، والظاهر أنه لا يصحّ؛ لأن القرطبيّ قال: روايتنا بالرفع، فإذا لم يصحّ رواية، فلا وجه لهذه التكلفات العاطلة، بل الباطلة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وفي رواية عطاء التالية عن ابن عباس ﵄، قال: إنما سعى رسول الله ﷺ ، ورمل بالبيت ليري المشركين قوّته، ولفظ البخاريّ: "إنما سعى رسول الله ﷺ بالبيت، وبين الصفا والمروة؛ لِيُرِي المشركين قوّته"، وفيه بيان أن علة السعي بين الصفا والمروة هي علة الرمل في الطواف بالبيت.
وروى ابن خزيمة، والفاكهيّ من طريق أبي الطفيل، قال: سألت ابن عباس عن السعي؟ فقال: "لَمّا بعث الله جبريل إلى إبراهيم ﵇ ليريه المناسك، عرض له الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر الله أن يُجيز الوادي، قال ابن عباس: فكانت سنة".
وفي "كتاب الأنبياء" من "صحيح البخاري" أن ابتداء ذلك كان من هاجر، وروى الفاكهيّ بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄، قال: "هذا ما أَوْرَثَتكموه أم إسماعيل".
ولا تخالف بين هذه الروايات؛ إذ يمكن أن تكون هذه الأشياء سببًا
стр. 13900
للمشروعية، فكانت أم إسماعيل أقدم، ثم إبراهيم ﵇ بعد بناء البيت، ثم النبيّ ﷺ حينما تحدث المشركون بضعفهم، وتأثير الحمى فيهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٦٠] (١٢٦٦)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٠٢ و ١٦٤٩) و"المغازي" (٤٢٥٦ و ٤٢٥٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٨٥ و ١٨٨٦ و ١٨٨٩ و ١٨٩٠)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٨٦٣)، و (النسائي) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٣٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩٠ و ٢٩٤ و ٣٠٦ و ٣٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٥)، و (البيهقيّ) (٥/ ٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الرمل في الطواف.
٢ - (ومنها): بيان العلة التي شُرع من أجلها الرمل في الطواف، وهو أن يَرَى المشركون الذين قالوا: سَيَقْدَم عليكم قوم وهنتهم حمّى يثرب، قوَّتهم وجلادتهم.
٣ - (ومنها): أن فيه مشروعية إظهار القوّة بالعُدّة، والسلاح، ونحو ذلك للكفّار؛ إرهابًا لهم، ولا يعدّ ذلك من الرياء المذموم.
٤ - (ومنها): جواز المعاريض بالفعل، كما يجوز بالقول، وربّما كانت بالفعل أولى.
٥ - (ومنها): أن في قوله: "الأشواط" جواز تسمية الطوفة شوطًا، وقد تقدّم كراهة بعضهم له، وهذا الحديث ظاهر في الردّ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13901
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦١] ( … ) - (وَحَدَّثَنى عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَمَلَ بِالْبَيْتِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
٢ - (وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذكروا في الباب.
وقوله: (إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) المراد بالسعي هنا شدّة المشي.
وقوله: (لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإراءة، فـ "المشركين" هو المفعول الأول، و"قوّته" هو المفعول الثاني، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٣٠٦١] (١٢٦٦)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٤٩) و"المغازي" (٤٢٥٧)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٣/ ٢١٧)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٤٢) و"الكبرى" (٢/ ٤٠٥ و ٤١٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ١٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨١ - ٨٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13902
(٣٧) -) بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ فِي الطَّوَافِ دُونَ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٢] (١٢٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثنَا لَيْثٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قريبًا.
٢ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ) أي يستلم (مِنَ الْبَيْتِ إِلَّاَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) وفي الرواية الأخرى: "لم يكن رسول الله ﷺ يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود، والذي يليه من نحو دُور الْجُمَحِيِّين"، وفي الرواية الأخرى: "لا يستلم إلا الْحَجَر، والركن اليماني"، هذه الروايات كلها متفقةٌ على أن الحجر الأسود، والركن اليماني هما اللذان يستحبّ استلامهما، وأما الركنان الآخران، وهما الشاميّ، والعراقيّ، فلا يُشرع استلامهما، وكذا سائر أجزاء البيت.
وقوله: "الركنين اليمانيين": هما الركن الأسود، والركن اليماني، وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب، كما قيل في الأب والأمّ: الأبوان، وفي الشمس والقمر: القمران، وفي أبي بكر، وعمر ﵄: العمران، وفي الماء والتمر: الأسودان، ونظائره كثيرة.
واليمانِيَان بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصحى المشهورة، وحكى سيبويه،
стр. 13903
والجوهريّ، وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفّف قال: هذه نسبة إلى اليمن، فالألف عوض من إحدى ياءي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شدّدناها لكان جمعًا بين العِوَض والمعوّض، وذلك ممتنع، ومن شدّد قال: الألف في اليماني زائدة، وأصله اليمنيّ، فتبقى الياء مشدّدة، وتكون الألف زائدة، كما زيدت النون في صنعاني، ورقبانيّ، ونظائر ذلك، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "اليمانيّ" نسبة إلى اليمن الإقليم المعروف، سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والقياس في النسبة إليه يمنيّ بدون ألف، وقد سُمع الوجهان، وإذا كان مع الألف ففيه مذهبان:
[أحدهما]: وهو الأشهر: تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل. ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يثقّل لئلا يُجمع بين العوض، والمعوّض عنه.
[والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ بعد النسبة على جواز حذفها. انتهى (٢).
[فائدة]:
[أعلم]: أن للبيت أربعةَ أركان: الركن الأسود، والركن اليماني، ويقال لهما: اليمانيان، كما سبق، وأما الركنان الآخران، فيقال لهما: الشاميان، فالركن الأسود فيه فضيلتان: إحداهما كونه على قواعد إبراهيم ﷺ ، والثانية: كونه فيه الحجر الأسود، وأما اليماني، ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إبراهيم ﵇، وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خُصّ الحجر الأسود بشيئين: الاستلام، والتقبيل؛ للفضيلتين، وأما اليمانيّ، فيستلمه، ولا يقبّله؛ لأن فيه فضيلةً واحدةً، وأما الركنان الآخران، فلا يقبّلان، ولا يستلمان، والله أعلم.
وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق
стр. 13904
الجماهير على أنه لا يَمْسَح الركنين الآخرين، واستحبه بعض السلف، وممن كان يقول باستلامهما: الحسن، والحسين ابنا عليّ، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ﵃.
قال القاضي أبو الطيب ﵀: أجمعت أئمة الأمصار، والفقهاء على أنهما لا يُستلمان، قال: وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة، والتابعين، وانقرض الخلاف، وأجمعوا على أنهما لا يستلمان، ذكره النوويّ ﵀ (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": استنبط بعضهم من مشروعيّة تقبيل الأركان جواز تقبيل كلّ من يستحقّ التعظيم، من آدميّ وغيره، فأما تقبيل يد الآدميّ، فله أدلّة، فلا كلام فيه، وأما تقبيل غيره، فنُقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبيّ ﷺ ، وتقبيل قبره، فلم ير به بأسًا، واستبعد بعض أتباعه صحّة ذلك، ونُقل عن ابن أبي الصيف اليمانيّ أحد علماء مكة من الشافعيّة جواز تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقبور الصالحين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجب غريب من صاحب "الفتح" ينقله، ثم يقرّره، مع أنه بالمكان الرفيع في معرفة النصوص، فكيف هذا؟، فهل كان هذا في عهده ﷺ ، أو كان من عمل الخلفاء الراشدين، أو الصحابة أجمعين، أو من تبعهم بإحسان؟ فهيهات هيهات، وأما ما نسبه إلى الإمام أحمد، فمحلّ شك، كما أشار إليه.
ولقد أجاد العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: في الردّ عليه في تعليقه على "الفتح"، حيث قال: الأحكام التي تنسب إلى الدين لا بدّ من ثبوتها في نصوص الدين، وكل ما لم يكن عليه الأمر في زمن التشريع، وفي نصوص الشرع فهو مردود على من يزعمه، وتقدّم قول الإمام الشافعيّ ﵀: "ولكنا نتبع السنة فعلًا أو تركًا" (٢)، وهو مقتضى قول أمير المؤمنين عمر ﵁ فيما خاطب به الحجر الأسود الآتي في الأحاديث الآتية، وسيأتي قول الحافظ، عن ابن عمر في جوابه لمن ساله عن استلام الحجر: "أمره إذا سمع الحديث أن يأخذ
стр. 13905
به، ويتّقي الرأي"، والخروج عن هذه الطريقة تغيير للدين، وخروج به إلى غير ما أراد الله تعالى. انتهى كلام الشيخ ابن باز ﵀ (١).
ولقد أجاد الشيخ ﵀ في هذا الردّ، والحاصل أن تساهل المتأخّرين في هذه المسألة أدّى إلى إدخال مفسدة عظيمة في الدين، وقد أخبرني من أثق به أنه زار قبر الحسين في مصر، فرأى رجلًا ممن ينتسب إلى العلم سجد أمام القبر، قال: فأنكرت عليه ذلك، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا شيخ أنت تفعل هذا، وزيّك زيّ علماء الأزهر، فماذا يفعل العوامّ إذًا؟، قال: فأنكر عليّ بشدّة، وقال: أنت جاهل إن السجود لله تعالى، وأما قبر الحسين فبمثابة القبلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، قد وصل من ينتسب إلى العلم إلى هذا الحدّ، فما تركوا محل إنكار لما يفعله العوامّ عند القبور، من سجود، أو نذر، أو تمسّح، أو طلب ولد، أو شفاء، أو غير ذلك، فإنه لا يستطيع أحد أن ينكر عليهم؛ لأنهم يحتجّون بمثل هؤلاء علماء السوء، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٣٠٦٢ و ٣٠٦٣ و ٣٠٦٤ و ٣٠٦٥ و ٣٠٦٦] (١٢٦٧ و ١٢٦٨)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٠٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٧٤)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٣٢)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٤٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨٩٣٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٩ و ١٢١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٢٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٣٦٣)، و (الطحاويّ) في
стр. 13906
"شرح معاني الآثار" (٢/ ١٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٦) و"الصغرى" (٤/ ١٥١) و"المعرفة" (٤/ ٥٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٠٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ أبو عمر ﵀: دلّ هذا الحديث على أن رسول الله ﷺ لم يستلم من الأركان إلا ركنين اليماني والأسود، وعلى هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وفقهاء الحجاز، والعراق، من أهل الرأي، والحديث، ولا أعلم في ذلك خلافًا إلا في الطبقة الأولى، من الصحابة ﵃، فإنه رُوي عن جابر بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، والحسن، والحسين، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وروي عن عروة، وأبي الشعثاء مثل ذلك، وروي عنهما خلافه.
واختُلِف عن ابن عباس، ومعاوية في ذلك، فروى شعبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل، قال: قدم معاوية، وابن عباس، فطاف ابن عباس، فاستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ الركنين اليمانيين، وقال ابن عباس: ليس شيء من أركانه مهجورًا.
ورَوَى هذا الخبر عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الطفيل، فقلب القصة فيه، وجعل مكان ابن عباس معاوية، ومكان معاوية ابن عباس.
ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، قال: طاف معاوية بالبيت، ومعه ابن عباس، فكان معاوية يستلم الأركان كلها، فإذا استلم الركنين اللذين في الحجر، فقال له ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يكن يستلم هذين، فقال له معاوية: إنه ليس من البيت شيء مهجور، وجعل ابن عباس يتخافتها كلما استلم، ويقول: إن رسول الله ﷺ لم يستلم هذين، ويقول له معاوية: أن ليس في البيت شيء مهجورٌ.
قال أبو عمر: هذه الرواية أثبت من رواية قتادة؛ لأن مجاهدًا روى عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وأنه أنكر على معاوية استلامه الركنين الآخرين، فلما قال له معاوية: ليس من البيت شيء مهجور، قال له ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
والذي عليه جماعة فقهاء الأمصار، وأهل المعرفة بالآثار، استلام
стр. 13907
الركنين اليمانيين، وذلك لحديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ بذلك، وهو حديثٌ لا مطعن لأحد فيه، رواه عن ابن عمر: سالم، ونافع، وعبيد بن جريج، ويوسف بن ماهك، وغيرهم.
والركنان اللذان لا يُستلمان هما: الركن الشاميّ الذي يلي الركن الأسود، والركن الغربيّ الذي يقابل اليمانيّ، وهما اللذان يليان الْحِجْر، وقد نَهَى عمر بن الخطاب يعلى بن أمية عن استلام الركنين الغربيين، وهما هذان المذكوران، وقال عمر ليعلى: لنا في رسول الله أسوة حسنة.
فحصلت الرواية في ذلك، عن النبيّ ﷺ من حديث ابن عمر، وعبد الله بن عباس، ولا حجة في قول أحد مع السنة الثابتة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، وَالَّذِي يَلِيهِ، مِنْ نَحْوِ دُورِ الْجُمَحِيِّينَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (مِنْ نَحْوِ دُورِ الْجُمَحِيِّينَ) "الدّور" بالضمّ: جمع دار، و"الْجُمَحيين" بضمّ الجيم، وفتح الميم، بعدها حاء مهملة: نسبة إلى بني جُمَح، بطن من قُريش، وهو جُمَح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر، قاله في "الأنساب"، و"اللباب" (٢).
стр. 13908
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا (١) خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله.
وقوله: (كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ) أي الأسود، قال النوويّ ﵀: يحتجّ به الجمهور في أنه يَقْتَصِر بالاستلام في الحجر الأسود عليه، دون الركن الذي هو فيه، وقد سبق قريبًا فيه خلاف القاضي أبي الطيّب. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٥] (١٢٦٨) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله.
стр. 13909
وقوله: (في شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ) متعلّق بـ "تركت"، أو بـ"استلام".
وأراد بالشدّة الزحام، أو المرض، وبالرخاء خلافه.
وقال في "المرعاة": (في شدة) أي زحام (ولا رخاء) أي خلاء، قال الحافظ: الظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام، وقد روى سعيد بن منصور، من طريق القاسم بن محمد، قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يَدْمَى، ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم، وروى الفاكهيّ من طرُق عن ابن عباس كراهة المزاحمة، قال: لا يؤذي ولا يؤذى. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (يستلم الحجر بيده، ثم قبّل يده) لعل هذا في وقت الزحام حيث لا يقدر على تقبيل الحجر.
وقال النوويّ ﵀: فيه استحباب تقبيل اليد بعد استلام الحجر الأسود، إذا عجز عن تقبيل الحجر، وهذا الحديث محمول على مَن عجز عن تقبيل
стр. 13910
الحجر، وإلا فالقادر يقبّل الحجر، ولا يقتصر في اليد على الاستلام بها، وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال القاسم بن محمد التابعيّ المشهور: لا يستحب التقبيل، وبه قال مالك في أحد قوليه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما نُقل عن القاسم، ومالك من عدم مشروعيّة التقبيل يردّه هذا الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: لا يختلفون أن تقبيل الحجر الأسود في الطواف من سنن الحجّ لمن قدر على ذلك، ومن لم يقدر على تقبيله وضع يده عليه، ورفعها إلى فيه، فإن لم يقدر على ذلك أيضًا للزحام كَبّر إذا قابله، فمن لم يفعل فلا حرج عليه، ولا ينبغي لمن قدر على ذلك أن يتركه؛ تأسيًا برسول الله ﷺ وأصحابه ﷺ بعده (٢).
وقوله: (منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله) قال القاري ﵀: أي الاستلام المطلق، أو المخصوص؛ إذ ثبت الاستلام، والتقبيل عنه ﷺ كما في "الصحيحين". انتهى.
وقيل: الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوز أن يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور، وهو أنه استلم الحجر بيده، ثم قبّل يده، والأول هو الوجه فافهم. انتهى، قال صاحب "المرعاة": الظاهر، بل الأظهر عندي هو الثاني. انتهى، وهو استظهار حسنٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٦٧] (١٢٦٩) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا (٣) عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ الْبَكْرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ).
стр. 13911
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٢ - (قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ) السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس، من كبار [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و"أبو الطفيل البكريّ" هو: عامر بن واثلة الليثيّ، قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: وأكثر ما يأتي في نسبه "الليثيّ"، من بني ليث بن بكر بن عبد مناف، ومن قال: "البكريّ" نسبه إلى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وليس من بكر بن وائل. انتهى (١).
وقوله: (لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) هكذا اقتصر المصنّف ﵀ على المرفوع فقط، وفي الحديث قصّة لابن عباس مع معاوية ﵃، فقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، والحاكم، من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الطفيل، قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرّ بركن إلا استلمه، فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الحجر، واليمانيّ، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا.
وقد روي هذا الحديث مقلوبًا، فقد أخرجه أحمد من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل، قال: حجّ معاوية وابن عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ هذين الركنين اليمانيين، فقال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجورٌ.
قال عبد الله بن أحمد في "العلل": سألت أبي عنه، فقال: قلبه شعبة، وقد كان شعبة يقول: الناس يخالفونني في هذا، ولكنني سمعته من قتادة هكذا. انتهى.
وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة على الصواب، أخرجه أحمد أيضًا، وكذا أخرجه من طريق مجاهد، عن ابن عباس نحوه.
стр. 13912
وروى الشافعي من طريق محمد بن كعب القُرَظيّ إن ابن عباس كان يمسح الركن اليمانيّ، والْحَجَر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها، ويقول: ليس شيء من البيت مهجورًا، فيقول ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ولفظ رواية مجاهد المذكورة عن ابن عباس: أنه طاف مع معاوية، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال له ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فقال معاوية: صدقت.
قال الحافظ: وبهذا يتبيّن ضعف من حمله على التعدد، وأن اجتهاد كل منهما تغير إلى ما أنكره على الآخر.
قال: وإنما قلت ذلك؛ لأن مخرج الحديثين واحد، وهو قتادة، عن أبي الطفيل، وقد جزم أحمد بأن شعبة قلبه، فسقط التجويز العقلي.
وأخرج ابن أبي شيبة، من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير، أنه رأى أباه يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجورًا، وأخرج الشافعي نحوه عنه من وجه آخر، كما تقدم.
وفي "الموطإ" عن هشام بن عروة بن الزبير، أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها.
وأخرجه سعيد بن منصور، عن الدراورديّ، عن هشام، بلفظ: إذا بدأ استلم الأركان كلها، وإذا ختم.
وأخرج الشيخان حديث ابن عمر قال: لم أر النبيّ ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
وعن ابن عمر ﵄ قال: إنما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين الشاميين؛ لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇، وعلى هذا المعنى حَمَل ابن التين تبعًا لابن القصار استلام ابن الزبير لهما؛ لأنه لما عَمّر الكعبة أتم البيت على قواعد إبراهيم. انتهى.
وتعقب ذلك بعض الشراح بأن ابن الزبير طاف مع معاوية، واستلم الكلّ.
قال الحافظ: ولم يقف على هذا الأثر، وإنما وقع ذلك لمعاوية مع ابن
стр. 13913
عباس، وأما ابن الزبير فقد أخرج الأزرقيّ في "كتاب مكة"، فقال: إن ابن الزبير لَمّا فرغ من بناء البيت، وأدخل فيه من الْحِجر ما أُخرج منه، وردّ الركنين على قواعد إبراهيم، خرج إلى التنعيم، واعتمر، وطاف بالبيت، واستلم الأركان الأربعة، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير، إذا طاف الطائف استلم الأركان جميعها، حتى قُتل ابن الزبير.
وأخرج من طريق ابن إسحاق قال: بلغني أن آدم لما حجّ، استلم الأركان كلها، وأن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت، طافا به سبعًا يستلمان الأركان.
وقال الداوديّ: ظن معاوية أنهما ركنا البيت الذي وُضع عليه من أولُ، وليس كذلك؛ لِما سبق من حديث عائشة ﵂، والجمهور على ما دل عليه حديث ابن عمر ﵄.
وروى ابن المنذر وغيره استلام جميع الأركان أيضًا عن جابر، وأنس، والحسن، والحسين، من الصحابة، وعن سُويد بن غَفَلة من التابعين.
قال: وقد يُشعر ما تقدم من حديث عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها، فذكر منها: "ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين … " الحديث بأن الذين رآهم عبيد بن جريج من الصحابة والتابعين، كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين اليمانيين.
وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبيّن بالسنة، ومستند التعميم القياس.
وأجاب الشافعيّ ﵀ عن قول من قال: "ليس شيء من البيت مهجورًا" بأنّا لم نَدَع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يَهْجُره، وهو يطوف به؟ ولكنا نتّبع السنة فعلًا أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها، ولا قائل به، ويؤخذ منه حفظ المراتب، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل كل أحد منزلته. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
стр. 13914
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٣٠٦٧] (١٢٦٩)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٦ و ٣٣٢ و ٣٧٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٣٠٤) و"الكبير" (١٠/ ٢٧١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٨) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦٨] (١٢٧٠) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَعَمْرٌو (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي (١) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَبَّلَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. زَادَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نفيل العدويّ، أبو حفص الصحابيّ الشهير، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
стр. 13915
والباقون ذُكروا في الباب الماضى، و"عمرو" هو: ابن الحارث، و"يونس" هو: ابن يزيد الأيليّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه مرّتين.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومن تنطلق الملائكة على لسانه، وهو المحدَّث، ويسلك الشيطان فجًّا غير فجه، واستُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣ هـ) وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ (حَدَّثَهُ قَالَ: قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (الْحَجَرَ) أي الأسود (ثُمَّ قَالَ: أَمَ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي الرواية الآتية: "وإني لأعلم أنك حجرٌ، وأنك لا تضرّ، ولا تنفع"، قال النوويّ ﵀: إنما قال عمر ﵁ هذا؛ لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا أَلِفُوا عبادة الأحجار، وتعظيمها، ورجاء نفعها، وخوف الضر بالتقصير في تعظيمها، وكان العهد قريبًا بذلك، فخاف عمر ﵁ أن يراه بعضهم يقبّله، ويعتني به، فيشتبه عليه، فبيّن أنه لا يضرّ ولا ينفع بذاته، وإن كان امتثال ما شُرِع فيه ينفع بالجزاء والثواب، فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضرّ، وأنه حجر مخلوقٌ كباقي المخلوقات التي لا تضرّ ولا تنفع، وأشاع عمر هذا في الموسم؛ ليشهد في البلدان، ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفو
стр. 13916
الأوطان، والله أعلم. انتهى (١).
(وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) قال الطبريّ ﵀: إنما قال ذلك عمر ﵁؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخَشِيَ عمر أن يظنّ الجهّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهليّة، فأراد عمر أن يعلّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ﷺ ، لا لأن الحجر ينفع، ويضرّ بذاته، كما كانت الجاهليّة تعتقده في الأوثان.
وقال المهلّب ﵀: حديث عمر هذا يرد على من قال: إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده (٢)، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختيارًا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصّة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم.
وقال الخطابيّ ﵀: معنى أنه يمين الله في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته، والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه، وقال المحبّ الطبريّ: معناه: أن كلّ مَلِكٍ إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه، فلما كان الحاجّ أول ما يقدم يسنّ له تقبيله، نزل منزلة يمين الملك، ولله المثل الأعلى. انتهى.
وقوله: (زَادَ هَارُونُ فِي رِوَايَتِهِ) بيّن به اختلاف شيخيه، فهذا الذي مضى لفظ شيخه حرمة بن يحيى، وأما شيخه هارون فقد زاد عليه قوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن الحارث، وهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا (وَحَدَّثَنِي بِمِثْلِهَا) أي بمثل هذه القصّة (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ (عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ) مولى عمر ﵁، أي عمر، يعني أن لعمرو بن الحارث في هذا الحديث إسنادين: أحدهما ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن عمر ﵁، والثاني عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، عن عمر ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13917
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد": زعم أبو بكر البزار أن هذا الحديث رواه عن عمر مسندًا أربعة عشر رجلًا، قال أبو عمر: أفضلها، وأثبتها، وإن كانت كلها ثابتة: حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه. انتهى (١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٣٠٦٨ و ٣٠٦٩ و ٣٠٧٠ و ٣٠٧١] (١٢٧٠)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٠٥ و ١٦١٠ و ١٥٩٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢/ ١٧٥)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٦٠)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٧) و"الكبرى" (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٤٣)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٣٦٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٠٣٣ و ٩٠٣٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٤٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١١ و ٢١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١ و ٣٤ و ٣٥ و ٣٩ و ٥٠ و ٥١ و ٥٣ و ٥٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٦٤ و ١٨٦٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ٢١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٢١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٨٩ و ٢١٨)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٢٠١ و ٢٤٣ و ٢٩٣)، و (البزّار) في "مسنده" (١/ ٢٤٩ و ٢٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٤) و"الصغرى" (٤/ ١٦١) و"المعرفة" (٤/ ٥١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، بعد استلامه، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه، فيستحب أن يستلمه، ثم يقبّله، ثم يضع جبهته عليه؛ لِما ورد في ذلك، قال
стр. 13918
النوويّ ﵀: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وطاوس، والشافعيّ، وأحمد، قال: وبه أقول، قال: وقد روينا فيه عن النبيّ ﷺ ، وانفرد مالك عن العلماء، فقال: السجود عليه بدعة، واعترف القاضي عياض المالكيّ بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء.
وأما الركن اليماني، فيستلمه، ولا يُقَبِّله، بل يقبّل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك، وأحمد: يستلمه، ولا يقبّل اليد بعده، وعن مالك رواية: أنه يقبله، وعن أحمد رواية: أنه يقبله، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الثابت عنه ﷺ في الركن اليماني استلامه فقط، وأما تقبيله، أو تقبيل اليد بعده فمما لا دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن في قول عمر ﵁ هذا التسليمَ للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يُكشَف عن معانيها، وهي قاعدة عظيمة في اتباع النبيّ ﷺ فيما يفعله، ولو لم تُعلم الحكمة فيه.
٣ - (ومنها): أن فيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته.
قال النوويّ ﵀: وأما قول عمر ﵁ هذا فأراد به بيان الحثّ على الاقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله، ونَبَّهَ على أنه لولا الاقتداء به ﷺ لما فعله. انتهى.
٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ السنن بالقول والفعل.
٥ - (ومنها): أن على الإمام إذا خَشِي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضّح ذلك.
٦ - (ومنها): بيان أنه لا يُشرع تقبيل ما لم يَرِد الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعيّ: ومهما قبّل من البيت، فحسن، فلم يُرد به الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأصوليين، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: تأويل ما نُقل عن الشافعيّ ﵀ بما قاله في "الفتح" غير مقبول، بل يُعتذر له بأنه رأي رآه كما رأى بعض الصحابة من أنه
стр. 13919
ليس شيء من البيت مهجورًا، وقد نُقل عن الشافعيّ ﵀ الجواب عن هذه كما سبق بيانه.
والحاصل أن استلام أجزاء البيت وتقبيلها، غير ما ورد في السنّة، وكذا الأماكن المحترمة، كقبور الصالحين، والمساجد غير جائز، فليُتنبّه، فإن كثيرًا من الناس يتساهل في ذلك تساهلًا عجيبًا، ويقيسون قياسًا باطلًا، والله المستعان على من خالف الحقّ، وشرعَ غير ما لم يأذن به الله، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما جاء في فضل الحجر الأسود:
(فمنها): ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه وغيرهم بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لهذا الحجر لسانًا، وشفتين، يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحقّ"، حديث صحيح، صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
(ومنها): ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، عن ابن عبّاس ﵄ مرفوعًا: "ليأتين هذا الحجر يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحقّ".
(ومنها): ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "الركن، والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" (١).
وفي إسناده أيوب بن سويد، وهو صدوق يُخطئ.
(ومنها): ما أخرجه النسائيّ عن ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "الحجر الأسود من الجنة"، وهو حديث صحيح (٢).
(ومنها): ما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه، وابن خزيمة، عن ابن
стр. 13920
عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم".
قال في "المرقاة": أي صارت ذنوب بني آدم الذين يمسحون الحجر سببًا لسواده، والأظهر حمل الحديث على حقيقته، إذ لا مانع نقلًا، ولا عقلًا، وقال بعض الشرّاح من علمائنا -يعني الحنفية-: هذا الحديث يَحْتَمل أن يراد به المبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لِما فيه من الشرف، والكرامة، واليُمْن، والبركة شارك جواهر الجنّة، فكأنه نزل منها، وأن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المُبْيَضَّ منه أسود، فكيف بقلوبهم، أو لأنه من حيث إنه مكفّر للخطايا محّاءٌ للذنوب، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمّله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد، فسوّدته الخطايا.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله بعض الحنفيّة غير صحيح، فإن النصوص إذا صحّت، فالواجب حملها على ما يقتضيه ظاهرها، إلا إذا منع منه مانع، وهنا لا يوجد مانع منقول، ولا معقول من إرادة الحقيقة، فيتعيّن الحمل عليها، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ ﵀: واعتَرَض بعض الملحدين على هذا الحديث، فقال: كيف سوّدته خطايا المشركين، ولم تبيّضه طاعات أهل التوحيد؟.
وأجيب بما قال ابن قُتيبة ﵀: لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبُغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض.
وقال المحبّ الطبريّ ﵀: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصّلْد، فتأثيرها في القلب أشدّ.
قال: وروي عن ابن عبّاس: "إنما غيّره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة"، فإن ثبت، فهذا هو الجواب.
قال الحافظ: أخرجه الحميديّ في "فضائل مكة" بإسناد ضعيف. انتهى (١).
[تنبيه]: أما ما رواه الحاكم من حديث أبي سعيد أن عمر لَمّا قال قوله
стр. 13921
السابق، قال له عليّ بن أبي طالب: "إنه يضرّ، وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رقّ، وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد".
ففي إسناده أبو هارون العبد، وهو ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاعتماد عليه فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَقَالَ: إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، والبابين قبله.
[تنبيه]: ذكر الإمام الدارقطنيّ ﵀ في "التتبّع" أنه اختُلف في هذا الحديث على أيوب، وعلى حماد بن زيد، وقد وصله مسدّد، والحوضيّ عن حماد، وخالفهم سليمان، وأبو الربيع، وعارم، فأرسلوه عن حمّاد، وقال ابن عليّة، عن أيوب: نُبِّئت أن عمر، ليس فيه نافع، ولا ابن عمر، قال: وهو صحيح من حديث سُويد بن غَفَلة، وعابس بن ربيعة، وابن سَرْجِي عن عمر. انتهى (١).
حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ ﵀ أنه وقع اختلاف في هذا الإسناد بالوصل والقطع فوصله المقدّميّ، ومسدّد بن مسرهد، وحفص بن عمر
стр. 13922
الحوضيّ، كلهم عن حماد، وأرسله سليمان بن حرب، وأبو الربيع الزهرانيّ، وعارم محمد بن الفضل السدوسيّ، ثلاثتهم عن حماد، وقال ابن عُليّة: عن أيوب نُبّئت، فجعله منقطعًا.
لكن الحديث صحيح، يرجّح فيه رواية من وصله؛ لأنه ثابت من رواية سُويد بن غَفَلة، وعابس بن ربيعة، وعبد الله بن سَرْجس، كلهم عن عمر ﵁.
والحاصل أن الحديث صحيح متّصلٌ من غير وجه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَالْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: رَأَيْتُ الْأَصْلَعَ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ، وَإِنِّي أَعْلَمُ (١) أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُقَدَّمِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ: رَأَيْتُ الْأُصَيْلِعَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ١٢٤.
٢ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلِ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَرْجِسَ) المزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة (م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٠/ ١٦٥١.
стр. 13923
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و"المقدّميّ": هو محمد بن أبي بكر المذكور قبله، و"أبو كامل": هو فضيل بن حسين الجحدريّ.
وقوله: (رَأَيْتُ الْأَصْلَعَ) وفي رواية أبي كامل: "رأيت الأُصيلع" بالتصغير، يقال: صَلِعَ الرأسُ صَلَعًا، من باب تَعِبَ: انحسر الشعر عن مقدّمه، وموضعه: الصَّلَعَةُ، بفتح اللام، ومنهم من يقول: الإسكان لغةٌ، ولكن أباها الْحُذّاق، فالرجل أصلع، والأنثى صَلْعَاءُ، ورأسٌ أصلع، وصَلِيعٌ، قال ابن سينا: ولا يحدث الصَّلَع للنساء؛ لكثرة رطوبتهنّ، ولا للخِصيان؛ لقرب أمزجتهم من أمزجة النساء، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: فيه أنه لا بأس بذكر الإنسان بلقبه، ووصفه الذي يكرهه، وإن كان قد يكره غيره مثله. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ذكر الإنسان بلقبه الذي يكرهه إنما يجوز إذا كان للتعريف، والأولى اجتنابه إذا وجد سبيلًا، وأما إذا لم يجد فلا مانع بشرط إرادة التعريف، لا العيب، وإلى هذا أشار في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ
ومعنى: "لم يعب" أي إن لم يرد عيبه، بل أراده تعريفه، فليُتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ،
стр. 13924
وَيَقُولُ: إِنِّي لَأُقُبِّلُكَ، وَأَعْلَمُ (١) أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ لَمْ أُقَبِّلْكَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظٌ، يُدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٤ - (عَابِسُ بْنُ رَبِيعَةَ) النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعليّ، وحذيفة، وعائشة.
ورَوى عنه أولاده: عبد الرحمن، وإبراهيم، وأسماء، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإبراهيم بن يزيد النخعيّ.
قال الآجريّ، عن أبي داود: جاهليّ سمع من عمر، وقال النسائيّ، ثقةٌ، وقال ابن سعد: هو من مَذْحِج، وكان ثقةً، له أحاديث يسيرة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم (١٢٧٠) وحديث (٢٩٧٠): "ما شبع آل محمد من خبز بُرّ فوق ثلاث".
والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله.
وقوله: (وَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي بعض النسخ: "وإني لأعلم أنك حجر".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
стр. 13925
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٢] (١٢٧١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَالْتَزَمَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمامٌ حجة، ربما دلّس، من كبار [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الجعفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوى عن جدته، عن أبيها، وله صحبة، وعن سُويد بن غفلة، وطارق بن زياد، وغيرهم.
وروى عنه إسرائيل، والثوريّ، وغيرهما.
قال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن معين: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: صالح يُكتب حديثه، وقال عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل: كتب إليّ شعبةُ: اكتب إليّ بحديث إبراهيم بن عبد الأعلى بخطك، فبعثت بها إليه، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائيّ في "التمييز": ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ) (١) الجعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، من
стр. 13926
كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ ﷺ ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة (٨٠ هـ) وله (١٣٠) سنة (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَالْتَزَمَهُ) أي عانقه، قال النوويّ ﵀: فيه إشارة إلى ما قدّمنا من استحباب السجود عليه. انتهى.
وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بكَ حَفِيًّا) الْحَفيّ فَعِيلٌ بمعنى فاعل، وهو المعتني به البارّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وجمعه أحفياء.
والمعنى: أنه ﷺ كان معتنيًا بشأن الحجر بالتقبيل، والمسح، والكلامُ وإن كان خطابًا للحجر، فالمقصود إسماع الحاضرين؛ ليعلموا أن الغرض الاتّباع، لا تعظيم الحجر كما كان عليه عبدَة الأوثان، فالمطلوب تعظيم أمر الربّ، واتّباع نبيّه ﷺ .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٣٠٧٢ و ٣٠٧٣] (١٢٧١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٦) و"الكبرى" (٢/ ٤٠٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ٧٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩ و ٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٥/ ١٩١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ١٦٩)، و (البزّار) في "مسنده" (١/ ٤٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا، وَلَمْ يَقُلْ: وَالْتَزَمَهُ).
стр. 13927
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة ناقد إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" ١/ ٣٩ فقال: (٢٧٤) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سُويد بن غَفَلَة، قال: رأيت عمر ﵁ يقبّل الحجر، ويقول: إني لأعلم أنك حجر، لا تضرّ، ولا تنفع، ولكني رأيت أبا القاسم ﷺ بك حَفِيًّا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٩) - (بَابُ جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَى بَعِيرٍ وَغَيْرِهِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ بِمِحْجَنٍ وَنَحْوِهِ لِلرَّاكِبِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٤] (١٢٧٢) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية، وكذا لطائف الإسناد.
стр. 13928
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) قال في "الفتح": كذا قال يونس، وخالفه الليث، وأسامة بن زيد، وزمعة بن صالح، فرووه عن الزهريّ، قال: بلغني عن ابن عباس، ولهذه النكتة استظهر البخاريّ بطريق ابن أخي الزهريّ، فقال: تابعه الدراورديّ، عن ابن أخي الزهريّ، وهذه المتابعة أخرجها الإسماعيليّ، عن الحسين بن سفيان، عن محمد بن عبّاد، عن عبد العزيز الدراورديّ، فذكره، ولم يقل: "في حجة الوداع"، ولا: "على بعير". انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره في "الفتح" من وقوع الاختلاف في إسناد هذا الحديث ذكره قبله الحافظ ابن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧ هـ) ﵀، وقد تقدّم ما ذكره في مقدّمة "قرّة عين المحتاج"، وقال في آخره: فقد اتّفق هؤلاء الثلاثة -يعني الليث، وأسامة بن زيد، وزمعة بن صالح- على هذه الرواية، ورواية هؤلاء الذين أرسلوه أصحّ عندنا. انتهى خلاصة ما قاله (٢).
قال الجامع: لكن الحديث أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"؛ ترجيحًا لرواية ابن وهب؛ لكونها زيادة ثقة حافظ، وقد تابعه عليها الدراورديّ، فثبت بذلك كونه متّصلًا صحيحًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو: اسم من التوديع، كالكلام من التكليم (عَلَى بَعِيرٍ) -بفتح الباء الموحّدة، وقد تُكسر-: الجمل البازل، أو الجذَع، وقد يكون للأنثى، قاله في "القاموس".
وقال الفيّوميّ ﵀: البعير مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حلبت بعيري، والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، والبَكْرَ، والبَكْرةُ، مثلُ الفتى والفتاة، والْقَلُوص كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم: ابن السكيت، والأزهريّ، وابن جني، ثم قال
стр. 13929
الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ رحمه الله تعالى في الوصية: لو قال: أعطوه بعيرًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة، فحمل البعير على الجمل، ووجهه أن الوصيّة مبنيّة على عُرف الناس، لا على محتملات اللغة التي لا يعرفها إلا الخواصّ.
وحكى في "كفاية المتحفّظ" معنى ما تقدّم، ثم قال: وإنما يقال: جمل، أو ناقة إذا أربعا، فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُود، وبَكْرٌ، وبكرةٌ، وَقَلُوصٌ، وجمع البعير أبعرةٌ، وأباعرٌ، وبُعْرانٌ بالضمّ. انتهى.
ثم إن قوله: "طاف على بعير" لا ينافي ما تقدّم أنه ﷺ طاف ماشيًا، رمل في الثلاثة الأُوَل، ومشى في الأربعة؛ لأنه يُحمل هذا على طواف الإفاضة، أو الوداع، وذلك على طواف القدوم، كما دلّ عليه حديث جابر ﵁ الطويل الماضي.
وقال السنديّ ﵀: قد جاء أنه فعل ذلك -أي الطواف راكبًا- لمرض، أو لزحام، قيل: هو من خصائصه ﷺ ؛ إذ يَحْتَمِلُ أن تكون راحلته عُصِمَتْ من التلويث كرامَةً له، فلا يقاس عليه غيره، وذلك لأن المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] طواف الإنسان، فلا ينوب طواف الدابة مناب طواف الإنسان إلا عند الضرورة. انتهى
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السندي غير صحيح؛ بل الطواف راكبًا جائز إذا احتاج إليه، ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، وما قاله من أن المأمور به طواف الإنسان … إلخ باطل؛ لأنه لم تنب الدابة عن طواف الإنسان، بل هو طاف عليها؛ ولذا قال ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ طاف على بعير"، ولم يقل: طاف عنه البعير، وهذا واضح غاية الوضوح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ) أي يومئ إلى الركن بعصاه حتى يصيبه، و"الاستلام": افتعال من السَّلَام -بالفتح-: وهو التحيّة. قاله الأزهريّ. وقيل: من السِّلَام -بالكسر-: وهو الحجارة.
وقال في "اللسان": قال الجوهري: استلم الحجر: لَمَسَهُ، إما بالقُبْلَة، أو باليد، لا يُهْمَزُ، لأنه مأخوذ من السِّلام، وهو الحجر، كما تقول: اسْتَنْوَقَ
стр. 13930
الجملُ، وبعضهم يَهْمِزُهُ. انتهى (١).
والمراد بالركن: ركن الحجر الأسود.
(بمِحْجَنٍ) -بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، بعدها نون-: هو عصًا مُنْحنية الرأس، والْحَجْنُ: الاعوجاج، وبذلك سُمّي الْحَجُون.
وقول النوويّ ﵀: "الْمِحْجَنُ": عَصًا مُعَقَّفةٌ، يتناول بها الراكب ما سَقَط له، وُيحَرِّك بطرفها بعيره للمشي. انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀: "الْمِحْجَن" وزانُ مِقْوَدٍ: خَشَبَةٌ في طرفها اعوجاجٌ، مثلُ الصَّوْلَجَان، قال ابن دُرَيد: كلُّ عُود مَعْطوف الرأس، فهو مِحْجَن، والجمعُ الْمَحاجن، والْحَجُون وزانُ رسول: جَبَلٌ مُشرفٌ بمكّة. انتهى.
وزاد في حديث أبي الطفيل الآتي: "ويقبّل المحجن"، وتقدّم حديث ابن عمر أنه: "استلم الحجر بيده، ثم قبّله"، ورفع ذلك، ولسعيد بن المنصور من طريق عطاء، قال: "رأيت أبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وجابرًا إذا استلموا الحجر قبّلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس، أحسبه قال: كثيرًا". وبهذا قال الجمهور: إن السنّة أن يستلم الركن، ويقبّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه، واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا يقبِّل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٤] (١٢٧٢)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٠٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٧٧ و ١٨٨١)، و (النسائيّ) في
стр. 13931
"الصلاة" (٢/ ٤٧) و"مناسك الحجّ" (٥/ ٢٣٣) و"الكبرى" (١/ ١٦٢ و ٢/ ٤٠١)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٤٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨٩٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٤ و ٢٣٧ و ٢٤٨ و ٣٠٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٢٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٦٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢٠٧٠ و ١٢٠٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٩) و"المعرفة" (٤/ ٨٦) و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٥٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب استلام الحجر الأسود، وتقبيله، إن أمكن، وإلا يستلمه بمحجن، ونحوه، ثم يقبّل المحجن.
٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ به أصحاب مالك، وأحمد، على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه؛ لأنه لا يؤمَن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لمَا عُرِّض المسجد له، قال النوويّ: ومذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وآخرين نجاسة ذلك، وهذا الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه ليس من ضرورته أن يبول، أو يروث في حال الطواف، وإنما هو مُحْتَمِلٌ، وعلى تقدير حصوله يُنَظَّف المسجد منه، كما أنه ﷺ أقرّ إدخال الصبيان الأطفال المسجد، مع أنه لا يؤمَن بولهم، بل قد وُجد ذلك، ولأنه لو كان ذلك محقّقًا لَنُزِّه المسجد منه، سواء كان نجسًا، أو طاهرًا؛ لأنه مستقذر. انتهى (١).
وقال ابن بطال ﵀: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب.
قال الحافظ: وتُعُقّب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع
стр. 13932
الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﷺ كانت مُنَوَّقَةً، أي مدربة مُعَلَّمَةً، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة. انتهى.
وتعقّبه العينيّ ﵀، فقال: وفيه -يعني قوله: "فحيث يخشى التلويث" إلخ- نظر؛ لأن قوله ﷺ لأم سلمة حين قالت له: إني أشتكي: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة" لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة.
وقال في قوله: إن ناقته ﷺ كانت منوقة إلخ ما نصه: قلت: سلّمنا هذا في ناقة النبيّ ﷺ ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة، وهي طائفة؟ ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبيّ ﷺ ، قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد العينيّ ﵀ في هذا التعقّب، ثم إن ما قالوه من التلويث وغيره مبني على نجاسة الأبوال، وقد قدمنا في "كتاب الطهارة" أن الراجح طهارة أبوال الحيوانات المأكولة اللحم؛ اللَّهم إلا إذا أريد الاستقذار من غير نجاسة؛ كمنع النخامة والبزاق في المسجد للاستقذار، لا للنجاسة، فتأمل، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): جواز الطواف راكبًا، ولا كراهة فيه، قال العيني: فإن كان غير معذور يُعتبر عندنا، وعند الشافعيّ لا يجوز، لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة … "، ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر، وجماعة.
وقال القرطبيّ: الجمهور على كراهة ذلك. قلنا: نحن أيضًا نقول بالكراهة، حتى إنه يعيده ما دام بمكة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالكراهة يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز قول حَجّة الوداع، وقد قدمنا أن بعض العلماء كره
стр. 13933
أن يقال لها: حجة الوداع، وهو غلط، والصواب جواز قول حجة الوداع، قاله النوويّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطواف راكبًا على الراحلة، أو نحوها: قال العلامة القرطبيّ ﵀: لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختُلف في طواف من لا عذر له راكبًا، فأجازه قوم، منهم: ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه ﷺ راكبًا، والجمهور على كراهة ذلك، ومنعِه، متمسّكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩]، وظاهره أن يطوف الطائف بنفسه، ومن طاف راكبًا إنما طيف به، ولم يَطُف هو بنفسه، وبأن الصحابة ﵃ اعتذروا عن طوافه ﷺ راكبًا، وبيّنوا عذره في ذلك، فكان دليلًا على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا، ولا يركب، إلا لعذر مرض، أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليُستفتَى، ويُقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى.
وقال إمام الحرمين: من أدخل البهيمة التي لا يؤمَن من تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه.
وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم: الماورديّ، والبندنيجيّ، وأبو الطيّب، والعبدريّ. والمشهور الأول، والمرأة والرجل في ذلك سواء، والمحمول على الأكتاف كالراكب، وبه قال أحمد، وداود، وابن المنذر.
وقال مالك، وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، فعليه دم. قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف.
فلو طاف زَحْفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يُكره، وقال أبو الطيب في "التعليقة": طوافه زحفًا كطوافه ماشيًا منتصبًا، لا فرق بينهما.
стр. 13934
واعتذروا عن ركوب النبيّ ﷺ بأن الناس كثُرُوا عليه، وغَشُوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه ﷺ ، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان يشكو، لما روى أبو داود في "سننه": "قدم النبيّ ﷺ مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلى ركعتين".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طوافه ﷺ راكبًا لا يكون دليلًا على المنع؛ لأنه ﷺ ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي عنه، بل فِعله ﷺ بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا.
فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم الركوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٥] (١٢٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ؛ لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ ربما دلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله ﵄، تقدّم قبل بابين.
стр. 13935
وشيخه ذُكر قبل حديث.
وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) لا تعارض بينه وبين حديث ابن عبّاس ﵄ الذي قبله: "على بعير"؛ لأن الراحلة معناها: المركب من الإبل، ذكرًا أو أنثى، كما في "المصباح" (١).
وقوله: (لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ) أي حتى يقتدوا به.
وقوله: (وَلِيُشْرِفَ) بالبناء للفاعل، أي ليطّلع على أعمال الناس، حتى لا يقعوا في الخطإ، يقال: أشرفت عليه: إذا اطّلعت، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليُشرف، أي ليرتفع عن الناس، حتى لا يؤذوه، يقال: أشرف المكانُ: إذا ارتفع، كما تفيده عبارة "المصباح".
وقوله: (فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ) بفتح الغين، وضم الشين المعجمتين: أي ازدحموا عليه، وكثُرُوا.
وقال القرطبيّ ﵀: الرواية الصحيحة بضمّ الشين المعجمة، وهو الصحيح؛ لأن أصله غَشِيُوهُ استُثقلت الضمّة على الياء، فنقلوها إلى الشين، فسكنت الياء، فلما اجتمعت مع الواو الساكنة حُذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وفيه تعليل آخر، وما ذكرناه أولى. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "لأن يراه الناس إلخ" هذا بيان لعلة ركوبه ﷺ ، وقيل أيضًا: لبيان الجواز، وجاء في "سنن أبي داود" أنه كان ﷺ في طوافه هذا مريضًا، وإلى هذا المعنى أشار البخاريّ ﵀ وترجم عليه: "باب المريض يطوف راكبًا"، فيَحْتَمِل أنه ﷺ طاف راكبًا لهذا كله. انتهى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٥ و ٣٠٧٦] (١٢٧٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٨٠)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٤١)، و (أحمد) في