← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13931–13970 · переход к 13936.

стр. 13931

"الصلاة" (٢/ ٤٧) و"مناسك الحجّ" (٥/ ٢٣٣) و"الكبرى" (١/ ١٦٢ و ٢/ ٤٠١)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٤٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨٩٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٤ و ٢٣٧ و ٢٤٨ و ٣٠٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٢٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٦٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢٠٧٠ و ١٢٠٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٩) و"المعرفة" (٤/ ٨٦) و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٥٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب استلام الحجر الأسود، وتقبيله، إن أمكن، وإلا يستلمه بمحجن، ونحوه، ثم يقبّل المحجن. ٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ به أصحاب مالك، وأحمد، على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وروثه؛ لأنه لا يؤمَن ذلك من البعير، فلو كان نجسًا لمَا عُرِّض المسجد له، قال النوويّ: ومذهبنا، ومذهب أبي حنيفة، وآخرين نجاسة ذلك، وهذا الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه ليس من ضرورته أن يبول، أو يروث في حال الطواف، وإنما هو مُحْتَمِلٌ، وعلى تقدير حصوله يُنَظَّف المسجد منه، كما أنه ﷺ أقرّ إدخال الصبيان الأطفال المسجد، مع أنه لا يؤمَن بولهم، بل قد وُجد ذلك، ولأنه لو كان ذلك محقّقًا لَنُزِّه المسجد منه، سواء كان نجسًا، أو طاهرًا؛ لأنه مستقذر. انتهى (١). وقال ابن بطال ﵀: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب. قال الحافظ: وتُعُقّب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع

стр. 13932

الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﷺ كانت مُنَوَّقَةً، أي مدربة مُعَلَّمَةً، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهي سائرة. انتهى. وتعقّبه العينيّ ﵀، فقال: وفيه -يعني قوله: "فحيث يخشى التلويث" إلخ- نظر؛ لأن قوله ﷺ لأم سلمة حين قالت له: إني أشتكي: "طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة" لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث، بل ظاهره يدل على الجواز مطلقًا عند الضرورة. وقال في قوله: إن ناقته ﷺ كانت منوقة إلخ ما نصه: قلت: سلّمنا هذا في ناقة النبيّ ﷺ ، ولكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة، وهي طائفة؟ ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبيّ ﷺ ، قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد العينيّ ﵀ في هذا التعقّب، ثم إن ما قالوه من التلويث وغيره مبني على نجاسة الأبوال، وقد قدمنا في "كتاب الطهارة" أن الراجح طهارة أبوال الحيوانات المأكولة اللحم؛ اللَّهم إلا إذا أريد الاستقذار من غير نجاسة؛ كمنع النخامة والبزاق في المسجد للاستقذار، لا للنجاسة، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): جواز الطواف راكبًا، ولا كراهة فيه، قال العيني: فإن كان غير معذور يُعتبر عندنا، وعند الشافعيّ لا يجوز، لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة … "، ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وهو مطلق، والحديث للتشبيه فلا عموم له، وبقولنا قال ابن المنذر، وجماعة. وقال القرطبيّ: الجمهور على كراهة ذلك. قلنا: نحن أيضًا نقول بالكراهة، حتى إنه يعيده ما دام بمكة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بالكراهة يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): جواز قول حَجّة الوداع، وقد قدمنا أن بعض العلماء كره

стр. 13933

أن يقال لها: حجة الوداع، وهو غلط، والصواب جواز قول حجة الوداع، قاله النوويّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطواف راكبًا على الراحلة، أو نحوها: قال العلامة القرطبيّ ﵀: لا خلاف في جواز طواف المريض راكبًا للعذر، واختُلف في طواف من لا عذر له راكبًا، فأجازه قوم، منهم: ابن المنذر؛ أخذًا بطوافه ﷺ راكبًا، والجمهور على كراهة ذلك، ومنعِه، متمسّكين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩]، وظاهره أن يطوف الطائف بنفسه، ومن طاف راكبًا إنما طيف به، ولم يَطُف هو بنفسه، وبأن الصحابة ﵃ اعتذروا عن طوافه ﷺ راكبًا، وبيّنوا عذره في ذلك، فكان دليلًا على أن أصل مشروعية الطواف عندهم ألا يكون راكبًا. انتهى كلام القرطبيّ (١). وقال النوويّ ﵀: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا، ولا يركب، إلا لعذر مرض، أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليُستفتَى، ويُقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام الحرمين: من أدخل البهيمة التي لا يؤمَن من تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه. وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم: الماورديّ، والبندنيجيّ، وأبو الطيّب، والعبدريّ. والمشهور الأول، والمرأة والرجل في ذلك سواء، والمحمول على الأكتاف كالراكب، وبه قال أحمد، وداود، وابن المنذر. وقال مالك، وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر، فعليه دم. قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف. فلو طاف زَحْفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يُكره، وقال أبو الطيب في "التعليقة": طوافه زحفًا كطوافه ماشيًا منتصبًا، لا فرق بينهما.

стр. 13934

واعتذروا عن ركوب النبيّ ﷺ بأن الناس كثُرُوا عليه، وغَشُوه بحيث إن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه ﷺ ، أو لأنه يُستفتَى، أو لأنه كان يشكو، لما روى أبو داود في "سننه": "قدم النبيّ ﷺ مكة، وهو يشتكي، فطاف على راحلته، فلما أتى على الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ، فصلى ركعتين". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، ثم إن القول بكراهة الطواف راكبًا ليس عليه دليل صريح، وما اعتذروا به عن طوافه ﷺ راكبًا لا يكون دليلًا على المنع؛ لأنه ﷺ ما جاء عنه النهي عن الطواف راكبًا، حتى يُحتاج للاعتذار عن فعله، والآية ليس فيها النهي عنه، بل فِعله ﷺ بيان لمعناها، وهو أنها لإيجاب الطواف مطلقًا. فالحقّ أن الطواف راكبًا جائز، ما لم يؤذ أحدًا، وإن كان الأولى عدم الركوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٥] (١٢٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَيْتِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ؛ لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ ربما دلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله ﵄، تقدّم قبل بابين.

стр. 13935

وشيخه ذُكر قبل حديث. وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) لا تعارض بينه وبين حديث ابن عبّاس ﵄ الذي قبله: "على بعير"؛ لأن الراحلة معناها: المركب من الإبل، ذكرًا أو أنثى، كما في "المصباح" (١). وقوله: (لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ) أي حتى يقتدوا به. وقوله: (وَلِيُشْرِفَ) بالبناء للفاعل، أي ليطّلع على أعمال الناس، حتى لا يقعوا في الخطإ، يقال: أشرفت عليه: إذا اطّلعت، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: ليُشرف، أي ليرتفع عن الناس، حتى لا يؤذوه، يقال: أشرف المكانُ: إذا ارتفع، كما تفيده عبارة "المصباح". وقوله: (فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ) بفتح الغين، وضم الشين المعجمتين: أي ازدحموا عليه، وكثُرُوا. وقال القرطبيّ ﵀: الرواية الصحيحة بضمّ الشين المعجمة، وهو الصحيح؛ لأن أصله غَشِيُوهُ استُثقلت الضمّة على الياء، فنقلوها إلى الشين، فسكنت الياء، فلما اجتمعت مع الواو الساكنة حُذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، وفيه تعليل آخر، وما ذكرناه أولى. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: قوله: "لأن يراه الناس إلخ" هذا بيان لعلة ركوبه ﷺ ، وقيل أيضًا: لبيان الجواز، وجاء في "سنن أبي داود" أنه كان ﷺ في طوافه هذا مريضًا، وإلى هذا المعنى أشار البخاريّ ﵀ وترجم عليه: "باب المريض يطوف راكبًا"، فيَحْتَمِل أنه ﷺ طاف راكبًا لهذا كله. انتهى. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٥ و ٣٠٧٦] (١٢٧٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٨٠)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٤١)، و (أحمد) في

стр. 13936

"مسنده" (٣/ ٣١٧ و ٣٣٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٠) و"الصغرى" (٤/ ٢٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ، وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ خَشْرَمٍ: وَلِيَسْأَلُوهُ. فَقَطْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٣٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، قيل: اسمه عبد الحميد، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرسانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13937

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٧] (١٢٧٤) - (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ (١)، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، عَلَى بَعِيرِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ) أبو صالح البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤. [تنبيه]: "الْقَنْطَريّ" بفتح القاف، وسكون النون، وفتح الطاء المهملة، وآخره راء: قال السمعانيّ: هو من قَنْطَر بردان، وهي محلّة ببغداد. انتهى (٢). ٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (١٨٩) (خ م د س ت) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٤/ ١٤١٨. والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وشعيب، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من هشام. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.

стр. 13938

شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو (حَوْلَ الْكَعْبَةِ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ "طاف"، وكذا قوله: (عَلَى بَعِيرِهِ) تقدّم أنه بفتح الموحّدة، وتُكسر (يَسْتَلِمُ) أي يلمس (الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود، زاد في رواية النسائيّ: "بمحجنه" (كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ عَنْهُ النَّاسُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ: "يُضْرَب" بالباء الموحّدة، وفي بعضها: "يُصْرَف" بالصاد المهملة، والفاء، وكلاهما صحيح. انتهى. فقوله: "كراهية" منصوب على أنه مفعول لأجله، و"يُضرب" بالبناء للمفعول، أي إنما فعل ذلك النبيّ ﷺ ؛ لأجل كراهته ضرب الناس أمامه. ومرجع الضمير في قوله: "يصرف عنه الناس" يَحْتَمِل كونه للركن، يعني أنه لو طاف ماشيًا لانصرف الناس عن الحجر، كلما مرّ إليه رسول الله ﷺ ؛ توقيرًا له أن يُزاحَم. ويَحْتَمل كون مرجعه النبيّ ﷺ ، يعني لو لم يركب لانصرف الناس عنه؛ لأن كل من رام الوصول إليه لسؤال، أو لرؤية، أو لاقتداء لا يقدر؛ لكثرة الخلق حوله، فينصرف من غير تحصيل حاجته، وهذا الاحتمال هو الأظهر؛ لموافقته لما دلّ عليه حديث جابر ﵁ حيث ذكر هذه العلة بقوله: "يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليُشرف عليهم، وليسألوه" (١). [فإن قلت]: كيف تجمع بين حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يطوف بالبيت على راحلته، فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه"، وبين حديث عائشة ﵂ هذا؟. [قلت]: يُجاب بحمل ما دلّ عليه حديث عائشة ﵂، من استلامه بالمحجن على أنه كان قريبًا، وذلك لكونه آمنًا من إيذاء الناس، وأن ما دلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ من الإشارة إليه على أنه كان بعيدًا عنه؛ خشية إيذائهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13939

مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٧] (١٢٧٤)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٤) وفي "الكبرى" (٣٩٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٥٩)، و (البيهقيّ) في "المعرفة" (٤/ ٨٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٨] (١٢٧٥) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ (١)، حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ بْن خَرَّبُوذَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بن الجارود، أبو داود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣. ٣ - (مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ) المكيّ، مولى آل عثمان، صدوقٌ ربّما وَهِمَ، وكان أخباريًّا، علّامةً [٥]. رَوَى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومحمد بن عمرو بن عتبة بن أبي لهب، وأبي عبد الله مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه الفضل بن موسى السِّينانيّ، ووكيع، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو بكر بن عياش، وعبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم، وغيرهم.

стр. 13940

قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيفٌ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، قال: ويقال: إن الناس أخذوا عنه شعر بديل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد: ما أدري كيف حديثه؟ وقال الساجيّ: صدوقٌ، وقال ابن حبان في "الضعفاء": كان يشتري الكتب، فيحدث بها، ثم تغير حفظه، فكان يحدث على التوهم، قال الحافظ: فكأنه ترجم لغيره، فإن هذه الصفة مفقودة في حديث معروف. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه. له في البخاريّ حديثه عن أبي الطفيل، عن عليّ ﵁ في "كتاب العلم"، وعند الباقين هذا الحديث في الحجّ فقط. [تنبيه]: قوله: "خَرّبوذ" -بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء، وبسكونها، ثم موحّدة مضمومة، وواو ساكنة، وذال معجمة، قاله في "التقريب". وقال النوويّ ﵀: هو بخاء معجمة مفتوحة، ومضمومة، والفتح أشهر، وممن حكاهما القاضي عياض في "المشارق"، والقائل بالضم هو أبو الوليد الباجيّ، وقال الجمهور: بالفتح، وبعد الخاء راء مفتوحة مشدَّدة، ثم باء موحدة مضمومة، ثم واو، ثم ذال معجمة. انتهى (١). ٤ - (أَبُو الطُّفَيْلِ) عامر بن واثلة ﵁، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٩٠) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ) فيه دليل على استحباب استلام الحجر الأسود، وأنه اذا عجز عن استلامه بيده، بأن كان راكبًا، أو غيره استلمه بعصًا، ونحوها، ثم قَبَّل ما استلم، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الطفيل ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 13941

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٨] (١٢٧٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٧٩)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٤٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٦٠)، و (الضياء) في "المختارة" (٨/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧٩] (١٢٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ"، قَالَتْ: فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأسديّ، أبو الأسود يتيم عروة المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و (١٣٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣. ٤ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ ﷺ ، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في "الحيض" ٢/ ٦٨٩. ٥ - (أُمُّ سَلمَة) هند بنت أبي أميّة حذيفة أو سُهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدم في "المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٣. و"عروة" ذُكر قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.

стр. 13942

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة عن صحابيّة، والبنت عن أمها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الفتح": في الإسناد تابعيّان: محمد، وعروة، وصحابيتان: زينب، وأمها، أم سلمة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في جعله محمد بن عبد الرحمن تابعيًّا نظر، إلا عند من يكتفي في كون الشخص تابعيًّا بمجرد المعاصرة فقط، فإنه لم يثبت له رواية عن صحابيّ، كما بيّنه في ترجمته من "تهذيب التهذيب" (٢)، وجعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت الصحابة، ولم تَلْقَ منهم أحدًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) بفتح همزة "أني" لأنه في تأويل المصدر مفعول "شكوت"، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه: إذا توجّع منه، وشكوت فلانًا: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، وفي رواية للنسائيّ: "قالت: يا رسول الله، والله ما طُفْت طواف الخروج … " تعني الوداع (فَقَالَ) ﷺ ("طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ) أي المصلّين وراءه ﷺ ، قال النوويّ ﵀: إنما أمرها ﷺ بالطواف من وراء الناس لشيئين: [أحدهما]: أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف. [والثاني]: أن قربها يُخاف منه تأذي الناس بدابتها، وكذا إذا طاف الرجل راكبًا، وإنما طافت في حال صلاة النبيّ ﷺ ؛ ليكون أستر لها، وكانت

стр. 13943

هذه الصلاة صلاة الصبح. انتهى (١). (وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ") زاد في رواية النسائيّ: "على بعيرك"، والجملة الاسميّة في محل نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ) أم سلمة ﵂ (فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ) جملة حالية، أي والحال اْن رسول الله ﷺ (يُصَلِّي) أي صلاة الصبح، ففي رواية البخاريّ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: "إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلّون". (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأن البيت عَلَم لها بالغلبة. قال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: الصلاة إلى البيت، فما فائدة ذكر الجنب؟. قلت: معناه أنه كان يصلي منها إلى الجنب، يعني قريبًا من البيت، لا بعيدًا منه. انتهى. وقال ابن عبد البرّ ﵀: صلاته إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر ﵁ من ذلك المكان إلى صحن المسجد. انتهى (٢). (يَقْرَأُ بِالطُّور وكتابٍ مَسْطُورٍ) أي بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم. لأن لفظ "الطور" كأنه صار علمًا للسورة. قاله العينيّ (٣). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: ﴿وَالطُّورِ (١)﴾ الجبل بالسريانيّة، وقال ابن عبّاس: كلُّ جبل يُنبِت فهو طورٌ، ﴿وَكِتَابٍ﴾ أي مكتوب، و ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ هو الجلد المهيّأ ليُكتب فيه، وأحسن ما قيل فيه: إنه القرآن المكتوب في المصاحف، وهذه أقسام أقسم الله تعالى بها؛ تشريفًا لها. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سلمة ﵂ هذا مُتّفقٌ عليه.

стр. 13944

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٣٠٧٩] (١٢٧٦)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٦٤) و"الحج" (١٦١٩ و ١٦٢٦ و ١٦٣٣) و"التفسير" (٤٨٥٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٨٢)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٢٣) و"الكبرى" (٣٩٠٣ و ٣٩٠٤ و ٣٩٤٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٦١)، و (مالك) في "الموطإ" (٨٣٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٠٢١)، و (أحمد) في "باقي مسنده" (٦/ ٢٩٠ و ٣١٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٧٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٣٠ و ٣٨٣٣)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ١٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٦٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٨٠٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٨ و ١٠١) و"المعرفة" (٤/ ٨٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الطواف للراكب، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء. ٢ - (ومنها): بيان كيفية طواف المريض، وهو أن يطوف راكبًا. ٣ - (ومنها): أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم؛ لأن ذلك أستر لهنّ، ولأن الطواف كالصلاة، ومن سنة الصلاة أن يتأخرن عن صفوف الرجال، فكذا في الطواف. قال في "الفتح": وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ ليكون أستر لها، ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذّون بدابتها. انتهى. ٤ - (ومنها): أن من يطوف وقت صلاة الجماعة لعذر لا يطوف إلا من وراء الناس، فلا يطوف بين المصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغَل الإمام والناس، فيؤذيهم. ٥ - (ومنها): أن الراكب عليه أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة؛ لئلا يؤذيهم. ٦ - (ومنها): جواز إدخال الدوابّ المسجد، وقد تقدمت أقوال العلماء في ذلك. ٧ - (ومنها): استحباب قرب الإمام من البيت في الصلاة. ٨ - (ومنها): مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الصبح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 13945

(٤٠) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ) (اعلم): أن "الصفا"، و"المروة" جبلا السعي اللذان يُسعى من أحدهما إلى الآخر. و"الصفا" في الأصل، جمع صَفَاة، وهي الصخرة، والحجر الأملس، و"المروة" في الأصل حجر أبيض برّاق، وقيل: هي الحجارة التي تُقدح منها النار. وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذَكّر الصفا لأن آدم ﵇ وقف عليه، فسمي به، ووقفت حوّاء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأنّث لذلك. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطَّرَد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدّم المذكر، وهذا حسن؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا؛ حتى رفع الله الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتبر بهما؛ فلما طالت المدة عُبدا من دون الله. والصفا مقصور: جمع صفاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ، وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِيّ -بضم الصاد-، وأصفاء، على مثل أرحاء، قال الراجز: كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو: أي خَلَص من التراب والطين. والمروة: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو الحجارة صليبها، ورخوها الذي يتشظّى، وترقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر [من الرمل]:

стр. 13946

وَتَوَلَّى الأَرْضَ خُفًّا ذَابِلًا … فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ وقال أبو ذُؤيب [من الكامل]: حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا الْمُشَقِّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وقد قيل: إنها الحجارة السُّودُ، وقيل: حجارة بيضٌ برّاقةٌ تكون فيها النار. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٠] (١٢٧٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا (٢) أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ، لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ، عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ، وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ، فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا، لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِهَا، قَالَتْ: فَطَافُوا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀.

стр. 13947

(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي معاوية فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعي عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ عن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَ) عروة (قُلْتُ لَهَا) أي لعائشة ﵂ (إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلًا لَوْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا) نافية (ضَرَّهُ) أي لا يضرّه في صحّة حجه عدم طوافه بين الصفا والمروة (قَالَتْ) عائشة ﵂ (لِمَ؟) هي "ما" الاستفهاميّة حُذفت ألفها جوازًا؛ لكونها، كما قال في "الخلاصة": وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا … وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ "اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى" (قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) محصّل كلام عروة ﵀ أنه احتجّ على ما قاله من الإباحة في السعي بين الصفا والمروة، وعدم وجوبه باقتصار الآية على رفع الْجُنَاح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحبّ بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك. وقال القرطبيّ ﵀: إنما فَهِمَ هذا عروة من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ووجه فهمه أن رفع الحرج عن الفعل إنما يُشعر بإباحته، لا بوجوبه، وهو مُقتضى ظاهرها؛ إذا لم يُعْتَبَر سبب نزولها، فإذا وُقِف على سبب نزولها تحقق الواقع عليه: أنها إنما أتت رافعة لحرج من تحرَّج من الطواف بينهما على ما يأتي.

стр. 13948

وقد اختَلَف فيه قولُ عائشة ﵂، واختلف الرواة عنها في ذلك، ففي بعض الروايات عنها: أن أهل المدينة كان من أهلّ منهم لِمَناة؛ لم يطف بينهما، وكأن هؤلاء بَقُوا بعد الإسلام على ذلك الامتناع حتى أُنزلت الآية، وفي بعضها: أن مَن أَهَلّ لإساف ونائلة جاء فطاف بينهما، وكان هؤلاء لمّا انقطع الإهلال لإساف ونائلة بالإسلام خافوا ألا يكون مشروعًا لمن لم يهلّ لهما، فرفع الله تلك التوهمات كلها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، وقد ذكر أبو بكر بن عبد الرحمن عند سماعه قول عائشة ما يدل على سببين آخرين، نَصّ عليهما في متن الحديث، ويرتفع الإشكال، ويصح الجمع بين هذه الروايات المختلفة بالطريق الذي سلكه أبو بكر بن عبد الرحمن؛ حيث قال: فأُرَاها نزلت في هؤلاء وهؤلاء، فنقول: نزلت الآية جوابًا لجميع هؤلاء الذين ذُكرت أسبابهم، ورافعة للحرج عنهم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (مَا) نافية (أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ) وقوله: (لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ" امرئٍ" (وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ) من عدم الوجوب (لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أي لكان لفظ نصّ الآية المقتضي لذلك فلا جناح إلخ، فقولها: "فلا جناح إلخ" خبر "كان"، واسمها ضمير يعود إلى المفهوم، أي لكان نصّ الآية إلخ، ويَحْتَمِل أن يكون "فلا جناح إلخ" اسمها، وخبرها محذوف، أي نصَّ الآية، أو هو النازلَ. قال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذا من دقيق علم عائشة ﵂، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما دلّ لفظها على رفع الجناح عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي، ولا على وجوبه، فأخبرته عائشة ﵂ أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب، ولا لعدمه، وبَيَّنَت السبب في نزولها، والحكمة في نظمها، وأنها نزلت في الأنصار حين تحرَّجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول عروة، لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وقد يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان أنه يُمنع إيقاعه على صفة مخصوصة، وذلك كمن عليه

стр. 13949

صلاة الظهر، وظَنّ أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس، فسأل عن ذلك، فيقال في جوابه: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت، فيكون جوابًا صحيحًا، ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: وقولها: "لو كانت كما تقول؛ لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"؛ هذا يدلّ على أن الذي روي: أنه في مصحف أُبيّ: "ألا يطوف بهما" بإثبات "ألا" ليس بصحيح؛ إذ لو كان كذلك لكانت عائشة لَأعرف الناس به، ولَمَا خفي عليها، ولا على غيرها ممَّن له عناية بالقرآن. انتهى (٢). وقال في "الفتح": وحاصل جواب عائشة ﵂ أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمرّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر، ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفى الإثم عن التارك. وقد وقع في بعض الشواذّ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك، حكاه الطبريّ، وابن أبي داود في "المصاحف"، وابن المنذر، وغيرهم عن أبيّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. وأجاب الطبريّ بأنها محمولة على القراءة المشهورة. وقال الطحاويّ أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحبّ بقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. انتهى (٣).

стр. 13950

ثم بيّنت له سبب نزولَ الآية، فقالت: (وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟) أي في شيء كان نزول هذه الآية الكريمة؟ (إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ) بضم الياء، من الإهلال، أي يحجون (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي قبل الإسلام (لِصَنَمَيْنِ، عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ) بفتح الشين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة: أي: جانبه، والجمع شُطُوطٌ، مثلُ فلس وفُلُوس (١). (يُقَالُ لَهُمَا) أي للصنمين المذكورين (إِسَافٌ) بكسر الهمزة (وَنَائِلَةُ) قال القاضي عياض ﵀: هكذا وقع في هذه الرواية، قال: وهو غلطٌ، والصواب ما جاء في الروايات الأُخَرِ في الباب: "يُهِلُّون لمناة"، وفي الرواية الأخرى: "لمناة الطاغية التي بالمشلَّل"، قال: وهذا هو المعروف، ومَنَاةُ صنم، كان نصبه عمرو بن لُحَيّ في جهة البحر بالمشلَّل مما يلي قُدَيدًا، وكذا جاء مُفَسَّرًا في هذا الحديث في "الموطأ"، وكانت الأزد، وغَسّان، تُهِلّ له بالحجّ. وقال ابن الكلبيّ: مناةُ صخرة لِهُذَيل بقُديد، وأما إساف ونائلة فلم يكونا قطّ في ناحية البحر، وإنما كانا فيما يقال: رجلًا وامرأةً، فالرجل اسمه إساف بن بقاء، ويقال: ابن عمرو، والمرأة اسمها نائلة بنت ذئب، ويقال: بنت سهل، قيل: كانا من جُرْهُم، فزنيا داخل الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فنُصِبا عند الكعبة، وقيل: على الصفا والمروة؛ ليعتبر الناس بهما، ويتعظوا، ثم حوّلهما قُصَيّ بن كلاب، فجعل أحدهما ملاصق الكعبة، والآخر بزمزم، وقيل: جعلهما بزمزم، ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبيّ ﷺ مكة كسرهما. انتهى كلام القاضي عياض ﵀. (ثُمَّ يَجِيئُونَ) أي إلى مكة (فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ) رؤوسهم (فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا) أي بين الصفا والمروة (لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي لكونه من عمل الجاهلية، فخافوا أن يُنهى عنه في الإسلام، فسألوا النبيّ ﷺ عنه (قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي من معالم دينه، ومواضع عباداته، قال الأزهريّ: الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام عليها.

стр. 13951

وقال في "النهاية": شعائر الحج آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة، وقيل: هو كلّ ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك. وقال في "الصحاح": الشعائر أعمال الحجّ، وكلّ ما جُعِل عَلَمًا لطاعة الله، قال الأصمعيّ: الواحدة شعيرة، قال: وقال بعضهم: شَعَارة، والمشاعر مواضع النسك. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: قد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد ثبت في حديث ابن عباس ﵄ أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لمّا نَفِدَ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم ﵂ هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونَفِد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة متذلّلة خائفة وجلة مضطربة فقيرة إلى الله حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طعم، وشفاء سقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذُلّه، وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر ﵍. انتهى كلام ابن كثير ﵀ (١). وقوله: (إِلَى آخِرِهَا) متعلّق بفعل مقدّر، أي اقرأ الآية إلى آخرها. في رواية البخاريّ بلفظ: "الْآيَةَ"، ويجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع على أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اقرأ الآية بتمامها، والجرّ -وهو قليل- على أنه مجرور بحرف مقدّر، أي اقرأ إلى آخر الآية.

стр. 13952

(قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَطَافُوا) أي فطاف هؤلاء الأنصار الذين تحرّجوا من الطواف، أي السعي بين الصفا والمروة؛ لِمَا ذكروه من العلّة لَمّا أنزل الله هذه الآية الكريمة. وفي الرواية الآتية من طريق ابن شهاب عن عروة: "قالت عائشة: قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما"، وفي رواية النسائيّ: "فطاف رسول الله ﷺ ، وطُفنا معه، فكانت سنّة"، أي كان الطواف بينهما سنةً، والتأنيث باعتبار الخبر، وأرادت بذلك ثبوته بالسنة، وأنه مطلوب في الشرع، فليس مما لا مبالاة بتركه، كما بيّنته في قولها: "قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". وأرادت بالسنة الفرضَ، أي هي فرض من فرائض الحج، وليس المراد السنة التي هي خلاف الفرض، بدليل قولها: "فليس لأحد إلخ"، وقولها: "لم يُتِمّ الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٣٠٨٠ و ٣٠٨١ و ٣٠٨٢ و ٣٠٨٣ و ٣٠٨٤] (١٢٧٧)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٤٣) و"العمرة" (١٧٩٠) و"التفسير" (٤٤٩٥ و ٤٨٦١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٠١)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٦٥)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٢٩٦٨ و ٢٩٦٩)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٨٦) وفي "الكبرى" (٣٩٦٠ و ٣٩٦١)، و (مالك) في "الموطإ" (٨٣٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٤٤ و ٢٢٧)، و (ابن خزيمة" في "صحيحه" (٢٧٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٣٩ و ٣٨٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٠٦ و ٣٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٦) و"المعرفة" (٤/ ٨٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٢٠) و"التفسير" (١/ ١٣٣)، والله تعالى أعلم.

стр. 13953

(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب: (المذهب الأول): أنه ركن في الحجّ، لا يصحّ إلا به، وكذلك في العمرة، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وحكاه النوويّ عن جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن عائشة ﵂، وعن مجاهد، وإبراهيم النخعيّ أنهما قالا: إذا نسي الطواف بين الصفا والمروة، وهو حاجّ، فعليه الحجّ، فإن كان معتمرًا، فعليه العمرة، ولا يجزيه إلا الطواف بينهما، وحكاه ابن المنذر عن إسحاق ابن راهويه، وأبي ثور، وبه قال ابن حزم. واستَدَلَّ هؤلاء على الوجوب بأمور: (أحدها): ما رواه الشافعيّ، وأحمد في "مسنده"، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم من رواية صفيّة بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تِجْرَاة (١)، أنها سمعت رسول الله ﷺ ، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال: "يا أيها الناس، اسعَوْا، فإن السعي قد كُتب عليكم" (٢).

стр. 13954

قال الحافظ وليّ الدين: وذكر النوويّ في "شرح المهذّب" في أول كلامه الطريقَ الأول، وقال: ليس بقويّ، وإسناده ضعيف، قال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": فيه اضطراب، ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه، وقال: إسناده حسن، فعدّ ذلك شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ في "المهمات" تناقضًا، وقال: اختلف فيه كلام النوويّ. وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين، فإن في الأول عبد الله بن المؤمّل، وليس في الثاني، فلذلك ضعّف الأول، وحسّن الثاني. قال ابن المنذر في "الإشراف": إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه، والذي رواه عبد الله بن المؤمّل، وقد تكلّموا في حديثه. انتهى. وقد أشار الإسنويّ في بقية كلامه لذلك، فقال: وحسّنه أيضًا الشيخ زكيّ الدين في كلامه على أحاديث "المهذّب"، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين. انتهى، ومع ذلك ففي جعلهما طريقين، وتضعيف الأول، وتحسين الثاني نظر، فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة وقع الاختلاف فيه، وقد سلك ذلك البيهقيّ وغيره، وتقدّم قول ابن عبد البرّ: إن فيه اضطرابًا، لكنه قال في "الاستذكار": اضطرب فيه غير الشافعيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد الله بن المؤمل، وجوّدوا إسناده ومعناه، وقد رواه مع ابن المؤمّل غيره، وابن المؤمّل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه، ولم يخالفه فيه غيره، فيتبيّنَ فيه سوء حفظه. وقال الحافظ في "الفتح": قلت: له طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة" مختصرة، وعند الطبرانيّ عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمّت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الطبرانيّ عنها: "أخبرتني نسوة من بني عبد الدار"، فلا يضرّ الاختلاف. انتهى. قال الشافعيّ ﵀: وهذا عندنا -والله أعلم- على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قِبَل أن هذا الحديث لا يَحْتَمِل إلا السعي بينهما، أو السعي

стр. 13955

في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب في كلّه. انتهى. (الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة ﵂ المذكور في الباب، وقولها فيه: "ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما"، وبقولها أيضًا في "صحيح مسلم": "فلعمري ما أتمّ الله حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة". (الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه ﷺ كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال: "خذوا عني مناسككم". (الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في "الصحيحين" عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر ﵄ عن رجل قَدِم بعمرة، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ ﷺ ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال عمرو: سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة. (الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قدمت على رسول الله ﷺ ، وهو مُنيخٌ بالبطحاء، فقال: "أحججت؟ "، فقلت: نعم، فقال: "بم أهللت؟ "، فقلت: لبيك بإهلال، كإهلال رسول الله ﷺ ، فقال: "قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحلّ"، قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الدليل الذي استدلّ به ابن حزم ﵀ أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله؟ والله تعالى أعلم. (المذهب الثاني): أنه واجب، ويُجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه، وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصحّ عنه.

стр. 13956

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنّفه" عن الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح، وحكاه ابن المنذر عن قتادة، وسفيان الثوريّ، وحكى ابن عبد البرّ عن الثوريّ أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم، وعن أبي حنيفة، وصاحبيه: إن تركه عمدًا، أو نسيانًا، فعليه دم، وذكر صاحب "الهداية" من الحنفيّة أن قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ﴾ يستعمل مثله للإباحة، فينفي الركنيّة، والإيجاب، ولأن الركنيّة لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد، ثم معنى ما رُوي: كتب استحبابًا، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: قد قال أوّلًا بالوجوب، فكيف قال آخرًا بالاستحباب؟. [قلت]: لم يقل آخرًا بالاستحباب، وإنما قال: إن مثل هذه الصيغة، وهي "كُتب" تستعمل في الاستحباب، كما في الآية التي استشهد بها، ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية، بل هي على بابها من الوجوب، وكانت قبل نزول آية المواريث، ثم نُسِخت بها، كما هو مقرر في التفسير، والله أعلم انتهى. (المذهب الثالث): أنه سنة، ليس بركن، ولا واجب، وهو رواية عن أحمد، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄، أنه قال: إن شاء سعى، وإن شاء لم يسع، وعن عطاء: أنه كان لا يرى على من لم يسعَ شيئًا، قيل له: قد ترك شيئًا من سنة رسول الله ﷺ ، قال: ليس عليه، وكان يفتي في العلانية بدم، وقال ابن المنذر: كان أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين ﵃ يقولون: هو تطوّع، وقد روينا أن في مصحف أُبيّ بن كعب، وابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، ثم قال: هذا قول من ابن عباس، لا إدخال منه في القرآن، ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن أنس، قال: وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران. وروى البيهقيّ في "المعرفة" هذه القراءة عن ابن عباس، وأنه قال: فنسختها هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فلما نزلت طافوا بين الصفا والمروة، قال

стр. 13957

البيهقيّ: وهذه الرواية إن صحّت تدلّ على أن الأمر فيه صار إلى الوجوب. (المذهب الرابع): أن على من ترك السعي أن يأتي بعمرة، رواه ابن أبي شيبة عن طاوس، وحكاه عنه ابن المنذر. (المذهب الخامس): أنه إن ترك من السعي أربعة أشواط، فعليه دم، وإن ترك دونها لزم لكلّ شوط نصف صاع، حكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه الدارميّ من الشافعية عن أبي حنيفة، قال: وحكى ابن القطان عن أبي عليّ قولًا كمذهب أبي حنيفة، قال النووي في "شرح المهذب": وهذا القول شاذّ غلطٌ. وقال ابن المنذر: واختُلف عن عطاء، فروي عنه أنه لا شيء على من تركه، وروي عنه أنه قال: عليه دم، وروي عنه أنه قال: يطعم مساكين، أو يذبح شاة يطعمها المساكين. انتهى، وهذه الرواية الأخيرة عن عطاء قول سادس. واعلم أن ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ" حكى إجماع الأمة على أن السعي ركن في العمرة، وجعل الخلاف في الحج فقط. قال الحافظ وليّ الدين: ولم أر لغيره تعرّضًا لذلك، ويخالفه صريحًا كلام ابن حزم، فإنه حكى الخلاف في العمرة، وحكي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف بالبيت، وكذلك ابن عبد البرّ حكى الخلاف عن أبي حنيفة، وصاحبيه في الحجّ والعمرة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من سوق المذاهب والنظر في أدلّتها أن أرجح المذاهب هو المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة؛ لقوة أدلّته، كما تقدّم بيانها آنفًا. والحاصل أن القول بركنيّة السعي هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وليس لمخالفيه دليلٌ يُعتمد عليه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 13958

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا، أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَ (١) هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ (٢) مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (أَنْ لَا أَتَطَوَّفَ إلخ) أي بأن لا أتطوف، أو في أن لا أتطوف، فهو بتقدير حرف الجرّ. وقولها: (لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ إلخ) أي لو كان المراد بالنصّ ما تقول، وهو عدم الوجوب، لكان نظمه: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، تريد أن الذي يُستعمل للدلالة على عدم الوجوب عينًا، هو رفع الإثم عن الترك، وأما رفع الإثم عن الفعل، فقد يُستعمل في المباح، وقد يستعمل في المندوب، أو الواجب أيضًا، بناء على أن المخاطب يتوهّم فيه الإثم، فيخاطب بنفي الإثم، وإن كان الفعل في نفسه واجبًا، وفيما نحن فيه كذلك، فلو كان المقصود في هذا المقام الدلالة على عدم الوجوب عينًا لكان الكلام اللائق بهذه الدلالة أن

стр. 13959

يقال: فلا جناح عليه أن لا يتطوّف بهما، قاله السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ" (١). وقال السيوطيّ ﵀ في "شرح النسائيّ": هذا من بديع فقهها؛ لأن ظاهر الآية رفع الجناح عن الطائف بالصفا والمروة، وليس هو بنصّ في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك مُحْتَمِلٌ، ولو كان نصًّا في ذلك لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف؛ لأن هذا يتضمّن سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذلك إنما كان؛ لأن الأنصار تحرّجوا بذلك الموضع في الإسلام، فأخبروا أن لا حرج عليهم. انتهى (٢). وقولها: (فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) قال في "الفتح": ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، ويقتصرون على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإسلام في ذلك، ويصرّح بذلك رواية سفيان التالية بلفظ: "وإنما كان من أهلّ بمناة الطاغية التي بالمشلّل لا يطوفون بين الصفا والمروة"، وفي رواية معمر، عن الزهريّ: "إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة"، أخرجه البخاريّ تعليقًا، ووصله أحمد وغيره، وفي رواية يونس، عن الزهريّ الآتية عند مسلم بعد حديثين: "أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان يُهلّون لمناة، فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنّة في آبائهم، من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة"، فطُرق الزهريّ متّفقة. وقد اختُلِف فيه على هشام بن عروة، عن أبيه، فرواه مالك عنه بنحو رواية شعيب عن الزهريّ، ورواه أبو أسامة عنه بلفظ: "إنما أنزل الله هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فلا يحلّ لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة"، أخرجه مسلم -يعني هذه الرواية-. وظاهره يوافق رواية الزهريّ، وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهيّ من طريق عثمان بن وَسّاج، عنه: "أن عمرو بن لُحيّ نَصَب مناةَ على

стр. 13960

ساحل البحر مما يلي قُديدًا، فكانت الأزد، وغسّان يحجّونها، ويعظّمونها، إذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من منى أتوا مناة، فأهلّوا لها، فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة، قال: وكانت مناة للأوس، والخزرج، والأزد، من غسّان، ومن دان دينهم من أهل يثرب"، فهذا يوافق رواية الزهريّ. قال: وأخرج مسلم من طريق أبي معاوية -يعني الرواية الماضية- عن هشام هذا الحديث، فخالف جميع ما تقدّم، ولفظه: "إنما كان ذلك؛ لأن الأنصار كانوا يُهلّون في الجاهليّة لصنمين على شطّ البحر، يقال لهما: إساف، ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلّون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية". فهذه الرواية تقتضي أن تحرّجهم إنما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئًا كانوا يفعلونه في الجاهليّة؛ لأن الإسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع، فخَشُوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر، بخلاف رواية أبي أسامة، فإنها تقتضي أن التحرّج عن الطواف بين الصفا والمروة؛ لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرّجوا من فعله في الإسلام، ولولا الزيادة التي من طريق يونس، حيث قال: وكانت سنّة في آبائهم إلخ، لكان الجمع بين الروايتين ممكنًا بأن نقول: وقع في رواية الزهريّ حذفٌ تقديره: أنهم كانوا يُهلون في الجاهلية لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة، فكان من أهلّ أي بعد ذلك في الإسلام يتحرّج أن يطوف بين الصفا والمروة؛ لئلا يضاهي فعل الجاهليّة. ويمكن أيضًا أن يكون في رواية أبي أسامة حذفٌ تقديره: كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فجاء الإسلام، فظنّوا أنه أبطل ذلك، فلا يحلّ لهم. ويبيّن ذلك رواية أبي معاوية المذكورة، حيث قال فيها: "فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهليّة"، إلا أنه وقع فيها وهَمٌ غير هذا، نبّه عليه عياض، فقال: قوله: "لصنمين على شطّ البحر" وَهَمٌ، فإنهما ما كانا قطّ على شطّ البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت مناة مما يلي جهة البحر. انتهى.

стр. 13961

وسقط من روايته أيضًا إهلالهم أَوّلًا لمناة، فكأنهم كانوا يهلّون لمناة، فيبدؤون بها، ثم يطوفون بين الصفا والمروة لأجل إساف ونائلة، فمن ثمّ تحرّجوا من الطواف بينهما في الإسلام. قال: ويؤيد ما ذكرناه حديث أنس المذكور عند البخاريّ بلفظ: "أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ فقال: نعم؛ لأنَّها كانت من شعار الجاهلية". وروى النسائيّ بإسناد قويّ، عن زيد بن حارثة، قال: "كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس، يقال لهما: إساف ونائلة، كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما … " الحديث. وروى الطبرانيّ، وابن أبي حاتم في "التفسير" بإسناد حسن، من حديث ابن عباس ﵄، قال: "قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهليّة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] ". وروى الفاكهيّ، وإسماعيل القاضي في "الإحكام" بإسناد صحيح عن الشعبيّ، قال: "كان صنم بالصفا يُدْعَى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى (١) بهما، وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] ". وذكر الواحديّ في "أسبابه" عن ابن عباس نحو هذا، وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمُسِخا حجرين، فوُضِعا على الصفا والمروة؛ ليُعْتَبَر بهما، فلما طالت المدة عُبِدَا، والباقي نحوه. وروى الفاكهي بإسناد صحيح إلى أبي مِجْلَز نحوه. وفي "كتاب مكة" لعمر بن شبّه بإسناد قويّ عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فنزلت. ومن طريق الكلبيّ، قال: كان الناس أول ما أسلموا كرهوا الطواف

стр. 13962

بينهما؛ لأنه كان على كل واحد منهما صنم، فنزلت، فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية، وتقدّمها على رواية غيره. وَيحْتَمِل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين: منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهريّ، واشترك الفريقان في الإسلام على التوقّف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقيّ ﵀. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الأخير أحسن، وأقرب، فتأمل، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : مَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، قَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ سُنَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ، سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وَلَوْ كَانَتْ كمَا تَقُولُ، لَكَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ

стр. 13963

يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَأُرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ بالتاء، وفي بعضها: "أخي" بحذف التاء، وكلاهما صحيح، والأول أصحّ وأشهر، وهو المعروف في غير هذه الرواية. انتهى. وقولها: (لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ) - بفتح الميم والنون الخفيفة -: صنمٌ كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبيّ: كانت صخرة نصبها عمرو بن لُحيّ لهُذيل، وكانوا يعبدونها، و"الطاغية" صفة لها إسلامية. وقولها: (الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ) - بضم أوله، وفتح المعجمة، ولامين، الأولى مفتوحة مثقّلة -: هي الثنيّة المشرفة على قُديد، وفي رواية للبخاريّ: "كانوا يُهلّون لمناة، وكانت مناةُ حَذْوَ قُديد"، أي مقابله، و"قُديد" بقاف مصغّرًا: قرية جامعة، بين مكة والمدينة، كثيرة المياه. قاله أبو عُبيد البكريّ (١). وقولها: (سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ) أي سأل الصحابة ﵃.

стр. 13964

وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي ما حدّثه به عروة عن عائشة من القصّة المذكورة. وقوله: (لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبَو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرَّحمن، المدنيّ الفقيه العابد المتوفّى سنة (٩٤ هـ)، وقيل غير ذلك، تقدّم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠. وقوله: (إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، قال القاضي عياض ﵀: ورُوي: "إنّ هذا لَعِلْمٌ" بالتنوين، وكلاهما صحيحٌ، ومعنى الأول: إن هذا هو العلم المتقن، ومعناه استحسان قول عائشة ﵂، وبلاغتها في تفسير الآية الكريمة. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "إن هذا العلم" كذا للأكثر: أي إن هذا هو العلم المتين، وللكشميهني: "إن هذا لعلمٌ" بفتح اللام المؤكّدة، وبالتنوين، على أنه الخبر. وقوله: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إلخ) وفي رواية البخاريّ: "ولقد سمعتُ رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلا من ذَكَرت عائشة ممن كان يُهلّ بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرّجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون، ثم تحرّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت". قال في "الفتح": وقوله: "إلا من ذكرت عائشة" إنما ساغ له هذا

стр. 13965

الاستثناء مع أن الرجال الذين أخبروه أطلقوا ذلك؛ لبيان الخبر عنده من رواية الزهري له عن عروة عنها. ومحصل ما أخبر به أبو بكر بن عبد الرحمن، أن المانع لهم من التطوف بينهما، أنهم كانوا يطوفون بالبيت وبين الصفا والمروة في الجاهلية، فلما أنزل الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بينهما ظنوا رفع ذلك الحكم، فسألوا هل عليهم من حرج إن فعلوا ذلك، بناء على ما ظنوه من أن التطوف بينهما من فعل الجاهلية. وقوله: "حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت" يعني تأخر نزول آية البقرة في الصفا والمروة عن آية الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٢٩] انتهى (١). وقوله: (فَأُرَاهَا قَدْ نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ) ضبطوه بضم الهمزة، من "أَراها"، وفتحها، والضم أحسن وأشهر، أي أظنها. وفي رواية البخاري المذكورة: "فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين". وحاصل كلامه أن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب، كان للرد على الفريقين، الذين تحرجوا أن يطوفوا بينهما؛ لكونه عندهم من أفعال الجاهلية، والذين امتنعوا من الطواف بينهما؛ لكونهما لم يذكرا (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا

стр. 13966

وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقةٌ [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٥) أو قبل ذلك (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧. ٣ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام المشهور، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ) الفاعل ضمير عُقيل، أي ساق عُقيل الحديث عن ابن شهاب، بنحو سياق ابن عُيينة عنه. وقولها: (إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ) أي نُجانب الإثم، قال الفيّوميّ ﵀: حَرِجَ الرجلُ، من باب تَعِبَ: أَثِمَ، ورجلٌ حَرِجٌ: آثمٌ، وتحرّج الإنسان تحرّجًا: مما ورد لفظه مخالفًا لمعناه، والمراد: فَعَلَ فِعلًا جانب به الْحَرَجَ، كما يقال: تحنّث: إذا فَعَلَ ما يخرج به عن الْحِنث، قال ابن الأعرابيّ: للعرب أفعالٌ، تخالف معانيها ألفاظها، قالوا: تَحَرَّجَ، وتَحَنَّثَ، وتَأَثَّمَ، وتَهَجَّدَ: إذا ترك الْهُجُود (١)، ومن هذا الباب ما ورد بلفظ الدعاء، ولا يراد به الدعاء، بل الحثّ والتحريض، كقوله: تَرِبَتْ يداك، وعَقْرَى حَلْقَي، وما أشبه ذلك. انتهى (٢).

стр. 13967

وقولها: (قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلخ) أي فرضه، وجعله ركنًا بالسنّة، وليس مرادها نفي فرضيّته، ويؤيّد هذا قولها: "ما أتمّ الله حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة"، وفي لفظ: "ما أتمّ الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة". وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "قد سنّ رسول الله ﷺ "الطواف بينهما"؛ سَنّ: بمعنى شَرَع وبيَّن، وهو ركن واجب من أركان الحج والعمرة عند جمهور السلف، وفقهاء الخلف، كما تقدم، ولا ينجبر بالدَّم، ومن تركه، أو شوطًا منه عاد إليه ما لم يُصِب النساء؛ فإن أصاب أعاد قابلًا حجة أو عمرة. واستدل الجمهور: بأن الله تعالى قد جعله من الشعائر، وفعله النبيّ ﷺ ، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وبحديث حبيبة بنت أبي تِجْراة الشيبية، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول: "اسْعَوْا، فإن الله كتب عليكم السعي"، غير أن هذا الحديث تفرَّد به عبد الله بن المؤمِّل، وهو سيئ الحفظ (١)، وقد تقدّم الكلام فيه. [تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها الطبريّ ﵀ (٢) في "تفسيره" ٢/ ٤٧ فقال: حدّثني المثني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عروة بن الزبير، قال: سألت عائشة، فقلت لها: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أوّلتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالْمُشَلَّل، وكان مَن أهلّ لها يتحرج أن

стр. 13968

يطوف بين الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، أنزل الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ "الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ، يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في الباب، والباب الذي قبله. وقولها: (وَغَسَّانُ) بفتح الغين المعجمة، والسين المهملة المشدّدة: آخره نون: اسم قبيلة من الأزد، قاله في "اللباب" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٥] (١٢٧٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَت الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا

стр. 13969

وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٩١) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كَانَت الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن المبارك، عن عاصم، قال: قلت لابن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنَّها كانت من شعائر الجاهليّة، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وتمام شرح الحديث سبق في الحديث الماضي. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٣٠٨٥] (١٢٧٨)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٦٤٨) و"التفسير" (٤٤٩٦)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٦٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٩٥٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣١)، و (البغويّ) في "تفسيره" (١/ ٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 13970

(٤١) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ لَا يُكَرَّرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٦] (١٢٧٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان تقدّما قبل باب. شرح الحديث: (عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (يَقُولُ: لَمْ يَطُفْ) أي لَمْ يَسْعَ (النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا) زاد في الرواية التالية: "طوافه الأول"، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على أن السعي في الحجِّ، أو العمرة لا يُكَرَّر، بل يُقْتَصر منه على مرّة واحدة، ويكره تكراره؛ لأنه بدعةٌ، وفيه دليل لما قدّمناه أن النبيّ ﷺ كان قارنًا، وأن القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ، وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة، والله أعلم. انتهى (١). وقال العلامة ابن القيّم ﵀: حديث جابر ﵁ هذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتع سعيٌ واحدٌ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ﵀،
следующие страницы →