وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقةٌ [٩] مات ببغداد سنة (٢٠٥) أو قبل ذلك (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧.
٣ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام المشهور، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ) الفاعل ضمير عُقيل، أي ساق عُقيل الحديث عن ابن شهاب، بنحو سياق ابن عُيينة عنه. وقولها: (إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ) أي نُجانب الإثم، قال الفيّوميّ ﵀: حَرِجَ الرجلُ، من باب تَعِبَ: أَثِمَ، ورجلٌ حَرِجٌ: آثمٌ، وتحرّج الإنسان تحرّجًا: مما ورد لفظه مخالفًا لمعناه، والمراد: فَعَلَ فِعلًا جانب به الْحَرَجَ، كما يقال: تحنّث: إذا فَعَلَ ما يخرج به عن الْحِنث، قال ابن الأعرابيّ: للعرب أفعالٌ، تخالف معانيها ألفاظها، قالوا: تَحَرَّجَ، وتَحَنَّثَ، وتَأَثَّمَ، وتَهَجَّدَ: إذا ترك الْهُجُود (١)، ومن هذا الباب ما ورد بلفظ الدعاء، ولا يراد به الدعاء، بل الحثّ والتحريض، كقوله: تَرِبَتْ يداك، وعَقْرَى حَلْقَي، وما أشبه ذلك. انتهى (٢).
стр. 13967
وقولها: (قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلخ) أي فرضه، وجعله ركنًا بالسنّة، وليس مرادها نفي فرضيّته، ويؤيّد هذا قولها: "ما أتمّ الله حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة"، وفي لفظ: "ما أتمّ الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة".
وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "قد سنّ رسول الله ﷺ "الطواف بينهما"؛ سَنّ: بمعنى شَرَع وبيَّن، وهو ركن واجب من أركان الحج والعمرة عند جمهور السلف، وفقهاء الخلف، كما تقدم، ولا ينجبر بالدَّم، ومن تركه، أو شوطًا منه عاد إليه ما لم يُصِب النساء؛ فإن أصاب أعاد قابلًا حجة أو عمرة.
واستدل الجمهور: بأن الله تعالى قد جعله من الشعائر، وفعله النبيّ ﷺ ، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وبحديث حبيبة بنت أبي تِجْراة الشيبية، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول: "اسْعَوْا، فإن الله كتب عليكم السعي"، غير أن هذا الحديث تفرَّد به عبد الله بن المؤمِّل، وهو سيئ الحفظ (١)، وقد تقدّم الكلام فيه.
[تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها الطبريّ ﵀ (٢) في "تفسيره" ٢/ ٤٧ فقال: حدّثني المثني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عروة بن الزبير، قال: سألت عائشة، فقلت لها: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وقلت لعائشة: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أوّلتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالْمُشَلَّل، وكان مَن أهلّ لها يتحرج أن
стр. 13968
يطوف بين الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، أنزل الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ "الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ، يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، والباب الذي قبله.
وقولها: (وَغَسَّانُ) بفتح الغين المعجمة، والسين المهملة المشدّدة: آخره نون: اسم قبيلة من الأزد، قاله في "اللباب" (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٥] (١٢٧٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَت الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا
стр. 13969
وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير ﵁، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٩١) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كَانَت الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن المبارك، عن عاصم، قال: قلت لابن مالك ﵁: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنَّها كانت من شعائر الجاهليّة، حتى أنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وتمام شرح الحديث سبق في الحديث الماضي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٣٠٨٥] (١٢٧٨)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٦٤٨) و"التفسير" (٤٤٩٦)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٦٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٩٥٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٦٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٣١)، و (البغويّ) في "تفسيره" (١/ ٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13970
(٤١) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ لَا يُكَرَّرُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٦] (١٢٧٩) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان تقدّما قبل باب.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (يَقُولُ: لَمْ يَطُفْ) أي لَمْ يَسْعَ (النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا) زاد في الرواية التالية: "طوافه الأول"، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على أن السعي في الحجِّ، أو العمرة لا يُكَرَّر، بل يُقْتَصر منه على مرّة واحدة، ويكره تكراره؛ لأنه بدعةٌ، وفيه دليل لما قدّمناه أن النبيّ ﷺ كان قارنًا، وأن القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ، وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة، والله أعلم. انتهى (١).
وقال العلامة ابن القيّم ﵀: حديث جابر ﵁ هذا يوافق قول من يقول: يكفي المتمتع سعيٌ واحدٌ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ﵀،
стр. 13971
نصَّ عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا فيقال: عائشة أثبتت وجابر نفى والمثبت مقدم على النافي، أو يقال: مراد جابر ﵁ مَن قَرَن مع النبيّ ﷺ ، وساق الهدي، كأبي بكر وعمر وطلحة وعليّ ﵃، وذوي اليسار، فإنهم إنما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصحابة ﵃، أو يُعَلَّل حديث عائشة ﵂ بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: حملُ حديث جابر ﵁ على أن المراد مَنْ قَرَنَ مع النبيّ ﷺ ، لا عموم الصحابة ﵃ القارنين والمتمتّعين هو الأرجح والأقرب، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ٣٠٨٦ و ٣٠٨٧] (١٢٧٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٩٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٢٤٤) و"الكبرى" (٢/ ٤١٦ و ٤٦٢)، و (ابن ماجة" في "المناسك" (٢٩٧٢ و ٢٩٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨١٩ و ٣٩١٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٩٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٠١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١٣ و ٣٦٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٥٥)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٣٤٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٠٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٠٦) و"الصغرى" (٤/ ٢٠٢ و ٢٨٩) و"المعرفة" (٤/ ٩٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13972
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الْأَوَّلَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
و"ابن جريجٍ" ذُكر قبله.
وقوله: (طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) بالنصب على البدليّة من "طَوَافًا".
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جُريج، ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" ٢/ ٣٢٧ فقال:
(٣٣١٥) - حدّثنا عمار بن رجاء، نا محمد بن بكر الْبُرْسانيّ، أنا ابن جريجٍ، قال: حدّثني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: "لم يطف النبيّ ﷺ "، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول". انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِدَامَةِ الْحَاجِّ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٨] (١٢٨٠) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ (ع) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَي، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ
стр. 13973
عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ الْأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ، فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ"، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّي، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ.
قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَن الْفَضْلِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ المدنيّ، مولى ابن حُويطب، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و (١٣٠) (خ م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٥٤/ ١٩٣٤.
٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
٨ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد الصحابيّ الشهير، مات ﵁ بالمدينة سنة (٥٤)، وهو ابن (٧٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤.
стр. 13974
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بين الثلاثة منهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء، حيث إنهم سمعوا من لفظ إسماعيل، ولذا قالوا: "حدّثنا"، وأفرد واحدًا؛ لمخالفته لهم في ذلك، حيث إنه سمع قراءة قارئ على شيخه، ولذا قال: "أخبرنا"، وهذا من مستحسنات الأداء، وليس واجبًا، كما قال في "ألفيّة الحديث":
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" .. وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) هو المدنيّ، مولى آل حُويطب، ولا يعرف اسم أبيه، وكان خُصَيف يروي عنه، فيقول: حدّثني محمد بن حُويطب، فذكر ابن حبّان أن خُصيفًا كان ينسبه إلى جدّ مواليه، قاله في "الفتح" (١).
(عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ﵄.
[تنبيه]: كون هذه الرواية عن كريب، عن أسامة، دون ذكر واسطة بينهما، هو الذي في "الصحيحين" وغيرهما، ووقع في رواية للنسائيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن أبي حرملة، كلاهما عن كريب، عن ابن عبّاس، عن أسامة بن زيد، بذكر واسطة ابن عبّاس بين كريب وأسامة، والأول هو الصحيح، كما أشار إليه الحافظ المزيّ ﵀، فإنه قال بعد ذكر رواية النسائيّ المذكورة: كذا قال، والصحيح عن أسامة. انتهى (٢).
(قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) بكسر الدال: أي رَكِبت وراءه، وفيه الركوب حال الدفع من عرفة، والارتداف على الدابة، ومحله إذا كانت مُطيقة، وارتداف أهل الفضل، ويُعَدّ ذلك من إكرامهم للرديف، لا من سوء أدبه (مِنْ
стр. 13975
عَرَفَاتٍ) متعلّق بـ "رَدِفتُ" (فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ) بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل، والمراد به هنا الشِّعب المعهود للحجّاج، كما وصفه بقوله: (الْأَيْسَرَ) بالنصب على الوصفيّة لـ "لشعب"، وكذا قوله: (الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ) أي قبل الوصول إليها (أَنَاخَ) يقال: أَنَخْتُ الجملَ: إذا أبركته، فأناخ الجمل نفسُهُ، وفيه استعمال أفعل لازمًا ومتعدّيًا، وهو كثير، وقال ابن الأعرابيّ: يقال: أناخ رباعيًّا، ولا يقال: ناخ ثلاثيًّا، قاله في "التاج" (١).
وقال الفيّوميّ: أناخ الرجل الجملَ إناخةً، قالوا: ولا يقال في المطاوع: فناخ، بل يقال: فبَرَكَ، وتنوّخ، وقد يقال: فاستناخ، والْمُنَاخ بضمّ الميم: موضع الإناخة. انتهى (٢).
(فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ) أي من محلّ البول (فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتوضّأ به، وسبق فيه لغة أنه يقال بالضمّ، وليست بشيء.
قال: وفيه دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، قال أصحابنا: الاستعانة فيه ثلاثة أقسام: [أحدها]: أن يستعين في إحضار الماء من البئر، والبيت، ونحوهما، وتقديمِهِ إليه، وهذا جائز، ولا يقال: إنه خلاف الأولى.
[والثاني]: أن يستعين بمن يَغسِل الأعضاء، فهذا مكروه كراهة تنزيه، إلا أن يكون معذورًا بمرض أو غيره.
[والثالث]: أن يستعين بمن يَصُبّ عليه، فإن كان لعذر فلا بأس، وإلا فهو خلاف الأولي، وهل يسمى مكروهًا؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما ليس بمكروه؛ لأنه لم يثبت فيه نهيٌ، وأما استعانة النبيّ ﷺ بأسامة، والمغيرة بن شعبة، في غزوة تبوك، وبالرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، فلبيان الجواز، ويكون أفضل في حقه حينئذ؛ لأنه مأمور بالبيان، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله في الثاني: "مكروه كراهة تنزيه" فيه نظر لا يخفى؛ لأن الظاهر عدم جوازه أصلًا؛ لأن المأمور به في الأصل غسل
стр. 13976
المكلّف أعضاءه بنفسه، فكما لا يصلّي أحد عن غيره، فكذلك الوضوء، إلا إذا دلّ دليل على خلاف ذلك، مثل صبّ الماء، ونحوه، ولم يوجد في هذا دليلٌ، فيبقى على الأصل، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "كتاب الطهارة" من هذا الشرح، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) أي: خففه، بأن توضأ مرةً مرةً، أو خَفَّفَ استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته ﷺ ، وهذا معنى قوله في رواية مالك الآتية بعد باب، بلفظ: "ولم يسبغ الوضوء"، وأغرب ابن عبد البر، فقال: معنى قوله: "ولم يسبغ الوضوء"، أي استنجى به، وأطلق عليه اسم الوضوء اللغويّ؛ لأنه من الوضاءة، وهي النظافة، ومعنى الإسباغ الإكمال، أي لم يكمل وضوءه، فيتوضأ للصلاة، قال: وقد قيل: إنه توضأ وضوءًا خفيفًا، ولكن الأصول تدفع هذا؛ لأنه لا يُشْرَع الوضوء لصلاة واحدة مرتين، وليس ذلك في رواية مالك، ثم قال: وقد قيل: إن معنى قوله: "ولم يسبغ الوضوء"، أي لم يتوضأ في جميع أعضاء الوضوء، بل اقتصر على بعضها، واستضعفه. انتهى.
وحَكَى ابن بطال أن عيسى بن دينار من قدماء أصحابهم سبق ابن عبد البرّ إلى ما اختاره أوّلًا، وهو متعقب بهذه الرواية الصريحة، وقد تابع محمد بن أبي حرملة عليها محمد بن عقبة أخو موسي، أخرجه مسلم بعد باب بمثل لفظه، وتابعهما إبراهيم بن عقبة أخو موسى أيضًا، أخرجه مسلم أيضًا بعد باب بلفظ: "فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ".
وفي رواية للبخاريّ في "الطهارة" من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن موسى بن عقبة، بلفظ: "فجعلت أصبّ عليه، ويتوضأ"، ولم تكن عادته ﷺ أن يباشر ذلك أحد منه حال الاستنجاء.
ويوضحه ما أخرجه مسلم أيضًا بعد باب من طريق عطاء مولى ابن سباع، عن أسامة، في هذه القصة قال فيها أيضًا: "ذهب إلى الغائط، فلما رجع صببت عليه من الإداوة".
قال القرطبيّ ﵀: اختَلَف الشراح في قوله: "ولم يسبغ الوضوء"، هل المراد به: اقتَصَر به على بعض الأعضاء، فيكون وضوءًا لغويًّا، أو اقتَصَر على بعض العدد، فيكون وضوءًا شرعيًّا؟، قال: وكلاهما مُحْتَمِلٌ، لكن يعضد من
стр. 13977
قال بالثاني قوله في الرواية الأخرى: "وضوءًا خفيفًا"؛ لأنه لا يقال في الناقص خفيف، ومن موضحات ذلك أيضًا قول أسامة ﵁ له: "الصلاةَ"، فإنه يدلّ على أنه رآه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولذلك قال له: "أتصلي؟ "، كذا قال ابن بطال، وفيه نظرٌ؛ لأنه لا مانع أن يقول له ذلك؛ لاحتمال أن يكون مراده: أتريد الصلاة؟ فلمَ لمْ تتوضأ وضوءها؟، وجوابه بأن الصلاة أمامك، معناه أن المغرب لا تصلى هنا، فلا تحتاج إلى وضوء الصلاة، وكأن أسامة ﵁ ظَنّ أنه ﷺ نسي صلاة المغرب، ورأى وقتها قد كاد أن يخرج، أو خرج، فأعلمه النبيّ ﷺ أنها في تلك الليلة يشرع تأخيرها؛ لتُجْمَع مع العشاء بالمزدلفة، ولم يكن أسامة يَعْرِف تلك السُّنّة قبل ذلك.
وأما اعتلال ابن عبد البر بأن الوضوء لا يُشْرَع مرتين لصلاة واحدة، فليس بلازم؛ لاحتمال أنه توضأ ثانيًا عن حدث طارئ، وليس الشرط بأنه لا يُشرع تجديد الوضوء إلا لمن أَدَّى به صلاةً فرضًا أو نَفْلًا متّفقًا عليه، بل ذهب جماعة إلى جوازه، وإن كان الأصح خلافه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق هذه المسألة في "كتاب الطهارة"، وأن الأرجح أن تجديد الوضوء مشروع، وإن لم يؤدّ به عبادةً؛ لأن الوضوء وإن كان وسيلة للصلاة، إلا أنه عبادة مستقلّة حيث تكفّر به الخطايا، كما سبق في حديث: "إذا توضأ العبد المسلم، فغسل وجهه، خرج من وجهه كلّ خطيئة نظر إليها بعينيه … " الحديث، فراجع شرح هذا الحديث، تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
قال: وإنما توضأ أَوّلًا؛ ليستديم الطهارة، ولا سيّما في تلك الحالة؛ لكثرة الاحتياج إلى ذكر الله حينئذ، وخَفّف الوضوء؛ لقلة الماء حينئذ.
وقال الخطابيّ ﵀: إنما ترك إسباغه حين نزل الشِّعْب؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل، وأرادها أسبغه. انتهى (١).
(ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) بنصب "الصلاةَ" على الإغراء، أو على
стр. 13978
إضمار فعل، أي: أتريد الصلاةَ، قال الحافظ ﵀: "ويؤيّده قوله في رواية: "أتصلي يا رسول الله؟ "، ويجوز الرفع على تقدير: حانت الصلاة، أو حَضَرَت مثلًا.
(فَقَالَ) ﷺ ("الصَّلَاةُ أَمَامَكَ") برفع "الصلاةُ" على الابتداء، والخبر: "أمامك"، وهو بفتح الهمزة، أي قُدّامك، ثم إنه يحتمل نصبه على الظرفيّة، فيتعلّق بمحذوف خبرٍ عن المبتدأ، وَيحْتَمِل الرفع على أنه الخبر؛ لأنه من الظروف التي تقبل التصرّف (١)، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا يُرَى ظَرْفًا وَغَيْرَ ظَرْفِ … فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ
يعني أن الصلاة ستصلى بين يديك، أو أطلق الصلاة على مكانها، أي المصلى بين يديك، أو معنى أمامك لا تفوتك، وستدركها، وفيه تذكير التابع بما تركه متبوعه؛ ليفعله، أو يَعْتَذِر عنه، أو يُبَيِّن له وجه صوابه، قاله في "الفتح" (٢).
وقال النوويّ ﵀: معناه أن أسامة ذكَّره بصلاة المغرب، وظَنّ أن النبيّ ﷺ نسيها حيث أخّرها عن العادة المعروفة في غير هذه الليلة، فقال له النبيّ ﷺ : "الصلاة أمامك"، أي إن الصلاة في هذه الليلة مشروعة فيما بين يديك، أي في المزدلفة، ففيه استحباب تذكير التابع المتبوع بما تركه خلاف العادة؛ ليفعله، أو يعتذر عنه، أو يبيّن له وجه صوابه، وأنّ مخالفته للعادة سببها كذا وكذا.
وأما قوله ﷺ : "الصلاة أمامك"، ففيه أن السنّة في هذا الموضع في هذه الليلة تأخير المغرب إلى العشاء، والجمع بينهما في المزدلفة، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وليس هو بواجب، بل سنةٌ، فلو صلاهما في طريقه، أو صلى كل واحدة في وقتها جاز، وقال بعض أصحاب مالك: إن صلى المغرب في وقتها لزمه إعادتها، وهذا شاذّ ضعيف. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "شاذّ ضعيف"، فيه نظر لا يخفي، بل هو
стр. 13979
الصواب الذي تدلّ عليه الأدلّة الصحيحة، من فعل النبيِّ ﷺ وقوله، فتبصّر.
وقال الخطابيّ ﵀: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة، وهي أمامك، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس؛ لبيان فعل النبيّ ﷺ ، وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاجّ إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع، على ما سنّه الرسول ﷺ بفعله، وبيّنه بقوله، ولو أجزأته في غير المكان لمَا أخّرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام.
انتهى كلام الخطابيّ ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيسٌ.
وقال الكرمانيّ متعقّبًا لكلام الخطّابيّ: ليس فيه دليل على أنه لا يجوز؛ إذ فعله المجرد لا يدلّ إلا على الندب، وملازمة الشرطية في قوله: "لَمَا أَخَّرها" ممنوعة؛ لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير؛ إذ الأصل عدم الجواز.
وتعقّبه العينيّ، فقال: لا نسلّم نفي الدليل على عدم الجواز؛ لأن فعله قارنه قوله، فدلّ على عدم الجواز، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالمًا بالسنّة، ولم يكن يعلم ذلك؛ لأنه ﷺ أول من سنها في حجة الوداع، والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فَقِرَانُ فعله بقوله دليل على عدم الجواز، ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود، والله أعلم. انتهى كلام العينيّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العينيّ ردًّا على كلام الكرمانيّ تحقيقٌ حقيق بالقبول؛ لأنه الذي تؤيّده الأدلّة الصحيحة، فتبصّر.
قال المحقّق ابن حزم ﵀: وأما قولنا: "لا تجزئ صلاة المغرب تلك الليلة إلا بمزدلفة، ولا بدّ، وبعد غروب الشفق، ولا بدّ"، فلِمَا رَوَيناه من طريق البخاريّ: نا ابن سلام، نا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن موسى بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد، قال: لما أفاض رسول الله ﷺ من عرفات، عَدَلَ إلى الشِّعْب، فقضى
стр. 13980
حاجته، فجعلت أصب عليه، ويتوضأ، فقلت: يا رسول الله أتصلي؟ قال: "المصلى أمامك"، وذكر باقي الحديث.
ثم قال: فإذ قد قصد ﷺ ترك صلاة المغرب، وأخبر بأن المصلَّى من أمام، وأن الصلاة من أمام، فالمصلَّى هو موضع الصلاة، فقد أخبر بأن موضع الصلاة، ووقت الصلاة من أمام، فصح يقينًا أن ما قبل ذلك الوقت، وما قبل ذلك المكان، ليس مصلًّى، ولا الصلاة فيه صلاة. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن صلاة المغرب في تلك الليلة لا تجوز إلا في المزدلفة مجموعة مع العشاء، كما بيّن النبيّ ﷺ ذلك قولًا وفعلًا، فمن صلّاها قبل ذلك، لزمه إعادتها فيها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال في "العمدة": [فإن قلت]: "الصلاة أمامك" قضية حَمْليّةٌ، فكيف يصحّ هذا الحمل؟ لأن الصلاة ليست بأمام.
[قلت]: المضاف فيه محذوف، تقديره: وقت الصلاة أمامك؛ إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه، وقيل: معناه: المصلَّى أمامك، أي مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحالّ، وإرادة المحلّ، وهو أعمّ من أن يكون مكانًا، أو زمانًا. انتهى (٢).
(فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى) أي لم يبدأ بشيء قبل الصلاة، ووقع في رواية إبراهيم بن عقبة الآتية بعد باب: "ثم سار، حتى بلغ جَمْعًا، فصلى المغرب والعشاء"، وقد بيّنه في رواية مالك الآتية هناك أيضًا بلفظ: "فركب، فلما جاء المزدلفة، نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلّاها، ولم يصلّ بينهما شيئًا"، وبيّن في رواية إبراهيم بن عقبة، عن كريب: أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين على الإناخة، ولفظه: "فركب حتى جئنا المزدلفة، فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يَحُلُّوا حتى أقام العشاء الآخرةَ، فصلّوا، ثم حَلُّوا"، وكأنهم صنعوا ذلك رِفْقًا بالدوابّ، أو
стр. 13981
للأمن من تشويشهم بها، وفيه إشعار بأنه خَفَّف القراءة في الصلاتين، وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يُجْمَع بينهما، ولا يَقطع ذلك الجمع، أفاده في "الفتح" (١).
(ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي ركب خلف رسول الله ﷺ ، وهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، ابن عمّ النبيّ ﷺ ، وأكبر أولاد العبّاس، استُشهِد في خلافة عمر ﵁، تقدّمت ترجمته في "الصيام" ١٣/ ٢٥٨٩.
ووقع في رواية إبراهيم بن عقبة الآتية: "قال كريب: فقلت لأسامة: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: رَدِفَه الفضلُ بنُ العباس، وانطلقت أنا في سُبّاق قريش على رجليّ، يعني إلى منى". واستُدِلّ بالحديث على جمع التأخير، وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية، وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية، والمالكية بسبب النسك، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم ترجيح القول بأنه للنسك، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَدَاةَ جَمْعِ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "رَدِفَ"، و"جمع" بفتح الجيم، وسكون الَميم: هو المزدلفة؛ سُمّيت بذلك، إما لأن الناس يجتمعون بها، أو لأن آدم؛ اجتمع بحوّاء هناك (٢).
وقوله: (قَالَ كُرَيْبٌ) موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه (فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ) ﵄ (عَن الْفَضْلِ) أي عن أخيه الفضل بن عبّاس ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ) قال النوويّ ﵀: فيه دليل على أنه يستديم التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة غداة يوم النحر، وهذا مذهب الشافعيّ، وسفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، ومن بعدهم، وقال الحسن البصريّ: يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة، ثم يقطع، وحُكِي عن عليّ، وابن عمر، وعائشة، ومالك، وجمهور فقهاء المدينة، أنه يلبي حتى
стр. 13982
تزول الشمس يوم عرفة، ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف، وقال أحمد، وإسحاق، وبعض السلف: يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة.
ودليل الشافعيّ، والجمهور هذا الحديث الصحيح، مع الأحاديث بعده، ولا حجة للآخرين في مخالفتها، فيتعيّن اتباع السنة.
قال: وأما قوله في الرواية الآتية: "لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة"، فقد يحتج به أحمد، وإسحاق لمذهبهما، ويُجيب عنه الجمهور بأن المراد حتى شرع في الرمي؛ ليجمع بين الروايتين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق هو الأرجح؛ لهذا الحديث، وأما تأويل الجمهور له، ففيه نظر لا يخفي، فلماذا لا يؤوّل بالعكس؟ فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد، والفضل بن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٣٠٨٨ و ٣٠٨٩ و ٣١٠٠ و ٣١٠١ و ٣١٠٢ و ٣١٠٣ و ٣١٠٤ و ٣١٠٥] (١٢٨٠ و ١٢٨١)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٣٩ و ١٨١) و"الحجِّ" (١٦٧٠ و ١٦٧٢)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٢٥)، و (النسائيّ) في "المواقيت" (١/ ٢٩٢) و"المناسك" (٥/ ٢٥٩) و"الكبرى" (٢/ ٤٢٦ - و ٤٢٧)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢/ ١٠٠٥)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (١/ ١١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٠ و ٥/ ١٩٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٥٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٨٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٦٤ و ٣٧٥ و ٣٧٦ و ٣٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٦٣ و ٣٦٧
стр. 13983
و ٣٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٥٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٨٦) و"الأوسط" (٧/ ١٩٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ٩٨)، و (البزّار) في "مسنده" (٧/ ٤٥)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٢) و"المعرفة" (٤/ ١١٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن التلبية تُستحبّ حتى يرمي جمرة العقبة، وخالف في ذلك بعضهم، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان جواز الإرداف على الدابة إذا أطاقت ذلك.
٣ - (ومنها): جواز الاستعانة في الوضوء في صب الماء.
٤ - (ومنها): مشروعية التخفيف في الوضوء.
٥ - (ومنها): استحباب الوضوء للدوام على الطهارة، وإن لم يصلّ به صلاة؛ إذ هي عبادة تَرَتَّب عليها تكفير الذنوب، فقول من قال بكراهة الوضوء إثر الوضوء ما لم يؤدّ بالأول صلاة مما لا دليل عليه، وقد تقدم تحقيق هذا في "كتاب الطهارة"، فارجع إليه تزدد علمًا.
٦ - (ومنها): أن صلاة المغرب في الطريق قبل الوصول إلى مزدلفة لا تُجْزِئُ، على القول الراجح؛ لقوله ﷺ : "الصلاةُ أمامَك".
٧ - (ومنها): أن الفصل بين الصلاتين بتنزيل الرحل ونحوه لا يضرّ في الجمع.
٨ - (ومنها): أنه لا يشرع الفصل بينهما بأداء سنة المغرب؛ لقوله: "ولم يُصَلِّ بينهما"، كما في رواية مالك الآتية بعد باب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي تُقطع فيه التلبية: ذهب الجمهور إلى ما دلّ عليه حديث الباب، فقالوا: يستمرّ على التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وبعدها يشرع في التحلّل. روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄، أنه كان يقول: "التلبية شعار الحجِّ، فإذا كنت حاجًّا، فلَبِّ حتى بدء حلّك، وبدء حلّك أن ترمي جمرة العقبة".
стр. 13984
وروى سعيد بن منصور، عن ابن عباس ﵄، قال: "حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يُلبّي حتى رمى جمرة العقبة"، وباستمرارها قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأتباعهم.
وذهبت طائفة إلى أن المحرِم يقطع التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة.
وذهبت طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ ﵃، وبه قال مالك، وقيّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعيّ، والليث، وعن الحسن البصريّ مثله، لكن قال: "إذا صلّى الغداة يوم عرفة"، وهو بمعنى الأول، وقد روى الطحاويّ بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "حججت مع عبد الله، فلما أفاض إلى جمْع جعل يلبّي، فقال رجل: أعرابيّ هذا؟، فقال عبد الله: أنسي الناس، أم ضلّوا؟ "، وأشار الطحاويّ إلى أن كلّ من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنَّها لا تشرع، وجمع في ذلك بين ما اختلف من الآثار.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ذهب إليه الجمهور من استمرار التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم أيضًا، في أنه هل تُقطع التلبية مع أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟:
ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب أحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى الثاني، ويدلّ لهم ما رواه ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل، قال: "أفضت مع النبيِّ ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة"، قال بن خزيمة ﵀: هذا حديث صحيحٌ مُفَسِّرٌ لما أُبْهِم في الروايات الأخري، وأن المراد بقوله: "حتى رمى جمرة العقبة"، أي
стр. 13985
أتمّ رميها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد، وبعض الشافعيّة من أن قطع التلبية عند تمام الرمي هو الحقّ؛ لصحة حديث الفضل المذكور عند ابن خزيمة ﵀، وهو حديث مفسّر تُحْمَل عليه الأحاديث الأخري، فيكون معنى قوله: "حتى رمى جمرة العقبة": حتى أتمّ رميها بآخر الحصيات، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨٩] (١٢٨١) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى ابْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَي، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ مجتهد [١٠] (ت ٢٣٨) وله (٧٢) سنةَ (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (عَطَاءٌ) بن أبي رباح أسلم، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي حتى فرغ منها؛ لِمَا تقدّم من رواية ابن خزيمة في "صحيحه" بلفظ: "فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر
стр. 13986
مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة"، فهذا نصّ صريح يرجّح مذهب القائلين بأن قطع التلبية يكون مع آخر الجمرة، كما أسلفنا تحقيقه، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٠] (١٢٨٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: "عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ"، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ، حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى، قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ"، وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) اسمه نافذ المكيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فقد تفرّد به هو وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
стр. 13987
شرح الحديث:
(عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، هو شقيق عبد الله الراوي عنه، وهو أكبر أولاد العباس ﵁، وكان يكنى به، استُشهد في خلافة عمر ﵃، كما تقدّم قريبًا (وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي راكبًا خلفه من مزدلفة إلى مني، والجملة معترضة (أَنَّهُ) أي الرسول ﷺ (قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ) هذا سمعه منه ﷺ ، وهو غير رديفه؛ لأن رديفه في ذلك الوقت هو أسامة بن زيد ﵄، كما تقدّم في حديث أسامة ﵁ المذكور قبل حديث (وَغَدَاةِ جَمْعٍ) بفتح الجيم، وإسكان الميم: اسم لمزدلفة، أي صباح ليلة المزدلفة، حيث كان الفضل رديفه ﷺ (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ "قال"، وكذا قوله: (حِينَ دَفَعُوا) أي رجعوا من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى ("عَلَيْكُمُ بِالسَّكِينَةِ") أي الزموها، والجملة في محل نصب مقول القول، قال النوويّ ﵀: هذا إرشاد إلى الأدب والسنّةِ في السير تلك الليلة، ويُلحَق بها سائر مواضع الزحام. انتهى (١). (وَهُوَ) ﷺ (كَافٌّ نَاقَتَهُ) بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكفّ، وهو المنع، أي مانعها من الإسراع حين الزحام، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (حَتَّى إِذَا دَخَلَ مُحَسِّرًا) بصيغة اسم الفاعل من التحسير، يقال: حسّرتُهُ - بالتثقيل -: أوقعته في الحسرة، اسم واد بين المزدلفة ومني، سمّي به؛ لأن فيل أَبْرَهَة كَلَّ فيه، وأعيا، فحسّرَ أصحابه بفعله، وأوقعهم في الحسرات، أفاده الفيّوميّ. (وَهُوَ مِنْ مِنًى) يعني أن واديَ محسّر من جملة مني، وظاهره أنه داخل في حدودها، وعلى هذا فالأمر بالارتفاع عنه؛ لكونه محلّ تحسّر أصحاب الفيل.
وقيل: هو من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومني، وأن معنى قوله: "وهو من منى" أي هو موضع قريبٌ من منى في آخر المزدلفة، وقد تقدّم تحقيق الكلام في ذلك في شرح حديث جابر ﵁ الطويل (قَالَ) ﷺ ("عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ) بالخاء، والذال المعجمتين، أي الزموا حصى الرمي، والمراد به الحصى الصغار، قال الفيّوميّ ﵀: خذفت الحصاة ونحوها خذفًا، من باب ضرب: رميتها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف:
стр. 13988
معناه حصى الرمي، والمراد الحصى الصغار، لكنه أطلق مجازًا. انتهي، وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: حصى الخذف هو نحو حبة الباقلّا، قال أصحابنا: ولو رمى بأكبر منها، أو أصغر جاز، وكان مكروهًا. انتهى.
وقوله: (الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ") صفة لـ "حصى الخذف"، والفعل مبنيّ للمفعول، و"الجمرة" بالرفع نائب فاعله (وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) أي حتى فرغ من رمي جمرة العقبة يوم النحر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الفضل بن عباس ﵄ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٣٠٩٠ و ٣٠٩١] (١٢٨٢)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٥٤٤ و ١٦٨٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨١٥)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٩١٨)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجِّ" (٥/ ٢٥٨ و ٢٦٧) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٣٠٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٠ و ٢١٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٤٣ و ٢٨٦٠ و ٢٨٧٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٧٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٦٨٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٩١ و ١٩٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ٩٢)، و (البزّار) في "مسنده" (٦/ ١٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بحث يتعلّق بقوله: "وهو كافّ ناقته حتى دخل مُحسِّرًا، وهو من منى": (اعلم): أني رأيت رسالةً للعلامة المحدّث المحقّق عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي اليمانيّ المتوفّى سنة (١٣٨٦ هـ) قد أجاد فيها البحث فيما يتعلّق بسير النبيّ ﷺ في حجته بين المشاعر، ومتى كان إسراعه، والكلام عن وادي
стр. 13989
مُحسّر، وسبب الإسراع فيه، أحببت نقلها هنا؛ لغزارة فوائدها، وكثرة عوائدها (١).
قال رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه .. آمين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في "الصحيحين"، وغيرهما عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "سُئِلَ أسامةُ، وأنا جالس: كيف كان رسول الله ﷺ في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فَجْوة نَصَّ"، لفظ البخاري، وزاد في رواية: "قال هشام: والنصّ فوق العنق".
المشهور أن العنق سيرٌ فِيهِ إسراع، وقد يَرِدُ على ذلك أن في روايةٍ في "صحيح مسلم" عن أسامة: "فما زال يسير على هيئته"، ويُرْوَى: "على هينته، حتى أتى جَمْعًا"، وفي روايةٍ في "المسند" سندُها صحيح: "فَجَعَلَ يَكْبَح راحلته حتى إن ذِفْرَيها لتكاد تصيب قادمة الرحل، وهو يقول: يا أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار، فإن البِرَّ ليس في إيضاع الإبل"، وفي أخرى سندها حسن: "فكان رسول الله ﷺ إذا الْتَحَم عليه الناس أعنق، وإذا وجد فرجة نص"، وفي "الْمُسْنَد"، و"صحيح مسلم" في حديث جابر: "وقد شَنَقَ للقصواء الزمامَ حتى إِنّ رأسها ليُصِيب مَوْرك رحله، ويقول: أيها الناس السكينة السكينة؛ كلما أتى حَبْلًا من الحبال أرخى لها حتى تصعد … "، وفي معنى ذلك أخبار أُخْرى.
فأيُّ إسراعٍ يكون لناقةٍ مُنَوَّقة مشنوق لها الزمام أشدَّ الشنق، ملتحم عليها المشاة والركبان؟.
وقد يُجاب بأنّ العَنَقَ في الأصل هو كما في "الفائق": الخطو الفسيح، فالسرعة فيه من جهة سعة الخطو، لا من جهة سرعة تتابعه، والإبل بطبيعة حالها واسعة الْخَطو.
وفي فقه اللغة للثعالبي: "فصل في ترتيب سَيْر الإِبل، عن النَّضْر بن شُميل: أوَّل سير الإبل الدبيب، ثم التزيد، ثم الذَّمِيل، ثم الرسيم … ، فصل
стр. 13990
في مثل ذلك عن الأصمعيّ: العنق من السير المُسْبَطِرّ، فإذا ارتفع عنه قليلًا فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذَّمِيل، فإذا ارتفع عن ذلك فهو الرسيم"، وقضيّة هذا أنّ أول سير الإبل يسمّى عَنَقًا، وبعدُ فقد عُرف بالوصف حقيقة سير ناقته ﷺ عند الازدحام.
فأما النصّ فهو كما قال هشام: فوق ذلك، كأنه ﷺ كان إذا وجد فَجْوةً أي: خُلُوًّا عن المزاحمين أَرْخَى الزمام فتسرع قليلًا بِطبيعة حالها، ولم يُعَيّن الصحابة مواضع تلك الفَجَوات؛ لأنّه لا دخل لخصوص المكان فيها، وإنما المدار على الخلوّ من المزاحمين، كما مرّ.
وقد عُلم مِمَا مرَّ أنَّ (١) عرفة إلى مزدلفة لم يُسرع النَّبِيُّ ﷺ فوق العادة، وأنّه ليس بينهما مكان يشرع فيه الإِبطاء، أوِ الإسراع المعتاد، وإنما المدار على الزّحام وعدمه.
فأما من مزدلفة إلى جمرة العقبة ففي "المسند" بسند صحيح عن أسامة: "لما دفع من عرفة … كَفَّ رأس راحلته حتى أصاب رأسها واسطة الرحل، أو كاد يصيبه، يُشِير إلى الناس بيده: السكينة السكينة حتى أتى جَمْعًا، ثم أردف الفضل بن عباس … فقال الفضل: لم يَزَلْ يسير سَيْرًا لينًا كسَيْره بالأمس، حتى أتى على وادي محسِّر، فدفع فِيهِ حتى اسْتوت به الأرضُ".
وفي حديث جابر ﵁ في "المسند" و"صحيح مسلم" وغيرهما: "حتى أَتَى بَطْنَ مُحَسّر، فحَرَّك قليلًا، وفي "سنن النَّسَائيّ" من حديث أبي الزبير، عن جابر: "أفاض رسول اللهِ ﷺ ، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأَوْضَعَ في وادي محسّر … "، وهو في "المسند"، وبقية "السنن"، قال الترمذيّ: حسن صحيح، وفي بعض رواياته في "المسند"، و"سنن ابن ماجة": "وقال: لتأخذْ أمّتِي نسكها، فإِنّي لا أدري لعلّي لا ألقاهم بعد عامِي هذا".
وفي "الْمُسْنَد"، و"سنن الترمذي"، من حديث عليّ: " … ثم أفاض حتى انْتهى إلى وادِي محسّر، فقَرَع ناقته، فخَبَّتْ حتى جاوز الوادِي"، لفظ التّرمذيّ، وقال: "حسن صحيح".
стр. 13991
في هذه الأحاديث أَنّ النّبِيّ ﷺ خَصَّ وادي محسّر دونَ ما قبله وما بعده بأن قرع ناقته فيه لتسرع فوق العادة، ولم يكن لذلك سبب طبيعيّ، ففهم الصحابة ﵃ أن ذلك لأمرٍ شرعيّ، وأنّ مثل ذلك الإسراع مشروع في ذلك المكان، ولذلك نصّوا عليه وفاءً بما أُمروا به من التبليغ، وعَمِلوا به بعد النّبِي ﷺ . جاء ذلك عن عمر، وابن عمر، وأخذت به الأمة، فهو سنة ثابتة.
قال المعلّمي ﵀: وهل يُشرع مِثْلُ ذلك الإسراع عند المرور بمحسّر (١) في الطلوع إلى عَرَفَة، وعند المرور به في غير الحَجّ؟ لم أجد دليلًا خاصًّا على ذلك، وقد يُستدلّ على عَدَمِه بأنه لم يُنْقَلْ أنّه ﷺ أسرع فيه عند طلوعه إلى عَرَفَةَ.
وقد يُدْفَعُ هذا باحتمال أنه عند الطلوع لم يكن قد أُمر بالإسراع فتركه؛ لأنه لم يكن مشروعًا حينَئذ (٢)، أَوْ لعله أسرع، ولم يُنْقَلْ ذلك؛ لأنّهم لم يعتَنُوا ببيان سيره في طلوعه، كما اعتَنَوا ببيان سيره في نزوله، واكتفاءً بدلالة إسراعه به في نزوله على أنَّ الإسراع فيه مشروع مطلقًا، فما هذه الدلالة؟ مدارها على المعنى الذي لأجله شُرع الإسراع، وفي ذلك أقوال:
[الأوَّل]: أن ذلك الوادي مأوى للشياطين؛ وكأنّ هذا مأخوذ من قصة الوادي الذي نام فيه النبي ﷺ وأصحابه عَنْ صلاة الصبح، فلما استيقظوا، وقد طلعت الشمس أمرهم بالخروج منه، وعلَّلَ ذلك بأنّ فيه شيطانًا، فاقْتَادُوا رواحِلَهُم حتى خرجوا منه، فصلّى بهم، ويَرُدّ هذا أنَّ الخروجَ إنّما كان لمصلحة الصلاة، لا لِكَرَاهِيَة الكون في الوادِي (٣)، فقد باتُوا فيه وناموا، وأيضًا فلم يُسْرِعْ ولا أمرهم بالإسراع في خروجهم.
стр. 13992
[الثاني]: أن النصارى كانوا يقفون بمحسِّر، فَأوْضَعَ فيه النبِيُّ ﷺ ؛ مخالفةً لهم، وكأنّ هذا مأخوذ مِمّا رُوِيَ أن عمر ﵁ قال، وهو يوضِعُ:
إليك تعدو قلقًا وضينها … معتَرِضًا في بطنها جنينُها
مخالِفًا دينَ النصارى دينُها
ولا يَخْفَى أنّ هذا لا يدل على أنّ النصارى كانوا يقفون بمحسر، ويكفي في معنى البيت مخالَفَة النّصارى في شركهم، وعدم حجّهم، وأيضًا فلو ثَبَتَ أنهم كانوا يقفون به فالمخالفة تحصل بعدم الوقوف، فلا تقتضِي الإسراع.
[الثالث]: أنّ المشركين كانوا يقفون به يتفاخرون بآبائهم، وكأنّ هذا مبنيٌّ على الذي قَبْلَه، ولكن لما كانت دعوى وقوف النّصارى لا سَنَدَ لها أبدلوا بالمشركين؛ لأنّه قد رُوِيَ ما يشْبِهُ ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] ويردُّه أنّه إذا كانت الآيَةُ تُشِيرُ إلى ذلك، فإنّها تشير إلى أنّ ذلك كان عند قضاء المناسك، وأكثَر الروايات توافق ذلك، وأنّهم كانوا يتفاخرون بمني، وفي بعضها: عند الْجَمْرَة، وفي بعضها: يوم النحر، وليس في الروايات ذِكرٌ لمحسِّر، وأيضًا فمُخَالفتهم في ذلك لا تَقْتَضِي الإسراع.
[الرابع]: وهو المشهور: أن وادي محسِّر موضع نزل به عذاب، قال ابن القيّم في "الْهَدْي": "فلمّا أتى بطنَ محسّر حرَّكَ ناقَتَهُ وأَسْرَعَ السَّيْرَ، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بَأْسُ اللهِ بأعدائه، فإن هنالك أَصَابَ أَصْحَابَ الفيل ما قَصَّ اللهُ علينا، ولذلك سُمّيَ ذلك الوادي واديَ محسّر؛ لأن الفِيلَ حَسَرَ فيه: أَيْ أَعْيَا، وانقطع مِنَ الذّهاب، وكذلك فعل في سلوكه الحِجْرَ، وديارَ ثمود، فإِنّه تَقَنَّعَ بثَوبه، وأسرع السير، ومحسر برزخ … "، وسيأتي بقيّةُ عبارته.
وهذا القولُ مَقْبولٌ، وشاهِدُهُ، وهو الإسراعُ في أرض ثَمود مَنْقُول،
стр. 13993
ووَجِيهٌ أن يُكْرَهَ الكونُ بمنازل غَضَب اللهِ فوق ما لا بُدَّ منه منَ الْمُرُور السريع، كما يستَحَبّ الكون واللبث بمنازلَ بركة اللهِ، كمكَّةَ، والمدينة، ولا يَخدِش (١) في هذا الوَجْهِ الوَجِيه أن نَجْهَلَ ما هو العَذَابُ الذي نزل بمحسِّر، فإن ما ذكروه مِنْ أَنّه عذابُ أصحاب الفيل، وأَنَّ الفِيلَ حُبِسَ هناك، مُتَعَقَّب بأنّ المعروفَ في الأخبار، والأشْعَار، والآثار أَنّ ذلك كان بالْمُغَمَّس (٢).
وأنّ الفيل حُبِسَ دون الْحَرَم، ولكن لا مانع أن تكونَ طليعة من أصحاب الفيل تَقَدَّمت الفِيلَ والجيش، فبلغت محسِّرًا؛ وقيل: إنّ العذابَ هو أن رجلًا اصطاد فيه، فنزلت نارٌ فَأَحرقته.
وقد عَلِمْتَ أنّ وَجَاهَةَ القول الرابع لا يخدِش فيها الْجَهْلُ بتعيين العذاب.
وإذا كان ذاك المعنى هو المتجه، فلا ريب أنَّ اقتضاءَه للإِسراع في محسّر كراهِيَةَ الكون به فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، لا يختصّ بالحاجّ المفِيض من مزدلفَةَ، فيُلْحَق به غيرُه؛ استنباطًا، والله أعلم.
[فصل]: إذا ثَبَتَ أن محسّرًا يكره الكونُ به فوق ما لا بدَّ منه من المرور السريع، وَجَبَ أنْ لا يَكونَ من البُقْعة التي شُرِعَت فيها البيتوتة ليالِيَ التشريق، والكونُ بها بقيّة نهار الثامن، وليلة التاسع، ويوم النحر، وأيّام التشريق، وهي مني، فلا يكون محسّر من منى في الحكم، فأمّا في الاسم فقد جاء ما يدل على أنّه من مزدَلِفَةَ في الاسم، مع خروجه منها في الحكم، وجاء ما يدلّ على أنَه من منى في الاسم، وجاء ما يدل على أنه ليس من منى ولا مزدلفة.
فأما الأوّلُ: فأخْرج ابن جرير في "تفسيره" عن زيد بن أسلم، عنِ النبيّ ﷺ قال: "عرفَةُ كلها موقفٌ إلا عُرَنَةَ، وجَمْع كلها موقف إلا محسِّرًا"، وأخرج عن ابنِ الزبير: "كل مُزْدلفة موقف، إلا وادي محسّر"، وعن عروة بن الزبير مثله.
وخبر عبد الله بن الزبير في "الموطَّأِ"، عن هشام بن عروة عنه، والأصل
стр. 13994
في الاستثناء الاتّصال، فيكون محسّرٌ داخِلًا في مزدلفة في الاسم، خارجًا عنها في الحكم، فعلى هذا لا يكون من منى في الاسم أيضًا.
فإن قيل: قضِيَّةُ هذا أن تكونَ عرنَةُ داخلةً في اسم عَرَفَةَ، وإن خرجت عنها في الحكم. قلت: لا مانع من هذا، بل يَشْهَدُ له ما ذكره صاحبُ "الْقِرَى" وغيرُهُ بعد ذكر تحديد ابن عباس لعرفة، أنّه يدخل فيها عُرَنَةُ، ويوافِقُهُ حديثُ ابن عمر في "المسند"، و"سنن أبي داود": "غَدَا رسولُ اللهِ ﷺ … حتى أَتَى عَرَفَةَ، فنزل بنَمِرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفَةَ … "، ونَمِرَة من عُرنة.
وأما الثاني: فيدلّ عليه ما في "المسند"، و"صحيح مسلم"، و"سنَن النسائيّ" من حديث الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي مَعْبَد مولى ابن عبّاس، عن ابن عبّاس، عن أخِيهِ الفَضْل، وكان رديفَ رسول الله ﷺ ، أَنّه قال في عَشِيّةِ عَرَفَة، وغداة جَمْعٍ للناس حين دَفَعُوا: "عليكم بالسكينة"، وهو كافٌّ ناقته حتى دخل محسّرًا -وهو من منى- قال: "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة"، وقال: لم يزل رسولُ الله ﷺ يُلَبِّي حتى رمى الْجَمْرَة، لفظ مسلم.
وفي "المسنَد"، و"سنن النسائيّ": "حتى إذا دخل"، ثم ساقَهُ مسلم من طريق ابن جُرَيج، عن أبي الزبير، ولم يَسُق المتن، وقد ساقَه الإمامُ أحمدُ في "المسند"، وفيه: "حتى إذا دخل منى حين هَبَطَ محسِّرًا قال: عليكم بحصى الخذف … "، ولم يكن مقصود الفضل إِلا الإخبار بما كان مِنَ النبيِّ ﷺ في مَسِيرِهِ من المزدلفة إلى جَمْرَة العَقَبَة، بدون نَظَر إلى حكم البيتوتة، فغايَةُ ما يُؤْخَذُ من خبره أن محسرًا من منى في الاسم، ومسلم أخرج هذا الحديثَ في "صحيحه" في أحاديث اسْتدامة التلبِيَة إلى رَمْي جمرة العَقَبة، ولم يخرجه في الموضع الذي يتعلَّقُ بحكم البيتوتة، وبين الموضعَين أربعة عشَر بابًا في تَبْويب النوويّ.
ولم أجِدْ هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير، وقد رواه جماعةٌ غير أبي مَعْبد، عن ابن عباس، ورَوَاه جماعة غير ابن عَبَّاس، عنِ الفَضْل، ولم أرَ (١) في شيءٍ من رواياتهم هذه الكلمة، أو معناها أن محسرًا من
стр. 13995
مني، وأبو الزبير وثّقه جماعةٌ، ولَيَّنَهُ آخرون، قال الشافعيّ: "أبو الزبير يحتاج إلى دعامة"، وقد لا يَبْعُدُ أن تكونَ كلمةُ: "وهو من منى"، وهي في الرواية التي اتفَقَ على إخراج لفظها الإمام أحمدُ، ومسلمٌ، والنسائيُّ، مُدْرَجة من قول أبي الزبير، وأن راوي الرواية الأخرى خَفِي عليه الإدراج، وروى بالمعني، والله أعلم.
وأما الثالثُ: وهو أنَّ محسّرًا ليس داخلًا في اسم مني، ولا اسم مُزْدَلفَة، فهو المشهورُ، وفي "تاريخ الأَزْرَقيّ" ٢/ ١٥٥: "حَدَّثَنِي جدي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريجٍ .... قلت لعطاء: وأينَ المزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا أَفَضْتَ من مأزمَي عرفة فذلك إلى محسّر"، وفيه ص ١٣٩ بهذا السند عن ابن جريجٍ: قال: "قلت لعطاءٍ: أين منى؟ قال: من العَقَبة إلى محسِّر، قال عطاء: فلا أحبّ أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر"، وهو خَبَرٌ واحدٌ قطعه، وقد روى ابن جريجٍ في "تفسيره" القطعة الأولى: "حدّثنا هنَّاد، قال: ثنا ابنُ أبي زائدة، قال: أنا ابنُ جُرَيْج، قال: قلت لعطاء … "، وسنده صحيح، فأمّا سند الأزرقيّ ففِيهِ مسلم بن خالد، فيه لِينٌ، لكنّه فقِيهُ مكة في عصره، وهذا الحكم مما يعنى به فقهاء مكة، وشيخه ابن جريجٍ إمام، وهو فقيه مكة في عصره أيضًا، وهو مِمَّنْ روى حديثَ أبِي الزبَيْر السابق، وكأنّه لم يُعَوِّلْ على ما فِيهِ، مِمّا يدلُّ على أن محسِّرًا من مني، وعطاء إمام، وهو فَقِيه مكة في عصره، وروى عن ابن عباس حديثَ الفَضْل وغيره؛ ثم جاء فقِيهُ عصره الإِمَام الشافِعِيُّ، وهو مكِّيٌ، أخَذَ عن مسلم بن خالد وغَيْرِهِ، قال في "الأُمّ" ٢/ ١٧٩: "والْمُزْدلفةُ من حينِ يُفْضِي من مأزمَيْ عرفة - وليس المأزمان من مزدلفة - إلى أن يَأْتِيَ قَرْنَ محسِّر"، وقال ص ١٨٢: "ومنى ما بين العقبة، وليست العقبة مِنْ مِنَي، إلى بطن محسِّر، وليس بطن محسر مِنْ منى"، وهذا القَوْلُ أَعنِي أنَّ محَسِّرًا ليس من المزدلفة، ولا من منى هو المعروف في كتب الفقه، والمناسك في المذاهب الأربعة. وقال ابنُ حزم في "الْمحلّى" ٧/ ١٨٨ المسألة (٨٥٣): "وعَرَفَةُ كلها موقفٌ إلا بطن عُرَنَة، ومزْدلِفَة كلها موقف إلا بطنَ محسّر؛ لأنّ عرفة من الحِلّ، وبطن عرنة من الحرم، فهو من غير عرفة، وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام، وهي مِنَ الحرم، وبطن محسّر من
стр. 13996
الحِلّ، فهو غيرُ مزدلفة"، ولا ريبَ أَنّ منى عنده من الْحَرَم، فهي غيرُ محسر الذي هو عندَه من الحل، وقد أَغْرَبَ في زعمه أن بَطْنَ عرنَةَ من الْحَرَم، وأغْرَبُ من ذلك زَعْمُهُ أَنّ محَسِّرًا من الحلّ، احْتَجّ ابن حزمٍ باختلاف المكانَين في أنّ هذا من الحلّ، وهذا من الحَرَم، على تَغَايُرهما واختلاف (١)، وَإِنّها لَحُجَّةٌ لو صح ذاك الاختلاف.
وقال شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَّةَ في "مناسكه": "ومزدلفَةُ كلها يُقَالُ لها الْمَشْعَر الحرام، وهي ما بين مَأْزِمَي عَرَفة إلى بطن محسّر، فإِنّ بين كلِّ مَشْعَرَين حدًّا ليس منهما، فإنّ بين عَرَفَةَ ومزْدلفَةَ بطنَ عُرَنَةَ، وبين مزدلفَةَ ومنى بَطْن محسِّر"، كأنّه نظر إلى عبارة ابن حَزمٍ، وأعرض عمّا فيها من الخطأِ.
وقد أوضَحَ ابن القيّم ذلك فقال في "الْهَدْي": "ومُحَسِّر بَرْزَخٌ بين منى وبين مزدلفَةَ، لا من هذه ولا من هذه، وعُرَنَةُ برزخٌ بين عَرَفَةَ والمشعر الحرام، فبين كلّ مَشْعَرَين برزخ ليس منهما، فَمِنى من الحَرَم، وهي مَشْعَر، ومُحَسِّر من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة حرم ومشعر، وعُرَنَةُ ليست مَشْعَرًا، وهي من الحِلّ، وعَرَفَةُ حلٌّ ومَشْعر، ولا ريب أن الشيخَيْن كانا عَارِفَيْن بحديث أبي الزُّبير، عن أبي مَعْبد، ومع ذلك قَطَعَا بأنَّ محسِّرًا ليس من مني، وفي هذا سَنَدٌ قَوِيٌّ لما تقدّم من الكلام فيه، والله أعلم.
آخر الرسالة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الشيخ المعلّميّ ﵀ في هذا البحث، وأفاد، فجزاه الله عن خدمة السنّة خير الجزاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩١] ( … ) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: وَلَمْ
стр. 13997
يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِهِ: وَالنَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ، كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الذي قبله، و"يحيى بن سعيد" هو: القطّان.
وقوله: (كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ) أراد به الإشارة إلى صغر الحصى.
وقال النوويّ ﵀: المراد به الإيضاح، وزيادة البيان لحصى الخذف، وليس المراد أن الرمي يكون على هيئة الخذف، وإن كان بعض أصحابنا قد قال باستحباب ذلك، لكنه غلطٌ، والصواب أنه لا يُستحبّ كون الرمي على هيئة الخذف، فقد ثبت حديث عبد الله بن المغفّل ﵁، عن النبيِّ ﷺ في النهي عن الخذف، وإنما معنى هذه الإشارة ما قدّمناه، والله أعلم. انتهى (١).
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطان، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ في "المجتبى" ٥/ ٢٦٧ فقال:
(٣٠٥٢) - أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بن سَعِيدٍ، قال: حدّثنا يحيي، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير، عن أبي معبد، عن عبد الله بن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ حين دفعوا عشية عرفة، وغداة جمع: "عليكم بالسكينة"، وهو كافٌّ ناقتَهُ، حتى إذا دخل منى حين هَبَطَ مُحَسِّرًا قال: "عليكم بحصى الخذف الذي تُرمى به الجمرة"، قال: والنبيّ ﷺ يشير بيده، كما يَخْذِف الإنسان. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٢] (١٢٨٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ،
стр. 13998
وَنَحْنُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقن صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (حُصَينُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
٤ - (كَثِيرُ بْنُ مُدْرِكٍ) أبو مدرك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٢].
رَوَى عن علقمة، وابني أخيه: الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد النخعيين.
وروى عنه أبو مالك الأشجعيّ، ومنصور بن المعتمر، وحُصين بن عبد الرحمن.
قال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
له عند مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية. قلت: وقال العجلي: كوفي ثقة.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا حديث الباب متابعةً، وكرّره ثلاث مرّات.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير ﵁، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُدَاسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
стр. 13999
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: حُصين، عن كثير، عن عبد الرحمن، ورواية كثير عن عبد الرحمن من رواية الأكابر عن الأصاغر، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) النخعيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ (وَنَحْنُ بِجَمْعٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أننا نازلون في جمع، وهي المزدلفة (سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يعني النبيّ ﷺ ، والجملة مقول "قال"، قال النوويّ ﵀: وفيه دليل على جواز قول: "سورة البقرة"، و"سورة النساء"، وشبه ذلك، وكَرِهَ ذلك بعض الأوائل، وقال: إنما يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة، والسورة التي تذكر فيها النساء، وشبهُ ذلك، والصواب جواز قول: "سورة البقرة"، و"سورة النساء"، و"سورة المائدة"، وغيرها، وبهذا قال جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة، من كلام النبيِّ ﷺ ، والصحابة ﵃، كحديث: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة كفتاه"، والله أعلم.
قال: وأما قول عبد الله بن مسعود ﵁: "سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة"، فإنما خَصّ البقرة؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا مقام مَن أُنزلت عليه المناسك، وأُخِذ عنه الشرع، وبَيَّنَ الأحكام، فاعتمدوه، وأراد بذلك الردّ على من يقول بقطع التلبية من الوقوف بعرفات، وهذا معنى قوله في الرواية الثانية: "أن عبد الله لَبَّى حين أفاض من جمع، فقيل: أعرابي هذا؟ " فقال ابن مسعود ما قال؛ إنكارًا على المعترض، وردًّا عليه، والله أعلم. انتهى.
وقوله: (يَقُولُ) جملة حاليّة من المفعول (فِي هَذَا الْمَقَامِ) ولفظ النسائيّ: "في هذا المكان"، يعني المزدلفة، وقوله: ("لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ") مقول "يقول"، وفيه دليلٌ على استحباب إدامة التلبية بعد الوقوف بعرفات، وفي المزدلفة ليلة النحر، وصباحه، وأنها لا تُقطع إلا إذا رمى جمرة العقبة في ذلك اليوم، وهو
стр. 14000
المذهب الراجح، كما سبق في حديث الفضل بن عباس ﵄، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ٣٠٩٢ و ٣٠٩٣ و ٣٠٩٤ و ٣٠٩٥] (١٢٨٣)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجِّ" (٥/ ٢٦٥) وفي "الكبرى" (٤٠٥٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (١/ ١٣٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٤ و ٤١٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٦٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١١٢) و"المعرفة" (٤/ ١٠٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْع، فَقِيلَ: أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ، أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِي هَذَا الْمَكَانِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟) المشار إليه هو ابن مسعود ﵁، أي أهذا الرجل أعرابيّ من أهل البادية، جاهل بأمر دينه؟.
стр. 14001
وقوله: (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن مسعود ﵁ منكرًا على من أنكر عليه التلبية حينما أفاض من جمع.
وقوله: (أَنَسِيَ النَّاسُ، أَمْ ضَلُّوا؟) أي أَنَسُوا سنّة النبيّ ﷺ في التلبية في مثل هذا الموضع، حتى أنكروا عليّ ذلك، أم هم تاركون للسنة مع علمهم بها؟؛ لأنه لا ينكر عليه إلا أحد رجلين: إما جاهلٌ بالسنّة، أو متساهل بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) بن عليّ بن محمد الخلّال، أبو عليّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، تقدّم قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
و"حُصين" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن حُصين هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" ٣/ ٣٦٥ فقال:
(٢٩٥٥) - حدّثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن حصين (ع) وثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن محمد بن عمران، ثنا الحلوانيّ، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن حُصين، عن كثير بن مدرك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، أنه لَبَّى ليلة جَمْعٍ، ثم قال: ها هنا رأيت الذي أُنزلت عليه سورة البقرة يلبي. انتهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14002
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ، يَعْنِي الْبَكَّائِيُّ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَا: سَمِعْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ بِجَمْعٍ: سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ هَا هُنَا، يَقُولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ"، ثُمَّ لَبَّي، وَلَبَّيْنَا مَعَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ) - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم نون - أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) تقدم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٣.
٢ - (زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ) هو: زياد بن عبد الله بن الطُّفيل العامريّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ ثبتٌ في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لينٌ [٨] (١٨٣) (خ م ت ق) تقدم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٣.
٣ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ، وهو أخو عبد الرحمن المذكور معه [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٣) - (بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَالتَّكْبِيرِ، فِي الذَّهَابِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، في يَوْمِ عَرَفَةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩٦] (١٢٨٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَا
стр. 14003
جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام العَلَم الحجة المشهور، رأس [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ ربما أخطأ [١٠] (٢٤٩) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو أيوب الكوفيّ، نزيل بغداد، لقبه الْجَمَلُ، صدوقٌ يُغرب، من كبار [٩] (ت ١٩٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٦) (م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٥.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المدنيّ، كان وصيّ أبيه، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (خ م د ت س) تقدم في "الجمعة" ١/ ١٩٥٢.
٩ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان بالتحويل، يجتمعان في يحيى بن سعيد الأنصاريّ، فكلّ من عبد الله بن نُمير، ويحيى بن سعيد الأمويّ يرويان عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهذا معنى قول المصنّف: "قالا جميعًا: حدّثنا إلخ".
стр. 14004
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى من قدّمنا في التراجم.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من يحيى الأنصاريّ، والباقون بغداديون، وابن المثنّى بصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عمر ﵄، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄.
[تنبيه]: هكذا رواية المصنّف ﵀ لهذا الحديث من طريق عبد الله بن نمير، ويحيى الأمويّ، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، بإدخال "عبد الله بن عبد الله بن عمر" بين عبد الله بن أبي سلمة، وابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد الأنصاريّ عمر بن حسين، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
ورواه النسائيّ من طريق حمّاد بن زيد، عن يحيى الأنصاريّ، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن عمر، فأسقط عبد الله بن عبد الله، وتابع هشيم حمّادًا، عن يحيى الأنصاريّ.
والظاهر أن كلتا الطريقين محفوظتان، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: غَدَوْنَا) من باب قعد: بمعنى ذهبنا غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوة غُدًى، مثلُ مُدْيةٍ ومُدَي، هذا أصله، ثم كَثُرَ حتى استُعْمل في الذهاب، والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه قوله ﷺ : "واغدُ يا أنيسُ" (١)، أي انطلق، قاله الفيّوميّ ﵀. (مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ) بصيغة الجمع، اسم للموضع المعروف، قال الفيّوميّ ﵀:
стр. 14005
وعَرَفاتٌ: موضعُ وقوف الْحَجِيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، ويُعْرَب إعراب مسلمات، ومؤمنات، والتنوين يُشبه تنوين المقابلة، كما في باب مسلماتٍ، وليس بتنوين صرفٍ؛ لوجود مقتضى المنع من الصرف، وهو العلمية والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام، وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات: جمع عَرَفَةَ تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات. انتهى (١).
وإلى إعراب نحو عرفات أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا … يُكْسَرُ فِي الْجَرِّ وَفِي النَّصْبِ مَعَا
كَذَا أُولَاتُ وَالَّذِي اسْمَا قَدْ جُعِلْ … كَأَذْرِعَاتٍ فِيهِ ذَا أَيْضًا قُبِلْ
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أشار إليه في "الخلاصة" من أن إعراب نحو أذرعات اسم قرية بالشام، وكذا عرفات بإعراب جمع المؤنّث هو المذهب الصحيح، وفيه مذهبان آخران:
أحدهما: أن يُرفع بالضمّة، ويُنصب ويُجرّ بالكسرة، ويُزال منه التنوين، نحو: هذه عرفاتُ، ورأيت عرفاتِ، ووقفت بعرفاتِ بلا تنوين.
والثاني: أن يرفع بالضمّة، ويُنصب ويُجرّ بالفتحة، ويُحذف منه التنوين، نحو: هذه عرفاتُ، ورأيتُ عرفاتَ، ووقفتُ بعرفاتَ، ويروى قوله [من الطويل]:
تَنَوَّرْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتَ وَأَهْلُهَا … بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ
بكسر التاء، كالمذهب الأول، وبكسرتين، كالمذهب الثاني، وبفتحها بلا تنوين، كالمذهب الأول (٢).
(مِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) يعني أنهم يجمعون بين التلبية والتكبير، فمرّة يلبّي هؤلاء، ويكبّر آخرون، ومرّة بالعكس، فيصدُق في كلّ مرّة أن البعض يكبّر، والبعض يلبّي، والظاهر أنهم ما فعلوا ذلك، إلا لأنهم وجدوا النبيّ ﷺ فعل مثله، فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاويّ، من حديث عبد الله بن