وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١١] (٧٠٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَاَلْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث واضح، وهو من أفراد المصنّف ﵀، أخرجه هنا [٤٤/ ٣١١١] (٧٠٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٢٦)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١/ ٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٢] (١٢٨٨) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيىَ) التُّجِيبيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
стр. 14037
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب العدويّ، أبو بكر المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢٢/ ١٧٦٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِجَمْع)؛ أي بالمزدلفة.
وقوله: (لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ)؛ يعني بالسجدة صلاة النافلة؛ أي لم يصلّ بينهما نافلةً، وقد جاءت السجدة بمعنى النافلة، وبمعنى الصلاة (١).
وفي رواية البخاريّ من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن سالم: "ولم يسبّح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما"؛ أي لم يتنفل بين الصلاتين، ولا عقب كلّ واحدة منهما. قال في "الفتح": ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولمّا لم يكن بين المغرب والعشاء مُهْلة صَرَّح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنة العشاءين عنهما، ونَقَلَ ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما. انتهى.
قال الحافظ: ويَعْكُر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود ﵁. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بما نُقل عن ابن مسعود: ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حج عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأَمَر رجلًا، فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر رجلًا، فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين … الحديث.
ففيه أن ابن مسعود ﵁ صلى سنة المغرب بعدها قبل العشاء، لكنه لم يُسنده إلى النبيّ ﷺ ، فيَحْتَمل أنه اجتهاد منه، وما جاء عنه ﷺ أحقّ أن يُتّبع، فتبصّر.
стр. 14038
وقوله: (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ) فيه دليلٌ على أن المغرب لا تقصر، بل تصلى ثلاثًا سفرًا وحضرًا، وهو مجمع عليه بين المسلمين، وفيه أن العشاء وغيرها من الرباعيّات تُقصر، ولا ينبغي إتمامها، فتفطّن.
وقوله: (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ تَعَالَى)؛ أي حتى مات.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا بهذا السياق من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٣١١٢ و ٣١١٣ و ٣١١٤ و ٣١١٥ و ٣١١٦] (١٢٨٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٣١ - ١٩٣٢)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١/ ٢٣٩ و ٢٤٠ و ٢٩١ و ٢/ ١٦) و"مناسك الحجّ" (٥/ ٢٦٠) و"الكبرى" (٢/ ٤٢٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٠ و ٨١ و ٢/ ٣٣ و ٥٩ و ٧٩ و ٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِجَمْعٍ، وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى مِثْلَ ذَلِكَ، وَحَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قريبًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد الشهير [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
стр. 14039
٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكَنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٥/ ٧٠٤.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
و"ابن عمر" ﵄ ذُكر قبله، وشرح الحديث واضح، وقد تقدّمت مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: صَلَّاهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب.
وقوله: "بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ"؛ أي لكلّ واحدة منهما بدليل الرواية الأخرى، فقد أخرج البخاريّ ﵀ الحديث في "صحيحه"، فقال:
(١٦٧٣) - حدّثنا آدم، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄ قال: جمع النبيّ ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع، كلَّ واحدة منهما بإقامة، ولم يسبّح بينهما، ولا على إِثْرِ كل واحدة منهما. انتهى.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن شعبة هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (١٠/ ١٤٨) بسند المصنّف ﵀، فقال:
(٥٧٧١) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة، عن الحكم، وسلمة بن كُهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أنه صلاهما بإقامة واحدة، وقال: هكذا صنع رسول الله ﷺ في هذا المكان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14040
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقد تقدّم شرح الحديث، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ، حَتَّى أتَيْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَكَانِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٢ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة مكثر عابد، مدلّسٌ، واختلط بآخره [٣] (ت ١٢٠) أو قبل ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث واضح.
[تنبيه]: هذا الحديث من الأحاديث التي استدركها الدارقطنيّ ﵀، فقال: هذا عندي وَهَمٌ من إسماعيل، وقد خالفه جماعة، منهم: شعبة، والثوريّ، وإسرائيل، وغيرهم، فرووه عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، عن ابن عمر. قال: وإسماعيل وإن كان ثقةً، فهؤلاء أقوم بحديث أبي إسحاق منه. انتهى كلامه ﵀.
стр. 14041
وأجاب النوويّ ﵀، فقال: وجوابه ما سبق بيانه مرات في نظائره أنه يجوز أن أبا إسحاق سمعه بالطريقين، فرواه بالوجهين، وكيف كان فالمتن صحيحٌ، لا مَقْدَحَ فيه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن ما قاله الدارقطنيّ ﵀ هو الأرجح؛ لأن هؤلاء الجماعة مع كثرتهم، وقوّة حفظهم أولى بالحفظ منه، والذين خالفوه هم: سفيان الثوريّ، وشعبة جبلان في الحفظ، وإسرائيل بن يونس الذي يقال فيه: إنه يحفظ أحاديث جدّه أبي إسحاق كما يحفظ سورة الحمد.
والحاصل أن متن الحديث صحيح لا غبار عليه، فقد ثبت من طرق صحيحة عند مسلم وغيره، وإنما الكلام في رواية إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، وقد عرفت أن الأرجح رواية أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك (٢)، عن ابن عمر ﵄، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ التَّغْلِيسِ بصَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ طُلُوعِ الْفَجْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٧] (١٢٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن
стр. 14042
الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عُمَارَةُ) بن عُمير التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٩/ ٩٧٧.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ﵁، تقدّم قبل بابين.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما أسلفته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب فمن شيوخ الجماعة كلهم بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عُمارة، عن عبد الرحمن.
٥ - (ومنها): أن فيه عبد الله مهملًا، وهو ابن مسعود؛ لأن الراوي عنه كوفيّ؛ للقاعدة المشهورة التي ذكرها السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وَإِنْ يَفِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
стр. 14043
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الله) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا) أي في وقتها، فاللام بمعنى "في"، قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "المغني" عند تعداد معاني اللام: والعاشر: موافقة "في"، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقولهم: "مَضَى لسبيله"، قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]؛ أي في حياتي، وقيل: للتعليل؛ أي لأجل حياتي في الآخرة. انتهى (١).
وفي رواية البخاريّ: "ما رأيتُ النبيّ ﷺ صلّى صلاةً لغير ميقاتها … " (إِلَّا صَلَاَتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ) بنصب "صلاةَ" على البدلية، أو بتقدير "أعني"، أي أعني بهما صلاة المغرب (وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ) قال القاري: أي صلاة المغرب في وقت العشاء أي وصلاة الظهر والعصر بعرفة، فإنه صلى العصر في وقت الظهر، ولعله رَوَى هذا الحديث بمزدلفة، ولذا اكتفى عن ذكر الظهر والعصر، فلا بدّ من تقديرهما، أو ترك ذكرهما لظهورهما عند كل أحد؛ إذ وقع ذلك الجمعُ في مجمع عظيم في النهار على رؤوس الأشهاد، فلا يحتاج إلى ذكره في الاستشهاد، بخلاف جمع المزدلفة، فإنه بالليل، فاختصّ بمعرفته بعض الأصحاب، والله تعالى أعلم.
والحاصل أن في العبارة مسامحةً، وإلا فلا يصح قوله: "إلا الصلاتين"، المرادِ بهما المغرب والعشاء، سواء اتصل الاستثناء، كما هو ظاهر الأداة، أو انقطع، كما بنى عليه ابن حجر (٢) البناء، فإن صلاة العشاء في ميقاتها المقدر شرعًا إجماعًا. انتهى كلام القاري. وقال وليّ الدين العراقيّ: قوله: "صلاة المغرب والعشاء بجمع" أي وكذا
стр. 14044
بعرفات أيضًا في الظهرين، كما عند النسائيّ- أي في باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة -عن ابن مسعود ﵁: "ما رأيت النبيّ ﷺ صلى صلاة إلا لوقتها إلا بجمع وعرفات"، فلم يَحْفَظ راوي هذه الرواية ذِكْرَ "عرفات"، وحفظه غيره، والحافظ حجة على الناسي. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": وحينئذ فالمراد بقوله: "إلا صلاتين": المغرب بمزدلفة، فإنها أُخِّرت، والعصر بعرفة، فإنها قُدِّمت، فهاتان الصلاتان قد وقع فيهما التحويل عن وقتي أدائهما المعهودين في غير هذا اليوم حقيقةً، ثم استَطْرَد بذكر الفجر؛ لأنه متحولًا أيضًا عن وقته المستحب المعتاد في سائر الأيام وإن كان لم يتحول عن وقته الأصليّ.
وقال السنديّ في "حاشية النسائيّ": هذا الحديث من مشكلات الأحاديث، وقد تكلمت عليه في حاشية "صحيح البخاريّ" في "باب من يصلي الفجر بجمع"، والصحيح في معناه أن مراده: ما رأيته ﷺ صلى صلاة لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد، وتقريرها في غير وقتها المعتاد؛ لما في "صحيح البخاري" من روايته أن رسول الله ﷺ قال: "إن هاتين الصلاتين حُوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان"، وهذا معنى وجيه، ويُحْمَل قوله: "قبل ميقاتها" على هذا على الميقات المعتاد، ويقال: إنه غَلَّس تغليسًا شديدًا يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلى قبل أن يطلع الفجر، فقد جاء في حديثه، وحديث غيره أنه صلى بعد طلوع الفجر، وعلى هذا المعنى لا يَرِدُ شيء سوى الجمع بعرفة، ولعله كان يرى ذلك للسفر، والله أعلم. انتهى.
واستَدَّل الحنفية بحديث ابن مسعود ﵁ هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة وجمع.
وأجاب المجوِّزون بأن مَن حَفِظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر، وابن عباس، وغيرهم ﵃، وتقدم في موضعه ما فيه كفاية.
وأيضًا فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم، وهم لا يقولون به، وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق.
стр. 14045
وأيضًا فالحصر فيه ليس على ظاهره؛ لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذا في الفتح.
وقال النوويّ: قد يحتجّ أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث على منع الجمع بين الصلاتين في السفر؛ لأن ابن مسعود ﵁ من ملازمي النبيّ ﷺ ، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا في هذه الليلة، ومذهب الجمهور جواز الجمع في جميع الأسفار المباحة التي يجوز فيها القصر. والجواب عن هذا الحديث أنه مفهوم، وهم لا يقولون به، ونحن نقول بالمفهوم ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بجواز الجمع، ثم هو متروك الظاهر بالإجماع في صلاتي الظهر والعصر بعرفات. انتهى.
وقال السنديّ في "حاشية البخاريّ" (١/ ٢٠١): قد استَدَلّ به من ينفي جمع السفر كعلمائنا الحنفية، وردّه النوويّ بأنه مفهوم، وهم لا يقولون به، ونحن نقول به إذا لم يعارضه منطوق، كما هنا.
وتعقبه العينيّ، فقال: لا نسلّم أنهم لا يقولون بالمفهوم وإنما لا يقولون بالمفهوم المخالف. انتهى.
قال السنديّ: وهذا عجيب منهما، فإن استدلال الحنفية بصريح النفي الذي هو منطوق، لا بالإثبات الذي يدل عليه الاستثناء بالمفهوم، ولو كان بالإثبات من باب المفهوم المخالف بالاتفاق، فلم يكن لقول العينيّ وجه.
بَقِي أن الاستدلال به فرع تصور معناه، ومعناه ها هنا لا يخلو عن خفاء؛ إذ ظاهره يفيد أنه صلى الفجر قبل وقته، وهو مخالف للإجماع، وقد جاء خلافه في روايات حديث ابن مسعود أيضًا، وفي حديث جابر.
وأجيب بأن المراد أنه صلى قبل الوقت المعتاد بأن غَلَّس.
وردّ بأن هذا يقتضي أن يكون المعتاد الإسفار، وهو خلاف ما يفيده تتبع الأحاديث الصحاح الواردة في صلاة الفجر.
وأجيب بأن المراد التغليس الشديد.
والحاصل أنه صلى يومئذ أول ما طلع الفجر، والمعتاد أنه كان يصلي بعد ذلك بشيء، فيرد أنها صارت حينئذ لوقتها فكيف يصح عدّها لغير وقتها حتى تستثني من قوله: "ما رأيت" … إلخ.
стр. 14046
وأجيب بأن المراد بقوله: "لغير وقتها" المعتاد.
قلت (١): فيلزم من اعتبار العموم فيه أنه ﷺ ما صلى صلاة في غير الوقت المعتاد أبدًا، لا بتقديم شيء، ولا بتأخيره، لا سفرًا ولا حضرًا، سوى هاتين الصلاتين، بل كان دائمًا يصلي في وقت واحد، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة، وخلاف ما يفيده تتبع الأحاديث، وخلاف ما أَوَّل به علماؤنا -يعني الحنفيّة- جمعَ السفر من الجمع فعلًا، فإنه لا يكون إلا بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر الوقت، فلزم كونها في الوقت الغير المعتاد.
ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضًا، وحينئذ فلا بد من القول بخصوص هذا الكلام بذلك السفر مثلًا.
ويبقى بعدُ جمع عرفة، فيقال: لعله ما حضر ذلك الجمع، فما رأى، فلا ينافي قوله: "ما رأيت"، أو يقال: لعله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت المعتاد غير هاتين الصلاتين، فأخبر حسب ما رأى، ولا اعتراض عليه، ولا حجة للقائلين بنفي الجمع.
والأحسن منه ما يشير إليه كلام البعض، ثم ذكر السنديّ ما تقدم من كلامه، وتوجيهه في حاشيته على النسائيّ.
(وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ)؛ أي بمزدلفة (قَبْلَ مِيقَاتِهَا)؛ أي قبل وقتها المعتاد فعلُها فيه في الحضر، لا أنه أوقعها قبل طلوع الفجر، كما يتبادر من ظاهر اللفظ، ووقتها المعتاد أنه كان ﷺ إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم خرج فصلى الصبح، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين، والفجر نُصْب أعينهم، فبادر بالصلاة أوَّل ما بَزَغَ، حتى إن بعضهم كان لم يتبيّن له طلوعه.
قال النوويّ ﵀: المراد به قبل وقتها المعتاد، لا قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشدّ وآكد، ومعناه أنه ﷺ كان في غير هذا اليوم يتأخر
стр. 14047
عن أول طلوع الفجر إلى أن يأتيه بلال، وفي هذا اليوم لم يتأخر؛ لكثرة المناسك فيه، فيحتاج إلى المبالغة في التبكير؛ ليتسع له الوقت.
وقال الإمام ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه": (٢٨٥٥) - ثنا محمد بن يحيى (١)، ثنا عبد الله بن محمد النفيليّ، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁، فذكر الحديث، وقال: "فصلى الفجر حين تبيّن له الصبح" يعني بالمزدلفة، قال أبو بكر (٢): قال لنا محمد بن يحيى: قال لنا الحسن بن بشر، عن حاتم: في هذا الخبر، في هذا الموضع بأذان وإقامة، في خبر جابر دلالةٌ واضحةٌ على أن النبيّ ﷺ صلى الفجر بالمزدلفة في أول وقتها بعدما بان له الصبح، لا قبل تَبَيُّن الصبح له، وفي هذا ما دلّ على أن ابن مسعود ﵁ أراد بقوله: "وصلى الفجر قبل وقتها بغلس"؛ أي قبل وقتها الذي كان يصليها بغير المزدلفة؛ أي أنه غَلَّس بالفجر أشدّ تغليسًا مما كان يُغَلِّس بها في غير ذلك الموضع، وخبر ابن عمر ﵄ الذي يلي هذا الباب دالّ على مثل ما دلّ عليه خبر جابر ﵁؛ لأن في خبر ابن عمر: "يبيت بالمزدلفة حتى يصبح، ثم يصلي الصبح". انتهى كلام ابن خزيمة ﵀، وهو نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ﵀: ولا حجة فيه لمن منع التغليسَ بصلاة الصبح؛ لأنه ثبت عن عائشة وغيرها، كما تقدم في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم خرج، فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بالمزدلفة فكان الناس مجتمعين، والفجر نصب أعينهم، فبادر بالصلاة أول ما بزغ، حتى إن بعضهم كان لم يتبيّن له طلوعه، وهو بَيّن في رواية إسرائيل عند البخاريّ حيث قال: "ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع". انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14048
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٣١١٧ و ٣١١٨] (١٢٨٩)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٨٢)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٣٤)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (١/ ٢٩١) و"مناسك الحجّ" (٥/ ٢٥٤ و ٢٦٠ و ٢٦٢) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٤ و ٤٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٥٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، عَن الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: قَبْلَ وَقْتِهَا بِغَلَسٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية جرير، عن الأعمش هذه ساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٢٦٩) فقال:
(٢٨٥٤) - ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: ما رأيت رسول الله ﷺ -
стр. 14049
صلى صلاةً إلا لوقتها، إلا هاتين الصلاتين، رأيته يصلي العشاء والمغرب جميعًا بالمزدلفة، وصلى الفجر قبل وقتها بغلس. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٦) - (بَابُ تَقْدِيمِ دَفْعِ الضَّعَفَةِ، مِنَ النِّسَاءِ، وَغَيْرِهِنَّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى فِي أَوَاخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ زَحْمَةِ النَّاسِ، وَمُكْثِ غَيْرِهِمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١١٩] (١٢٩٠) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أفلَجُ، يَعْنِي ابْنَ حُمَيْدٍ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَت امْرَأَةً ثَبِطَةً، يَقُولُ الْقَاسِمُ: وَالثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ، قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا، فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وَحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، وَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأَذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأَذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٧.
٣ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قريبًا.
стр. 14050
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٩٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٤ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرْ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأَذَنَتْ سَوْدَةُ) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خديجة ﵂، وهو بمكة، وماتت سنة (٥٥) على الصحيح، ليس لها رواية عند المصنّف، وإنما لها ذِكْرٌ فقط، وأخرج لها البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ. (رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ) هي ليلة عيد الأضحى (تَدْفَعُ)؛ أي تُفيض، وترجع إلى منى (قَبْلَهُ) ﷺ (وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ) -بفتح الحاء، وسكون الطاء المهملتين-: أي زحمتهم (وَكَانَت امْرَأَةً ثَبِطَةً) -بفتح الثاء المثلثة، وكسر الباء الموحّدة، وسكونها، وبالطاء المهملة-: أي بطيئة الحركة، كأنها تثبط بالأرض، أي: تتشبث، وقال ابن قرقول: ضبطناه بكسر الباء الموحّدة، وضبطه الجيّانيّ عن ابن سراج بالكسر، والإسكان. انتهى (١).
وقال في "المشارق": قوله: "ثَبِطة" كذا لجميعهم، وهو المعروف،
стр. 14051
ومعناه ثقيلة، وبهذا فسره في الحديث: القاسم، ووقع من حديث أبي نعيم في البخاريّ: "بطيئة"، والأول أصحُّ وإن تقارب المعنى. انتهى (١).
وقال في موضع آخر: "وكانت امرأة ثبطةً" فسّره في الحديث: أي ثقيلةً، وهو صحيح، ضبطناه فيها بكسر الباء، وقيّده الجيّانيّ عن أبي مروان بن سراج بكسرها وسكونها. انتهى (٢).
(يَقُولُ الْقَاسِمُ) بن محمد (وَالثَّبِطَةُ: الثَّقِيلَةُ) هذا صريح في أن هذا التفسير من القاسم، وقد ورد عند البخاريّ من رواية محمد بن كثير مدرجًا، ولفظه: "وكانت امرأة ثقيلة ثَبِطَةً"، قال في "الفتح": هذا من الإدراج الواقع قبل ما أُدْرِجَ عليه، وأمثلته قليلة جدًّا، وسببه أن الراوي أَدرَج التفسيرَ بعد الأصل، فظنّ الراوي الآخر أن اللفظين ثابتان في أصل المتن، فقَدَّم وأخر. انتهى (٣).
(قَالَ) هكذا النسخ التي بين يديّ، والفاعل ضمير القاسم، ولا بدّ من تأويله؛ لأنه لم يحضر القصّة، وإنما أخذه من عائشة ﵂، أي: قال القاسم أخذًا من عائشة ﵂ (فَأَذِنَ لَهَا) بكسر الذال المعجمة؛ أي أذِن النبيّ ﷺ لسودة في الدفع قبل الناس (فَخَرَجَتْ) سودة ﵂ من المزدلفة (قَبْلَ دَفْعِهِ)؛ أي: قبل إفاضته ﷺ (وَحَبَسَنَا) بالبناء للفاعل، أي منع ﷺ بقيّة أزواجه، وأصحابه عن الدفع قبله، وفي بعض النسخ: "فَحُبِسنا" بالبناء للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "وأقمنا حتى أصبحنا نحنُ، ثم دفعنا بدفعه" (حَتَّى أَصْبَحْنَا) أي دخلنا في الصبح (فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ)؛ أي مع دفع النبيّ ﷺ ، أو بسبب دفعه، وقولها: (وَلَأَنْ أَكُونَ) بفتح اللام، في تأويل المصدر مبتدأ، خبره "أحبّ" (اسْتَأَذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا اسْتَأَذَنَتْهُ سَوْدَةُ) ﵂ (فَأَكُونَ) بالنصب عطفًا على "أكون" الأول (أَدْفَعُ) بالرفع، والجملة خبر"أكونَ" (بِإِذْنِهِ) ﷺ متعلّقٌ بـ "أدفع" (أَحَبُّ إِلَيَ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ) أي مما يُفْرَح به من كل شيء، وقال القرطبيّ ﵀: المفروح به: هو كلُّ شيء مُعجبٍ، له بالٌ، بحيث يُفرح به، كما قد جاء في غير موضع: هو أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم. انتهى (٤)، والله تعالى أعلم
стр. 14052
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٣١١٩ و ٣١٢٠ و ٣١٢١ و ٣١٢٢] (١٢٩٠)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٨٠ و ١٦٨١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٦٢ و ٢٦٦) و"الكبرى" (٢/ ٤٢٨)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٢٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٠ و ٩٤ و ٩٨ و ١٣٣ و ١٦٤ و ٢١٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨٦ و ٣٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تقديم الضعفة إلى منى في أواخر الليل؛ لضرورة الزحام.
٢ - (ومنها): جواز صلاة الصبح بمنى لأصحاب الأعذار، وأما غيرهم فلا يجوز لهم أن يُصَلُّوها إلا بالمزدلفة، على ما هو الراجح من أقوال أهل العلم، كما سيأتي في المسألة التالية.
٣ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث تراعي أصحاب الأعذار، فتيسّر لهم ما يتناسب مع ضرورتهم.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من سعة الخلق، وحسن العشرة لأزواجه، حيث ينفّذ لهن رغبتهنّ وما يُردنه من المباحات الشرعية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم مبيت الحجاج بالمزدلفة ليلة النحر:
قال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في مبيت الحاج بالمزدلفة ليلة النحر،
стр. 14053
والصحيح من مذهب الشافعيّ أنه واجب، من تركه لزمه دم، وصَحّ حجه، وبه قال فقهاء الكوفة، وأصحاب الحديث.
وقالت طائفة: هو سنة، إن تركه فاتته الفضيلة، ولا إثم عليه، ولا دم ولا غيره، وهو قول للشافعيّ، وبه قال جماعة.
وقالت طائفة: لا يصح حجّه، وهو مَحْكيّ عن النخعيّ وغيره، وبه قال إمامان كبيران من أصحابنا -يعني الشافعيّة- وهما: أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر بن خزيمة، وحُكِي عن عطاء، والأوزاعيّ أن المبيت بالمزدلفة في هذه الليلة ليس بركن، ولا واجب، ولا سنة، ولا فضيلة فيه، بل هو منزل كسائر المنازل، إن شاء تركه، وإن شاء لم يتركه، ولا فضيلة فيه، وهذا قول باطل.
واختلفوا في قدر المبيت الواجب، فالصحيح عند الشافعيّ أنه ساعة في النصف الثاني من الليل، وفي قول له: ساعة من النصف الثاني، أو ما بعده إلى طلوع الشمس، وفي قول ثالث له: أنه معظم الليل، وعن مالك ثلاث روايات: إحداها: كلّ الليل، والثاني: معظمه، والثالث: أقل زمان. انتهى (١).
وقال في "الفتح": وقد اختَلَف السلف في هذه المسألة، فكان بعضهم يقول: من مَرّ بمزدلفة، فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل بها ثم دفع منها في أيّ وقت كان من الليل فلا دم عليه، ولو لم يقف مع الإمام، وقال مجاهد، وقتادة، والزهريّ، والثوريّ: من لم يقف بها فقد ضَيَّع نسكًا، وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
ورُوي عن عطاء، وبه قال الأوزاعيّ: لا دم عليه مطلقًا، وإنما هو منزل: من شاء نزل به، ومن شاء لم ينزل به.
وروى الطبري بسند فيه ضعف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إنما جَمْعٌ منزل لدلج المسلمين".
وذهب ابن بنت الشافعيّ، وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركنٌ لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، ونقله ابن المنذر عن علقمة، والنخعيّ،
стр. 14054
والعجب أنهم قالوا: من لم يقف بها فاته الحجّ، ويجعل إحرامه عمرة. واحتَجَّ الطحاويّ بأن الله لم يذكر الوقوف، وإنما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تامّ، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صُلْب الحجّ، فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضًا، قال: وما احتجوا به من حديث عروة بن مُضَرِّسٍ -وهو بضم الميم، وفتح المعجمة، وتشديد الراء المكسورة، بعدها مهملة- رفعه، قال: "من شَهِد معنا صلاة الفجر بالمزدلفة، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجه"؛ لإجماعهم أنه أَبُو بات بها، ووقف، ونام عن الصلاة فلم يُصَلِّها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تامّ. انتهى.
وحديث عروة أخرجه أصحاب "السنن"، وصححه ابن حبان، والدارقطنيّ، والحاكم، ولفظ أبي داود عنه: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف -يعني بجمع- قلت: جئت يا رسول الله من جبل طيئ، فأكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جَبَل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجه، وقَضَى تَفَثَهُ"، وللنسائيّ: "من أدرك جمعًا مع الإمام والناس حتى يفيضوا، فقد أدرك الحجّ، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك"، ولأبي يعلى: "ومن لم يُدرك جمعًا فلا حج له".
وقد صنّف أبو جعفر العُقَيليّ جزءًا في إنكار هذه الزيادة، وبَيَّن أنها من رواية مُطَرِّف عن الشعبيّ، عن عروة، وأن مطرفًا كان يَهِمُ في المتون.
قال: وقد ارتكب ابن حزم الشطط، فزعم أنه من لم يصلّ صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته؛ التزامًا لما ألزمه به الطحاويّ.
ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحَكَى الإجماع على الإجزاء، كما حكاه الطحاويّ.
وعند الحنفية يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام. انتهى (١).
стр. 14055
قال الجامع عفا الله عنه: قول صاحب "الفتح": وقد ارتكب ابن حزم الشطط … إلخ عجيب منه، كيف يرتكب الشطط مَن ظاهر النصوص معه؟ وأعجب منه قوله: ولم يعتبر ابن قُدامة مخالفته … إلخ، فهل دعوى ابن قدامة الإجماع، ومن قبله الطحاويّ مسلّم عنده؟ وقد سبق له قوله: وذهب ابن بنت الشافعيّ، وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركنٌ لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، ونقله ابن المنذر عن علقمة، والنخعيّ، فأين الإجماع المزعوم؟ هيهات هيهات.
وابن حزم ﵀ لَمّا قال بهذه المسألة ذكر من سبقه من القائلين بها، فقال: رَوَينا من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، نا سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن الْعُرَنيّ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: "من أفاض من عرفة، فلا حجّ له"، وعن ابن الزبير ﵄، أنه كان يقول في خطبته: "ألا لا صلاة إلا بجمع"، فإذا أبطل الصلاة إلا بمزدلفة، فقد جعلها من فرائض الحجّ، ومن طريق شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كان يقال: "من فاته جمعٌ، أو عرفة، فقد فاته الحجّ"، ومن طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعيّ، قال: "من فاته عرفة، أو جمع، أو جامع قبل أن يزور، فقد فسد حجه"، ومن طريق سفيان الثوريّ أيضًا، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، أنه قال: "من فاته جمع جعلها عمرةً"، وعن الحسن البصريّ: "من لم يقف بجمع، فلا حجّ له"، وعن حمّاد بن سليمان، قال: "من فاته الإفاضة من جمع، فقد فاته الحجّ، فليتحلّل بعمرة، ثم ليحجّ من قابل" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الإجماع المزعوم غير صحيح، وأن الحقّ أنّ الوقوف بالمزدلفة من واجبات الحجّ، فلا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفة، وأقوى دليل لذلك حديث عروة بن مضرّس ﵁ المذكور، فإن قوله ﷺ : "ومن لم يدرك مع الإمام والناس، فلم يدرك" لا يكون أقلّ دلالة على الوجوب من قوله ﷺ : "الحجّ عرفة"، فكما أن من لم
стр. 14056
يقف بعرفة لم يدرك الحجّ، فكذلك من لم يقف بالمزدلفة، لم يدرك الحج بهذا النصّ.
وهذا كله في غير المرخّص لهم، من النساء، والأطفال، والعَجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإنهم لا يجب عليهم الوقوف بالمزدلفة، بل يجوز لهم أن يتقدّموا إلى منى ليلًا، كما نصّ عليه النبيّ ﷺ بذلك، حيث أمر الضعفة أن يتقدّموا من جَمْع بليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَن الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأَذَنَتْ رَسُولَ الله ﷺ أَنْ تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ اسْتَأَذَنْتُ رَسُولَ الله ﷺ كَمَا اسْتَأَذَنَتْهُ سَوْدَةُ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تُفِيضُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٤ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (كَانَتْ سَوْدَةُ امْرَأَةً ضَخْمَةً) وفي الرواية التالية: "كانت امرأةً ثقيلةً"؛ أي مِنْ عِظَم جسمها.
стр. 14057
وقولها: (ثَبِطَةً) بفتح فكسر، أو بفتح، فسكون: أي بطيئة الحركة.
وقولها: (أَن تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ) بضمّ حرف المضارعة، من الإفاضة، وهو الدفع من جمعِ؛ أي من المزدلفة.
وقوله: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تُفِيضُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ) يعني أنها ﵂ كانت بعد النبيّ ﷺ لا تدفع من مزدلفة إلى منى إلا مع الإمام بعد الصبح والوقوف بالمشعر الحرام؛ عملًا بما عملت به مع النبيّ ﷺ ، والمراد أنها ما كانت تدفع بالليل كالضعفة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأَذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَمَاَ اسْتَأَذَنَتْهُ سَودَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأَذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِنَّهَا كَانَت امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَذِنَ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم قبل باب.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم العمريّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، بَهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
стр. 14058
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في هذا الباب، والبابين الماضيين، و"عبد الرحمن" هو: ابن مهديّ، و"سفيان" هو: الثوريّ.
[تنبيه]: رواية وكيع عن سفيان الثوريّ، عن عبد الرحمن بن القاسم هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٦/ ٢١٣) فقال:
(٢٥٨٢٩) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا وكيع، قال: حدّثني سفيان، وعبدُ الرحمن (٢)، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن سودة كانت امرأة ثَبِطةً ثقيلةً استأذنت النبيّ ﷺ أن تدفع قبل دفعته من جمع فأَذِنَ لها، قالت عائشة: ودِدْتُ أني كنت استأذنته. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٣] (١٢٩١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَن ابْنِ جُرَيْجِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، قَالَ: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ، وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْحَلْ بِي، فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ صَلَّتْ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ، لَقَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: كَلَّا أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عَبْدُ اللهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ) هو: عبد الله بن كيسان التيميّ، أبو عمر المدنيّ،
стр. 14059
مولى أسماء بنت أبي بكر الصدّيق، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الحج" ٢٦/ ٣٠٠٥.
٥ - (أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر الصدّيق، زوج الزبير بن العوّام ﵃، من كبار الصحابيّات، ماتت ﵂ سنة (٣ أو ٧٤) وقد عاشت مائة سنة (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والبخاريّ والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه التحديثَ بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وقد صرَّح ابنُ جريج بتحديث عبد الله له، فزالت تهمة التدليس عنه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ جُرَيْجِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله مَوْلَى أَسْمَاءَ) هكذا هو في رواية المصنّف هذه قد صَرَّحَ ابنُ جريج بتحديث عبد الله مولى أسماء له، وكذا هو عند البخاريّ عن مسدد، وكذا رواه ابن خزيمة عن بندار، وكذا أخرجه أحمد في "مسنده" كلهم عن يحيى. وأخرجه المصنّف في الرواية التالية من طريق عيسى بن يونس، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق داود العطار، والطبرانيّ من طريق ابن عيينة، والطحاويّ من طريق سعيد بن سالم، وأبو نعيم من طريق محمد بن بكير، كلهم عن ابن جريج. وأخرجه أبو داود عن محمد بن خلاد، عن يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، أخبرني مُخبر عن أسماء.
وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد، عن عطاء أن مولى أسماء أخبره، وكذا أخرجه الطبرانيّ من طريق أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد.
قال الحافظ ﵀: فالظاهر أن ابن جريج سمعه من عطاء، ثم لقي عبد الله، فأخذه عنه، ويَحْتَمِل أن يكون مولى أسماء شيخ عطاء غير عبد الله. انتهى (١).
стр. 14060
(قَالَ) عبد الله (قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ) بنت أبي بكر ﵄ مولاته، ذات النطاقين (وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟) قال الأبّيّ ﵀: الأظهر في سؤالها عن المغيب أنه لطلب الستر؛ لأنه وإن كان الناس لم يدفعوا، فقد يحضر الموسم من ليس بحاجّ، ويَحْتَمِل أنه لتعلم ما بقي من الليل، فتدفع في آخره. انتهى (١).
(قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْحَلْ بِي) أي اذهب معي إلى منى (فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَت الْجَمْرَةَ)؛ أي جمرة العقبة (ثُمَّ صَلَّتْ) أي صلاة الصبح (فِي مَنْزِلِهَا)؛ أي في محلّ نزولها من منى، قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الفجر، وهو متمسّك الشافعيّ في قوله: بجواز رمي الجمرة من نصف الليل، وذهب الثوريّ، والنخعيّ إلى أنها لا تُرْمَى إلا بعد طلوع الشمس، متمسّكين بما أخرجه النسائيّ عن ابن عبّاس ﵄ أنه ﷺ قدّم ضَعَفَة أهله، وأمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس، وهو صحيح، ومذهب مالك أن الرمي يحِلّ بطلوع الفجر، متمسّكًا بقول عائشة ﵂: "فأصلي الصبح بمنى، وأرمي الجمرة"، وبحديث ابن عمر ﵄ وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. انتهى (٢)، وسيأتي تحقيق هذه المسألة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ)؛ أي يا هذه، وهو بفتح الهاء، وبعدها نون ساكنة ومفتوحة، وإسكانها أشهر، ثم تاء مثناة من فوقُ، قال ابن الأثير: وتسكن الهاء التي في آخرها، وتُضَمّ، وفي التثنية: يا هنتان، وفي الجمع: يا هنات، وهنوات، وفي المذكر: هَن، وهنان، وهنون (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: "هنتاه" مُنَادَى هَنَة التي هي مؤنّث هَنٍ الذي هو كناية عن نكرة، كشيء ونحوه، ولا يُستعمل هناه، ولا هنتاه إلا في النداء خاصّة، نون هنتاه ساكنة، وأصل هائه أن تكون ساكنة؛ لأنها للسكت، لكنّهم شبّهوها بالضمائر، فأثبتوها في الأصل، وضمّوها، كما قال امرؤ القيس [من المتقارب]:
стр. 14061
وَقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا يَا هَنا … هُ وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شَرًّا بشَرِّ
فقولهم: يا هناه، كقولك: يا رجل، ويا هنتاه، كيا امرأةُ. انتهى (١).
(لَقَدْ غَلَّسْنَا) بتشديد اللام، وهو من التغليس، وهو السير بغَلَس، وهي ظلمة آخر الليل، أي تقدمنا على الوقت المشروع، وفي رواية مالك: "لقد جئنا منى بغلس"، وفي رواية داود العطّار: "لقد ارتحلنا بليل"، وفي رواية أبي داود: "فقلت: إنا رمينا الجمرة بليل، وغلّسنا" (قَالَتْ: كَلَّا) أي انزجر، وارتدع عما قلته، قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: "كلّا" مركّبة عند ثعلب من كاف التشبيه، و"لا" النافية، قال: وإنما شُدّدت لامها لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرِّد، والزجّاج، وأكثر البصريين حرفٌ، معناه الرَّدْعُ والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، وعند الكسائيّ ومتابعيه تأتي بمعنى "حقًّا"، وقيل: تكون بمعنى "ألا" الاستفتاحيّة، وقيل: تكون حرف جواب بمنزلة "إِيْ"، و"نعم"، ووردت في القرآن الكريم في ثلاثة وثلاثين موضعً، كلّها في النصف الأخير. انتهى باختصار (٢).
وإلى هذا أشار شيخنا المناسيّ ﵀ في "نظمه" حيث قال:
"كَلَّا" مِنَ الْكَافِ وَ"لَا" مُرَكَّبَهْ … فِي قَوْلِ ثَعْلَب وَبِالْعَكْسِ انْتَبَهْ
سِوَاهُ وَهْيَ حَرْفُ رَدْعٍ أَبَدَا … عِنْدَ الْخَلِيلِ وَكَثِيرِ مَنْ هُدَى
لِذَا أَجَازُوا الْوَقْفَ فِي آخِرِهَا … وَالابْتِدَا بِمَا أَتَى بِإِثْرِهَا
وَشُدَّ لَامُهَا لأَجْلِ التَّقْوِيَهْ … مَعْنًى وَدَفْعِ مَا بِهِ أَتَتْ هِيَهْ
وَفِي الثَّلَاثِينَ مَعَ الثَّلَاثَةِ … أَتَى بِهَا كَلَامُ رَبِّ الْعِزَّةِ
وَكُلُّهَا فِي آخِرِ النِّصْفَيْنِ مِنْ … كَلَام رِبِّنَا الْعَزِيزِ يَا فَطِنْ
قَالَ الْكِسَائِيُّ بِمَعْنَى "حَقًّا" … وَكَـ "أَلَا" لِبَعْضِهِمْ جَا نُطْقَا
وَالنَّضْرُ وَالْفَرَّاءُ فِيهَا أَثْبَتَا … مَعْنَى"نَعَمْ" وَ"إِيْ" كَمَا عَنْهُمْ أَتَى (٣)
стр. 14062
(أَيْ بُنَيَّ) "أي" بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة: من حروف نداء البعيد، أو كالبعيد، كالنائم، مثل "يا" وأخواتها، كما قال في "الخلاصة":
وَللْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ "يَا" … وَأَيْ " وَ"آ" كَذَا "أَيَا" ثُمَّ "هَيَا"
وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ … أَوْ"يَا" وَغَيْرُ "وَا" لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
و"بُنَيَّ" بضمّ الموحّدة، تصغير "ابن" (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، ويَحْتَمِل أن تكون بفتحها بتقدير حرف التعليل؛ أي لأن النبيّ ﷺ (أَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، يقال: أَذِنَ له في الشيء، كسَمِعَ إِذْنًا بالكسر، وأَذِينًا: أباحه له، قاله في "القاموس" (١). (لِلظُّعُنِ) بضم الظاء والعين، وبإسكان العين أيضًا، وهُنَّ النساء، الواحدة ظَعِينة، كسَفِينة وسُفُن، وأصل الظَّعِينة: الهودج الذي تكون فيه المرأة على البعير، فسُمِّيت المرأة به مجازًا، واشتَهَرَ هذا المجاز حتى غَلَبَ، وخَفِيَت الحقيقة، وظَعِينةُ الرجل امرأته، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "العمدة": "الظُّعُنُ" -بضم الظاء، والعين، وبسكون العين أيضًا -: جمع ظَعِينة، وهي النساء، وفي "المحكم": هو جمع ظاعن، وسُمِّيت النساء بها؛ لأنهن يَظْعَنَّ بارتحال أزواجهن، ويُقِمن بإقامتهم، تقول: ظَعَنَ يَظْعُنُ ظَعْنًا، وظُعُونًا: ذهب، وأظعنه هو، والظَّعِينة: الجمل يُظْعَن عليه، والظَّعِينة: الهودج، تكون فيه المرأة، وقيل: هو الهودج كانت فيه امرأة أو لم تكن، وعن ابن السِّكِّيت: كل امرأة ظَعِينة، سواء كانت في هودج أو غيره، وقال ابن سِيدَهْ: الجمع ظعائن، وظُعُنٌ، وأظعان، وظُعُنات، الأخيرتان جمع الجمع، وفي "الجامع": ولا يقال: ظَعُن إلا للإبل التي عليها الهوادج، وقيل: الظُّعُن الجماعة من النساء والرجال، قاله في "العمدة" (٣).
وقال الفيّوميّ ﵀: ظَعَنَ ظَعْنًا، من باب نَفَعَ: ارتَحَلَ، والاسم ظَعَنٌ بفتحتين، ويتعدى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنْتُ به، والفاعل ظاعن، والمفعول مظعون، والأصل مظعون به، لكن حُذِفت الصلة؛ لكثرة
стр. 14063
الاستعمال، وباسم المفعول سُمِّي الرجل، ويقال للمرأة: ظَعِينة فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأن زوجها يَظْعَن بها، ويقال: الظعينة الْهَوْدج، وسواء كان فيه امرأة أم لا، والجمع ظعائن، وظُعُنٌ بضمتين، ويقال: الظعينة في الأصل وَصْف للمرأة في هَوْدَجها، ثم سميت بهذا الاسم، وإن كانت في بيتها؛ لأنها تصير مظعونة. انتهى (١).
وفي رواية أبي داود: "إنا كنّا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ "، وفي رواية مالك: "لقد كنّا نفعل ذلك مع من هو خير منك"، تعني النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبى بكر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٣١٢٣ و ٣١٢٤] (١٢٩١)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٧ و ٣٥١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ١٠٠)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٥/ ١٢٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز تقديم الضَّعَفَة من المزدلفة إلى منى ليلًا، وصحة صلاة الصبح بمنى يوم النحر لهم.
٢ - (ومنها): سماحة الدين، وسهولة تكاليفه، فليس القويّ والضعيف في ذلك سواء، بل يُكَلِّف كلًّا بقدر استطاعته، فقد سهّل للضَّعَفَة في موضع الحرج بسبب شدّة الزحام، فرخّص لهم أن يرموا قبل وقوع الزحام.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز الرمي قبل طلوع الشمس عند مَن
стр. 14064
خَصّ التعجيل بالضَّعَفَة، وعند من لم يُخَصِّص، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٤ - (ومنها): أنه استُدِل به أيضًا على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة، ولكن لا دلالة فيه؛ لأن رواية أسماء هذه ساكتةٌ عن الوقوف، وقد بيّنته رواية ابن عمر ﵄ الآتية آخر الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أول وقت الرمي: اعلم أنهم اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة للضعفة، وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه: فذهبت أسماء بنت أبي بكر، وعكرمة، وخالد، وطاوس، والشعبيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، إلى أن أول الوقت الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة، هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستُدلّ لهم بما أخرجه النسائيّ بإسناد حسن، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدّثتني عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله ﷺ أَمَر إحدى نسائه أن تنفر من جَمْع ليلة جَمْع، فتأتي جمرة العقبة، فترميها، وتصبح في منزلها، وكان عطاء يفعله حتى مات.
وبما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، قالت: أرسل النبيّ ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرَمَت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون عندها رسول الله ﷺ ، ويعتضد بما رواه الخلّال من طريق سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدّمني رسول الله ﷺ فيمن قدّم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. كذا ذكره ابن القيّم ﵀.
وذهب جماعة إلى أن أول وقته بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحبّ بعد طلوع الشمس، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس، وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها.
стр. 14065
وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، واستُدِلّ لهم بما رواه الطحاويّ بسنده عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يأمر نساءه، وثقله صبيحة جَمْع أن يُفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا إلا مصبحين، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا.
وذهب النخعيّ، ومجاهد، والثوريّ، وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس، فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس، واستدلوا بما أخرجه النسائيّ وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ أُغَيلمة بني عبد المطلب على حُمُرات، يَلْطَحُ (١) أفخاذنا، ويقول: "أُبَيْنيّ لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس"، وفي رواية: أن النبيّ ﷺ قَدَّم أهله، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
قالوا: إذا كان من رُخّص له مُنع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخّص له أولى.
وذهب بعضهم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيّم.
واستُدِلّ لذلك بما تقدم عن أسماء ﵂ أنها رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلّت الصبح في منزلها، وقالت: إن رسول الله ﷺ أذن في ذلك للظعن، والحديث في "الصحيحين".
فهذا صريح في أنها رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وقد صرّحت بأنه ﷺ أذن في ذلك للظُّعُن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور.
واستُدِلّ لذلك أيضًا بحديث ابن عمر ﵄ عند الشيخين أنه كان يقدّم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدَم بعد ذلك، فإذا قَدِمُوا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ .
وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل
стр. 14066
النبيّ ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه؛ إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجحُ ما ذهب إليه الأولون من جواز الرمي قبل طلوع الشمس لأصحاب الأعذار، ويُحمَل حديث ابن عباس ﵄ المذكور آنفًا على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث أسماء، وعائشة، وابن عمر ﵃ المتقدّمة، فالمستحبّ أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، ولو رمى قبله أجزأه؛ لهذه الأحاديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَتْ: لَا أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِظُعُنِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
و"ابْنُ جُرَيْجٍ" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن ابن جريج هذه ساقها إسحاق ابن راهويه في "مسنده" (٥/ ١٢٢) فقال:
(٢٢٣٠) - أخبرنا عيسى بن يونس، نا ابن جريج، أخبرني عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر، أنها قالت: أي بُنَيّ هل غاب القمر؟ ليلة جَمْع، وهي تصلي (١)، فقلت: لا، فَلَبِثَتْ ساعةً، ثم قالت: أي بُنَيّ هل غاب القمر؟ وقد غاب، فقلت: نعم، فقالت: ارتحلوا، فارتحلنا، فمضينا بها حتى رمت
стр. 14067
الجمرة، ثم رجعنا بها، حتى صلّت الصبح في منزلها، فقلت لها: أي هنتاه، لقد غَلَّسْنا، فقالت: أي بُنَيّ إن رسول الله ﷺ أَذِنَ للظُّعُن. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٥] (١٢٩٢) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي عَليُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، جَمِيعًا عَن ابْنِ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ شَوَّالٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَا مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ شَوَّالٍ) هو: سالم بن شَوّال -باسم الشهر- المكيّ، مولى أمّ حبيبة ﵂، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مولاته أم حبيبة ﵂، وروى عنه عطاء بن أبي رَبَاح، وعمرو بن دينار.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عيينة: وسالم بن شوال رجل من أهل مكة، لم نسمع أحدًا يحدِّث عنه إلا عمرو بن دينار.
انفرد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث، وكرّره مرّتين.
٤ - (أُمُّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأمويّة، أمّ المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت سنة (٢ أو ٤ أو ٤٩) وقيل: (٥٠) (ع) تقدمت في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣/ ١١٨٦.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم مما سبق.
стр. 14068
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم حبيبة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٣١٢٥ و ٣١٢٦] (١٢٩٢)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٦١ - ٢٦٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢٧ و ٤٢٦ - ٤٢٧)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ شَوَّالٍ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيَّ ﷺ نُغَلِّسُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَفِي رِوَايَةِ النَّاقِدِ: نُغَلِّسُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (نُغَلِّسُ) بتشديد اللام، من التغليس، وهو السير بغلس، قال الفيّوميّ: الْغَلَس بفتحتين: ظلام آخر الليل، وغَلّس القومُ تغليسًا: خرجوا بغلس، وغلَّس في الصلاة: صلّاها بغلَس. انتهى.
وقوله: (مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى) بفتح الجيم، وسكون الميم: أي من المزدلفة.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14069
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٧] (١٢٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّقَلِ، أَوْ قَالَ: فِي الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ كثير الحديث [٤] (ت ١٢٦) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "الصيام" ٢١/ ٢٦٦٢.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﵄، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٩٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة سوى يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، ومن المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ) ﵀ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الثَّقَلِ) بفتح الثاء المثلّثة والقاف، وهو المتاع ونحوه، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: الثَّقَلُ: المتاع، والجمع أَثقالٌ،
стр. 14070
مثلُ سبب وأسباب، قال الفارابيّ: الثَّقَلُ: متاع المسافر، وحَشَمُهُ. انتهى (١).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: فِي الضَّعَفَةِ) -بفتح الضاد المعجمة، والعين المهملة-: جمع ضعيف، قال ابن مالك ﵀ في "توضيحه": جمع ضعيف على ضَعَفَة غريبٌ، ومثله خَبِيث وخَبَثَةٌ. انتهى.
وقال الفيّوميّ ﵀ ما حاصله: جمع ضعيف ضُعَفاءُ، وضِعَافٌ، وجاء ضَعَفَةٌ، وضَعْفَى؛ لأن فعيلًا إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول جُمع على فَعْلَى، مثل قَتيل وقَتْلَى، وجَريح وجَرْحَى، قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى مفعول، وقالوا: أحمق وحَمْقَى، وأنوَكُ ونَوْكَى؛ لأنه عيبٌ أُصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذّ من ذلك سَقِيمٌ، فجُمع على سِقَام -بالكسر- لا على سَقْمَى، ذهابًا إلى أن المعنى معنى فاعلٍ، ولوحظ في ضعيفِ معنى فاعل، فجُمع على ضعافٍ، وضَعَفَة، مثلُ كافر وكَفَرَة. انتهى.
وقوله: (مِنْ جَمْعٍ) بفتح الجيم، وإسكان الميم، أي من المزدلفة، وهو متعلّق بـ "قَدَّم"، وكذا قوله: (بِلَيْلٍ) والباء بمعنى "في".
[تنبيه]: المراد بالضَّعَفَة هنا هم النساء، والصبيان، والْخَدَم، والمشايخ العاجزون، وأصحاب الأمراض.
وقال ابن حزم: الضعفة، هم الصبيان والنساء فقط، والحديث يردُّ عليه؛ لأنه أعمّ من ذلك، فيدخل فيه الرجال العاجزون، والمرضى؛ إذ لفظ: "الضّعَفَة" أعمّ من النساء، والصبيان، والمشايخ العاجزين، وأصحاب الأمراض؛ لأن العلّة خوف الزحام عليهم.
ويؤيّده رواية الطحاويّ، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ للعبّاس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا، ونسائنا، فليصلّوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تُصيبهم دفعة الناس"، قال: فكان
стр. 14071
عطاء يفعله بعدما كبر وضعف، ولأبي داود من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يقدّم ضعفاء أهله بغلس"، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يقدّم العيال، والضَّعَفَة إلى منى من المزدلفة. أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح جواز تقدُّم أصحاب الأعذار بالليل من المزدلفة إلى منى، سواء كانوا رجالًا، أو نساءً، وكذا من يقوم عليهم ممن يخدُمهم، وإن كان قويًّا في نفسه؛ لعموم العلّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤٦/ ٣١٢٧ و ٣١٢٨ و ٣١٢٩] (١٢٩٣)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٧٧ و ١٦٧٨ و ١٨٥٦) و"المغازي" (٤١٩٦) و"الأدب" (٦١٤٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٤٠ و ١٩٤١) و"الجهاد" (٢٥٣٨)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٩٢)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٦١ و ٢٦٦) وفي "الكبرى" (٢٠٩/ ٤٠٣٥ و ٤٠٣٦ و ٤٠٣٧ و ٤٠٣٨ و ٢١٦/ ٤٠٥٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٢٥ و ٣٠٢٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢١ و ٢٢٢ و ٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ١٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٢٨٥ و ١١٣٥٣ و ١١٣٥٤ و ١١٣٦٠ و ١١٣٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14072
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي قدّمه، فحذف العائد؛ لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
........................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكر في الحديث الماضي، وقبله بحديث.
[تنبيه]: أخرج الطحاويّ طريق عطاء هذه مطوّلة، من رواية إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير، عن عطاء، قال: أخبرني ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للعباس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا، ونسائنا، فليصلّوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس"، قال: فكان عطاء يفعله بعدما كَبِرَ وضَعُفَ، ولأبي داود، من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُقَدِّم ضعفاء أهله بِغَلَس، ولأبي عوانة في
стр. 14073
"صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُقَدِّم العيال والضعفة إلى منى من المزدلفة. ذكره في "الفتح" (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٠] (١٢٩٤) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعِ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ بِسَحَرٍ، قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؟ وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيُّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار.
شرح الحديث:
عن عَطَاء بن أبي رباح (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ) قال الفيّوميّ ﵀: بَعَثَت رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع فانبعث مثل كسرته فانكسر، وكلُّ شيء ينبعث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيقال: بعثه، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب والهديّة، فإن الفعل
стр. 14074
يتعدّى إليه بالباء، فيقال: بعثتُ به، وأوجز الفارابيّ، فقال: بعثه أي أهبّه، وبَعَثَ به: وَجَهّه. انتهى (١).
(بِسَحَرٍ) الموجود في النسخ بضبط القلم بالكسر منونًا، لكن قال القرطبيّ ﵀: الصواب أنه غير منصرف، ودونك نصّه: "بِسَحَرَ" بغير صرف، وهو الصواب؛ لأنه سحر معيّنٌ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أشار القرطبيّ ﵀ بذلك إلى أن "سَحَرَ" هنا غير منصرف؛ للعدل والتعريف، كما قال في "الخلاصة":
وَالْعَدْلُ وَالتَّعْرِيفُ مَانِعَا "سَحَرْ" … إِذَا بِهِ التَّعْيِينُ قَصْدًا يُعْتَبَرْ
يعني أن "سحر" إذا أريد به سحر يوم بعينه، نحو جئتك يوم الجمعة سَحَرَ، فسَحَرَ ممنوع من الصرف؛ للعدل وشبه العلميّة، وذلك لأنه معدولٌ عن السَّحَرِ؛ لأنه معرفة، والأصل في التعريف أن يكون بـ "أل"، فعُدِل به عن ذلك، وصار تعريفه كتعريف العلميّة من جهة أنه لم يُلفَظ معه بمعرِّفٍ (٢)، والله تعالى أعلم.
(مِنْ جَمْعٍ) أي من المزدلفة (فِي ثَقَلِ نَبِيِّ الله ﷺ )؛ أي أهله، و"الثقل" بفتحتين: هو الَشيء الذي يثقل حمله (قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو ابن جريج، وهذا يدلّ على أن عطاء لم يسمعه من ابن عبّاس، ومما يدلّ على ذلك ما في "مسند أحمد"، ولفظه: "حدّثني عطاء عن ابن عبّاس، قال: ولم يسمعه منه". انتهى (٣)، لكن الحديث متّصل، فقد تقدّم من رواية عبيد الله بن أبي يزيد: "أنه سمع ابن عبّاس يقول … " الحديث (أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: بَعَثَ بِي بلَيْلٍ طَوِيلٍ؟) أراد بهذا الاستفسار هل بعثه ﷺ لابن عباس كان من أول الليل، أَم لَا؟ (قَالَ: لَا) أي لم يبلغني أنه بعثه بليل طويل (إِلَّا كَذَلِكَ بِسَحَرٍ) أي إلا أن الذي بلغني أن بعثه كان بسحر، وقوله: (قُلْتُ لَهُ)؛ أي لعطاء (فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؟) هذا أيضًا استفسار آخر، هل ابن عبّاس ومن
стр. 14075
معه رموا الجمرة بليل، أم تأخّروا إلى ما بعد طلوع الشمس؟، وقوله: (وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟) هذا أيضًا استفسار ثالث، وهو أنه هل ذكر ابن عبّاس أين صلّوا صلاة الفجر؟، فأجابه أيضًا، فـ (قَالَ: لَا)؛ أي لم يبيّن كلًّا من رمي الجمرة، ومكان الصلاة (إِلَّا كَذَلِكَ) إلا قوله: "بعث بي رسول الله ﷺ بسحر من جمع … إلخ".
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣١] (١٢٩٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.