عطاء يفعله بعدما كبر وضعف، ولأبي داود من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يقدّم ضعفاء أهله بغلس"، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يقدّم العيال، والضَّعَفَة إلى منى من المزدلفة. أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح جواز تقدُّم أصحاب الأعذار بالليل من المزدلفة إلى منى، سواء كانوا رجالًا، أو نساءً، وكذا من يقوم عليهم ممن يخدُمهم، وإن كان قويًّا في نفسه؛ لعموم العلّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤٦/ ٣١٢٧ و ٣١٢٨ و ٣١٢٩] (١٢٩٣)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٧٧ و ١٦٧٨ و ١٨٥٦) و"المغازي" (٤١٩٦) و"الأدب" (٦١٤٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٤٠ و ١٩٤١) و"الجهاد" (٢٥٣٨)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٩٢)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٦١ و ٢٦٦) وفي "الكبرى" (٢٠٩/ ٤٠٣٥ و ٤٠٣٦ و ٤٠٣٧ و ٤٠٣٨ و ٢١٦/ ٤٠٥٥)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٢٥ و ٣٠٢٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢١ و ٢٢٢ و ٢٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ١٧٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٢٨٥ و ١١٣٥٣ و ١١٣٥٤ و ١١٣٦٠ و ١١٣٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14072
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي قدّمه، فحذف العائد؛ لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
........................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكر في الحديث الماضي، وقبله بحديث.
[تنبيه]: أخرج الطحاويّ طريق عطاء هذه مطوّلة، من رواية إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير، عن عطاء، قال: أخبرني ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للعباس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا، ونسائنا، فليصلّوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس"، قال: فكان عطاء يفعله بعدما كَبِرَ وضَعُفَ، ولأبي داود، من طريق حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُقَدِّم ضعفاء أهله بِغَلَس، ولأبي عوانة في
стр. 14073
"صحيحه" من طريق أبي الزبير، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يُقَدِّم العيال والضعفة إلى منى من المزدلفة. ذكره في "الفتح" (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٠] (١٢٩٤) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعِ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ بِسَحَرٍ، قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؟ وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيُّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار.
شرح الحديث:
عن عَطَاء بن أبي رباح (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ) قال الفيّوميّ ﵀: بَعَثَت رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع فانبعث مثل كسرته فانكسر، وكلُّ شيء ينبعث بنفسه، فإن الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيقال: بعثه، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب والهديّة، فإن الفعل
стр. 14074
يتعدّى إليه بالباء، فيقال: بعثتُ به، وأوجز الفارابيّ، فقال: بعثه أي أهبّه، وبَعَثَ به: وَجَهّه. انتهى (١).
(بِسَحَرٍ) الموجود في النسخ بضبط القلم بالكسر منونًا، لكن قال القرطبيّ ﵀: الصواب أنه غير منصرف، ودونك نصّه: "بِسَحَرَ" بغير صرف، وهو الصواب؛ لأنه سحر معيّنٌ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أشار القرطبيّ ﵀ بذلك إلى أن "سَحَرَ" هنا غير منصرف؛ للعدل والتعريف، كما قال في "الخلاصة":
وَالْعَدْلُ وَالتَّعْرِيفُ مَانِعَا "سَحَرْ" … إِذَا بِهِ التَّعْيِينُ قَصْدًا يُعْتَبَرْ
يعني أن "سحر" إذا أريد به سحر يوم بعينه، نحو جئتك يوم الجمعة سَحَرَ، فسَحَرَ ممنوع من الصرف؛ للعدل وشبه العلميّة، وذلك لأنه معدولٌ عن السَّحَرِ؛ لأنه معرفة، والأصل في التعريف أن يكون بـ "أل"، فعُدِل به عن ذلك، وصار تعريفه كتعريف العلميّة من جهة أنه لم يُلفَظ معه بمعرِّفٍ (٢)، والله تعالى أعلم.
(مِنْ جَمْعٍ) أي من المزدلفة (فِي ثَقَلِ نَبِيِّ الله ﷺ )؛ أي أهله، و"الثقل" بفتحتين: هو الَشيء الذي يثقل حمله (قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو ابن جريج، وهذا يدلّ على أن عطاء لم يسمعه من ابن عبّاس، ومما يدلّ على ذلك ما في "مسند أحمد"، ولفظه: "حدّثني عطاء عن ابن عبّاس، قال: ولم يسمعه منه". انتهى (٣)، لكن الحديث متّصل، فقد تقدّم من رواية عبيد الله بن أبي يزيد: "أنه سمع ابن عبّاس يقول … " الحديث (أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: بَعَثَ بِي بلَيْلٍ طَوِيلٍ؟) أراد بهذا الاستفسار هل بعثه ﷺ لابن عباس كان من أول الليل، أَم لَا؟ (قَالَ: لَا) أي لم يبلغني أنه بعثه بليل طويل (إِلَّا كَذَلِكَ بِسَحَرٍ) أي إلا أن الذي بلغني أن بعثه كان بسحر، وقوله: (قُلْتُ لَهُ)؛ أي لعطاء (فقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؟) هذا أيضًا استفسار آخر، هل ابن عبّاس ومن
стр. 14075
معه رموا الجمرة بليل، أم تأخّروا إلى ما بعد طلوع الشمس؟، وقوله: (وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟) هذا أيضًا استفسار ثالث، وهو أنه هل ذكر ابن عبّاس أين صلّوا صلاة الفجر؟، فأجابه أيضًا، فـ (قَالَ: لَا)؛ أي لم يبيّن كلًّا من رمي الجمرة، ومكان الصلاة (إِلَّا كَذَلِكَ) إلا قوله: "بعث بي رسول الله ﷺ بسحر من جمع … إلخ".
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣١] (١٢٩٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
стр. 14076
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن سالِمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبوه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﵄ (كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ)؛ أي نساءه، وصبيانه من المزدلفة إلى منى؛ خوفَ التأذي بالعجلة والزحام (فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) بفتح الميم والعين، وحكى الجوهريّ كسر الميم، وقيل: إنه لغة أكثر العرب، وقال ابن قرقول: كسر الميم لغة، لا رواية، وقال ابن قتيبة: لم يقرأ بها في الشواذّ، وقيل: بل قُرئ، حكاه الْهُذَليّ، وسُمِّي المشعر؛ لأنه مَعْلَمٌ للعبادة، والحرام؛ لأنه من الحرَمِ، أو لحرمته، قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: قد سبق بيان المشعر الحرام، وذكر الخلاف فيه، وأن مذهب الفقهاء أنه اسم لِقُزَحَ خاصّةً، وهو جبل بالمزدلفة، ومذهب المفسرين، ومذهب أهل السِّيَر أنه جميع المزدلفة، وقد جاء في الأحاديث ما يدلّ لكلا المذهبين، وهذا الحديث دليل لمذهب الفقهاء، وقد سبق أن المشهور فتح الميم من المشعر الحرام، وقيل: بكسرها. انتهى (٢).
وقوله: (بِالْمُزْدَلِفَةِ) متعلّق بـ "يَقِفون"، أو بحال من "المشعر الحرام"، وقوله: (بِاللَّيْلِ) متعلّق بـ "يقفون" أيضًا، والباء بمعنى "في" (فَيَذْكُرُونَ اللهَ) فيه مشروعيّة الوقوف عند المشعر الحرام بالدعاء والذكر (مَا بَدَا لَهُمْ) بلا همز: أي ما أرادوا (ثُمَّ يَدْفَعُونَ) أي يُفيضون من المزدلفة إلى منى، ولفظ البخاريّ: "ثم يرجعون"، قال في "الفتح": معناه أنهم يرجعون عن الوقوف إلى الدفع (قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ) أي بالمشعر الحرام، و"قبلَ" متعلّق بـ "يدفعون" (وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ) أي وقبل أن يُفيض الإمام من المزدلفة متوجهًا إلى منى (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ) بفتح أوله
стр. 14077
وثالثه، من باب تَعِبَ (مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ) أي عند صلاة الفجر، فاللام بمعنى "عند" (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ) يعني أنهم يرمون جمرة العقبة وقت وصولهم إلى منى، ولا يؤخّرون ذلك إلى طلوع الشمس (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) قال في "الفتح": كذا وقع فيه "أَرْخَصَ"، وفي بعض الروايات: "رَخَّصَ" بالتشديد، وهو أظهر من حيث المعنى؛ لأنه من الترخيص، لا من الرُّخَص.
واحتَجَّ به ابن المنذر لقول من أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضعفة؛ لأن حكم من لم يُرَخَّص له ليس كحكم من رُخِّص له، قال: ومن زعم أنهما سواء لزمه أن يجيز المبيت على منى لسائر الناس؛ لكونه ﷺ أرخص لأصحاب السقاية، وللرعاء أن لا يبيتوا بمنى، قال: فإن قال: لا تَعْدُوا بالرُّخَص مواضعها، فليستعمل ذلك هنا، ولا يأذن لأحد أن يتقدم من جَمع إلا من رخّص له رسول الله ﷺ . انتهى، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد تقدّم البحث في هذه المسألة مستوفًى في المسألة الرابعة من شرح حديث عائشة ﵂ في قصّة استئذان سودة ﵂، أول هذا الباب، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٣١٣١] (١٢٩٥)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٦٧٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧١ و ٢٨٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 14078
(٤٧) - (بَابُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَتَكُونُ مَكَّةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ).
[فائدة]: (اعلم): أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي أُخذت منه الجمرة، فقال بعض أهل العلم: الجمرة في اللغة الحصاة، وسُمِّيت الجمرة التي هي موضع الرمي بذلك؛ لأنها المحل الذي يُرمَى فيه بالحصى، وعلى هذا فهو من تسمية الشيء باسم ما يَحُلّ فيه، وهو أسلوب عربيّ معروف، وهو عند البلاغيين من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، والتجمير: رمي الحصى في الجمار، ومنه قول ابن أبي ربيعة [من الطويل]:
بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرتْ … وَكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ
فَوَاللهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ … بِسَبْعٍ رَمَينَ الْجَمْرَ أَمْ بَثَمَانِ
والْمُجَمَّرُ بصيغة اسم المفعول مضعفًا هو الموضع الذي تُرمَى فيه الجمار، ومنه قول حذيفة بن أنس الْهُذَليّ [من الطويل]:
لَأَدْرَكَهُمْ شُعْثُ النَّوَاصِي كَأَنَّهُمْ … سَوَابِقُ حُجَّاجٍ تُوَافِي الْمُجَمَّرَا
وقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمُّر بمعنى التجمع، تقول العرب: تجمَّر القوم إذا اجتمعوا، وانضَمَّ بعضهم إلى بعض، وجَمَّرهم الأمر: أحوجهم إلى التجمُّر، وهو التجمع، وجَمَّر الشيءَ: جمعه، وجَمَّر الأمير الجيشَ: إذا أطال حبسهم مجتمعين بالثَّغْر، ولم يأذن لهم في الرجوع والتفرق، ورَوَى الربيع أن الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
وَجمَّرْتنا تَجْمِيرَ كِسْرَى جُنُودَهُ … وَمَنَّيْتَنَا حَتَّى نَسِينَا الأمَانِيَا
والْجَمَارُ: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى [من الوافر]:
فَمَنْ مُبلغٌ وَائِلًا قَوْمَنا … وَأَعنِي بِذَلِكَ بَكْرًا جَمَارَا
أي مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمُّر، بمعنى التجمع؛ لاجتماع الحجيج عندها يرمونها، وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها، وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر: إذا أسرع؛ لأن الناس يأتون مسرعين لرميها، وقيل: أصلها من جمّرته: إذا نحّيته، قال الشيخ الشنقيطيّ ﵀: وأظهرها
стр. 14079
القول الأول. انتهى (١).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٢] (١٢٩٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلّهم تقدّموا قبل باب، غير إبراهيم النخعي، فتقدّم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٨٦، وشرح الحديث يأتي في التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلِّفُوا الْقُرْآنَ كَمَا أَلَّفَهُ جِبْرِيلُ، السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، قَالَ: فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ، فَسَبَّهُ، وَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي، فَاسْتَعْرَضَهَا، فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
стр. 14080
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسهِر القرشيّ الكوفيّ القاضي، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وابن ماجه في "التفسير".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن الْأَعْمَشِ) سليمان بن مِهْران أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ) بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، وَليَ إِمْرَة العراق عشرين سنة، ومات سنة (٩٥ هـ). قال الحافظ ﵀: ولم يقصد الأعمش الرواية عنه، فلم يكن بأهل لذلك، وإنما أراد أن يَحْكِي القصّة، ويوضّح خطأ الحجاج فيها بما ثبت عمن يُرجَع إليه في ذلك، بخلاف الحجاج، وكان يرى إضافة السورة إلى الاسم، فردّ عليه إبراهيم النخعيّ بما رواه عن ابن مسعود ﵁ من الجواز. انتهى.
(يَقُولُ وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة في محلّ نصب على الحال (أَلِّفُوا الْقُرْآنَ)؛ أي: اجمعوه (كَمَا أَلَّفَهُ جِبْرِيلُ) قال القاضي عياض ﵀: إن كان الحجاج أراد بقوله: "كما أَلَّفه جبريل" تأليف الآي في كل سورة، ونظمها على ما هي عليه الآن في المصحف، فهو إجماع المسلمين، وأجمعوا أن ذلك تأليف النبيّ ﷺ ، وإن كان يريد تأليف السورة بعضها في أثر بعض، فهو قول
стр. 14081
بعض الفقهاء والقراء، وخالفهم المحققون، وقالوا: بل هو اجتهاد من الأئمة، وليس بتوقيف، قال القاضي: وتقديمه هنا "النساء" على "آل عمران" دليل على أنه لم يرد إلا نظم الآي؛ لأن الحجاج إنما كان يتبع مصحف عثمان ﵁، ولا يخالفه، والظاهر أنه أراد ترتيب الآي لا ترتيب السور. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم البحث في هذا في "كتاب الصلاة" مستوفًى، وأن الأرجح أن ترتيب السور توقيفيّ أيضًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ) بالباء للمفعول (فِيهَا الْبَقَرَةُ) بيان لكيفيّة تأليفه، ومراده أنهم لا يؤلّفونه بقولهم: "سورة البقرة"، وإنما يقولون: "السورة التي تُذكر فيها البقرة"، وفي الرواية التالية: "لا تقولوا: سورة البقرة … " (وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، قَالَ) الأعمش (فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخعيَّ (فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ)؛ أي: بقول الحجّاج المذكور (فَسَبَّهُ) أي شتمه وعابه؛ لإنكاره المعروف (وَقَالَ) إبراهيم (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) النخعيّ أخو الأسود (أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ﵁ (فَأَتَى) بالبناء للفاعل (جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي الجمرة التي تُرمى إلى جهة العقبة، وهي الجمرة الكبرى، وليست من منى، بل هي حدّ منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبيّ ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمُجتَمَع الحصى، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، يقال: تجمّر بنو فلان: إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمّي الحصى الصغار جِمارًا، فسمّيت تسمية الشيء بلازمه، وقيل: لأن آدم، أو إبراهيم ﵇ لما عرض له إبليس، فحصبه، جَمّر بين يديه؛ أي أسرع، فسمّيت بذلك.
وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضُحًى، ومن أسفلها استحبابًا، أفاده في "الفتح" (٢).
стр. 14082
وقال الفيّوميّ: كلُّ شيء جمعته، فقد جمّرته، ومنه الجمرة، وهي مُجْتَمعُ الحصى بمنًى، فكلّ كُومَةٍ من الحصى جَمْرةٌ، والجمع جَمَرات، وجَمَرات منى ثلاثٌ، بين كلّ جمرتين نحو غَلْوةِ سَهْمٍ. انتهى (١).
(فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي) أي أتى بطن الوادي (فَاسْتَعْرَضَهَا)؛ أي أتاها من جانبها عَرْضًا، قاله ابن الأثير ﵀، وفي رواية البخاريّ: "فاستبطن الوادي، حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها"؛ أي الشجرة، وهذا يدلّ على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة، وقد روى ابن أبي شيبة، عن الثقفيّ، عن أيوب، قال: رأيت القاسم وسالمًا ونافعًا يرمون من الشجرة، ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود، أنه كان إذا جاوز الشجرة رمى العقبة، من تحت غصن من أغصانها، قاله في "الفتح" (٢).
(فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) أي من أسفله؛ اتباعًا للسنة، كما بيّنه بقوله: "من ها هنا -والذي لا إله غيره- رماها الذي أنزلت عليه سورة البقرة" (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) بفتح الصاد والياء: جمع حصاة، وفيه أن الرمي يكون بسبع حصيات لا بأقلّ، وسيأتي قريبًا اختلاف العلماء في ذلك (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) فيه أنه يستحبّ التكبير عند رمي حصى الجمار (قَالَ) عبد الرحمن بن يزيد (فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن مسعود " (إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا)؛ أي من فوق العقبة (فَقَالَ) ابن مسعود" (هَذَا) مشيرًا إلى المكان الذي رمى منه الجمرة، فاسم الإشارة مبتدأ، خبر "مقامُ"، وقوله: (وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) قسمٌ معترضٌ، أقسم عبد الله ﵁ به تأكيدًا لحديثه (مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يعني النبيّ ﷺ ، وهذا هو محلّ الردّ على الحجّاج، فابن مسعود ﵁ صحابيّ من أعلم الصحابة بالسنة، وفقيه من أفقه الصحابة بالأحكام الشرعيّة، فقد سماها "سورة البقرة".
وفي رواية الحكم، عن إبراهيم الآتية: "فرمى الجمرة بسبع حصيات، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه"، وفي رواية الترمذيّ من طريق أبي
стр. 14083
صخرة، عن عبد الرحمن بن يزيد: "لما أتى عبد الله جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة".
قال الحافظ ﵀: والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذّ، في إسناده المسعوديّ، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعيّ من الشافعيّة بأنه يستقبل الجمرة، ويستدبر القبلة، وقيل: يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في الأفضل.
[تنبيه]: قال ابن الْمُنَيِّر ﵀: خَصّ عبد الله سورة البقرة بالذكر؛ لأنها التي ذُكر فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله ﷺ مبيّنٌ لمراد كتاب الله تعالى.
قال الحافظ ﵀: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحجّ مذكورٌ فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبّهًا بذلك على أن أفعال الحجّ توقيفيّةٌ.
وقيل: خصّ البقرة بذلك؛ لطولها، وعظم قدرها، وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يُشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٣١٣٢ و ٣١٣٣ و ٣١٣٤ و ٣١٣٥ و ٣١٣٦ و ٣١٣٧] (١٢٩٦)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٧٤٧ و ١٧٤٨ و ١٧٤٩ و ١٧٥٠)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٧٤ و ٣٠٣٠)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٠١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٧٣ و ٢٧٤) وفي "الكبرى" (٤٠٧٦ و ٤٠٧٧ و ٤٠٧٨ و ٤٠٧٩)، (وابن ماجه) في "المناسك" (٢/ ١٠٠٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"
стр. 14084
(٣/ ١٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٤ و ٤٠٨ و ٤١٥ و ٤٢٢ و ٤٣٦ و ٤٥٦ و ٤٥٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ٤٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر، قال النوويّ ﵀: وهو مجمع عليه، وهو واجب، وهو أحد أسباب التحلل، وهي ثلاثة: رمي جمرة العقبة يوم النحر، فطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى، والثالث الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو الصحيح، فلو ترك رمي جمرة العقبة حتى فاتت أيام التشريق، فحجه صحيح، وعليه دم، هذا قول الشافعيّ، والجمهور، وقال بعض أصحاب مالك: الرمي ركن لا يصح الحج إلا به، وحَكَى ابن جرير عن بعض الناس أن رمي الجمار إنما شُرِعَ حفظًا للتكبير، ولو تركه وكبّر أجزأه، ونحوه عن عائشة ﵂، والصحيح المشهور ما قدمناه.
٢ - (ومنها): بيان المكان الذي تُرمَى منه جمرة العقبة، وهو بطن الوادي، وقد بيّن في الرواية الآتية صفته إذا رمَى، وهو أن يجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، قال النوويّ ﵀: فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي، فيجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة والجمرة، ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال بعض أصحابنا: يُستحب أن يقف مستقبل الجمرة، مستدبرًا مكة، وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه، والصحيح الأول، وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو رماها من فوقها، أو أسفلها، أو وقف في وسطها، ورماها، وأما رميُ باقي الجمرات في أيام التشريق، فيستحب من فوقها. انتهى (١).
стр. 14085
وقال ابن بطال ﵀: رمي جمرة العقبة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو أعلاها أو وسطها، كل ذلك واسع، والموضع الذي يُختار بها بطن الوادي من أجل حديث ابن مسعود ﵁، وكان جابر بن عبد الله ﵄ يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء، وسالم، وهو قول الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك: رميها من أسفلها أحب إليّ، وقد روي عن عمر ﵁ عنه أنه جاء، والزحام عند الجمرة، فصَعِدَ، فرماها من فوقها، ذكره في "العمدة" (١).
٣ - (ومنها): جواز الحلف للتأكيد، وإن لم يُستَحْلَف.
٤ - (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك، قال النوويّ: وهو مجمع عليه، وقد ترجم البخاريّ ﵀ لحديث ابن مسعود ﵁ هذا: "باب رمي الجمار بسبع حصيات"، قال الحافظ ﵀: أشار في الترجمة إلى رَدِّ ما رواه قتادة عن ابن عمر ﵄، قال: ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع، وقد أنكر ذلك ابن عباس ﵄، وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروي من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه، ومن طريق طاوس: يتصدق بشيء، وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية في ترك حصاة مُد، وفي ترك حصاتين مُدّان، وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم. انتهى (٢)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٥ - (ومنها): استحباب التكبير مع كل حصاة، وهو مذهب العلماء كافّةً، قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شيء عليه.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على اشتراط رمي الجمرات واحدةً واحدةَ؛ لقوله: "يُكبّر مع كلّ حصاة"، وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، وخالف في ذلك عطاء، وصاحبه أبو حنيفة، فقالا: لو رَمَى السبع دفعة واحدة أجزأه.
стр. 14086
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا عزا في "الفتح" هذا القول لأبي حنيفة، وسيأتي عن العينيّ أنه لا يصحّ عنه، فتنبّه.
٧ - (ومنها): جواز قول: "سورة البقرة"، وما ذُكر عن الحجّاج بن يوسف، كما هنا، فمن أخطائه، وجهله بالسنّة، فلا يلتفت إليه.
وقال في "العمدة": فيه أنه لا يكره قول الرجل: "سورة البقرة"، و"سورة آل عمران"، ونحو ذلك، وهو قول كافّة العلماء، إلَّا ما حُكِي عن بعض التابعين كراهة ذلك، وأنه ينبغي أن يقال: السورة التي يذكر فيه كذا، والأصح قول الجمهور؛ لقوله ﷺ : "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المرفوعة. انتهى (١).
٨ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من مراعاة أحوال النبيّ ﷺ في كلّ حركةٍ، وهيئةٍ، ولا سيّما في أعمال الحجّ؛ لقوله لهم: "لتأخذوا عني مناسككم".
[فائدة]: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن أبيه في هذا الحديث، عن ابن مسعود ﵁ أنه لما فَرَغَ من رمي جمرة العقبة قال: "اللَّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا". انتهى (٢).
وأخرج البيهقيّ عن سالم بن عبد الله بن عمر، أنه استبطن الوادي، ثم رمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: "الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا"، وقال: حدثني أبي أن
стр. 14087
النبيّ ﷺ كان يرمي الجمرة في هذا المكان، ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت.
قال البيهقيّ ﵀: عبد الله بن حكيم بن الأزهر ضعيف (١).
وروى حنبل في "المناسك" عن زيد بن أسلم، عن سالم بن عبد الله مثل ذلك، كما في "المغني" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الرمي بسبع حصيات: ذهب أكثر العلماء إلى أن رمي الجمرة لا بدّ أن يكون بسع حصيات، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه، وقال مجاهد: إن رمى بستّ فلا شيء عليه، وبه قال أحمد، وإسحاق: واحتُجَّ لهم بما أخرجه النسائيّ من طريق مجاهد، عن سعد بن أبي وقّاص قال: "رجعنا في الحجة مع النبيّ ﷺ ، وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول: رميت بست، فلم يعب بعضهم على بعض".
وبما أخرجه أيضًا عن قتادة قال: سمعت أبا مِجْلَز يقول: سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار؟ فقال: ما أدري، رماها رسول الله ﷺ بست أو بسبع.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أن الواجب السبع، كما صحّ عن النبيّ ﷺ ، من حديث ابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم ﵃.
وأجيب عن حديث سعد ﵁ بأنه ليس مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ ، وعن حديث ابن عباس ﵄ بأنه ورد على الشكّ من ابن عباس، وشكّ الشاكّ لا يَقْدَح في جزم الجازم، وقد ثبت لدينا أنه ﷺ رماها بسبع حصيات، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".
ثم إن الجمهور -فيما حكاه القاضي عياض- ذهبوا إلى أنه إن رماها بأقلّ من سبع حصيات، لزمه دم، وهو قول مالك، والأوزاعيّ.
стр. 14088
وذهب الشافعيّ، وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مدّين، وفي ثلاث فأكثر دمًا.
وللشافعيّ قول آخر أن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر أن في الحصاة درهمًا.
وذهب أبو حنيفة، وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث، فعليه دم، وإن ترك أقلّ من نصفها، ففي كلّ حصاة نصف صاع، وعن طاوس: إن رمى ستًّا يُطعم تمرة، أو لقمة.
وذكر الطبريّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهنّ بعد أن يكبّر عند كلّ جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، كما جُعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد.
وذكر يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز، والنوى يُسَبَّح به؟ قال: حسن، قد كانت عائشة ﵂ تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات.
وقال الحكم، وحماد: من نَسِي جمرة، أو جمرتين، أو حصاتين يُهريق دمًا.
وقال عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار، فذكر ليلًا، أو نهارًا، فيلزمه ما نسي، ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق، فعليه دم، وهو قول الأوزاعيّ.
وقال مالك: إن نسي حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي، ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في كلٍّ مرّة واحدةً، فقال الشافعيّ: لا يجزيه، إلا عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًّا، وقال عطاء: تجزيه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحدّ سوطًا سوطًا، ومجتمعة، إذا علم وصول الكلّ إلى بدنه.
قال العينيّ: هذا الذي ذُكر عن أبي حنيفة ذَكَره صاحب "التوضيح"، وذكر في "المحيط": ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رَمْيةً واحدةً، فهي بمنزلة حصاة، وكان عليه أن يرمي ستّ مرات، قال: العمدة في النقل عن
стр. 14089
صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب. انتهى كلام العينيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الرمي بسبع حصيات واجب؛ لثبوته عنه ﷺ قولًا وفعلًا، وأما ما ذكروه من إيجاب دم أو نحوه في ترك شيء منه، فيحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: لَا تَقُولُوا سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَاقْتَصَّا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير الْعَبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) من مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ) الضمير في "اقتصّا" لابن أبي زائدة، وسفيان.
[تنبيه]: رواية ابن أبي زائدة، عن الأعمش هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(٣٠٧٤) - أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أنبأنا ابن أبي زائدة، قال: حدّثنا الأعمش، سمعت الحجاج يقول: لا تقولوا: سورة البقرة، قولوا:
стр. 14090
السورة التي يُذكر فيها البقرة، فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: أخبرني عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع عبد الله حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي، واستعرضها يعني الجمرة، فرماها بسبع حصيات، وكبّر مع كل حصاة، فقلت: إن أناسًا يصعدون الجبل، فقال: ها هنا والذي لا إله غيره، رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة رمى. انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن الأعمش، فقد ساقها الحميديّ ﵀ في "مسنده" (١/ ٦١) فقال:
(١١١) - حدّثنا الحميديّ (١)، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الأعمش يقول: سمعت الحجاج بن يوسف يقول: لا تقولوا: "سورة البقرة"، ولا سورة كذا، فذكرته لإبراهيم بن يزيد النخعيّ، فقال: أخبرني عبد الرحمن بن يزيد، أنه مشى مع عبد الله بن مسعود في بطن الوادي، فلما أتى الجمرة جعلها عن يمينه، ثم اعترضها، فرماها، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن إن ناسًا يرمونها من فوقها، فقال: من ها هنا، والذي لا إله غيره، رأيت الذي أُنزلت عليه سورة البقرة رماها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
стр. 14091
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد بُنْدار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا أَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُحَيَّاةِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى، أَبُو الْمُحَيَّاةِ، عَنْ
стр. 14092
سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ، قَالَ: فَرَمَاهَا عَبْدُ اللهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَاهَا الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ يَعْلَى، أَبُو الْمُحَيَّاةِ) - بضمّ الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة، وآخره هاء - هو: يحيى بن يعلى بن حَرْملة التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وعبد الملك بن عمير، وسلمة بن كهيل، ومنصور بن المعتمر، وهشام بن حسان، ومحمد بن إسحاق، وليث بن أبي سليم، وغيرهم.
وروى عنه أسود بن عامر شاذان، وإبراهيم بن موسى الفراء، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السريّ، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال مُطَيَّنٌ: مات سنة ثمانين ومائة، وهو ابن ست وتسعين سنةً، فيما أخبرتُ، وكذا قال ابن سعد بنصّه في الطبقة السادسة.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف ﵀، وشرحه واضحٌ يُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 14093
(٤٨) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا، وَبَيَانِ قَوْلِهِ ﷺ : "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ").
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٨] (١٢٩٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريبًا.
٢ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا قبل باب، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) هكذا صرّح ابن جريج بالإخبار، فزالت عنه تهمة التدليس، كما زالت عن أبي الزبير حيث ذكر: (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) ﵁ (يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ) قال القرطبيّ ﵀: وكونه ﷺ رمى راكبًا؛ ليُظهر للناس فعله على ما قرّرناه في طوافه، وسعيه في حديث جابر ﵁. انتهى (١).
والحديث يدلّ على أن رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا أفضل من رميها راجلًا وماشيًا، وحَكَى النوويّ عن الشافعيّ وموافقيه أنه يستحب لمن وصل راكبًا أن يرمي راكبًا، ولو رمى ماشيًا جاز، ومن وصلها ماشيًا فيرميها ماشيًا، قال: وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمي فيها الجمرات الثلاثة ماشيًا، وفي اليوم الثالث يرمي راكبًا.
стр. 14094
وقال ابن قدامة ﵀ (١): ويرميها راكبًا أو راجلًا كيفما شاء؛ لأن النبيّ ﷺ رماها على راحلته، رواه جابر، وابن عمر، وأم أبي الأحوص وغيرهم، قال جابر: رأيت النبيّ ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، رواه مسلم.
وقال نافع: كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، رواه أحمد في "المسند"، وفي هذا بيان للفرق بين هذه الجمرة وغيرها، ولأن رمي هذه الجمرة مما يستحب البداية به في هذا اليوم عند قدومه، ولا يسنّ عندها وقوف، ولو سنّ له المشي إليها لشغله النزول عن البداية بها والتعجيل إليه بخلاف سائرها. انتهى (٢).
(وَيَقُولُ) عطف على "يرمي"، فيكون من قبيل: "عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا"، أو الجملة حالية ("لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) قال النوويّ ﵀: هذه اللام لام الأمر، ومعناه: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصِفته، وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلّموها الناس. انتهى (٣).
وقال الطيبيّ ﵀: ويجوز أن تكون اللام للتعليل، والمعلَّل محذوف، أي يقول: إنما فعلت لتأخذوا عني مناسككم. انتهى.
ويؤيد الأول ما ورد عند النسائيّ، والبيهقيّ، بلفظ: "خذوا عني مناسككم".
وقال القرطبيّ ﵀: صحيح روايتنا لهذا الحديث "لنا" بلام الجر المفتوحة، والنون التي هي مع الألف ضمير، أي يقول لنا: "خذوا مناسككم"، فيكون قوله: "لنا" صلة للقول، قال: هو الأفصح، وقد رُوي: "لتأخذوا مناسككم" بكسر اللام للأمر، وبالتاء المثناة من فوقُ، وهي لغة شاذّة، قرأ بها
стр. 14095
رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ الآية [يونس: ٥٨]. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
(فَإِنِّي لَا أَدْرِي) مفعوله محذوف، أي لا أعلم ماذا يكون؟ (لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي) بفتح الحاء، وهي تَحْتَمَلِ أن تكون مصدرًا، وأن تكون بمعنى السَّنَة (هَذِهِ") أي التي أنا فيها، قال النوويّ ﵀: فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحَثِّهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سُمِّيت حجة الوداع. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٣١٣٨] (١٢٩٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٧٠)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٧٠) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠١ و ٣١٨ و ٣٣٢ و ٣٣٧ و ٣٦٧ و ٣٧٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ١٩٤) و"مسند الشاميين" (٢/ ٥٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١١١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١١٦ و ١٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر.
٢ - (ومنها): بيان استحباب الرمي راكبًا، فالمستحب لمن أتى راكبًا أن يرمي راكبًا.
٣ - (ومنها): أمر النبيّ ﷺ أمته بأخذ أمور الدين، ولا سيّما المناسك عنه، ولا يعملوا بهواهم، وإنما يتّبعون ما سنّ لهم، قال النوويّ ﵀: وهذا
стр. 14096
الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلّوا كما رأيتموني أصلي". انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله ﷺ : "خذوا … إلخ" أمر للاقتداء به، وحَوَالةٌ على فعله الذي وقع به البيان لمجملات الحجّ في كتاب الله تعالى، وهذا كقوله ﷺ لما صلّى: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، متّفقٌ عليه.
قال: ويلزم من هذين الأمرين أن يكون الأصل في أفعال الصلاة والحجّ الوجوب، إلا ما خرج بدليل، كما ذهب إليه أهل الظاهر، وحُكي عن الشافعيّ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
وقال السنديّ ﵀ في "حاشية النسائيّ": "خذوا عني مناسككم": أي تعلّموها مني، واحفظوها، وهذا لا يدل على وجوب المناسك، وإنما يدل على وجوب أخذها وتعلّمها، فمن استدلّ به على وجوب شيء من المناسك، فاستدلاله في محل النظر، فليتأمل. انتهى.
وكذا قال في "حاشية مسلم"، وعَلَّل ذلك بقوله: إذ وجوب تعلّم الشيء لا يدلّ على وجوب ذلك الشيء؛ إذ جميع المندوبات، والسنن يجب أخذها وتعلّمها، ولو على وجه الكفاية، وهي غير واجبة عملًا، فافهم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ ﵀ (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السنديّ ﵀ من أن قوله ﷺ : "خذوا عني … إلخ" لا يدلّ على وجوب جميع أفعال المناسك، وإنما يدلّ على وجوب الأخذ والتعلم منه ﷺ ، هو الأظهر مما ذكره القرطبيّ، وغايته أنه يدلّ على وجوب تعلّم جميع المناسك، وأما وجوب كلّ عمل من أعمال المناسك فلا بدّ من شيء زائد، كالأمر به، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14097
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٣٩] (١٢٩٨) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ -حَسِبْتُهَا قَالَتْ -: أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و (١٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين أبو عليّ الْحَرّانيّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عُبيد الله الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) أبو أسامة الجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة له أفراد [٦] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حُصَيْنٍ) الأحمسيّ البجليّ، ثقة [٤].
رَوَى عن جدته أم الحَصين، ولها صحبة، وعن طارق بن شهاب، وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، وزيد بن أبي أنيسة، وشعبة.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وزاد أبو حاتم: صدوق، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ، وله ولجدّته في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث هذا برقم (١٢٩٨) وأعاده بعده، و (١٣٠٣) و (١٨٣٨) وأعاده بعده.
стр. 14098
٦ - (أُمُّ الْحُصَيْنِ) بنت إسحاق الأحمسيّة، شَهِدت خطبة حجة الوداع، وروتها عن النبيّ ﷺ ، وغير ذلك، وروى عنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والْعَيْزار بن حُريث.
أخرج لها الجماعة، سوى البخاريّ، ولها في هذا الكتاب ما مرّ آنفًا في الترجمة السابقة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عن يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ) الأحمسيّ (عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ) رضي الله تعالى عنها (قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ) فيه بيان جواز تسميتها بهذا الاسم خلافًا لمن كرهه، كما تقدّم (فَرَأَيْتُهُ) ﷺ (حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَانْصَرَفَ) أي من الجمرة (وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حاليّة من الفاعل (وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ) جملة حاليّة أيضًا، وبلال هو ابن رباح المؤذّن المشهور ﵁ المتوفّى سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) وأسامة هو: ابن زيد بن حارثة ﵄ المتوفّى سنة (٥٤). (أَحَدُهُمَا)؛ أي أحد الصحابيين المذكورين (يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ) ﷺ ، والجملة حاليّة أيضًا (وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّمْسِ)؛ أي يظلّه من أجل شدّة حرارة الشمس، وقد بيّنت في رواية النسائيّ قائد الراحلة بأنه بلال، ورافع الثوب بأنه أسامة، ولفظه: قالت: "حججت في حجة النبيّ ﷺ ، فرأيت بلالًا يقوم بخطام راحلته، وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يُظلّه من الحرّ وهو محرم، حتى رمى جمرة العقبة … " الحديث.
وفي رواية ابن حبّان من طريق عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة: "فرأيت أسامة أو بلالًا يقود بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره به من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة، ثم انصرف، فوقف الناس، وقد جعل ثوبه من تحت إبطه الأيمن على عاتقه الأيسر، قال: فرأيت تحت غُضروفه الأيمن كهيئة جُمْعٍ، ثم ذكر قولًا كثيرًا … " الحديث.
[فإن قلت]: رواية النسائيّ المذكورة، كراوية المصنّف التالية بلفظ:
"والآخر رافع ثوبه يستره من الحرّ حتى رمى جمرة العقبة" تدلّ على أن الإظلال
стр. 14099
كان حين رمي الجمرة، ورواية المصنّف هنا بلفظ: "حين رمى جمرة العقبة، وانصرف" تدلّ على أنه كان بعد رمي الجمرة، فكيف التوفيق بين الروايتين؟
[قلت]: يُمكن الجمع بينهما بأن الإظلال كان في الحالين: حال الرمي، وحال الانصراف، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) أم الحصين ﵂ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا) وفي رواية النسائيّ: "ثم خطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، وذَكَر قولًا كثيرًا" أي ذكر النبيّ ﷺ في تلك الخطبة أحكامًا كثيرة، ومن جملة ذلك قوله هنا: "إن أُمّر عليكم … إلخ".
ومنه: ما يأتي للمصنّف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة، عن يحيى بن الحصين، عن جدّته: "أنها سمعت النبيّ ﷺ في حجة الوداع دعا للمحلِّقين ثلاثًا، وللمقصّرين مرّةً"، ولفظ أحمد في "مسنده": قال: سمعت جدّتي تقول: سمعت نبيّ الله ﷺ بعرفات يخطب، يقول: "غفر الله للمحلّق" ثلاث مرّار، قالوا: والمقصّر؟ فقال: "والمقصّرين"، في الرابعة.
(ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنْ أُمِّرَ) بضمّ أوله، وتشديد الميم، مبنيًّا للمفعول: أي جُعل عليكم أميرًا (عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ) أي مقطوع الأطراف، يقال: جَدَعتُ الأنف جدعًا، من باب نفع: قطعته، وكذا الأذنُ، واليدُ، والشفة، قاله الفيّوميّ.
وقال النوويّ ﵀: الْمُجَدَّع -بفتح الجيم والدال المهملة المشددة، والجدع: القطع من أصل العضو، ومقصوده التنبيه على نهاية خسته، فإن العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجَدْعه نقص آخر، وفي الحديث الآخر: "كأن رأسه زَبِيبة"، ومَن هذه الصفات مجموعة فيه فهو في نهاية الخسة، والعادة أن يكون ممتهنًا في أرذل الأعمال، فأمر ﷺ بطاعة وليّ الأمر، ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى.
قال العلماء: معناه: ما داموا متمسكين بالإسلام، والدعاء إلى كتاب الله تعالى، على أيّ حال كانوا في أنفسهم، وأديانهم، وأخلاقهم، ولا يُشَقّ عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وُعِظُوا، وذُكِّروا.
стр. 14100
[فإن قيل]: كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد، مع أن شرط الخليفة كونه قرشيًّا؟.
[فالجواب]: من وجهين:
(أحدهما): أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة، ونوابه، لا أن الخليفة يكون عبدًا.
(والثاني): أن المراد لو قَهَرَ عبد مسلم، واستولى بالقهر نَفَذَت أحكامه، ووجبت طاعته، ولم يجز شَقّ العصا عليه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ.
وقال القرطبي ﵀: قوله: "عبدٌ مجدَّعٌ": مقطوع الأنف والأطراف، والجدع: القطع، والعبد الذي يكون في هذه الضَّعَة هو في نهاية الضّعَةِ والخسّة، وذلك أن العبد إنما تنقطع أطرافه من كثرة العمل، والمشي حافيًا، وهذا منه ﷺ على جهة الإغياء على عادة العرب في تمكينهم المعاني، وتأكيدها، كما قال النبيّ ﷺ : "من بنى لله مسجدًا، ولو مثلَ مَفْحص قطاة، بنى الله تعالى له بيتًا في الجنّة"، ومفحص القطاة لا يصلح لمسجد، وإنما هو تمثيلٌ للتصغير على جهة الإغياء، فكأنه قال: أصغر ما يكون من المساجد، وعلى هذا التأويل لا يكون حجةً لمن استدلّ على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى، وهم بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتّفق على أن الإمام الأعظم لا بدّ أن يكون حرًّا، على ما نصّ أصحاب مالك أن القاضي لا بدّ أن يكون حرًّا، قال: وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينيّةٌ، يتعلّق بها تنفيذ أحكام شرعيّة، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقص بالرقّ، محجور عليه، لا يستقلّ بنفسه، ومسلوب أهليّة الشهادة والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنّ أن جمهور علماء المسلمين على ذلك. انتهى كلام القرطبيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله القرطبيّ من نفيه تولية العبد على الإطلاق، نظر لا يخفى؛ فإن التعليل الذي علّل به عدم الجواز غير لازم، فلو أذن له سيّده، أو كان السيد هو الإمام الأعظم، فولّاه زالت الموانع، فما عزاه إلى بعض أهل الظاهر إن صحّ عنهم هو الظاهر، فليُتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 14101
وقوله: (حَسِبْتُهَا) من كلام يحيى، أي ظننت جدّتي (قَالَتْ: أَسْوَدُ) بالرفع صفة بعد صفة لـ "عبدٌ" (يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى) فيه إشارةٌ إلى أنه لا طاعة له فيما يُخالف حكم الله تعالى (فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا") أي: اسمعوا قوله، وأطيعوا أمره، زاد في رواية ابن حبّان المذكورة: "ثم قال: هل بلّغتُ؟ "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم الحصين ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٣١٣٩ و ٣١٤٠] (١٢٩٨) وسيأتي في "الإمارة" برقم (١٨٣٨)، و (الترمذيّ) في "الجهاد" (١٧٠٦)، و (النسائيّ) في "البيعة" (٤١٩٥) وفي "الكبرى" (٧٨١٥)، و (ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٨٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٦٩ و ٥/ ٣٨١ و ٦/ ٤٠٢ و ٤٠٣)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٥٦٠ و ١٥٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٩١ و ٤/ ٤٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠/ ٤٢٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٣٨) و"الكبير" (٢٥/ ١٥٧ - ١٥٨)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (١٠٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز حجة الوداع، وقد سبق أن من الناس من أنكر ذلك، وكرهه، وهو غلطٌ، وسبق بيان إبطاله.
٢ - (ومنها): أن فيه جواز الرمي راكبًا كما سبق.
٣ - (ومنها): بيان جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره، قال النوويّ ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، سواء كان راكبًا أو نازلًا، وقال مالك، وأحمد: لا يجوز، وإن فعل لزمته الفدية، وعن أحمد رواية أنه لا فدية، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة، أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إذا كان الزمان يسيرًا في الْمِحْمَل لا فدية، وكذا لو استَظَلّ بيده.
стр. 14102
وقد يحتجون بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، قال: صحبت عمر بن الخطاب ﵁، فما رأيته مُضَرِّبًا فُسْطاطًا حتى رجع، رواه الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن.
وعن ابن عمر ﵄ أنه أبصر رجلًا على بعيره، وهو محرمٌ، قد استَظَلّ بينه وبين الشمس، فقال: اضْحَ لمن أحرمتَ له، رواه البيهقيّ بإسناد صحيح.
وعن جابر ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "ما من محرم يَضْحَى للشمس حتى تغرُب إلا غربت بذنوبه، حتى يعود كما ولدته أمه"، رواه البيهقيّ، وضعّفه.
واحتَجَّ الجمهور بحديث أم الحصين، وهذا المذكور في مسلم هنا، ولأنه لا يسمى لبسًا، وأما حديث جابر فضعيف، كما ذكرنا، مع أنه ليس فيه نهيٌ، وكذا فعلُ عمر، وقول ابن عمر ليس فيه نهيٌ، ولو كان فحديث أم الحصين ﵂ مقدَّم عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
[تنبيه]: ذكر الأبيّ ﵀ في "شرحه" أن الرقاشي قال لابن المعدل في يوم شديد الحرّ: أفلا استظللت يا أبا الفضل، فإن في ذلك سعةً؛ للاختلاف فيه، فأنشد له [من الطويل]:
ضَحَيْتُ لَهُ كَيْ أَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ … إِذَا الظِّلُّ أَضْحَى فِي الْقِيَامَة قَالِصَا
فَوَا أَسَفَا إِنْ كَانَ سَعْيُكَ بَاطِلًا … وَيَا حَسْرَتَا إِنْ كَانَ أَجْرُكَ نَاقِصَا
يقال: ضَحَيتُ، وضحوتُ ضَحيًا وضَحْوًا: برزت للشمس، وضحيتُ ضحى: أصابتني الشمس، ومنه ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. انتهى (٢).
٤ - (ومنها): بيان الحضّ على طاعة الإمام.
٥ - (ومنها): أن الإمام لا يُشترط أن يكون حرًّا، فقد يتولّى العبد بإذن مولاه، فتجب طاعته، أو يتغلّب، فيتولّى بالقهر والغلبة، فتجب طاعته؛ مراعاة للمصلحة، وصونًا لدماء المسلمين وأموالهم، وأعراضهم.
(ومنها): أن شرط وجوب طاعة الأمير أن يقود بكتاب الله تعالى، وأما إذا أمر بهواه، مخالفًا للكتاب والسنّة، فلا طاعة له، وهذا معنى الحديث الآخر: "إنما الطاعة في المعروف" متّفق عليه، وفي رواية أحمد، وأبي داود،
стр. 14103
والنسائيّ: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ جَدَّتِهِ، قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ).
قَالَ مُسْلِم: وَاسْمُ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيم خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَهُوَ خَالُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ، وَحَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ (١) ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: الإمام الحجة المجتهد العلم المشهور، أحمد بن محمد بن جنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، من كبار [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن عبد الله الباهليّ مولاهم، أبو عبد الله الحرّانيّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن خاله أبي عبد الرحيم، ومحمد بن إسحاق، وخُصيف، وابن عجلان، وهشام بن حسان، وأبي سنان سعيد بن سنان، والمثنى بن الصباح، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد أبو جعفر النُّفيليّ، وأحمد بن أبي شعيب، وعمرو بن خالد، والعلاء بن هلال، وعبد العزيز بن يحيى، وغيرهم.
стр. 14104
قال النسائيّ: ثقة، وقال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، وقال العجليّ: ثقة، أرفع من عَتّاب بن بشير.
وقال ابن سعد: كان ثقةً فاضلًا عالِمًا، له فضل وروايةٌ، وفتوى، مات في آخر سنة (١٩١)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة إحدى، أو اثنتين وتسعين ومائة، وقال العقيليّ: مات سنة اثنتين، وقال أبو موسى: مات سنة ثلاث وتسعين.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث (١).
٣ - (أَبُو عَبْدُ الرَّحِيمِ) خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد، وهو المشهور، ابن سماك بن رُسْتُم، قاله ابن عروبة، وقال الدارقطنيّ: ابن سَمّال -بفتح السين، وتشديد الميم، وباللام- الأمويّ مولاهم، الْحَرَّانيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن زيد بن أبي أنيسة، وعبد الوهاب بن بخت، وجهم بن الجارود، ومكحول الشاميّ، وعدة.
وروى عنه ابن أخته محمد بن سلمة الحرانيّ، وموسى بن أعين، وعيسى بن يونس، ووكيع، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو القاسم البغويّ: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: حسن الحديث، متقنٌ فيه.
قال محمد بن سلمة: مات سنة (١٤٤).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم: وَاسْمُ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَهُوَ خَالُ
стр. 14105
مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ، وَحَجَّاجٌ الْأَعْوَرُ) (١) "مسلم" هو المصنّف، صاحب الكتاب، وغرضه بيان اسم أبي عبد الرحيم بأنه خالد بن أبي يزيد، وأنه خال لمحمد بن سلمة الراوي عنه هنا، وهذا البيان من المصنّف ﵀ يعدّ من النوادر.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني الغسّانيّ ﵀ في "التقييد": قوله: "روى عنه حجاج الأعور، وكيع" هكذا في رواية أبي أحمد والكسائيّ، وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: "روى عن وكيع وحجّاج"، فقَلَب، والأول هو الصواب. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٤٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ كَوْنِ حَصَى الْجِمَارِ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤١] (١٢٩٩) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرسانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
стр. 14106
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، فانتفت عنه تهمة التدليس في ابن جريج، وأبي الزبير.
٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث: عن أبي الزُّبَيْرِ ﵀ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) -بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمتين-: معناه الرمي، قال الفيّوميّ ﵀: خَذَفتُ الحصاةَ ونحوها خَذْفًا، من باب ضرب: رَميتُها بطرفي الإبهام والسبّابة، وقولهم: يأخذ حصى الخذف معناه: حصى الرمي، والمراد: الحصى الصغار، لكنه أُطلق مجازًا. انتهى (١).
قال النوويّ ﵀: فيه دليل على استحباب كون الحصى في هذا القدر، وهو كقدر حبة الباقلا، ولو رَمَى بأكبر، أو أصغر جاز مع الكراهة، وقد سبقت المسألة مستوفاةً قريبًا. انتهى.
وقال القرطبي ﵀: قد تقدَّم أن معنى الخذف: رمي الحصى الصغار، واختُلِف في مقدارها، وكلهم يكرهون الكبار؛ لِما جاء عنه ﷺ : أنه قال في هذا: "إيَّاكم والغلوّ في الدِّين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين"، رواه النسائيّ (٢)، وأكثر ما قيل في ذلك: ما روي عن ابن عباس ﵄: أن حصاه كان مثل البندقة، وقال عطاء: مثل طرف الإصبع، وقال الشافعيّ: أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا، وروي عن ابن عمر ﵄: بمثل بعر الغنم، وروي عن مالك: أكبر من ذلك أعجب إليّ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 14107
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ٣١٤١] (١٢٩٩)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٩٧)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٧٤) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٣ و ٣١٩ و ٣٥٦ و ٣٧١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٨٣)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٣/ ٣٧٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٢٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٠) - (بَابُ بَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْبَابِ الرَّمْيِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٤٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَت الشَّمْسُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة (يَوْمَ النَّحْرِ) أي يوم العيد (ضُحًى)، قال العراقيّ ﵀: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب النحاة، من أهل البصرة، سواءٌ قُصِد التعريف أو
стр. 14108
التنكير، وقال الجوهريّ: تقول: لقيته ضُحًى وضُحَى، إذا أردت به ضُحَى يومك لم تنوّنه -يعني أنه منّون عند التنكير، وغير منوّن عند التعريف- وقال: ضحوةُ النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهي حين تُشْرِق الشمس مقصورةٌ تؤنث وتذكّر، فمن أَنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذَكَّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَلٍ، مثل صُرَدٍ ونُغَرٍ، وهو ظرف غير متمكن، مثل سحر، قال: ثم بعده الضَّحَاء ممدودٌ مذكرٌ، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، ومنه قول عمر ﵁: يا عباد الله أضحوا لصلاة الضحى، يعني لا تصلّوها إلا إلى ارتفاع الضحى. انتهى.
فقد تحصّل من هذا أن الضحوة وقت طلوع الشمس، والضحى وقت شروقها، والضَّحَاء وقت ارتفاعها، قال القاري: قوله: "ضحى" أي وقت الضحوة من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال. انتهى (١).
(وَأَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد يوم النحر، وهو أيام التشريق (فَإِذَا زَالَت الشَّمْسُ) أي فيرمي بعد الزوال، قال في "العمدة": يستفاد منه أن الرمي في أيام التشريق محله بعد زوال الشمس، وهو كذلك، وقد اتَّفقَ عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها، فقال: يجوز الرمي فيه قبل الزوال استحسانًا مع الكراهة التنزيهية، وقال: إن رمى في اليوم الأول أو الثاني قبل الزوال أعاد وفي الثالث يجزئه. وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال. انتهى (٢).
وقال ابن الهمام ﵀: أفاد حديث جابر أن وقت الرمي في اليوم الثاني لا يدخل إلا بعد ذلك، وكذا في اليوم الثالث، وفي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة قال: أحب إلي أن لا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه، وحمل المروي من فعله ﷺ على اختيار الأفضل.
وجه الظاهر اتباع المنقول؛ لعدم المعقولية. كذا في "المرقاة"، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 14109
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد علّقه البخاريّ ﵀ في "باب رمي الجمار" بصيغة الجزم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٣١٤٢ و ٣١٤٣] ( … )، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٧١)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٩٤)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٧٠) و"الكبرى" (٢/ ٤٣٧)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٥٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣١٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٢ و ٣١٩ و ٣٩٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٧٦ و ٢٩٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٨٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٥/ ٥٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٨٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢٠٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٣١ و ١٤٨ و ١٤٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت الرمي في أيام التشريق:
قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: قال مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو يوسف: لا يجزئ الرمي في غير يوم النحر إلا بعد الزوال، وقال أبو حنيفة: إن فعله أحد قبل الزوال أجزأه، وعن عطاء، وطاوس، وعكرمة مثل قول أبي حنيفة، إلا أن طاوسًا قال: إن شاء رمى من أول النهار ونَفَرَ، وقال عكرمة: إن رمى أول النهار لم ينفر حتى تزول الشمس، وعن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجماعة التابعين مثل قول مالك في ذلك. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: وأما أيام التشريق فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد،
стр. 14110
وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح، وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال، وقال أبو حنيفة، واسحاق ابن راهويه: يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال.
قال: دليلنا أنه ﷺ رَمَى كما ذكرنا، وقال ﷺ : "لتأخذوا مناسككم". انتهى (١).
ورَوَى الإمام البخاريّ ﵀ عن ابن عمر ﵄: قال: كنا نتحيّن -أي نراقب الوقت- فإذا زالت الشمس رمينا.
قال الحافظ ﵀: فيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء، وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخّص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزئه. انتهى.
وقال بعض المحقّقين: لا دليل على ما ذهب إليه عطاء وطاوس، لا من فعل النبيّ ﷺ ، ولا من قوله، وأما ترخيص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس ﵄، وهو ضعيف، فالمعتمد ما قال به الجمهور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أثر ابن عبّاس ﵄: ما أخرجه البيهقيّ بسنده، عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا انتفح النهار من يوم النفر الآخر، فقد حَلَّ الرمي والصدر"، قال البيهقيّ: طلحة بن عمرو المكي -يعني أحد رواته- ضعيف (٢).
قال ابن الهمام الحنفيّ ﵀: ولا شك أن المعتمد في تعيين الوقت للرمي في الأول من أول النهار، وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فِعله كذلك، مع أنه غير معقول -أي لا مدخل للعقل فيه- ولا يدخل وقته قبل الوقت الذي فَعله فيه ﷺ كما لا يُفعل في غير ذلك المكان الذي رَمَى فيه النبيّ ﷺ ، وإنما رمى ﷺ في الرابع بعد الزوال فلا يُرمى قبله. انتهى (٣).
وقال الشيخ الشنقيطيّ ﵀ في "أضواء البيان": اعلم أن التحقيق أنه لا