وقال ابن بطال ﵀: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أُمنت الفتنة لم يَمتنع، قال: ويؤيده أنه ﷺ لم يحوّل وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها؛ لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قيّد بخشية الفتنة هو الظاهر من هذا الحديث؛ لأن الصحابة الآخرين لم ينهاهم النبيّ ﷺ عن النظر إليها حينما تسأل، فقد كان العبّاس ﵁، وغيره حاضرين ذلك السؤال، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلًا على أن نساء المؤمنين ليس عليهنّ من الحجاب ما يلزم أزواج النبيّ ﷺ ؛ إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبيّ ﷺ الخثعمية بالاستتار، ولَمَا صَرَف وجه الفضل، قاله ابن بطّال ﵀.
٨ - (ومنها): قال ابن بطّال أيضًا: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا؛ لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء، وأن قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] على الوجوب في غير الوجه. انتهى.
وتعقّبه الحافظ: بأن في استدلاله بقصة الخثعمية لِمَا ادّعاه نظر؛ لأنها كانت محرمة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وفي تعقّب الحافظ بما قاله نظر؛ إذ كون الخثعميّة في ذلك الوقت محرمة غير محقّق؛ لأن ذلك كما سبق كان في المنحر، بعد أن رجع النبيّ ﷺ من رمي الجمار، فيحتمل أنها تحلّلت، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء في خشية الفتنة، حيث إنه ﷺ شدّد في الفضل، ولم يشدّد في المرأة.
١٠ - (ومنها): بيان ما ركّب في الآدميين من شهوات النساء في الرجال، والرجال في النساء، وما يُخاف من النظر إليهنّ، وكان الفضل من أجمل الشبّان في زمانه.
стр. 14457
وقال ابن بطّال ﵀: وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما رُكِّب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهنّ. انتهى.
١١ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم أن صوت المرأة عورة، فيجوز سماع صوت المرأة الأجنبيّة للأجانب، والاستماع إلى كلامها في الاستفتاء عن العلم، وإفتائها لمن سألها، وعلى هذا جرى الأمر من لدن العهد النبويّ، فكان الصحابة ﵃ يستفتون أمهات المؤمنين ﵅ ويسألونهنَّ عن أحاديث رسول الله ﷺ ، وكذلك يسألون الصحابيّات، كما كانوا يسألون فاطمة بنت قيس في قصّة المطلّقة، وأسماء بنت عميس في شأن الهجرة، وغير ذلك مما هو في "الصحيحين"، وغيرهما، وكذلك كانت النساء تترافع في الحكم إلى القضاة، ويستفتين العلماء، ويقع لهنّ التعامل بالبيع والشراء، ونحو ذلك، ولم يُنقل في ذلك إنكار عن أحد ممن يُعتبر قوله، فالقول بأن صوت المرأة عورة قول مخالف للأدلّة الشرعيّة. فليتنبّه، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أن على العالم، والإمام أن يغيّر من المنكر كلّ ما يمكنه بحسب ما يقدر عليه إذا رآه، وليس عليه ذلك فيما غاب عنه.
١٣ - (ومنها): أنه يجب على الإمام أن يَحُول بين الرجال والنساء اللواتي لا يؤمن عليهنّ، ولا منهنّ الفتنة، ومن الخروج، والمشي منهنّ في الحواضر والأسواق، وحيث ينظرن إلى الرجال، وينظر إليهنّ، قال رسول الله ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء"، متّفقٌ عليه.
١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلًا على أن إحرام المرأة في وجهها، فتكشفه في الإحرام، ورَوَى أحمد، وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عبّاس ﵄؛ أنّ النبيّ ﷺ قال للفضل حين غطّى وجهه يوم عرفة: "هذا يوم من مَلَكَ فيه سمعه، وبصره، ولسانه غُفر له".
١٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: وقد زعم بعض أصحابنا أن في هذا الحديث دليلًا على أن للمرأة أن تحجّ، وإن لم يكن معها ذو محرم؛ لأن رسول الله ﷺ قال للمرأة الخثعميّة: "حجي عن أبيك"، ولم يقل: إن كان معك ذو محرم، قال: وهذا ليس بالقويّ من الدليل؛ لأن العلم ما نُطِقَ
стр. 14458
به، لا ما سُكِت عنه، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تسافر، إلا مع ذي محرم، أو زوج"، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
١٦ - (ومنها): أن فيه برّ الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما، من قضاء دَين، وخدمة، ونفقة، وغير ذلك من أمور الدِّين والدنيا.
١٧ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على عدم وجوب العمرة؛ لأن المرأة الخثعميّة لم تذكرها.
وتعُقّب بأن مجرّد ترك السؤال لا يدلّ على عدم الوجوب؛ لاستفادة ذلك من حكم الحجّ، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحجّ، على أن السؤال عن الحجّ والعمرة قد وقع في حديث أبي رَزين الْعُقَيليّ ﵁.
١٨ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ ﵀: إن حديث الخثعمّية أصل متّفق على صحّته في الحجّ، خارجٌ عن القاعدة المستقرّة في الشريعة، من أنه ليس للإنسان إلا ما سعى؛ رفقًا من الله تعالى في استدراك ما فرّط فيه المرء بولده، وماله.
وتُعُقّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز الحجّ عن الغير:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: اختلفوا في حجّ المرء عمن لا يطيق الحجّ من الأحياء، فذهب جماعة منهم إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعميّة، لا يجوز أن يُتَعدّى به إلى غيره، بدليل قول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولم يكن أبو الخثعميّة ممن يلزمه الحجّ لَمّا لم يستطع إليه سبيلًا؛ فخصّ بأن يُقضى عنه، وينفعه ذلك، وخُصّت ابنته أيضًا أن تحجّ عن أبيها، وهو حيٌّ.
وممن قال بذلك مالكٌ، وأصحابه، قالوا: خُصّ أبو الخثعميّة، والخثعميّةُ بذلك، كما خُصّ سالم مولى أبي حذيفة برضاعه في حال الكبر، وهذا مما يقول به المخالف، فيلزمه، ورُوي معنى قول مالك عن عبد الله بن الزبير، وعكرمة، وعطاء، والضحّاك، قال ابن الزبير: الاستطاعة: القوّة، وقال
стр. 14459
عكرمة: الاستطاعة: الصحّة، وقال أشهب: قيل لمالك: الاستطاعة: الزاد والراحلة؟ قال: لا والله، وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، فربّ رجل يجد زادًا وراحلةً، ولا يقدر على المسير، وآخر يقوى يمشي على راحلته، وإنما هو كما قال الله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون في البدن والقدرة، وتكون أيضًا بالمال لمن لم يستطع ببدنه، واستدلّوا بهذا الحديث، وما كان مثله.
وممن قال بذلك الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، ورُوِي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعمرو بن دينار، والسدّيّ، وجماعة سواهم، كلهم يقولون: السبيل: الزاد والراحلة، وهذا يدلّ على أن فرض الحجّ على البدن والمال.
وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "السبيل: الزاد والراحلة"، من وجوه، منها مرسلة، ومنها ضعيفة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحجِّ عن الغير، واستدلّ الكوفيّون بعمومه على جواز صحّة حج من لم يحجّ نيابةً عن غيره، وخالفهم الجمهور، فخصّوه بمن حجّ عن نفسه، واستدلّوا بما في "السنن"، وصححه ابن خُزيمة، وغيره، من حديث ابن عبّاس ﵄ أيضًا: أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يُلبّي عن شُبْرُمة، فقال: "أحججت عن نفسك؟ "، فقال: لا، قال: "هذه عن نفسك، ثم احجج عن شُبْرُمة" (٢).
واستُدلّ به أيضًا على أنّ الاستطاعة تكون بالغير، كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكيّة، فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأنّ ذلك وقع من السائل على جهة التبرّع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنيّة، فلا تصحّ النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبريّ وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فُرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنيّة،
стр. 14460
إلا بإتعاب البدن، فبه يظهر الانقياد، أو النفور، بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصلٌ بالنفس، وبالغير.
وأُجيب بأن قياس الحجّ على الصلاة لا يصحّ؛ لأن عبادة الحجّ ماليّة بدنيّة معًا، فلا يترجّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازريّ: من غَلَّبَ حكم البَدَن في الحجّ ألحقه بالصلاة، ومن غَلَّبَ حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكيّة الحجّ عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة.
وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الآمر مِنْ بَذْلِهِ المالَ في الأجرة.
وقال القاضي عياض: لا حُجّة للمخالف في حديث الباب؛ لأن قوله: "إن فريضة الله على عباده إلخ" معناه: إن إلزام الله عباده بالحجّ الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع، فهل أحجّ عنه؟ أي: هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجرٌ ومنفعة؟ فقال: "نعم".
وتُعُقّب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتمّ الاستدلال، وتقدّم في بعض طرق مسلم: "إن أبي عليه فريضة الله في الحجّ". ولأحمد في رواية: "والحجّ مكتوب عليه".
وادّعَى بعضهم أن هذه القصّة مختصّة بالخثعميّة، كما اختصّ سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير. حكاه ابن عبد البرّ.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم الخصوصيّة، واحتجّ بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث: "حُجّ عنه، وليس لأحد بعده"، ولا حجة فيه لضعف الإسنادين، مع إرسالهما، وقد عارضه قوله في حديث الجهنيّة الماضي: "اقضُوا الله، فالله أحقّ بالوفاء".
وادّعَى آخرون منهم أن ذلك خاصّ بالابن يحجّ عن أبيه. ولا يخفى أنه جمود.
وقال القرطبيّ: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعميّة مخالف لظاهر القرآن، فرجّح ظاهر القرآن، ولا شكّ في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنّت ظنًّا، قال: ولا يقال: قد أجابها النبيّ ﷺ -
стр. 14461
على سؤالها، ولو كان ظنّها غلطًا لبيّنه لها؛ لأنا نقول: إنما أجابها عن قولها: "أفأحُجّ عنه؟ قال: حجّي عنه"؛ لِمَا رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها. انتهى.
وتُعُقّب بأنّ في تقرير النبيّ ﷺ لها على ذلك حجة ظاهرة.
وأما ما رواه عبد الرزّاق من حديث ابن عبّاس، فزاد في الحديث: "حجّ عن أبيك، فإن لم يزده خيرًا، لم يزده شرًّا"، فقد جزم الحفّاظ بأنها رواية شاذّة، وعلى تقدير صحّتها فلا حجّة فيها للمخالف. انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه من أجاز الحجّ عن الغير عند الضرورة أرجح؛ للأحاديث الصحيحة به؛ كحديث الخثعميّة، وغيرها، وكلّ ما اعترضوا به، فقد علمت جوابه فيما سبق، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في "الفتح": ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقرّ الوجوب في ذمّته قبل العضب (٢)، أو طرأ عليه، خلافًا للحنفيّة، وللجمهور ظاهر قصّة الخثعميّة، وأن من حجّ عن غيره وقع الحجّ عن المستنيب، خلافًا لمحمد بن الحسن، فقال: يقع عن المباشر، وللمحجوج عنه أجر النفقة.
واختلفوا فيما إذا عُوفِي المعضوب، فقال الجمهور: لا يجزئه؛ لأنه تبيّن أنه لم يكن ميؤوسًا منه، وقال أحمد، وإسحاق: لا تلزمه الإعادة؛ لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمامان: أحمد وإسحاق من عدم لزوم الإعادة هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم.
واتّفَق من أجاز النيابة في الحجّ على أنها لا تجزئ في الفرض إلا عن موت، أو عضب، فلا يدخل المريض لأنه يُرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنه
стр. 14462
يرجى إفاقته، ولا المحبوس؛ لأنه يرجى خَلاصه، ولا الفقير؛ لأنه يمكن استغناؤه. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٣] (١٣٣٥) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن الْفَضْلِ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللهِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَحُجِّي عَنْهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٢ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (الْفَضْلُ) بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، ابن عمّ النبيّ ﷺ ، وأكبر أولاد العبّاس، استُشهِد في خلافة عمر ﵄ (ع) تقدم في "الصيام" ١٣/ ٢٥٨٩.
والباقون ذُكروا قبله، وشرح الحديث يُعلم مما مضى.
[تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الدارقطنيّ ﵀ على الشيخين، فقال في "التتبّع" (١٠٣): وأخرج حديث ابن جريج، عن الزهريّ، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل، وقال الحجاج عن ابن جريج: حُدِّثتُ عن الزهريّ، فإن كان ضبط، فقد أفسد.
стр. 14463
وقال في (١٦٥): واتّفقا أيضًا، فأخرجا حديث ابن جريج، عن الزهريّ، عن سليمان بن يسار، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل حديث الخثعميّة، البخاريّ عن أبي عاصم، ومسلم عن عليّ بن خَشْرَم، عن عيسى، عن ابن جريج، قالا جميعًا: عن الزهريّ، وقد أوقفه معمرٌ، والأوزاعيّ، فلم يُخرجاه عنهما، فأما الحديث الذي أخرجاه عن ابن جريج، فإن حجّاجًا قال فيه: عن ابن جريج: حُدِّثتُ عن الزهريّ، وأما مالك، ومن تابعه، فلا يذكرون عن الفضل، إنما قالوا: كان الفضل رديف النبيّ ﷺ ، فصارت روايتهم من مسند عبد الله بن عبّاس، حدّثناه النيسابوريّ، عن ابن رجاء، عن حجّاج، عن ابن جُريج، حُدِّثتُ عن الزهريّ. انتهى.
قال الحافظ ﵀: الحديث مُخَرَّج عندهما من رواية مالك وغيره عن الزهريّ، فليس الاعتماد فيه على ابن جريج وحده، مع أن حجّاجًا لم يتابع على هذا السياق، إلا أنه حافظ، وابن جريج مدلِّسٌ، فَتُعْتَمَد رواية حجاج إلى أن يوجد من رواية غيره عن ابن جريج مُصَرَّحًا فيه بالسماع من الزهريّ، فإني لم أره من حديثه إلا معنعنًا، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ ﵀ من الجواب أن الحديث صحيح من مسند ابن عبّاس ﵄، كما رواه مالك وغيره، فالاعتماد على هذا الوجه، وأما رواية ابن جريج، فليس الاعتماد عليها؛ لِما ذكره الدارقطنيّ، فإن وُجد طريق صرّح فيها ابن جريج بالسماع عن الزهريّ، فذاك، وإلا فلا اعتماد عليها، والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الفضل بن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٨/ ٣٢٥٣] (١٣٣٥)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٨٥٣ و ١٨٥٤) و"الاستئذان" (٦٢٢٨)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٢٨)،
стр. 14464
و (النسائيّ) في "كتاب آداب القضاة" (٨/ ٢٢٧)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٠٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٢ و ٢١٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٩) - (بَابُ صِحَّةِ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٤] (١٣٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: "مَن الْقَوْمُ؟ " قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أنْتَ؟ قَالَ: "رَسُولُ اللهِ"، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو موسى، ثقةٌ [٦] (م د س ق) تقدم في "الحج" ٤٤/ ٣١٠٢.
٦ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
стр. 14465
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَن النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (لَقِيَ) بكسر القاف (رَكْبًا) بفتح، فسكون: جمع راكب؛ كصاحب وصَحْبٍ، ويُجمع أيضًا على رُكبان، والمراد به الجماعة الراكبة (بِالرَّوْحَاءِ) ولأبى داود: "كان رسول الله ﷺ بالروحاء، فلقي ركبًا، فسلّم عليهم … ".
و"الرَّوْحاء" -بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، ممدودًا على وزن حمراء-: اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين، أو أربعين ميلًا من المدينة، أفاده في "القاموس"، و"المصباح"، وقال القاضي عياض ﵀ في "المشارق": هي من أعمال الفُرْع، بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلًا، وفي "صحيح مسلم" في "كتاب الأذان": أن الرَّوحاء ستة وثلاثون ميلًا، وفي "كتاب ابن أبي شيبة": ثلاثون ميلًا.
وقد ثبت أن ذلك كان في حجة الوداع، فقد أخرج البيهقيّ أيضًا من طريق محمد بن سُوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: رَفَعَت امرأة صبيًّا لها إلى النبيّ ﷺ في حجته، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حجّ؟ قال: "نعم، ولك أجر".
وفي رواية النسائيّ من طريق الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس ﵄ قال: "صَدَرَ رسول الله ﷺ ، فلما كان بالروحاء لقي قومًا … ".
وهذه الرواية تدلّ على أن هؤلاء القوم لَقُوا النبيّ ﷺ في رجوعه من الحجّ، لا في ذهابه له، ومثله رواية البيهقيّ من طريق الشافعيّ، عن ابن عيينة: "أن النبيّ ﷺ قَفَلَ، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا … " الحديث، وفي رواية له من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه: "بينما رسول الله ﷺ يسير بطريق مكة كلّمته امرأة … " الحديث، وجزم به ابن القيّم في "الهدي"، حيث قال: ثم ارتحل ﷺ راجعًا إلى المدينة، فلمّا كان بالروحاء لقي ركبًا، فذكر قصّة الصبيّ.
стр. 14466
وقيل: وقعت هذه القصّة في مقدمه إلى بيت الله، والمراد بالصدور، والقفول صدوره من المدينة للحجّ، ولا يخفى ما فيه (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("مَن الْقَوْمُ؟ ") وفي رواية النسائيّ: "من أنتم؟ " (قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ) خبر لمحذوف؛ أي: نحن المسلمون (فَقَالُوا) أي: القوم (مَنْ أَنْتَ؟) كذا بالإفراد، وفي رواية النسائيّ: "من أنتم".
قال القاضي عياض ﵀: يَحْتَمِل أن يكون هذا اللقاء كان ليلًا، فلم يعرفوه ﷺ ، ويَحْتَمِل كونه نهارًا، لكنّهم لم يروه ﷺ قبل ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك. انتهى.
(قَالَ) ﷺ ("رَسُولُ اللهِ") أي: أنا رسول الله (فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا) لا تُعرَف من هي ولا الصبيّ (٢)، وفي رواية للنسائيّ: "فأخرجت امرأة صبيًّا من الْمِحَفّة، فقالت … "، وفي رواية أحمد، وأبي داود: "ففَزِعت امرأة، فأخذت بعضد صبيّ، فأخرجته من مِحَفّتها".
و"المحفّة" -بكسر الميم، وتشديد الفاء-: مركب للنساء، كالهودج، إلا أنها لا تُقبّب كما تقبّب الهوادج.
(فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟) وفي الرواية الآتية: "فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجٌّ؟ " أي: أيحصل لهذا الصبيّ ثواب حجّ، فقوله: "حجّ" فاعل بالجارّ والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخّرًا خبره الجارّ والمجرور قبله، وفي رواية لأحمد: "هل لهذا حجّ؟ ".
(قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ) أي: له حجّ، وقوله: (وَلَكِ أَجْرٌ") زاده ﷺ على سؤالها؛ ترغيبًا لها.
قال عياض ﵀: وأجرها فيما تكلّفته في أمره في ذلك، وتعليمه، وتجنيبه ما يجتنبه المحرم.
وقال النوويّ ﵀: معناه بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم، وفعل ما يفعله المحرم.
стр. 14467
وقال الصنعانيّ ﵀: قوله: "لك أجر" أي: بسبب حملها، وحجّها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين.
وقال القاريّ ﵀: أي: أجر السببيّة، وهو تعليمه إن كان مميّزًا، أو أجر النيابة في الإحرام، والرمي، والإيقاف، والحمل في الطواف، والسعي، إن لم يكن مميّزًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ﵀ في كتابه "التمهيد": قد رَوَى هذا الحديث عن إبراهيم بن عقبة جماعةٌ من الأئمة الحفّاظ، فأكثرهم رواه مسندًا، وممن رواه مسندًا معمر، ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وموسى بن عقبة، واختُلف فيه على الثوريّ، كما اختُلف على مالك، وكان عند الثوريّ عن إبراهيم، ومحمد ابني عقبة جميعًا، عن كريب.
فرواه أبو نُعيم الفضل بن دُكين، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، عن النبيّ ﷺ مسندًا.
ورواه وكيع، عن الثوريّ، عن محمد، وإبراهيم ابني عقبة، عن كريب مرسلًا.
ورواه يحيى القطّان، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مرسلًا.
وعن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، مسندًا.
فقطع يحيى القطّان عن الثوريّ حديث إبراهيم، ووصل حديث محمد.
ورواه محمد بن كثير، عن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، متّصلًا، ومن وصل هذا الحديث، وأسنده، فقوله أولى.
والحديث صحيح، مسند، ثابت الاتّصال، لا يضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفّاظٌ ثقات. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀، وهو تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 14468
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٦٩/ ٣٢٥٤ و ٣٢٥٥ و ٣٢٥٦ و ٣٢٥٧] (١٣٣٦)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٣٦)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٢٠ - ١٢١) و"الكبرى" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، و (مالك) في "الموطّإ" (٩٦١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٨٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٠٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٣٧٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٩ و ٢٤٤ و ٢٨٨ و ٣٤٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٠٤٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤١١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢١٧٦)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٥٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٥٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٥٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الحجّ بالصغير مطلقًا، سواء كان مميّزًا، أم لا، إذا فَعَل عنه وليّه ما يفعل الحاجّ، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن الصبيّ يثاب على طاعته، ويكتب له حسناته.
٣ - (ومنها): ثبوت الأجر لوليّه إذا حجّ به.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الزيادة في الجواب على السؤال؛ زيادة في الفائدة، وهو من مقاصد البلغاء، ومنه حديث: "هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته"، فإن السؤال كان عن حكم ماء البحر، فزادهم النبيّ ﷺ في الجواب حكم ميتته؛ زيادة في الفائدة، وإنّ السؤال هنا كان عن حكم حج الصبي، فبيّنه ﷺ لها، وزادها ثبوت الأجر لها في ذلك، وأما قول كثير من الأصوليين: يجب أن يكون الجواب مطابقًا للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن يكون الجواب مفيدًا للحكم المسؤول.
٥ - (ومنها): أن من جهل شيئًا عليه أن يسأل أهل العلم؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٦ - (ومنها): أن على النساء أن يسألن عما يجهلنه من الأحكام؛
стр. 14469
كالرجال، وأن يتفقّهن في الدين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حجّ الصبيّ:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: أجاز الحجّ بالصبيّ جماعة العلماء بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخالفهم في ذلك أهل البدع، فلم يروا الحجّ بهم، وقولهم مهجور عند العلماء؛ لأن النبيّ ﷺ حجّ بأُغيلمة بني عبد المطّلب، وقال في الصبيّ: له حجّ، وللذي يُحِجّه أجر، وحجّ أبو بكر بابن الزبير في خرقة، وقال عمر: تُكتب للصبيّ حسناته، ولا تكتب عليه السيّئات، وحجّ السلف قديمًا وحديثًا بالصبيان والأطفال، يُعرّضونهم لرحمة الله، وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ : "مُرُوا الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشرًا فاضربوه عليها"، فكما تكون له صلاة، وليست عليه، كذلك له حجّ، وليس عليه.
وأكثر أهل العلم يرون الزكاة في أموال اليتامى، ومحالٌ ألا يؤجروا عليها، فالقلم إنما هو مرفوعٌ عنهم فيما أساءوا في أنفسهم، ألا ترى أن ما أتلفوه من الأموال ضمنوه، وكذلك الدماء، عمدُهم فيها خطأ يؤديه عنهم من يؤديه عن الكبار في خطئهم.
وأجمع العلماء على أن من حجّ صغيرًا قبل البلوغ، أو حُجّ به طفلًا، ثم بلغ، لم يُجزه ذلك عن حجة الإسلام.
وقد شذّت فرقة، فأجازوا له حجه بهذا الحديث، وليس عند أهل العلم بشيء؛ لأن الفرض لا يؤدَّى إلا بعد الوجوب، وهذا ابن عبّاس هو الذي روى هذا الحديث عن النبيّ ﷺ ، وهو الذي كان يفتي بالصبيّ يحجّ، ثم يَحتلم، قال: يحجّ حجة الإسلام، وفي المملوك يحجّ، ثم يُعتَق، قال: عليه الحجّ، ذكر عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عبّاس، وعن ابن عيينة، عن مطرّف، عن ابن عباس مثله، وعن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عبّاس مثله.
وعلى هذا جماعة علماء الأمصار، إلا داود بن عليّ، فإنه خالف في
стр. 14470
المملوك، فقال: يجزئه عن حجة الإسلام، ولا يجزئ الصبيّ، وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج أنه أخبره، عن عطاء، قال: يقضي حجة الصغير عنه، فإذا بلغ فعليه حجة واجبة. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله.
واختلف الفقهاء في المراهق، والعبد يُحرمان بالحجّ، ثم يَحتلم هذا، ويُعتَق هذا قبل الوقوف بعرفة: فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرامين لهذين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامهما، ولا يُجزئهما حجّهما ذلك عن حجة الإسلام.
وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة، فوقف بها محرمًا، أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يحتج واحد منهما إلى تجديد إحرامه.
وقال أبو حنيفة: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ في حال إحرامه، فإن جدّد إحرامًا قبل وقوفه بعرفة أجزأه، وإن لم يُجدّد إحرامًا لم يُجزئه، قال: وأما العبد؛ فلا يجزئه عن حجة الإسلام، وإن جدّد إحرامًا.
وقال مالك: يُحجّ بالصغير، ويجرّد بالإحرام، ويُمنع من الطيب، ومن كلّ ما يُمنع منه الكبير، فإن قوي على الطواف، والسعي، ورمي الجمار، وإلا طيف به محمولًا، ورُمي عنه، وإن أصاب صيدًا فُديَ عنه، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الكبير فُعل به ذلك، وفُدي عنه.
وهذا كلّه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وجماعة الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لا جزاء عليه في صيد، ولا فدية عليه في لباس، ولا طيب. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: ونَستَحبّ الحجّ بالصبيّ، وإن كان صغيرًا، أو كبيرًا، وله حجّ، وأجر، وهو تطوّع، وللذي يَحجّ به أجرٌ، ويجتنب ما يجتنب المحرم، ولا شيء عليه إن واقع من ذلك ما لا يحلّ له، ويُطاف به، ويُرمى عنه الجمار إن لم يطق ذلك، ويجزئ الطائف به طوافُه ذلك عن نفسه، وكذلك ينبغي أن يدرّبوا، ويعلّموا الشرائع، من الصلاة، والصوم، إذا أطاقوا ذلك، ويُجنّبوا الحرام كلّه، والله تعالى يتفضّل بأن يأجرهم، ولا يكتب عليهم
стр. 14471
إثمًا حتى يبلغوا، قال: والحجّ عملٌ حسنٌ، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
[فإن قيل]: لا نيّة للصبيّ.
[قلنا]: نعم، ولا تلزمه، إنما تلزم النيّة المخاطبَ المأمورَ المكلّف، والصبيّ ليس مخاطبًا، ولا مكلّفًا، ولا مأمورًا، وإنما أجره تفضّل من الله تعالى، مجرّد عليه كما يتفضّل على الميت بعد موته، ولا نيّة له، ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعد موته، وبما يعمله غيره عنه، من حجّ، أو صيام، أو صدقة، ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء، وإذا كان الصبيّ قد رُفع عنه القلم، فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم، أو في إحرامه، ولا في حلق رأسه لأذى به، ولا عن تمتّعه، ولا لإحصاره؛ لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك، ولو لزمه هديٌ للزمه أن يعوّض منه الصيام، وهو في المتعة، وحلق الرأس، وجزاء الصيد، وهم لا يقولون هذا، ولا يفسد حجه بشيء مما ذكرنا، إنما هو ما عَمِلَ، أو عُمل به أُجر، وما لم يعمل، فلا إثم عليه.
وقد كان الصبيان يحضرون الصلاة مع رسول الله ﷺ ، صحّت بذلك آثارٌ كثيرة؛ كصلاته بأمامة بنت أبي العاص، وحضور ابن عبّاس معه الصلاة، وسماعه بكاء الصبيّ في الصلاة، وغير ذلك، ويجزي الطائف به طوافه عن نفسه؛ لأنه طائف، وحاملٌ، فهما عملان متغايران، لكلّ منهما حكم كما هو طائفٌ، وراكب، ولا فرق.
قال: فإن بلغ الصبيّ في حال إحرامه لزمه أن يجدّد إحرامًا، ويَشرع في عمل الحجّ، فإن فاتته عرفة، أو مزدلفة، فقد فاته الحجّ، ولا هدي عليه، ولا شيء، أما تجديده الإحرام؛ فلأنه قد صار مأمورًا بالحجّ، وهو قادرٌ عليه، فلزمه أن يبتدئه؛ لأن إحرامه الأوّل كان تطوّعًا، والفرض أولى من التطوّع. انتهى كلام ابن حزم ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله أبو محمد بن حزم ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، وحاصله جواز الحجّ بالصبيّ، وأنه يكتب له أجره، وأن من حجّ به يؤجر به أيضًا، وأنه يعمل ما يطيق أن يعمله من أعمال الحجّ، وما لا فليس عليه شيء، بل يعمل له من يحجّ به، مثل الرمي وغيره، ويطوف به
стр. 14472
حاملًا له، ويعتدّ بذلك الطواف لنفسه، وللصبيّ، وأنه يجنَّب فعل محظورات الحجّ، وإن ارتكب شيئًا من ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه مرفوعٌ عنه القلمُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَت امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! ألِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، أخو إبراهيم المذكور في السند الماضي، ثقةٌ [٦] (م س ق) تقدم في "الحج" ٤٤/ ٣١٠٤.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ: أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أًجْرٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ
стр. 14473
ثبتٌ حافظٌ ناقدٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
والباقون ذُكروا قبله، و"سفيان" هو: الثوريّ.
والحديث سبق الكلام فيه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة، وهم المذكورون في الأسانيد الماضية.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن محمد بن عقبة هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "المجتبى" (٥/ ١٢٠) فقال:
(٢٦٤٥) - أخبرنا محمد بن الْمُثَنَّى، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سُفْيَانُ، عن مُحَمَّدِ بن عُقْبَةَ، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا لها إلى رسول اللهِ ﷺ ، فقالت: يا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قال: "نعم، وَلَكِ أَجْرٌ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٠) - (بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٨] (١٣٣٧) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا
رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا"، فَقَالَ
رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
"لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ -ثُمَّ قَالَ-: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا
стр. 14474
هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ) الجمحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (بخ م د س) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: خطب لنا عام فُرِضَ الحجُّ، أو ذَكَر لنا أثناء خطبة من خطبه، ثمّ إنه يمتنع أن تكون هذه الخطبة في الحجّ؛ لأنه ﷺ إنما حجّ في العاشر، وفرض الحجّ كان سابقًا، قيل: سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: تسع، إلا أن يكون قاله أيضًا في حجة الوداع، أفاده الأبيّ (١).
стр. 14475
(فَقَالَ) ﷺ ("أَيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، كما قال الحريريّ في
"ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
(قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا") بالضمّ، فعل أمر من حجّ، من باب نصر (فَقَالَ رَجُلٌ) هو الأقرع بن حابس التميميّ، كما بيّنه ما أخرجه أصحاب السنن، عن ابن عبّاس ﵄: "أن رسول الله ﷺ قام، فقال: إن الله تعالى كَتَبَ عليكم الحجّ، فقال الأقرع بن حابس: كلَّ عام يا رسول الله؟ … " (أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟) بنصب "كلَّ" على أنه مفعول لفعل مقدّر؛ أي: أنحُجّ كلّ عام، أو نحو ذلك.
قال النوويّ ﵀: واختَلَف الأصوليّون في أنّ الأمر هل يقتضي التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقّف فيما زاد على مرّة على البيان، فلا يُحكم باقتضائه، ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يَستدلّ به من يقول بالتوقّف؛ لأنه سأل، فقال: "أكلّ عام؟ "، ولو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يسأل، ولقال له النبيّ ﷺ : لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا.
وقد يُجيب الآخرون بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا، وقوله: "ذروني ما تركتكم" ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار.
وقال الماورديّ ﵀: ويَحْتَمِل أنه إنما احتَمَل التكرار عنده من وجه آخر؛ لأن الحجّ في اللغة قصد فيه تكررٌ، فاحتَمَل عنده التكرار من جهة الاشتقاق، لا من مطلق الأمر، قال: وقد تعلّق بما ذكرناه عن أهل اللغة ههنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لَمّا كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٨٧] يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة، والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة؛ لأنه لا يجب قصده لغير حجّ وعمرة بأصل الشرع. انتهى (١).
стр. 14476
وقال القاري ﵀: والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر الأعمال؛ كالصلاة، والصوم، والزكاة، ولم يدر أن تكراره كلّ عام بالنسبة إلى جميع المكلّفين من المحال، كما لا يخفى. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكرت هذه المسألة في "التحفة المرضيّة"، فقلت:
اخْتَلَفُوا هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ … إِنْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمَرَّةٍ يَبِنْ
أَوْ ضِدِّهَا أَوْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطٍ … قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَيْسَ يُعْطِي
وَأَوَّلًا رَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ … إِذْ هُوَ غَالِبُ النُّصُوصِ فَاعْلَمْ
(فَسَكَتَ) أي: سكت النبيّ ﷺ عن ردّ الجواب عن سؤال الرجل (حَتَّى قَالَهَا) أي: كرّر الرجل هذه الجملة (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرّات.
قال التوربشتيّ ﵀: إنما سكت النبيّ ﷺ ؛ زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى؛ لأن الرسول ﷺ إنما بُعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان أمر عَلِم أن بالأمة حاجةً إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدُّمٌ بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد نُهُوا عنه، بقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، والإقدام عليه ضرب من الجهل، وشرٌّ، فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار ﷺ بقوله: "لو قلت: نعم لوجبت".
ثم لَمّا رآه ﷺ لا ينزجر، ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرّح به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ) أي: فرضًا وتقديرًا (نَعَمْ لَوَجَبَتْ) ولا يبعد أن يكون سكوته ﷺ انتظارًا للوحي.
قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح أنه ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، وقيل: يشترط، وهذا القائل يُجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحي إليه ذلك، والله أعلم. انتهى.
وقال الحافظ ﵀: استُدِلَّ به على أنّ النبيّ ﷺ كان له أن يجتهد في
الأحكام؛ لقوله: "لو قلت: نعم لوجبت"، ولا يشترط في حكمه أن يكون
стр. 14477
بوحي، وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة اجتهاده ﷺ ذكرتها في "التحفة المرضيّة" بقولي:
اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ … فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُهُ وَوُجِدْ
وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي … حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ
وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ … جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ
وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا … وُقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا
فَاللهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ … يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ
ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لأَمْرٍ نُسِبَا … لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا
أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ … اتَّفَقُوا فِي كَوْنِهِ فِيهَا اجْتَهَدْ
وقال السنديّ ﵀: قيل: وهذا بظاهره يقتضي أن أمر افتراض الحجّ كلّ عام كان مفوّضًا إليه، حتى لو قال: نعم لحصل، وليس بمستبعد؛ إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالإطلاق، ويفوّض أمر التقييد إلى الذي فوّض إليه البيان، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه، وإن أراد أن يقيّده بكلّ عام يقيّده به.
ثم فيه إشارة إلى كراهة السؤال في النصوص المطلقة، والتفتيش عن قيودها، بل ينبغي العمل بها على إطلاقها، حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقًا لهذه الكراهة - يعني قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]. انتهى.
وقوله: (لَوَجَبَتْ) أي: هذه العبادة، أو فريضة الحجّ المدلول عليها بقوله: "قد فَرَضَ"، أو الحجّة كلّ عام، أو حجج كثيرة على كلّ أحد (وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ") وفي رواية النسائيّ: "وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا" أي: ما قدرتم كلّكم على القيام بأدائها في كلّ عام، فتقعون بذلك في حرج عظيم.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("ذَرُونِي) وفي رواية البخاريّ: "دَعُوني" أي: اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات، قال في "القاموس": ذَرْه؛ أي: دَعْه، يَذَرُه تركًا، ولا تقل: وَذْرًا، وأصله وَذِرَهُ يَذَرُهُ، كوَسِعَه يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره، ولا باسم الفاعل، أو قيل: وَذِرْتُهُ شاذًّا. انتهى.
قال في "الفتح" بعد أن ذكر أن مسلمًا أخرجه مطوّلًا، ما نصّه: وأخرجه
стр. 14478
الدارقطنيّ مختصرًا، وزاد فيه: "فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] "، وله شاهد عن ابن عبّاس، عند الطبريّ في "التفسير"، وفيه: "لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم … " الحديث، وفيه فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية. انتهى (١).
(مَا تَرَكْتُكُمْ) أي: لأني مبعوث لبيان الشرائع، وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبيّنه لكم لا مَحَالَةَ، ولا حاجة إلى السؤال.
وقال السنديّ ﵀: "ما" مصدرية ظرفيّة؛ أي: مدّة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد: لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبينُ لكم بنفسي. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قوله: "ما تركتكم" أي: مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء، وإنما غاير بين اللفظين؛ لأنهم أماتوا الماضي، واسمَ الفاعل منهما، واسمَ مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع، وهو "يَذَرُ"، وفعل الأمر، وهو "ذَرْ"، ومثله "دَعْ"، و"يَدَعُ"، ولكن سُمع "وَدَعَ"، كما قُرئ به في الشاذّ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣]، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عَبْلَة، وطائفة، وقال الشاعر [من الطويل]:
وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ … فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
ويَحْتَمِل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنّن في العبارة، وإلا لقال: اتركوني.
والمراد بهذا الأمر: ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه، أو تحريمه، وعن كثرة السؤال؛ لما فيه غالبًا من التعنّت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يُستثقَلُ، فقد يؤدّي لترك الامتثال، فتقع المخالفة.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ذروني ما تركتكم": يعني لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيّدَةً بوجهٍ مّا ظاهرٍ، وإن كانت صالحة
стр. 14479
لغيره، وبيانُ ذلك: أن قوله: "فحُجّوا"، وإن كان صالِحًا للتكرار، فينبغي أن يُكتَفَى بما يصدُق عليه اللفظ، وهو المرّة الواحدة، فإنها مدلولةُ اللّفظ قطعًا، وما زاد عليها يُتغافَل عنه، ولا يُكثَر السؤال فيه؛ لإمكان أن يكثر الجواب المترتّب عليه، فيضاهي ذلك قصّة بقرة بني إسرائيل، التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة، فلو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة، أيّ بقرة كانت لكانوا ممتثلين، لكن لما أكثروا السؤال كثُر عليهم الجواب، فَشَدّدوا، فشُدّد عليهم، فذُمّوا على ذلك، فخاف النبيّ ﷺ مثل هذا على أمته، ولذلك قال: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم"، وعلى هذا يُحْمَل قوله: "فإذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم"، يعني بشيء مطلق، كما إذا قال: صم، أو صلّ، أو تصدّق، فيكفي من ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فيصوم يومًا، ويصلّي ركعتين، ويتصدّق بشيء يُتصدّق بمثله، فإن قيّد شيئًا من ذلك بقيود، ووصفه بأوصاف لم يكن بدّ من امتثال أمره على ما فصَّلَ، وقَيَّدَ، وإن كان فيه أشدّ المشقّات، وأشدّ التكاليف، وهذا مما لا يُختَلَف فيه إن شاء الله تعالى أنه المراد بالحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقد أخرج البزّار، وابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ عنه، مرفوعًا: "لو اعتَرَضَ بنو إسرائيل أدنى بقرة، فذبحوها، لكفتهم، ولكن شَدَّدُوا، فشدّد الله عليهم"، وفي السند عبّاد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن، وأورده الطبريّ، عن ابن عبّاس، موقوفًا، وعن أبي العالية، مقطوعًا، ذكره في "الفتح" (٢).
(فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: من اليهود والنصارى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كسؤال الرؤية، والكلام، وقضيّة البقرة.
ولفظ البخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "فإنما أهلك من كان قبلكم سُؤَالُهُمْ".
قال في "الفتح": قوله: "فإنما أهلك" بفتحات (٣)، وقال بعد ذلك:
стр. 14480
"سؤالهم" بالرفع على أنه فاعل "أهلك". وفي رواية غير الكشميهنيّ: "أُهلك" بضمّ أوله، وكسر اللام، وقال بعد ذلك: "بسؤالهم" أي: بسبب سؤالهم، وقوله: "واختلافهم" بالرفع، وبالجرّ على الوجهين. ووقع في غير رواية همام عند أحمد بلفظ: "فإنما أُهْلِكَ"، وفيه "بسؤالهم"، ويتعيّن الجرّ في "واختلافهم"، وفي رواية الزهريّ: "فإنما هَلَكَ"، وفيه "سؤالُهم"، ويتعيّن الرفع في "واختلافهم"، وأما قول النوويّ في "أربعينه": و"اختلافهم" برفع الفاء، لا بكسرها، فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها، وهي التي من طريق الزهريّ. انتهى (١).
(وَاخْتِلَافِهِمْ) بالجرّ عطفًا على "كثرة سؤالهم"، لا على "سؤالهم"، إذ الاختلاف، وإن قلّ يؤدّي إلى الهلاك.
ويَحْتَمِل أنه عطف على "سؤالهم"، فيكون إِخْبَارًا عمن تقدّم بأنه كَثُرَ اختلافهم في الواقع، فأدّاهم إلى الهلاك، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤدّ إلى الفساد، قاله السنديّ ﵀ (٢).
(عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يعني أنهم إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال، أو قبله اختلفوا عليهم، فهلكوا، واستحقّوا الإهلاك.
قال الأبّيّ ﵀: قوله: "واختلافهم على أنبيائهم" هو زيادة على ما وقع، فإن الذي وقع إنما هو الإلحاح في السؤال، لا الاختلاف. انتهى.
(فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَىْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ) أي: افعلوا من ذلك المأمور به (مَا اسْتَطَعْتُمْ) "ما" موصولة مفعول "أتوا"؛ أي: الذي تستطيعون فعله، أو هي مصدريّة؛ أي: افعلوا قدر استطاعتكم.
قال النوويّ ﵀: هذا من قواعد الإسلام المهمّة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام؛ كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها، أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء، أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من
стр. 14481
الماء لطهارته، أو لغسل النجاسة، فَعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حَفِظَ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال غيره: فيه أنّ من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبّر عنه بعض الفقهاء بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصحّ توبة الأعمى عن النظر المحرّم، والمجبوب عن الزنا؛ لأن الأعمى، والمجبوب قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود؛ إذ لا يُتصوّر منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. والثاني: -وهو الصحيح، أو الصواب-، وبه جزم المحققون أنها ليس منسوخةً، بل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسّرة لها، ومبيّنة للمراد بها. قالوا: وحقّ تقاته، هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر الله إلا بالمستطاع، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحجّ: ٧٨]، والله تعالى أعلم. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نَسَخَ قولَهُ تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، والصحيح أن لا نسخ، بل المراد بـ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ امتثال أمره، واجتناب نهيه مع القدرة، لا مع العجز. انتهى (٤).
стр. 14482
(وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) أي: من المحرّمات (فَدَعُوهُ") أي: اتركوه كلّه، وفي رواية: "فاجتنبوه".
قال القرطبيّ ﵀: يعني أن النهي على نقيض الأمر، وذلك أنه لا يكون مُمْتَثَلًا بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نُهي عنه مطلقًا دائمًا، وحينئذ يكون ممتثلًا لترك ما أمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدّم.
وهذا الأصل إذا فُهِم هو ومسألة مطلق الأمر؛ هل يُحمَل على الفور، أو التراخي، أو على المرّة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله: "وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه" فهو على إطلاقه، فإن وُجد عذرٌ يبيحه؛ كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، أو التلفّظ بكلمة الكفر إذا أُكره، ونحو ذلك، فهذا ليس منهيًّا عنه في هذا الحال. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": ثم إن هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويُستثنى من ذلك ما يُكره المكلّف على فعله؛ كشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور.
وخالف قوم، فتمسّكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها، والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجد صورة الإكراه المعتبرة، واستثنى بعض الشافعيّة من ذلك الزنا، فقال: لا يُتصوّر الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن يَنْعَظَ (٣) الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبيّة، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارًا لكان زانيًا، فتصوّر الإكراه على الزنا.
وقال في موضع آخر: وقال ابن فرج في "شرح الأربعين": قوله: "فاجتنبوه" هو على إطلاقه حتى يوجد ما يُبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة،
стр. 14483
وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفّظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًّا بالإيمان، كما نطق به القرآن. انتهى.
والتحقيق أن المكلّف في ذلك كلّه ليس منهيًّا عنه في تلك الحال.
وأجاب الماورديّ بأن الكفّ عن المعاصي ترك، وهو سهلٌ، وعمل الطاعة فعلٌ، وهو يشقّ، فلذلك لم يُبَح ارتكاب المعصية، ولو مع العذر؛ لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر؛ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه.
وادّعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهيّ عنه، وقد قيّد بالاستطاعة، واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوّره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار. انتهى ما في "الفتح" وهو بحث نفيس جدًّا (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٠/ ٣٢٥٨] (١٣٣٧)، وسيأتي في "الفضائل" عقب حديث رقم (٢٣٥٧)، و (البخاريّ) في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٨٨)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٢٦١٩) وفي "الكبرى" (٣٥٩٨)، و (الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٧٩)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (١ و ٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤٧ و ٤٥٦ و ٤٦٧ و ٥٠٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨ و ٣٧٠٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ١٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٨١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٢٥ و ٧/ ١٠٣) و"الصغرى" (٣/ ٤٩١)، والله تعالى أعلم.
стр. 14484
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الحجّ.
٢ - (ومنها): أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، بل هو مرّة في العمر.
قال الخطّابيّ ﵀: لا خلاف في أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، إلا أن هذا الإجماع إنما حصل بدليل، أما نفس اللفظ فقد يوهم التكرار، ولذا سأل السائل، فإن الحجّ في اللغة قصدٌ فيه تكرار. انتهى (١).
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المسلم إذا حجّ مرّة، ثم ارتدّ عن الإسلام -والعياذ بالله- ثم أسلم أنه لا يلزمه إعادة الحجّ، وهذا مذهب الشافعي ﵀، وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك -رحمهم الله تعالى- إلى أن المرتدّ لو عاد إلى الإسلام لا تعود إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أدّاه منها قبل الرّدّة، إلا الحجّ، فيلزمه إعادته؛ لأن وقته العمر، فلما أحبط حجه بالردّة، ثم أدرك وقته مسلمًا لزمه، وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه، فارتدّ، ثم أسلم في الوقت (٢).
٤ - (ومنها): أن جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت دليل المنع من قبل الشارع.
٥ - (ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن النبيّ ﷺ كان يجتهد في الأحكام؛ لقوله: "ولو قلت: نعم، لوجبت"، وأجاب من منع ذلك باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال، والقول بثبوت الاجتهاد له ﷺ هو الأرجح، كما أسلفته قريبًا، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن من أُمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدلّ المزنيّ ﵀ على أنّ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثمّ كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن القضاء بالأمر هو الأرجح، كما بيّنته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها".
стр. 14485
٧ - (ومنها): أن اعتناء الشارع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيّات، ولو مع المشقّة في الترك، وقيّد في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد ﵀.
[فإن قيل]: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضًا؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
[أجيب]: بأن الاستطاعة تُطلق باعتبارين، قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدّعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكفّ، إذ كلّ أحد قادر على الكفّ، لولا داعية الشهوة مثلًا، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكفّ، بل كلّ مكلّف قادرٌ على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثمّ قُيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي.
وعبّر الطوفيّ في هذا الموضع بأن ترك المنهيّ عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهيّ عنه قد تتخلّف.
واستُدِلّ له بجواز أكل المضطرّ الميتة.
وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة.
٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه، فشمل الواجب والمندوب.
وأجيب بأن قوله: "فاجتنبوه" يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر.
وقال الفاكهانيّ: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض، وهو المحرّم، وتارة لا معه، وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما.
٩ - (ومنها): أنه استدلّ به على أن المباح ليس مأمورًا به؛ لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا عكسه.
وأجيب: بأن من قال: المباح مأمور به، لم يُرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعمّ، وهو الإذن.
стр. 14486
١٠ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الأمر لا يقتضى التكرار، ولا عدمه، وقيل: يقتضيه، وقيل: بل يُتوقّف فيما زاد على مرّة، وحديث الباب يتمسّك به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحجّ: "أكلّ عام؟ "، فلو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يحسُن السؤال، ولا العناية بالجواب، وقد يقال: إنما سأل استظهارًا واحتياطًا.
وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحجّ في اللغة قصد فيه تكرارٌ، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر.
وقد تمسّك به من قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحجّ إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، فيكون العود إِليه مرّة أخرى دالًّا على وجوب العمرة.
١١ - (ومنها): أنه استُدلّ به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمّق في ذلك.
قال البغويّ ﵀ في "شرح السنّة": المسائل على وجهين:
"أحدهما": ما كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك تتنزّل أسئلة الصحابة ﵃ عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما.
"ثانيهما": ما كان على وجه التعنّت والتكلّف، وهو المراد في هذا الحديث، والله أعلم.
ويؤيّده ورود الزجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السلف، فعند أحمد من حديث معاوية: "أن النبيّ ﷺ نَهَى عن الأغلوطات"، قال الأوزاعيّ: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعيّ أيضًا: إن الله إذا أراد أن يَحْرِمَ عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقلّ الناس علمًا.
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل.
وقال ابن العربيّ: كان النهي عن السؤال في العهد النبويّ خشية أن ينزل ما يشقّ عليهم، فأما بعده فقد أُمِن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة
стр. 14487
الكلام في المسائل التي لم تقع، قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء، فإنهم فرّعوا، ومهّدوا، فنفع الله من بعدهم بذلك، ولا سيّما مع ذهاب العلماء، ودروس العلم. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ ﵀: وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم، إذا شغله ذلك عمّا هو أهمّ منه، وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرّدًا عما يندر، ولا سيّما في المختصرات؛ ليسهل تناوله، والله المستعان. انتهى.
١٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الاشتغال بالأهمّ المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع.
فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ، ثم يجتهد في تفهّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميّات يتشاغل بتصديقه، واعتقاد أحقيّته، وإن كان من العمليّات بذَلَ وُسْعه في القيام به، فعلًا وتركًا، فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرّف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن كانت الهمّة مصروفةً عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقّه في الدين إنما يُحمَد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدل (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" بابًا مهمًّا جدًّا، له شدّة ارتباط بحديث الباب، وكتب الحافظ ﵀ في شرحه كلامًا نفيسًا أحببت إيراده تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال ﵀:
"باب ما يكره من كثرة السؤال، وتكلّف ما لا يعنيه، وقول الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ثم ساق بسنده عن سعد بن أبي وقّاص ﵁؛ أن النبيّ ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين جُرْمًا من
стр. 14488
سأل عن شيء، لم يُحرَّم، فحرّم من أجل مسألته"، ثم أورد بعده ثمانية أحاديث.
قال الشارح ﵀: كأنه يريد أن يستدلّ بالآية على المدّعَى من الكراهة، وهو مصير منه إلى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها، وقد ذكرتُ الاختلاف في سبب نزولها في "تفسير سورة المائدة"، وترجيح ابن المنيّر أنه في كثرة المسائل عما كان، وعمّا لم يكن، وصنيع البخاريّ يقتضيه، والأحاديث التي ساقها في الباب تؤيّده، وقد اشتدّ إنكار جماعة من الفقهاء ذلك، منهم: القاضي أبو بكر ابن العربيّ، فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلّقًا بهذه الآية، وليس كذلك؛ لأنها مصرّحة بأن المنهيّ عنه ما تقع المسألة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك. انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال؛ لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيّده حديث سعد الذي صدّر به البخاريّ الباب: "من سأل عن شيء، لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته"، فإن مثل ذلك قد أُمن وقوعه، ويدخل في معنى حديث سعد ما أخرجه البزّار، وقال: سنده صالح، وصححه الحاكم، من حديث أبي الدرداء ﵁، رفعه: "ما أحلّ الله في كتابه، فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ".
وأخرج الدارقطنيّ من حديث أبي ثعلبة ﵁، رفعه: "إن الله فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حدودًا، فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم، غيرَ نسيان، فلا تبحثوا عنها"، وله شاهد من حديث سلمان ﵁، أخرجه الترمذيّ، وآخر من حديث ابن عباس ﵄، أخرجه أبو داود.
وقد أخرج مسلم، وأصله في البخاريّ، من طريق ثابت، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: "كنّا نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع … " فذكر الحديث.
وللبخاريّ في قصّة اللعان من حديث ابن عمر ﵄: "فكره رسول الله ﷺ المسائل، وعابها".
стр. 14489
ولمسلم عن النوّاس بن سمعان ﵁، قال: "أقمت مع رسول الله ﷺ سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبيّ ﷺ ". ومراده أنه قدم وافدًا، فاستمرّ بتلك الصورة لِيُحَصِّلَ المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرًا، فيمتنع عليه السؤال، وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودًا كانوا، أو غيرهم.
وأخرج أحمد عن أبي أُمامة ﵁، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية [المائدة: ٥]، كنّا قد اتقينا أن نسأله ﷺ ، فأتينا أعرابيًّا، فرشوناه بُردًا، وقلنا: سل النبيّ ﷺ ، ولأبي يعلى عن البراء: "إن كان ليأتي عليّ السَّنَةُ أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء، فأتهيّب، وإن كنّا لنتمنّى الأعراب -أي: قدومهم- ليسألوا، فيسمعوا هم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها.
وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة ﵃، فيَحْتَمِل أن يكون قبل نزول الآية، ويَحْتَمِل أن النهي في الآية لا يتناول ما يُحتاج إليه مما تقرّر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجةٌ راهنةٌ؛ كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أَمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن؛ كسؤالهم عن الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك، لكن الذين تعلّقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع أخذوه بطريق الإلحاق من جهة أن كثرة السؤال لمّا كانت سببًا للتكليف بما يشقّ، فحقّها أن تُجتنب.
وقد عقد الإمام الدارميّ ﵀ في أوائل "مسنده" لذلك بابًا، وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارًا كثيرةً في ذلك، منها:
عن ابن عمر: "لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن".
وعن عمر: "أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلًا".
стр. 14490
وعن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن قيل: لا، قال: دعوه حتى يكون.
وعن أُبيّ بن كعب، وعن عمّار كذلك، وأخرج أبو داود في "المراسيل" من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، مرفوعًا، ومن طريق طاوس، عن معاذ، رفعه: "لا تعجلوا بالبليّة قبل نزولها، فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سُدّد، أو وفّق، وإن عجلتم تشتّت بكم السبل". وهما مرسلان، يقوّي بعضٌ بعضًا، ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد، مرفوعًا: "لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدّد، وأُرشد، حتى يتساءلوا عما لم ينزل … " الحديث نحوه.
قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ على قسمين:
(أحدهما): أن يُبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربّما كان فرضًا على من تعيّن عليه من المجتهدين.
(ثانيهما): أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرّق بين متماثلين بفرق ليس له أثرٌ في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين متفرّقين بوصف طرديّ مثلًا، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود، رفعه: "هلك المتنطّعون"، أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا في السنّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيّما إن لزم من ذلك إغفال التوسّع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشدّ من ذلك في كثرة السؤال، البحثُ عن أمور مغيبة وَرَدَ الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدّة هذه الأمّة، إلى أمثال ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرْف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشدّ من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشكّ والحيرة.
стр. 14491
وقال بعض الشرّاح: مثال التنطّع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن أن يسأل عن السِّلَعِ التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه، أو لا؟ فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك، إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردّد كُره، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطّع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في التمثيل للتنطّع في السؤال بهذا المثال نظر لا يخفى لمن تأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا تقرّر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فَهْمُهُ وعلمه، ومن توسّع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيّما فيما يقلّ وقوعه، أو يندر، ولا سيّما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه السلف.
ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنّة، وما دلّت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجّيّة منها، فإنه الذي يُحمَد، ويُنتفع به، وعلى ذلك يُحمل عمل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمن بعدهم حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأولى، فكثر بينهم المراء والجدال، وتولّدت البغضاء، وتسمَّوْا خُصُومًا، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كلّ شيء، وإلى ذلك يشير قوله ﷺ في حديث الباب: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم"، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد.
وهذا كلّه من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم.
وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام
стр. 14492
في أيّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في حقّ المكلّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: مَنْ وجد في نفسه قوّةً على الفهم، والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لما فيه من النفع المتعدّي، ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله على العبادة أولى؛ لعسر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بَحْثٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧١) - (بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥٩] (١٣٣٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٣ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، تقدّم قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العُمَريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
стр. 14493
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا) ناهية، ولذا الفعل بعدها مجزوم، ويَحْتَمِل أن تكون نافية، والفعل مرفوعٌ، ويراد بالنفي النهي، والنهي المستفاد من النفي أبلغ؛ لأن النهي نفي لوصف الشيء، والنفي نفي لذاته، ونفي الذات أبلغ من نفي الصفات (تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) أي: شابة كانت، أو عجوزًا، سفرًا للحجّ أو غيره (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ليال، وفي رواية: "فوق ثلاث"، وفي رواية: "ثلاثة"، وفي رواية: "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم"، وفي رواية: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها"، وفي رواية: "نَهَى أن تسافر المرأة مسيرة يومين"، وفي رواية: "لا يحلّ لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها ذو حرمة منها"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم"، وفي رواية: "مسيرة يوم وليلة"، وفي رواية: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، هذه كلها روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود: "ولا تسافر بَرِيدًا"، والبريد مسيرة نصف يوم.
قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد.
قال البيهقيّ ﵀: كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا، فقال: لا، وكذلك البريد، فأَدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله
стр. 14494
صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يُرد ﷺ
تحديد أقل ما يُسَمَّى سفرًا.
فالحاصل أن كل ما يُسَمَّى سفرًا تُنْهَى عنه المرأة بغير زوج، أو محرم، سواءٌ كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو بَرِيدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس ﵄ المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يُسَمَّى سفرًا، والله أعلم (١).
(إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ") قال النوويّ ﵀: حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها، والخلوة بها، والمسافَرة بها: كلُّ من حَرُم نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احترازٌ من أخت المرأة، وعمتها، وخالتها، ونحوهنّ، وقولنا: بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنهما تحرمان على التأبيد، وليستا محرمين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل مكلّف، وقولنا: لحرمتها احترازٌ من الملاعِنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست مَحْرَمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبةً، وتغليظًا، والله أعلم. انتهى (٢).
وقال النوويّ أيضًا: وفيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور، أن جميع المحارم سواء في ذلك، فيجوز لها المسافَرة مع محرمها بالنسب؛ كابنها، وأخيها، وابن أخيها، وابن أختها، وخالها، وعمّها، ومع محرمها بالرضاع؛ كأخيها من الرضاع، وابن أخيها، وابن أختها منه، ونحوهم، ومع محرمها من المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك، وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها، والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور، ووافق مالك على ذلك كله إلا ابن زوجها، فكره سفرها معه؛ لفساد الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، قال: والمرأة فتنة إلا فيما جَبَل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب،
стр. 14495
وعموم هذا الحديث يردّ على مالك، والله أعلم. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "إلا معها ذو محرم"؛ أي: فيحلّ، ولم يصرح بذكر الزوج. وسيأتي في حديث أبي سعيد ﵁ في هذا الباب بلفظ: "إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها".
قال: وضابط المحرم عند العلماء مَن حَرُم عليه نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة، وعمتها، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها الملاعِنة، واستثنى أحمد مَن حَرُمت على التأبيد: مسلمةً لها أبٌ كتابيّ، فقال: لا يكون محرمًا لها؛ لأنه لا يؤمَن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها، ومن قال: إن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يُدخله.
وقد رَوَى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "سفر المرأة مع عبدها ضيعة"، لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يقيّده بما إذا كانا في قافلة، بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا؛ لهذا الحديث.
وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يُشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم، فإنه لما استثنى المحرم، فقال القائل: إن امرأتي حاجّةٌ، فكأنه فَهِمَ حال الزوج في المحرم، ولم يَرُدّ عليه ما فهمه، بل قال له: اخرج معها.
واستثنى بعض العلماء ابن الزوج فكره السفر معه؛ لغلبة الفساد في الناس، قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتحريم ففيه بُعْدٌ؛ لمخالفة الحديث، وإن كانت للتنزيه، فَيَتوقف على أن لفظ: "لا يحلّ" هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية؟ انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.