← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

وقال بعض الشرّاح: مثال التنطّع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن أن يسأل عن السِّلَعِ التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه، أو لا؟ فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك، إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردّد كُره، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطّع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في التمثيل للتنطّع في السؤال بهذا المثال نظر لا يخفى لمن تأمّل، والله تعالى أعلم. قال: وإذا تقرّر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فَهْمُهُ وعلمه، ومن توسّع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيّما فيما يقلّ وقوعه، أو يندر، ولا سيّما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله ﷺ ، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنّة، وما دلّت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجّيّة منها، فإنه الذي يُحمَد، ويُنتفع به، وعلى ذلك يُحمل عمل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمن بعدهم حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأولى، فكثر بينهم المراء والجدال، وتولّدت البغضاء، وتسمَّوْا خُصُومًا، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كلّ شيء، وإلى ذلك يشير قوله ﷺ في حديث الباب: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم"، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد. وهذا كلّه من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم. وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام

стр. 14492

في أيّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في حقّ المكلّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: مَنْ وجد في نفسه قوّةً على الفهم، والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لما فيه من النفع المتعدّي، ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله على العبادة أولى؛ لعسر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بَحْثٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧١) - (بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥٩] (١٣٣٨) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٣ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، تقدّم قريبًا. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العُمَريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.

стр. 14493

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا) ناهية، ولذا الفعل بعدها مجزوم، ويَحْتَمِل أن تكون نافية، والفعل مرفوعٌ، ويراد بالنفي النهي، والنهي المستفاد من النفي أبلغ؛ لأن النهي نفي لوصف الشيء، والنفي نفي لذاته، ونفي الذات أبلغ من نفي الصفات (تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) أي: شابة كانت، أو عجوزًا، سفرًا للحجّ أو غيره (ثَلَاثًا) أي: ثلاث ليال، وفي رواية: "فوق ثلاث"، وفي رواية: "ثلاثة"، وفي رواية: "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم"، وفي رواية: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها، أو زوجها"، وفي رواية: "نَهَى أن تسافر المرأة مسيرة يومين"، وفي رواية: "لا يحلّ لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها ذو حرمة منها"، وفي رواية: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم"، وفي رواية: "مسيرة يوم وليلة"، وفي رواية: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، هذه كلها روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود: "ولا تسافر بَرِيدًا"، والبريد مسيرة نصف يوم. قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد. قال البيهقيّ ﵀: كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم، فقال: لا، وسئل عن سفرها يومًا، فقال: لا، وكذلك البريد، فأَدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله

стр. 14494

صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يُرد ﷺ تحديد أقل ما يُسَمَّى سفرًا. فالحاصل أن كل ما يُسَمَّى سفرًا تُنْهَى عنه المرأة بغير زوج، أو محرم، سواءٌ كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يومًا، أو بَرِيدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس ﵄ المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يُسَمَّى سفرًا، والله أعلم (١). (إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ") قال النوويّ ﵀: حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها، والخلوة بها، والمسافَرة بها: كلُّ من حَرُم نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احترازٌ من أخت المرأة، وعمتها، وخالتها، ونحوهنّ، وقولنا: بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنهما تحرمان على التأبيد، وليستا محرمين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل مكلّف، وقولنا: لحرمتها احترازٌ من الملاعِنة، فإنها محرمة على التأبيد بسبب مباح، وليست مَحْرَمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبةً، وتغليظًا، والله أعلم. انتهى (٢). وقال النوويّ أيضًا: وفيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور، أن جميع المحارم سواء في ذلك، فيجوز لها المسافَرة مع محرمها بالنسب؛ كابنها، وأخيها، وابن أخيها، وابن أختها، وخالها، وعمّها، ومع محرمها بالرضاع؛ كأخيها من الرضاع، وابن أخيها، وابن أختها منه، ونحوهم، ومع محرمها من المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك، وكذا يجوز لكل هؤلاء الخلوة بها، والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور، ووافق مالك على ذلك كله إلا ابن زوجها، فكره سفرها معه؛ لفساد الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب، قال: والمرأة فتنة إلا فيما جَبَل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب،

стр. 14495

وعموم هذا الحديث يردّ على مالك، والله أعلم. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "إلا معها ذو محرم"؛ أي: فيحلّ، ولم يصرح بذكر الزوج. وسيأتي في حديث أبي سعيد ﵁ في هذا الباب بلفظ: "إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها". قال: وضابط المحرم عند العلماء مَن حَرُم عليه نكاحها على التأبيد، بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة، وعمتها، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها الملاعِنة، واستثنى أحمد مَن حَرُمت على التأبيد: مسلمةً لها أبٌ كتابيّ، فقال: لا يكون محرمًا لها؛ لأنه لا يؤمَن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها، ومن قال: إن عبد المرأة محرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضابط ما يُدخله. وقد رَوَى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "سفر المرأة مع عبدها ضيعة"، لكن في إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يقيّده بما إذا كانا في قافلة، بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا؛ لهذا الحديث. وفي آخر حديث ابن عباس هذا ما يُشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم، فإنه لما استثنى المحرم، فقال القائل: إن امرأتي حاجّةٌ، فكأنه فَهِمَ حال الزوج في المحرم، ولم يَرُدّ عليه ما فهمه، بل قال له: اخرج معها. واستثنى بعض العلماء ابن الزوج فكره السفر معه؛ لغلبة الفساد في الناس، قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتحريم ففيه بُعْدٌ؛ لمخالفة الحديث، وإن كانت للتنزيه، فَيَتوقف على أن لفظ: "لا يحلّ" هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية؟ انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 14496

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٥٩ و ٣٢٦٠ و ٣٢٦١] (١٣٣٨)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٨٦ و ١٠٨٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٢٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و ١٩ و ١٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٢١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢ - ١٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): نهي المرأة عن السفر بغير محرم، قال القاضي عياض: واتَّفَقَ العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب، فاتَّفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن إقامتها في دار الكفر حرام، إذا لم تستطع إظهار الدِّين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التأخر عن الحج، فإنهم اختلفوا في الحج، هل هو على الفور، أم على التراخي؟ قال القاضي عياض: قال الباجيّ: هذا عندي في الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر، كيف شاءت في كل الأسفار، بلا زوج، ولا محرم، وهذا الذي قاله الباجيّ لا يوافَق عليه؛ لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويَجتمع في الأسفار من سفهاء الناس، وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلة دينه، ومروءته، وخيانته، ونحو ذلك، والله أعلم (١). ٢ - (ومنها): بيان أن للمرأة أن تسافر مع محرمها إلى أيّ سفر أرادت، حجًّا أو عمرةً، أو زيارة أقاربها، أو لطلب علم شرعيّ، أو غير ذلك من الأمور المباحة. ٣ - (ومنها): بيان أن جميع المحارم سواء في سفر المرأة معهم، وبه

стр. 14497

قال الشافعيّ، والجمهور، وخالف مالك في ابن زوجها، وقد سبق ردّه. ٤ - (ومنها): أنه استدلّ الحنفيّة برواية ثلاثة أيام لمذهبهم، أن قصر الصلاة في السفر لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام، قال النوويّ: وهذا استدلال فاسدٌ، وقد جاءت الأحاديث بروايات مختلفة، كما سبق، وبيّنا مقصودها، وأن السفر يُطلق على يوم، وعلى بريد، وعلى دون ذلك، وقد أوضحت الجواب عن شبهتهم إيضاحًا بليغًا في باب صلاة المسافر من "شرح المهذّب". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق تحقيق هذه المسألة بأدلتها في أبواب المسافر، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): عناية الشرع بسدّ طرق الفساد، وإبعاد المسلمين عما يفتح عليهم باب الشرّ والفساد، فإن سفر المرأة بدون محرمها، لا يخفى ما فيه من الفساد العريض، فسدّ هذا الباب بتحريم سفرها إلا مع من يقوم بحمايتها، ويغار عليها من المحارم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط المحرم لوجوب الحجّ على المرأة: قال النوويّ ﵀: أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله ﷺ : "بُنِيَ الإسلام على خمس … " الحديث، وفيه: "وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا"، واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم لها، فأبو حنيفة يشترطه؛ لوجوب الحج عليها، إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وحُكِي ذلك أيضًا عن الحسن البصريّ، والنخعيّ. وقال عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج، أو محرم، أو نسوة ثقات، ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء، فلو وُجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح.

стр. 14498

وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة، أو امرأة واحدة، وقد يكثر الأمن، ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها في جملة القافلة، وتكون آمنةً، والمشهور من نصوص الشافعيّ، وجماهير أصحابه هو الأول. واختَلَف أصحابنا في خروجها لحج التطوع، وسفر الزيارة، والتجارة، ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة، فقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الإسلام، وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وهذا هو الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة. انتهى (١). قال ابن رشد ﵀: اختلفوا هل من شروط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو محرم منها؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب، وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج للنهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، فمن غَلَّب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم، ومن خصص العموم بأحاديث النهي، ورأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم. انتهى. وقال ابن دقيق العيد ﵀: هذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا، وكان كل واحد منهما عامًّا من وجه خاصًّا من وجه، بيانه أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩١] الآية عامّ في الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع، وقوله ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" خاصّ بالنساء، عامّ في كل سفر، فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خصّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصّ الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج. انتهى. قال الشوكانيّ ﵀: ويمكن أن يقال: إن أحاديث النهي عن السفر من غير محرم لا تعارض الآية؛ لأنها تضمنت أن المَحْرَم في حقّ المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التي أطلقها القرآن، وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة

стр. 14499

المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين، لا يقال: الاستطاعة المذكورة قد بُيّنت بالزاد والراحلة؛ لأنا نقول: قد تضمنت أحاديث النهي زيادةً على ذلك البيان باعتبار النساء غيرَ منافية، فيتعيّن قبولها، على أن التصريح باشتراط المَحرم في سفر الحج بخصوصه، كما في حديث ابن عباس عند البزار، والدارقطنيّ، وحديث أبي أمامة عند الطبرانيّ مبطل لدعوى التعارض. انتهى (١). وقال الطبري في "القرى" (ص ٤٤): وافق أبا حنيفة في اشتراط المحرم، أو الزوج: أصحاب الحديث، وهو قول النخعيّ، والحسن البصريّ، وبه قال أحمد، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعيّ، قال البغويّ في "شرح السنة": والقول باشتراط المحرم أولى؛ لظاهر الحديث، ولم يختلفوا أنها ليس لها الخروج في غير الفرض إلا مع محرم، إلا في كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلّصت فيلزمها الخروج بلا محرم. وقال الطبريّ (ص ٤٥): ووجه دلالة حديث عديّ (٢) على عدم ذلك اعتبار المحرم أنه ﷺ أخبر عن خروج المرأة وحدها عند أمانها على نفسها،

стр. 14500

فوجب وقوعه لا محالة، ودلّ ذلك على الجواز؛ إذ لو حَرُم لبيّنه، فإنه وقت حاجة؛ لأنه كالواقع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. قال: وهذا القائل يَحْمِل أحاديث اشتراط المحرم على حال الخوف والخطر جمعًا بينهما، وعملًا بهما، وذلك أولى من إهمال بعضها. ويمكن أن يقال: الحديث دل على الوقوع، لا على الجواز، لا بطريق المطابقة، ولا بالاستلزام؛ لأنه ورد في معرض الثناء على حال الزمان بالأمن والعدل، وذكر خروج المرأة وحدها في معرض الاستدلال على ذلك، سواء كان جائزًا أو غير جائز، فالجواز وعدمه مسكوت عنه، ولا إشعار للفظ الخبر بهما، لا نفيًا ولا إثباتًا؛ إذ لو قال عقيب كلامه: وارتحالها لذلك جائز لها لم يُعَدّ ذلك تكرارًا لما فُهِم من الأول، ولا مؤكدًا للفظه، أو قال: وارتحالها محرّم عليها لم يُعَدّ ذلك نقضًا له، كيف وفي قوله: "لا تخاف أحدًا إلا الله" إشعار بالحرمة؛ إذ لو لم يحرم عليها ذلك لما خافت الله تعالى. وأما قوله: وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز فمسلّم، ولم يتأخر، فإن أحاديث اشتراط المَحرم إن ثبت الخطاب بها قبل هذا الحديث، فالتحريم ثابت عندهم، وليس في لفظ هذا الحديث ما يناقضه، فيُحمل على ما ذكرناه، وإن كان الخطاب بها متأخرًا عن هذا الحديث، فقد بيّن ﷺ ما سكت فيه عنه، مما احتَمَل إرادته قبل موته، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة على الحالين، وهذا هو الظاهر عندي، وإن كان الصحيح من مذهب الشافعي خلافه. انتهى كلام الطبريّ ﵀. وقال الحافظ ﵀: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أُمن الطريق أول أحاديث باب حج النساء -يعني به حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه قال: أَذِنَ عمر ﵁ لأزواج النبيّ ﷺ في آخر حجة حجها، فبعث معهنّ عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف- لاتفاق عمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ونساء النبيّ ﷺ على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهنّ في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصّة، لا من جهة توقف السفر على المَحرم. وأجيب بأن أزواج النبيّ ﷺ كلهن أمهات المؤمنين، وهم محارم لهنّ؛

стр. 14501

لأن المَحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبيّ ﷺ إلى يوم القيامة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى، فإن كون أزواج النبيّ ﷺ أمهات للمؤمنين، ليس فيه إباحة الخلوة بهنّ، والنظر إليهنّ، بدليل أن آية الحجاب نزلت فيهنّ، بل الحجاب عليهن أشدّ من غيرهنّ. وخلاصة القول أن القول الأرجح في المسألة قول من قال باشتراط المَحرم لحج المرأة؛ لحديث الباب، وأصرح الأحاديث حديث ابن عبّاس ﵄ الآتي لمّا قال النبيّ ﷺ : "ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّةً، وإني اكتُتبت في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق، فحجّ مع امرأتك". فهذا صريح أن قوله ﷺ : "ولا تسافر المرأة" عامّ في الحجّ وغيره؛ لأنه لو كان الحج مستثنى من النهي لعَذَر هذا الرجل في خروج امرأته بلا محرم. والحاصل أنه لا يحلّ للمرأة أن تسافر بدون مَحرم مطلقًا، سواء السفر سفر حجّ، أو غيره، إلا للضرورة التي لا بدّ منها، كأن تُسْلِم في دار الحرب، أو أسرها العدوّ، فيجب عليها السفر إلى دار الإسلام بدون مَحْرَم؛ للضرورة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "فَوْقَ ثَلَاثٍ"، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ، عَنْ أَبِيهِ: "ثَلَاثَةً، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل باب.

стр. 14502

٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا. و"عبيد الله" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (١) (٦/ ٤٤٠) فقال: (٢٧٢٩) - أخبرنا الحسن بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم". انتهى. وأما رواية أبي أسامة فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، أبو عبد الله، ثقة حافظٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥. ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14503

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٢] (٨٢٧ مكرّر) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا، فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ أسْمَعْ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاَثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا تُسَافِر الْمَرأةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) تقدم في "المقدمة" (ع) ٦/ ٥٠. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخميّ الْفَرسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦. ٥ - (قَزَعَةُ) بن يحيى البصريّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠٢٥. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سِنَان الْخُدريّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁، وفي الرواية التالية: "عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت قَزَعة، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ، قال: سمعت

стр. 14504

رسول الله ﷺ " (قَالَ) أبو سعيد ﵁ (سَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من رسول الله ﷺ (حَدِيثًا) هو حديث مشتمل على أربعة أشياء، ففي الرواية التالية: "سمعت من رسول الله ﷺ أربعًا" (فَأَعْجَبَنِي) زاد في الرواية التالية: "فأعجبنني، وآنقنني"، وهو بمعناه (فَقُلْتُ لَهُ) القائل هو قَزَعة؛ أي: قلت لأبي سعيد ﵁ (أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ (قَالَ) أبو سعيد (فَأَقولُ) هذا أيضًا بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفأقول (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟) والاستفهام للإنكار (قَالَ) قزعة (سَمِعْتُهُ) أي: أبا سعيد (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ) -بفتح حرف المضارعة، من باب نصر- هكذا رواية المصنّف ﵀ هنا، فـ "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها بحذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة التي رفعها بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها، وسيأتي في أواخر "كتاب الحجّ" بلفظ: "لا تُشدّ الرحال" -بضم أوّله مبنيًّا للمفعول- وهو الذي في صحيح البخاريّ، وعليه فـ "لا" نافية، والمراد من النفي هو النهي، قال الطيبيّ: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يُقْصَد بالزيارة إلا هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختُصَّت به. و"الرِّحَال" بالمهملة: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وكَنَى بشد الرحال عن السفر؛ لأنه لازِمه، وخرج ذكرُها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل، والخيل، والبغال، والحمير، والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: "إنما يُسَافَرُ"، أخرجه مسلم، من طريق عمران بن أبي أنس، عن سليمان الأغر، عن أبي هريرة ﵁، وسيأتي في أواخر "كتاب الحجّ" (١) -إن شاء الله تعالى-. (إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ) الاستثناء فيه مُفَرَّغ، والتقدير: لا تُشدّ الرحال إلى موضع، ولازِمه منعُ السفر إلى كل موضع غيرها؛ لأن المستثنى منه في المفرَّغ مقدَّر بأعم العامّ، لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص، وهو المسجد، كما سيأتي. (مَسْجِدِي هَذَا) أي: المسجد النبويّ

стр. 14505

بالمدينة، و"مسجدي" بالجر على البدليّة، ويجوز رفعه على تقدير مبتدأ؛ أي: أي أحدها مسجدي، ونصبُه بتقدير فعل؛ أي: أعني، و"قوله: "هذا" بدل، أو عطف بيان لـ"مسجدي"، وأتى به إشارة إلى أن المساجد التي في المدينة غير مسجده ليس لها هذا الفضل، والله تعالى أعلم. (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: المحرم، فهو كقولهم: الكتاب، بمعنى المكتوب، و"المسجد" يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة المذكورة فيما قبله. ثم المراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يُصَلَّى فيه دون البيوت وغيرها، من أجزاء الحرم، قال الطبريّ: ويتأيد بقوله: "مسجدي هذا"؛ لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك، وقيل: المراد به الكعبة، حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائيّ بلفظ: "إلا الكعبة"، وفيه نظر؛ لأن الذي عند النسائيّ: "إلا مسجد الكعبة"، حتى ولو سقطت لفظة "مسجد" لكانت مرادةً، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسيّ من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل في المسجد وحده، أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم؛ لأنه كله مسجد، قاله في "الفتح" (١). (وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى") أي: بيت المقدس، فـ "الأقصى" نعتٌ لـ "المسجد"، وفي الرواية الآتية: "ومسجد الأقصى" بالإضافة، وهي رواية البخاريّ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد جوّزه الكوفيون، واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان؛ أي: الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى، ونحو ذلك، وإليه أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ وسُمِّي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل: في الزمان، وفيه نظر؛ لأنه ثبت في "الصحيحين" أن بينهما أربعين سنة، وقد تقدّم في أبواب المساجد من حديث أبي ذرّ ﵁، وتقدّم أيضًا بيان ما فيه من الإشكال، والجواب عنه.

стр. 14506

وقال الزمخشريّ: سُمِّي الأقصى؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبُعده عن الأقذار والخَبَث، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه. [فائدة]: لبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين، منها: إيلياء بالمد والقصر، وبحذف الياء الأولى، وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث، وبيت الْمَقْدِس بسكون القاف، وبفتحها مع التشديد، والقُدْس، بغير ميم، مع ضم القاف، وسكون الدال، وبضمها أيضًا، وشَلَّم بالمعجمة، وتشديد اللام، وبالمهملة، وشلام بمعجمة، وسَلِم بفتح المهملة، وكسر اللام الخفيفة، وأوري سلم بسكون الواو وبكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة، قال الأعشى [من المتقارب]: وَقَدْ طُفْتُ لِلْمَالِ آفَاقَهُ … دِمَشْقَ فَحِمْصَ فَأُورِي سَلِمْ ومن أسمائه كُورَةُ، وبيت إيل، وصهيون، ومصروث، آخره مثلثةٌ، وكورشيلا، وبابوش، بموحدتين، ومعجمة، وقد تتبع أكثر هذه الأسماء الحسين بن خالويه اللغويّ في "كتاب ليس". وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس، وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السالفة، والثالث أُسِّس على التقوى. وقال النوويّ ﵀: فيه بيانُ عظيمِ فضيلة هذه المساجد الثلاثة، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ولفضل الصلاة فيها، ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده لحجّ أو عمرة، ولو نذره إلى المسجدين الآخرين، فقولان للشافعيّ، أصحهما عند أصحابه يستحبّ قصدهما، ولا يجب، والثاني يجب، وبه قال كثيرون من العلماء. وأما باقي المساجد سوى الثلاثة، فلا يجب قصدها بالنذر، ولا ينعقد نذر قصدها، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً إلا محمد بن مسلمة المالكيّ، فقال: إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده؛ لأن النبيّ ﷺ كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا. وقال الليث بن سعد: يلزمه قصد ذلك المسجد أيّ مسجد كان، وعلى

стр. 14507

مذهب الجماهير لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شيء، وقال أحمد: يلزمه كفارة يمين. واختَلَف العلماء في شدّ الرحال، وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجوينيّ من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام الحرمين، والمحققون أنه لا يحرم، ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامّة إنما هي في شدّ الرحال إلى هذه الثلاثة خاصّة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامح عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه أبو محمد الْجُوينيّ، وتبعه القاضي عياض من تحريم شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد هو الحقّ؛ لظاهر هذا الحديث، وسيأتي هذا البحث مستوفًى في أواخر "كتاب الحج" -إن شاء الله تعالى-. (وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) يحتمل أن تكون "لا" ناهية، الفعل مجزوم بها، وكُسر؛ لالتقاء الساكنين، ويَحْتَمل أن تكون نافيةً، والفعل مرفوع، والمراد من النفي النهي الأكيد، كما سبق، والوجه الأول يؤيّده قوله: "لا تَشُدُّوا الرحال" (يَوْمَيْنِ) هذا لا يعارض ما سبق بلفظ "ثلاثًا"، وكذا الآتي بلفظ: "مسيرة يوم وليلة"؛ لأنه مما خرج مخرج جواب السؤال، على ما تقدّم بيانه (مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا) أي: صاحب حرمة بسبب النسب، أو المصاهرة، أو الرضاع (أَوْ زَوْجُهَا")، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٦٢ و ٣٢٦٣ و ٣٢٦٤ و ٣٢٦٥ و ٣٢٦٦،

стр. 14508

(١٣٣٨)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (١١٨٨ و ١١٩٧) و"الحجّ" (١٨٦٤) و"الصوم" (١٩٩٢ و ١٩٩٥)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٢٦)، و (ابن ماجه) في "الصلاة" (١٢٤٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٥٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٧ و ٣٤ و ٥١ و ٥٩ و ٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢ - ١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦١٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٣٤٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٣٧٧ و ٣٩٣)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٢٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٥٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٥٠)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: تكلّم الدارقطنيّ ﵀ في إسناد هذا الحديث، فقال في "العلل": (٢٣٠٠) - وسئل عن حديث قَزَعَة بن يحيى، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ : "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ولا تسافر المرأة … ". فقال: اختُلِف فيه على قَزَعَة فرواه المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، وعُمارة بن عُمير، وقتادة، وعبد الملك بن عُمير، وقيل: عن عبد الملك بن ميسرة، ولا يصحّ، عن قَزَعة، عن أبي سعيد. ورواه يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعَة، عن أبي سعيد، واختُلِف عنه، فرواه سُويد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن أبي سعيد. وخالفه صدقة بن خالد، فرواه عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال محمد بن شعيب بن شابور، عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ. ورواه طلق بن حبيب، عن قَزَعة، عن ابن عمر، واختُلِف عن ابن عيينة، فرواه الحرب بن سريج، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن طَلْق، عن قَزَعة، عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه غيره من أصحاب ابن عيينة موقوفًا. وكذلك رواه وَرْقاء وغيره عن عمرو موقوفًا، والصحيح قول من قال: عن قَزَعَة، عن أبي سعيد. انتهى كلام الدارقطنيّ ﵀ (١).

стр. 14509

قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ ﵀ أن رواية الشيخين لهذا الحديث هي الصحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعًا، فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي: نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فَأَعْجَبْنَنِي، وَآنَقْنَنِي) قال القاضي عياض ﵀: معنى "آنقنني": أعجبنني، وإنما كرر المعنى، لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيرًا للبيان والتوكيد، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٥٧] والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية [الأنفال: ٦٩]، والطيب هنا الحلال، ومنه قول الْحُطيئة [من الطويل]: أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بِهَا هِنْدٌ … وَهْنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ وقال آخر [من الوافر]: يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ … يَا لَلْكُهُولِ وَللشُّبَّانِ مُغْتَرِبُ ومثله في حديث ابن مسعود ﵁: "إذا وقعت في آل حاميم وقعت في روضات أتأنّق فيهنّ"، قال أبو عبيد: أي أتتبع محاسنهنّ، وقال أبو حمزة: معناه: أستلذّ بقراءتهنّ، والأنَقُ: الفرَح والسرور، والشيء الأنيق: العجِبُ،

стр. 14510

والمونَق المعجَب، ومنه منظرٌ مونقٌ. انتهى (١). وقوله: (وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ) الضمير لشعبة ﵀. [تنبيه]: رواية شعبة، عن عبد الملك بن عُمير هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١١٩٧) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك، سمعت قَزَعَة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ ﵁ يحدِّث بأربع عن النبيّ ﷺ ، فأعجبنني، وآنقنني، قال: "لا تسافر المرأة يومين، إلا معها زوجها، أو ذو محرم، ولا صومَ في يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، ولا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي". وأخرجه أيضًا في "الحج"، فقال: (١٨٦٤) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن قَزَعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد، وقد غزا مع النبيّ ﷺ ثنتي عشرة غزوةً، قال: أربع سمعتهن من رسول الله ﷺ ، أو قال: يُحدّثهن عن النبيّ ﷺ : "فأعجبنني، وآنقنني: أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين، ليس معها زوجها، أو ذو محرم، ولا صومَ يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُسَافِر الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ").

стр. 14511

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه يدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٣ - (سَهْمُ بْنُ مِنْجَابِ) بن راشد الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، والعلاء بن الحضرميّ، وقَرْثَع الضبيّ، وقَزَعة بن يحيى. وروى عنه إبراهيم النخعيّ، وأبو خَلْدة عمرو بن دينار الكوفيّ، وأبو سنان ضِرَار بن مُرّة الشيبانيّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، لكنه فرّق بين الذي يروي عن العلاء، فذكره في التابعين، وبين الذي يروي عن قَزَعة وقرثع، فذكره في أتباع التابعين، فالله أعلم، ولَمّا ذكر البخاري في "تاريخه" سهم بن مِنجاب الراوي عن العلاء بن الحضرميّ نسبه سعديًّا، وهذا مما يؤيّد أنه غير الضبيّ، قاله الحافظ ﵀ (١). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ

стр. 14512

قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٢ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.

стр. 14513

والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، وقد ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٤/ ١٣) إلا أنه بلفظ هشام الدستوائيّ، ودونك نصّه: (٣١١٦) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، أنبأ أحمد بن علي بن المثنى، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن قَزَعة، عن أبي سعيد، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تسافر المرأة فوق ثلاث ليال، إلا مع ذي محرم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٧] (١٣٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ، ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (لَيْثُ) بن سعيد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قريبًا. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٣ - (أَبُوهُ) أبو سعيد كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي. "وقتيبة" ذُكر في الباب. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) كيسان المقبريّ، وقد اختلف الرواة في زيادة: "عن أبيه"، وسيأتي البحث في ذلك في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ) أي: شابّة، أو عجوز (مُسْلِمَةٍ) وفي الرواية التالية: "لا يحل لامرأة

стр. 14514

تؤمن بالله، واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم"، ومفهوم هذا أن النهي المذكور يختصّ بالمؤمنات، فتخرج الكافرات، كتابيّة كانت، أو حربيّة، وقد قال به بعض أهل العلم، وأجيب بأن الإيمان هو الذي يستمرّ للمتّصف به خطاب الشرع، فينتفع به، وينقاد له، فلذا قيّده به، أو أن الوصف ذُكر لتأكيد التحريم، ولم يُقصَد به إخراج ما سواه، أفاده في "الفتح" (١). (تُسَافِرُ) بتقدير "أن" المصدريّة؛ أي: أن تسافر، وكذا الروايات التالية، وحذف "أن" ورفعُ الفعل جائز في سعة الكلام، كما في قوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وأما حذفها، ونصب الفعل فشاذّ إلا في المواضع المعروفة، كما قال في "الخلاصة": وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى ومنه قول الشاعر [من الطويل]: أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي بنصب "أحضُرَ". وفي رواية للبخاريّ: "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر". (مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ) بنصب "مسيرةَ" على الظرفيّة، وهو مصدر ميميّ بمعنى السير؛ كالمعيشة بمعنى العيش، واختلفت الرواية عن أبي هريرة ﵁ في ذكر المدة، ففي هذه الرواية: "مسيرة ليلة"، وفي الرواية التالية: "مسيرة يومٍ"، وفي الرواية الرابعة: "أن تسافر ثلاثًا"، وفي رواية للشيخين: "مسيرة يوم وليلة"، وفي رواية لأبي داود: "بريدًا"، وقد تقدم الكلام في ذلك، وأنه ليس المراد التحديد، بل المدار على ما يُسَمَّى سفرًا، والاختلاف إنما وقع لاختلاف السائل والمواطن، وليس هو من المطلق والمقيد، بل من العام الذي ذُكرت بعض أفراده، وذا لا يُخَصِّص على الأصح (٢). (إِلَّا وَمَعَهَا رَجُلٌ، ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا") وفي رواية: "إلا مع ذي محرم"، وفي أخرى: "إلا مع ذي محرم عليها"، وفي أخرى: "إلا ومعها رجل ذو محرم منها"، وكلّها عند المصنّف، وفي رواية للبخاريّ: "ليس معها حرمة"، هكذا

стр. 14515

وقع في الروايات، قيل: والظاهر أن لفظ "ذو" مُقْحَمٌ، فإن المحرم للمرأة هو من لا يَحِلّ له نكاحها، وقيل: المراد "ذو رَحِمٍ محرم"؛ أي: ذو قرابة مُحَرَّم تزوجها، قال في "القاموس": ورَحِمٌ مُحَرَّمٌ، محرم تزوُّجها. قال "صاحب تيسير العلام": المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها؛ لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها الذين يرون أن النَّيْل منها نَيْلٌ من شرفهم وعرضهم، والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية، يكون مُعَرَّضًا لفتن الشيطان ووساوسه؛ لهذه المحاذير التي هي وسيلة في وقوع الفاحشة، وانتهاك الأعراض، حَرَّم الشارع على المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم. قال: واختلفوا هل المرأة مستطيعة الحجّ بدون المحرم، إذا كانت ذات مال، أم أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟ والصحيح أنه لا يحل لها الخروج بدون محرم لأيّ سفر، فتكون معذورة غير مستطيعة. قال: واختلفوا في الكبيرة التي لا تميل إليها النفس، هل تسافر بدون محرم؟ أم لا بد من المحرم؟ والصحيح الأخير؛ لأن الحديث عامّ في كل امرأة، ولا يخلو الأمر من محذور، فلكل ساقطة لاقطة. قال: واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة، أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقةٌ أم لا؟ والصحيح أنه لا بُدّ من المحرم؛ لعموم الحديث، ولأن غيرة المحرم، ونظره مفقودان. واختلفوا في تحديد السفر تبعًا لاختلاف الأحاديث، والأحوط أن يؤخذ بأقلها؛ لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين حسب حال السائل، والله أعلم. قال: وإذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة، والآداب العالية، والغيرة الكريمة، والشهامة النبيلة، والمحافظة على الفروج والأعراض، وحفظ الأنساب، وجدت كثيرًا من المسلمين، قد نبذوا دينهم وراءهم ظهريًّا، ومَرَقُوا منه، وصار التصوّن والحياء عندهم ضربًا من الرجعية والجمود، وأما الانحلال الخلقيّ، وخلعُ رداء الحياء والعفاف، فهو التقدّم،

стр. 14516

والرُّقِيَّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، وما أحقّه أن يُكتب بماء الذهب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٦٧ و ٣٢٦٨ و ٣٢٦٩ و ٣٢٧٠] (١٣٣٩)، و (البخاريّ) في "تقصير الصلاة" (١٠٨٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٢٣ و ١٧٢٤)، و (الترمذيّ) في "الرضاع" (١١٧٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٨٩٩)، و (مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٩٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٠ و ٣٤٠ و ٤٢٣ و ٤٣٧ و ٤٤٥ و ٤٩٣ و ٥٠٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٢٣ و ٢٥٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦/ ٤٣٥ - ٤٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٣٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قد تكلّم الحفّاظ في حديث أبي هريرة ﵁ هذا: قال النوويّ ﵀-بعد إيراده الحديث من رواية يحيى بن يحيى، عن مالك الآتي بعد حديث- ما نصّه: وقع هذا الحديث في نسخ بلادنا: "عن سعيد، عن أبيه"، قال القاضي عياض: وكذا وقع في النسخ عن الْجُلُوديّ، وأبي العلاء، والكسائيّ، وكذا رواه مسلم في الإسناد السابق قبل هذا عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد، عن أبيه، وكذا رواه البخاريّ ومسلم من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه. قال: واستدرك الدارقطنيّ عليهما إخراجهما هذا عن ابن أبي ذئب، وعلى مسلم إخراجه إياه عن الليث، عن سعيد، عن أبيه، وقال: الصواب عن سعيد، عن أبي هريرة، من غير ذكر أبيه، واحتَجَّ بأن مالكًا، ويحيى بن أبي كثير، وسهيلًا قالوا: عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، ولم يذكروا عن أبيه، قال: والصحيح عن مسلم في حديثه هذا عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن

стр. 14517

سعيد، عن أبي هريرة، من غير ذكر أبيه، وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقيّ، وكذا رواه معظم رواة "الموطأ" عن مالك. قال الدارقطنيّ: ورواه الزهرانيّ والقرويّ عن مالك، فقالا: عن سعيد، عن أبيه. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١). قال النوويّ: وذكر خلف الواسطيّ في "الأطراف" أن مسلمًا رواه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكذا رواه أبو داود، في "كتاب الحج" من "سننه"، والترمذيّ في "النكاح" عن الحسن بن عليّ، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيحٌ، ورواه أبو داود في "الحج" أيضًا عن القعنبيّ، والعلاء، عن مالك، عن يوسف بن موسى، عن جرير، كلاهما عن سهيل، عن سعيد، عن أبي هريرة. فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه، فلعله سمعه من أبيه، عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه، فرواه تارةً كذا، وتارةً كذا، وسماعه من أبي هريرة صحيحٌ معروفٌ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢). وقال الإمام البخاريّ ﵀ بعد إخراج الحديث من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ ما نصّه: تابعه يحيى بن أبي كثير، وسهيلٌ، ومالكٌ، عن المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁. انتهى. قال في "الفتح": قوله: تابعه يحيى بن أبي كثير، وسهيلٌ، ومالكٌ، عن المقبريّ -يعني سعيدًا- عن أبي هريرة -يعني لم يقولوا: عن أبيه- فعلى هذا فهي متابعة في المتن، لا في الإسناد، على أنه قد اختُلِف على سهيل، وعلى مالك فيه، وكأن الرواية التي جزم بها المصنّف أرجح عنده عنهم. ورجح الدارقطنيّ أنه عن سعيد، عن أبي هريرة، ليس فيه "عن أبيه"، كما رواه معظم رواه "الموطأ"، لكن الزيادة من الثقة مقبولةٌ، ولا سيما إذا كان حافظًا، وقد وافق ابن أبي ذئب على قوله: "عن أبيه" الليثُ بنُ سعد، عند أبي داود، والليثُ، وابنُ أبي ذئب من أثبت الناس في سعيد.

стр. 14518

قال: فأما رواية يحيى، فأخرجها أحمد، عن الحسن بن موسى، عن شيبان النحويّ، عنه، ولم أجد عنه فيه اختلافًا، إلا أن لفظه: "أن تسافر يومًا إلا مع ذي محرم"، ويُحْمَل قوله: "يومًا" على أن المراد به اليوم بليلته، فيوافق رواية ابن أبي ذئب. وأما رواية سهيل، فذكر ابن عبد البر أنه اضطُرِب في إسنادها ومتنها، وأخرجه ابن خزيمة من طريق خالد الواسطيّ، وحماد بن سلمة، وأخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم، من طريق جرير، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد، عن أبي هريرة، كما علَّقه البخاريّ، إلا أن جريرًا قال في روايته: "بَرِيدًا" بدل "يومًا"، وقال بشر بن المفضل، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أبدل سعيدًا بأبي صالح، وخالف في اللفظ أيضًا، فقال: "تسافر ثلاثًا"، أخرجه مسلم. ويَحْتَمِل أن يكون الحديثان معًا عند سهيل، ومن ثَمَّ صحح ابن حبان الطريقين عنه، لكن المحفوظ عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كما تقدمت الإشارة إليه. وأما رواية مالك فهي في "الموطأ"، كما قال البخاريّ، وأخرجها مسلم، وأبو داود، وغيرهما، وهو المشهور عنه، ورواها بشر بن عمر الزهرانيّ عنه، فقال: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأبو عوانة، وابن خزيمة من طريقه، وقال ابن خزيمة: إنه تفرد به عن مالك، وفيه نظرٌ؛ لأن الدارقطنيّ أخرجه في "الغرائب" من رواية إسحاق بن محمد الفرويّ، عن مالك كذلك، وأخرجه الإسماعيليّ، من طريق الوليد بن مسلم، عن مالك، والمحفوظ عن مالك ليس فيه قوله: "عن أبيه"، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله في رواية مالك: "وأخرجها مسلم" يقتضي أن رواية مالك عند مسلم بإسقاط "عن أبيه"، لكن الموجود في النسخ عندنا بإثباتها، كما سبق في كلام القاضي عياض، والنوويّ، فتنبّه. والذي يظهر لي أن هذا الحديث مما سمعه سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، وسمعه أيضًا عن أبي هريرة، فكان يحدّث بالوجهين، قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": سمع هذا الخبرَ سعيدٌ المقبريّ عن أبي هريرة،

стр. 14519

وسمعه من أبيه، عن أبي هريرة ﵁، فالطريقان جميعًا محفوظان. انتهى (١). وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: هكذا رواه جماعة الرواة لـ"الموطأ" عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، ورواه بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان سعيد بن أبي سعيد فيما يقولون: قد سمع من أبي هريرة، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة، كذا قال ابن معين وغيره، فجعلها كلها أحيانًا عن أبي هريرة. انتهى (٢). والحاصل أن جعْله مما رواه سعيد المقبريّ بالوجهين: عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة نفسه، أولى من تخطئة رواية مسلم وغيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14520

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا"). رجال الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. والحديث مضى الكلام فيه في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٧٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) السمّان المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.

стр. 14521

و"أبو هريرة" ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧١] (١٣٤٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمٍ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوْ ابْنُهَا، أَوْ زوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا") (١). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا) من عطف العامّ على الخاصّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).

стр. 14522

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع)، وهو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (٢٨٨٩) - حدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسافر المرأة سفرًا ثلاثة أيام فصاعدًا، إلا مع أبيها، أو أخيها، أو ابنها، أو زوجها، أو ذي محرم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٣] (١٣٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، يَقُولُ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِر الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم"، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كذَا وَكذَا، قَالَ: "انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤. ٣ - (أَبُو مَعْبَدٍ) نافذ -بالذال المعجمة- مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.

стр. 14523

٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيخيه أيضًا، فالأول كوفيّ، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن أبي معبد، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من طبقة واحدة. ٥ - (ومنها): أنه فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الموحّدة- اسمه نافذ، قال في "الفتح": كذا رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، وابن عيينة، كلاهما عن عمرو، عن أبي معبد به، ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر، أخرجه عبد الرزاق وغيره، عن ابن عيينة عنه، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "أين نزلت؟ " قال: على فلانة، قال: "أغلقت عليها بابك؟ -مرتين- لا تحجنّ امرأة إلا ومعها ذو محرم"، ورواه عبد الرزاق أيضًا عن ابن جريج، عن عمرو، أخبرني عكرمة، أو أبو معبد، عن ابن عباس، قال الحافظ: والمحفوظ في هذا مرسلُ عكرمة، وفي الآخر رواية أبي معبد، عن ابن عباس ﵄. انتهى (١). (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، يَقُولُ:

стр. 14524

"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) قال النوويّ ﵀: هذا استثناء منقطعٌ؛ لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوةٌ، فتقدير الحديث: لا يقعدنّ رجل مع امرأة، إلا ومعها محرم. انتهى (١). وقال في "الفتح": فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع، لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا؛ كالنسوة الثقات؟ والصحيح الجواز؛ لضعف التهمة به، وقال القفّال: لا بُدّ من المحرم، وكذا في النسوة الثقات في سفر الحجّ لا بدّ من أن يكون مع إحداهنّ محرم، ويؤيده نصّ الشافعيّ أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات، إلا أن تكون إحداهنّ محرمًا له. انتهى. وقال النوويّ ﵀: وقوله ﷺ : "ومعها ذو محرمٌ" يَحْتَمِل أن يريد محرمًا لها، ويَحْتَمِل أن يريد محرمًا لها أو له، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء، فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها؛ كابنها، وأخيها، وأمها، وأختها، أو يكون محرمًا له؛ كأخته، وبنته، وعمته، وخالته، فيجوز القعود معها في هذه الأحوال. ثم إن الحديث مخصوص أيضًا بالزوج، فإنه لو كان معها زوجها، كان كالمحرم، وأولى بالجواز، وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، فهو حرام بإتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يُسْتَحَى منه؛ لصغره، كابن سنتين، وثلاث، ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام، بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة أجانب، فإن الصحيح جوازه. قال: والمختار أن الخلوة بالأمرد الأجنبي الحسن كالمرأة، فتحرم الخلوة به، حيث حرمت بالمرأة، إلا إذا كان في جمْع من الرجال المصونين. قال الجامع عفا الله عنه: تحريم الخلوة بالأمرد الحسن مما لا دليل عليه، فقد كان في أولاد الصحابة ﵃ من كان صبيح الوجه، فما نهى النبيّ ﷺ عن الخلوة بهم، وكذا لم يوجد من الخلفاء الراشدين، ولا من غيرهم من الصحابة النهي عن ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 14525

قال: قال أصحابنا: ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها بين الخلوة في صلاة، أو غيرها، ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة، بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق، أو نحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا اختلاف فيه، ويدلّ عليه حديث عائشة ﵂ في قصة الإفك. انتهى (١). (وَلَا تُسَافِر الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم") تقدّم شرح هذه الجملة قريبًا (فَقَامَ رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم الرجل، ولا امرأته، ولا على تعيين الغزوة المذكورة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً) أي: مريدة أداء الحجّ (وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: كَتَبْتُ نفسي في أسماء مَن عُيِّن في تلك الغزوة، وقال القرطبيّ: أي ألزمت، وأثبتّ نفسي في ديوان ذلك البعث. انتهى (٢). (فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية للبخاريّ: "فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجّ"، قال ابن الْمُنَيِّر: الظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع، فيؤخذ منه أن الحجّ على التراخي؛ إذ لو كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عُيِّنوا في تلك الغَزَاة، قال الحافظ: كذا قال، وليس ما ذكره بلازم؛ لاحتمال أن يكونوا قد حَجُّوا قبل ذلك مع مَن حجّ في سنة تسع، مع أبي بكر الصديق ﵁، أو أن الجهاد قد تعيّن على المذكورين بتعيين الإمام، كما لو نزل عدوّ بقوم، فإنه يتعيّن عليهم الجهاد، ويتأخر الحج اتفاقًا. انتهى. (قَالَ) ﷺ ("انْطَلِقْ) أي: اذهب (فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ") قال القرطبيّ ﵀: هو فسخٌ لِمَا كان التزم من المضيّ للجهاد، ويدل: على تأكُّد أمر صيانة النساء في الأسفار، وعلى أن الزوج أحقّ بالسفر مع زوجته من ذوي رحمها، ألا ترى أنه ﷺ لم يسأله هل لها محرم أم لا؟ ولأن الزوج يَطّلع من الزوجة على ما لا يَطّلع منها ذو المحرم، فكان أولى، فإذًا قوله ﷺ في الأحاديث: "إلا ومعها ذو محرمٍ"؛ إنما خرج خطابًا لمن لا زوج لها، والله تعالى أعلم. انتهى (٣).

стр. 14526

وفي رواية البخاريّ: "فقال: اخرُج معها"، قال في "الفتح": قوله: "اخرج معها" أخذ بظاهره بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجهٌ للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه؛ كالوليّ في الحج عن المريض، فلو امتَنَع إلا بأجرة لزمها؛ لأنه من سبيلها، فصار في حقها كالمؤنة. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن قال بقوله، من وجوب سفر الزوج مع امرأته إذا لم يوجد لها محرم غيره هو الأرجح؛ لظاهر أمره ﷺ في هذا الحديث، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: واستُدِلّ به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها؛ لكون الحج على التراخي. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله الإمام أحمد ﵀ من أنه ليس له أن يمنعها عن فرض الحج، هو الأظهر، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وأما ما رواه الدارقطنيّ من طريق إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا في امرأة لها زوج، ولها مالٌ، ولا يأذن لها في الحج، فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها. فأجيب عنه بأنه محمول على حجّ التطوع عملًا بالحديثين. ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل مَنْع زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا. واستَنْبَطَ منه ابن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج، ولا محرم؛ لكونه ﷺ لم يأمر بردّها، ولا عاب سفرها. وتُعُقّب بأنه لو لم يكن ذلك شرطًا لَمَا أمر زوجها بالسفر معها، وتركه الغزو الذي كُتب فيه، ولا سيّما وقد رواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، بلفظ: "فقال رجل: يا رسول الله! إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا"، فلو لم يكن شرطًا ما رخّص له في ترك النذر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم

стр. 14527

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٧٣ و ٣٢٧٤ و ٣٢٧٥] (١٣٤١)، و (البخاريّ) في "جزاء الصيد" (١٨٦٢) و"الجهاد" (٣٠٠٦ و ٣٠٦١) و"النكاح" (٥٢٣٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢/ ٩٦٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٨٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢ و ٣٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ١٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٣١ و ٣٧٥٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٢٧٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢٦) و"المعرفة" (٤/ ٢٥١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي عن سفر المرأة بدون محرم لحجّ، أو غيره. ٢ - (ومنها): تحريم الخلوة بالأجنبيّة. ٣ - (ومنها): جواز الخلوة بالمرأة إذا كان معها زوج، أو محرم. ٤ - (ومنها): أن فيه تقديم الأهم، فالأهم، من الأمور المتعارضة، فإنه لَمّا عَرَضَ له الغزو والحج رَجَّح الحجّ؛ لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها، بخلاف الغزو، والله أعلم. ٥ - (ومنها): أن الحج في حقّ مثله أفضل من الجهاد؛ لأنه اجتمع له مع حج التطوع في حقّه تحصيل حجّ الفرض لامرأته، وكان اجتماع ذلك له أفضل من مجرّد الجهاد الذي يحصل المقصود منه بغيره (١).

стр. 14528

٦ - (ومنها): مشروعيّة كتابة الجيش. ٧ - (ومنها): نظر الإمام لرعيّته بالمصلحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٤] (. . .) (وَحَدَّثَنَاه أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا قريبًا. و"عمرو" هو: ابن دينار المذكور قبله. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٨٦٢) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجّ، فقال: "اخرُج معها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب.

стр. 14529

٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) المكيّ، مقبول [٨] (خت م ق) تقدم في "الحج" ٢٣/ ٢٩٨٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) لم يتقدّم لابن جريج ذكرٌ في السند الماضي، فكان الأولى للمصنّف ﵀، كما جرت به عادته أن يذكر هنا شيخَ ابن جريج، وهو عمرو بن دينار، حتى تكون الإحالة واضحةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٣٠٦١) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني كُتِبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجّة، قال: "ارجع، فَحُجّ مع امرأتك". انتهى. [تنبيه آخر]: هذا الحديث آخر الفَوَات الذي لم يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان: من الإمام مسلم ﵀، وقد سبق بيان أوله عند أحاديث: "رحم الله المحلِّقين والمقصرين"، رقم [٥٢/ ٣١٤٥] (١٣٠١)، فعدة ما فاته سماعه من الأحاديث (١٢٨) حديثًا. ومن هنا قال أبو إسحاق: حدّثنا مسلم بن الحجاج، قال: وحدّثني هارون بن عبد الله، قال: حدّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير … الحديث، وهو أول الباب الذي يُذكر متصلًا بهذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٢) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٦] (١٣٤٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ

стр. 14530

عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ، خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ"، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (أبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (عَلِيٌّ الْأزدِيُّ) هو: عليّ بن عبد الله الأزديّ، أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقيّ، صدوقٌ (١) [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبيد بن عُمير، وأرسل عن زيد بن حارثة. وروى عنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه، ويعلى بن عطاء العامريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعثمان بن أبي سليمان، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وغيرهم.
следующие страницы →