← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14526–14565 · переход к 14531.

стр. 14526

وفي رواية البخاريّ: "فقال: اخرُج معها"، قال في "الفتح": قوله: "اخرج معها" أخذ بظاهره بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجهٌ للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه؛ كالوليّ في الحج عن المريض، فلو امتَنَع إلا بأجرة لزمها؛ لأنه من سبيلها، فصار في حقها كالمؤنة. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن قال بقوله، من وجوب سفر الزوج مع امرأته إذا لم يوجد لها محرم غيره هو الأرجح؛ لظاهر أمره ﷺ في هذا الحديث، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: واستُدِلّ به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها؛ لكون الحج على التراخي. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله الإمام أحمد ﵀ من أنه ليس له أن يمنعها عن فرض الحج، هو الأظهر، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وأما ما رواه الدارقطنيّ من طريق إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا في امرأة لها زوج، ولها مالٌ، ولا يأذن لها في الحج، فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها. فأجيب عنه بأنه محمول على حجّ التطوع عملًا بالحديثين. ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل مَنْع زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا. واستَنْبَطَ منه ابن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج، ولا محرم؛ لكونه ﷺ لم يأمر بردّها، ولا عاب سفرها. وتُعُقّب بأنه لو لم يكن ذلك شرطًا لَمَا أمر زوجها بالسفر معها، وتركه الغزو الذي كُتب فيه، ولا سيّما وقد رواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، بلفظ: "فقال رجل: يا رسول الله! إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا"، فلو لم يكن شرطًا ما رخّص له في ترك النذر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم

стр. 14527

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧١/ ٣٢٧٣ و ٣٢٧٤ و ٣٢٧٥] (١٣٤١)، و (البخاريّ) في "جزاء الصيد" (١٨٦٢) و"الجهاد" (٣٠٠٦ و ٣٠٦١) و"النكاح" (٥٢٣٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢/ ٩٦٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٨٦)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢ و ٣٤٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ١٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٣١ و ٣٧٥٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٢٧٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢٦) و"المعرفة" (٤/ ٢٥١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي عن سفر المرأة بدون محرم لحجّ، أو غيره. ٢ - (ومنها): تحريم الخلوة بالأجنبيّة. ٣ - (ومنها): جواز الخلوة بالمرأة إذا كان معها زوج، أو محرم. ٤ - (ومنها): أن فيه تقديم الأهم، فالأهم، من الأمور المتعارضة، فإنه لَمّا عَرَضَ له الغزو والحج رَجَّح الحجّ؛ لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها، بخلاف الغزو، والله أعلم. ٥ - (ومنها): أن الحج في حقّ مثله أفضل من الجهاد؛ لأنه اجتمع له مع حج التطوع في حقّه تحصيل حجّ الفرض لامرأته، وكان اجتماع ذلك له أفضل من مجرّد الجهاد الذي يحصل المقصود منه بغيره (١).

стр. 14528

٦ - (ومنها): مشروعيّة كتابة الجيش. ٧ - (ومنها): نظر الإمام لرعيّته بالمصلحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٤] (. . .) (وَحَدَّثَنَاه أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا قريبًا. و"عمرو" هو: ابن دينار المذكور قبله. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٨٦٢) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبيّ ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجّ، فقال: "اخرُج معها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب.

стр. 14529

٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) المكيّ، مقبول [٨] (خت م ق) تقدم في "الحج" ٢٣/ ٢٩٨٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) لم يتقدّم لابن جريج ذكرٌ في السند الماضي، فكان الأولى للمصنّف ﵀، كما جرت به عادته أن يذكر هنا شيخَ ابن جريج، وهو عمرو بن دينار، حتى تكون الإحالة واضحةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٣٠٦١) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني كُتِبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجّة، قال: "ارجع، فَحُجّ مع امرأتك". انتهى. [تنبيه آخر]: هذا الحديث آخر الفَوَات الذي لم يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان: من الإمام مسلم ﵀، وقد سبق بيان أوله عند أحاديث: "رحم الله المحلِّقين والمقصرين"، رقم [٥٢/ ٣١٤٥] (١٣٠١)، فعدة ما فاته سماعه من الأحاديث (١٢٨) حديثًا. ومن هنا قال أبو إسحاق: حدّثنا مسلم بن الحجاج، قال: وحدّثني هارون بن عبد الله، قال: حدّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير … الحديث، وهو أول الباب الذي يُذكر متصلًا بهذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٢) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٦] (١٣٤٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ

стр. 14530

عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ، خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ"، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (أبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (عَلِيٌّ الْأزدِيُّ) هو: عليّ بن عبد الله الأزديّ، أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقيّ، صدوقٌ (١) [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبيد بن عُمير، وأرسل عن زيد بن حارثة. وروى عنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه، ويعلى بن عطاء العامريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعثمان بن أبي سليمان، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وغيرهم.

стр. 14531

قال ابن عديّ: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به، ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه وَثَّقه، وقال منصور، عن مجاهد: كان علي الأزديّ يختم القرآن في رمضان كل ليلة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر الخطّاب ﵄، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وعليّ الأزديّ، كما أسلفتهُ آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، فانتفت تهمة التدليس من ابن جريج، وأبي الزبير. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﵄، وقد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: عن أبي الزبير المكيّ (أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (عَلَّمَهُمْ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ) أي: استقرّ على ظهر مركوبه (خَارِجًا) أي: من البلد، مائلًا أو منتهيًا (إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا) لعل الحكمة أن الْمَقام مقام علو، وفيه نوع عظمة، فاستحضر عظمة خالقه، ويؤيده أن المسافر إذا صَعِد عاليًا كبّر، وإذا نزل سبّح، ويمكن أن يكون التكبير للتعجب من التسخير. (ثُمَّ قَالَ) أي: قرأ، أي قال بنيّة القراءة؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. (" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾) أي: ذلل لنا هذا المركوب، فانقاد لنا، لا ضعفًا، بل لتسخير الله تعالى إياه لنا (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾) أي: مطيقين

стр. 14532

قبل ذلك، أو المعنى: لولا تسخيره ما كنا جميعًا مقتدرين على ركوبه، مِن أقرن له: إذا أطاقه، وقَوِي عليه، وهو اعتراف بعجزه، وأن تمكنه من الركوب عليه إنما هو بإقدار الله تعالى وتسخيره له. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: مُطيقين، قاله ابن عباس. قال الشاعر [من الوافر]: لَقَدْ عَلِمَ القَبَائلُ مَا عَقِيلٌ … لَنَا فِي النَّائِبَاتِ بِمُقْرِنِينَا أي: بمطيقين، وقال الأخفش: ضابطين، وقال قتادة: مماثلين، من الْقِرْن في القتال، وهو المِثل، ويَحْتَمِل أن يكون من المقارنة؛ أي: الملازمة. انتهى (١). (﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾) أي: لا إلى غيره (﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾) أي: راجعون، وهذا تنبيهٌ على المطالبة بالشكر على ما أنعم، وعلى العدل فيما سخر، وقيل: معنى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر، واللام للتأكيد، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبّه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، قال البيضاوي ﵀: اتصال قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ بما قبله؛ لأن الركوب للنقل، والنُّقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعدّ للقاء الله، يعني مِن شكر هذه النعمة أن يذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سَخَّر له ما لم يكن في المبدأ مطيقًا له، ولا يجد في المنتهى بُدًّا من النزول عنه، كذا في "اللمعات". وقال الطيبيّ: الانقلاب إليه تعالى هو السفر الأعظم، فينبغي أن يتزوّد له. انتهى. وهذا الدعاء يُسَنّ عند ركوب أيّ دابة كانت، لسفر أو غيره، فقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ المراد به الإبل؛ لغالب الواقع في بلاد العرب،

стр. 14533

وقول الراوي: "خارجًا إلى سفر" حكاية للحال، ودلالة على ضبط المقال (١). (اللَّهُمَّ) وفي رواية أحمد (٢)، والترمذيّ: "ثم يقول: اللهم" (إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ) أي: العمل الصالح، والخلُق الحسن (وَالتَّقْوَى) أي: الخوف الحامل على التحرّز من المعاصي والمكروه، أو المراد من البرّ: الإحسان إلى الناس، أو من الله إلينا، ومن التقوى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (وَمِنَ الْعَمَلِ) أي: جنسه (مَا تَرْضَى) به عنّا (اللَّهُمَّ هَوِّنْ) أمرٌ من التهوين؛ أي: يسِّر (عَلَيْنَا سَفَرَنَا) منصوب على المفعوليّة لـ "هَوِّنْ"، وقوله: (هَذَا) عطف بيان، أو بدل من"سفرنا"، وفي رواية الترمذيّ: "اللهم هوِّن علينا المسير" (وَاطْوِ) أمرٌ من طَوَى يَطوِي طَيًّا، من باب رمى يرمي رَمْيًا (عَنَّا بُعْدَهُ) وفي رواية: "لنا بُعده" أي: قَرِّب لنا بُعْدَ هذا السفر، قيل: هو عبارة عن تيسير السير بإعطاء القوّة له، ولمركوبه، وقيل: معناه: اطْوِ لنا بُعْدَه حقيقةً، أو المراد: خَفِّف مشاقه. والأظهر حمله على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك، ففي رواية أبي داود: "اللهم اطو لنا البعد"، وأخرج الترمذيّ، وحسنه، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان أنه ﷺ قال لرجل: "اللهم اطو له الأرض، وهوّن عليه السفر"، فقد دعا بطيّ الأرض، والله تعالى يفعل ما يشاء، يطوي المكان، ويطوي الزمان، والمعنى: ارفع عنا مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة لنا حسًّا، والله تعالى أعلم. (اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ) أي: الحافظ والمعين، يعني أنك أنت الصاحب الذي تصحبنا بحفظك ورعايتك، والصاحب في الأصل الملازِم، وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ، وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي الصحبة في السفر، يبتغيها للاستيناس بذلك، والاستظهار به، والدفاع لما ينوبه من النوائب، فنبّه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه، وكمال الاكتفاء عن صاحب سواه، قال البغويّ ﵀: قوله: "أنت الصاحب في السفر" أي: الحافظ، يقال: صَحِبك الله؛ أي: حَفِظك، وقوله : ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا

стр. 14534

﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي: لا يُجارون، ومن صَحِبه الله لم يضرّه شيء. انتهى. (وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ) أي: الذي يخلفنا في أهلينا بإصلاح أحوالهم، بعد مغيبنا، وانقطاع نظرنا عنهم. و"الخليفة": من ينوب عن المستخلِف فيما يستخلفه فيه، يعني الذي يقوم مقام أحد في إصلاح أمره، والمعنى هنا: أنت الذي أرجوه، وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن يَلُمّ شعثهم، ويُثَقِّف أَوَدَهم، ويداوي سَقَمهم، ويحفظ عليهم دينهم، وأمانتهم. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ) أي: أستجير، وأتحصّن (بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) -بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وبالمد- أي: شدّته، ومشقّته، وتعبه، وأصله من الْوَعْث، وهو الرمل، والمشي فيه يشتدّ على صاحبه، ويشُقّ، ويقال: رملٌ أوعث، ورملة وعثاء؛ أي: لمّا يشتد فيه السير لِلِينه، ثم قيل للشدة والمشقة: وعثاء على التمثيل، وقال التوربشتيّ: وعثاء السفر: مشقته، أُخِذ من الوَعْث، وهو المكان السهل الكثير الدهس الذي يُتْعِب الماشي فيه، ويشقّ عليه. (وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ) قال الجزريّ ﵀: المنظر هو ما ينظر إليه من أهله، وماله، وحاله، والكآبة -بفتح الكاف، وبالمد- هي تغير النفس بالانكسار من شدّة الهمّ والحزن، يقال: كَئِب كآبةً، واكتئب، فهو مكتئب، وكئيب. انتهى. وقال الشوكانيّ ﵀: الكآبة بالمد: التغير والانكسار، من مشقّة السفر، وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره. انتهى، والمنظر -بفتح الظاء المعجمة- مصدر ميميّ؛ أي: مِنْ تغيّر الوجه بنحو مرض، والنفس بالانكسار مما يَعْرِض لها فيما يحبه، مما يورث الهمّ والحزن، وقيل: المراد منه الاستعاذة من كل منظر يُعقِب الكآبةَ عند النظر إليه. (وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ) -بفتح اللام- مصدر ميميّ؛ أي: سوء الرجوع (فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ") أي: من سوء الانقلاب إلى أهله، وماله، وذلك بأن يرجع منقوصًا، مهمومًا بما يسوءه، وقيل: أي من أن يعود إلى وطنه، فيرى في أهله وماله ما يسوءه، مثل أن يصيب ماله آفةٌ، أو يجد أهله مرضى، أو فُقِد

стр. 14535

بعضهم، وقيل: أي من أن يَطْمَع ظالم، أو فاجر في المال والأهل. (وَإِذَا رَجَعَ) النبيّ ﷺ من سفره إلى أهله (قَالَهُنَّ) أي: الكلمات، أو الْجُمَل المذكورة، وهي: "اللهم إنا نسألك … إلخ" (وَزَادَ فِيهِنَّ) أي: في جملتهنّ بأن قال بعدهنّ ("آيِبُونَ) بهمزة ممدودة، بعدها همزة مكسورة: اسم فاعل من آب يئوب: إذا رجع، ومن تكلم به بالياء بعد الهمزة الممدودة فقد أخطأ، كذا قيل؛ أي: نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن (تَائِبُونَ) أي: من المعصية إلى الطاعة. وقال القرطبيّ: "آيبون": جمع آيب، وهو الراجع بالخير هنا، و"تائبون": جمع تائب من الذنب، وأصل التوبة الرجوع، وكذلك حدّها بعض أئمتنا بأن قال: التوبة هي الرجوع عمَّا هو مذموم شرعًا إلى ما هو محمود شرعًا. انتهى (١). (عَابِدُونَ) خاضعون متذلّلون (لِرَبِّنَا حَامِدُونَ") مثنون عليه تعالى بصفات كماله وجلاله، وشاكرون عوارف أَفْضاله، قاله القرطبيّ: ﵀ (٢). وقال الطيبيّ ﵀: "لربّنا" يجوز أن يتعلق بقوله: "عابدون"؛ لأن عَمَل اسم الفاعل ضعيف، فيقوى به، أو بـ "حامدون"؛ ليفيد التخصيص؛ أي: نحمد ربنا، لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأنه كالخاتمة للدعاء، ومثله في التعليق قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: ٢] يجوز أن يقف على ﴿لَا رَيْبَ﴾، فيكون ﴿فِيهِ هُدًى﴾ مبتدأ وخبره، فيقدّر خبر ﴿لَا رَيْبَ﴾ مثله، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿لَا رَيْبَ﴾، ويقدّر مبتدأ لـ ﴿هُدًى﴾. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف: ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 14536

أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢/ ٣٢٧٦] (١٣٤٢)، و (أبو داود) في "الجهاد" (٢٥٩٩)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٤٧)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ٤٦٠ و ٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩) و"عمل اليوم والليلة" (٥٤٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٤٤ و ١٥٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٤٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٦٩٥ و ٢٦٩٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٨٥)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٢/ ٢٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٦ - ١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التكبير ثلاثًا إذا خرج إلى السفر. ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ ﵀: وفي الحديث استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت فيه أذكار كثيرة جمعتها في "كتاب الأذكار" (١). ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يكون دائم الالتجاء إلى ربّه سفرًا وحضرًا؛ ليكون في حفظه وكلاءته. ٤ - (ومنها): جواز إطلاق "الصاحب"، و"الخليفة" على الله ، وأما قول القرطبيّ: ولا يسمّى الله تعالى بالصاحب، ولا بالخليفة؛ لعدم الإذن، وعدم تكرارهما في الشريعة، ففيه نظر لا يخفى، فما هو الإذن الذي يريده؟ وهل من شرط تسمية الله تعالى تكراره في النصوص؟ هذا مما لا دليل عليه. والحاصل أن ما صحّ في الأحاديث الصحيحة إطلاقه على الله ، كهذا الحديث، فلنا إطلاقه عليه تعالى على المعنى اللائق به تعالى، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (ومنها): بيان عظم نعم الله على عباده حيث سخّر لهم هذه الدوابّ العظيمة الجسم، والشديدة القوى من الإبل وغيرها حتى انقادت لهم، وخضعت وذلّت، وسَهُل عليهم ركوبها دون مشقّة، وعناء، وتبلِّغهم حيث شاءوا حاملة إياهم، وما يشاءون من أحمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا

стр. 14537

لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٥ - ٨] سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٧] (١٣٤٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) ابن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٣ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة ٥/ ٢٧. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَرْجِسَ) الْمُزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة (م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٠/ ١٦٥١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٠٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب

стр. 14538

الستّة إلا نحو سبعة أحاديث، راجع: "تحفة الأشراف" (١). شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ) ﵁-بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم- (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ) أي: يتحصّن، ويلتجأ إلى الله (مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) وفي الرواية التالية: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر"، و"الوَعْثاء" -بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وبالمدّ-: هي المشقّة والشدّة. (وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ) "الكآبة" -بفتح الكاف، وبالمدّ-: هي تغيّر النفس من حُزْن ونحوه، و"الْمُنْقَلب" -بفتح اللام-: المرجع، قاله النوويّ. وقال في "المرعاة": بفتح الكاف، وهمزة ممدودة، أو ساكنة، كرَأْفة ورآفة، قال في "القاموس": الكَأْبُ والْكَأْبة، والكآبة: الغمّ، وسوء الحال، والانكسار من حزن، و"المنقلب" -بفتح اللام-: مصدرٌ بمعنى الانقلاب، أو اسم مكان، والإضافة ظرفية، قال الخطابيّ: معناه أن ينقلب إلى أهله كئيبًا حزينًا؛ لعدم قضاء حاجته، أو إصابة آفة له، أو يجدهم مرضى، أو مات منهم بعضهم. انتهى (٢). (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ من "صحيح مسلم" "بعد الكون" بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في "صحيح مسلم"، قال القاضي: وهكذا رواه الفارسيّ وغيره من رواة "صحيح مسلم"، قال: ورواه العذريّ: "بعد الكور" بالراء، قال: والمعروف في رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون، قال القاضي: قال إبراهيم الحربيّ: يقال: إن عاصمًا وَهِمَ فيه، وإن صوابه "الْكَوْرُ" بالراء، قلت: وليس كما قال الحربيّ، بل كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعًا الترمذيّ في "جامعه"، وخلائق من المحدثين، وذكرهما أبو عبيد، وخلائق من أهل اللغة، وغريب الحديث، قال الترمذيّ بعد أن رواه

стр. 14539

بالنون: ويروى بالراء أيضًا، ثم قال: وكلاهما له وجه، قال: ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، ومعناه: الرجوع من شيء إلى شيء من الشرّ، هذا كلام الترمذيّ، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعًا: الرجوع من الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو لَفُّها، وجمْعها، ورواية النون مأخوذة من الْكَوْن مصدرِ كان يكون كونًا: إذا وُجِدَ واستَقَرّ. وقال المازريّ: في رواية الراء قيل أيضًا: إن معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته: إذا لَفّها، وحارها: إذا نقضها، وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه، فقال: ألم تسمع قولهم: حار بعدما كان؟ أي: إنه كان على حالة جميلة، فرجع عنها، والله أعلم. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "الحور بعد الكور" بالراء، هكذا رواية العذريّ وابن الحذاء، ومعناه: الزيادة والنقصان، وقيل: الخروج من الجماعة بعد أن كان فيها، يقال: كار عمامته: أي: لفَّها، وحارها؛ أي: نقضها، وقيل: الفساد بعد الصلاح، وقيل: القلَّة بعد الكثرة، وقيل: الرّجوع من الجميل إلى القبيح. ورواه الفارسيّ وابن سعيد -وهو المعروف من رواية عاصم الأحول-: "بعد الكون" بالنون، قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه، فقال: ألم تسمع إلى قولهم: حار بعدما كانَ؟ يقول: إنه كان على حالة جميلة فحار عن ذلك؛ أي: رجع، قال أبو إسحاق الحربي: يُقال: إن عاصمًا وَهِمَ فيه، وصوابه: "الكور" بالراء، والله أعلم. انتهى (٢). وقال في "المرعاة": قوله: "من الحور بعد الكون" بالنون مصدر كان يكون كونًا، من كان التامة، دون الناقصة، يعني من النقصان والتغير بعد الثبات والاستقرار، وقيل: معناه الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها،

стр. 14540

وفي كلامهم: حار بعدما كان، يريد كان على حالة جميلة فحار عن ذلك؛ أي: رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى﴾ [الانشقاق: ١٤، ١٥] أي: لن يرجع. انتهى (١). (وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ) أي: وأعوذ بك من أن يدعو عليّ أحدٌ ظلمته، وإنما استعاذ من دعوة المظلوم؛ لأنها مستجابة، ففي حديث خزيمة بن ثابت ﵁ مرفوعًا: "اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحْمَل على الغمام، يقول الله: وعزتي، وجلالي، لأنصرنّك ولو بعد حين" (٢). وقال النوويّ ﵀: قوله: "ودعوة المظلوم" أي: أعوذ بك من الظلم، فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ففيه التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه. انتهى (٣). (وَسُوءِ الْمَنْظَرِ) بالظاء المعجمة؛ أي: المرأى، وهو كلُّ منظر يُعقب النظر إليه سُوءًا (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) أراد به أن لا يرى في أهله وماله مكروهًا يسوؤه، وهذا بمعنى ما سبق: "وسوء المنقلب في المال والأهل"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن سَرْجِسَ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٢/ ٣٢٧٧ و ٣٢٧٨] (١٣٤٣)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤٣٩)، و (النسائيّ) في "الاستعاذة" (٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣) و"الكبرى" (٤/ ٤٥٩) و"عمل اليوم والليلة" (٤٩٩)، و (ابن ماجه) في "الجهاد" (٣٨٨٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ١٥٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/

стр. 14541

٧٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٢ - ٨٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٣٣)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٦ - ١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: "فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ"، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ قَالَ: يَبْدَأُ بِالْأَهْلِ إِذَا رَجَعَ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا جَمِيعًا: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عُبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ) هو أبو معاوية الضرير. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن عاصم الأحول لم أجد من ساقها، فليُنظر. وأما رواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ٢٥٠) فقال: (١٠٠٨٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا حامد بن عمر البكراويّ، وأحمد بن عبدة الضبيّ، عن

стр. 14542

عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس، قال: كان النبيّ ﷺ إذا سافر قال: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلُفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الْحَوْر بعد الْكَوْر، ومن دعوة المظلومين، ومن سوء المنظر في الأهل والمال". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٣) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٩] (١٣٤٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ، أَو السَّرَايَا، أَو الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩. والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل.

стр. 14543

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني انفرد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﵄، تقدّم الكلام فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ) -بقاف، ثم فاء- أي: رجع وزنًا ومعنى، ومنه تسمى القافلة، قال في "النهاية": قَفَل أي: عاد من سفره، وقد يقال للسفر: قُفُول في الذهاب والمجيء، وأكثر ما يُستعمل في الرجوع. انتهى (١). قال وليّ الدين ﵀: القفول: الرجوع من السفر، ويقال في المضارع: يَقْفُل بالضم، ولا يُستعمل القفول في ابتداء السفر، وإنما سُمِّي المسافرون قافلةً؛ تفاؤلًا لهم بالقفول والسلامة، على أن الجوهريّ قال: إن القافلة هي الرُّفْقة الراجعة من السفر، وقال القتبيّ: لا يقال لهم في مبدئهم: قافلة. انتهى. وقال الفيّوميّ ﵀: قَفَلَ من سفره قُفُولًا، من باب قَعَدَ: رجع، والاسم قَفَلٌ -بفتحتين- ويَتَعَدَّى بالهمزة، فيقال: أقفلته، والفاعل من الثلاثيّ: قافل، والجمع قافلةٌ، وجمع القافلة قَوَافلُ، وتُطلَق القافلة على الرُّفْقَة، واقتَصَر عليه الفارابيّ، قال في "مجمع البحرين": ومَن قال: القافلة: الراجعةُ من السفر فقط، فقد غَلِطَ، بل يقال للمبتدئة بالسفر أيضًا؛ تفاؤلًا لها بالرجوع، وقال الأزهريّ مثله، قال: والعرب تُسمِّي الناهضين للغزو قافلةً؛ تفاؤلًا بقفولها، وهو شائع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما حقّقه الفيّوميّ ﵀ أن القافلة تُطلق على المبتدئة للسفر، والراجعة منه، فما تقدّم فيما ذكره وليّ الدين من أنه لا يقال لهم ذلك، غير صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

стр. 14544

(مِنَ الْجُيُوشِ) بالضمّ: جمع جيش، وهو العسكر العظيم (١)، وقال المجد ﵀: "الجيش" هو: الجند، أو السائرون لحرب، أو غيرها. انتهى (٢). (أَو السَّرَايَا) بالفتح: جمع سَرِيّة، وهي قطعة من الجيش، فَعِيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تسري في خُفية، وتُجمع أيضًا على سَرِيّات، مثلُ عطيّة وعطيّات (٣)، وقال ﷺ : "خير الصحابة أربعةٌ، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تهزم اثنا عشر ألفًا من قلة" (٤). (أَو الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) كأنه قصد استيعاب أنواع سفره ﷺ ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة، هي الغزو، والحجّ، والعمرة، وإلا فظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يُشرَع قول ذلك في كل سفر، إذا كان سفر طاعة، كصِلَة الرحم، وطلب العلم؛ لما يشمل الجميع من اسم الطاعة، وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح؛ لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا؛ لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الذي يخصه بسفر الطاعة، لا يمنع من سافر في مباح، ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص، فذهب قوم إلى الاختصاص؛ لكونها عبادات مخصوصة، شُرع لها ذكر مخصوص، فتختص به؛ كالذكر المأثور عقب الأذان، وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابيّ على الثلاث؛ لانحصار سفر النبيّ ﷺ فيها (٥). (إِذَا أَوْفَى) أي: ارتفع، أو أقبل وأطلّ (عَلَى ثَنِيَّةٍ) بمثلّثة، ثم نون، ثم تحتانيّة ثقيلة: هي العقبة، وقال القرطبيّ: "الثنيّة" هي: الهضبة، وهي الكوم دون الجبل (٦). (أَوْ فَدْفَدٍ) -بفتح الفاء، بعدها دال مهملة، ثم فاء، ثمّ دالٌ-

стр. 14545

والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل: هو الأرض المستوية، وقيل: الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات الحصى، وقيل: الجَلْد من الأرض في ارتفاع، وجمعه فدافد. وقال القرطبيّ: "الفدفد": ما غَلُظ من الأرض، وارتفع، وجمعه: فدافد، قال: وتكبيره ﷺ في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه، وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته، وتوحيدُه الله تعالى هناك: إشعار بانفراده بإيجاد جميع الموجودات، وبأنه المألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: "يُكبّر على كلّ شَرَف" -بفتح الشين المعجمة، والراء، بعدها فاءٌ- هو المكان العالي. (كَبَّرَ ثَلَاثًا) قال الطيبيّ ﵀: وجه التكبير على الأماكن العالية، هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات، وكان ﷺ يراعي ذلك في الزمان والمكان؛ لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء، والصعود والهبوط، وما أشبه ذلك، مما ينبغي أن لا ينسى ربه عند ذلك، فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته المدبر لها قبل صنعه. انتهى. وقال الزين العراقيّ ﵀: مناسبة التكبير على المرتفع أن الاستعلاء محبوب للنفس، وفيه ظهور وغلبة، فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شيء، ويشكر له ذلك، ويستمطر منه المزيد. انتهى. (ثُمَّ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ) قال القرطبيّ: الملك أصله الشدّ والرّبط، والْمُلك بالضم يتضمّن الملك بالكسر، ولا ينعكس. انتهى (٢). (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال الحافظ ﵀: يَحْتَمِل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير، وهو على المكان المرتفع، ويَحْتَمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع، وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبَّح، كما في حديث جابر ﵁ عند

стр. 14546

البخاريّ: "قال: كنّا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سَبّحنا"، ويَحْتَمِل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبيّ ﵀: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنه المعبود في جميع الأماكن. (آيِبُونَ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: نحن آئبون، أي راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف المذكورة. وقال وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: ما فائدة الإخبار بالأَوْب، وهو الرجوع من السفر كما تقدم، وذلك ظاهر من حالهم، وما تحت الإخبار بذلك من الفائدة؟ [قلت]: قد يراد أَوْبٌ مخصوصٌ، وهو الرجوع عن المخالفة إلى الطاعة، أو التفاؤل بذلك، أو الإعلام بأن السفر المقصود قد انقضى، فهو استبشار بكمال العبادة، والفراغ منها، وحصول المقصود والظفر به. انتهى (١). (تَائِبُونَ) أي: إلى ربنا، من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود شرعًا، وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة، قاله ﷺ على سبيل التواضع، أو تعليمًا لأمته، أو المراد أمته، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب. وقال وليّ الدين ﵀: وقوله: "تائبون" يَحْتَمِل أن يكون إشعارًا بحصول التقصير في العبادة، فيتوب من ذلك، وهو تواضع، وهضم للنفس، أو تعليم لمن يقع ذلك منه في سفر الطاعات، فيَخْلِطه بما لا يجوز فعله، ويَحْتَمِل الإشارة بذلك إلى أن ما كان فيه من طاعة الحجّ، أو العمرة، أو الغزو قد كَفَّر ما مضى، فيسأل التوبة فيما بعده، وقد تُسْتَعمل التوبة في العصمة، فيَسأل أن لا يقع منه بعده ما يحتاج إلى تكفير، وهذا اللفظ وإن كان خبرًا، فهو في معنى الدعاء، ولو كان إِشعارًا بأنهم رحبوا بهذه الأوصاف؛ لَنَصَبها على الحال،

стр. 14547

فقال: تائبين عابدين إلى آخره، وهو غير مناسب أيضًا لما فيه من تزكية النفس، وإظهار الأعمال. انتهى (١). وقوله: (عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ) جمع ساجد، وأصله الخضوع والتذلّل، ومنه قول الشاعر: تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ أي: متذلِّلةً خاضعةً، قاله القرطبيّ ﵀ (٢). (لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّها رَفْعٌ بتقدير "نحن"، والجارّ والمجرور متعلق بـ "حامدون"، أو بـ "ساجدون"، أو بهما، أو بالصفات الخمسة على طريق التنازع. وقال وليّ الدين ﵀: قوله: "ساجدون" بعد قوله: "عابدون" مِن ذكْر الخاصّ بعد العامّ، وقوله: "لربنا" يَحْتَمِل تعلقه بقوله: "ساجدون" أي: نسجد له، لا لغيره من الأصنام وغيرها، ويَحْتَمِل أن يكون معمولًا مقدمًا لقوله: "حامدون" أي: نحمده دون غيره؛ لرؤيتنا النعمة منه؛ إذ هو المنعم بها، لا رب سواه. انتهى. (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ الآية [الفتح: ٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحجّ: ٤٠]، وهذا في سفر الغزو، والمناسب لسفر الحجّ والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يريد ﷺ نفسه الكريمة (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ") أي: من غير فعل أحد من الآدميين، واختُلِف في المراد بالأحزاب هنا، فقيل: هم كفار قريش، ومن وافقهم من العرب، واليهود الذين تحزّبوا؛ أي: تجمعوا في غزوة الخندق، ونزلت في شأنهم "سورة الأحزاب"، وقيل: المراد أعمّ من ذلك؛ أي: أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن، قال النوويّ: والمشهور الأول. وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شُرع من بعد الخندق.

стр. 14548

وأجيب: بأن غزوات النبيّ ﷺ التي خرج فيها بنفسه محصورة، والمطابق منها لذلك غزوة الخندق؛ لظاهر قوله تعالى في "سورة الأحزاب": ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٥]، وفيها قبل ذلك: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩]. والأصل في الأحزاب أنه جمع حِزْب، وهو القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسيّة؛ أي: كل من تحزب من الكفار، وإما عهديّة، والمراد من تقدّم، وهو الأقرب، وقال القرطبيّ ﵀: ويَحْتَمِل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء، كأنه قال: اللهم افعل ذلك وحدك، والأول أظهر، قاله الحافظ (١). وقال القاري ﵀: قوله: "وهزم الأحزاب" أي: القبائل المجتمعة من الكفار لحرب النبيّ ﷺ ، وكانوا اثني عشر ألفًا توجهوا من مكة إلى المدينة، واجتمعوا حولها، سوى من انضم إليهم من اليهود، ومضى عليهم قريب من شهر، لم يقع بينهم حرب، إلا الترامي بالنبل والحجارة؛ زعمًا منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم، فلا بُدّ أنهم يهربون، فأرسل الله عليهم ريحًا في ليلة شاتية، سَفّت التراب على وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت أوتادهم، وأكفأت قدورهم، وأرسل الله ألفًا من الملائكة، فكَبّرت في ذوائب عسكرهم، فهاصت الخيل وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا، ونزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣/ ٣٢٧٩ و ٣٢٨٠] (١٣٤٤)، و (البخاريّ) في

стр. 14549

"العمرة" (١٧٩٧) و"الجهاد" (٢٩٩٥ و ٣٠٨٤) و"المغازي" (٤١١٦) و"الدعوات" (٦٣٨٥)، و (أبو داود) في "الجهاد" (٢٧٧٠)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٥٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٧٧ و ٥/ ٢٣٦ و ٦/ ١٣٨) و"عمل اليوم والليلة" (٥٣٩ و ٥٤٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٩٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٢٣٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٠/ ٣٦١ و ١٢/ ٥١٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥ و ١٠ و ١٥ و ٢١ و ٣٨ و ٦٣ و ١٠٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٧٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٠٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٣٠٧ و ٣٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٩٨ و ٣٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٧ - ١٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٥٩)، و"المعرفة" (٤/ ٢٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الإتيان بهذا الذكر في القفول من سفر الغزو، والحج، والعمرة، وهل يختصّ ذلك بهذه الأسفار، أو يتعدّى إلى كل سفر طاعة؛ كالرباط، وطلب العلم، وصلة الرحم، أو يتعدى إلى السفر المباح أيضًا؛ كالنزهة، أو يستمر في كل سفر، ولو كان محَرَّمًا يَحْتَمِل أوجهًا: [أحدها]: الاختصاص، وذلك لأن هذا ذكر مخصوص شُرِع بأثر هذه العبادات المخصوصة، فلا يتعدى إلى غيرها؛ كالذكر عقب الصلاة من التسبيح، والتحميد، والتكبير على الهيئة المخصوصة، فإنه لا يتعدى إلى غيرها من العبادات؛ كالصيام ونحوه، والأذكار المخصوصة متعبَّد بها في لفظها، ومحلها، ومكانها، وزمانها. [الثاني]: أنه يتعدى إلى سائر أسفار الطاعة؛ لكونها في معناها في التقرب بها. [الثالث]: أنه يَتَعدَّى إلى الأسفار المباحة أيضًا، وعلى هذين الاحتمالين فالتقييد في الحديث إنما هو لكونه ﷺ لم يكن يسافر بغير المقاصد الثلاثة، فقيده بحسب الواقع، لا لاختصاص الحكم به.

стр. 14550

[الرابع]: تعدّيه إلى الأسفار المحرَّمة؛ لأن مرتكب الحرام أحوج إلى الذكر من غيره؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": سواء فيه السفر لحجّ، أو عمرة، أو غزو، كما في الحديث، أو لغير ذلك، من طلب علم، وتجارة، وغيرهما. انتهى. قال ولده وليّ الدين ﵀: فمثّل بطلب العلم، وهو من الطاعات، وبالتجارة، وهي من المباحات، ولم يمثل المحرّم، لكنه مندرج في إطلاقه. انتهى (١). ٢ - (ومنها): أن الحديث صريح في اختصاص التكبير ثلاثًا بحالة كونه على المكان المرتفع، وأما قوله: "ثم يقول: لا إله إلا الله … " إلى آخره، فيَحْتَمِل الإتيان به، وهو على المكان المرتفع، ويَحْتَمِل ألا يتقيد بذلك، بل إن كان المكان المرتفع واسعًا قاله فيه، وإن كان ضيّقًا كمّل بقية الذكر بعد انهباطه، ولا يستمرّ واقفًا في المكان المرتفع لتكميله، قاله وليّ الدين ﵀ أيضًا. ٣ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": مناسبة التكبير على المكان المرتفع، أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس، وفيه ظهورٌ وغلبةٌ على من هو دونه في المكان، فينبغي لمن تلبّس به أن يذكر عند ذلك كبرياءَ الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، ويشكر له ذلك، يستمطر بذلك المزيد مما مَنّ به عليه. وقال أبو العباس القرطبيّ ﵀ توحيده لله تعالى هناك إشعار بانفراده تعالى بإيجاد جميع الموجودات، وبأنه المألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات. ورَوَى ابن السنيّ في "عمل اليوم والليلة" عن أنس ﵁ قال: "كان النبيّ ﷺ إذا علا نشزًا من الأرض، قال: اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على جمل حال".

стр. 14551

قال وليّ الدين ﵀: ويَحْتَمِل أن سبب ذلك إظهار ذكر الله تعالى، وتوحيده، ومنّته على أهل دينه، وذلك في الأماكن العالية أظهر منه في الأماكن المنخفضة، وفي "صحيح البخاريّ" عن جابر ﵁ قال: "كنا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبَّحنا"، وفي "سنن أبي داود"، من حديث ابن عمر ﵄: "وكان النبيّ ﷺ وجيوشه إذا عَلَوُا الثنايا كبّروا، وإذا هَبَطُوا سبَّحُوا، فوُضِعت الصلاة على ذلك". ويَحْتَمِل أن يكون سبب التسبيح في الانهباط، أن الانخفاض محل الضيق، والتسبيح سبب للفرج، ومنه قوله تعالى في حق يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]، وكانت مقالته في بطن الحوت: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. انتهى (١). ٤ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ ﵀: وجه مناسبة قوله: "صدق الله وعده" إن كان سفر حجّ، أو عمرة، تذكيره بذلك وعد الله تعالى لنبيّه ﷺ بقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وإن كان رجوعًا من غَزَاة تذكيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، قال: وفي حديث أنس ﵁ عند مسلم: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ أنا وأبو طلحة، وصفية رديفته على ناقته، حتى إذا كان بظهر المدينة قال: آيبون، تائبون … " الحديث، فهذا كان مَقْفَله من خيبر، وكانت متصلة بقصة الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢]، فردّ النبيّ ﷺ ذلك عليهم. انتهى (٢). ٥ - (ومنها): أن مجموع هذا الذكر إنما كان ﷺ يأتي به عند القفول، وكان يأتي بصدره في الخروج أيضًا كما تقدّم في الباب الماضي: "أنه ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبّر ثلاثًا، ثم قال: سبحان الذي سخّر

стр. 14552

لنا هذا … الحديث، وفي آخره: "وإذا رجع قالهنّ، وزاد فيهنّ: آيبون، تائبون، عابدون لربنا حامدون"، وتقدم حديث البخاريّ: "كنا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبّحنا"، وحديث أبي داود: "كان النبيّ ﷺ وجيوشه إذا عَلَوا الثنايا كبّروا، وإذا هبطوا سبّحوا"، وقال ﷺ -للرجل الذي قال له: أوصني، لمّا أراد سفرًا-: "عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شَرَف" رواه الترمذيّ، وهو حديث حسن، ولم يخصّ ذلك بالرجعة من سفره (١). ٦ - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ ﵀: في الحديث جواز السجع في الدعاء، والكلام بلا تكلف، وإنما يُنْهَى عن التكلف؛ لأنه يشغل عن الإخلاص، ويقدح في النية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، كلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إِلَّا حَدِيثَ أَيُّوبَ، فَإِنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ القزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٣. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله. [تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع هذه ساقها الترمذيّ ﵀، فقال:

стр. 14553

(٨٧٣) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "كان النبيّ ﷺ إذا قفل من غزوة، أو حجّ، أو عمرة، فَعَلا فَدْفَدًا من الأرض، أو شَرَفًا كبّر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، سائحون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهَزَم الأحزاب وحده". انتهى. وأما رواية مالك بن أنس، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ ﵀، في "صحيحه"، فقال: (١٦٧٠) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا قَفَل من غزو، أو حجّ، أو عمرة، يكبّر على كل شَرَف من الأرض، ثلاث تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". انتهى. وأما رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٣٩٩) فقال: (٣٥٨٢) - حدّثنا أحمد بن الفرج الحمصيّ، نا ابن أبي فُديك، قال: حدّثني الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا قَفَل من الغزو، أو الحجّ، أو العمرة، يكبّر على كل شَرَف ثلاث تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قديرٌ، آيبون، تائبون، عابدون، سائحون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨١] (١٣٤٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالكٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَا

стр. 14554

وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ"، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢/ ١٥٨٦. ٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو (٢٠٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، وكان معمّرًا، قد جاوز المائة. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) أنه (قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ ) أي: من غزوة خيبر، فقالها مختصرة، عند المصنّف، وقد ساقها البخاريّ ﵀ مطوّلة، من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدّثني يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا مع النبيّ ﷺ مَقْفَله من عُسْفان (١) ورسول الله ﷺ على راحلته، وقد أردف صفية بنت حُيَيّ، فَعَثَرت

стр. 14555

ناقته، فصُرِعا جميعًا، فاقتحم أبو طلحة، فقال: يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: "عليك المرأة"، فقَلَب ثوبًا على وجهه، وأتاها، فألقاه عليها، وأصلح لهما مركبهما، فركبا، واكتنفنا رسولَ الله ﷺ ، فلما أشرفنا على المدينة قال: "آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون"، فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة. وقوله: (أَنَا) أتى به توكيدًا للضمير المرفوع المتّصل، حتى يعطف عليه ما بعده، وليس لازمًا؛ لوجود الفصل بالظرف، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ وقوله: (وَأَبُو طَلْحَةَ) مرفوع بالعطف على الفاعل، وهو أبو طلحة الأنصاريّ، زيد بن سَهْل بن الأسود بن حَرَام الخزرجيّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة ﵃، شَهِدَ بدرًا وما بعدها، مات سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك، وتقدّمت ترجمته في "الحيض" ٧/ ٧٢٠. (وصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ) أي: راكبة خلفه ﷺ ، والجملة في محلّ نصب على الحال. وهي أم المؤمنين صفيّة بنت حُيى بن أخطب الإسرائيليّة، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خيبر، وماتت سنة (٣٦)، وقيل: في خلافة معاوية ﵄، وهو الصحيح، تقدّمت ترجمتها في "الحج" ٦٥/ ٣٢٢٣. (عَلَى نَاقَتِهِ) متعلّق بـ "رديفته" (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ) أي: بظاهرها (قَالَ: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ") تقدّم شرح هذه الكلمات في الحديث الماضي (فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ) أي: الذكر المذكور، ففيه استحباب تكرار هذا الذكر (حَتَّى قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) النبويّة زادها الله تعالى شرفًا وعِزًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14556

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٣/ ٣٢٨١ و ٣٢٨٢] (١٣٤٥)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٣٠٨٥ و ٣٠٨٦) و"اللباس" (٥٩٦٨) و"الأدب" (٦١٨٥)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٥٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤٨٣ و ٥٣٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٧ و ١٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٨)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٠٨)، و (تمّام الرازي) في "فوائده" (١/ ٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): بيان ما يُستحبّ أن يقال عند الرجوع من السفر. ٢ - (ومنها): بيان جواز إرداف المرأة خلف الرجل. ٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة ستر المرأة عن الناس، وستر من لا تجوز رؤيته، وستر الوجه عنه. ٤ - (ومنها): استحباب خدمة الإمام والعالم، وخدمة أهل الفضل. ٥ - (ومنها): استحباب اكتناف الإمام، والاجتماع حوله عند دخول المدن. ٦ - (ومنها): استحباب حمد الله تعالى للمسافر عند إتيانه سالمًا إلى أهله، وسؤاله الله التوبة. ٧ - (ومنها): وجوب احتجاب أمهات المؤمنين -رضى الله عنهنّ- وإن كنّ كالأمهات. ٨ - (ومنها): جواز تدارك المرأة الأجنبيّة إذا سقطت، أو كادت تسقط، فيُعينها على التخلّص مما يُخشى عليها، كما فعل أبو طلحة ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14557

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الجمعة" ٦/ ١٩٧٢. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق البصريّ، تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقيه، وهو (٢٠٦) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية بشر بن المفضّل، عن يحيى بن أبي إسحاق هذه ساقها البخاريّ، فقال: (٣٠٨٦) - حدّثنا عليٌّ، حدّثنا بشر بن المُفَضّل، حدّثنا يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك ﵁ أنه أقبل هو وأبو طلحة، مع النبيّ ﷺ ومع النبيّ ﷺ صفية مردفها على راحلته، فلما كانوا ببعض الطريق عَثَرَت الناقة، فصُرع النبيّ ﷺ والمرأة، وإن أبا طلحة -قال: أحسب قال: - اقتحم عن بعيره، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله جعلني الله فداءك، هل أصابك من شيء؟ قال: "لا، ولكن عليك بالمرأة"، فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه، فقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، فشدّ لهما على راحلتهما، فركبا، فساروا، حتى إذا كانوا بظهر المدينة، أو قال: أشرفوا على المدينة قال النبيّ ﷺ : "آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون"، فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 14558

(٧٤) - (بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا، إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٣] (١٢٥٧) (١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقيه، ولاحقه، وهو (٢٠٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ) بالنون، والخاء المعجمة؛ أي: أبرك بعيره، والمراد أنه نزل بها (بِالْبَطْحَاءِ الَّتي بِذِي الْحُلَيْفَةِ) وتُسَمَّى الْمُعَرَّس أيضًا، وهي بضم الميم، وفتح العين، والراء المهملتين، مع تشديد الراء، وآخره سين مهملة، وأصل الْمُعَرَّس موضع النزول مطلقًا، أو في آخر الليل، قال أبو زيد: عَرَّس القوم في المنزل: إذا نزلوا به أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، وقال الخليل، والأصمعيّ: التعريس النزول آخر الليل، وصار هذا اللفظ عَلَمًا بالغلبة على موضع معيّن، وهو على ستة أميال من المدينة، كما حكاه أبو داود في "سننه" عن محمد بن إسحاق المدينيّ، وجزم به في "المشارق" (٢). (فَصَلَّى بِهَا) قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة للإحرام، ويَحْتَمِل أن تكون للفريضة، وقد ثبت من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ صلى العصر

стр. 14559

بذي الحليفة ركعتين، ثم إن هذا النزول يَحْتَمِل أن يكون في الذهاب، وهو الظاهر من تصرّف البخاريّ، ويَحْتَمِل أن يكون في الرجوع، ويؤيده حديث ابن عمر ﵄ عند البخاريّ بلفظ: "وإذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي، وبات حتى أصبح"، ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابًا وإيابًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كونه في الرجوع هو الأظهر، كما يدلّ عليه قوله: "كان إذا صدر من الحجّ أو العمرة أناخ بالبطحاء"، وأصرح منه رواية البخاريّ عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق الْمُعَرَّس، وأن رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي، وبات حتى يصبح. انتهى، والله تعالى أعلم. (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَفْعَلُ دلِكَ) اقتداء برسول الله ﷺ ، كما حثّ الله عليه بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال القاضي عياض ﵀: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاجّ ليس من مناسك الحج، وإنما فَعله من فَعله من أهل المدينة؛ تبركًا بآثار النبيّ ﷺ ، ولأنها بطحاء مباركةٌ، قال: واستَحَبّ مالك النزول، والصلاة فيه، وأن لا يُجَاوَزَ حتى يُصَلَّى فيه، وإن كان في غير وقت صلاة مَكَث حتى يدخل وقت الصلاة، فيصلي، قال: وقيل: إنما نزل به ﷺ في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا، كما نَهَى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٧٤/ ٣٢٨٣ و ٣٢٨٤ و ٣٢٨٥] (١٢٥٧)،

стр. 14560

و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٣٢)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٠٤٤)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٢٧) و"الكبرى" (٢/ ٣٣٠ و ٤٧٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٤٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨ و ١١٢ و ١٣٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٥/ ٢٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٨٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥) و"المعرفة" (٣/ ٥٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الصلاة في بطحاء ذي الحليفة، وقال إسماعيل القاضي: إنه ﷺ إنما كان يصلي فيه نافلةً، لكن من ضرورة المبيت به أنه يصلي فيه فريضة، وسيأتي قول مالك: لا ينبغي لأحد مجاوزته، حتى يصلي فيه، وكذا استحباب الشافعي له، وقول أبي حنيفة: إن أحبّ أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ. ٢ - (ومنها): أنه لو مر به في وقت كراهة الصلاة استُحبّ له الانتظار حتى يدخل وقت جواز الصلاة، وسيأتي قول مالك ﵀: مَن مَرَّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له. ٣ - (ومنها): في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع زيادة المبيت بها إلى الصباح، والأخذ بالزيادة لازم، قال وليّ الدين ﵀: ومقتضى ما قالوه في مبيت المزدلفة حصول القصد بالمبيت بها نصف الليل، لكن إن كان المعنى أن لا يَطْرُق أهله ليلًا اقتَضَى ذلك الاستمرارَ إلى الصباح؛ لئلا يقع في هذا المحذور، ويدل لذلك قوله: "وبات حتى يصبح". ٤ - (ومنها): أنه قد يقال: مقتضى قوله في رواية موسى بن عقبة الآتية: "إذا صدر عن الحجّ، أو العمرة" التقييد بذلك، ومقتضى المعنى عدم التقييد، واستحباب الصلاة بها، والمبيت لكل مارّ بها، وإن لم يكن صادرًا من حجّ، ولا عمرة، قال وليّ الدين: وعدم التقييد هو الصواب، قال: ويدلّ له ما صحّ من شرف البقعة، وأنها مباركة، وأما التقييد في تلك الرواية، فإنما هو لفعل ابن عمر، ولم يكن ابن عمر يمرّ عليها إلا في حجّ، أو عمرة، ولم يبق بعد الفتح غزو من تلك الجهة؛ لأنها صارت كلها دار سلام. انتهى كلام وليّ الدين ﵀.

стр. 14561

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن التقييد بمن صدر من حجّ، أو عمرة هو الأقرب؛ اتّباعًا لما ثبت عنه ﷺ ؛ إذ لم يثبت عنه في غير ذلك، فينبغي التقيّد بما ثبت عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نزول النبيّ ﷺ ببطحاء ذي الحليفة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: [أحدها]: أن ذلك جَرَى اتّفاقًا، لا عن قصد، فهو كبقية منازل الحجّ، وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البرّ عن محمد بن الحسن، أنه قال: إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله ﷺ من منازل طريق مكة، وبلغنا أن ابن عمر ﵄ كان يتبع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالْمُعَرَّس، وذكر محمد هذا توجيهًا لقول أبي حنيفة: مَن مَرّ بالمعرَّس من ذي الحليفة راجعًا من مكة، فإن أحب أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ، وليس ذلك عليه. [ثانيها]: أنه قَصَد النزول به، لكن لا لمعنى فيه، حَكَى القاضي عياض عن بعضهم أنه ﷺ إنما نزل به في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلا يفجأ الناسُ أهاليهم ليلًا، كما نَهَى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة. [ثالثها]: أنه نزل به قصدًا؛ لمعنى فيه، وهو التبرك به، ويدل له أنه ﷺ أُتِي به، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، ويدل له أيضًا صلاته ﷺ به، وما فُهِم من لفظ الحديث من مواظبته على النزول به، لكنه ليس من مناسك الحجّ، بل هو سنة مستقلّة، وبهذا قال الجمهور، قال مالك في "الموطإ": لا ينبغي لأحد أن يجاوز الْمُعَرَّس إذا قَفَل حتى يصلي فيه، وأنه مَن مَرّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ عَرَّس به، وأن عبد الله بن عمر ﵄ أناخ به، قال ابن عبد البرّ: واستحبه الشافعيّ، ولم يأمر به، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله ﷺ بالمعَرَّس كسائر منازل طريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرَّس إنما كان يصلي فيه نافلة، ولا وجه لتزهيد الناس في الخير، ولو كان المعرَّس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخّره عنه، وذكر

стр. 14562

حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرَّس، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ فذكر عذرًا، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق، ولو فعلتَ لأوجعتك ضربًا. [رابعها]: أنه من مناسك الحجّ، وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البرّ في "التمهيد" حكايته عن ابن عمر ﵄، فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحج، ومناسكه التي يجب على تاركها فديةٌ، أو دمٌ، عند أهل العلم، ولكنه حَسَنٌ عند جميعهم، إلا ابن عمر، فإنه جعله سنةً. انتهى. قال وليّ الدين ﵀: فإن كانت هذه العبارة ليست صريحةً في إيجاب ابن عمر فديةً بتركه، فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم في استحبابه، زيادة لم يقولوا بها، فَيُعَدّ حينئذ مذهبًا غير ما تقدم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور من استحباب النزول في بطحاء ذي الحليفة، هو الحقّ؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، ولكنه ليس من مناسك الحجّ الذي يلزم بتركه فدية، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتى بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنِيخُ بِهَا، وَيُصَلِّي بِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين. ٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضًا قبل بابين.

стр. 14563

والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كالأسانيد الثلاثة الماضية، وهو (٢٠٨) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِى أَنَسٌ، يَعْنِى أَبَا ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن الْمُسَيَّبِيّ، من ولد الْمُسَيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٢ - (أَنَسُ) بن عياض بن ضمرة، أَبُو ضَمْرَةَ الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) أي: رجع من أحدهما، قال الفيوميّ ﵀: صَدَرَ صُدُورًا، من باب قَعَدَ، وأصدرته بالألف، وأصله الانصراف، يقال: صَدَرَ القومُ، وأصدرناهم: إذا صرفتهم، وصَدَرتُ عن الموضع صَدْرًا، من باب قَتَل: رجعتُ، قال الشاعر [من البسيط]: وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا

стр. 14564

فـ"صَدْرَ" مصدر، والاسم الصَّدَرُ بفتحتين. انتهى (١). قال الحافظ وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: فلم خَصّ ذلك بصدوره ورجوعه من الحجّ أو العمرة، ولم كان لا يفعل ذلك في المضيّ إليهما؟ [قلت]: لأنه في المضيّ إليهما لا يمرّ من تلك الطريق، وإنما كان يخرج من طريق الشجرة؛ للاتباع كما تقدّم، وينبغي أن يقال: لو مَرّ بالْمُعَرَّس في ذهابه إلى مكة استُحِبّ له الصلاة به، والله أعلم. انتهى (٢). [تنبيه]: هذا الحديث مختصر عند المصنّف ﵀، وقد ساقه البخاريّ ﵀ مطوّلًا، فقال: (١٧٦٧) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضمرة، حدّثنا موسى بن عقبة، عن نافع؛ أن ابن عمر ﵄ كان يبيت بذي طُوى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة، وكان إذا قَدِم مكة حاجًّا أو معتمرًا لم يُنِخْ ناقته إلا عند باب المسجد، ثم يدخل، فيأتي الركن الأسود، فيبدأ به، ثم يطوف سبعًا، ثلاثًا سعيًا، وأربعًا مشيًا، ثم ينصرف، فيصلي ركعتين، ثم ينطلق قبل أن يرجع إلى منزله، فيطوف بين الصفا والمروة، وكان إذا صدر عن الحجّ أو العمرة، أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، التي كان النبيّ ﷺ يُنيخ بها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٦] (١٣٤٦) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى، وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ فِي مُعَرَّسِهِ، بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.

стр. 14565

٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله، الحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَاللَّفْظُ لِسُرَيْجٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ، مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٨) وله (٩٣) سنةً (م د) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. ٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أتاه ملك من ربه، وهو
следующие страницы →