← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.

стр. 14561

قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن التقييد بمن صدر من حجّ، أو عمرة هو الأقرب؛ اتّباعًا لما ثبت عنه ﷺ ؛ إذ لم يثبت عنه في غير ذلك، فينبغي التقيّد بما ثبت عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نزول النبيّ ﷺ ببطحاء ذي الحليفة: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: [أحدها]: أن ذلك جَرَى اتّفاقًا، لا عن قصد، فهو كبقية منازل الحجّ، وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البرّ عن محمد بن الحسن، أنه قال: إنما هو مثل المنازل التي نزل بها رسول الله ﷺ من منازل طريق مكة، وبلغنا أن ابن عمر ﵄ كان يتبع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالْمُعَرَّس، وذكر محمد هذا توجيهًا لقول أبي حنيفة: مَن مَرّ بالمعرَّس من ذي الحليفة راجعًا من مكة، فإن أحب أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ، وليس ذلك عليه. [ثانيها]: أنه قَصَد النزول به، لكن لا لمعنى فيه، حَكَى القاضي عياض عن بعضهم أنه ﷺ إنما نزل به في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلا يفجأ الناسُ أهاليهم ليلًا، كما نَهَى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة. [ثالثها]: أنه نزل به قصدًا؛ لمعنى فيه، وهو التبرك به، ويدل له أنه ﷺ أُتِي به، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، ويدل له أيضًا صلاته ﷺ به، وما فُهِم من لفظ الحديث من مواظبته على النزول به، لكنه ليس من مناسك الحجّ، بل هو سنة مستقلّة، وبهذا قال الجمهور، قال مالك في "الموطإ": لا ينبغي لأحد أن يجاوز الْمُعَرَّس إذا قَفَل حتى يصلي فيه، وأنه مَن مَرّ به في غير وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ عَرَّس به، وأن عبد الله بن عمر ﵄ أناخ به، قال ابن عبد البرّ: واستحبه الشافعيّ، ولم يأمر به، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله ﷺ بالمعَرَّس كسائر منازل طريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرَّس إنما كان يصلي فيه نافلة، ولا وجه لتزهيد الناس في الخير، ولو كان المعرَّس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخّره عنه، وذكر

стр. 14562

حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرَّس، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ فذكر عذرًا، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق، ولو فعلتَ لأوجعتك ضربًا. [رابعها]: أنه من مناسك الحجّ، وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البرّ في "التمهيد" حكايته عن ابن عمر ﵄، فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحج، ومناسكه التي يجب على تاركها فديةٌ، أو دمٌ، عند أهل العلم، ولكنه حَسَنٌ عند جميعهم، إلا ابن عمر، فإنه جعله سنةً. انتهى. قال وليّ الدين ﵀: فإن كانت هذه العبارة ليست صريحةً في إيجاب ابن عمر فديةً بتركه، فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم في استحبابه، زيادة لم يقولوا بها، فَيُعَدّ حينئذ مذهبًا غير ما تقدم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور من استحباب النزول في بطحاء ذي الحليفة، هو الحقّ؛ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، ولكنه ليس من مناسك الحجّ الذي يلزم بتركه فدية، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتى بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنِيخُ بِهَا، وَيُصَلِّي بِهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ) تقدّم قريبًا. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين. ٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضًا قبل بابين.

стр. 14563

والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀؛ كالأسانيد الثلاثة الماضية، وهو (٢٠٨) من رباعيّات الكتاب. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِى أَنَسٌ، يَعْنِى أَبَا ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن الْمُسَيَّبِيّ، من ولد الْمُسَيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٢ - (أَنَسُ) بن عياض بن ضمرة، أَبُو ضَمْرَةَ الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) أي: رجع من أحدهما، قال الفيوميّ ﵀: صَدَرَ صُدُورًا، من باب قَعَدَ، وأصدرته بالألف، وأصله الانصراف، يقال: صَدَرَ القومُ، وأصدرناهم: إذا صرفتهم، وصَدَرتُ عن الموضع صَدْرًا، من باب قَتَل: رجعتُ، قال الشاعر [من البسيط]: وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا

стр. 14564

فـ"صَدْرَ" مصدر، والاسم الصَّدَرُ بفتحتين. انتهى (١). قال الحافظ وليّ الدين ﵀: [فإن قلت]: فلم خَصّ ذلك بصدوره ورجوعه من الحجّ أو العمرة، ولم كان لا يفعل ذلك في المضيّ إليهما؟ [قلت]: لأنه في المضيّ إليهما لا يمرّ من تلك الطريق، وإنما كان يخرج من طريق الشجرة؛ للاتباع كما تقدّم، وينبغي أن يقال: لو مَرّ بالْمُعَرَّس في ذهابه إلى مكة استُحِبّ له الصلاة به، والله أعلم. انتهى (٢). [تنبيه]: هذا الحديث مختصر عند المصنّف ﵀، وقد ساقه البخاريّ ﵀ مطوّلًا، فقال: (١٧٦٧) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضمرة، حدّثنا موسى بن عقبة، عن نافع؛ أن ابن عمر ﵄ كان يبيت بذي طُوى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة، وكان إذا قَدِم مكة حاجًّا أو معتمرًا لم يُنِخْ ناقته إلا عند باب المسجد، ثم يدخل، فيأتي الركن الأسود، فيبدأ به، ثم يطوف سبعًا، ثلاثًا سعيًا، وأربعًا مشيًا، ثم ينصرف، فيصلي ركعتين، ثم ينطلق قبل أن يرجع إلى منزله، فيطوف بين الصفا والمروة، وكان إذا صدر عن الحجّ أو العمرة، أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، التي كان النبيّ ﷺ يُنيخ بها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٦] (١٣٤٦) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى، وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ فِي مُعَرَّسِهِ، بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.

стр. 14565

٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله، الحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَاللَّفْظُ لِسُرَيْجٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ، مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٨) وله (٩٣) سنةً (م د) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. ٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. والباقون ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أتاه ملك من ربه، وهو

стр. 14566

جبريل؛ في منامه، وفي رواية البخاريّ: "أنه أُري وهو في مُعَرَّسٍ بذي الحليفة" (وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من النائب عن الفاعل. و"الْمُعَرَّسُ" -بضمّ الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد الراء المفتوحة، ثم سين مهملة- بصيغة اسم المفعول: موضع نزول المسافر للاستراحة، وهو هنا موضع تعريس رسول الله ﷺ بذي الحليفة، قال السيوطيّ ﵀ في "شرحه على النسائيّ": هو على ستة أميال من المدينة. انتهى. والمراد بـ "المعرّس" هو وادي العقيق المذكور فيما أخرجه البخاريّ ﵀، عن عمر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آتٍ من ربّي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقُلْ: عمرةٌ في حجة". قال في "الفتح": هو بقرب المدينة، بينه وبين المدينة أربعة أميال، روى الزبير بن بكّار في "أخبار المدينة" أنّ تُبّعًا لَمّا رجع من المدينة انحدر في مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمّي العقيق. انتهى (١). وقوله: (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بيان لـ"المعرّس"، فهو متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه كائنًا من ذي الحليفة، وقوله: (فِي بَطْنِ الْوَادِي) متعلّق أيضًا بحال مقدّر؛ أي: حال كونه كائنًا في بطن الوادي (فَقِيلَ) أي: قال له الملك الآتي (إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ) "البطحاء" تأنيث الأبطح، وهو مَسِيلٌ واسعٌ فيه دُقاق الحصى، أفاده في "القاموس". وفي حديث عمر ﵁ المذكور: "فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة". وفي الحديث فضلُ العقيق، كفضل المدينة، وفضل الصلاة فيه، وفيه استحباب نزول الحاجّ في منزلة قريبة من البلد، ومبيتهم بها؛ ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليستدرك حاجته من نسيها مثلًا، فيرجع إليها من قريب. انتهى (٢).

стр. 14567

(قَالَ مُوسَى) بن عقبة (وَقَدْ أَنَاخَ) أي: أبرك ناقته (بِنَا سَالِمٌ) أي: ابن عبد الله بن عمر (بِالْمُنَاخِ) بضمّ الميم: موضع الإناخة؛ أي: محلّ تبريك الإبل (مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يُنِيخُ بِهِ) وفي رواية البخاريّ: "وقد أناخ بنا سالمٌ يتوخّى بالمناخ الذي كان عبد الله يُنيخ"، ومعنى يتوخّى بالخاء المعجمة؛ أي: يقصد. وقوله: (يَتَحَرَّى) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: حال كونه متحرّيًا، وطالبًا (مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي: المحلّ الذي نزل فيه ﷺ (وَهُوَ أَسْفَلُ) بالرفع على الخبريّة (مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي) أي: وادي العقيق، وفيه إشارة إلى أن هناك مسجدًا بُني في ذلك الزمان، وليس هو معرّسه ﷺ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ) بنصب وسطًا؛ أي: حال كونه متوسّطًا بين بطن الوادي، وبين القبلة. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: ما فائدة قوله: "وسطًا"، وهو معلوم من قوله: "بينه وبين الطريق"؟ قلت: بيان أنه في حَلَق الواسط، لا قُرب له إلى أحد الجانبين، كما هو المشهور من الفرق بين الوَسَط بتحريك السين، والْوَسْط بسكونها (١). وفي رواية البخاريّ: "وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، وبينهم وبين الطريق وسطٌ من ذلك". قال في "الفتح": قوله: "وهو أسفلُ" بالنصب (٢)، ويجوز الرفع، والمراد بالمسجد الذي كان هناك في ذلك الزمان، وقوله: "بينه" أي: بين المعرَّس، وفي رواية الحمويّ: "بينهم" أي: بين النازلين، وبين الطريق، وقوله: "وَسَطٌ من ذلك" بفتح المهملة؛ أي: متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق، وعند أبي ذرّ: "وسطًا من ذلك" بالنصب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 14568

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤/ ٣٢٨٦ و ٣٢٨٧] (١٣٤٦)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٣٥) و"الحرث والمزارعة" (٢٣٣٦) و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٣٤٥)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١٢٦) و"الكبرى" (٢/ ٣٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٧ و ٩٠ و ١٠٤ و ١٣٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦١٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٩ - ٢٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٨/ ٥٢) و"الكبير" (١٢/ ٢٩٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٣٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٤٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٥) - (بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَبَيَانُ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٨] (١٣٤٧) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتى أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ، يَوْمَ النَّحْرِ: "لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ).

стр. 14569

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، ثقة عابد [٩] (ت ١٩٧) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٤ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٥ - (يُونسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني مسلسل بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: بَعَثَنِي) أي: أرسلني (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) ﵁. قال الطحاويّ ﵀ في "مشكل الآثار": هذا مشكلٌ؛ لأن الأخبار في هذه القصّة تدلّ على أن النبيّ ﷺ كان بعث أبا بكر ﵁ بذلك، ثم أتبعه عليًّا ﵁، فأمره أن يؤذّن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة، ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟

стр. 14570

ثم أجاب بما حاصله: إن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين، وكأن عليًّا لم يُطِق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة، وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: "كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يَصْحَل صوتي (١)، وكان هو ينادي قبلي حتى يَعْيَى". فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه عليّ مما أُمر بتبليغه. ذكره في "الفتح" (٢). (فِي الْحَجَّةِ) بالفتح المرة من الحج، وهو متعلّق بـ "بعثني" (الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم؛ أي: جعله أميرًا (عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وذلك سنة تسع من الهجرة، قال السهيليّ: كان رسول الله ﷺ حين قدم من تبوك أراد الحجّ، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت، وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما وُلدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها، وظلموا، فأمسك ﷺ عن الحج في ذلك العام، وبعث أبا بكر ﵁ بسورة براءة؛ لينبذ إلى كلّ ذي عهد من المشركين عهده، إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاصّ (٣). (فِي رَهْطٍ) بفتح، فسكون؛ أي: في جملة جماعة، والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهُط، وأرهاط، وأراهط جمعُ الجمع. قال الحافظ: وقد وَقَفْتُ ممن سُمّي، ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة، منهم سعد بن أبي وقّاص، فيما أخرجه الطبريّ، من طريق الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر، فلما انتهينا إلى ضَجْنَان أتبعه عليًّا، ومنهم جابر. روى الطبريّ من

стр. 14571

طريق عبد الله بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁؛ أن النبيّ ﷺ بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه. انتهى (١). (يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ) من التأذين، أو الإيذان، وهو الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٣] أي: إعلام، قاله في "الفتح". وفي رواية للبخاريّ: "يؤذن في الناس" بالإفراد، قال في "العمدة": الضمير فيه راجع إلى الرهط، باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات. انتهى (٢). (يَوْمَ النَّحْرِ) ظرف لـ "يؤذّنون" ("لَا يَحُجُّ) وفي رواية للبخاريّ: "أن لا يحجّ"، وفي لفظ: "أن لا يحجّنّ"، وفي رواية النسائيّ: "ألا لا يحجّن"، و "أَلَا" بفتح الهمزة، واللام المخففة، تأتي على أوجه، ولكن هنا للتنبيه، فتدلّ على تحقق ما بعدها (بَعْدَ الْعَامِ) أي: بعد الزمان الذي فيه الإعلام (مُشْرِكٌ) بالرفع فاعل "يحجّ"، قال النوويّ ﵀: هذا موافقٌ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والمراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله، فلا يُمَكَّن مشرك من دخول الحرم بحال، حتى لو جاء في رسالة، أو أمر مُهِمٍّ لا يمكَّن من الدخول، بل يَخرُج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دَخَل خفية، ومَرِضَ ومات نُبِش، وأُخرِج من الحرم. انتهى (٣). قال في "الفتح": قوله: "وأن لا يحج بعد العام مشرك" هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحجّ، ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صَرَّح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله. انتهى. (وَلَا يَطُوفُ) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا، و"لا" نافية، ويجوز أن يُقرأ بفتح

стр. 14572

الطاء، وتشديد الواو، مجزومًا بالعطف على محل "يحجّ" (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ "يطوف" (عُرْيَانٌ) بالرفع على الفاعلية لـ "يطوف". قال النوويّ ﵀: هذا إبطال لما كانت الجاهلية عليه، من الطواف بالبيت عُرَاةً، واستَدَلَّ به أصحابنا وغيرهم على أن الطواف يُشترط له ستر العورة، والله أعلم. انتهى (١). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال النوويّ: معناه إن الله تعالى قال: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، فَفَعَلَ أبو بكر، وعليّ وأبو هريرة، وغيرهم، من الصحابة هذا الأذان يوم النحر، بإذن النبيّ ﷺ في أصل الأذان، والظاهر أنه عَيَّن لهم يوم النحر، فتعيّن أنه يوم الحج الأكبر، ولأن معظم المناسك فيه. وقد اختَلَفَ العلماء في المراد بيوم الحج الأكبر، فقيل: يوم عرفة، وقال مالك، والشافعيّ، والجمهور: هو يوم النحر، ونقل القاضي عياض عن الشافعيّ أنه يوم عرفة، وهذا خلاف المعروف من مذهب الشافعيّ. قال العلماء: وقيل: الحج الأكبر؛ للاحتراز من الحج الأصغر، وهو العمرة، واحتج من قال: هو يوم عرفة بالحديث المشهور: "الحج عرفةُ"، والله أعلم. انتهى (٢). وقال في "الفتح": استنبطه حميد من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر، قال: واختُلِف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وَصَلَ ذلك عبد الرزاق من طريق عبد الله بن شداد، أحد كبار التابعين، ووصله الطبريّ عن جماعة، منهم: عطاءٌ، والشعبيّ، وعن مجاهد: الحج الأكبر القِرَان، والأصغر الإفراد، وقيل: يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوريّ: أيام الحج تُسَمَّى يوم الحج الأكبر، كما

стр. 14573

يقال: يوم الفتح، وأيده السُّهَيليّ بأن عليًّا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل: لأن أهل الجاهلية كانوا يَقِفُون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له: الأكبر؛ لاجتماع الكل فيه، وعن الحسن: سُمِّي بذلك؛ لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبريّ من طريق أبي جُحيفة وغيره: أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير: أنه النحر، واحتَجَّ بأن يوم التاسع، وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف، لم يفت الحجّ، بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذيّ من حديث عليّ مرفوعًا وموقوفًا: "يومُ الحج الأكبر يومُ النحر"، ورَجَّح الموقوف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥/ ٣٢٨٨] (١٣٤٧)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٣٦٩) و"الحج" (١٦٢٢) و"الجزية والموادعة" (٤٦٥٦ و ٤٦٥٧) و"المغازي" (٤٣٦٣) و"التفسير" (٤٦٥٥ و ٤٦٥٦ و ٤٦٥٧)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٩٤٦)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٢٩٥٨ و ٢٩٥٩) و"الكبرى" (٣٩٤٨ و ٣٩٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧٩ و ٤/ ١٨٤)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٤٤٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٤٣٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٨٢٠)، و (سعيد بن منصور) في "سننه" (٥/ ٢٣٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٧ - ٨٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩١٢) وفي "التفسير" (٢/ ٢٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أنه لا يجوز أن يحجّ البيت مشرك، ولا يطوف به عريان.

стр. 14574

٢ - (ومنها): بيان وجوب ستر العورة في الطواف. ٣ - (ومنها): بيان تحريم دخول مكة على المشركين. ٤ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر ﵁ على بقية الصحابة ﵃، حيث قدّمه ﷺ ليحجّ بالناس في تلك السنة. ٥ - (ومنها): إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من الضلالات، والجهل، والسفاهة، حيث إنهم كانوا يعتقدون أن كشف العورة أمام بيت الله، وأمام الجمع العظيم قربة مما يقرّبهم إلى الله تعالى، فما أشدّ جهلهم، وما أكثر انحرافهم. ٦ - (ومنها): ما استنبطه حميد بن عبد الرحمن الراوي له عن أبي هريرة ﵁ من أن يوم الحجّ الأكبر هو يوم النحر، حيث إن تبليغ هذه الأمور وقع فيه، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ هذا في "صحيحه"، أتمّ من رواية المصنّف، فقال في "كتاب التفسير": (٤٦٥٦) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث، حدّثني عُقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني حميد بن عبد الرحمن؛ أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر، يؤذّنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبيّ ﷺ بعليّ بن أبي طالب، فأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأَذَّن معنا عليّ في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيان. وقال أيضًا: (٤٦٥٧) - حدّثنا إسحاق، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب؛ أن حميد بن عبد الرحمن أخبره؛ أن أبا هريرة أخبره؛ أن أبا بكر ﵁ بعثه في الحجة التي أَمَّره رسول الله ﷺ عليها قبل حجة الوداع، في رهط يؤذّنون في الناس، أن لا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف

стр. 14575

بالبيت عريان، فكان حميد يقول: يومُ النحر يومُ الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. انتهى. قوله: "بعثني أبو بكر … إلخ": قال الطحاويّ في "مشكل الآثار": هذا مشكل؛ لأن الأخبار في هذه القصة تدلّ على أن النبيّ ﷺ كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا، فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟ ثم أجاب بما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأنّ عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره؛ ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يَصْحَلَ صوتي (١)، وكان هو ينادي قبلي حتى يَعْيَ. وأخرجه أحمد أيضًا وغيره، من طريق مُحَرَّر بن أبي هريرة. فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك، كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه عليّ مما أُمر بتبليغه. وقوله: "قال حميد" هو ابن عبد الرحمن بن عوف: ثم أردف رسول الله ﷺ بعليّ، وأمره أن يؤذّن ببراءة. هذا القدر من الحديث مرسلٌ؛ لأن حميدًا لم يُدرك ذلك، ولا صَرَّح بسماعه له من أبي هريرة، لكن قد ثبت إرسال عليّ من عدّة طرق، فروى الطبريّ من طريق أبي صالح، عن عليّ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة، وبعثه على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته فأخذتها منه، فقال أبو بكر: ما لي؟ قال: "خيرٌ، أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنه لا يُبَلِّغ عني غيري، أو رجل مني". ومن طريق عمرو بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد مثله. ومن طريق العُمَريّ، عن نافع، عن ابن عمر كذلك.

стр. 14576

ورَوَى الترمذيّ من حديث مِقْسَم، عن ابن عباس مثله مطوَّلًا، وعند الطبرانيّ من حديث أبي رافع نحوه، لكن قال: "فأتاه جبريل، فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت، أو رجل منك". ورَوَى الترمذيّ، وحسنه، وأحمد من حديث أنس ﵁ قال: بعث النبيّ ﷺ براءة مع أبي بكر، ثم دعا عليًّا فأعطاها إياه، وقال: "لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي"، وهذا يوضح قوله في الحديث الآخر: "لا يبلغ عني"، ويُعْرَف منه أن المراد خصوص القصة المذكورة، لا مطلق التبليغ. ورَوَى سعيد بن منصور، والترمذيّ، والنسائيّ، والطبريّ من طريق أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع، قال: سألت عليًّا: بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بـ "أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عهدٌ فأربعة أشهر". واستُدِلّ بهذا الكلام الأخير على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، يَختصّ بمن لم يكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته، فروى الطبريّ من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنفٌ كان له عهد دون أربعة أشهر، فأُمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنفٌ كانت له مدة عهده بغير أجل، فقُصِرت على أربعة أشهر. وروى أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أن الأربعة الأشهر أجلُ من كان له عهدٌ مؤقت بقدرها، أو يزيد عليها، وأما من ليس له عهد فانقضاؤه إلى سلخ المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ومن طريق عَبِيدة بن سلمان، سمعت الضحاك؛ أن رسول الله ﷺ عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت براءة، فنَبَذَ إلى كل أحد عهده، وأجَّلهم أربعة أشهر، ومن لا عهد له، فأجله انقضاء الأشهر الحرم، ومن طريق السُّدّيّ نحوه، ومن طريق معمر، عن الزهريّ قال: كان أول الأربعة أشهر عند نزول براءة في شوال، فكان آخرها آخر المحرم، فبذلك يُجْمَع بين ذكر الأربعة أشهر، وبين قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.

стр. 14577

واستبعد الطبري ذلك من حيث إن بلوغهم الخبر إنما كان عندما وقع النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم: سيحوا أربعة أشهر، ولم يبق منها إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السُّدّيّ وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة الأشهر في ربيع الآخر (١). وقوله: "أن يؤذّن ببراءة" يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية، وبالجر، ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة، وهو الثابت في الروايات. وقوله: "فأذّن معنا عليٌّ في أهل منى يوم النحر إلخ" قال الكرمانيّ ﵀: فيه إشكالٌ؛ لأن عليًّا كان مأمورًا بأن يؤذن بـ "براءة"، فكيف يؤذن بـ "أن لا يحج بعد العام مشرك"؟ ثم أجاب بأنه أَذَّن ببراءة، ومن جملة ما اشتَمَلت عليه "أن لا يحج بعد العام مشرك"، من قوله تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. ويَحْتَمِل أن يكون أُمِر أن يؤذّن بـ "براءة"، وبما أُمر أبو بكر أن يؤذن به أيضًا. قال الحافظ ﵀: وفي قوله: "يؤذن ببراءة" تَجَوُّزٌ؛ لأنه أُمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، فروى الطبريّ من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال: بَعَثَ رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع، وبعث عليًّا بثلاثين، أو أربعين آية من "براءة". ورَوَى الطبري من طريق أبي الصَّهْباء، قال: سألت عليًّا عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من "براءة" حتى أَتَى عرفة، فخَطَب، ثم التفت إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدِّ رسالة رسول الله ﷺ ، فقمت، فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رَمَيت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط، أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.

стр. 14578

وأما ما وقع في حديث جابر، فيما أخرجه الطبريّ، وإسحاق في "مسنده"، والنسائيّ، والدارميّ كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، من طريق ابن جريج، حدّثني عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁؛ أن النبيّ ﷺ حين رجع من عمرة الجعرانة بَعَث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالْعَرْج ثُوِّب بالصبح، فسمع رَغْوة ناقة النبيّ ﷺ ، فإذا عليّ عليها، فقال له: أميرٌ، أو رسولٌ؟ فقال: بل أرسلني رسول الله ﷺ بـ "براءة"، أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم، قام أبو بكر، فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ، فقرأ على الناس "براءة"، حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك. فيُجْمَع بأن عليًّا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يُؤَذِّن بالأمور المذكورة "أن لا يحج بعد العام مشرك إلخ"، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك. وقد وقع في حديث مِقْسَم عن ابن عباس، عند الترمذيّ أن النبيّ ﷺ بَعَث أبا بكر … الحديث، وفيه: فقام عليّ أيام التشريق، فنادى: "ذمة الله، وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن"، فكان عليّ ينادي بها، فإذا بَحّ (١) قام أبو هريرة فنادى بها. وأخرج أحمد بسند حسن، عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ بَعَث بـ "براءة" مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: "لا يبلّغها إلا أنا، أو رجل من أهل بيتي"، فبعث بها مع عليّ، قال الترمذيّ: حسن غريب. ووقع في حديث عليّ ﵁ عند أحمد: لَمّا نزلت عشر آيات من"براءة" بعث بها النبيّ ﷺ مع أبي بكر؛ ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني، فقال: "أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته، فخذ منه الكتاب"، فرجع أبو بكر، فقال:

стр. 14579

يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟ فقال: "لا، إلا أنه لن يؤدي"، أو "لكن جبريل قال: لا يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك". قال العماد بن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجته. قال الحافظ: ولا مانع من حمله على ظاهره؛ لقرب المسافة، وأما قوله: عشر آيات، فالمراد أولها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (١). [تنبيه]: وقع في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ قوله: "فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها النبيّ ﷺ مشرك". انتهى. قال الحافظ: وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر، وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه مِن قِبَل أبي بكر شيئان: منع حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن عليًّا أيضًا كان ينادي بهما، وكان يزيد: "من كان له عهد فعهده إلى مدّته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم"، وكأن هذه الأخيرة كالتوطئة؛ لأن لا يحج البيت مشرك، وأما التي قبلها فهي التي اختَصَّ عليّ بتبليغها، ولهذا قال العلماء: إن الحكمة في إرسال عليّ بعد أبي بكر أن عادة العرب جَرَت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: "لا يبلّغ عني إلا أنا، أو رجل من أهل بيتي". وروى أحمد، والنسائيّ من طريق مُحَرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة بـ "براءة"، فكنا ننادي: "أن لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك"، فكنت أنادي حتى صَحِلَ صوتي. [تنبيه آخر]: اتفقت الروايات على أن حجة أبي بكر كانت سنة تسع، ووقع في حديث لعبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب،

стр. 14580

عن أبي هريرة، في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] قال: لما كان زمن خيبر اعتَمَر رسول الله ﷺ من الجعرانة، ثم أَمَّر أبا بكر الصديق على تلك الحجة، قال الزهريّ: وكان أبو هريرة يحدِّث أن أبا بكر أَمَره أن يؤذّن بـ "براءة"، ثم أتبع النبيّ ﷺ عليًّا … الحديث. قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: هذا فيه غرابة من جهة أن الأمير في سنة عمرة الجعرانة، كان عَتّاب بن أَسِيد، وأما حجة أبي بكر فكانت سنة تسع. قال الحافظ: يمكن رفع الإشكال بأن المراد بقوله: "ثم أمر أبا بكر" يعني بعد أن رجع إلى المدينة، وطَوَى ذكر مَن وَلِيَ الحج سنة ثمان، فإن النبىّ ﷺ لَمّا رجع من العمرة إلى الجعرانة، فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحج، فأمَّر أبا بكر، وذلك سنة تسع، وليس المراد أنه أمّر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجعرانة، وقوله: "على تلك الحجة" يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة. انتهى ملخّصًا من الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧٦) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٨٩] (١٣٤٨) - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، يَقُولُ: عَن ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ").

стр. 14581

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرف بابن التَّسْتُريّ، صدوقٌ، تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م ي ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤. ٢ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، تقدّم قريبًا. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ) بن حِمَاس -بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة- ابن عمرو الليثيّ المدنيّ. وقيل: يوسف بن يونس بن حِمَاس، ثقةٌ عابد [٦]. روى عن عمّه، وسعيد بن المسيّب، وسُليمان بن يسار، وعطاء بن يسار. وروى عنه ابن جُريج، وبُكير بن الأشجّ، وعبد الله بن عبد الله الأمويّ، ومالك، والدراورديّ. قال أبو حاتم: محلّه الصدق، لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال البزّار: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في "الثقات" فيمن اسمه يوسف، وقال: وهو الذي يُخطئ فيه عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيّ عن مالك، فيقول: يونس بن يوسف، وكان من عُبّاد أهل المدينة، لَمَح يومًا امرأة، فدعا الله تعالى، فأذهب عينيه، ثم دعا، فردّ عليه بصره. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٣٤٨)، وحديث (١٩٠٥): "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل … ". ٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. ٦ - (عَائِشَةُ) ﵂، تقدّمت قريبًا. والباقيان تقدّما في السند الماضي.

стр. 14582

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمّل، والأداء. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن وهب، فمصريون. (ومنها): أن رواية بكير عن يونس من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن بكيرًا من الطبقة الخامسة، ويونس من السادسة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ الْمُسَيَّبِ) أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ) قال أبو العباس القرطبيّ ﵀: رَوَينا "أكثر" رفعًا، ونصبًا، فرفعه على التميميّة، ونصبه على الحجازيّة، وهو في الحالين خبر، لا وصفٌ، والمجروران بعده مبيّنان، فـ "من يوم عرفة" يبيّن الأكثرية، مما هي؟ ومن "أن يُعتق" يبيّن المميّز، وتقدير الكلام: ما يومٌ أكثر من يوم عرفة عتيقًا من النار. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أشار القرطبيّ ﵀ إلى قول الحريريّ ﵀ في مُلحته: وَ"مَا" الَّتِي تَنْفِي كَـ "لَيْسَ" النَّاصِبَهْ … فِي قَوْلِ سُكَّانِ الْحِجَازِ قَاطَبَهْ وقول ابن مالك ﵀ في "خلاصته": إِعْمَالَ "لَيْسَ" أُعْمِلَتْ "مَا" دُونَ "إِنْ" … مَعَ بَقَا النَّفِيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ وقال في "المرعاة": قوله: "ما من يوم" "من" زائدة "أكثر" بالنصب، وقيل: بالرفع "من" زائدة أيضًا. وقال السنديّ في "حاشية النسائيّ": قوله: "أكثر من أن يعتق" أي: أكثر من جهة الإعتاق، وبملاحظته فليست هذه "من" التفضيلية، وإنما التفضيلية هي "من" التي في قوله: "من يوم عرفة". وقال الطيبي: "ما" بمعنى "ليس"، واسمها "يوم"، و"مِنْ" زائدة. انتهى،

стр. 14583

قال القاري: فتقديره: ما من يوم أكثر إعتاقًا فيه اللهُ عبدًا من النار من يوم عرفة. انتهى. وقال السنديّ في "حاشية ابن ماجه": "أكثر" جاء بالنصب على أنه خبر "ما" العاملة على لغة الحجاز، وبالرفع على إبطال عمل "ما" على وجهين، و"أن يُعْتِق" فاعل اسم التفضيل، ويَحْتَمِل على تقدير الرفع أن يجعل "أن يُعتق" مبتدأ خبره "أكثر"، والجملة خبر "ما"، وتجويز فتح "أكثر" على أنه صفة "يوم" محمول على لفظه، إلا أنه جُرّ بالفتحة؛ لكونه غير منصرف، وتجويز رفعه على أنه صفة له حمل له على محله، أو على أنه خبر لما بعده، والجملة صفة، فذاك يُحوج إلى تقدير خبر مثل موجود بلا حاجة إليه. انتهى. وقال الأبيّ: "ما" نافية، وتدخل على المبتدأ والخبر، وللعرب فيها مذهبان، فالحجازيون يرفعون بها المبتدأ الاسم، وينصبون الخبر، والتميميون يرفعون بها الاسمين. وقال النوويّ: رَوَينا الحديث بنصب "أكثر" على أن "ما" حجازية، وبرفعه على أنها تميمية، و "من" زائدة، والتقدير: "ما يوم أكثر"، والمجروران بعده مُبَيِّنان، فـ "مِن يوم عرفة"، مُبَيِّنٌ للأكثرية، مما هي؟ و"من أن يعتق" مُبَيِّن للمبيَّن. انتهى (١). (مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ) بضم أوله، من الإعتاق رباعيًّا (فِيهِ عَبْدًا) زاد في رواية النسائيّ: "أو أمةً" (مِنَ النَّارِ) متعلّق بـ "يُعتق" (مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) متعلّق بـ "أكثر" (وَإِنَّهُ لَيَدْنُو) من الدنوّ، وهو القرب. قال القرطبيّ: قوله: "وإنه ليدنو" هذا الضمير عائدٌ إلى الله تعالى، والدنوّ دنوّ إفضال وإكرام، لا دنوّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه، ويتقدّس. انتهى. وقال النوويّ: قال القاضي عياض: قال المازريّ: معنى "يدنو" في هذا الحديث؛ أي: تدنو رحمته وكرامته، لا دنوّ مسافة ومماسّة، قال القاضي: يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة؛ لما يرى من تنزّل الرحمة، قال القاضي:

стр. 14584

وقد يريد دنوّ الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة، ومباهاة الملائكة بهم عن أمره . انتهى ما ذكره النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من تأويل هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات صفة الدنوّ لله حقيقة، على ما يليق بجلاله، وإنما أدّاهم إلى هذا التأويل السخيف قياسهم الغائب بالشاهد، فظنوا أنهم لو أثبتوا ذلك له لزم تشبيهه بخلقه، وهذا زعم باطل، فالله له الصفات العلى، لا تشبه الصفات، كما أن له ذات لا تشبه الذوات، فالمخلوق له ذاته، وصفاته الخاصّة به، والخالق له ذاته، وصفاته اللائقة بجلاله، ولا يلزم من هذا الإثبات تشبيه أصلًا، وقد ذكرنا غير مرّة أن مذهب السلف قاطبة في مثل هذا الحديث أن يؤمنوا به كما جاء، ويفوّضون الكيفية إلى الله تعالى، فيؤمنون بأن لله تعالى دنوًّا حقيقيًّا، على ما يليق بجلاله، وكذلك له نزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأن له استواءً على العرش كما يليق به، وغير ذلك مما أثبته لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله ﷺ فيما صحّ عنه من الروايات، وأن الدنوّ، والنزول، والاستواء معان معلومة لكلّ من يعرف كلام العرب، فهي ثابتة له تعالى، وإنما المجهول كيفيتها. فالحقّ أن الله له الدنوّ، والنزول، والاستواء، وغيرها من الصفات الثابتة له حقيقةً، لا مجازًا، على كيفية يعلمها هو، لا نعلمها، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ) أي: يفاخرهم بهم، وقال القرطبيّ: أي يُثني عليهم عندهم، ويعظّمهم بحضرتهم، كما في الحديث الآخر: "يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْثًا غُبْرًا، أُشهدكم أني قد غفرت لهم"، قال: وكأن هذا -والله أعلم- تذكير للملائكة بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لتحقيق قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).

стр. 14585

وقال في "المرعاة": "ثم يباهي بهم" أي: بالحجاج "الملائكة" قال بعضهم: أي يُظهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم. وقال التوربشتيّ: المباهاة هو المفاخرة، وهي موضوعة للمخلوقين فيما يترفعون به على أكفاءهم، وتعالى الله الملك الحقّ عن التعزز بما اخترعه ثم تعبّده، وانما هو من باب المجاز، أي: يُحِلّهم من قربه وكرامته بين أولئك الملأ مَحَلّ الشيء المباهى به، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في الحقيقة راجعًا إلى أهل عرفة، أي: يُنزلهم من الكرامة منه منزلة يقتضي المباهاة بينهم، وبين الملائكة، وإنما أضاف العمل إلى نفسه تحقيقًا لكون ذلك عن موهبته، والله أعلم. انتهى كلام التوربشتيّ. قال الجامع عفا الله عنه: دعواه المجاز في المباهاة هو نظير ما سبق في تأويلهم الدنوّ، فالحقّ أن المباهاة على ظاهرها، وقد أجاد صاحب المرعاة ﵀ حيث عقّب على كلام التوربشتيّ هذا، فقال: قلت: الحديث محمول على ظاهره، من غير تأويل، وتكييف، كما هو مذهب السلف الصالح في النزول، والعلوّ، وغيرهما من الصفات، من إمرارها على ظاهرها، وتفويض الكيفية إلى علمه ، فالدنوّ، والمباهاة، معناهما معلوم، والكيفية مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات، ويباهي بهم الملائكة كيف يشاء، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ انتهى كلامه ﵀ (١)، وهو تعقّب حسنٌ جدًّا، فتمسّك به، ولا تَمِل إلى مذهب هؤلاء المأوّلين، فإنه خطأ مبين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَيَقُولُ) (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ") "ما" استفهامية، والاستفهام هنا للتعجّب، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية [الفرقان: ٤٥]. قال القرطبيّ ﵀: أي إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم، وفارقوا أهاليهم، ولذّاتهم، ابتغاء مرضاتي، وامتثال أمري. انتهى (٢) وقال القاري: قوله: (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟) أَيْ: أَيّ شيء أراد هؤلاء حيث تركوا أهلهم، وأوطانهم، وصرفوا أموالهم، وأتعبوا أبدانهم، أي: ما أرادوا

стр. 14586

إلا المغفرة، والرضا، والقرب، واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يَخشى الرد، أو التقدير: ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم، ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونيّاتهم، أو: أي شيء أراد هؤلاء؟ أي شيئًا سهلًا يسيرًا عندنا؛ إذ مغفرة الذنوب الكثيرة مثل التراب، لا يتعاظم عند رب الأرباب. انتهى (١). وقال القاضي عياض: وقد وقع الحديث في "صحيح مسلم" مختصرًا، وذكره عبد الرزاق في "مسنده" من رواية ابن عمر ﵄: "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شُعْثًا، غُبْرًا، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني … " وذكر باقي الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعل القاضي أراد بالاختصار كونه بمعناه، وإلا فلا معنى لدعوى اختصار حديث صحابيّ عن حديث صحابيّ آخر الاختصار المشهور عند المحدثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٦/ ٣٢٨٩] (١٣٤٨)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ٢٥١) و "الكبرى" (٢/ ٤٢٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠١٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٢٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٣٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل يوم عرفة، قال النوويّ ﵀: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلق يوم الجمعة؛ لقوله ﷺ :

стр. 14587

"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة"، كما سبق في "صحيح مسلم". وأصحّهما يوم عرفة؛ للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث "خير يوم طلعت فيه الشمس … " أخرجه النسائيّ في "كتاب الجمعة" برقم (٤/ ١٣٧٣)، وقد استوفيت البحث فيه في "شرحي"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): عظيم منّ الله على المؤمنين، وإكرامه لهم، حيث يباهي بهم الملائكة لوقوفهم بعرفة. ٣ - (ومنها): إثبات صفة الدنوّ لله على ما يليق بجلاله. ٤ - (ومنها): إثبات صفة القول له تعالى أيضًا كذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩٠] (١٣٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُمَىٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨. ٢ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانِ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.

стр. 14588

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سُمَيٍّ) قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: تفرّد سميّ بهذا الحديث، واحتاج إليه الناس فيه، فرواه عنه مالك، والسفيانان، وغيرهما، حتى إن سهيل بن أبي صالح حدّث به عن سُميّ، عن أبي صالح، فكأن سهيلًا لم يسمعه من أبيه، وتحقق بذلك تفرّد سميّ به، فهو من غرائب الصحيح. انتهى. (عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ) أي: منتهية إلى العمرة، قال القاري: أي العمرة المنضمّة إلى العمرة، أو العمرة الموصولة، أو المنتهية إلى العمرة، وقال المناويّ: أي العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهى إلى العمرة، فـ "إلى" للانتهاء على أصلها، وقال الباجيّ، وتبعه ابن التين: إن "إلى" يَحْتَمِل أن تكون بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢]، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصفّ: ١٤]، فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفّرةٌ لما بينهما، فإذا كانت للغاية كان المكفّر هو العمرة الأولى، وإذا كانت بمعنى "مع" كان المكفّر العمرتين، ويدلّ للثاني حديث: "العمرتان تكفّران ما بينهما"، أخرجه البيهقيّ في "شعب الإيمان" من حديث أبي هريرة ﵁، قال المناويّ: فيه من لم أعرفهم، ولم أرهم في كتب الرجال. وقال السنديّ ﵀: قيل: يَحْتَمِل أن تكون "إلى" بمعنى "مع"؛ أي: العمرة مع العمرة، أو بمعناها متعلّقة بـ "كفّارة"؛ أي: تكفّر إلى العمرة، ولازمه أنها تكفّر الذنوب المتأخّرة. انتهى.

стр. 14589

(كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) هذا ظاهر في فضل العمرة، وأنها مكفّرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، قال الحافظ ابن عبد البرّ: "كفّارة لما بينهما" من الذنوب الصغائر، دون الكبائر، قال: وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه، قال الزرقانيّ: وكأنه يعني الباجيّ، فإنه قال: "ما" من ألفاظ العموم، فتقتضي من جهة اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصّه الدليل. واستشكل بعضهم كون العمرة كفّارة مع أن اجتناب الكبائر يكفّر، فماذا تكفّره العمرة؟ وأجيب بأن تكفير العمرة مقيّد بزمنها، وتكفير الاجتناب عامّ لجميع عُمُر العبد، فتغايرا من هذه الحيثيّة، ذكره الزرقانيّ (١). وقال العينيّ: ظاهر الحديث أن الأولى هي المكفّرة؛ لأنها التي وقع الخبر عنها أنها تكفّر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفّر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر. انتهى (٢). وقال الأبيّ: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحثّ على تكرير العمرة والإكثار منها؛ لأنه إذا حُمل على غير ذلك يُشكل بما إذا اعتمر مرّة واحدة، فإنه يلزم عليه أن لا فائدة لها؛ لأن فائدتها، وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية؛ إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيّئات، بل يكون فيها، وفي ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا كُتب له كذا كذا حسنة، ومحيت عنه كذا كذا سيئة، ورُفعت له كذا كذا درجة، فتكون فائدتها إذا لم تكرّر ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، قال: وقال شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن عرفة-: إذا لم تكرّر كفّر بعض ما وقع بعدها، لا كلّه -والله أعلم- بقدر ذلك البعض (٣). (وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ) قال ابن الأثير ﵀: هو الذي لا يخالطه شيء من

стр. 14590

المآثم، وقيل: هو المقبول الْمُقَابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرّ حجّه -بالبناء للفاعل- وبُرَّ حجّه -بالبناء للمفعول- وبرّ اللهُ حجّه وأبرّه بِرًّا بالكسر، وإبرارًا. انتهى (١). وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: "الحج المبرور": هو المتقبّل، وقيل: الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا رَفَث، ولا فسوق، وكانت النفقة فيه من المال الطيّب، وعن ابن عمر، قال: الحجّ المبرور إطعام الطعام، وحسن الصحبة، ورَوَى ضمرة بن ربيعة، عن ثور بن يزيد، قال: من أمّ هذا البيت، ولم يكن فيه ثلاث خصال، لم يَسلَم له حجه: من لم يكن له حِلْمٌ يضبط به جهله، ووَرَعٌ عما حرّم الله عليه، وحسن الصحبة لمن صحبه. ثم أخرج بسنده عن جابر ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ : ما برّ الحجّ؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام" (٢)، قال: وذكر ابن شاهين بسنده: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما الحجّ المبرور؟ قال: أن يدفع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ باختصار (٣). وقال النوويّ ﵀: الأصحّ الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما. انتهى (٤). وقال في "الفتح": قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم. ورجّحه النوويّ، وقال القرطبيّ: الأقوال التي ذُكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجّ الذي وُفِّيَت أحكامه، ووقع موقعًا لما طُلب من المكلّف على الوجه الأكمل، وقيل: إنه يظهر بآخره، فإن

стр. 14591

رجع خيرًا مما كان عُرف أنه مبرور، ولأحمد، والحاكم من حديث جابر: قالوا: يا رسول الله ما برّ الحجّ؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام". وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعيّن، دون غيره. انتهى بتصرّف يسير (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبيّ: صحيح، وحسّن سنده المنذريّ في الترغيب، والهيثميّ في "مجمع الزوائد"، لكن الحقّ تضعيفه كما قال الحافظ؛ لأن في سند أحمد محمد بن ثابت مجمع على ضعفه، وفي سند الحاكم أيوب بن سُويد، ضعّفه الجمهور، بل قال ابن معين: يسرق الأحاديث، والله تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: الحجّ المبرور هو الذي لا معصية بعده، قال الأبيّ: وهو الظاهر؛ لقوله في الحديث الآخر: "من حجّ هذا البيت، فلم يَرْفُث، ولم يفسق … " الحديث؛ إذ المعنى: ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفه بالفاء المُشعرة بالتعقيب، وإذا فسّر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد، وتفسير الحديث بالحديث أولى، ويكون الرجوع بلا ذنب كناية عن دخول الجنّة مع السابقين. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن العربي، واستظهره الأبىّ هو الأرجح عندي، لكن بإبدال قوله: "بعده" بلفظ "فيه"، يعني أن الحجّ المبرور هو الذي ليس فيه رفثٌ، ولا فسوقٌ، بمعنى أنه لا معصية في حال إيقاعه، بل اجتنب فيه المحظورات الشرعية حال أدائه. والحاصل أن معنى الحديثين واحدٌ، فيكون حديث: "من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" تفسيرًا لمعنى قوله: "الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة"، فإنه إذا رجع كيوم ولدته أمّه؛ أي: ليس عليه شيء من الذنوب كان من أهل الجنّة السابقين إليها من غير شكّ، والله تعالى أعلم. (لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ) أي: ثوابٌ (إِلَّا الْجَنَّةُ") بالرفع، أو النصب، وهو نحو "ليس الطيب إلا المسك" بالرفع، فإن بني تميم يرفعونه حملًا لها على "ما" في الإهمال عند انتقاض النفي، كما حَمَل أهلُ الحجاز "ما" على "ليس" في

стр. 14592

الإعمال عند استيفاء شروطها، كذا قاله ابن هشام الأنصاريّ في "مغني اللبيب". قال النوويّ ﵀: "ليس له جزاء إلا الجنّة" معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخل الجنّة. انتهى. وقال السنديّ: "ليس له جزاء إلا الجنّة": أي دخولُها أوّلًا، وإلا فمطلق الدخول يكفي فيه الإيمان، وعلى هذا فهذا الحديث من أدلّة أن الحجّ تُغفر به الكبائر أيضًا؛ لحديث: "رجع كيوم ولدته أمه"، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما تقدّم من الذنوب، وما تأخّر، والله تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ ﵀ من تكفير الحجّ المبرور جميع الذنوب كبائرها وصغائرها، هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٦/ ٣٢٩٠ و ٣٢٩١] (١٣٤٩)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٧٧٣)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٩٣٣)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١١٢ و ١١٥) و"الكبرى" (٢/ ٣٢٢)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٨٨٨)، و (مالك) في "الموطّأ" (٧٧٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣١٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٦ و ٤٦١ و ٤٦٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٩٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥١٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٢٧)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢٧٨ و ٥/ ٣٢٩ و ٧/ ٩٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ١١)، و (الضياء) في "المختارة" (٨/ ١٩٥)، و (البيهقيّ)

стр. 14593

في "الكبرى" (٤/ ٣٤٣ و ٥/ ٢٦١) و"المعرفة" (٣/ ٤٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وهو بيان فضل الحجّ المبرور. ٢ - (ومنها): بيان فضل المتابعة بين العمرتين. ٣ - (ومنها): مشروعية الاستكثار من الاعتمار؛ خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرّة؛ كالمالكيّة، ولمن قال: مرّة في الشهر، من غيرهم، وسيأتي الكلام عليه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى جواز الاعتمار قبل الحجّ، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ على ذلك، فقال: "باب من اعتمر قبل الحجّ"، ثم أورد في الباب حديث أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحجّ؟ فقال: لا بأس، اعتمر النبيّ قبل أن يحجّ. انتهى. وأخرج الإمام أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: حدثنا عكرمة بن خالد بن العاصي المخزوميّ، قال: قَدِمت المدينة في نَفَر من أهل مكة، فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنا لم نَحُجّ قط، أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله ﷺ عُمَره كلها قبل حجه، قال: فاعتمرنا. قال ابن بطال ﵀: هذا يدلّ على أن فرض الحجّ كان قد نزل على النبيّ ﷺ قبل اعتماره، ويتفرّع عليه، هل الحج على الفور أو التراخي؟ وهذا يدلّ على أنه على التراخي، قال: وكذلك أمر النبيّ ﷺ أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة دالّ على ذلك. انتهى. قال الحافظ: وقد نوزع في ذلك؛ إذ لا يلزم من صحة تقديم أحد النسكين على الآخر نفي الفورية فيه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا التعقّب نظر لا يخفى؛ إذ ما ذكره ابن بطّال ﵀ من الاستدلال بما ذُكر على عدم الفوريّة واضح لا خفاء فيه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن جعل العمرة مكفّرةً، والحجّ جزاءه الجنّة يقتضي أن الحجّ أكمل من العمرة.

стр. 14594

٦ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن القيّم ﵀: في الحديث دليل على التفريق بين الحجّ والعمرة في التكرار، إذ لو كانت العمرة كالحجّ لا يُفعَل في السنة إلا مرّة لسوّى بينهما، ولم يفرّق. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمرة: وقال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في وجوب العمرة، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها واجبة، وممن قال به: عمر، وابن عمر، وابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ، ومسروق، وابن سيرين، والشعبيّ، وأبو بردة بن أبي موسى، وعبد الله بن شداد، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود. وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور: هي سنةٌ، وليست واجبة، وحُكِي أيضًا عن النخعيّ. انتهى (١). وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب وجوب العمرة، وفضلها". قال في "الفتح": وجزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابعٌ في ذلك للمشهور عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوّعٌ، وهو قول الحنفية. واستدلوا بما رواه الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁: أَتَى أعرابيّ النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: "لا، وأَن تعتمر خير لك"، أخرجه الترمذيّ، والحجاج ضعيف. وقد رَوَى ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا: "الحج والعمرة فريضتان"، أخرجه ابن عديّ، وابن لهيعة ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، بل رَوَى ابن الجهم المالكيّ بإسناد حسن عن جابر ﵁: "ليس مسلم إلا عليه عمرة"، موقوفٌ على جابر ﵁.

стр. 14595

واستدَلّ الأولون بما ذُكِر في هذا الباب، وبقول صُبَيّ بن مَعْبد لعمر ﵁: "رأيت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فأهللت بهما، فقال له: هُدِيت لسنة نبيك"، أخرجه أبو داود، وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر، سؤال جبريل عن الإيمان، والإسلام، فوقع فيه: "وأن تحجّ، وتعتمر"، وإسناده قد أخرجه مسلم، لكن لم يسق لفظه. وبأحاديث أُخَر غير ما ذُكِر، وبقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: أقيموهما، وزعم الطحاويّ أن معنى قول ابن عمر: "العمرة واجبة"؛ أي: وجوب كفاية، ولا يخفى بُعده مع اللفظ الوارد عن ابن عمر. وذهب ابن عباس، وعطاء، وأحمد إلى أن العمرة لا تجب على أهل مكة، وإن وجبت على غيرهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من ذِكر هذه الأقوال، وأدلّتها أن ما ذهب إليه الأولون من كون العمرة واجبة مطلقًا، سواء كان الشخص مكيًّا، أو آفاقيًّا هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، كما سبق آنفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة تكرار العمرة: ذهب الجمهور إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وهو المذهب الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة الكثيرة في الترغيب في الاستكثار منها، كحديث الباب. وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه يُكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة. وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة. قال الحافظ: واستدلّ لهم بأنه ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو الندب. وتُعُقّب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد كان يترك الشيء، وهو يستحبّ فعله لرفع المشقّة عن أمّته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد. انتهى (٢).

стр. 14596

وقد حقّق المسألة الإمام ابن حزم ﵀ وردّ على القائلين بكراهة التكرار في كتابه "المحلّى"، ودونك عبارته: [مسألة]: والحجّ لا يجوز إلا مرّة في السنة، وأما العمرة فنُحبّ الإكثار منها؛ لما ذكرنا من فضلها، فأما الحجّ فلا خلاف فيه، وأما العمرة، فإننا روينا من طريق مجاهد، قال عليّ بن أبي طالب: في كلّ شهر عمرة، وعن القاسم بن محمد أنه كره عمرتين في شهر واحد. وعن عائشة أم المؤمنين أنها اعتمرت ثلاث مرّات في عام واحد، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ كراهة العمرة أكثر من مرّة في السنة، وهو قول مالك، وروينا عن طاوس: إذا مضت أيام التشريق، فاعتَمِر متى شئت. وعن عكرمة: اعتَمِرْ متى أمكنك الموسَى، وعن عطاء إجازة العمرة مرّتين في الشهر، وعن ابن عمر أنه اعتمر مرّتين في عام واحد مرّة في رجب، ومرّةً في شوّال، وعن أنس بن مالك أنه أقام مدّة بمكّة، فكلما جمّ رأسه خرج فاعتمر، وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وبه نأخذ؛ لأن رسول الله ﷺ قد أعمر عائشة مرّتين في الشهر الواحد، ولم يكره ﷺ ذلك، بل حضّ عليها، وأخبر أنها تكفّر ما بينها، وبين العمرة الثانية فالإكثار منها أفضل، وبالله تعالى التوفيق. واحتجّ من كَره ذلك بأن رسول الله ﷺ لم يعتمر في عام إلا مرّة واحدة. قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنه إنما يُكره ما حَضَّ على تركه، وهو ﵇ لم يحجّ مذ هاجر إلا حجة واحدة، ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عُمَر، فيلزمكم أن تكرهوا الحجّ إلا مرّة في العمر، وأن تكرهوا العُمَر إلا ثلاث مرّات في الدهر، وهذا خلاف قولكم، وقد صحّ أنه كان ﵇ يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمل به، مخافة أن يشقّ على أمته، أو أن يُفْرَضَ عليهم. والعجب أنهم يستحبّون أن يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وأن يقوم أكثر من ثلث الليل، وقد صحّ أن رسول الله ﷺ لم يصم قط شهرًا كاملًا، ولا أكثر من نصف الدهر، ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أكثر من ثلث الليل، فلم يروا فعله ﵇ ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحّة نهيه عن الزيادة في الصوم، ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا

стр. 14597

فعله ﵇ في أنه لم يعتمر في العام إلا مرّة مع حضّه على العمرة، والإكثار منها حجة في كراهة الزيادة على عمرة من العام، وهذا عجبٌ جدًّا. انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو بَحْثٌ نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن الحقّ قول من قال بمشروعيّة تكرار العمرة؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في وقت العمرة: قال النوويّ ﵀: واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة، فتصحّ في كلّ وقت منها، إلا في حقّ من هو متلبّسٌ بالحجّ، فلا يصحّ اعتماره حتى يفرغ من الحجّ، ولا تكره عندنا لغير الحاجّ في يوم عرفة، والأضحى، والتشريق، وسائر السنة، وبهذا قال مالك، وأحمد، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تُكره في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق، وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام: وهي عرفة، والتشريق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال الحافظ ﵀: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبّسًا بأعمال الحجّ، إلا ما نُقل عن الحنفيّة أنه يكره في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيّام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتَمَر فلا بدّ أن يحلق، أو يقصّر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليتمكّن من حلق الرأس فيها، قال ابن قُدامة: هذا يدلّ على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في استثناء الأيام التي ذكروا أن العمرة تُكره فيها نَظَرٌ، فالذي يظهر أنها تجوز في كلّ أيام السنة؛ إذ لا نصّ، ولا إجماع في استثناء بعض الأيام المذكورة، حتى نعتمد عليه في كراهتها فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 14598

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: تسعة عشر: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦. ٧ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٤/ ١٦٧٤. ٨ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قريبًا. ٩ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قريبًا. ١٠ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضًا قريبًا. ١١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ، تقدّم قبل بابين. ١٢ - (أَبو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا.

стр. 14599

١٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا. ١٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أيضًا قريبًا. ١٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ١٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ) أي: أن كلًّا من وكيع وعبد الرحمن بن مهدي رويا عن سفيان الثوريّ. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ) الإشارة إلى كلّ من ابن عيينة، وسهيل بن أبي صالح، وعبيد الله العمريّ، وسفيان الثوريّ، روى أربعتهم عن سُميّ. [تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، عن سُميّ، فساقها ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٣/ ١٢٠) فقال: (١٢٦٣٩) - حدّثنا أبو بكر (١)، قال: حدثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن سُمَىٍّ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ ليس له جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ". انتهى. وأما رواية عبيد الله العمريّ، عن سُميّ، فساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٣٥٩) فقال: (٣٠٧٢) - ثنا عليّ بن المنذر، ثنا ابن نمير (٢)، عن عبيد الله، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لِما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". انتهى. وأما رواية سفيان الثوريّ، عن سُميّ، فساقها الترمذيّ في "جامعه" (٤/ ١١) فقال: (٨٥٥) - حدّثنا أبو كريب، حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "العمرة إلى العمرة تكفّر ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.

стр. 14600

وأما رواية سهيل بن أبي صالح، عن سُميّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩٢] (١٣٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"). رجال الإسناد: سبعة: ١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ والتحديثَ والعنعنة، وكلها من صيغ الإتصال على الأصح في "عن" من غير المدلس، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "الفتح": صرّح منصور بسماعه له عن أبي حازم في رواية شعبة، فانتفى بذلك تعليل من أعلّه بالاختلاف على منصور؛ لأن البيهقيّ أورده من طريق إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، زاد فيه رجلًا، فإن كان إبراهيم حفظه، فلعلّه حمله منصور عن هلال،
следующие страницы →