وقد حقّق المسألة الإمام ابن حزم ﵀ وردّ على القائلين بكراهة التكرار في كتابه "المحلّى"، ودونك عبارته:
[مسألة]: والحجّ لا يجوز إلا مرّة في السنة، وأما العمرة فنُحبّ الإكثار منها؛ لما ذكرنا من فضلها، فأما الحجّ فلا خلاف فيه، وأما العمرة، فإننا روينا من طريق مجاهد، قال عليّ بن أبي طالب: في كلّ شهر عمرة، وعن القاسم بن محمد أنه كره عمرتين في شهر واحد. وعن عائشة أم المؤمنين أنها اعتمرت ثلاث مرّات في عام واحد، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ كراهة العمرة أكثر من مرّة في السنة، وهو قول مالك، وروينا عن طاوس: إذا مضت أيام التشريق، فاعتَمِر متى شئت. وعن عكرمة: اعتَمِرْ متى أمكنك الموسَى، وعن عطاء إجازة العمرة مرّتين في الشهر، وعن ابن عمر أنه اعتمر مرّتين في عام واحد مرّة في رجب، ومرّةً في شوّال، وعن أنس بن مالك أنه أقام مدّة بمكّة، فكلما جمّ رأسه خرج فاعتمر، وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وبه نأخذ؛ لأن رسول الله ﷺ قد أعمر عائشة مرّتين في الشهر الواحد، ولم يكره ﷺ ذلك، بل حضّ عليها، وأخبر أنها تكفّر ما بينها، وبين العمرة الثانية فالإكثار منها أفضل، وبالله تعالى التوفيق.
واحتجّ من كَره ذلك بأن رسول الله ﷺ لم يعتمر في عام إلا مرّة واحدة. قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنه إنما يُكره ما حَضَّ على تركه، وهو ﵇ لم يحجّ مذ هاجر إلا حجة واحدة، ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عُمَر، فيلزمكم أن تكرهوا الحجّ إلا مرّة في العمر، وأن تكرهوا العُمَر إلا ثلاث مرّات في الدهر، وهذا خلاف قولكم، وقد صحّ أنه كان ﵇ يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمل به، مخافة أن يشقّ على أمته، أو أن يُفْرَضَ عليهم.
والعجب أنهم يستحبّون أن يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وأن يقوم أكثر من ثلث الليل، وقد صحّ أن رسول الله ﷺ لم يصم قط شهرًا كاملًا، ولا أكثر من نصف الدهر، ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أكثر من ثلث الليل، فلم يروا فعله ﵇ ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحّة نهيه عن الزيادة في الصوم، ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا
стр. 14597
فعله ﵇ في أنه لم يعتمر في العام إلا مرّة مع حضّه على العمرة، والإكثار منها حجة في كراهة الزيادة على عمرة من العام، وهذا عجبٌ جدًّا. انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو بَحْثٌ نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن الحقّ قول من قال بمشروعيّة تكرار العمرة؛ لوضوح حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في وقت العمرة:
قال النوويّ ﵀: واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة، فتصحّ في كلّ وقت منها، إلا في حقّ من هو متلبّسٌ بالحجّ، فلا يصحّ اعتماره حتى يفرغ من الحجّ، ولا تكره عندنا لغير الحاجّ في يوم عرفة، والأضحى، والتشريق، وسائر السنة، وبهذا قال مالك، وأحمد، وجماهير العلماء.
وقال أبو حنيفة: تُكره في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق، وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام: وهي عرفة، والتشريق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال الحافظ ﵀: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبّسًا بأعمال الحجّ، إلا ما نُقل عن الحنفيّة أنه يكره في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيّام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتَمَر فلا بدّ أن يحلق، أو يقصّر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليتمكّن من حلق الرأس فيها، قال ابن قُدامة: هذا يدلّ على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في استثناء الأيام التي ذكروا أن العمرة تُكره فيها نَظَرٌ، فالذي يظهر أنها تجوز في كلّ أيام السنة؛ إذ لا نصّ، ولا إجماع في استثناء بعض الأيام المذكورة، حتى نعتمد عليه في كراهتها فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14598
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة عشر:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأمويّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦.
٧ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٤/ ١٦٧٤.
٨ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قريبًا.
٩ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قريبًا.
١٠ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضًا قريبًا.
١١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ، تقدّم قبل بابين.
١٢ - (أَبو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا.
стр. 14599
١٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا.
١٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أيضًا قريبًا.
١٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
١٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ) أي: أن كلًّا من وكيع وعبد الرحمن بن مهدي رويا عن سفيان الثوريّ.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ) الإشارة إلى كلّ من ابن عيينة، وسهيل بن أبي صالح، وعبيد الله العمريّ، وسفيان الثوريّ، روى أربعتهم عن سُميّ.
[تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، عن سُميّ، فساقها ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٣/ ١٢٠) فقال:
(١٢٦٣٩) - حدّثنا أبو بكر (١)، قال: حدثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن سُمَىٍّ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ ليس له جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ". انتهى.
وأما رواية عبيد الله العمريّ، عن سُميّ، فساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٣٥٩) فقال:
(٣٠٧٢) - ثنا عليّ بن المنذر، ثنا ابن نمير (٢)، عن عبيد الله، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لِما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". انتهى.
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن سُميّ، فساقها الترمذيّ في "جامعه" (٤/ ١١) فقال:
(٨٥٥) - حدّثنا أبو كريب، حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "العمرة إلى العمرة تكفّر ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
стр. 14600
وأما رواية سهيل بن أبي صالح، عن سُميّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٢] (١٣٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ").
رجال الإسناد: سبعة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ والتحديثَ والعنعنة، وكلها من صيغ الإتصال على الأصح في "عن" من غير المدلس، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": صرّح منصور بسماعه له عن أبي حازم في رواية شعبة، فانتفى بذلك تعليل من أعلّه بالاختلاف على منصور؛ لأن البيهقيّ أورده من طريق إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، زاد فيه رجلًا، فإن كان إبراهيم حفظه، فلعلّه حمله منصور عن هلال،
стр. 14601
ثمّ لقي أبا حازم، فسمعه منه، فحدّث به على الوجهين، وصرّح أبو حازم بسماعه له من أبي هريرة عند البخاريّ من طريق شعبة. انتهى. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن منصور: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ" في رواية له من طريق سيّار، عن أبي حازم: "من حجّ لله"؛ أي: لابتغاء وجه الله تعالى، والمراد به الإخلاص.
ورواية مسلم هذه بلفظ: "من أتى هذا البيت"، تشمل الحجّ والعمرة، وقد أخرجه الدارقطنيّ من طريق الأعمش، عن أبي حازم، بلفظ: "من حجّ، أو اعتمر"، لكن في الإسناد إلى الأعمش ضعف، قاله في "الفتح".
وقال في موضع آخر: ويَجوز حمل لفظ "حجّ" على ما هو أعمّ من الحجّ والعمرة، فتساوي رواية "من أتى" من حيث إن الغالب أن إتيانه إنما هو للحجّ، أو العمرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا تَساوي بين الحجّ والعمرة في هذا الفضل، فالأَولى حمل رواية "من أتى" على رواية "من حجّ"، فيكون المعنى: من أتى هذا البيت للحجّ، والدليل على ذلك التفريق الذي تقدّم في حديث: "العمرةُ إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة"، فهذا التفريق يرشد إلى زيادة فضل الحجّ على العمرة، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ يَرْفُثْ) بتثليث الفاء في الماضي، والضمّ، والفتح في المضارع، والرفث: الجماع، ويُطلق على التعريض به، وعلى الفحش من القول، وقال الأزهريّ: الرفث اسم جامع لكلّ ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصّه بما خوطب به النساء، وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع. انتهى.
стр. 14602
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعمّ من ذلك، وإليه نحا القرطبيّ، وهو المراد بقوله في "الصيام": "فإذا كان صوم أحدكم، فلا يرفث". انتهى (١).
وفي "المصباح": رَفَث في منطقه رَفْثًا، من باب طلب، ويَرْفِث بالكسر لغة: أفحش فيه، أو صرّح بما يُكْنَى عنه من ذكر النكاح، وأرفث بالألف لغة، والرفث: النكاح، فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٦] المراد الجماع، وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قيل: فلا جماع، وقيل: فلا فُحش من القول، وقيل: الرفث يكون في الفرج بالجماع، وفي العين بالغمز للجماع، وفي اللسان للمواعدة به. انتهى (٢).
وفي "القاموس": الرفَثُ محرّكة: الجماع، والفحش، كالرُّفُوث، وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوجِهنَ به من الفحش، وقد رَفُث، كنَصَر، وفَرِحَ، وكَرُم، وأرفث. انتهى (٣).
فيستفاد من عبارة "القاموس" أن ماضيه مثلث العين، ومضارعه فيه الضمّ، والفتح فقط. فقول الحافظ في "الفتح": فاء الرفث مثلّثة في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي، والضمّ في المستقبل، ففيه نظر، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَفْسُقْ) أي: لم يأت بسيّئة، ولا معصية، وأغرب ابن الأعرابيّ، فقال: إن لفظ الفسق لم يُسمع في الجاهليّة، ولا في أشعارهم، وإنما هو إسلاميّ، وتُعُقّب بأنه كثُر استعماله في القرآن، وحكايته عمّن قبل الإسلام، وقال غيره: أصله: انفسقت الرُّطَبَة: إذا خرجت، فسمّي الخارج عن الطاعة فاسقًا، قاله في "الفتح" (٤).
وقال في "القاموس": الفِسْق بالكسر: الترك لأمر الله تعالى، والعصيان، والخروج عن طريق الحقّ، أو الفجور؛ كالفسوق، فَسُق، كنصر، وضرب، وكرم، فِسقًا، وفسوقًا، وإنه لفسق: خروج عن الحقّ، وفَسَقَ عن أمر ربّه:
стр. 14603
جار، والرُّطَبَة عن قشرها: خرجت، كانفسقت، قيل: ومنه الفاسق؛ لانسلاخه عن الخير، والفويسقة: الفأرة؛ لخروجها من جُحْرها على الناس. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: الرفث التصريح بذكر الجماع، والإعراب به، وقال الأزهريّ: هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]: الرفث إتيان النساء، والفسوقُ السباب، والجدال المراء، يعني مع الرفقاء، والخَدَم والْمُكَارِين، وإنما لم يُذكر الجدال في الحديث؛ اعتمادًا على الآية، والفاء في "فلم يرفث" معطوف على الشرط، وجوابه "رجع"؛ أي: صار، والجارّ والمجرور خبرٌ، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: رجع مشابهًا لنفسه في البراءة من الذنوب في يوم ولدته أمه. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢).
وإنما صرّح بنفي الفسق في الحجّ، مع كونه ممنوعًا في كلّ حال، وفي كلّ حين؛ لزيادة التقبيح، والتشنيع، ولزيادة تأكيد النهي عنه في الحجّ، وللتنبيه على أن الحجّ أبعد الأعمال عن الفسق، والله تعالى أعلم.
(رَجَعَ) أي: صار، أو رجع من ذنوبه، أو حجته، أو فرغ من أعمال الحجّ، وحَملُهُ على معنى رجع إلى بيته بعيد، قاله السنديّ ﵀ (كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ") "ما" مصدريّة، فيكون المعنى على حذف مضاف؛ أي: كحال ولادة أمه له، يعني أنه لا شيء عليه من الذنوب، وفي رواية البخاريّ: "رجع كيوم ولدته أمه"، وفي رواية أحمد، والدارقطنيّ: "رجع كهيئته يوم ولدته أمه"؛ أي: بغير ذنب مشابهًا لنفسه يوم ولدته أمه، إذ لا معنى لتشبيه الشخص باليوم، أفاده السنديّ.
وظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، والتَّبِعَات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العبّاس بن مِرْداس ﵁ المصرّح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في "تفسير الطبريّ"، وإليه ذهب القرطبيّ، وعياضٌ، لكن قال الطبريّ: هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب، وعجز عن وفائها.
стр. 14604
وقوله: "فلم يرفث"، والواو في قوله: "ولم يفسق" عطف على الشرط في قوله: "من أتى"، وجوابه "رجع"، والجارّ والمجرور خبر له، ويَحْتَمِل أن يكون حالًا؛ أي: صار مشابهًا لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
وقوله: "كيومِ ولدته" يجوز بناء "يومَ" على الفتح؛ لإضافته إلى جملة، ويجوز إعرابه، فيكون مجرورًا بالكسرة، كما قال ابن مالك في "خلاصته":
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
قال الحافظ ﵀: وذكر لنا بعض الناس أن الطيبيّ (١) أفاد أن الحديث إنما لم يُذكر فيه الجدال كما ذُكر في الآية على طريقة الاكتفاء بذكر البعض، وترك ما دلّ عليه ما ذُكر، ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذلك يختلف بالقصد؛ لأن وجوده لا يؤثّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجّ فيما يظهر من الأدلّة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثّر أيضًا، فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثّر أيضًا. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٦/ ٣٢٩٢ و ٣٢٩٣ و ٣٢٩٤] (١٣٥٠)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٢١) و"المحصر" (١٨١٩ و ١٨٢٠)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨١١)، و (النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٥/ ١١٤) و"الكبرى" (٢/ ٣٢١)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٨٨٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨٨٠٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥١٩)، و (الحميديّ) في "مسنده"
стр. 14605
(١٠٠٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٨٤ و ٤٩٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٩٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٢٩)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٣٨ و ٢٥٧)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (٩٢٦ و ١٨٠٩ و ١٩١٠)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٣٧٢٤)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٦٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٤١) و"التفسير" (١/ ١٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الحجّ.
٢ - (ومنها): بيان أن الحجّ المستوفي للشروط المذكورة في هذا الحديث مكفّرٌ للذنوب، كبائرها، وصغائرها.
٣ - (ومنها): أن الفسوق، وإن كانت ممنوعة في جميع حالات العبد، إلا أن ذلك يتأكّد في حالة الحجّ.
٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على عناية الحاجّ في تخليص حجه عما يشينه من هذه الأمور المذكورة.
٥ - (ومنها): بيان شؤم الذنوب والمعاصي حيث إنها تنقص الأعمال الصالحة، وتجعلها قليلة الفائدة، بل ربما أبطلتها، فينبغي العناية بالابتعاد عنها، وإن بدرت بادرة بادر إلى التوبة منها، والرجوع واللجوء إلى الله ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: "مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ").
стр. 14606
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (مِسْعَرُ) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ٣١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ مَنْصُورٍ) يعني أن كلًّا من أبي عوانة، وأبي الأحوص، ومسعر، وسفيان الثوريّ، وشعبة، كلّ هؤلاء الخمسة رووا هذا الحديث عن منصور بن المعتمر.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، وأبي الأحوص كليهما عن منصور، لم أجد من ساقها، فليُنظر.
وأما رواية وكيع عن مسعر، وسفيان فقد ساقها أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٣/ ١٢٠) فقال:
(١٢٦٤٠) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا وَكِيعٌ، قال: حدّثنا مِسْعَرٌ، وَسُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن أبي حَازِمٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "من حج، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه". انتهى.
وأما رواية شعبة، عن منصور، فقد ساقها الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤١٠) فقال:
(٩٣٠٢) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جَعْفَرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حَازِمٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "من حَجَّ هذا الْبَيْتَ، فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كما وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14607
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سَيَّارٌ) أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، واسم أبيه وَرْدان، وقيل: ورد، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سيّار، عن أبي حازم ساقها البخاريّ ﵀، فقال:
(١٤٤٩) - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا سَيَّارٌ أبو الْحَكَم، قال: سمعت أَبَا حَازِمٍ، قال: سمعت أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من حَجَّ للهِ، فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٧) - (بَابُ نُزُولِ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ، وَتَوْرِيثِ دُورِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٥] (١٣٥١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟ ". وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ، هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ).
стр. 14608
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٣٠/ ١٨١٨.
٣ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) بن العاص الأمويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الجنائز" ٩/ ٢١٤٩.
٤ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، وأبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، سوى موضع واحد.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، حبّ رسول الله ﷺ ، وابن حبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) ﵄ (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) وفي الرواية التالية: "أين تَنْزِل غَدًا؟ وذلك في حجته حين دنونا
стр. 14609
من مكة"، قال في "الفتح": ظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد في دخول مكة، ويزيده وضوحًا رواية زَمْعة بن صالح، عن الزهريّ، بلفظ: "لما كان يومُ الفتح قبل أن يدخل النبيّ ﷺ مكة قيل: أين تنزل؟ أفي بيوتكم؟ .. " الحديث، وروى عليّ ابن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ بن حسين، قال: قيل للنبيّ ﷺ حين قدم مكة: أين تنزل؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من طَلّ؟ "، قال علي ابن المدينيّ: ما أشكّ أن محمد بن عليّ بن الحسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال ذلك حين أراد أن ينفر من منى، فَيُحْمَل على تعدد القصة. انتهى (١).
وقوله: (فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟) قال القاضي عياض ﵀: لعله أضاف الدار إليه ﷺ ؛ لسكناه إياها مع أن أصله كان لأبي طالب؛ لأنه الذي كفله، ولأنه أكبر ولد عبد المطلب، فاحتوى على أملاك عبد المطلب، وحازها وحده؛ لسنّه على عادة الجاهلية، قال: ويَحْتَمِل أن يكون عَقِيل باع جميعها، وأخرجها عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، قال الداوديّ: فباع عَقيل جميع ما كان للنبيّ ﷺ ، ولمن هاجر من بني عبد المطلب. انتهى (٢).
(فَقَالَ) ﷺ ("وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ) بفتح، فكسر، هو عَقِيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يزيد، وقيل: أبو عيسى، أسلم قبل الحديبية، وشَهِد غزوة مؤتة، وكان أسنّ من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسنّ من عليّ بعشر سنين، وكان عَقِيل من أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، روى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وعطاء، وأبو صالح السمان، وموسى بن طلحة، والحسن البصريّ ومالك بن أبي عامر الأصبحيّ.
стр. 14610
قال ابن سعد: قالوا: مات في خلافة معاوية بعدما عَمِي، وفي تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد بن معاوية قبل وَقْعة الحرّة، وقال ابن سعد: خرج عَقِيل مهاجرًا في أول سنة ثمان، فشَهِد مؤتة، ثم رجع، فعَرَض له مرض، فلم يُسْمَع له بخبر، لا في فتح مكة، ولا حُنين، ولا الطائف، وله عَقِب.
قال الحافظ: وفيما قال نظرٌ، فقد رَوَى الزبير بن بكار، من طريق الحسين بن عليّ قال: كان ممن ثبت مع النبيّ ﷺ يوم حُنين: العباس، وعليّ، وعَقِيل، وسَمَّى جماعةً. انتهى.
أخرج له النسائيّ، وابن ماجه، وليس له عند غيرهما إلا مجرّد الذكر.
(مِنْ رِبَاعٍ) بكسر الراء: جمع رَبْع، بفتح الراء، وسكون الموحدة، وهو المنزل المشتمِل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا فقوله: (أَوْ دُورٍ؟ ") إما للتأكيد، أو من شك الراوي، وفي رواية محمد بن أبي حفصة: "من منزل"، وأخرج هذا الحديث الفاكهي من طريق محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: "ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه، فقسمها بين ولده حين عُمِّر، فمن ثَمّ صار للنبيّ ﷺ حَقُّ أبيه عبد الله، وفيها وُلد النبيّ ﷺ " (١).
وقوله: (وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ) قال في "العمدة": إدراج من بعض الرواة، ولعله من أسامة، كذا قال الكرَمانيّ (٢)، وقوله: (هُوَ) أُتي؛ ليعطف قوله: "وطالبٌ" على الضمير المتّصل في "وَرِثَ"، وإن كان الفصل حصل بالمفعول، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
стр. 14611
(وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ، وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ) مُحَصَّل هذه القصّة أن النبيّ ﷺ لما هاجر استولى عَقِيل وطالب على الدار كلها، باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يُسلما، وباعتبار ترك النبيّ ﷺ لحقّه منها بالهجرة، وفُقِد طالب ببدر، فباع عَقِيل الدار كلها.
وحَكَى الفاكهيّ أن الدار لم تَزَل بأولاد عَقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وزاد في روايته من طريق محمد بن أبي حفصة: فكان عليّ بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشِّعْب؛ أي: حصة جدّهم عليّ من أبيه أبي طالب.
وقال الداوديّ وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره، وأمضى النبيّ ﷺ تصرفات الجاهلية؛ تأليفًا لقلوب من أسلم منهم.
وقال الخطابيّ: وعندي أن تلك الدار إن كانت قائمة على ملك عَقِيل، فإنما لم ينزلها رسول الله ﷺ ؛ لأنها دُور هجروها في الله تعالى، فلم يرجعوا فيما تركوه.
وتُعُقّب بأن سياق الحديث يقتضي أن عَقيلًا باعها، ومفهومه أنه لو تركها لنزلها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٧/ ٣٢٩٥ و ٣٢٩٦ و ٣٢٩٧] (١٣٥١)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٨٨ و ٣٠٥٨ و ٤٢٨٢)، و (أبو داود) في "سننه" (٢٠١٠ و ٢٩٠٩ و ٢٩١٠)، و (الترمذيّ) في "جامعه" (٢١٠٧)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٠)، و (ابن ماجه) (٢٧٢٩ و ٢٧٣٠ و ٢٩٤٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٠٠ و ٢٠١ و ٢٠٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٩٨٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٤٣٦)، و (أبو
стр. 14612
نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٢٩ - ٣٠)، و (الدارقطني) في "سننه" (٣/ ٦٢)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٢/ ٦٥٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٦٠ و ٦/ ٢١٨) و"المعرفة" (٤/ ٤٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن دور مكة تورّث لأهلها.
٢ - (ومنها): بيان جواز بيع دور مكة وإجارتها، وبهذا احتجّ الشافعيّ ﵀ على ذلك.
٣ - (ومنها): بيان أن المسلم لا يرث الكافر، وعلى ذلك كافّة فقهاء الأمصار، إلَّا ما حُكي عن معاوية، ومعاذ، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وإسحاق؛ أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم، قاله في "العمدة" (١). وسيأتي تحقيق ذلك مستوفًى في محلّه من كتاب الفرائض -إن شاء الله تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان أن مكة فُتحت صلحًا، فدُورها مِلْكٌ لأهلها، وفي ذلك خلاف سيأتي في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دُور مكة:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب توريث دُور مكة، وبيعها، وشرائها، وأن الناس في المسجد الحرام سواءٌ خاصّةً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥] "، ثم أخرج حديث أسامة ﵁ المذكور هنا، محتجًّا على ما ترجم به.
قال في "الفتح": أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نَضْلة قال: توفي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وما تُدْعَى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع، وإرسال.
стр. 14613
وقال بظاهره: ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، قال عبد الرزاق عن ابن جريج: كان عطاء يَنْهَى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نَهَى أن تُبَوَّب دُور مكة؛ لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بَوَّب داره سهيل بن عمرو، واعتَذَر عن ذلك لعمر.
وروى الطحاويّ من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، أنه قال: مكة مباح لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها.
وروى عبد الرزاق، من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر: لا يحل بيع بيوت مكة، ولا إجارتها.
وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختُلِف عن محمد، وبالجواز قال الجمهور، واختاره الطحاويّ.
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بِحمله على ما سيُجمع به ما اختُلف عن عمر في ذلك.
واحتَجّ الشافعيّ بحديث أسامة المذكور في هذا الباب، قال الشافعيّ: فأضاف الملك إليه، وإلى من ابتاعها منه، وبقوله ﷺ عام الفتح: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، فأضاف الدار إليه.
واحتَجّ ابنُ خزيمة بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٨]، فنَسب الله الديار إليهم، كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دُور ليست بملك لهم، قال: ولو كانت الدور التي باعها عَقِيل لا تُملك لكان جعفر وعليّ أولى بها؛ إذ كانا مسلمين دونه.
وثبت أن عمر اشترى دارًا للسجن بمكة، ولا يعارض ما جاء عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه كان ينهى أن تُغْلَق دُور مكة في زمن الحج، أخرجه عبد بن حميد، وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: أن عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدُوركم أبوابًا؛ لينزل البادي حيث شاء.
ويُجمع بينهما بكراهة الكراء رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء، وإلى هذا جنح الإمام أحمد، وآخرون، واختُلف عن مالك في ذلك،
стр. 14614
قال القاضي إسماعيل: ظاهر القران يدلّ على أن المراد به المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة، لا سائر دور مكة، وقال الأبهريّ: لم يَختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة فُتحت عنوةً، واختلفوا هل مَنّ بها على أهلها؛ لعظم حرمتها، أو أُقِرّت للمسلمين؟ ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها، والكراء، والراجح عند من قال: إنها فُتحت عنوةً أن النبيَّ ﷺ مَنّ بها على أهلها، فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك. ذكره السهيليّ وغيره.
وليس الاختلاف في ذلك ناشئًا عن هذه المسألة، فقد اختَلَف أهل التأويل في المراد بقوله هنا: ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هل هو الحرم كله، أو مكان الصلاة فقط؟ واختلفوا أيضًا هل المراد بقوله: ﴿سُوءٍ﴾ في الأمن والاحترام، أو فيما هو أعمّ من ذلك؟ وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضًا.
قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم، لما جاز حفر بئر، ولا قبر، ولا التغوط، ولا البول، ولا إلقاء الجيف والنتن، قال: ولا نعلم عالمًا مَنَع من ذلك، ولا كَرِه لحائض، ولا لجُنب دخول الحرم، ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة، وحوانيتها، ولا يقول بذلك أحدٌ، والله أعلم.
قال الحافظ: والقول بأن المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله وَرَدَ عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وبيان أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول الشافعيّ، ومن تبعه، وهو قول البخاريّ أن دور مكة مِلْكٌ لأهلها، يجوز توريثها، وبيعها، وإجارتها؛ لوضوح علّته، كما علمته آنفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14615
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ، حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟ ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ؟ وَذَلِكَ زَمَنَ الْفَتْحِ، قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ؟ ").
стр. 14616
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم قريبًا.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة، أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٧] (تخ م مد سي) تقدم في "الجنائز" ١٦/ ٢١٨٧.
٤ - (زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ) الْجَنَديّ بفتح الجيم، والنون، أبو وهب اليمانيّ، نزيل مكة، ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون [٦].
رَوَى عن سلمة بن وَهْرام، وابن طاوس، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه وهب، وابن جريج، وهو من أقرانه، والسفيانان، وابن وهب، وابن مهديّ، وعبد الرزاق، ووكيعٌ، وروح بن عبادة، وأبو عاصم، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ضعيفٌ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ضعيفٌ، وهو أصلح حديثًا من صالح بن أبي الأخضر، وقال مرة أخرى: زمعة صويلح الحديث، وقال الآجريّ عن أبي داود: ضعيفٌ، قال: وسألت يحيى: صالح بن أبي الأخضر أكبر عندك، أو زمعة؟ فقال: لا هو، ولا زمعة، قال ابن عيينة: ربّما سمعت هشام بن حُجير يقول لزمعة: إنما أنت جَدْيٌ، ما لك وللحديث؟ قال أبو داود: صالح أحب إليّ من زمعة، أنا لا أخرج حديث زمعة، وقال البخاريّ: يخالف في حديثه، تركه ابن مهديّ أخيرًا، وقال عمرو بن عليّ: فيه ضَعْفٌ، وقد روى عنه الثوريّ، وابن مهديّ، وما سمعت يحيى ذكره قطّ، وهو جائز الحديث مع الضعف الذي فيه، وقال الْجُوزَجانيّ: متماسكٌ، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ووهيب أوثق منه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، كثير الغلط عن الزهريّ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: لَيِّن، واهي الحديث، حديثه عن الزهري كأنه يقول مناكير، وقال ابن عديّ: ربما يَهِم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح، لا بأس به، وقال ابن حبان: كان رجلًا صالِحًا يَهِمُ، ولا يَعلَم، ويُخطئ ولا يَفهم، حتى
стр. 14617
غلب في حديثه المناكير التي يرويها عن المشاهير، وقال الحاكم أبو أحمد: أبو وهب زمعة بن صالح ليس بالقويّ عندهم، وقال ابن خزيمة: في قلبي منه شيء، وقال في موضع آخر: أنا بريء من عهدته، وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ضعيف، وقال الساجيّ: ليس بحجة في الأحكام.
أخرج له المصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث مقرونًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٨) - (بَابُ جَوَازِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لِلْمُهَاجِرِ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَة)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٨] (١٣٥٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ"، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ، وقد سكنها مدّةً، ثقة عَابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
стр. 14618
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٥].
رَوَى عن أبيه، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم.
ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وسليمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم، وأبو داود: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجليّ: مدنيّ ثقة، وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ثقة.
قال ابن حبان في "الثقات": مات بالعراق في أول خلافة أبي جعفر سنة (١٣٧).
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث بالمكرّر، برقم (١٣٥٢) وأعاده بعده مرّتين، و (١٤٦٠) و (١٩٧٧) وأعاده بعده، و (٢٥١١).
٤ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) الْكِندي الصحابيّ الصغير، مات ﵁ سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، وتقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٧/ ١٧١٢.
٥ - (الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ) حليف بني أُميّة، واسم الحضرميّ عبد الله بن عِمَاد (١) بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُوَيف، وله عدة إخوة، يقال: إنهم أحد عشر، وأخوه عمرو بن الحضرميّ أول قتيل من المشركين، قتله المسلمون، وكان ماله أوّلَ مال خُمّس في الإسلام، وبسببه كانت وقعة بدر.
روى عن النبيّ ﷺ في مُكث المهاجر، وعنه السائب بن يزيد، وأبو هريرة، وحيان الأعرج، وسَهْم بن مِنجاب، وزياد بن حُدَير.
وكان يقال: إنه مُجاب الدعوة، وولّاه رسول الله ﷺ البحرين، وأقرّه أبو بكر، وعمر، ثم ولّاه عمر البصرة، فمات قبل أن يَصِلَ إليها سنة (١٤).
стр. 14619
وقال ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي: إن أباه كتب إلى النبيّ ﷺ ، فبدأ باسمه. وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٢١) وله مناقب، وفضائل كثيرة.
أخرج له الجماعة الحديث المتقدم، وليس له في هذا الكتاب، وكذا عند البخاريّ إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ.
٤ - (ومنها): أن السائب بن يزيد ﵁ آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، كما أسلفته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث: حديث الباب عنهم جميعًا، وحديث: "أنه كتب إلى النبيّ ﷺ ، فبدأ باسمه" عند أبي داود رقم (٥١٣٥)، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٣٣٩)، وحديث: "بعثني رسول الله ﷺ إلى البحرين، أو إلى هَجَر، فكنت آتي الحائط يكون بين الإخوة، يُسْلِم أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج" عند ابن ماجه رقم (١٨٣١)، وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٥٢)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْد) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد، مات ﵀ في رجب سنة (١٠١)، وله أربعون سنة، ومدّة خلافته سنتان ونصف، وتقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٤٦. وقوله: (يَسْأَلُ) جملة حاليّة من المفعول (السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الْكِنديّ المعروف بابن أخت النمر الصحابيّ الصغير، حُجّ به في عام حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولّاه عمر ﵁ سوق المدينة، وسبق آنفًا
стр. 14620
أنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، وقوله: (يَقُولُ) هذه الجملة تفصيل وبيان لكيفيّة السؤال (هَلْ سَمِعْتَ فِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ) أي: في مقدار الوقت الذي يجوز للمهاجر أن يقيمه فيها إذا عاد إليها لحجّ، أو عمرة، أو نحو ذلك (شَيْئًا؟) وفي الرواية التالية: "عن حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لجلسائه: ما سمعتم في سُكنى مكة؟ "، وفي رواية البخاريّ من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الزهريّ، قال: "سمعت عمر بن عبد العزيز، يسأل السائب بن يزيد ابن أخت نَمِر، قال: ما سمعتَ في سُكنى مكةَ؟ .. ".
(فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ) من إضافة المصدر إلى الظرف؛ أي: له أن يقيم مدة ثلاث ليال، ذكّر الضمير لكون التمييز محذوفًا، فيجوز الوجهان، كما سبق غير مرّة (بَعْدَ الصَّدَرِ) بفتح المهملتين؛ أي: بعد الرجوع من منى، وانتهاء نسكه (بِمَكَّةَ") متعلّق بـ"إقامة"، وقوله: (كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا) الظاهر أنه مدرج من بعض الرواة، وفي الرواية التالية: "يُقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا"، وفي الرواية الثالثة: "ثلاث ليالٍ يمكثهنّ المهاجر بعد الصدر"، وفي الرواية الرابعة: "مَكْثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ".
قال النوويّ ﵀: معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يَحْرُم عليهم استيطان مكة، وحَكَى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة -يعني بعد الفتح- فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه.
قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سُكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبيّ ﷺ ، ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين، فيجوز له سُكنى أيّ بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق. انتهى كلام القاضي (١).
ويستثنى من ذلك مَن أَذِنَ له النبيّ ﷺ بالإقامة في غير المدينة.
стр. 14621
وقال القرطبيّ ﵀: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبيّ ﷺ ، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة؛ إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة.
قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها لله كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه، ليَسلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك. انتهى.
قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خَصّ ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله القرطبي نظران:
أما أوّلًا: ففي تعميمه المنع لكل من فرّ بدينه؛ لأن ذلك يَحتاج إلى دليل، من نصّ أو إجماع.
وأما ثانيًا: ففي تفريقه بين مَن فَرّ بدينه، ومن ترك بلده لله، فإنه لا فرق بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: حديث العلاء بن الحضرمي ﵁ هذا مُتّفقٌ عليه.
المسألة الثانية: في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٨/ ٣٢٩٨ و ٣٢٩٩ و ٣٣٠٠ و ٣٣٠١ و ٣٣٠٢] (١٣٥٢)، و (البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٩٣٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢٠٢٢)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤٩)، و (النسائيّ) في "تقصير الصلاة في السفر" (٣/ ١٢٢) و"الكبرى" (١/ ٥٨٨ و ٢/ ٤٦٩)، و (ابن ماجه) في
стр. 14622
"إقامة الصلاة" (١٠٧٣)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٦٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٤٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ٢٠ - ٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٣٩ و ٥/ ٥٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٢٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٩٠٦ و ٣٩٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٣١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٦٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ١٧١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٤٧)، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يجوز للمهاجر أن يقيمه بمكة بعد قضاء نسكه، وهو مدة ثلاث ليال.
٢ - (ومنها): أن النسائيّ ﵀ ترجم في كتابه بقوله: "باب المقام الذي يُقصر بمثله الصلاة"، ثمَّ أورد الحديث احتجاجًا لما ترجم له، وهو أن مدة الإقامة التي تُقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك يكون في حكم الحضر، فيُتمّ فيه، وهذا هو مذهب الشافعيّ، ومالك -رحمهما الله تعالى-، ووجه الدلالة منه أن الترخيص في الثلاث يدلّ على بقاء حكم السفر، بخلاف الأربعة، فالأربع حدّ الإقامة، وما دونه حدّ السفر، فتقصر الصلاة فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت في "شرحي على النسائيّ" أن هذا الاستدلال عندي غير صحيح؛ لأنه يردّه ما فعله النبيّ ﷺ ، مع أصحابه ﵃، حيث أقاموا أربعة أيام بمكة، وقد عزموا قبل ذلك على إقامة تلك المدة؛ لأنهم يعلمون أن أفعال الحج لا تنتهي إلا بهذا القدر من الزمن، فدلّ على أن الأربعة لها حكم السفر.
والراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، وهو أن كل من أقام مدة إقامة النبيّ ﷺ بمكة، وهي أربعة أيام قَصَر، ومن زاد أتمٍ، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحجّ أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام، لا يزيد عليها، وبهذا رَثَى النبيّ ﷺ لسعد بن خولة ﵁ أن مات بمكة.
وما ادعاه الداوديّ من اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، فقد ردّه في "الفتح" بأنه لا معنى لتقييده بالأولين.
стр. 14623
٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن طواف الوداع عبادة مستقلة، ليست من مناسك الحجّ، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعيّ؛ لقوله في هذا الحديث: "بعد قضاء نسكه"؛ لأن طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سماه قبله قاضيًا لمناسكه، فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج، قاله في "الفتح" (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٩٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ، أَوْ قَالَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أي: بعد فراغه من أعمال الحجّ، وأصل النُّسُك بضمتين: العبادة، والمراد هنا أفعال الحج، يقال: نسك لله ينسُك، من باب قتل: تطوَّع بقُربة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، أفاده الفيوميّ (٢).
وقوله: (ثَلَاثًا) أي: ثلاثة أيام بلياليها، وذَكَّر العدد؛ لكون التمييز محذوفًا، كما تقدم.
стр. 14624
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٠٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثُ لَيَالٍ يَمْكُثُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدَرِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يَمْكُثُهُنّ الْمُهَاجِرُ) من باب قتل؛ أي: يُقيم، ويتلَبّثُ، ومَكُث مُكثًا، فهو مَكيث، مثلُ قرُب قُربًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ بها السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين. قاله الفيّوميّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 14625
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَمْلَاهُ عَلَيْنَا إِمْلَاءً، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ أَخْبَرَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَكْثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة حجة [٤] (ت ١٣٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مَكْثُ الْمُهَاجِرِ) مبتدأ خبره "ثلاث"؛ أي: ثلاث ليال بأيّامهنّ، قال المجد ﵀: الْمِكْثُ مُثلّثًا، ويُحَرَّكُ، والْمِكِّيثَى، ويُمدّ، والْمُكُوثُ، والْمُكْثَانُ بضمّهما: اللُّبْثُ، والفعل كنصَرَ، وكَرُمَ. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
стр. 14626
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) أبو عاصم النبيل الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
و"ابنُ جريج" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية الضحّاك بن مخلد، عن ابن جريج هذه ساقها الدارميّ ﵀ في "سننه" (١/ ٤٢٥) فقال:
(١٥١١) - أخبرنا أبو عَاصِمٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن إسماعيل بن مُحَمَّدٍ، عن حُمَيْدِ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عن السَّائِبِ بن يَزِيدَ، عن الْعَلَاءِ بن الْحَضْرَمِيِّ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مُكْثُ الْمُهَاجِرِ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثٌ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٩) - (بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا، وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ)
[تنبيه]: (اعلم): أن مكة -حرسها الله تعالى- هي الاسم المشهور لتلك البقعة المباركة، ولها أسماء أخرى كثيرة، وقد عُنِي الناس بجمعها، منهم العلامة اللغويّ مجد الدين الشيرازيّ، والنوويّ، وقد ذكرها التقيّ الفاسيّ في "شفاء الغرام" مع بيان معاني بعض الأسماء، وقال المحبّ الطبريّ: سَمَّى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: مكة، وبكة، والبلد، والقرية، وأم القرى، فأما مكة ففي قوله تعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]، وفي تسميتها بهذا الاسم أربعة أقوال:
[أحدها]: لأنها يؤمُّها الناس من كل مكان، فكأنهم تجذبهم إليها من قول العرب: امْتَكَّ الفصيلُ ما في ضرع الناقة إذا لم يُبْق فيه شيئًا.
[الثاني]: لأنها تَمُكّ من ظلم فيها؛ أي: تهلكه.
стр. 14627
[الثالث]: لجهد أهلها، ومن قولهم: تمكّكتُ العظم: إذا أخرجت مُخّه، والتمكُّك الاستقصاء.
[الرابع]: لقلة الماء بها.
وأما بَكّة ففي قوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وفي تسميتها بذلك ثلاثة أقوال:
[أحدها]: لازدحام الناس بها، يقال: هم فيها يتباكُّون أي: يزدحمون، قاله ابن عباس ﵄.
[والثاني]: لأنها تبكّ أعناق الجبابرة؛ أي: تدقّها، وما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالى.
[والثالث]: لأنها تَضَع من نَخْوَة المتكبرين.
وأما تسميتها بالبلد ففي قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١] قال المفسرون: أراد مكة، والبلد في اللغة صدر القرى.
وأما تسميتها بالقرية ففي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية [النحل: ١١٢]، الإشارة إلى مكة، فإنها كانت ذات أمن يَأْمَن أهلها أن يُغار عليهم، وكانوا أهل طمأنينة، لا يحتاجون إلى الانتقال عنها؛ لخوف، أو ضيق، والقرية اسم لما يَجمع جماعة كثيرة من الناس، من قولهم: قَرَيتُ الماء في الحوض: إذا جمعته فيه.
وأما تسميتها أم القرى ففي قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الآية [الأنعام: ٩٢]، يعني مكة، وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال:
[أحدها]: أن الأرض دُحيت من تحتها، قاله ابن عباس ﵄، وقال ابن قتيبة: لأنها أقدم الأرض.
[والثاني]: لأنها قبلة يؤمها جميع الأمة.
[الثالث]: لأنها أعظم القرى شأنًا.
[الرابع]: لأن فيها بيت الله تعالى، ولمّا جرت العادة أن بلد الملك وبيته مقدّمان على جميع الأماكن سُمّيت أُمًّا؛ لأن الأم متقدمة.
وسمّاها الله أيضًا في القرآن بالبلد الأمين، وبالبلدة، وبمعاد -بفتح الميم-.
стр. 14628
فأما الأول: ففي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣] قال ابن عباس: يعني مكة.
وأما الثاني: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩٣] قال الواحديّ في "الوسيط": هي مكة.
وأما الثالث: ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] قال ابن عباس: إلى مكة.
قال التقيّ الفاسيّ بعد ذكر هذه الأسماء الثمانية: فهذه ثمانية أسماء لمكة مأخوذة من القرآن العظيم، ولم يذكر المحبّ الطبريّ من أسمائها المأخوذة من القرآن إلا خمسة؛ لأنه قال: سَمَّى الله تعالى مكة بخمسة أسماء: بكة، ومكة، والبلد، والقرية، وأم القرى. انتهى.
وأما حرم مكة فهو ما أحاطها، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسُمِّي حرمًا؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرَّم في غيره من المواضع، وحدّه من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، وقيل: خمسة، ومن طريق اليمن طَرَف أضاة لبن، على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال -بتقديم المثناة الفوقية على السين- ومن طريق الطائف على عرفات، من بطن نمرة سبعة أميال -بتقديم السين على الباء- وقيل: ثمانية، ومن طريق جُدّة عشرة أميال.
وقال الرافعيّ: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراق على سبعة، ومن الجعرانة على تسعة، ومن الطائف على سبعة، ومن جُدّة على عشرة، والسبب في بُعْد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما أَهبَط على آدم ﵇ بيتًا من ياقوتة، أضاء لهم ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجنّ والشياطين؛ ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله، وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة، فحَفّوا بمكة من كل جانب، ووقفوا مكان الحرم؛ أي: في موضع أنصاب الحرم، يحرُسون آدم، فصار حدود الحرم موضع وقوف الملائكة، وقيل: إن الخليل؛ لما وضع الحجر الأسود في الركن حين بنى
стр. 14629
الكعبة، أضاء له نور، وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين، فوقفت عند الأعلام، فبناها الخليل ﵇ حاجزًا، رواه مجاهد، عن ابن عباس، وعنه أن جبرائيل ﵇ أرى إبراهيم ﵇ موضع أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جدّدها إسماعيل، ثم جدّدها قُصَيّ بن كلاب، ثم جدّدها النبيّ ﷺ ، فلما ولي عمر ﵁ بعث أربعة من قريش، فنصبوا أنصاب الحرم، ثم جددها معاوية ﵁، ثم عبد الملك بن مروان، كذا ذكر القسطلانيّ في "شرح البخاريّ"، ونحوه في "القرى" ص ٦٠٢ للمحبّ الطبري، وارجع لمزيد من البسط إلى "شفاء الغرام" ١/ ٥٤ - ٦٦.
[تنبيه]: إن عَلَمي الحرم من طريق جدّة هما العَلَمان القديمان من زمن نبيّنا إبراهيم ﷺ بإشارة جبريل ﵇ بوضعهما في تلك البقعة، كسائر حدود الحرم من الجهات الأخرى، أما العلمان الجنوبيان المسامتان لعلمي الحرم المذكورين، فقد أُحدثا في جمادى الثانية سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف من أجل طريق السيارات المؤدي بينهما، ثم صار عدول السيارات من هذا الطريق الجنوبي الذي يمر بين العلمين المحدثين إلى الطريق الشمالي الذي يمر بين علمي الحرم القديمين، ولإزالة اللبس لزم التنبيه على ذلك، وحيث الحال ما تقدم من أن حدود الحرم مختلفة في القرب والبعد، وأن وضع حدود الحرم هو بإيقاف جبريل ﵊ لأبينا إبراهيم ﷺ على حدود الحرم، وظهور أن حدّا الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدّة عشرة أميال، مع أن الحدين متجاوران فبذلك تبيّن أنه ليس للاجتهاد في تحديد الحرم مساغٌ، وأنه لا يجوز لأحد أن يُحْدِث حدًّا للحرم، ويضع عليه أنصابًا من تلقاء نفسه؛ لأنه قد لا يكون ذلك حدًّا للحرم في نفس الأمر، أما إذا أتى على محل ليس به أعلام، فإنه ينظر إلى محاذاة أقرب الأعلام إليه، وليس في الإمكان سوى ذلك مع عدم الجزم بأن هذا حدّ للحرم، والله أعلم، كذا في "مفيد الأنام"، ذكره في "المرعاة" (١).
стр. 14630
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٠٣] (١٣٥٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"، وَقَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا"، فَقَالَ الْعَبَاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ، وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: "إِلَّا الْإِذْخِرَ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران.
стр. 14631
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في "الفتح": كذا رواه منصور موصولًا، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلًا، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله. انتهى (١).
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف متعلّق بـ"قال"، وقوله: (فَتْحِ مَكَّةَ) بالجرّ بدلًا عن "الفتح" ("لَا هِجْرَةَ) أَي: بعد الفتح، وأفصح بذلك في بعض الروايات؛ أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة مفروضة بعد الفتح، كما كانت قبله، وقد عقد البخاريّ في أواخر الجهاد: "باب لا هجرة بعد الفتح"، قال الحافظ: أي: بعد فتح مكة، أو المراد ما هو أعمّ من ذلك؛ إشارةً إلى أن حُكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمَن به من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادرٌ لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة؛ لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر من أَسْرٍ، أو مرض، أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حَمَل على نفسه، وتكلّف الخروج منها أُجِر. انتهى.
وقال التوربشتيّ ﵀: قوله: "لا هجرة" كانت الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله ﷺ فرضًا على المؤمن المستطيع؛ ليكون في سعة من أمر دينه، فلا يمنعه عنه مانع، ولينصر رسول الله ﷺ في إعلاء كلمة الله، وإظهار
стр. 14632
دينه، فينحاز إلى حزب الحقّ وأنصار دعوته، ويفارق فريق الباطل، فلا يُكثِّر سوادهم إلى غير ذلك من المعاني الموجبة لكمال الدين، فلما فتح ﷺ مكة، وأظهره الله على الدين كلّه، أعلمهم بأن الهجرة المفروضة قد انقطعت، وأن المسابقة بالهجرة بعد الفتح قد انتهت، وأنه ليس لأحد بعد ذلك أن ينال فضيلة الهجرة إليه، ولا أن ينازع المهاجرين في مراتبهم، وحقوقهم. انتهى (١).
(وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أي: لكن لكم طريقٌ إلى تحصّل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونيّة الخير في كل شيء، من لقاء رسول الله ﷺ ونحوه، وارتفاع "جهادٌ" على الابتداء، وخبره محذوف مقدّمًا، تقديره: لكم جهادٌ، قاله في "العمدة" (٢).
قال في "الفتح": المعنى أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها؛ إذ صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسّره بقوله: "فإذا استُنفرتم فانفروا"؛ أي: إذا دُعيتم إلى الغزو فأجيبوا.
قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛ لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد، والنية على من قام به، أو نزل به عدوّ. انتهى.
قال الحافظ: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم؛ ليَسلم من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذِّبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٧]، وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار كفر، وقَدَر على الخروج منها.
وقد رَوَى النسائي من طريق بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جدّه مرفوعًا: "لا يقبل الله من مشرك عملًا بعدما أسلم، أو يفارقَ المشركين".
стр. 14633
ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعًا: "أنا بريء من كل مشرك يقيم بين أظهر المشركين". وهذا محمول على من لم يأمن على دينه.
قال: وقوله: "ولكن جهادٌ ونية" قال الطيبيّ وغيره: وهذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نيّة صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في جميع ذلك.
وقال الطيبيّ ﵀: "ولكن جهادٌ" عطف على محل مدخول: "لا"، والمعنى: أن الهجرة من الأوطان، إما هجرة إلى المدينة للفرار من الكفار، ونصرة الرسول ﷺ ، وإما إلى الجهاد في سبيل الله، وإما إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل؛ كطلب العلم، وابتغاء فضل الله تعالى من التجارة، وما شاكلهما، فانقطعت الأولى، وبقيت الأخريان، فاغتنموهما، ولا تقاعدوا عنهما، فإذا استُنفرتم فانفروا. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: الجهاد: محاربة الكفّار، وهو المبالغة، واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول، أو فعل، يقال: جَهَدَ الرجلُ في الشيء: إذا جدّ فيه، وبالغ، وجاهد في الحرب مجاهدةً وجهادًا.
قال: والمراد بالنيّة: إخلاص العمل لله تعالى؛ أي: إنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة؛ لأنها صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد، وقتال الكفّار. انتهى (٢).
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بصيغة المجهول؛ أي: إذا طُلبتم للنَّفْر، وهو الخروج إلى الجهاد (فَانْفِرُوا") بكسر الفاء أي: اخرجوا، والمعنى: إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا.
وقال في "النهاية": الاستنفار: الاستنجاد، والاستنصار؛ أي: إذا طُلب
стр. 14634
منكم النُّصْرة، فأجيبوا، وانصروا، خارجين إلى الإعانة. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد، والنية الصالحة، وإذا أَمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه، من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه.
(وَقَالَ) النبيّ ﷺ (يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ) قال القاري ﵀: أعاده تأكيدًا، أو إشارةً إلى وقوع هذا القول وقتًا آخَر من ذلك اليوم، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه تأكيدًا هو الأولى، وأما وقوعه في وقت آخر فبعيد، يُبعده وقوعه في رواية للبخاريّ بلفظ: "فإذا استُنفرتم فانفروا، فإن هذا بلد … إلخ" بالفاء، وليس فيه قوله: "وقال يوم فتح مكة"، فقد أخرجه في "الحجّ" من طريق عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، بهذا اللفظ، فدلّ على أنه حديث واحد.
قال في "الفتح": الفاء أي: في قوله: "فإن هذا" جواب شرط محذوف، تقديره: إذا علمتم ذلك فاعلموا، أن هذا بلد حرام، وكأن وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال عليه حرامًا كان التنفير يقع منه لا إليه. انتهى.
("إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ) أي: مكة يعني حَرَمها، قال القاري: أو المراد بالبلد أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللهُ) أي: حكم بتحريمه وقضاه، وظاهره أن حكم الله تعالى في مكة أن لا يقاتَل أهلها، ويُؤَمَّن من استجار بها، ولا يتعرض له، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧] (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) يعني أن تحريمه أمر قديمٌ، وشريعة سالفة مستمرّةٌ.
والمعنى: أن تحريمه من الله تعالى، وليس مما أحدثه الناس، أو اختص بشرعه.
[فإن قلت]: هذا يعارضه ما في حديث جابر ﵁ الآتي عند مسلم،
стр. 14635
وحديث أنس ﵁ عند البخاريّ: "إن إبراهيم حرم مكة"، فكيف التوفيق بينهما؟
[أجيب]: بأن إسناد التحريم إلى إبراهيم ﵇ من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى الله تعالى من حيث إنه الحاكم بها، تضاف إلى الرسل أيضًا؛ لأنها تُسمع منهم، وتُبيّن على ألسنتهم.
والحاصل أنه ﵇ أظهر تحريمه مُبَلِّغًا عن الله تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأ تحريمه.
وقيل: إنه حرّمها بإذن الله، يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّم مكة بأمر الله تعالى، كذا في "إرشاد الساري"، وهذا القول ليس بشيء، فتنبّه.
وقال في "العمدة": معنى قوله: "إن إبراهيم حرّم مكة": أعلن بتحريمها، وعَرَّف الناس بأنها حرام بتحريم الله إياها، فلما لم يُعْرَف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٣]، فإنه أضاف إليه التوفي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفي، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨، ٣٢] فأضاف إليهم التوفي، وفي الحقيقة المتوفِّي هو الله ، وأضاف إلى غيره؛ لأنه ظهر على أيديهم. انتهى.
وقال في "الفتح": لا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: "إن إبراهيم حرم مكة" أي: بأمر الله تعالى، لا باجتهاده، أو أن الله قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرِّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمًا بين الناس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان، وقال القرطبيّ: معناه: إن الله حرم مكة ابتداء من غير سبب يُنسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكد المعنى بقوله في حديث أبي شُرَيح الآتي: "ولم يُحَرِّمها الناس"، والمراد بقوله: "ولم يحرمها الناس" أن تحريمها ثابت بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرمات الله، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرمات الناس، يعني في