سَلَّم من طَرَف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇ … " الحديث، فدلّ على أن هذه الرواية فيها اختصار من الراوي، وليس كما ظنّ بعضهم أنه إنما ترك السلام مبالغة في التعمية، فتنبه.
وأما قوله: "يا رسول الله"، وفي رواية: "يا محمد"، فالظاهر أنه من تصرّفات الرواة، فإنه ناداه باسمه تعميةً، وعبّر الراوي بـ "يا رسول الله" تعظيمًا، وجمع الحافظ بأنه بدأ أوّلًا بندائه باسمه للتعمية، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله، والذي سَبَقَ أشبه، والله تعالى أعلم. (مَما الإِيمَانُ؟)، قيل: قَدَّمَ السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهِر مِصْدَاق الدعوى، وثَلَّث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وفي رواية عمارة بن القعقاع التالية بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثَنَّى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبيّ؛ لما فيه من التَّرَقِّي.
ولا شك أن القصة واحدةٌ، اختَلَف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنّى بالإحسان، وثلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحدٌ، والتقديم والتأخير وقع من الرواة. قاله الحافظ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ) وفي رواية البخاريّ: "قال: الإيمان أن تؤمن بالله"، قال في "الفتح": دلَّ الجواب أنه علم أنه سأله عن متعلِّقاته، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، وقال الطيبيّ: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله" مُضَمَّنٌ معنى أن تَعترف به، ولهذا عداه بالباء، أي: أن تُصَدِّق معترفًا بكذا.
وتعقّبه الحافظ بأن التصديق أيضًا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين، وقال الكرمانيّ: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعيّ، ومن الحدّ الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ "الإيمان"؛ للاعتناء بشأنه؛ تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، يعني أن قوله: "أن تؤمن يَنْحَلّ منه الإيمانُ، فكأنه قال: الإيمان الشرعيّ تصديقٌ مخصوصٌ، وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق.
стр. 177
والإيمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزّه عن صفات النقص (ومَلَائِكَتِهِ) أي: أن تصدّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقَدَّم الملائكةَ على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول (وَكِتَابِهِ) مفرد مضافٌ، فيعمّ، وفي رواية البخاريّ: "وكتبه" بالجمع، أي: تُصدّق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنه حقّ (وَلقَائِهِ) كذا وقع هنا وفي الرواية التالية بين الكتاب والرسل، وكذا هو عند البخاريّ، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنه مكررٌ؛ لأنه داخلٌ في الإيمان بالبعث، والحقّ أنه غير مكرر، فقيل: المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق المتقدّمة، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس ﵁ عند البزّار وغيره، وابن عباس وعيهما عند أحمد، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقّبه النووي بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان.
وأجيب بأن المراد بالإيمان بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان.
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أنس وابن عباس ﵃: "والملائكة، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير بـ "النبيين" يشمل الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى.
(وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) إنما أعاد لفظ "وتؤمن" هنا للإشارة إلى أنه نوع آخر مما يُؤُمَن به؛ لأن البعث سيوجد بعدُ وما ذُكر قبله موجود الآن، وللتنويه بذكره؛ لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كَثُر تكراره في القرآن (١).
стр. 178
وقوله: (الْآخِرِ") بكسر الخاء، قيل: هو تأكيدٌ، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعقلة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه، من الحساب، والميزان، والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي المتقدّمة، وفي حديث ابن عباس ﵄ أيضًا.
زاد في الرواية التالية: "قال: صدقت"، وفي رواية النسائيّ: "قال: فإذا فعلت ذلك، فقد آمنتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ".
[تنبيهٌ]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يُطْلَق إلا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، ولا يخالف هذا ما ثبت عند الفقهاء من اكتفائهم بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لأن المراد بالإيمان برسول الله ﷺ هو الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه ، فيدخل جميع ما ذُكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم (١).
(قَالَ) الرجل السائل (يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: توحّده بلسانك على وجه يُعتدُّ به، فشَمِل الشهادتين، فيوافق هذا الحديث حديث عمر ﵁ السابق، وكذا حديث: "بُني الإسلام على خمس … " الآتي، وجملة (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) للتأكيد (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أي: المفروضة (وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)، زاد في رواية النسائيّ: "وتَحُجّ البيت".
قال النوويّ في "شرحه": أما تقييد الصلاة بالمكتوبة، فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة، كقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، و"خمس صلوات كتبهن الله".
стр. 179
وأما تقييد الزكاة بالمفروضة، وهي المقدَّرة، فقيل: احترازٌ من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة، وقيل: إنما فَرّق بين الصلاة والزكاة في التقييد؛ لكراهة تكرير اللفظ الواحد، ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة، للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية.
وأما معنى إقامة الصلاة، فقيل: فيه قولان:
[أحدهما]: أنه إدامتها، والمحافظة عليها.
[والثاني]: إتمامها على وجهها، قال أبو عليّ الفارسيّ: والأول أشبه.
قال النوويّ: وقد ثبت في "الصحيح": أن رسول الله ﷺ قال: "اعتدلوا في الصفوف، فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة"، ومعناه - والله أعلم - من إقامتها المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا يرجح القول الثاني، والله أعلم انتهى (١).
(وَتَصُومَ رَمَضَانَ") زاد في الرواية التالية: "قال: صدقت"، وفي رواية النسائيّ: "قال: إذا فعلت ذلك، فقد أسلمتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ، فلما سمعنا قول الرجل: صدقتَ، أنكرناه".
وقوله: "تصوم رمضان"، فيه حجة لمذهب الجماهير، وهو المختار الصواب، أنه لا كراهة في قول "رمضان" من غير تقييد بالشهر، خلافًا لمن كرهه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى - بدلائله، وشواهده.
(قَالَ) الرَّجُلُ (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: "قال: يا محمد" (مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ) ﷺ : ("أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ)، هكذا الرواية بإثبات ألف "تراه"، وكان حقّه أن تُحذف للجازم، كما قال في "الخلاصة":
وَأَيُّ فِعْلٍ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ … أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ فَمُعْتَلًّا عُرِفْ
فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ … وَأَبْدِ نَصْبَ مَا كـ "يَدْعُو" "يَرْمِي"
وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ وَاحْذِفْ جَازِمَا … ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لَازِمَا
وقال أبو البقاء الْعُكبريّ في "إملائه": كذا وقع في هذه الرواية "تراه"
стр. 180
بالألف، والوجه حذفها، لأن "إن" لا تحتمل هنا من وجه "إن" المكسورة إلا الشرطيّة، وهي جازمة، وعلى هذا يمكن تأويل هذه الرواية على أنه أُشبع فتحة الراء، فنشأت الألف، وليست من نفس الكلمة، ويجوز أن يكون جعل الألف في الرفع عليها حركة مقدّرة، فلما دخل الجازم حذف تلك الحركة، فبقيت الألف ساذَجَةً من الحركة، كما يكون الحرف الصحيح ساكنًا في الجزم، وعلى هذين الوجهين حُمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء على قراءة ابن كثير، وكذا قول الشاعر [من الرجز]:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
فأثبت الألف في "ترضاها". انتهى (١).
وقال السيوطيّ في "العقود" بعد كلام أبي البقاء: وقال ابن هشام في "تذكرته": جاء في باب الجوازم إهمال "إن" حملًا على "إذا"، نحو قراءة طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] حكاه في "المحتسب"، ومن هذا الحديثُ، وقال ابن مالك في "توضيحه" في حديث البخاريّ في قوله أبي جهل - لعنه الله - لصفوان: "متى يراك الناس قد تخلّفت، وأنت سيّد أهل الوادي تخلّفوا معك": تضمّن هذا الكلام ثبوت ألف "يراك" بعد: متى "الشرطيّة، وكان حقّها أن تُحذف، فيقال: متى يَرَكَ"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ﴾ [الكهف: ٣٩].
وفي ثبوتها أربعة أوجه:
[إِحداها]: أن يكون مضارع راء بمعنى رأى، كقول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا رَاءَنِي أَبْدَى بَشاشَةَ وَاصِلٍ … وَيَأْلَفُ شَنْأَنِي إِذَا كُنْتُ غَائِبًا
ومضارعه يراءُ، فجُزم، فصار يَرَأ، ثم أبدلت همزته ألفًا، فثبتت في موضع الجزم، كما ثبتت الهمزة التي هي بدل منها، ومثله (أم ينبا) في وقف حمزة وهشام.
[الثاني]: "أن تكون "متى" شُبّهت بـ "إذا"، فأُهملت، كما شُبّهت "إذا" بـ "متى"، فأُعملت، كقول النبيّ ﷺ لعليّ وفاطمة ﵄: "إذا أخذتما
стр. 181
مضاجعكما، تكبّرا أربعًا وثلاثين، وتسبّحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدا ثلاثًا وثلاثين"، رواه البخاريّ.
وهو في النثر نادرٌ، وفي الشعر كثيرٌ، وفي تشبيه "متى" بـ "إذا"، وإهمالها قول عائشة ﵂: "إن أبا بكر رجلٌ أسِيفٌ، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمِعُ الناس"، رواه البخاريّ.
ونظير حمل "متى" على "إذا"، وحمل "إذا" على "متى"، حملهم "إن" على "لو" في رفع الفعل بعدها، وحملهم "لو" على "إن" في الجزم بها.
فمن رَفعِ الفعل بعد "إن" حملًا على "لو" قراءة طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] بسكون الياء، وتخفيف النون، فأثبت نون الرفع في فعل الشرط بعد "إن" مؤكّدة بـ "ما"؛ حملًا لها على "لو".
ومن الجزم بـ "لو" حملًا لها على "إن" قول الشاعر [من الخفيف]:
لَوْ تَعِدْ حِيْنَ فَرَّ قَوْمُكَ بِي … كُنْتَ فِي الأَمْنِ فِي أَعَزِّ مَكَانْ
ومثله قوله:
لَوْ يَشَأْ طَارَ بِهِ ذُو مَيْعَةٍ … لَاحِقُ الآطَال نَهْدٌ ذُو خُصَلْ
ومثله قول الآخر [من البسيط]:
تَامَتْ فُؤَادَكَ لَوْ يَحْزُنْكَ مَا صَنَعَتْ … إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا
[الوجه الثالث]: أن يكون أُجري المعتلّ مُجرى الصحيح، فأثبتت الألف، واكتُفِي بتقدير حذف الضمّة التي كان ثبوتها منويًّا في الرفع، ونظيره قول الشاعر [من الطويل]:
وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
ومثله قول الآخر [من الرجز]:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ
ومن هذا على الأظهر قول النبيّ ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا"، وجُعل الكلام خبرًا بمعنى النهي. انتهى كلام ابن مالك رحمه الله تعالى (١).
стр. 182
(فَإِنَّهُ يَرَاكَ) تقدّم تحقيق هذه الجملة في شرح الحديث الماضي (قَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: "يا محمد" (مَتَى السَّاعَةُ؟)، أي: متى تقوم القيامة؟ زاد عند النسائيّ: "قال: فنَكَسَ، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسئول عنها … " (قَالَ: "مَا الْمسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد النفي (مِنْ السَّائِلِ) إنما عَدَل عن قوله: "لست بأعلم بها منك" إلى لفظ يشعر بالتعميم تعريضًا للسامعين، يعني أن كل مسئول وكل سائل عن وقت الساعة سواء، فكلهم غير عالمين بها على الحقيقة، وهذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: "خمسٌ لا يعلمها إلا الله"، وسيأتي نظير هذا التركيب ما وقع عند النسائيّ في أواخر هذا الحديث، من قوله: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم"، فإن المراد أيضًا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس ﵄ هنا، فقال: "سبحان الله، خمسٌ من الغيب لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية".
قال النووي ﵀: يُستنبط منه أن العالم إذا سُئل عما لا يَعلَم يُصَرِّح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقصٌ من مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على مزيد وَرَعِه.
وقال القرطبي ﵀: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات والأحاديث، فلما حَصَلَ الجواب بما ذُكِر هنا حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة؛ ليتعلمها السامعون ويعملوا بها، ونَبّه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته مما لا يمكن.
(وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا) بفتح الهمزة، أي: علاماتها، واحدها شَرَطٌ - بفتح الشين والراء - قال أبو جعفر الطبريّ: ومنه سُمّي الشُّرَاط؛ لجعلهم لأنفسهم علامةً يُعرفون بها، وقيل: أشراطها: مقدّماتها، وأشراط الأشياء أوائلها، ومن ذلك سُمّي الشَّرَطان (١)؛ لتقدّمهما أول الربيع، وقيل:
стр. 183
الأشراط جمع شَرْط، وهو الدُّون من كلّ شيء، فأشراط الساعة، صغار أمورها قبل قيامها، ولهذا سُمّي الشرطُ، وكله متقارب (١).
وتقدّم في حديث عمر ﵁ قوله: "فأخبرني عن أماراتها"، وتقدم الجمع بين قوله: "سأحدثك"، وقوله: "فأخبرني"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا) التعبير بـ "إذا"، للإشعار بتحقّق الوقوع، وتقدّم الخلاف في المراد بالربّ في شرح الحديث الماضي.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قد اقتصر في هذا الحديث على ذكر بعض الأشراط التي يكون وقوعها قريبًا من زمانه، وإلا فالشروط كثيرة، وهي أكثر مما ذُكر هنا، كما دلّ عليه الكتاب، والسنّة، ثم إنها منقسمة إلى ما يكون من نوع المعتاد، كهذه الأشراط المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العلم، وظهور الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر، إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد، فكخروج الدجّال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابّة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، والدخان، والنار التي تسوق الناس، وتحشرهم. انتهى (٢).
(فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) أي: من علاماتها (وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسَ النَّاس، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإذَا تَطَاوَلَ) أي: تفاخر، وتكاثر (رِعَاءُ الْبَهْمِ) بفتح الباء وإسكان الهاء، وهي الصغار من أولاد الغنم: الضأن والمعز جميعًا، وقيل: أولاد الضأن خاصة، واقتصر عليه الجوهريّ في "صحاحه"، والواحدة بَهْمَة، قال الجوهريّ: وهي تقع على المذكر والمؤنث، والسِّخَال أولاد المعزى، قال: فإذا جَمَعتَ بينهما قلت: بِهَامٌ أيضًا، وقيل: إن الْبَهْم يختص بأولاد المعز، وإليه أشار القاضي عياض بقوله: وقد يختص بالمعز، وأصله كُلُّ ما استبهم عن الكلام، ومنه البهيمة. انتهى (٣).
стр. 184
وقال القرطبيّ: ورواية مسلم في رعاء البَهْم من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنها الأنسب لمساق الحديث ولمقصوده، فإن مقصوده أن أضعف أهل البادية، وهم رعاء الشاء سينقلب بهم الحال إلى أن يصيروا ملوكًا، مع ضعفهم وبُعدهم عن أسباب ذلك، وأما أصحاب الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء؛ فإن الإبل عزّ لأهلها، ولأن أهل الإبل ليسوا عالةً، ولا فقراء غالبًا. انتهى (١).
ووقع في رواية البخاريّ: "رُعَاء الإبل الْبُهْم"، قال في "الفتح": قوله: "رِعَاة الإبل" هو بضم الراء، جمع راع، كقُضَاةٍ وقاضٍ، والْبُهْم بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر الشِّيَاه، أو مع عدم الإضافة، كما في رواية مسلم "رِعَاء الْبَهْم"، وميم "البهم" في رواية البخاري يجوز ضمها، على أنه صفة الرعاة، ويجوز الكسر على أنها صفة الإبل، يعني الإبل السُّود، وقيل: إنها شَرّ الألوان عندهم، وخيرها الْحُمْر التي ضُرِب بها المثل، فقيل: "خير من حُمْر النعم"، ووصف الرعاة بـ "البهم" إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أُبْهِم الأمر، فهو مبهم، إذا لم تُعرَف حقيقته. وقال القرطبي: الأَولى أن يُحمَل على أنهم سُود الألوان؛ لأن الأُدْمة غالب ألوانهم، وقيل: معناه أنهم لا شيء لهم، كقوله ﷺ : "يُحْشَر الناس حُفاةً عُرَاةً بُهْمًا"، قال: وفيه نظر؛ لأنه قد نُسِب له الإبل، فكيف يقال: لا شيء لهم؟
قال الحافظ: يُحمَل على أنها إضافة اختصاص، لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يَرعَى لغيره بالأجرة، وأما المالك فقَلَّ أن يباشر الرَّعْي بنفسه (٢). وقد تقدّم البحث في هذا في الباب الماضي بأتمَّ مما هنا، فراجعه تستفد.
(فِي الْبُنْيَانِ) أي: في تطويله (فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ) أي: عِلْمُ وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحَذْفُ مُتَعَلَّق الجارّ سائغ، كما في قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، أي: اذْهَبْ إلى فرعون بهذه الآية، في جملة تسع آيات.
стр. 185
وفي رواية عطاء الخراساني: "قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب، لا يعلمها إلا الله".
وقال القرطبيّ: قوله: "في خمس إلخ": فيه حذف، وتوسّعٌ: أي: هي من الخمس التي قد انفرد الله بعلمها، أو في عددهنّ، فلا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو﴾ [الأنعام: ٥٩]، فلا طريق لعلم شيء من ذلك، إلا أن يُعْلِم الله تعالى بذلك، أو بشيء منه أحدًا ممن شاءه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، فمن ادّعى علم شيء من هذه الأمور كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يُسند ذلك إلى رسول بطريق تفيد العلم القطعيّ، ووجود ذلك متعذّر، بل ممتنع، وأما ظنّ الغيب، فلم يتعرّض شيء من الشرع لنفيه، ولا لإثباته، فقد يجوز أن يظنّ المنجّم، أو صاحب خطّ الرمل، أو نحو هذا شيئًا مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنّه، فيكون ذلك ظنًّا صادقًا، إذا كان عن موجب عاديّ يقتضي ذلك الظنّ، وليس بعلم، فيُفهم هذا منه، فإنه موضع غَلِطَ بسببه رجالٌ، وأُكلت به أموالٌ.
[ثم اعلم]: أن أخذ الأجرة، والْجُعْل، وإعطائها على ادّعاء علم الغيب، أو ظنّه لا يجوز بالإجماع، على ما حكاه أبو عمر بن عبد البرّ. انتهى (١).
وقال في "الفتح": وجاء عن ابن مسعود ﵁ قال: أُوتي نبيكم ﷺ علم كل شيء، سوى هذه الخمس. وعن ابن عمر مرفوعًا نحوه، أخرجهما أحمد. وأخرج حميد بن زنجويه، عن بعض الصحابة، أنه ذُكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره، فأنكر عليه، فقال: إنما الغيب خمس، وتلا هذه الآية، وما عدا ذلك غيب، يعلمه قوم، ويجهله قوم.
[تنبيه]: تضمن الجواب زيادة على السؤال، للاهتمام بذلك، إرشادًا للأمة، لما يترتب على معرفة ذلك من المصلحة.
[فإن قيل]: ليس في الآية أداة حصر، كما في الحديث؟ أجاب الطيبي
стр. 186
بأن الفعل، إذا كان عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهم منه الحصر على سبيل الكناية، ولا سيما إذا لُوحظ ما ذُكر في أسباب النزول، من أن العرب كانوا يَدَّعُون علم نزول الغيث، فيُشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك، واختصاصه بالله .
[فائدة]: النكتة في العدول عن الإثبات إلى النفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكذا التعبير بالدراية، دون العلم؛ للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب على الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذلك عن كل نفس، مع كونه من مختصاتها، ولم تقع منه على علم، كان عدم اطلاعها على علم غير ذلك من باب أولى. انتهى ملخصًا من كلام الطيبي.
(لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا) أي النبيّ ﷺ : (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: علم وقت قيامها (وَيُنَزِّلُ) قرأ بالتشديد ابن عامر، ونافع، وعاصم من السبعة، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهو عطف على ما يقتضيه الظرف من الفعل، تقديره: إن الله يَثْبُتُ عنده علم الساعة، وينزل (الْغَيْثَ) أي: المطر في إبّانه من غير تقديم ولا تأخير (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام) أذكرٌ أو أنثى، تامّ أو ناقص (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ) برّة كانت أو فاجرةً (مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) من خير أو شرّ، فربّما كانت عازمةً على فعل خير، فعملت شَرًّا، أو بالعكس (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: أين تموت، فربّما أقامت بأرض، وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحها، فترمي بها مرامي الأقدار حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ) بالغيوب (خَبِيرٌ) بما كان ويكون.
قال النسفيّ ﵀: جَعَلَ العلم لله، والدراية للعبيد؛ لما في الدراية من معنى الْخَتْل والحيلة، والمعنى أنها لا تَعْرِفُ، وإن أعمَلَت حِيَلَها ما يختصّ بها، ولا شيءَ أخصّ بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان معرفة ما عداهما أبعدَ، وأما المنجّم الذي يُخبر بوقت الغيث والموت، فإنه يقول بالقياس، والنظر في الطالع، وما يُدرَك بالدليل لا يكون غيبًا، على أنه مجرّد الظنّ، والظنّ غير العلم. انتهى كلام النسفيّ (١).
стр. 187
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ (١): هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعِلمُ وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أَمَرَ به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذلك لا يَعْلَم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أَمَر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها وما تدري نفس بأي أرض تموت في بلدها أو غيره، من أيّ بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شَبِيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.
قال: وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي مسيح، قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى همدان [من البسيط]:
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ … سِوَى حَنْوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَعْ خِرَقِ
وَغَيْرِ نَفْحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ (٢) … وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
لَا تَأْسَيَنَّ عَلَى شَيْءٍ فَكُلُّ فَتًى … إِلَى مَنِيَّتِه سَيَّارٌ فِي عَنَقِ
وَكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَوْتَ يُخْطِئُهُ … مُعَلَّلٌ بِأَعَالِيلٍ مِنَ الْحُمُقِ
بِأَيِّمَا بَلْدَةٍ تُقْدَرْ مَنِيَّتُهُ … إِنْ لَا يَسِيرُ (٣) إِلَيْهَا طَائِعًا يُسَقِ
أورده الحافظ ابن عساكر ﵀ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى هَمْدَان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مُزَوَّج بأخت الشعبي أيضًا، وقد كان ممن طَلَب العلم وتَفَقَّهَ، ثم عدل إلى صناعة الشعر، فعُرِف به (٤).
وأخرج ابن عساكر عن المبرّد قال: كان عمر بن عبد العزيز كثيرًا ما يتمثّل:
стр. 188
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ … سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ في خِرَقِ
وَغَيْرِ نَفْجَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ … وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
بِأَيِّ مَا بَلَدٍ كَانَتْ مَنِيَّتُهُ … إِلَّا يَسْرِ طَائِعًا فِي قَصْدِهَا يُسَقِ (١)
وقد روى ابن ماجه في "سننه" (٤٢٦٣) بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا كان أجل أحدكم بأرض، أوثبته إليها الحاجة، فإذا بلغ أقصى أثره، قبضه الله سبحانه، فتقول الأرض يوم القيامة: رَبِّ هذا ما استودعتني" (٢).
وأخرج الطبرانّي في "الكبير" بإسناده صحيح أيضًا عن أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما جَعَلَ الله مَنِيَّة عبد بأرض، إلا جعل له إليها حاجة" (٣).
(قَالَ) أبو هريرة ﵁ (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي: ذهب (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ") أي: ائتوني به (فَأَخَذُوا) أي: فشرعوا (لِيَرُدُّوهُ) وفي رواية عمارة التالية: "فالْتُمِسَ، فلم يجدوه" (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) فيه أن المَلَك يجوز أن يتمثل لغير النبيّ ﷺ فيراه، ويتكلم بحضرته وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين ﵄ أنه كان يسمع كلام الملائكة.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ")، وفي رواية عمارة التالية: "هذا جبريل أراد أن تَعَلَّموا؛ إذ لم تسألوا"، وفي رواية أبي فَرْوة عند النسائيّ: "والذي بعث محمدًا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل"، وفي حديث أبي عامر الأشعريّ عند أحمد بسند حسن - كما قال الحافظ -: "ثم وَلّى، فلما لم نَرَ طريقه، قال النبي ﷺ : "سبحان الله، هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون هذه المرة"، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في حديث عمر ﵁ الماضي، وكذا البحث عن المسائل المتعلّقة به، قد استوفيته هناك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 189
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في "الإيمان" (١/ ١٠٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حرب جميعًا، عن ابن عُليّة - (ح) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر - كلاهما عن أبي حيان التيميّ - و (١/ ١٠٧) عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة بن القعقاع - كلاهما عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وأخرجه (البخاريّ) (١/ ١٩) عن مسدّدٌ، عن إسماعيل بن إبراهيم، و (٦/ ١٤٤) عن إسحاق، عن جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيّان به.
و (أحمد) (٢/ ٤٢٦) عن إسماعيل بن علية، عن أبي حيّان به.
و (ابن ماجه) (٦٤) و (٤٠٤٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عليّة به و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٥ و ٨٦).
و (ابن خزيمة) (٢٢٤٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن ابن عليّة به، (ح) وعن يوسف بن موسى، عن جرير به، (ح) وعن موسى عبد الرحمن المسروقيّ عن أبي أسامة، عن أبي حيّان به، (ح) وعن عبدة بن عبد الله الْخُزَاعيّ، عن محمد بن بشر، عن أبي حيّان التيميّ به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في "الإكمال" عن الإمام المازريّ ﵀ أنه قال في "شرحه": خرّجه - يعني هذا الحديث - مسلم عن زهير بن حرب، عن جرير، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ … الحديث، ثم قال مسلم: جرير كنيته أبو عمرو، وأبو زرعة اسمه عُبيد الله، وأبو زرعة هذا روى عنه الحسن بن عُبيد الله، وأبو زرعة كوفّي من أشجع.
قال بعضهم (١): وقع هذا الكلام لمسلم في رواية ابن ماهان خاصّةً،
стр. 190
وليس في رواية الجلوديّ، ولا الكسائيّ منه شيء، قال: وبين أهل العلم خلافٌ في هذه الجملة.
أما قوله: أبو زرعة اسمه عُبيد الله، فقد قاله أيضًا في "كتاب الطبقات"، قال: وقال البخاريّ في "تاريخه"، ومسلم في "كتاب الكنى": أبو زرعة اسمه هَرِم، وخالفهما يحيى بن معين، فقال: أبو زرعة بن عمرو، واسمه عَمرو بن عمرو، وكذا ذكره النسائيّ في الأسماء والكنى من تأليفه.
وأما قوله: أبو زرعة روى عن الحسن، فقد قاله البخاريّ أيضًا (١)، وقد خولفا في ذلك، فقيل: الذي يروي عنه الحسن رجلٌ آخر يروي عن ثابت بن قيس، اسمه هَرِم، قاله ابن المدينّي، وإليه ذهب ابن الجارود في "كتاب الكنى"، قال: ثم ذكر ابن الجارود ترجمة أخرى، فقال: أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة ﵁ روى عنه عمارة بن القعقاع، والحارث الْعُكْليّ، وأبو حيّان التيميّ، وكذا ذكر النسائيّ ترجمتين، كما فَعَل ابن الجارود سواءً.
وأما قوله في رواية ابن ماهان: أبو زرعة كوفِيّ من أشجع، فقال بعضهم: لا أعلم ما يقول، كيف يكون من أشجع؟ وأبو زرعة الذي في الإسناد هو ابن عَمْرو بن جرير بن عبد الله الْبَجليّ، وأين يجتمع أشجع وبَجِيلة، إلا أن يريد رجلًا آخر. انتهى كلامه (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن أبا زرعة بجليّ، لا أشجعيّ، وقد تقدّم نحو هذا الكلام في ترجمة أبي زرعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ: "إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ بَعْلَهَا" - يَعْني السَّرَارِيَّ).
стр. 191
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانّي، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) ١/ ٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بن الْفُرَافِصَة بن المختار الحافظ العبديّ، أبو عبد الله الكوفِيّ، ثقة حافظ [٩].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عُمر العمريّ، ويزيد بن زيادة بن أبي الجعد، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، والثوري، وشعبة، وغيرهم.
ورَوى عنه علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو كريب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وموسى بن حِزَام الترمذي، وهارون بن عبد الله الْحَمّال، وموسى بن عبد الرحمن المسروقي، وعبدة بن عبد الله الصفار، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي عن أبي نعيم: لَمّا خرجنا في جنازة مِسْعَر جعلت أتطاول، فقلت: يجيئوني فيسألوني عن حديث مِسْعَر، فذاكرني محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر، فأغرب علي سبعين حديثًا لم يكن عندي منها إلا حديث واحد. وفي "المراسيل" قال ابن معين: والله ما سمع محمد بن بشر من مجاهد بن رُومي شيئًا، ولكنه مرسل. وقال النسائي، وابن قانع: ثقة. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: لم يكن به بأس. وقيل له: هو أحب إليك، أو أبو أسامة؟ فقال: أبو أسامة. وقال ابن شاهين في: "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبتٌ إذا حَدّث من كتابه.
قال البخاريّ، وابن حبان: مات سنة ثلاث ومائتين، وفيها أَرَّخه يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزاد: في جمادى، وكان ثقةً كثير الحديث.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا.
٣ - (أبو حيّان التيميّ) يحيى بن سعيد بن حيّان المذكور قريبًا.
وقوله: "بهذا الإسناد" الإشارة إلى إسناد أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير
стр. 192
عن ابن عليّة، عن أبي حيّان، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة ﵁.
وقوله: "مثله"، أي: مثل المتن السابق، وقد تقدَّم أنه لا يطلق لفظ "مثل" إلا إذا اتفقا لفظًا (١)، ولذا استثنى ما اختلفا فيه، وهو "إذا ولدت الأمة بعلها".
ولفظ رواية محمد بن بشر ساقه ابن خزيمة في "صحيحه"، فقال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيّ، حدثنا ابن علية حدثنا أبو حيان (ح) وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي (ح) وحدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا أبو أسامة، حدثني أبو حيان التيمي (ح) وحدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، أخبرنا محمد بن بشر، حدثني أبو حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: بينما رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه رجل يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر"، قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تعبد الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، وقال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائلَ، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها - يعني السراري - فقال: فذلك من أشراطها، وإذا تطاول رِعَاء الْبَهْم في البنيان، فذلك أشراطها، وإذا صار الْعُرَاة الْحُفَاة رؤوس الناس، فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا لله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السورة [لقمان: ٣٤]، ثم أدبر الرجل، فقال النبي ﷺ هذا جبريل، يعلم الناس دينهم"، هذا حديمث محمد بن بشر (٢).
стр. 193
وقوله: "غير أن في روايته إلخ"، يعني: أن رواية محمد بن عبد الله بن نمير قوله: "إذا ولدت الأمة بعلها" بدل رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بلفظ: "إذا وَلَدت الأمة ربّها"، لكن وقع عند ابن خزيمة كما أسلفته آنفًا بلفظ "ربّها"، فليُنظر.
وقوله: "يعني السَّرَارِيّ" هذه العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟.
و"السَّرَاريّ": بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان، الواحدة سُرِّيّة بالتشديد، قال ابن السِّكِّيت في "إصلاح المنطق": كل ما كان واحده مشدّدًا من هذا النوع جاز في جمعه التشديد والتخفيف، والسُّرِّية الجارية الْمُتَّخَذَة للوطء، مأخوذة من السِّرّ، وهو النكاح، قال الأزهريّ: السُّرّيّة فُعْلِيَّةٌ من السِّرّ، وهو النكاح، قال: وكان أبو الهيثم يقول: السّرّ، والسُّرُور، فقيل لها: سرية؛ لأنها سُرُور مالكها، قال الأزهريّ، وهذا القول أحسن، والأول أكثر. ذكره النوويّ (١).
وقال ابن منظور: واختَلَف أهلُ اللغة في الجارية التي يتسرّاها مالكها لِمَ سُمّيت سُرِّيّةً، فقال بعضهم: نُسبت إلى السِّرّ، وهو الجماع، وضُمّت السين للفرق بين الحرّة والأمة توطأ، فيقال للحرّة إذا نُكحت سرًّا، أو كانت فاجرةً: سِرِّيّةٌ - بالكسر - وللمملوكة يتسرّاها صاحبها: سُرّيّةٌ؛ مخافةَ اللَّبْس، وقال أبو الْهَيثم: السِّرّ: السرور، فسميّت الجارية سُرّيّةً؛ لأنها موضع سُرُور الرجل، قال: وهذا أحسن ما قيل فيها، وقال الليث: السُّرّيّةُ فُعْلِيّةٌ، من قولك: تسرّرتُ، ومن قال: تسرّيت، فإنه غَلط، وتعقّبه الأزهريّ، فقال: هو الصواب، والأصلُ تسرّرت، ولكن لَمّا توالت ثلاث راءات أبدلوا إحداهنّ ياء، كما قالوا: تظنّيتُ من الظنّ، وقصّيتُ أظفاري، والأصل قَصَصتُ، ومنه قول العجاج [من الرجز]:
تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ
انتهى كلام ابن منظور بتصرّف يسير (٢).
стр. 194
وقال ابن الأثير: المراد بالبعل ها هنا المالك، يعني كثرة السبي، والتسرّي، فإذا استولد المسلم جاريةً كان ولدها بمنزلة ربّها. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٧] (١٠) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَلُونِي، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الإِسلَامُ؟ قَالَ: "لَا تُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكِتَابِه، وَلِقَائِه، وَرُسُلِه، وَتُوْمِنَ بِالْبَعْث، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَخْشَى اللهَ كَانكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمسئول عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِل، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ، مُلُوكَ الْأَرْض، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْم، يَتَطَاوَلُونَ، فِي الْبُنْيَان، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنْ الْغَيْب، لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رُدُّوهُ عَلَيَّ، فَالْتُمِسَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ، أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا، إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفّي، نزيل الرَّيّ،
стр. 195
وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِمُ من حفظه [٨] (ت ١٨٨) (ع) ٥/ ٤٩.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) (١) بن شُبْرُمة - بضم المعجمة والراء، بينهما موحّدة ساكنة - الضبي - بالمعجمة، والموحّدة - الكوفي، ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة، وكان أكبر من عمه، ثقة [٦].
رَوَى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ البجلي، والحارث الْعُكْليّ، والأخنس بن خليفة الضبي.
وروى عنه الحارث العكليُّ شيخه، وابنه القعقاع بن عُمارة، والأعمش، وفضيل بن غَزْوان، وابنه محمد بن فضيل، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، وشريك، وغيرهم. قال البخاريّ عن علي: له نحو ثلاثين حديثًا. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. ووثقه ابنُ سعد، ويعقوب بن سفيان. وذكره ابن حبان في الثقات"، وقال ابن عُيينة: عُمارة بن القعقاع ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة، وعبدُ الله بن عيسى ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كانوا يقولون: هما أفضل مِن عَمَّيهما. وقال ابن أبي حاتم في المراسيل" عن أبيه: عُمَارة بن القعقاع عن ابن مسعود، ليس بمتصل، بينهما رجل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: "وهو ابن القعقاع"، زاد المصنّف قوله: "وهو"، ولم يقل: عمار بن القعقاع؛ لأن شيخه زهيرًا لم ينسبه إلى أبيه، وإنما قال: "حدّثنا جريرٌ عن عمارة، عن أبي زرعة، فأراد المصنّف أن يبيّنه بذكر أبيه، فزاد "وهو"؛ لئلا يكون كاذبًا على شيخه، وقد تقدّم بيان هذا غير مرّة، فلا تغفل.
وقوله: "سلوني إلخ"، هذا ليس بمخالف للنهي عن سؤاله في قوله : ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، فإن هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه، فهو
стр. 196
موافقٌ لقوله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣] (١).
وفيه أمر العالم الناس بسؤاله عما يحتاجون إليه؛ ليبيّنه لهم، وأنهم إن لم يُحسنوا السؤال ابتدأ التعليم من قِبَل نفسه، كما فعل جبريل ﵇، أو يَجعل من يسأل، فيُجيبُ بما يلزمهم علمه (٢).
وقوله: "وتؤمن بالقدر"، قيل: لعلّ الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن كأنها إشارة إلى ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة "تؤمن"، ثم أكّده بقوله: "كلّه"، بل في الرواية الأخرى بالإبدال بقوله: "خيره وشرِّه، وحُلْوِه ومُرِّه"، ثم زاده تأكيدًا بقوله في الرواية الأخرى أيضًا: "من الله".
وقوله: "وإذا رأيت الْحُفَاة الْعُرَاة الصُّمَّ الْبُكْم": المراد بهم الْجَهَلَة السَّفَلَة الرِّعاع، وقيل لهم: ذلك مبالغةً في وصفهم بالجهل، كما قال : "صمّ بكم عُميٌ"، أي لَمّا لم ينتفعوا بجوارحهم هذه، فكأنهم عَدِموها، يعني أنهم لم يستعملوا أسماعهم، ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم، وإن كانت حَوَاسُّهم سَلِيمة.
وقوله: "ملوك الأرض"، وفي رواية: "رؤوس الناس"، وأراد بهم أهلَ البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره قال: "ما الحفاة العراة"؟ قال: "الْعُرَيب" وهو بالعين المهملة على التصغير، وفي الطبراني من طريق أبي حمزة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "مِن انقلاب الدين تَفصُّح النَّبَط، واتخاذهم القُصُور في الأمصار".
قال القرطبيّ ﵀: المقصود الإخبار عن تبدل الحال، بأن يستولي أهلُ البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان، والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان، ومنه الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعدُ الناس بالدنيا لُكَعَ ابن لُكَع"، ومنه: "إذا وُسِّد الأمرُ إلى غير أهله، فانتظروا الساعة"، وكلاهما في "الصحيح". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 197
(٢) - (بَابُ بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسلَامِ)
وبسندنا المتّصل الذي سبق في أَوَّل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال:
[١٠٨] (١١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْه، عَنْ أبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَاثِرُ الرَّأْس، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِه، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، فَقَالَ: "هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) الْبَغلاني، ثقة ثبت [١٠] مات سنة (٢٤٠) عن (٩٠) سنة، (ع) ٥/ ٤٩.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الفقيه، رأس الْمُتْقِنين، وكبير المتثبّتين [٧] مات سنة (١٧٩) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٢ - ٣٨٥.
٣ - (أَبُو سُهَيْلٍ) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، حَلِيف بني تيم، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وغيرهم.
ورَوَى عنه الزهري، وهو من أقرانه، وابن أخيه مالك بن أنس إمام دار
стр. 198
الهجرة، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، ومحمد بن طلحة التيمي، وعبد العزيز الدَّرَاوَرْدي، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال الواقديّ: كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة، هَلَك في إمارة أبي العباس.
وفي "التقريب": ثقة [٤]، مات بعد (١٤٠).
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٢) و (٨٩) و (١٧٩٣) و (١٧٩٤).
٤ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أنس، ويقال: أبو محمد، جَدُّ مالك بن أنس الفقيه، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وطلحة، وعَقيل بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وربيعة بن مُحْرِز، كاتب عمر، وكعب الأحبار.
وروى عنه أبناؤه: أنس، والربيع، ونافع، وسليمان بن يسار، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيمي.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وقال: فَرَضَ له عثمان. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحة.
قال ابنه الربيع: مات أبي حين اجتمع الناس على عبد الملك - يعني سنة أربع وسبعين -.
[تنبيه]: وَهِمَ عبد الغني في "الكمال" تبعًا لابن سعد، عن الواقديّ، قال: إنه مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبعين، أو اثنتين وسبعين سنة.
وتعقّبه المنذريّ بأن سماعه من طلحة مُصَرَّحٌ به في "الصحيح"، وطلحةُ قُتِل سنة ست وثلاثين، وعلى ما ذكره يكون مولده سنة أربعين، فكيف يمكن سماعه؟ ثم قال: فلعله كان الوهم في سنّه والصواب تسعين بتقديم التاء، انتهى.
قال الحافظ: وهو مشكل أيضًا، فقد صَحَّ سماعه من عمر ﵁، فإنه قال: شَهِدتُ عمر عند الجمرة، وذكر قِصَّة، أوردها ابن سعد بسند جيد،
стр. 199
والصواب ما تقدّم (١)، وكذا ذكره البخاريّ في "الأوسط" في "فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين".
أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٢) و (٨٩) و (٣٣٧) و (١٧٩٤) و (٢٩٦٧).
٥ - (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان بن عَمْرو بن كَعْب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب القرشي التيميّ، أبو محمد المدنّي، يجتمع مع النبيّ ﷺ في الأب السابع مثل أبي بكر ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأمه الصعبة أخت العلاء بن الحضرمي، من المهاجرات، غاب عن بدر، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره، وشَهدَ أُحُدًا وما بعدها، وكان أبو بكر ﵁ إذا ذَكَرَ يوم أحد قال: ذاك يوم كُلُّه لطلحة، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمس الذين أسلموا على يد أبي بكر ﵁، والستّة الذين هم أصحاب الشورى الذين تُوفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهو ممن ثبت مع النبيّ ﷺ يوم أحد، ووقاه بيده ضربة قُصِد بها، وقيل: جُرح في ذلك اليوم خمسًا وسبعين جراحةً، وشُلّت أصبعاه، وسمّاه النبيّ ﷺ طلحة الخير، وطلحة الجود.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وروى عنه أولاده: محمد، وموسي، ويحيي، وعمران، وعيسي، وإسحاق، وعائشة، وابن أخيه عبد الرَّحمن بن عثمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، والسائب بن يزيد، وقيس بن أبي حازم، ومالك بن أوس بن الحدثان، وأبو عثمان النَّهْديّ، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، وربيعة بن عبد الله بن الْهُدَير، وعبد الله بن شدّاد بن الهاد، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وقيل: لم يسمع منه، وغيرهم.
قال أبو أسامة: عن طلحة بن يحيى: أخبرني أبو بردة، عن مسعود بن خِرَاش قال: بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة، فإذا أناس كثير يتبعون أناسًا، قال: فنظرت، فإذا شابّ مُوثَقٌ يده إلى عنقه، فقلت: ما شان هؤلاء؟ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله قد صَبَأَ. وقال محمد بن عُمر بن علي: آخى
стр. 200
النبي ﷺ بمكة بينه وبين الزبير. ورُوي عن الزهري قال: آخى النبي ﷺ بالمدينة بين طلحة وأبي أيوب، خالد بن زيد. وقال قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة شَلاء وَقَى بها رسول الله ﷺ . وقال ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمير، عن قَبِيصة بن جابر: صحبت طلحة بن عبيد الله، في رأيت رجلًا أعطى لجزيلِ مالٍ من غير مسألة منه. وقال البخاري في "التاريخ الصغير": حدثنا موسى، حدثنا أبو عوانة، عن حُصَين في حديث عَمْرو بن جاوان قال: فالتقى القوم - يعني يوم الجمل - فكان طلحة من أول قتيل. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: كان مروان مع طلحة والزبير يوم الجمل، فلما شَبّت الحرب قال مروان: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فَرَمَى طلحة بسهم، فأصاب ركبته، فمات منه. وقال أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة، مولى طلحة قال: دخلت على عليّ مع عمران بن طلحة، بعدما فَرَغ من أصحاب الجمل، فَرَحَّب به وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧]. وقال ابن سعد: أخبرني مَن سَمِع أبا جناب الكلبيّ يقول: حدثني شيخ من كلب، قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قَتَلَ طلحة، ما تركتُ أحدًا من ولد طلحة إلَّا قتلته بعثمان. وقال الحميدي في "النوادر" عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن مروان قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد، فقال له الوليد: ما دخلت عليّ قطّ إلَّا هَمَسْتُ بقتلك، لولا أن أبي أخبرني أن مروان قَتَل طلحة. وقال أبو عمر بن عبد البر: لا يَختَلِف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة.
قال خليفة بن خياط: كانت وقعة الجمل بناحية الطّفّ، يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين، وقُتِل فيها طلحة في المعركة، أصابه سهم غَرْبٌ فقتله. وقال المدائني: مات وهو ابن (٦٠) سنة، وقال أبو نعيم: وهو ابن (٦٣) سنة، وقيل: غير ذلك.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (٣٨) اتّفق الشيخان على حديث واحد، وهو هذا الحديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم في هذا الكتاب
стр. 201
بأربعة أحاديث، برقم (١٢) و (٧٦٩) وأعاده بعده (٧٧٠) و (٢٠٦٧) و (٤٣٥٦) و (٤٤٣٥)(١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، وهي قرية ببلخ، لكن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك رحمه الله تعالى.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو سهيل عن أبيه.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالأقارب، لأن مالكًا يرويه عن عمّه، وهو عن أبيه، عن حليفه، فإن مالك بن أبي عامر حليف لطلحة ﵁، كما سبق التنبيه عليه، فهو مسلسل بالأقارب، كما هو مسلسل بالبلد.
٦ - (ومنها): قتيبة من أفراد الكتب الستّة، إذ لا يوجد من اسمه قتيبة غيره، ويقال: إنه لقب، واسمه عليّ، قاله أبو عبد الله بن منده، وقيل: يحيى، قاله ابن عديّ، ويقال له: "الثقفيّ"؛ لأنه مولاهم؛ قيل: إن جدّه كان حَمِيلًا، وكان مولى للحجاج بن يوسف الثقفيّ.
٧ - (ومنها): أن طلحة، وأبا سهيل، وأباه هذا أول محلّ ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدة ما رواه عنهم المصنّف فيه.
٨ - (ومنها): أن طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عُبيد الله اثنان، هذا أحدهما، والثاني تيميّ أيضًا، ويقال له أيضًا: طلحة الخير، فأشكل على الناس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) نافع بن مالك (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) ﵁ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ )، قيل: إن هذا
стр. 202
الرجل هو ضِمَام بن ثعلبة الذي سمّاه البخاري في حديث أنس ﵁ المذكور بعد هذا، وإن الحديثين حديث واحد، قال القرطبّي رحمه الله تعالى: وهذا فيه بُعد؛ لاختلاف مساقهما، وتباين الأسئلة فيهما، ولزيادة الحجّ في حديث أنسّ ﵁، ويَبعُد الجمع بينهما، فالأولى أن يقال: هما حديثان مختلفان، وكذلك القول في كلّ ما يَرِد من الأحاديث التي فيها الأسئلة المختلفة، كحديث أبي أيوب وجابر وغيرهما مما يُذكَر بعد هذا، وقد رام بعض العلماء الجمع بينها، وزَعَم أنَّها كلّها حديث واحد، فادّعى فَرَطًا، وتكلّف شَطَطًا، من غير ضرورة نقليّة ولا عقليّة. انتهى كلام القرطبيّ (١).
(مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) متعلّق بصفة لـ "رجل"، و"النَّجْدُ" - بفتح النون، وسكون الجيم -: المرتفع من الأرض والْغَوْرُ: المنخفِضُ منها، وهما بحكم العرف جهتان مخصوصتان (٢).
وقال الفيوميّ رحمه الله تعالى: "النَّجْدُ": ما ارتفع من الأرض، والجمعُ نُجُود، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس، وبالواحد سُمّي بلادٌ معروفة من ديار العرب مما يَلي العِرَاقَ، وليست من الحجاز، وإن كانت من جَزِيرة العرب، قال في "التهذيب": كلُّ ما وراء الْخَنْدق الذي خَنْدَقه كسرى على سواد العراق، فهو نَجْدٌ إلى أن تَمِيل إلى الحرّة، فإذا مِلتَ إليها فأنت في الحِجَاز، وقال الصَّغَاني: كلُّ ما ارتفع من تِهَامةَ إلى أرض العراق فهو نَجْدٌ. انتهى كلام الفيّوميّ (٣).
(ثَائِرُ الرَّأسِ) مرفوع على أنه صفة لـ "رجل"، ويجوز نصبه على الحال، وقال الطيبيّ ﵀: يُنصبُ على الحال من "رجل" لوصفه، والرفع فيه حسن على الصفة لولا الرواية بالنصب (٤).
[فإن قلت]: إن شرط الحال التنكير، و"ثائر" مضاف، فكيف يقع حالًا؟ وأيضًا إذا كان صاحب الحال نكرة وجب تقديم الحال عليه.
стр. 203
[أجيب]: عن الأول بأن إضافته لفظيّة، لا تفيده معرفة؛ لكونه وصفًا، قال في "الخلاصة":
وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ "يَفْعَلُ" … وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيرِهِ لَا يُعْزَلُ
كَـ "رُبَّ رَاجِينَا عَظِيمِ الأَمَلِ … مُرَوَّعِ الْقَلْبِ قَلِيلِ الْحِيَلِ"
وَذِي الإِضَافَةُ اسْمُهَا لَفْظِيَّهْ … وَتِلْكَ مَحْضَةٌ وَمَعْنَوِيَّهْ
وأجيب عن الثاني بأنه يجوز تأخير الحال عن النكرة إذا تخصّصت بالوصف، كقوله : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥] الآية، أو بالإضافة، نحو "جاء غلام رجل قائمًا"، أو وقعت بعد نفي كقوله : ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤] وهنا اتّصف النكرة بقوله: "من أهل نجد"، قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِ امرُؤٌ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلًا"
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى "ثائر الرأس": منتَفِشُ الشعر، مرتفِعُهُ، من قولهم: ثار الشيء يثور: إذا ارتفع، ومنه ثارت الفتنة، وهذه صفة أهل البادية غالبًا. انتهى (١).
وقال في "الفتح": المراد: أن شعره مُتَفَرِّقٌ من ترك الرفاهية، ففيه إشارة إلى قُرْب عهده بالوِفَادة، وأوقع اسم الرأس - على الشعر، إما مبالغةً، أو لأن الشعر منه ينبت. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": أطلق اسم الرأس على الشعر إما لأن الشعر منه ينبت، كما يُطلق اسم السماء على المطر؛ لأنه ينزل من السماء، وإما لأنه جَعَل نفس الرأس ذا ثَوَران على طريق المبالغة، أو يكون من باب حذف المضاف لقرينة العقل. انتهى (٣).
(نَسْمَعُ) رُوي هو وقوله: "نَفْقَهُ" بالنون المفتوحة فيهما، ورُوي بالياء المثنّاة من تحتُ المضمومة فيها، والأول هو الأشهر الأكثر الأعرف. قاله النوويّ (٤).
стр. 204
وقال القرطبيّ: رويناه "يُسْمَعُ"، و"يُفْقَهُ" بالياء المثنّاة من تحتُ - مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله، ونائب فاعله قوله: "دويّ صوته". وبالنون فيهما مبنيًّا للفاعل، و"دويَّ صوته" منصوب على المفعوليّة، وكلاهما واضح الصحّة. انتهى بزيادة (١).
(دَوِيَّ صَوْتِهِ) أي: بعده في الهواء، ومعناه شدّة صوتٍ لا يُفهَمُ، وهو بفتح الدال، وكسر الواو، وتشديد الياء هذا هو المشهور، وحَكَى صاحب "المطالع" فيه ضمّ الدال أيضًا. قاله النوويّ (٢).
وقال في "الفتح": "الدَّوِيُّ" - بفتح الدال، وكسر الواو، وتشديد الياء - كذا في روايتنا، وقال القاضي عياض: جاء عندنا في البخاري بضم الدال، قال: والصواب الفتح، وقال الخطابي: صوت مرتفع مُتَكَرِّرٌ، ولا يُفْهَم، وإنما كان كذلك؛ لأنه نادى من بُعْد (٣).
وقال في "العمدة": يقال الدويّ: بُعدُ الصوت في الهواء، وعُلُوّه، ومعناه: صوتٌ شديدٌ لا يُفهَم منه شيءٌ كدويّ النحل، وقال الشيخ قطب الدين: هو شدّة الصوت وبُعْده في الهواء، مأخوذ من دَوِيّ الرعد، ويقال: هو شدّة صوت لا يُفهَم، فلما دنا فُهِم كلامه، فلهذا قال: "فإذا هو يسأل"، وقال الجوهريّ: دَويّ الريح حَفِيفها، وكذلك دويّ النحل والطائر، ويقال: دَوَّى النحلُ تدويةً، وذلك إذا سمعتَ لِهَدِيره دويًّا، والدويّ أيضًا السحاب ذو الرعد المرتجس. انتهى (٤).
(ولَا نَفْقَهُ) من الفقه، من باب تَعِبَ، وهو الفهم، قال الله تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ [طه: ٢٨]: أي: يفهموا (مَا يَقُولُ) "ما" موصولة مفعول به لـ "نفقه"، و"يقول" صلتها، والعائد محذوف، أي: يقوله، إنما لم يفهموه لأنه نادى من بعيد، فلما دنا فَهِموه، كما بيّنه قوله: (حَتَّى دَنَا) من الدنوّ، وهو القرب، أي: إلى أن قَرُب، فـ "حتَّى" هنا للغاية بمعنى "إلى" (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا) هي "إذا" الفجائيّة، وهي تختصّ بالجمل الاسميّة، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في
стр. 205
الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، وهي حرف عند الأخفش، واختاره ابن مالك، وظرف مكان عند المبرّد، واختاره ابن عصفور، وظرف زمان عند الزجّاج، واختاره الزمخشريّ (١) (هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ)، أي: فرائضه التي فُرِضت على من وحّد الله تعالى، وصدّق رسوله ﷺ ، ولهذا لم يَذكُر فيه الشهادتين؛ لأنه ﷺ عَلِمَ أن الرجل يسال عن شرائع الإسلام، ويُمكن أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادتين، فلم يسمعها طلحة ﵁ لبعد موضعه منه، وهذا القول أمثل وأجمع، قاله الطيبيّ.
وقال في "الفتح": قوله: "فإذا هو يسأل عن الإسلام": أي عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة؛ لأنه عَلِمَ أنه يعلمها، أو عَلِمَ أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذَكَرَها ولم ينقلها الراوي؛ لشهرتها، وإنما لم يَذكُر الحج إما لأنه لم يكن فُرِضَ بَعْدُ، أو الراوي اختصره، ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه البخاريّ في "الصيام" من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، في هذا الحديث قال: "فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام"، فدَخَل فيه باقي المفروضات، بل والمندوبات. انتهى (٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) يجوز في "خمس" الرفع، والنصب، أما الرفع فعلى أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي: هي خمسُ صلوات، وأما النصب فعلى أنه مفعول لفعل مقدَّر، أي: خُذْ خمسَ صلوات، وجوّز العينّي الجرّ على أنه بدل من "الإسلام"، وفيه نظرٌ.
وفي رواية للبخاريّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سُهيل أنه قال في سؤاله: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال، ويستفاد من قوله: "في اليوم والليلة": أنه لا يجب شيء من الصلوات في كلّ يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحي، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب (٣).
стр. 206
(فَقَالَ) أي: الرجل المذكور (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟) "هل" للاستفهام، و"غيرها" بالرفع مبتدأ، و"عليّ" خبره (قَالَ) ﷺ ("لَا)، أي: لا فرضَ عليك غيرها (إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ) استثناء من قوله: "لا"، و"تَطَّوَّعَ" بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين، فأُدغِمت إحداهما في الأخرى، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبيَّنُ الْعِبَرْ"
وقد اختُلف في هذا الاستثناء، فقيل: متّصلٌ، وقيل: منقطع، فمن قال بالأول: قال: يجب الإتمام بالشروع في التطوّع، ومن قال بالثاني قال: لا يجب، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
وفيه ردٌّ على الإصطخريّ من الشافعيّة في قوله بفرضيّة صلاة العيدين على الكفاية، وعلى الحنفية في قولهم بوجوب الوتر.
(وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) برفع "صيام"، ونصبه، كما سبق بيانه، ولفظ البخاريّ "وصيام رمضان" بدون ذكر "شهر"، وفيه جواز إطلاق "رمضان"، خلافًا لمن كره ذلك (فَقَالَ) الرجل ("هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟)، أي: هل يجب عليّ صومٌ غير شهر رمضان؟ (فَقَالَ) الرسول ع ﷺ : ("لَا)، أي: لا يجب عليك غيره (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ)، وفي رواية البخاريّ: "قال: و"ذكره له إلخ"، أي: قال الراوي، وهو طلحة بن عُبَيْدِ الله ﵁: وذكر النبيّ ﷺ لذلك الرجل الزكاة.
وإنما قال: "وذكر إلخ"، لعله نسي ما نصّ عليه الرسول ﷺ والتبس عليه، فأتى بهذه الصيغة المحتملة، وفي رواية أبي داود: "وذكر له ﷺ الصدقة"، والمراد منها الزكاة أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ هو الأولى في الرواية، فإذا التبس على الراوي لفظه أشار إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هنا.
وفي رواية للبخاريّ: قال: أخبرني بما فَرَضَ الله عليّ من الزكاة، قال: فأخبره رسول ﷺ بشرائع الإسلام".
فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياءَ أُجمِلَت، منها بيانُ نُصُبِ الزكاة، فإنها لم تُفَسَّر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه
стр. 207
شُهْرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيانُ أن المتمسك بالفرائض نَاجٍ، وإن لم يَفْعَلِ النوافل. قاله في "الفتح" (١).
(فَقَالَ) الرجل (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟)، أي: هل يجب عليّ أداء شيء من المال غير الزكاة؟ (قَالَ) ﷺ " (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ) الراوي، وهو طلحة ﵁، كما أسلفته آنفًا (فَأَدْبَرَ) من الإدبار، وهو التولّي، أي: ذهب مولِّيًا دُبُرَه إليهم (الرَّجُلُ) أي: السائل الذي مرّ ذكره في قوله: "جاء رجلٌ إلخ"؛ لأن النكرة إذا أُعيدت معرفةً كانت عين الأولي، كما قال في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدًا … "لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدًا
(وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من "الرجلُ"، (وَاللهِ) وفي رواية للبخاريّ في "الصيام": "فقال: والذي أكرمك"، وفيه جواز الحلف في الأمر المهمّ (لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) الذي علّمتنيه شيئًا غيره (وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ) من باب قتل، من النقص ثلاثيًّا، وفي لغة ضعيفة من الإنقاص رباعيًّا.
قال في "المصباح": نَقَصَ نَقْصًا، من باب قتل، ونُقْصَانًا، وانتقصَ: ذهب منه شيءٌ بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ يتعدّي، ولا يتعدّي، هذه هي اللغة الفصحَى، وبها القرآن في قوله : ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقَصتُ زيدًا حقّه، وانتقصته مثله، انتهى (٢).
قال الجامع: وما هنا يحتمل الوجهين، اللزوم، كهذه الرواية، والتعدّي، كرواية إسماعيل بن جعفر عند البخاريّ في "الصوم" بلفظ "ولا أنقُصُ مما فرض الله على شيئًا".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ" أي: فاز، وظَفِرَ ببُغيته، من الإفلاح، وهو الفوز والبقاء، وقيل: هو الظفر، وإدراك البُغْية، وقيل: إنه عبارة عن أربعة
стр. 208
أشياء: بقاء بلا فناء، وغَنَاءٌ بلا فَقْر، وعِزٌّ بلا ذُلّ، وعلمٌ بلا جهل، قالوا: ولا كلمةَ في اللغة أجمع للخيرات منه، والعرب تقول لكلّ من أصاب خيرًا: مُفْلِح، وقال ابن دُريد: أفلح الرجل، وأنجح: أدرك مطلوبه (١).
(إِنْ صَدَقَ) جواب "إن" محذوف دلّ عليه السابق، أي: أفلح، وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية بعد هذا: "أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجَنَّة وأبيه إن صدق"، ولأبي داود مثله، لكن بحذف "أو"، وسيأتي الجواب عن تعارضه مع النصوص الواردة في النهي عن الْحَلِف بالآباء في شرح الحديث التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (١/ ١٠٨) عن قتيبة، عن مالك - و (١/ ١٠٩) عن يحيى بن أيوب، وقتيبة كلاهما عن إسماعيل بن جعفر - كلاهما (مالك، وإسماعيل) عن أبي سُهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله ﵁.
و (البخاريّ) في (١/ ١٨) و (٣/ ٢٣٥) عن إسماعيل بن عبد الله - و (٣/ ٣٠) و (٩/ ٢٩) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك به، و (٣/ ٣٠) و (٩/ ٢٩) عن قتيبة به.
و (أبو داود) في "سننه" (٣٩١) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك به، و (٣٩٢) و (٣٢٥٢) عن سليمان بن داود العَتَكيّ، عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل بن مالك به.
و (النسائيّ) (١/ ٢٢٦) وفي "الكبرى" (٣١١) عن قتيبة به، و (٨/ ١١٨) عن محمد بن سلمة، عن القاسم، عن مالك به، و (٤/ ١٢٠) عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر به.
стр. 209
و (مالك) في "الموطأ" (١٢٦) عن أبي سهيل به، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٢) عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن مالك به، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٨٦) عن يحيى بن حسّان، عن إسماعيل بن جعفر به، و (ابن خُزيمة) في "صحيحه" (٣٠٦) عن علي بن حُجر عن إسماعيل بن جعفر به و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٧ و ٨٨ و ٨٩ و ٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصلاة أحد أركان الإسلام، وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة، قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام التي أُطلقت في باقي الأحاديث هي الصلوات الخمس، وأنها في كلّ يوم وليلة على كلِّ مُكَلَّفٍ بها، وقوله: "بها" احترازٌ من الحائض والنفساء، فإنها مُكَلَّفةٌ بأحكام الشرع إلَّا الصلاة، وما أُلحق بها، مما هو مُقَرَّرٌ في كتب الفقه، انتهى (١).
٢ - (ومنها): أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، واختَلَفَ قول الشافعيّ رحمه الله تعالى في نسخه في حق رسول الله ﷺ ، والأصح نسخه.
٣ - (ومنها): أن صلاة الوتر ليست بواجبة، وأن صلاة العيد أيضًا ليست بواجبة، وهذا مذهب الجماهير، وذهب أبو حنيفة ﵀، وطائفة إلى وجوب الوتر، وذهب أبو سعيد الإصطخريّ من أصحاب الشافعيّ إلى أن صلاة العيد فرض كفاية، وكذا لا تجب ركعتا الفجر، ولا صلاة الضحى، ولا الركعتان بعد المغرب، كما قيل بكلّ، فهذا الحديث ردّ عليهم جميعًا.
٤ - (ومنها): أن الصوم ركنٌ من أركان الإسلام، وأنه في السنة شهر واحد، وهو شهر رمضان وأنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره، سوى رمضان، وهذا مجمع عليه، واختَلَفَ العلماء، هل كان صوم عاشوراء واجبًا قبل إيجاب رمضان أم كان الأمر به ندبًا، وهما وجهان لأصحاب الشافعيّ، أظهرهما لم يكن واجبًا، والثاني كان واجبًا، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو
стр. 210
الصحيح، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
٥ - (ومنها): أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة على من ملك نصابًا، وتمّ عليه الحول.
٦ - (ومنها): بيان استحباب السفر والارتحال من بلد إلى بلد؛ لأجل تعلم علم الدين، وسؤال أهل العلم.
٧ - (ومنها): جواز الحلف في الأمر المهمّ، وإن لم يُستحلف، حيث إن هذا الرجل قال بحضرة النبيّ ﷺ : "والله لا أزيد على هذا إلخ"، فلم يُنكر عليه النبيّ ﷺ ذلك.
٨ - (ومنها): الاكتفاء في إيمان الشخص بالاعتقاد الجازم من غير نظر، ولا استدلال" خلاف ما قرّره علماء الكلام من وجوب النظر والاستدلال، وهو مذهب باطلٌ، مخالف لما جاء به النبيّ ﷺ ، ودلّت عليه النصوص.
وقول العيني - بعد ذكره ما ذُكر -: لكن يحتمل أن ذلك صحّ عنده بالدليل، وإنما أشكلت عليه الإحكام، فمما لا يُلتفت إليه، فالصواب في المسألة أن وجوب النظر والاستدلال على طريقة المتكلّمين مما لا دليل عليه في الشرع، بل هو من محدثات الأمور، ومن الضلال، وقد أشبعت الكلام في هذا في منظومتي المسمّاة بـ "التحفة المرضيّة"، وشرحها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): أن في قوله ﷺ : "أفلح إن صدق" دليلٌ على أنه إن لم يصدُق فيما التزم لا يُفلح، ففيه ردّ على المرجئة القائلين: لا تضرّ المعاصي مع الإيمان، وإن ترك الأعمال.
١٠ - (ومنها): أن من أتى بالخصال المذكورة، وواظب عليها صار مفلحًا.
١١ - (ومنها): أن فيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل، وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخلف مخالفته في المستقبل، فيجب على هذا أن يكون الصدق في الخبر الماضي، والوفاء في المستقبل، وفي هذا الحديث ما يرُدُّ عليه، مع قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 211
(المسألة الرابعة):
إن قلت: إن إثبات الفلاح له في عدم النقص واضح، فكيف يصحّ ذلك في عدم الزيادة؟
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: هذا الفلاح راجع إلى قوله: "لا أنقُص" خاصةً، والأظهر أنه عائد إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يَزِد ولم ينقص كان مُفْلِحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه فهو مُفْلِح، وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يُعْرَف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب، فلأن يُفلِح بالواجب والمندوب أولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
إن قيل: كيف قال: "لا أزيد على هذا"، وليس في هذا الحديث جميع الواجبات، ولا المنهيّات الشرعية، ولا السنن المندوبات؟
فالجواب: أنه جاء في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث زيادةٌ توضح المقصود، قال: "فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى عليّ شيئًا"، فعلى عموم قوله: "بشرائع الإسلام"، وقوله: "مما فَرَض الله عليّ " يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعها، وقيل: يحتمل أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغيير صفته، كأنه يقول: لا أصلي الظهر خمسًا، وهذا تأويل ضعيف، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يُخِلُّ بشيء من الفرائض، وهذا مُفْلِحٌ بلا شكّ، وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومةً، وتُرَدّ بها الشهادة، إلَّا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مُفْلِحٌ ناجٍ (١)، وأما قول ابن بطال: يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود فرائض النهي، فتعقبه الحافظ، قائلًا: هذا عجيب منه؛ لأنه جزم بأن السائل ضمام، وأقدم ما قيل فيه أنه وَفَدَ سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات وَاقِعًا قبل ذلك انتهي، وهو تعقب جيّد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 212
(المسألة السادسة):
(اعلم): أنه لم يأت في هذا الحديث ذكرُ الحجّ، ولا جاء ذكره في حديث جبريل ﵇ من رواية أبي هريرة ﵁، وكذا في غير هذا من هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكَر في بعضها الزكاة، وذَكَر في بعضها صلَة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكرُ الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونقصًا، وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله تعالى عنها بجوابٍ، لَخّصَهُ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، وهَذَّبَهُ، فقال: ليس هذا باختلافٍ صادرٍ من رسول الله ﷺ ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قَصر، فاقتصر على ما حفظه، فأدّاه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يُشعِر بأنه الكلُّ، فقد بأن بما أَتَى به غيره من الثقات أَنَّ ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه.
ألا ترى أن حديث النعمان بن قَوْقَل الآتي قريبًا، اختَلَفَتِ الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحدٌ، وهو جابر بن عبد الله ﵄ في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح، لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة، من أَنَّا نَقْبَلُها. هذا آخر كلام الشيخ ابن الصلاح، وهو - كما قال النوويّ - تقرير حسن والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة):
اختُلف في الاستثناء المذكور في قوله: "إلَّا أن تَطّوّع"، هل هو استثناء منقطع، ومعناه: لكن يستحب لك أن تطوع، كما اختاره الشافعيّة، أم استثناء متصل، كما اختاره الحنفيّة، والمالكيّة؟:
قال في "الفتح": استُدِلَّ بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه؛ تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل.
قال القرطبي: لأنه نَفَى وجوبَ شيء آخر إلَّا ما تطوع به، والاستثناء من
стр. 213
النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد إلَّا أن تشرع في تطوع، فيلزمك إتمامه. وتعقّبه الطيبيّ بأن ما تمسك به مغالطة؛ لأن الاستثناء هنا من غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلَّا إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد عُلِمَ أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلًا، كذا قال.
وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما رَوَى النسائيّ وغيره: أن النبيّ ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تُفطر يوم الجمعة بعد أن شَرَعَت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام، إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي.
[فإن قيل]: يَرِدُ الحجّ، قلنا: لا؛ لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضيّ في فاسده، فكيف في صحيحه، وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله، كفرضه، والله تعالى أعلم.
قال الجامع: قوله: امتاز بلزوم المضيّ في فاسده فيه نظر؛ لأنه لا دليل على هذا، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
قال: على أن في استدلال الحنفية نظرًا؛ لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع، لتباينهما، وأيضًا فإن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل مسكوت عنه. انتهى كلام صاحب "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن من شَرَعَ في نفل الصلاة يلزمه إتمامه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما إذا أفسده، فليس عليه القضاء، لعدم دليل يدلّ على ذلك، وأما من شَرَع في نفل الصوم فله الفطر، لما تقدّم أنه ﷺ كان ينوي صومًا، ثم يُفطر، ولحديث الجويرية ﵄ المتقدّم، ولا يجب عليه القضاء، لما رواه البخاريّ من حديث
стр. 214
أبي جُحيفة ﵁ قال: "آخى النبيّ ﷺ بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قال: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كلّ، فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل … الحديث، فقد استحسن ﷺ فعل سلمان، ولم يُلزم أبا الدرداء بالقضاء.
وأما الأحاديث التي تدلّ على أنه ﷺ أمر بالقضاء يومًا مكانه فكلّها ضعيفة، لا تقوم بها الحجة.
والحاصل أن الصلاة يلزم إتمامها بالشروع للآية السابقة، ولا يلزم قضاؤها بالإفساد؛ لعدم الدليل، وأما الصوم وإن كانت الآية تشمله إلَّا أن الأدلّة خصَّصته، كالأحاديث السابقة، وكقوله ﷺ : "الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، وهو حديث صحيح (١) فلا يلزم إتمامه، ولا قضاؤه.
وأما قياس الصلاة عليه في هذا التخصيص، كما قاله الحافظ، فغير واضح، فتأمل.
وأما ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ من أن من احتجّ بهذه الآية على منع إبطال النوافل بعد الشروع، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثرين على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، وقال آخرون: لا تبطلوا بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يَفْرِضْهُ اللهُ عليه، ولا أوجبه على نفسه بنذر أو غير، لامتنع عليه الإفطار إلَّا بما يُبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. انتهى.
فمردود بكون العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما قاله الشوكانِيّ رحمه الله تعالى، وبأن ما ذكروه من الصوم إنما جاز الفطر فيه - وإن كانت الآية تشمله - للنصوص الواردة بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 215
[تنبيه]: تعقّب العينيّ ما استدلّ به صاحب "الفتح" من الحديثين المذكورين، فقال: قلت: من العجب أنه لم يَذكُر الأحاديث الدالّة على إلزام الشروع في العبادة بالإتمام، وعلى القضاء بالإفساد.
وقد روى أحمد في "مسنده" عن عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأُهديت لنا شاة، فأكلنا منها، فدخل علينا النبيّ ﷺ فأخبرناه، فقال: "صوما يومًا مكانه"، وفي لفظ آخر: "أمر بالقضاء"، والأمر للوجوب، فدلّ على أن الشروع مُلزم، وأن القضاء بالإفساد واجب.
وروى الدارقطنيّ عن أم سلمة أنَّها صامت يومًا تطوّعًا، فأفطرت، فأمرها النبيّ ﷺ أن تقضي يومًا مكانه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب العيني على صاحب "الفتح" مجرّد تعصّب، لأن الحديثين اللذين احتجّ بهما ضعيفان (١)، ولا يقاومان الحديثين اللذين احتجّ بهما هو، فإنهما صحيحان، لكن التعصّب يُعمي ويصمّ، وعلى تقدير صحة ما احتجّ به يُحْمَل على الاستحباب، جمعًا بين الأدلّة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومعتمد العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال:
[١٠٩] ( … ) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفلَحَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ"، أَوْ "دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ").