٤ - (ومنها): بيان مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنيويّة، وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي لله تعالى، لا يجوز أن تُعَامَل إلا بما شرع الله تعالى أن تُعَامَل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش، وغير ذلك من إلحاق الأذى.
ومن هنا يتبيّن غلط كثير من المتعبّدين الذين يُلزمون أنفسهم التقشّف، والزهد الخارج عن هدي رسول الله ﷺ ، فيصعد أحدهم على رأس شجرة تحتها بحر عميق، فيذكر الله تعالى طول ليله، ويرى ذلك أعونَ له على مجاهدة نفسه، وطرد النوم عنها؛ لأنها لاستشعارها أنها إذا غفلت سقطت في ذلك البحر، فغرقت فيه، تطرد عنها النوم خوفًا من ذلك، وهذا هو عين الغلوّ الذي ورد النهي عنه.
فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فرأى حَبْلًا ممدودًا بين ساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، فقالوا: لزينب، تصلي، فإذا فَتَرَت تعلقت به، فقال النبيّ ﷺ : "حُلّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فَتَر فليقعد".
والحاصل أن إلحاق الضرر بالنفس جهل عظيم، دخل على جهلة العبّاد، فأدخل عليهم فسادًا عريضًا، ومن أغرب ما يُرى وُشممع أن مثل هذا يُكتب في كتب الرقائق، كأنه من المناقب التي يُفتخر بها، وُيتعزز بها؛ لكونها مجاهدةً للنفس التي أمر الشرع بها، مع أنها من المثالب التي هي من عمل الشيطان، دعا إليها هؤلاء الجهلة، فأطاعوه، واتّبعوه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
٥ - (ومنها): منع النذر فيما لا يملك الإنسان، وهل يجب عليه فيه كفّارة يمين؟ فقال الجمهور: لا، وأوجبها عليه أحمد، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): تحريم لعنِ المؤمن، وأن إثمه كإثم قتله.
٧ - (ومنها): تحريم دعوى ما ليس له من حقوق الناس، فمن فعل ذلك؛ ليكثر بذلك ماله عاقبه الله تعالى بنقيض قصده، فيُتلف الله ماله، ويقلّله.
стр. 1682
٨ - (ومنها): تحريم الحَلِف على يمين صبرٍ فاجرة، وهي التي فيها الإلزام عند الحاكم، كما سيأتي بيانها قريبًا، فمن فعل ذلك لقي الله تعالى، وهو عليه غضبان، كما في حديث آخر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): في البحث المتعلّق بقوله ﷺ : "مَن حَلَف على يمين … إلخ":
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الحلف بالشيء حقيقةً هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقول الفقهاء: مَن حلف بالطلاق على كذا، فالمراد تعليق الطلاق، وهذا مجازٌ، وكأن سببه مشابهة هذا التعليق باليمين في اقتضاء الحثّ والمنع.
إذا ثَبَتَ هذا، فنقول: قوله ﷺ : "من حَلَفَ على يمين بملّة غيرِ الإسلام" يَحْتَمِل أن يُراد به المعنى الأول، ويَحتمل أن يُراد به المعنى الثاني، والأقرب أن المراد الثاني؛ لأجل قوله: "كاذبًا متعمّدًا"، والكذب يدخل القضيّة الإخباريّة التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وأما قولنا: والله، وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين:
[أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا، فهو يهوديّ، أو نصراني.
[والثاني]: يتعلّق بالماضي، مثل أن يقول: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ، أو نصرانيّ. فأما الأول - وهو ما يتعلّق بالمستقبل - فلا تتعلّق به الكفّارة عند المالكيّة، والشافعيّة، وأما عند الحنفيّة ففيها الكفّارة، وقد يتعلّق الأولون بهذا الحديث؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: "فهو كما قال".
وأما إن تعلّق بالماضي، فقد اختلف الحنفيّة فيه، فقيل: إنه لا يُكفّر اعتبارًا بالمستقبل، وقيل: يُكفّر؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال: هو يهوديّ، وقال بعضهم: والصحيح أنه لا يُكَفّر فيهما، إن كان يعلم أنه يمين،
стр. 1683
وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث أقدم على الفعل. انتهى كلام ابن دقيق العيد (١).
قال في "الفتح": وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يُحْكَم عليه بالكفر، إذا كان كاذبًا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن قَصَدَ حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفًا بذلك كفَرَ؛ لأن إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يَكْفُر، لكن هل يَحْرُم عليه ذلك، أو يُكْرَه تنزيهًا؟ الثاني هو المشهور.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التحريم هو الحقّ؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختُلف فيمن قال: أكفر بالله، ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء، وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافرًا، إلا إن أضمر ذلك بقلبه.
وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله"، ولم يذكر كفّارة.
زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحدٌ عليه، ذكره في "الفتح" (٢).
وقال ابن قُدامة رحمه الله تعالى - بعد ذكر الروايتين عن أحمد -: والرواية الثانية - يعني: القول بعدم الكفّارة - أصحّ - إن شاء الله تعالى -؛ فإن الوجوب من الشارع، ولم يَرِد في هذه اليمين نصٌّ، ولا هي في قياس المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعالى؛ تعظيمًا
стр. 1684
لاسمه، وإظهارًا لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث، هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجّته، وإنما الواجب عليه التوبة، والاستغفار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٠] ( … ) - (حَدَّثَنى أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِه، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً؛ لِيَتكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم - هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت هـ ٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفَر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: "لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ)
стр. 1685
أي وفاء نذر (فِيمَا لَا يَمْلِكُ) هذه الجملة تقدّم شرحها في الحديث الماضي.
(وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) "اللعنُ": الإبعاد عن الرحمة، وقطعه عنها، والقتل: هو الموت والقطع عن التصرّفات.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه أنه مثله في الإثم، ووجهه أن من قال لمؤمن: لعنه الله، فقد تضمّن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رَحِمَ بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان كذلك فقد صار بمنزلة المفقود من المسلمين بعد أن كان موجودًا فيهم؛ إذ لم يَنتفع بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا، فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم؛ لأنه أفقد المقتول حسًّا ومعنًى، واللاعن أفقده معنًى، فإثمه أخفّ منه، لكنهما اشتركا في مُطلق الإثم، فصَدَق عليه أنه مثله. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: "ولعنُ المؤمن كقتله" فيه سؤال، وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام الآخرة، لا يمكن المراد أحكام الدنيا؛ لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا يوجب ذلك.
وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم، أو في العقاب، وكلاهما مشكل الآن، والإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات مصالح، والمفاسد شُرور.
قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازريّ -: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وهو تشبيه واقعٌ؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرّف.
стр. 1686
قال القاضي: وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين، ومنعهم منافعه، وتكثيرَ عددهم به كما لو قتله.
وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخرويّة عنه، وبُعْدَهُ منها بإجابة لعنته، فهو كمن قُتل في الدنيا، وقُطعت عنه منافعه فيها.
وقيل: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم.
قال ابن دقيق العيد: وأقول: هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر، أما ما حكاه عن الإمام (١): من أن معناه استواؤهما في التحريم، فهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم.
والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
فأما الأول: فلا ينبغي أن يُحمَل عليه؛ لأن كلّ معصية قَلَّت أو عظمت فهي مشابهةٌ، أو مستوية مع القتل في أصل التحريم، فلا يبقى في الحديث كبير فائدة، مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل.
وأما الثاني: فقد بيّنّا ما فيه من الإشكال، وهو التفاوت في المفسدتين بين إزهاق الروح وإتلافها، وبين الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه عن الإمام من قوله: إن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع عن التصرّف، فالكلام عليه أن نقول: اللعنة تُطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله تعالى، وهذا الذي يقع فيه التشبيه، والثاني: أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن، وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله: لعنه الله مثلًا، أو بوصفه للشخص بذلك الإبعاد بقوله: فلانٌ ملعون، وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة، فيكون حينئذ تسبّبًا إلى قطع التصرّف، ويكون نظيره التسبّب إلى القتل، غير أنهما يفترقان في أن التسبّب إلى القتل بمباشرة الْحَزِّ وغيره من مقدّمات القتل مُفْضٍ إلى القتل بمطّرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضيًا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا لاستوى اللعن مع مباشرة مقدّمات القتل، أو زاد عليه.
стр. 1687
وبهذا يتبيّن لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أن لعنته له تقتضي قصده إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم إخراجه، كما تستلزم مقدّمات القتل، وكذلك أيضًا من حكاه من أن لعنته تقتضي قطع منافعه الأخرويّة عنه بإجابة دعوته إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا تجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله، ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدّمات القتل المفضية إليه في مطّرد العادة.
ويحتمل ما حكاه القاضي عن الإمام وغيره، أو بعضه، أن لا يكون تشبيهًا في حكم دنيويّ، ولا أُخرويّ، بل يكون تشبيهًا لأمر وجوديّ! بأمر وجوديّ كالقطع، والقطع مثلًا في بعض ما حكاه: أي قطعه عن الرحمة، أو عن المسلمين بقطع حياته، وفيه بَعْدَ ذلك نظر.
والذي يُمكن أن يقرَّر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم أنا نقول: لا نُسلّم أن مفسدة اللعن مجرّد أذاه، بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدعاء فيه، بموافقة ساعةٍ، لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه، كما دل عليه الحديث من قوله ﷺ : "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا على أولادكم، لا توافقوا ساعة … " الحديث، وإذا عرّضه باللعنة لذلك، ووقعت الإجابة، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كان ذلك أعظم من قتله؛ لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضررًا بما لا يُحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا، أو مقاربًا لأخفّهما على سبيل التحقيق، ومقادير المفاسد والمصالح، وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطّلاع على حقائقه. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاستشكال الذي أوردوه في هذا الحديث مما يُستغرب مثله، فإذا قال النبيّ ﷺ : "لعنُ المؤمن كقتله"، فهل ينبغي أن يُستشكل، ويُتساءل فيه، فيقال: كيف يتساويان؟ هيهات هيهات، فإن مقادير
стр. 1688
الطاعات، والذنوب، والثواب والعقاب، لا تُعرف إلا من الشارع، كما أشار إليه ابن دقيق العيد نفسه في تقريره السابق، بل قد أجاد آخر كلامه، فإذا أخبرنا الشارع بشيء من ذلك، فما لنا إلا التسليم.
وقد جاءت نصوص في تعظيم لعن المؤمن غير هذا، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث عمران بن حصين ﵄، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فَضَجِرَت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "خذوا ما عليها، ودعوها فإنها ملعونة"، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعْرِض لها أحدٌ.
فإذا كان هذا في حيوان بهيميّ لَمَّا لُعن أمر ﷺ أن يُترك، ولا يُصاحَبَ، كما جاء في رواية: "لا يصاحبنا ملعون"، ولا ينضمّ إليهم، ولا يَنتفع به أحدٌ، فهو أعظم من قتله، فإنه ينتفع بلحمه العباد، وهنا حرموا الانتفاع بظهره ركوبًا وحملًا، وقد ثبت في "الصحيحين": أنه ﷺ علَّل كون النساء أكثر أهل النار بكثرة لعنهنّ، وبكفر العشير، وغير ذلك مما ورد في اللعن.
والحاصل أن كون اللعن مثل القتل مما لا يُستراب فيه.
قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى: اللاعن قاصد باللعنة الدعاء على من لعنه، والداعي لا يدعو إلا راجيًا للإجابة، وكونه قد لا يوافق ساعة إجابة أمرٌ ليس داخلًا تحت قدرته، فهو قد قصد الإجابة، وأراد حرمان من دعا عليه رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، فاللاعن قد قصد إخراج من لعنه، وتفويته رحمة الله، فإثمه كإثم القاتل، وأما كونه لم يُجَبْ دعاؤه فهذا أمرٌ ليس إليه، فهو نظير من رَمَى مؤمنًا قاصدًا قتله، فأخطأه بغير اختياره، فإنه آثم إثم القاتل، ولذا قال ﷺ : "القاتل والمقتول في النار"، وبيّن أن القاتل أُدخل مع قاتله النار؛ لأنه كان حريصًا على قتل أخيه، وهنا بدعائه على أخيه كان حريصًا على حلول اللعنة به.
وإذا عرفت هذا عرفت صحة ما قاله الإمام المازريّ: من أن اللعن كالقتل في التحريم، وفي الإثم؛ لما سَمِعتَ، ولقول ابن دقيق العيد آخرًا: إنه لا سبيل للبشر على الاطّلاع على حقائق مقادير المصالح والمفاسد إلا من طريق الشارع، والشارع هنا قد بيّن مفسدته بأنها تشبه مفسدة القتل، فليُلْقِ إليه
стр. 1689
زمام الإذعان بأن اللعن كالقتل، والمؤمن ليس باللعّان. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) أعمّ من الحديدة، والسمّ، والتردّي من الجبل المذكورات في الحديث السابق (فِي الدُّنْيَا) متعلّق بـ "قَتَلَ" (عُذِّبَ) بالبناء للمفعول (بِهِ) أي بذلك الشيء الذي قتل به نفسه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه مجانسة الجزاء للجناية، وقد سبق تحقيقه.
(وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذه هي اللغة الفصيحة، يقال: دعوى باطل وباطلة، وكاذب وكاذبة، حكاهما صاحب "الْمُحْكَم"، والتأنيث أفصح. انتهى (٢).
(لِيَتَكَثَّرَ بِهَا) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بالثاء المثلّثة بعد الكاف، وكذا هو في معظم الأصول، وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمّة المعتمدين بالباء الموحّدة، وله وجهٌ، وهو بمعنى الأول: أي يُصيِّرُ ماله كبيرًا عظيمًا. انتهى (٣).
(لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً) بكسر القاف: أي يُجازيه الله تعالى بخلاف قصده، فإنه ما ادّعى دعوى كاذبة إلا تكثيرًا لماله، فعامله الله نقيض قصده، فقلّل الله ماله.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا عامّ في كلّ دعوى يتشبّع بها المرء بما لم يُعطَ من مال يحتال في التجمّل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه ليس من جِذْمه (٤)، أو علم يتحلّى به ليس من حَمَلَته، أو دِينٍ يُرائي به ليس من أهله، فقد أعلم النبيّ ﷺ أنه غير مبارك له في دعواه، ولا زاكٍ ما اكتسبه بها، ومثله في الحديث الآخر: "الحلف مَنْفَقَةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للبركة"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ لأحمد: "اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب". انتهى (٥).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: "ومن ادّعى دعوى كاذبة … إلخ"
стр. 1690
يعني - والله أعلم -: أن من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه، وادّعاه لنفسه، وليس موصوفًا له، لم يَحصُل له من ذلك إلا نقيض مقصوده، وهو النقص، فإن كان الْمُدَّعَى مالًا لم يُبَارَك له فيه، أو علمًا، أظهر الله جهله، فاحتقره الناس، فقلَّ مقداره عندهم، وكذلك لو ادَّعَى دِينًا، أو نسبًا، أو غير ذلك، فَضحَه الله، وأظهر باطله، فقلّ مقداره، وذَلَّ في نفسه، فحصَلَ على نقيض قصده، وهذا نحو قوله ﷺ : "من أسرّ سريرةً، ألبسه الله رداءها"، ونحو منه قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله ﷺ : "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور" رواه مسلم.
وفائدة الحديث الزجرُ عن الرياء، وتعاطيه، ولو كان بأمور الدنيا. انتهى كلام القرطبيّ (١).
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا صحّت الرواية في كتاب مسلم لهَذا الكلام مقتصرًا على ذكر جملة الشرط من غير ذكر جملة الجزاء، فيَحْتَمِلُ أنه سكت عنه؛ لأنه عطفه على "من" التي قبلها، فكأنه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة كان كذلك، أي لم يزده الله بها إلا قِلّة، ويَحْتَمل أن يكون الجزاء محذوفًا، ويكون تقديره: من فعل ذلك غضب الله عليه، أو عاقبه، أو نحو ذلك، كما جاء في الحديث الآخر: "من حَلَف على يمين؛ ليقتطع بها مالَ مسلم، لَقِي الله، وهو عليه غضبان"، متّفق عليه. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لم يأت في الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف إلا أن يَعْطِفه على قوله قبلُ: "ومَنِ ادَّعَى دعوى كاذبة؛ ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلةً": أي وكذلك مَن حَلَف على يمين صبر فهو مثله، قال: وقد ورد معنى هذا الحديث تامًّا مُبَيَّنًا في حديث آخر: "من حلف على يمينِ صبرٍ، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجرٌ، لقي اللهَ، وهو عليه غضبان". انتهى (٣).
стр. 1691
وقوله: (عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) قال القرطبيّ: الرواية بالتنوين على أن صبرًا صفة اليمين: أي ذات صبر، وأصل الصبر الحبس، كما قال عنترة: [من الكامل]:
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً … تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ
أي حبستُ في الحرب نفسًا مُعتادةً لذلك كريمةً، لا ترضى بالفرار.
وقال المازريّ: أصل الصبر: الحبس والإمساك، يقال: صَبَرَ فلانٌ فلانًا: إذا حبسه، وكلُّ من حبسته لقتل، أو يمين، فهو قَتْلُ صَبْرٍ، ويَمِينُ صَبْرٍ، وأصبره الحاكم على اليمين: أكرهه على يمين صبر، قاله الهرويّ وغيره.
وقال أبو العبّاس (١): الصبر ثلاثة أشياء: الإكراه، ومنه أصبره الحاكم، والحبسُ، ومنه صَبَرتُهُ: إذا حبسته، والْجُرْأةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]: أي ما أجرأهم عليها.
ووُصِفَت اليمين بأنها ذات صبرٍ؛ لأنَّها تَحْبِس الحالف لها، أَوْ لأن الحالف يجترئ عليها، وذَكَّر، وقد أجراه صفةً على اليمين، وهي مؤنّثةٌ؛ لأنه قَصَدَ المصدر. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض: يمين الصبر هي التي يُصبَرُ صاحبها: أي يُحبس، ويُكرَه حتى يَحلفها، وقد يكون من معنى الْجُرْأة والإقدام عليها، كما قال ثعلب، ومعنى "فاجرة": أي كاذبة. انتهى (٣).
وقال النوويّ: يمين الصبر هي التي أُلزِم بها الحالف عند حاكم ونحوه، وأصل الصج: الحبسُ والإمساك. انتهى (٤).
وقال القاضي: ويُستدلّ من هذا الحديث أن الإيمان كلّها التي تُقطع بها الحقوق لا تنفع فيها المعاريض والنيّات، وإنما هي على نيّة صاحب الحقّ المحلوف له، لا على نية الحالف، ولا خلاف في كونه هذا آثمًا فاجرًا في يمينه متى اقتطع بها حقّ امرئ مسلم. انتهى (٥).
стр. 1692
وبقية مباحث الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١١] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِث، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزاق، عَنِ الثَّوْرِيّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذاء، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَام، كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عَذبَهُ اللهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ"، هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهْوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م، س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بْنِ عَبْدِ الْوَارِث، أبو عُبيدة الْعَنْبريّ البصريّ، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن أبيه، وأبي خالد الأحمر، وأبي عاصم النبيل، وأبي معمر المُقعد البصري.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال السراج: مات في رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
стр. 1693
وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا (١).
٤ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التّنّوريّ، أبو سَهل البصريّ، ثقة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة فقيه [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) الْقُشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د، س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ تغيّر في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (خَالِد الْحَذَّاءُ) هو: خالد بن مِهْران، أبو الْمُنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها - البصريّ، ثقةٌ حافظ يرسل [٥] (ت ١، أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
[تنبيه]: قوله: "الْحَذّاء" بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة لقب خالد، قيل: إنما لُقّب به؛ لأنه كان يَجلس في الْحَذّائين، ولم يَحْذُ نَعْلًا قطُّ، هذا هو المشهور، قال النوويّ: رَوَينا عن فَهْد بن حَيّان - بالمثناة - قال: لَمْ يَحْذُ خالد قطّ، وإنما كان يقول: احذوا على هذا النحو، فلُقِّب الحذاءَ. انتهى (٢).
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ) ثم حوّل الإسناد، فساقه إلى أن قال: (عَنِ الثَّوْرِيّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاء، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ … إلخ).
[فإن قيل]: هذا تطويل للكلام على خلاف عادة مسلم وغيره؛ إذ كان حَقُّهُ، ومقتضى عادته أن يَقْتَصِر أوّلًا على أبي قِلابة، ثم يسوق الطريق الآخر إليه، فأما ذكر ثابت فلا حاجة إليه أَوّلًا.
стр. 1694
[أجيب]: بأنه ساقه بطوله؛ لأنّ في الرواية الأولي، وهي رواية شعبة، عن أيوب نَسَبَ ثابت بن الضحاك، فقال: "الأنصاريّ"، وفي رواية الثوريّ، عن خالد لَمْ يَنْسُبه، فلم يكن له بُدٌّ من فِعْلِ ما فَعَلَه؛ ليُبيّن ما وقع في أحد الإسنادين من زيادة النسب، وهذا من تحقيقه، واحتياطه، ومراعاة ألفاظ شيوخه، فلله درّه، ما أتقن صناعته، وما أورعه رحمه الله تعالى (١).
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ) أي هذا المتن الذي ساقه هو حديث سفيان الثوريّ، عن خالد الحذاء، وأما حديث شعبة، عن أيوب فيُخالفه في اللفظ، وإن وافقه في المعنى، كما بيّنه بقوله:
(وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا … إلخ") فقد أسقط منه لفظ "متعمّدًا"، وقال: "وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَه بشيءٍ" بدل"ومن قَتَلَ نفسه بشيء"، وقال: "ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" بدل "عذَّبه الله به في نار جهنّم"، و"ذُبح" بالبناء للمفعول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٥٠) - (بَاب لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٢] (١١١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: "إِنَّهُ
стр. 1695
مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى النَّارِ"، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْل، لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاح، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولهُ"، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: "إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُوَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الحافظ الْكِسّيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المثبت، تقدّم قريبًا.
٤ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن الْمُسَيّب بن حَزْن بن أبي وهب، الإمام الحجة الشهير، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه شيخان للمصنّف، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجة، والثاني تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن ابن المسيّب.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، وقيل: أصحّ أسانيده أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "الفيّة الحديث" حيث قال:
стр. 1696
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ … بِمَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا) أي غزوة حنين، كذا وقع هنا وعند "أبي نُعيم" في "مستخرجه على صحيح مسلم" بلفظ "شهدنا حنينًا"، ووقع عند البخاريّ من "طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ"، بلفظ "شهدنا خيبر"، وهو الذي عند "أبي عوانة" في "مسنده المستخرج على صحيح مسلم"، وهو الصواب، كما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى.
قال في "الفتح": قوله: "شهِدنا خيبر" أراد جيشها من المسلمين؛ لأن الثابت أن أبا هريرة ﵁ إنما جاء بعد أن فُتحت خيبر، ووقع عند الواقديّ أنه قَدِمَ بعد فتح معظم خيبر، فحضر فتح آخرها، ولا يُعارضه ما ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، وهو بخيبر، بعدما افتتحها؛ لإمكان الحمل على معنى بعدما افتتح معظمها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نسب بعضهم الوَهَمَ في ذكر حنين إلى عبد الرزاق، وهو غير صحيح؛ لأنه وقع في "مصنّفه" على الصواب بلفظ خيبر، ودونك نصّه: (٩٥٧٣) "عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، أو قال: لما كان رسول الله ﷺ بخيبر، قال لرجل … " الحديث.
فتبيّن بهذا أن الخطأ ليس من عبد الرزاق، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: غزوة حنين كانت في شوّال سنة ثمان من الهجرة، وحُنين مصغّرًا وادٍ إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات.
стр. 1697
وغزوة خيبر كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، وكانت خيبر مدينة كبيرةً، ذات حُصُون ومَزَارع، على مسافة مائة وخمسين كيلو مترًا من المدينة إلى جهة الشام، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ لِرَجُلٍ) أي في شأنه، وفي سببه، فلم يخاطب النبيّ ﷺ الرجل، وإنما أخبر الصحابة الحاضرين لديه عن شأنه، ومصيره، فتكون اللام هنا بمعنى "في"، قال الفرّاء، وابنُ الشَّجَريّ، وغيرهما من أهل العربية: اللام قد تأتي بمعنى "في"، ومنه قول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]: أي فيه (١).
وقال في "الفتح": قوله: "لرجل": أي عن رجل، واللام قد تأتي بمعنى "عن"، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]، ويحتمل أن يكون بمعنى "في": أي في شانه: أي سببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. انتهى (٢).
واسم الرجل قُزمان، ذكره الخطيب البغداديّ، وتبعه النوويّ، قال الخطيب: وكان من المنافقين (٣).
(مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يوصف بأنه مسلم؛ لتظاهره بالإسلام، وفي نسخة: "ممن يَدَّعي الإسلام"، فـ "يَدّعي" بالبناء للفاعل، مضارع ادّعى، من باب الافتعال: أي ينسُبُ نفسه إلى الإسلام، وقوله: ("هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ") مقول "قال" (فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ) هذا مما يؤيّد ما سبق آنفًا من أن أبا هريرة ﵁ حضر بعض فتح خيبر، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: "فلما حضر القتالَ"، بالرفع والنصب، قاله في "الفتح" (قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) أي بسبب سهم رُمِي به، وفي رواية البخاريّ المذكورة: "حتى كثُر به الجراحة" (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ) أي قلت في شأنه (آنِفًا) أي قريبًا، وفيه
стр. 1698
لغتان: المدّ، وهو أفصح، والقصر، قاله النوويّ (١).
وقال في "القاموس": ﴿قَالَ آنِفًا﴾ كصَاحِب، وكَتِفٍ، وقُرئ بهما: أي مُذْ ساعةً: أي في أوّل وقتٍ يقرُبُ مِنَّا. انتهى (٢). (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ) هذا قالوه ظنًّا منهم، لا حقيقةً بدليل ما يأتي من قوله: "إنه لَمْ يمت".
ثم إن قولهم هذا ليس سؤال استثبات؛ لأن المعلوم الصدق لا يُستثبتُ، وإنما هو سؤال تعجّب عن كونه من أهل النار مع ما ظهر منه من نُصرة الدين (٣).
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى النَّارِ") أي هو ذاهب إلى النار، قال المهلب رحمه الله تعالى: هذا الرجل ممن أَعْلَمَنا النبيّ ﷺ أنه نَفَذَ عليه الوعيدُ من الْفُسّاق، ولا يلزم منه أنّ كُلّ مَن قَتَلَ نفسه يُقضَى عليه بالنار، وقال ابن التين رحمه الله تعالى: يَحْتَمِل أن يكون قوله: "هو من أهل النار": أي إن لَمْ يَغفِر الله له، ويَحتَمِل أن يكون حين أصابته الجراحة ارتاب، وشكّ في الإيمان، أو استَحَلَّ قَتْلَ نفسه، فمات كافرًا، ويؤيده قوله ﷺ في بقية الحديث: "لا يدخل الجَنَّة إلَّا نفسٌ مسلمة"، وبذلك جزم ابن الْمُنَيّر.
والذي يظهر - كما قال الحافظ رحمه الله تعالى - أن المراد بالفاجر أعمّ من أن يكون كافرًا أو فاسقًا، ولا يعارضه قوله ﷺ : "إنا لا نستعين بمشرك"؛ لأنه محمول على مَن كان يُظهِر الكفر، أو هو منسوخ. انتهى (٤).
(فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ) قال النوويّ: كذا هو في الأصول "أن يرتاب"، فأثبت "أن"، مع "كاد"، وهو جائز، لكنه قليل، و"كاد" لمقاربة الفعل، ولم يَفْعَل إذا لَمْ يتقدمها نفيٌ، فإن تقدّمها، كقولك: ما كاد يقوم، كانت دالّةً على القيام، لكن بعد بُطْء، كذا نقله الواحديّ وغيره عن العرب، وأهل اللغة. انتهى (٥).
стр. 1699
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دخول "أن" المصدريّة في خبر "كاد"، جائز في سعة الكلام، وليس خاصًّا بالشعر، كما ادّعاه بعض النحاة، وقد كثر في الأحاديث، ومنه حديث عمر ﵁: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرُب"، متّفقٌ عليه، وحديث أبي بكرة ﵁ قال: "لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعدما كِدتُ أن الحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم … "الحديث، أخرجه البخاريّ.
إلَّا أن الغالب في خبرها تجرّده عنها، كقوله : ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وهذا بخلاف "عسى" فإنها، وإن كانت مثلها في كون خبر كلّ منهما مضارعًا في الغالب، إلَّا أن الغالب في "عسى" اقتران خبرها بـ "أن"، كقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الآية [المائدة: ٥٢]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٨].
وإلى ما ذكرته من القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
كَـ "كَانَ" "كَادَ" وَ"عَسَى" لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ"الأمْرُ فِيهِ عُكِسَا
(فَبَيْنَمَا) هي"بين"الظرفيّة، زيدت عليها "ما"، وهيّأتها للدخول على الجملة، ويقال فيها: "بينا" بالالف فقط، قال المجد: "بينا نحن كذا": هي "بين" أُشبعت فتحتها، فحَدَثت الألف، و"بينا"، و"بينما" من حروف الابتداء (١)، والأصمعيّ يخفض بعد "بينا" إذا صَلَح موضعَهُ "بين"، كقوله:
بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِئٌ سَلْفَعُ (٢)
وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر. انتهى (٣).
وقال غيره: "بينا"، و"بينما" ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى
стр. 1700
جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، فيحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، وهو هنا قوله: "إذ قيل: إنه لَمْ يمت" (١).
وخلاصة القول في "بينما" أنَّها من الظروف الزمانيّة الملازمة للإضافة إلى الجملة، وهو هنا قوله: "هم على ذلك"، ولا بدّ لها من جواب، وهو هنا قوله: "إذ قيل .. إلخ"، والجواب هو العامل فيها إذا كان مجرّدًا من كلمة المفاجأة، وهي "إذ"، كما هنا، أو "إذا"، وإلا فالعامل معنى المفاجأة، كما هنا، والتقدير: فاجأهم قول الناس: إنه لَمْ يمت وقت قرب ارتيابهم، والله تعالى أعلم.
(هُمْ عَلَى ذَلِكَ) أي على حالهم من مراجعة النبيّ ﷺ في شأنه (إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ) أي فقولهم: "وقد مات" ظنّ منهم (وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا) فيه تقديم خبر "لكنّ"، مع أن خبر "إنّ" وأخواتها لا يتقدّم على اسمها؛ لكونه جارًّا ومجرورًا، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلَّا فِي الَّذِي … "كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي"
وقوله: "جِرَاحًا" بكسر الجيم: جمع جِرَاحة، قال المجد: جَرَحَه كمَنَعَهُ: كَلَمَهُ، كجَرَّحَهُ، والاسم الْجُرْحُ بالضمّ، جمعه جُرُوحٌ، وقَلَّ أَجْرَاحٌ، والْجِرَاحُ بالكسر: جمع جِرَاحة. انتهى (٢).
وعند أبي عوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما": "ولكن به جرح شديد" بالرفع، وعليه، فـ "لكن" مخفّفة النون.
وقوله: (شَدِيدًا) صفة لـ "جِراحًا"، وإنما ذكّره مع أن "جِراحًا" جمع، فكان حقّه أن يقال: "شديدة" لعله باعتباره اسم جنس جمعيّ، يفرّق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة، فإنه يجوز تذكيره وتأنيثه، ونظيره قوله : ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، حيث ذكّر ﴿رَمِيمٌ﴾ ومع كون جمع ﴿الْعِظَامَ﴾، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ) الظاهر أن "من" اسم بمعنى "بعض"، وهو فاعل بـ "كان"، وهي تامّة بمعنى "جاء": أي فلما جاء بعض الليل، أو هي بمعنى:
стр. 1701
"في"، وفاعل "كان" ضمير "الرجل": أيْ فلما استقرّ في الليل، ووصل إليه (لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ) أي لشدّة ألمه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب: "فوجد الرجل ألم الجراحة" (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) أي بنحر نفسه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المتقدّمة: "فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهمًا، فنَحَرَ بها نفسه".
(فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ المذكورة: "فاشتدّ رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، صدَّقَ الله حديثك، انتحر فلانٌ، فقتل نفسه" (فَقَالَ) ﷺ ("اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ") قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله ﷺ : "الله أكبر إلخ" عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته ﷺ ، وإن لَمْ يقترن بها في تلك الحال تَحَدٍّ قوليُّ، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلّمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدّي القوليّ بها، فإن لَمْ تكن كذلك فالخارق كرامة، لا معجزة، والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يُشترط، بدليل أن الصحابة ﵃ كانوا كلّما ظهر لهم خارقٌ للعادة على يدي النبيّ ﷺ استدلّوا بذلك على صدقه، وثبوت رسالته، كما قد اتّفق لعمر ﵁، حين دعا رسول الله ﷺ على قليل الأزواد، فكثرت، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنك رسول الله، وكقول أسامة بن زيد ﵄، وبدليل الاتّفاق: على نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، وتسبيح الحصى في كفّه، وحَنِين الْجِذع من أظهر معجزاته ﷺ ، ولم يصدُر عنه مع شيء من ذلك تحدٍّ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات، والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم، بل يكفي من ذلك قولٌ كليٌّ يتقدّم الخوارق، كقول الرسول ﷺ : الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كلّ ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه، وإن لَمْ يقترن بها واحدًا واحدًا قولٌ، ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدلّ على دوام التحدّي، فيتنزّل ذلك منزلة اقتران القول. انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن اشتراط اقتران التحدّي في
стр. 1702
حدوث المعجزة مما لا دليل عليه، وإنما المعجزة تحدث بحسب الحاجة، فمن ذلك أنه ﷺ لما فقد شيئًا يستتر به عند قضاء الحاجة، أمر جابرًا ﵁ أن يأمر الشجرتين حتى تأتيا، وتستراه، ففعلتا ذلك، ولما فقد الصحابة ﵃ ماء للوضوء، ورأى شدّة حاجتهم إليه وضع يده على الإناء، فنبع الماء حتى توضؤوا من عند آخرهم، ولما دعاه جابر ﵁ في غزوة الخندق إلى طعام قليل، فرأى شدّة الجوع على أصحابه ﵃، فبرّك في ذلك الطعام حتى أكلوا كلّهم، وشبعوا، وكذلك فَعَلَ في طعام أم سليم ﵂، وطعام وليمة زينب بنت جحش ﵂، وكحنين الجذع، وشكوى البعير الذي يُجيعه صاحبه، وغير ذلك مما ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما، وليس في ذلك كلّه شيء من التحدّي، بل إنما حدث لتقوية إيمان الصحابة، وتثبيته؛ لأنه يزيد بكثرة الأدلّة، وزيادة الآياتِ.
والحاصل أن أكثر معجزات النبيّ ﷺ ليس معها تحدّ أصلًا، فمن اشترط ذلك من المتكلّمين فإنما حمله على ذلك جهله بالسنّة، وعدم اطّلاعه على الأخبار التي جاءت ببيان المعجزات، وإنما الغريب على مثل القرطبيّ الذي عنده علم بالسنة، وأخبار المعجزات يذكر مذهب المتكلّمين، ولا يفنّده، بل يأتي بما يقرّره، إن هذا لشيء عُجاب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير النبيّ ﷺ ، وقوله: (بِلَالًا) ﵁ منصوب على المفعولية، ومتعلَّقه محذوف لدلالة ما بعده عليه: أي بالنداء، وفي رواية عند المصنّف: "يا ابن الخطّاب"، وفي رواية عند البيهقيّ: أن المنادي بذلك عبد الرَّحمن بن عوف، ويُجمَعُ بينها بانهم نادوا جميعًا في جهات مختلفة، قاله في "الفتح" (١). (فَنَادَى فِي النَّاسِ: "إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) يجوز في "إنّه"، وكذا في "إِنّ الله ليؤيّد" كسر همزة "إنّ"، وفتحها، وقد قُرئ في السبع قول الله : ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩] بفتح الهمزة وكسرها، قاله النوويّ (٢).
стр. 1703
(إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ") وفي رواية للبخاريّ: "لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن".
قال القرطبيّ: قوله: "نفسٌ مسلمة": أي مؤمنة؛ لأن الإسلام الْعَرِيَّ عن الإيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة، ولا يُدخله الجنّة، وذلك بخلاف الإيمان، فإن مجرّده يُدخل صاحبه الجنّة، وإن عُوقب بترك الأعمال، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - فدلّ هذا على أن هذا الرجل كان مرائيًا منافقًا، ومما يدلّ على ذلك أيضًا قوله ﷺ : "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، متّفق عليه، وهو الكادر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وإنما أمر النبيّ ﷺ بلالًا أن ينادي بذلك القول تنبيهًا على وجوب الإخلاص في الجهاد، وأعمال البرّ، وتحذيرًا من الرياء والنفاق. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم (١).
(وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ") يحتمل أن تكون "أل" في "الرجل" للعهد، والمراد به قُزمان المذكور، ويحتمل أن تكون للجنس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في "الفتح" (٢)، وعندي أن كونها للجنس أقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٢] (١١١)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٣٠٦٢)، و"المغازي" (٤٢٠٣)، و"القدر" (٦٦٠٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٥٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٢٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥١٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٢٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٩٨)، و (القضاعيّ) (١٠٩٧)، والله تعالى أعلم.
стр. 1704
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تعظيم قتل النفس؛ لضجر أصابه مهما بلغت الآلام، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان أن الجَنَّة محرّمة إلَّا على المؤمنين.
٣ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر.
٤ - (ومنها): بيان معجزة النبيُّ ﷺ الظاهرة، وآياته الباهرة حيث أخبر بالمغيّبات، فظهر صدقه في حينه.
٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن حال الرجل السيئ إذا كان الإخبار به يُحقّق مصلحة شرعيّة، من تحذير، أو غيره.
٦ - (ومنها): بيان عظمة الإسلام، ومكانته الرفيعة حيث جعله الله تعالى مؤيّدًا، ومؤزّرأ بأهله، وبغير أهله.
٧ - (ومنها): بيان أن العبرة بالخاتمة، فلا ينبغي الحكم بما يظهر من حال المرء حتى يُعلم مصيره، وخاتمته التي خرج بها من الدنيا، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب القدر" من "صحيحه"، "باب العملُ بالخواتيم"، وأورد فيه حديث أبي هريرة، وسهل بن سعد ﵃ المذكور في الباب، وفي آخر حديث سهل لجنه ما نصّه: "وإنما الأعمال بالخواتيم"، وأخرج الترمذيّ، وصحّحه من حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله"، قيل: كيف يستعمله؟ قال: "يوفّقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه"، وأخرجه أحمد مطوّلًا، وأوله: "لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يُختم له … "، وأخرج البزّار من حديث ابن عمر ﵄، وفيه ذكر الكتابين، وفي آخره: "العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه" (١).
٨ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز لأحد أن يجزم لأحد من الناس بالجنّة، ولا بالنار، بسبب ما يراه من حال الإنسان من خير أو شرّ، إلَّا لمن حكم له النبيّ ﷺ ، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
وَلَا تَقُلْ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ … كَلَّا وَلَا هَذَا مِنَ الأَبْرَارِ
стр. 1705
إِلَّا لِمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى … فَالْفَوْزُ وَالنَّارُ لِمَنْ قَدْ وَصَفَا
٩ - (ومنها): بيان وجوب الإخلاص في الأعمال، وأنه لا ينفع منه إلَّا ما كان خالصًا لله تعالى.
١ - (ومنها): بيان خطر الرياء، والسمعة، وأنهما يُفسدان العمل الصالح؛ إذ فيهما من الشرك المحبط للعمل، كما قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان الاختلاف الواقع في هذا الحديث:
(اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الحديث أشار إليه البخاريّ في "كتاب المغازي" من "صحيحه"، ودونك عبارته مع شرح الحافظ له، قال رحمه الله تعالى:
(٤٢٠٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يَدَّعِي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حَضَرَ القتالَ، قاتل الرجل أشدّ القتال، حتى كَثُرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فَوَجَد الرجل أَلَمَ الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أَسْهُمًا، فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله صَدَّق الله حديثك، انتَحَر فلان، فقتل نفسه، فقال: "قم يا فلان، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر"، تابعه معمرٌ، عن الزهريّ.
وقال شبيب، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني ابن المسيب، وعبد الرَّحمن بن عبد لله بن كعب، أن أبا هريرة قال: شَهِدنا مع النبي ﷺ حُنَيْنًا.
وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ ﷺ تابعه صالح، عن الزهريّ.
وقال الزُّبيديّ: أخبرني الزهريّ، أن عبد الرَّحمن بن كعب أخبره، أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيّ ﷺ خيبر.
قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ ﷺ . انتهى.
стр. 1706
فقال في "الفتح": قوله: "تابعه معمر": أي تابع شعيبًا، عن الزهريّ: أي بهذا الإسناد، وهو موصول عند المصنف ﵀ في آخر "الجهاد"، مقرونًا برواية شعيب، عن الزهري.
وقوله: "وقال شبيب": أي ابن سعيد، عن يونس: أي ابن يزيد، عن ابن شهاب: أي الزهري بهذا الإسناد.
وقوله: "شَهِدنا حنينًا": يريد أن يونس خالف معمرًا وشعيبًا، فذكر بدل "خيبر" لفظة "حنين"، ورواية شبيب هذه وصلها النسائيّ مُقْتَصِرًا على طرف من الحديث، وأوردها الذُّهْليّ في "الزهريات"، ويعقوب بن سفيان في "تاريخه"، كلاهما عن أحمد بن شبيب، عن أبيه بتمامه، وأحمد من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج هذا، وقد وافق يونسُ معمرًا وشعيبًا في الإسناد، لكن زاد فيه مع سعيد بن المسيب عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وساق الحديث عنهما، عن أبي هريرة.
وقوله: "وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ ﷺ " يعني: وافق شبيبًا في لفظ "حنين"، وخالفه في الإسناد، فأرسل الحديث، وطريق ابن المبارك هذه وصلها في "الجهاد"، ولم أر فيها تعيين الغزوة.
وقوله: "وتابعه صالح" يعني: ابن كيسان، عن الزهريّ، وهذه المتابعة ذكرها البخاري في "تاريخه"، قال: قال لي عبد العزيز الأُوَيسيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن بعض مَن شَهِد مع النبيّ ﷺ قال: إن النبيّ ﷺ قال لرجل معه: "هذا من أهل النار … "الحديث، فظهر أن المراد بالمتابعة أن صالحًا تابع رواية ابن المبارك، عن يونس في ترك ذكر اسم الغزوة، لا في بقية المتن، ولا في الإسناد، وقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهريّ، فقال: عن عبد الرَّحمن بن المسيب، مرسلًا، وَوَهِمَ فيه، وكأنه أراد أن يقول: عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب، وسعيد بن المسيب، فَذَهِلَ.
وقوله: "وقال الزبيديّ: أخبرني الزهريّ أن عبد الرَّحمن بن كعب، أخبره
стр. 1707
أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيِّ ﷺ خيبر، قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ ﷺ ، وفي رواية النسفيّ: عبد الله بن عبد الله، هكذا أورد البخاريّ طريق الزُّبيديَ هذه معلقةً مختصرةً، وأجحف فيها في الاختصار، فإنه لَمْ يفصل بين رواية الزهريّ الموصولة عن عبد الرَّحمن، وبين روايته المرسلة عن سعيد، وعبيد الله بن عبد الله، وقد أوضح ذلك في "التاريخ"، وكذلك أبو نعيم في "المستخرج"، والذُّهليّ في "الزهريات"، فأخرجوه من طريق عبد الله بن سالم الحمصيّ، عن الزُّبيديّ، فساق الحديث الموصول بالقصة، ثم ساق بعده: قال الزُّبَيديّ: قال الزهريّ: وأخبرني عبد الله بن عبد الله، وسعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ قال: "يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا رجل مؤمن، واللهُ يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، هذا سياق البخاريّ، وفي سياق الذُّهليّ، قال الزهري: وأخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله، وهذا أصوب من عبيد الله بن عبد الله، نَبَّهَ عليه أبو علي الجيانيّ.
وقد اقتضى صنيع البخاريّ ترجيحَ رواية شعيب ومعمر، وأشار إلى أن بقية الروايات محتملة، وهذه عادته في الروايات المختلفة، إذا رَجَحَ بعضُها عنده اعتمده، وأشار إلى البقية، وأن ذلك لا يستلزم القَدْحَ في الرواية الراجحة؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى وجوه الاختلاف، فلا يُرَجَّحَ شيءٌ منها.
وذَكَر مسلم في "كتاب التمييز" فيه اختلافًا آخر على الزهريّ، فقال: حدثنا الحسن بن الحلوانيّ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرَّحمن بن المسيب، أن النبيّ ﷺ قال: "يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن"، قال الحلوانيّ: قلت ليعقوب بن إبراهيم: مَنْ عبدُ الرَّحمن بن المسيب هذا؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخٌ اسمه عبد الرَّحمن، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبد الرَّحمن بن المسيب، فأظنه أن هذا هو الكنانيّ، قال مسلم: وليس ما قال يعقوب بشيء، وإنما سَقَطَ من هذا الإسناد واو واحدة، فَفَحُشَ خطؤه، وإنما هو عن الزهريّ، عن عبد الرَّحمن، وابن المسيب، فعبد الرَّحمن هو ابن عبد الله بن كعب، وابن المسيب، هو سعيد، وقد حدث به عن الزهريّ كذلك
стр. 1708
ابن أخيه، وموسى بن عقبة، ويونس بن يزيد، والله أعلم.
وكذا رَجَّحَ الذهليّ رواية شعيب ومعمر، قال: ولا تدفع رواية الأخيرين؛ لأن الزهريّ كان يقع له الحديث من عِدَّة طُرُق، فيحمله عنه أصحابه بحسب ذلك، نعم، ساق من طريق موسى بن عقبة، وابن أخي الزهريّ، عن الزهريّ موافقةَ الزُّبَيديّ على إرسال آخر الحديث. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا حقّق الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
وحاصله أن الرواية الراجحة هي رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، وقد تابعه معمر وروايته عند مسلم هنا، فالحديث موصول، وأن الغزوة هي خيبر، لا حُنينٌ، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٣] (١١٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَب، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِه، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفي أَصْحَابِ رَسُول اللهِ ﷺ رَجُلٌ، لَا يَدَع لَهُمْ شَاذَّةً، إِلَّا اتَّبَعَهَا، يَضْرِبُهَا بِسَيْفِه، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أنَا لَكُمْ بِه،
стр. 1709
فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّار، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حَلِيف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
[تنبيه]: قوله: (حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ) الظاهر أنه من كلام المصنّف، ويحتمل أن يكون من كلام شيخه، يعني أن "القاريّ" بالقاف، وتشديد الياء نسبة إلى قبيلة من قبائل العرب.
قال السمعانيّ في "الأنساب": القاريّ - بالقاف، والراء المهملة المكسورة، وتشديد ياء النسبة، غير مهموزة - هذه النسبة إلى بني قارة، وهم بطن معروف من العرب، قال بعضهم: أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومن قال: أيثع بن الهون، فقد وَهِمَ، قال أبو عُبيدة: أيثع هو القارة، وقال غيره: القارة: هو الديش بن محلم بن غالب بن عايذة بن أيثع بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة، وإنما سُمُّوا القارة لأن يعمر بن عوف الشداخ أراد أن يفرقهم في بطون بني كنانة، فقال رجل منهم [من الوافر]:
دَعُونَا قَارَةً لَا تَنْفِرُونَا … فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
فسُمُّوا القارة، ويعمر بن الشداخ أحد بني الليث، وقيل في المثل السائر: قد أنصف من راماها، يصفهم بالرمي والإصابة. انتهى كلام السمعانيّ (١).
стр. 1710
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) هو: سلمة بن دينار الأعرج الأَفْزر (١) التَّمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ويقال: مولى بني شِجْع من بني ليث، ومن قال: أشجع فقد وَهِمَ، ثقة عابدٌ [٥].
رَوَى عن سهل بن سعد الساعدي، وأبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيب، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، ولم يسمع منهما، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي قتادة، وعبيد الله بن مقسم، وغيرهم.
ورَوَى عنه الزهري، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك، والحمادان، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وسعيد بن أبي هلال، وابناه عبد الجبار وعبد العزيز، وخلق، آخرهم أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي.
قال أحمد وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة. وقال ابن خزيمة: ثقة لَمْ يكن في زمانه مثله، وقال ابنه ليحيى بن صالح: مَنْ حَدّثك أن أبي سمع من أحد من الصحابة، غير سهل بن سعد، فقد كَذَب، وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: أصله فارسيّ، وكان أشقر، أحول، أفزر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان قاصّ أهل المدينة، ومن عبّادهم، وزُهّادهم، بَعَث إليه سليمان بن عبد الملك بالزهري في أن يأتيه، فقال للزهري: إن كان له حاجة فليأت، وأما أنا فمالي إليه حاجة، مات سنة (٣٥)، وقد قيل: سنة (٤)، وقال ابن سعد: كان يقصّ بعد الفجر في مسجد المدينة، ومات في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: مات بعد الثلاثين إلى الأربعين، وقال عمرو بن علي: مات سنة (٣٣)، وقال خليفة: سنة (٣٥)، وقال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٠) حديثًا.
стр. 1711
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الساعديّ، أبو العباس، ويقال: أبو يحيى الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄.
رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أُبَيّ بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عَبَسَة، ومروان بن الحكم، وهو دونه.
ورَوَى عنه ابنه عباس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، ووَفَاء بن شُريح الْحَضْرميّ، ويحيى بن ميمون الحضرمي، وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي ذُبَاب، وعمرو بن جابر الحضرميّ، وغيرهم.
قال شعيب، عن الزهري، عن سهل بن سعد: أنّ رسول الله ﷺ تُوُفِّي، وهو ابن (١٥) سنة، قال أبو نعيم وغير واحد: مات سنة (٨٨)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩٦) سنة، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة.
قال الحافظ: رواية شعيب صحيحة، وهي المعتمدة في مولده، فيكون مولده قبل الهجرة بخمس سنين، فأيّ سنة مات يضاف إليها الخمس، فيخرج مبلغ عمره على الصحة، وما يخالف ذلك لا يُعَوَّل عليه.
وقال ابن حبّان: كان اسمه حَزْنًا فسماه رسول الله ﷺ سَهْلًا، وقال أبو حاتم الرازي: عاش مائة سنة، أو أكثر، فعلى هذا، يكون تأخر إلى سنة (٩٦) أو بعدها، وزعم قتادة أنه مات بمصر، وزعم أبو بكر بن أبي داود أنه مات بالإسكندرية، قال الحافظ: وهذا عندي أنه وَلَدُهُ عباس بن سهل، انتقل الذهن إليه، وأما سهل فموته بالمدينة. انتهى (١).
أخرج الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: (السَّاعديّ) نسبة إلى بني ساعدة، قبيلة من الأنصار، وهو: ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1712
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٩) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بَغْلانيّ - بفتح الموحدة، وسكون الغين المعجمة - نسبة إلى قرية من قرى بَلْخَ، والظاهر أنه دخل المدينة؛ للأخذ من مشايخها.
٤ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يُسمّى قُتيبة غير شيخ المصنّف هذا، وقد سبق الخلاف في اسمه آنفًا.
٥ - (ومنها): أن جملة من يُكنى بأبي حازم في الرواة ستة، وقد تقدّم بيانهم في ترجمة أبي حازم سلمان الأشجعيّ في "الإيمان" (٩/ ١٤٢) وكذا بيان الفرق بين أبي حازم المترجم هنا، والمترجم هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أن سهل بن سعد صحابيّ ابن صحابيّ ﵄، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃، على الأصحّ، مات سنة (٩١)، وهو ابن مائة سنة، كما بيّنته آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ) زاد في رواية عند البخاريّ: "في بعض مغازيه"، قال الحافظ: ولم أقف على تعيين كونها خيبر، لكنه مبني على أن القصة التي في حديث سهل ﵁ متحدة مع القصة التي في حديث أبي هريرة ﵁، وقد صُرّح في حديث أبي هريرة أن ذلك كان بخيبر.
وفيه نظر، فإن في سياق سهل أن الرجل الذي قَتَل نفسه اتكأ على حَدِّ سيفه حتى خرج من ظهره، وفي سياق أبي هريرة أنه استخرج أَسْهُمًا من كنانته، فنحر بها نفسه، وأيضًا ففي حديث سهل: أن النبيّ ﷺ قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجَنَّة … " الحديث، وفي حديث أبي
стр. 1713
هريرة أنه قال لهم لَمّا أخبروه بقصته: "قُمْ يا بلال، فأَذِّن: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن"، ولهذا جنح ابن التين إلى التعدد.
ويمكن الجمع بأنه لا منافاة في المغايرة الأخيرة، وأما الأُولى فيحتمل أن يكون نَحَرَ نفسه بأسهمه، فلم تُزْهَق روحه، وإن كان قد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالًا للموت.
لكن جزم ابن الجوزيّ في "مشكله" بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال: واسم الرجل قُزْمَان الظَّفَريّ، وكان قد تَخَلَّف عن المسلمين يوم أحد، فَعَيَّره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أوَّل مَن رَمَى بسهم، ثم صار إلى السيف، ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كَسَرَ جَفْنَ سيفه، وجَعَلَ يقول: الموت أحسن من الفرار، فَمَرَّ به قتادة بن النعمان، فقال له هنيئًا لك بالشهادة، قال: والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حَسَب قومي، ثم أقلقته الجراحة، فقتل نفسه.
قال الحافظ: وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقديّ، وهو لا يُحْتَجُّ به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟.
نعم، أخرج أبو يعلى من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن القاضي، عن أبي حازم حديث الباب، وأوَّله أنه قيل لرسول الله ﷺ يوم أحد: ما رأينا مثل ما أَبْلَى فلان، لقد فَرَّ الناسُ، وما فَرَّ، وما ترك للمشركين شاذّةً، ولا فاذَّةً … الحديث بطوله، على نحو ما في "الصحيح"، وليس فيه تسميته، وسعيد مُختَلف فيه، وما أظن روايته خَفِيت على البخاريّ، وأظنه لَمْ يَلتَفِت إليها؛ لأن في بعض طرقه عن أبي حازم: غزونا مع رسول الله ﷺ ، وظاهره يقتضي أنَّها غير أحد؛ لأن سَهْلًا ما كان حينئذ ممن يُطلِق على نفسه ذلك؛ لصغره؛ لأن الصحيح أن مَوْلِده قبل الهجرة بخمس سنين، فيكون في أحد ابن عشرة، أو إحدى عشرة، على أنه قد حَفِظَ أشياء من أمر أُحُد، مثل غَسْل فاطمة ﵂ جراحة النبيّ ﷺ ، ولا يلزم من ذلك أن يقول: غزونا، إلَّا أن يُحْمَل على المجاز، كما سيأتي لأبي هريرة، لكن يدفعه ما سيأتي من رواية الكشميهني قريبًا (١).
стр. 1714
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قصّة سهل ﵁ هذه غير قصّة أبي هريرة ﵁ التي قبلها، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل سياقهما، وأما الجمع بينهما بالتأويل فتكلّفٌ ظاهر، لا داعي إليه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَاقْتَتَلُوا) أي المسلمون، والمشركون، أي قتل بعضهم بعضًا.
[تنبيه]: قال المجد رحمه الله تعالى: تقاتلوا، واقتتلوا بمعنًى، ولم يُدغم؛ لأن التاء غير لازمة، ويقال أيضًا: قَتَّلُوا يُقَتِّلُونَ بنقل حركة التاء إلى القاف فيهما، وبحذف الألف؛ لأنَّها مُجْتَلَبَةٌ للسكون، والفاعل من الأول: مُقَتِّلٌ، ومن الثاني: مُقِتِّلٌ - بكسر القاف - وأهل مكة يقولون: مُقُتِّلٌ، يُتْبِعُون الضمَّةَ الضمَّةَ. انتهى (١).
(فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم (وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: اسمه قُزْمان، قاله الخطيب البغداديّ، قال: وكان من المنافقين. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وقع في كلام جماعة ممن تكلم على هذا الكتاب أن اسمه قُزْمَان - بضم القاف، وسكون الزاي - الظُّفْريّ - بضم المعجمة، والفاء -: نسبة إلى بني ظُفْر بطن من الأنصار، وكان يُكنى أبا الْغَيْدَاق - بمعجمة مفتوحة، وتحتانية ساكنة، وآخره قاف - وَيعكُر عليه ما تقدم (٣). انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما على دعوى اتّحاد القصّتين فلا يُشكل، وأما على اختلافهما، وهو الذي رجّحته فيما مرَّ آنفًا، فلا يصحّ كونه قُزمان، فتأملّه، والله تعالى أعلم.
(لَا يَدَعُ) بفتح أوله، وثانيه، مضارع وَدَعَ، وقد زعم بعض أهل النحاة:
стр. 1715
أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم الفاعل منه، لكن الصواب أن ماضيه مستعمل، وقد قُرئ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، ومنه هذا الحديث، وحديث: "لينتهيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجمعة" (١)، وقد سبق تحقيق هذا مستوفًى (لَهُمْ) أي للمشركين (شَاذَّةً) هكذا معظم النسخ، ووقع في النسخة التي شرحها الأبيّ بلفظ: "شاذّة، ولا فاذّة"، فزاد "فاذّة"، وكذا هو في "مستخرج أبي نُعيم"، وهو الذي في "صحيح البخاريّ".
قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: "الشّاذّ": الخارج عن الجماعة، والشاذّ: المتفرّق أيضًا، و"الفاذّ": الفرد، ومعناه لا يخلُص منه مَن خَرَج وفَرّ، وأنّث الكلمة على معنى النسمة، أو تشبيه الخارج بشاذّ الغنم وفاذّتها، وهو بمعنى متَقَصٍّ للقتل، حتى لا يدع أحدًا على طريق المبالغة، قال ابن الأعرابيّ: يقال: فلان لا يدع شاذّةً ولا فاذّةً إذا كان شُجاعًا، لا يلقاه أحد إلَّا قتله. انتهى كلام القاضي (٢).
وقال في "الفتح": "الشاذّة" - بتشديد الذال المعجمة -: ما انفرد عن الجماعة، و"الفاذّة" - بالفاء - مثله، ما لَمْ يَختَلِط بهم، ثم هما صفة لمحذوف: أي نَسَمَةً، والهاء فيهما للمبالغة، والمعنى: أنه لا يَلْقَى شيئًا إلَّا قتله، وقيل: المراد بالشاذّ والفاذّ: ما كَبُرَ وصَغُرَ، وقيل: الشاذّ: الخارج، والفاذّ: المنفرد، وقيل: هما بمعنًى، وقيل: الثاني إتباع. انتهى (٣).
(إِلَّا اتَّبَعَهَا) وقوله: (يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون، وفي رواية للبخاريّ: "فقال": أي قائل، وفي رواية الكشميهني: "فقلتُ" بضمير المتكلّم، قال في "الفتح": فإن كانت محفوظةً عُرِف اسم قائل ذلك. انتهى (٤).
стр. 1716
قال الجامع عفا الله عنه: أراد أن القائل هو سهل بن سعد الراوي، لكن الكشميهني لا يعتمدون على روايته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) بالهمز: أي ما أغنى وكفَى أحدٌ مثلَ غَنائه، وكفايته.
قال القرطبيّ: كذا صحّت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه: ما أغني، ولا كَفَى، وفي "الصحاح": أجزأني الشيءُ: كفاني، وجزى عنّي هذا الأمر: أي قَضَى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي، ومنه قوله ﷺ لأبي بُردة ﵁: "ولن تَجْزي عن أحد بعدك"، متّفقٌ عليه، قال: وبنو تميم يقولون: أجزأت عنك شاةٌ بالهمز، وقال أبو عبيد: جزأتُ بالشيّ، وأجزأتُ: أي اكتفيتُ به، وأنشد [من الوافر]:
فَإِنَّ اللُّؤْمَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ … وَإِنَّ الْمَرْءَ يَجْزَأُ بِالْكُرَاعِ
أي يكتفي به.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كَـ "إلا" (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ") وفي رواية عند البخاريّ: "فقالوا: أيُّنا من أهل الجَنَّة، إن كان هذا من أهل النار؟ "، وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعيّ، عند الطبرانيّ: قال: قلنا: يا رسول الله، فلان يجزئ في القتال، قال: "هو في النار"، قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادته، واجتهاده، ولين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: "ذلك أخباث النفاق"، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال (١).
(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال في "الفتح": هذا الرجل هو أكثم بن أبي الجون، كما سيظهر من سياق حديثه (أنا صَاحِبُهُ أَبَدًا) وفي رواية للبخاريّ: "فقال رجل من القوم: لأتبعنه"، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: أي لا أفارقه، وأتتبّع أمره حتى أعرف مآله؛ إذ أخبر النبيّ ﷺ بما دلّ على سوء عُقباه وخاتمته، أو سُوء جَرِيرته بكونه من أهل النار، وخبر ﷺ صادقٌ، لا شكّ فيه، وكان ظاهره غيرَ ذلك، من نَصْر الدين، وحُسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار؛ ليزداد يقينًا وبصيرة، كما فَعَل وذكر في
стр. 1717
نفس الحديث، ولتجديد شهادته بالنبوّة. انتهى (١).
(قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ) أي ذلك الرجل الذي أخبر عنه النبيّ ﷺ بكونه من أهل النار (وَقَفَ مَعَهُ)، أي وقف هذا الرجل الذي وعد أنه يُصاحبه أبدًا (وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ) فعلٌ ونائب فاعله (جُرْحًا شَدِيدًا) الجرح بفتح الجيم مصدرُ جَرَحه من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه، زاد في رواية أكثم: فقلنا: يا رسول الله قد استُشهِد فلان، فقال: "هو في النار" (فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ) أي طلب سرعة موته؛ لشدّة الألم (فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ) وفي نسخة: "في الأرض"، و"النَّصْلُ" بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسيف ما لَمْ يكن له مَقْبِضٌ، أفاده في "القاموس" (٢)، وقال القرطبيّ: نصلُ السيف: حديدتها كلّها، وأنشدوا:
كَالسَّيْفِ سلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ
ويقال: عليها مُنْصُلٌ، والمراد بالنصل في هذا الحديث: طرف النَّصْلِ الأسفل الذي يُسمّى الْقَبِيعةَ، والرِّئاس (٣)، وذُبابُهُ: طرفه الأعلى المحدّد المهلَّلُ، وظُبَتاه وغَرْبَاهُ: حدّاه، وصدر السيف: من مَقبضه إلى مَضرِبه، ومضربُهُ: موقعُ الضرب منه، وهو دون الذُّبَاب بشبر. انتهى (٤).
(وَذُبَابَهُ) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الباء الموحدة المكررة: قال ابن الأثير: ذُبابُ السيف: طرفه الذي يُضرَب به. انتهى (٥). وقال النوويّ: هو طرفه الأسفل، وأما طرفه الأعلى فَمَقْبِضه (٦). (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) تثنية "ثَدْي" بفتح الثاء، وهو يُذَكَّر على اللغة الفصيحة التي اقتصر عليها الفَرّاء، وثعلب، وغيرهما، وحَكَى ابن فارس، والجوهريّ، وغيرهما فيه التذكير والتأنيث، قال ابن فارس: الثديُ للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل ثَنْدُوَة، وثُنْدُؤَةٌ بالفتح بلا همزة، وبالضم مع الهمزة، وقال الجوهريّ: والثَّدْيُ للمرأة
стр. 1718
وللرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثَّدْي للرجل، وجمع الثَّدْي: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ بضم الثاء، وكسرها، ذكره النوويّ (١).
وقال الفيّومي: "الثَّدْيُ" بلمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت، ويُذكَّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّدْيُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلُهُما أَفْعُل، وفُعُولٌ، مثلُ أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاء، مثلُ سَهْمٍ ويسِهَامٍ، والثُّنْدُوة وَزْنُها فُنْعُلةٌ بضمّ الفاء والعين، ومنهم من يَجعَل النون أصليّةً، والواو زائدة، ويقول: وزنُها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثّدي، وقيل: هي اللَّحْمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثَّدْي للمرأة، وكان رُؤبة يَهْمِزُها، قال أبو عُبيد: وعامّة العرب لا تَهْمِزُها، وحَكَى في البارع ضمّ الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السّكّيت: وجمع الثُّنْدُوة: ثنَادٍ على النقص. انتهى (٢).
(ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ) أي كلّف نفسه ما لا تُطيقه، وهو الوقوع على سيفه، قال في "القاموس": تحامل في الأمر، وبه: تكلّفه على مَشَقَّة، وتحاملَ عليه: كلّفه ما لا يُطيق. انتهى (٣).
(فَقَتَلَ نَفْسَهُ) وفي رواية للبخاريّ: "فوَضَعَ نصاب سيفه في الأرض، وذُبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه"، وفي حديث أكثم: "أخذ سيفه، فوضعه بين ثدييه، ثم اتكأ عليه، حتى خرج من ظهره، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: أشهد أنك رسول الله" (٤).
(فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أي الذي قال: أنا صاحبه أبدًا (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ) ﷺ ("وَمَا ذَاكَ؟ ") أي ما سبب تجديدك للشهادة برسالتي؟ (قَالَ) الرجل (الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) أي قريبًا، وقد تقدّم الكلام عليها (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي عظّموه، وكبُر عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأنهم نظروا إلى سورة الحال، ولم يَعرِفوا الباطن، ولا المال، فأعلم العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمغَيَّب الأمر وعاقبته، وكان ذلك من
стр. 1719
أدلّة صدق الرسول ﷺ ، وصحّة رسالته، ففيه التنبيه، قالهُ القرطبيّ (١).
(فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ) أي أنا أكفيكم شأنه، وما يؤول إليه أمره (فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) أي عندما أخبره الرجل بحال الرجل ("إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ) قال النووي: معناه أن هذا قد يقع (عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا دليلٌ على أن ذلك الرجل لَمْ يكن مُخلِصًا في جهاده، وقد صرّح الرجل بذلك فيما يُروى عنه أنه قال: إنما قاتلتُ عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء، فأما حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال فيه: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النار، فيدخلها" (٢)، فإنما يتناول من كان مخلصًا في أعماله، قائمًا بها على شرطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر، فبُدِّلَ به عند خاتمته، كما يأتي تحقيقه في "كتاب القدر" - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ (٣).
(وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) جملة حاليّة من فاعل "يَعْمَل" (وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ") زاد في حديث أكثم: "تُدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه، فيُختَم له بها"، وسيأتي شرح الكلام الأخير في "كتاب القدر" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 1720
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٣] (١١٢)، وفي "القدر" (١١٢) مختصرًا (١)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٩٨)، و"المغازي" (٤٢٠٢ و ٤٢٠٧)، و"الرقاق" (٦٤٩٣)، و"القدر" (٦٦٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٣٥)، و (أبو القاسم البغويّ) في "الجعديَّات" (٣٠٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٨٤ و ٥٧٩٨ و ٥٧٩٩ و ٥٨٠٦ و ٥٨٢٥ و ٥٨٣٠ و ٥٨٩١ و ٥٩٥٢ و ٦٠٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٧٥)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٢١٦)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (ص ١٨٥)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٤/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن قتل النفس من الكبائر الموبقة، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزّة والجلال.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "لا يدع لهم شاذّة" جواز الإغياء في الكلام، والمبالغة فيه، إذا احتيج إليه، ولم يكن ذلك تعمّقًا، ولا تشدّقًا، فيجوز أن يُعبَّر بالعموم عن الكثير الغالب، كقوله ﷺ : "لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه" (٢).
٤ - (ومنها): بيان أن الأعمال بخواتيمها، فلا ينبغي الاغترار بالأعمال، والركون إليها؛ مخافة من انقلاب الحال عن انقضاء الآجال؛ للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يَقْنَط، ولغيره أن لا يُقنطه من رحمة الله تعالى.
٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يُطلق على من قُتل في الجهاد أنه شهيد؛