← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قال الجامع عفا الله عنه: أراد أن القائل هو سهل بن سعد الراوي، لكن الكشميهني لا يعتمدون على روايته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ) بالهمز: أي ما أغنى وكفَى أحدٌ مثلَ غَنائه، وكفايته. قال القرطبيّ: كذا صحّت روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا، ومعناه: ما أغني، ولا كَفَى، وفي "الصحاح": أجزأني الشيءُ: كفاني، وجزى عنّي هذا الأمر: أي قَضَى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]: أي لا تقضي، ومنه قوله ﷺ لأبي بُردة ﵁: "ولن تَجْزي عن أحد بعدك"، متّفقٌ عليه، قال: وبنو تميم يقولون: أجزأت عنك شاةٌ بالهمز، وقال أبو عبيد: جزأتُ بالشيّ، وأجزأتُ: أي اكتفيتُ به، وأنشد [من الوافر]: فَإِنَّ اللُّؤْمَ فِي الأَقْوَامِ عَارٌ … وَإِنَّ الْمَرْءَ يَجْزَأُ بِالْكُرَاعِ أي يكتفي به. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كَـ "إلا" (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ") وفي رواية عند البخاريّ: "فقالوا: أيُّنا من أهل الجَنَّة، إن كان هذا من أهل النار؟ "، وفي حديث أكثم بن أبي الجون الخزاعيّ، عند الطبرانيّ: قال: قلنا: يا رسول الله، فلان يجزئ في القتال، قال: "هو في النار"، قلنا: يا رسول الله، إذا كان فلان في عبادته، واجتهاده، ولين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: "ذلك أخباث النفاق"، قال: فكنا نتحفظ عليه في القتال (١). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال في "الفتح": هذا الرجل هو أكثم بن أبي الجون، كما سيظهر من سياق حديثه (أنا صَاحِبُهُ أَبَدًا) وفي رواية للبخاريّ: "فقال رجل من القوم: لأتبعنه"، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: أي لا أفارقه، وأتتبّع أمره حتى أعرف مآله؛ إذ أخبر النبيّ ﷺ بما دلّ على سوء عُقباه وخاتمته، أو سُوء جَرِيرته بكونه من أهل النار، وخبر ﷺ صادقٌ، لا شكّ فيه، وكان ظاهره غيرَ ذلك، من نَصْر الدين، وحُسن البصيرة فيه، فأراد معرفة السبب الموجب لكونه من أهل النار؛ ليزداد يقينًا وبصيرة، كما فَعَل وذكر في

стр. 1717

نفس الحديث، ولتجديد شهادته بالنبوّة. انتهى (١). (قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ) أي ذلك الرجل الذي أخبر عنه النبيّ ﷺ بكونه من أهل النار (وَقَفَ مَعَهُ)، أي وقف هذا الرجل الذي وعد أنه يُصاحبه أبدًا (وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ) فعلٌ ونائب فاعله (جُرْحًا شَدِيدًا) الجرح بفتح الجيم مصدرُ جَرَحه من باب نَفَعَ، وبضمها اسم منه، زاد في رواية أكثم: فقلنا: يا رسول الله قد استُشهِد فلان، فقال: "هو في النار" (فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ) أي طلب سرعة موته؛ لشدّة الألم (فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ) وفي نسخة: "في الأرض"، و"النَّصْلُ" بفتح النون، وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم، والرمح، والسيف ما لَمْ يكن له مَقْبِضٌ، أفاده في "القاموس" (٢)، وقال القرطبيّ: نصلُ السيف: حديدتها كلّها، وأنشدوا: كَالسَّيْفِ سلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ ويقال: عليها مُنْصُلٌ، والمراد بالنصل في هذا الحديث: طرف النَّصْلِ الأسفل الذي يُسمّى الْقَبِيعةَ، والرِّئاس (٣)، وذُبابُهُ: طرفه الأعلى المحدّد المهلَّلُ، وظُبَتاه وغَرْبَاهُ: حدّاه، وصدر السيف: من مَقبضه إلى مَضرِبه، ومضربُهُ: موقعُ الضرب منه، وهو دون الذُّبَاب بشبر. انتهى (٤). (وَذُبَابَهُ) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الباء الموحدة المكررة: قال ابن الأثير: ذُبابُ السيف: طرفه الذي يُضرَب به. انتهى (٥). وقال النوويّ: هو طرفه الأسفل، وأما طرفه الأعلى فَمَقْبِضه (٦). (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) تثنية "ثَدْي" بفتح الثاء، وهو يُذَكَّر على اللغة الفصيحة التي اقتصر عليها الفَرّاء، وثعلب، وغيرهما، وحَكَى ابن فارس، والجوهريّ، وغيرهما فيه التذكير والتأنيث، قال ابن فارس: الثديُ للمرأة، ويقال لذلك الموضع من الرجل ثَنْدُوَة، وثُنْدُؤَةٌ بالفتح بلا همزة، وبالضم مع الهمزة، وقال الجوهريّ: والثَّدْيُ للمرأة

стр. 1718

وللرجل، فعلى قول ابن فارس يكون في هذا الحديث قد استعار الثَّدْي للرجل، وجمع الثَّدْي: أَثْدٍ، وثُدِيٌّ بضم الثاء، وكسرها، ذكره النوويّ (١). وقال الفيّومي: "الثَّدْيُ" بلمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت، ويُذكَّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّدْيُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلُهُما أَفْعُل، وفُعُولٌ، مثلُ أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاء، مثلُ سَهْمٍ ويسِهَامٍ، والثُّنْدُوة وَزْنُها فُنْعُلةٌ بضمّ الفاء والعين، ومنهم من يَجعَل النون أصليّةً، والواو زائدة، ويقول: وزنُها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثّدي، وقيل: هي اللَّحْمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثَّدْي للمرأة، وكان رُؤبة يَهْمِزُها، قال أبو عُبيد: وعامّة العرب لا تَهْمِزُها، وحَكَى في البارع ضمّ الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السّكّيت: وجمع الثُّنْدُوة: ثنَادٍ على النقص. انتهى (٢). (ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ) أي كلّف نفسه ما لا تُطيقه، وهو الوقوع على سيفه، قال في "القاموس": تحامل في الأمر، وبه: تكلّفه على مَشَقَّة، وتحاملَ عليه: كلّفه ما لا يُطيق. انتهى (٣). (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) وفي رواية للبخاريّ: "فوَضَعَ نصاب سيفه في الأرض، وذُبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه"، وفي حديث أكثم: "أخذ سيفه، فوضعه بين ثدييه، ثم اتكأ عليه، حتى خرج من ظهره، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: أشهد أنك رسول الله" (٤). (فَخَرَجَ الرَّجُلُ) أي الذي قال: أنا صاحبه أبدًا (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الله، قَالَ) ﷺ ("وَمَا ذَاكَ؟ ") أي ما سبب تجديدك للشهادة برسالتي؟ (قَالَ) الرجل (الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا) أي قريبًا، وقد تقدّم الكلام عليها (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي عظّموه، وكبُر عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأنهم نظروا إلى سورة الحال، ولم يَعرِفوا الباطن، ولا المال، فأعلم العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمغَيَّب الأمر وعاقبته، وكان ذلك من

стр. 1719

أدلّة صدق الرسول ﷺ ، وصحّة رسالته، ففيه التنبيه، قالهُ القرطبيّ (١). (فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ) أي أنا أكفيكم شأنه، وما يؤول إليه أمره (فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِه، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْض، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْه، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) أي عندما أخبره الرجل بحال الرجل ("إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ) قال النووي: معناه أن هذا قد يقع (عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا دليلٌ على أن ذلك الرجل لَمْ يكن مُخلِصًا في جهاده، وقد صرّح الرجل بذلك فيما يُروى عنه أنه قال: إنما قاتلتُ عن أحساب قومي، فيتناول هذا الخبر أهل الرياء، فأما حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال فيه: "إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنّة، ثم يُختم له بعمل أهل النار، فيدخلها" (٢)، فإنما يتناول من كان مخلصًا في أعماله، قائمًا بها على شرطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر، فبُدِّلَ به عند خاتمته، كما يأتي تحقيقه في "كتاب القدر" - إن شاء الله تعالى -. انتهى كلام القرطبيّ (٣). (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) جملة حاليّة من فاعل "يَعْمَل" (وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاس، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ") زاد في حديث أكثم: "تُدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه، فيُختَم له بها"، وسيأتي شرح الكلام الأخير في "كتاب القدر" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﵄ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 1720

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٣] (١١٢)، وفي "القدر" (١١٢) مختصرًا (١)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٩٨)، و"المغازي" (٤٢٠٢ و ٤٢٠٧)، و"الرقاق" (٦٤٩٣)، و"القدر" (٦٦٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٣٥)، و (أبو القاسم البغويّ) في "الجعديَّات" (٣٠٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٧٨٤ و ٥٧٩٨ و ٥٧٩٩ و ٥٨٠٦ و ٥٨٢٥ و ٥٨٣٠ و ٥٨٩١ و ٥٩٥٢ و ٦٠٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٧٥)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٢١٦)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (ص ١٨٥)، و (البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٤/ ٢٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن قتل النفس من الكبائر الموبقة، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزّة والجلال. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "لا يدع لهم شاذّة" جواز الإغياء في الكلام، والمبالغة فيه، إذا احتيج إليه، ولم يكن ذلك تعمّقًا، ولا تشدّقًا، فيجوز أن يُعبَّر بالعموم عن الكثير الغالب، كقوله ﷺ : "لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه" (٢). ٤ - (ومنها): بيان أن الأعمال بخواتيمها، فلا ينبغي الاغترار بالأعمال، والركون إليها؛ مخافة من انقلاب الحال عن انقضاء الآجال؛ للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يَقْنَط، ولغيره أن لا يُقنطه من رحمة الله تعالى. ٥ - (ومنها): أنه لا ينبغي أن يُطلق على من قُتل في الجهاد أنه شهيد؛

стр. 1721

لاحتمال أن يكون مثل هذا الرجل، وإن كان يُعطى في الظاهر أحكام الشهداء في الدنيا، وقد أخرج أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي العَجْفاء، قال: سمعت عمر ﵁ يقول، فذكر المغالاة في صداق النساء، قال: وأخرى تقولونها في مغازيكم: قُتِل فلان شهيدًا، مات فلان شهيدًا، ولعله أن يكون قد أوقر عَجُزَ دابته أو دَفَّ راحلته ذهبًا وفضةً، يبتغي التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قال محمد ﷺ : "من قُتِل في سبيل الله فهو في الجَنَّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أَولَ الكتاب قال: [٣١٤] (١١٣) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا الزُّبَيْرِيُّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَة، فَلَمَّا آذَتْهُ، انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِه، فَنكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ"، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِد، فَقَالَ: إِي وَاللهِ لَقَدْ حَدَّثَني بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ في هَذَا الْمَسْجِدِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ المذكور قبل حديث. ٢ - (الزُّبَيْرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَرَ بن دِرْهم الأسديّ مولاهم الزبيريّ، أَبُو أَحْمَدَ الكوفيّ، ثقة ثبت، إلَّا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩]. رَوَى عن أيمن بن نابل، ويحيى بن أبي الهيثم العطار، وعيسى بن طهمان، وفِطر بن خليفة، وسفيان الثوري، ومسعر، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس، وإسرائيل بن يونس، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه طاهر، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو موسى، وأحمد بن منيع، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد المسندي، وعَمرو بن محمد الناقد، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وغيرهم.

стр. 1722

قال نصر بن علي: سمعت أبا أحمد الزبيري يقول: لا أبالي أن يُسرَق مني كتاب سفيان، إني أحفظه كله، وقال ابن نمير: أبو أحمد الزبيري صدوق، في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري، ما علمت إلَّا خيرًا، مشهور بالطلب، ثقة، صحيح الكتاب، وكان صديق أبي نعيم، وأبو نعيم أقدم سماعًا وأسنّ منه، وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: كان كثير الخطأ في حديث سفيان، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع، وقال بندار: ما رأيت أحفظ منه، وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: صدوق، وقال أبو حاتم: عابد مجتهد، حافظ للحديث، له أوهام، وقال ابن قانع: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد: كان يصوم الدهر. قال أحمد بن حنبل وغيره: مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين. وفيها أرّخه ابن سعد، وقال: كان صدوقًا، كثير الحديث. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة المثبت الفقيه، يرسل، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠)، وقد قارب (٩٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٦. ٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدَب بن عبد الله بن سفيان الْبَجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله، وربّما نُسب إلى جدّه، صحابيّ مات ﵁ بعد الستّين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له ابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع.

стр. 1723

٤ - (ومنها): أن فيه شيبان النحويّ، وهو منسوب إلى نَحْوَة، بطنٍ من الأزد، لا إلى علم النحو، وإن كان هو المشهور في هذه النسبة، ومثله يزيد النحويّ، ولا ثالث لهما، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن شيبان بن عبد الرَّحمن النحويّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ) البصريّ (يَقُولُ: "إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) قال الحافظ: لَمْ أقف على اسمه (خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ) بفتح القاف، وسكون الراء: واحدة القرُوح، وهي حبات تَخْرُج في بدن الإنسان، وفي الرواية التالية: "كان خُراجٌ" - بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف الراء -: وهي الْقَرْحَةُ، وفي رواية البخاريّ في "ذكر بني إسرائيل": "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ به جُرْحٌ" بضم الجيم، وسكون الراء، وفي رواية له في "الجنائز": "به جِرَاحٌ"، قال في "الفتح": وكأنه كان به جُرْح، ثم صار قَرْحَةً، قال: وذكره بعضهم بضم المعجمة، وآخره جيم، وهو تصحيف. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ادّعى التصحيف في "الفتح"، فإن أراد خصوص رواية البخاريّ، فيمكن أن يُسلّم، وإلا فرواية مسلم الآتية بلفظ "خُرَاج" بالضبط المذكور، فلا وجه لإنكارها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ) وفي رواية البخاريّ: "فَجَزعَ، فأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بها يده"، ومعنى "انتزع": أخرج (سَهْمًا) بفتح، فسكون: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْلِ (٢). (مِنْ كِنَانَتِهِ) بكسر الكاف: هي جَعْبَة النشاب، مفتوح الجيم، سُمّيت كنانةً؛ لأنَّها تَكِنّ السِّهَامَ: أي تستُرُها (فَنكَأَهَا) - بالنون، والهمز -: أي قشّرها، وخرقها، وفَتَحَها، وقيل: معناه: نخس موضع الجرح، وفي رواية البخاريّ: "فأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بها يده"، ويمكن الجمع بأن يكون فَجَّر الجرح بذُبابة السَّهْم، فلم ينفعه، فحَزَّ موضعه بالسكين، ودَلّت رواية البخاريّ هذه على أن الجرح كان في يده، قاله في "الفتح" (٣).

стр. 1724

ولفظ أبي عوانة في "مسنده" "جُرح رجلٌ فيمن كان قبلكم جراحةً، فضجر، فعمد إلى سكّين، فقطع يده، فلم يرقأ الدم حتى مات، فقال الله: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة". وفي رواية لأبي نعيم في "المستخرج": "كان ممن قبلكم رجل جَرَح فخذه بسكّين، فلم يرقأ دمه، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة". انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن قوله: "فخذه" محلّ نظر؛ إذ المذكور في رواية البخاريّ وغيره: "يده"، والله تعالى أعلم. (فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ) - بالقاف، والهمز -: أي لَمْ ينقطع، يقال: رقأ الدمُ والدَّمْعُ يرقأ رُقُوءًا، مثل ركع يركع رُكوعًا: إذا سكن، وانقطع. (حَتى مَاتَ) غاية لقوله: "فلم يرقأ" (قَالَ رَبُّكُمْ) زاد في رواية البخاريّ: "قال الله : بادرني عبدي بنفسه"، وهي رواية أبي عوانة المذكورة آنفًا، وهو كناية عن استعجال الرجل الموتَ وسيأتي البحث فيه (قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ") قال في "الفتح": هو جار مَجْرَى التعليل للعقوبة؛ لأنه لَمّا استعجل الموت بتعاطي سببه، من إنفاذ مقاتله، فجعل له فيه اختيارًا، عصى الله به، فناسب أن يعاقبه، ودَلّ ذلك على أنه قطع يده لإرادة الموت، لا لقصد المداواة التي يَغْلِب على الظن الانتفاع بها. قال: وقد استُشكِل قوله: "بادرني بنفسه"، وقوله: "حَرَّمتُ عليه الجَنَّة"، لأن الأول يقتضي أن يكون مَن قُتِل فقد مات قبل أجله؛ لما يوهمه سياق الحديث، من أنه لو لَمْ يَقتُل نفسه كان قد تأخر عن ذلك الوقت وعاش، لكنه بادر فتقدم. والثاني يقتضي تخليد الموحِّد في النار. والجواب عن الأول أن المبادرة من حيثُ التسببُ في ذلك، والقصد له، والاختيار، وأطلق عليه المبادرة؛ لوجود صورتها، وإنما استَحَقَّ المعاقبة؛ لأن الله لَمْ يُطلِعه على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه، فاستحق المعاقبة؛ لعصيانه. وقال القاضي أبو بكر: قضاءُ الله مطلقٌ، ومقيدٌ بصفة، فالمطلق يَمضِي على الوجه بلا صارف، والمقيّدُ على الوجهين.

стр. 1725

مثاله أن يُقَدَّر لواحد أن يَعِيش عشرين سنة إن قَتَلَ نفسه، وثلاثين سنة إن لَمْ يَقتُل، وهذا بالنسبة إلى ما يَعلَم به المخلوق، كملك الموت مثلًا، وأما بالنسبة إلى علم الله، فإنه لا يقع إلَّا ما عَلِمه. ونظير ذلك الواجب الْمُخَيَّر فالواقع منه معلوم عند الله تعالى، والعبد مُخَيَّر في أيِّ الخصال يفعل. والجواب عن الثاني من أوجه: [أحدها]: أنه كان استَحَلَّ ذلك الفعل، فصار كافرًا. [ثانيها]: كان كافرًا في الأصل، وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره. [ثالثها]: أن المراد أن الجَنَّة حُرّمت عليه في وقتٍ ما، كالوقت الذي يَدخُل فيه السابقون، أو الوقت الذي يُعَذَّب فيه المودعدون في النار، ثم يُخْرَجون. [رابعها]: أن المراد جنة معينة، كالفردوس مثلًا. [خامسها]: أن ذلك وَرَدَ في سبيل التغليظ والتخويف، وظاهره غير مراد. [سادسها]: أن التقدير: حَرَّمتُ عليه الجَنَّة إن شئتُ استمرار ذلك. [سابعها]: قال النوويّ: يحتمل أن يكون ذلك شَرْعَ من مضى: أن أصحاب الكبائر يَكفُرون بفعلها، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب التأويلات عندي هو تأويل مَن أوَّله بأن تحريمها عليه يكون تحريمًا مؤقّتًا، وهو الوقت الذي يُعذّب فيه أصحاب الكبائر، ثم يكون مآله إليها، أو المراد أن ذلك هو الذي يستحقّه؛ لعظم جُرْمه، إلَّا أن الله تعالى تفضّل على الموحِّدين، فجعل آخرهم الجنّة، وعلى أي حال، ففيه بيان عظمة ذنب قاتل نفسه عمدًا بسبب شدّة البلاء، والله تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ مَدَّ) الحسن البصريّ (يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، كما قاله في "الفتح" (فَقَالَ: إِيْ) بكسر الهمزة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، قال ابن هشام رحمه الله تعالى: "إِيْ " بالكسر والسكون حرف جواب بمعنى "نَعَمْ"، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد "قام زيدٌ"،

стр. 1726

و"هل قام زيد"، و"اضرب زيدًا"، ونحوهنّ، كما تقع "نعم"، وزعم ابن الحاجب أنَّها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلَّا قبل القسم، وإذا قيل: "إي والله"، ثم أُسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحُها وحذفها، وعلى الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما. انتهى كلام ابن هشام (١)، وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط في "نظم المغني"، حيث قال: ............................. … وَ"إِي" بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَارِدَهْ حَرْفَ جَوَابٍ كَـ "نَعَمْ " ويُشْتَرَطْ … إِتْبَاعُهُ بِقَسَمٍ بِلَا غَلَطْ وَالْحَرْفُ إِنْ يُحْذَفْ فَيَاءً احْذِفِ … أَوْ سَاكِنًا أَوْ بِانْفِتَاحِهِ يَفِي (وَاللهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٠/ ٣١٤ و ٣١٥] (١١٣)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٤٦٤)، و"أحاديث بني إسرائيل" (٣٤٦٣)، و (ابن حبّان) (٥٩٨٨ و ٥٩٨٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٦٤٧ و ٦٤٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٢٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٥٢٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٠١ و ٣٠٢)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٦٦٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ٢٤) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم قتل نفس القاتل، وكذا غيره؛ لأنه منافٍ للإيمان بتقدير الله تعالى، وهو وجه المطابقة لذكره هنا.

стр. 1727

٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه تحريم قتل الإنسان غيره بالطريق الأولى؛ لأنه إذا لَمْ يجُز قتل نفسه التي يُتوهّم أنه لا ينازعه فيها أحد، فكيف بالآخرين؟. ٣ - (ومنها): أن فيه الوقوفَ عند حقوق الله، ورحمته بخلقه، حيث حَرَّم عليهم قتل نفوسهم، وأن الأنفس ملك الله تعالى. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث عن الأمم الماضية؛ لأخذ العبرة عما نزل بهم بسبب مخالفتهم. ٥ - (ومنها): أن شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قصّه الرسول ﷺ علينا، ولم يأت في شرعنا ما يُعارضه، وهذا هو القول الراجح، كما حقّقته في منظومتي "التحفة المرضيّة" في أصول الفقه، وشرحها. ٦ - (ومنها): بيان فضيلة الصبر على البلاء، وترك التضجر من الآلام؛ لئلا يُفضي إلى أشدّ منها. ٧ - (ومنها): بيان تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النفس. ٨ - (ومنها): التنبيه على أن حكم السِّرَاية على ما يترتب عليه ابتداء القتل. ٩ - (ومنها): بيان الاحتياط في التحديث، وكيفية الضبط له، والتحفظ فيه بذكر المكان، والإشارة إلى ضبط المحدث، وتوثيقه لمن حَدّثه؛ لِيَرْكَنَ السامع لذلك (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٥]- ( … ) - (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ، فِي هَذَا الْمَسْجِد، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى

стр. 1728

رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ … "، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّمِيّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شُجَاع الأزديّ، أبو العباس البصري الحافظ، ثقة [٩]. رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن عَمّار، وهشام بن حَسّان، وابن عون، وهشام الدستوائيّ، وشعبة، وصَخْر بن جُوَيرية، وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم. قال سليمان بن داود القَزّاز: قلت لأحمد: أريد البصرة، عمن أكتب؟ قال: عن وهب بن جرير، وأبي عامر الْعَقَديّ، وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوقٌ، قيل له: وهب بن جرير، ورَوْح بن عبادة، وعثمان بن عمر؟ قال: وهب أحبّ إلي منهما، وهبٌ صالح الحديث، وقال الآجري: سمعت أبا داود يحدث عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الْجَيْشَانيّ، قال أبو داود: جرير بن حازم رَوَى هذا عن ابن لهيعة، أُراها صحيفةً اشتبهت على وهب بن جرير، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ. وقال العجلي: بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الْعُقيليّ: قال أحمد: قال ابن مهدي: ها هنا قوم يُحَدِّثون عن شعبة، ما رأيناهم عنده، يُعَرِّض بوهب، وقال أحمد: ما رَوَى وهب قط عن شعبة، ولكن كان وهب صاحب سنّة، حَدّث - زعموا - عن شعبة بنحو أربعة آلاف حديث، قال عفان:

стр. 1729

هذه أحاديث عبد الرَّحمن الرصاصيّ، شيخ سَمِعَ من شعبة كثيرًا، ثم وقع إلى مصر، وقال وهب بن جرير: كَتَبَ لي أبي إلى شعبة، فكنت أجيء إليه، فسأله، وقال أحمد بن منصور الرَّمَاديّ: تذاكرت أنا وابنُ وَارَةَ، أيما أثبتُ، وهب، أو أبو النضر؟ فقال هو: أبو النضر، وقلت أنا: وهب. قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين، وقال الآجري عن أبي داود: قال لي هارون بن عبد الله: مات وهب في المحرم سنة سبع، وفيها أَرّخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا. ٣ - (أَبُوه) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، وقد اختلط، لكنه لَمْ يحدّث بعد اختلاطه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) تقدّم أنه مسجد البصرة. وقوله: (فَمَا نَسِينَا) أشار به إلى تحقُّقه لِمَا حَدَّث به، وقُرْب عهده به، واستمرار ذكره له. وقوله: (وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) فيه إشارةٌ إلى أن الصحابة عُدُولٌ، وأنّ الكذب مأمونٌ مِن قِبَلِهم، ولا سيما على النبيِّ ﷺ . وقوله: (خُرَاجٌ) بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الراء، وزانُ غُرابٍ: بَثْرٌ - أي قُرُوحٌ -، الواحدة خُرَاجة، قاله في "المصباح" (١)، وقال في "القاموس": الْخُرَاجُ كالْغُرَاب: الْقُرُوح. انتهى (٢). وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير شيخه محمد بن أبي بكر، يعني: أنه ذكر نحو متن حديث محمد بن رافع السابق. ورواية وهب بن جرير هذه ساقها الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى في "صحيحه"، فقال:

стр. 1730

(٥٩٨٨) أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا محمد بن المثنى الزَّمِنُ، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا جندب بن عبد الله، في هذا المسجد، فما نَسِينا منه، حَدَّثنا، ولا نَخْشَى أن يكون كَذَبَ على رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَرَجَ برجل خُرَاجٌ، ممن كان قبلكم، فأَخَذَ سِكِّينًا، فَوَجَأَ بها، في رَقَأَ الدم عنه حتى مات، فقال الله ﵎: عبدي بادرني بنفسه، حَرَّمتُ عليه الجَنَّة". انتهى (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٥١ - (بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ) [٣١٦] (١١٤) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَني سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، أَبُو زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّار، فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا ابْنَ الْخَطَّاب، اذْهَبْ، فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ"، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ تقدّم قبل باب. ٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ،

стр. 1731

إلَّا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيفٌ؛ لاضطرابه [٥] (ت قبيل ١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. ٤ - (سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، أَبُو زُمَيْلٍ) - بضمّ الزاي، وتخفيف الميم المفتوحة، مصغّرًا - هو: سماك بن الوليد اليَماميّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن (ت ٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عديّ القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين ﵁ (ت ٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، بصيغة الإفراد، إلَّا في الثاني، فبصيغة الجمع، ومن القاعدة عندهم أن الراوي إنما يقول: "حدثني" إذا سمع من لفظ الشيخ وحده، ويقول: "حدثنا" إذا سمع منه مع غيره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوي، ويُلقب بالحبر، والبحر؛ لسعة علمه ﵁. ٥ - (ومنها): أن عمر ﵁ أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وأول من لُقِّب بأمير المؤمنين، ويُلقّب بالفاروق، وله مناقبُ جمة ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ) "كان" هنا تامّة، بمعنى وقع، و"يوم" مرفوع على الفاعليّة، وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال: ................... … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفَي وقال الحريريّ في "مُلْحَته":

стр. 1732

وَإِنْ تَقُلْ "يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ" … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ ويحتمل أن تكون ناقصةً، و"يومُ" اسمها، وخبرها محذوفٌ، أي واقعًا، والفراد بيوم خيبر غزوته، والله تعالى أعلم. وتقدم قريبًا أن يوم خيبر كان في المحرّم سنة سبع من الهجرة (أَقْبَلَ نَفَرٌ) قال في "القاموس": النَّفَرُ - أي بفتحتين -: الناس كلّهم، وما دون العشرة من الرجال، - كالنَّفِير، جمعه أَنْفَارٌ. انتهى. وقال شارحه: قال أبو العبّاس: النفّرُ، والرهط، والقوم: معناها الجمعٍ، لا واحد لها من لفظها، والنسب إليه نَفَريّ، وقال الزجَّاج: النَّفِيرُ: جمع نفر، كالعبيد. انتهى. (مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ) "الصحابة" - بفتح الصاد المهملة -: جمع صاحب، بمعنى صحابيّ، وهؤلاء النفر لَمْ يُسمّوا، كما قاله صاحب "التنبيه" (١). (فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ) قال الفيّومي: "فلانٌ، وفلانة" بغير ألف ولام كناية عن الأَناسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال: ركِبتُ الفلان، وحَلَبتُ الفلانة، أفاده الفيّومي (٢). (فُلَانٌ شَهِيدٌ) أي لرجل آخر، فهو عطف بعاطف مقدَّر، ولم يُسمّ الفلانان، كما قاله صاحب "التنبيه" (حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ) أي حتى جاؤوا في عدّهم أسماء الشهداء، على اسم رجل ممن قُتل في تلكَ المعركة، قال القرطبيّ: هذا الرجل هو المسمّى بمِدْعم، وكان عبدًا للنبيِّ ﷺ ، يعني: الآتي في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعده، وقال صاحب "تنبيه المعلم": لا أعرفه. قال الجامع عفا الله تعالى: قول القرطبيّ بعيد، فإن قصّة مِدْعَم غير هذه القصّة، كما سيأتي بيانها في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، فلا ينبغي تفسير المبهم هنا به، ويمكن أن يُفسَّر بكِرْكِرة (٣)، كما سيأتي تحقيقه هناك، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (كَلَّا) حرف رَدْع وزجر، وردّ لقوله في هذا الرجل: إنه شهيدٌ، محكوم له بالجنّة أوّلَ وَهْلَة، والمعنى: أي

стр. 1733

انزجروا عن ذكر هذا الرجل في جملة الشهداء؛ لأنه ليس منهم، فقوله: (إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ) جملة تعليليّة لقول: "كلا" (فِي بُرْدَةٍ) أي بسببها، فـ "في" بمعنى الباء السببيّة، كما في الحديث الآخر: "عُذِّبت امرأة النار في هرّة حبستها … "، الحديث، متّفقٌ عليه. و"البُرْدة" - بضم الموحّدة، وسكون الراء -: قال ابن الأثير: هي الشَّمْلَة الْمُخَطَّطة، وقيل: كساءٌ أسود مُربَّعٌ، فيه صُوَرٌ، تَلبسه الأعراب، وجمعها بُرَدٌ - بضمّ، ففتح. انتهى (١). وقوله: (غَلَّهَا) بفتح الغين المعجمة، وتشديد اللام، جملة في محلّ جرّ صفة لـ "بُرْدة"، قال ابن الأثير: "الْغُلُول: الخِيَانة في المغنم، والسَّرِقةُ من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غَلَّ في الْمَغنم يَغُلُّ غُلُولًا، فهو غالّ، وكلُّ من خان في شيء خُفْيَةً فقد غَلَّ، وسُمّيت غُلُولًا؛ لأن الأيدي فيها مَغْلُولة: أي مجعولٌ فيها غُلٌّ، وهو الحديدة التي تَجمَعُ يد الأسير إلى عُنُقه، ويقال لها جامعةٌ أيضًا. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: غَلَّ غُلُولًا، من باب قَعَدَ، وأغلّ بالألف: خان في المغنم، وغيره، قال ابن السِّكِّيت: لَمْ نَسمَع في المغنم إلَّا غَلَّ ثلاثيًّا، وهو متعدٍّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنْطَقْ به. انتهى (٣). وقال ابن قتيبة وغيره: الْغُلُول من الْغَلَل، وهو الماء الجاري بين الأشجار، فكأن الغالّ سُمّي بذلك؛ لأنه يُدخل الغلول على أثناء راحلته. انتهى (٤). (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَبَاءَةٍ") أي أو قال بدل قوله: "في بُرْدة غلّها": "في عَبَاءة غلّها"، و"الْعَبَاءة" بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحدة، والمدّ: واحدة الْعَبَاء، ضربٌ من الأكسية، ويقال لها: عباية بالياء أيضًا، قاله ابن الأثير (٥).

стр. 1734

قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا حجة في هذا الحديث للمكفِّرة بالذنوب؛ لأنا نقول: إن طائفةً من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم، ثم يُخرجون منها بتوحيدهم، أو بالشفاعة لهم، كما سيأتي في الأحاديث الصحيحة، ويجوز أن يكون هذا الغالّ منهم، والله تعالى أعلم (١). (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا ابْنَ الْخَطَّاب، اذْهَبْ، فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ) يحتمل أن يكون بفتح الهمزة، وكسرها، كما مرّ نظيره قريبًا، فالفتح يكون بتقدير حرف جرّ: أي بأنه، والكسر يكون حكاية لفظ النداء، أي ناد بهذا اللفظ (لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي دخولًا أوّليًّا؛ توفيقًا بينه وبين النصوص التي تدلّ على أن الموحّدين يدخلون الجنّة، وإن ارتكبوا كبائر (إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ) الاستثناء مفرّغ، ولذا يرفع "المؤمنون" على أنه فاعل بـ "يدخُلُ" (قَالَ) عمر ﵁ (فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمخاطب؛ تنبيهًا له، وإزالة لغفلته، وقد مرّ قريبًا نظيرها "أما" (إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ). [تنبيه]: قال الإمام الحافظ أبو عوانة رحمه الله تعالى في "مسنده المستخرج على صحيح مسلم" (١/ ٤٨) بعد أن أخرج هذا الحديث، ما نصّه: قال أبو عوانة: قد صَحَّ في حديث أبي هريرة أن النبيّ ﷺ أمر بلالًا أن ينادي: أنه "لا يدخل الجَنَّة إلَّا نفس مسلمة"، وأمر عمر أن ينادي: "لا يدخل الجَنَّة إلَّا المؤمنون"، وقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقد وَصَف الله صفة المؤمنين في أول "سورة الأنفال"، وفي "سورة المؤمنين"، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]- إلى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ١ - ٣]، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] [المؤمنون: ١ - ١١]. قال أبو عوانة: وسألت المزني في أول ما وقع الخبر إلينا بمصر أن

стр. 1735

بِحَرّانَ اخْتِلَافٌ (١) بين أهل الحديث في هذه المسألة، فسألته عن الإيمان والإسلام، فقال لي: هما والله واحد، كان بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه فَرَّق بينهما، وزعم أن حماد بن زيد فرَّق بينهما، ثم حدثنا به صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه بذلك، فقال لي المزنيّ: هما واحد، فاحتججت عليه بحديث النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وبقول الزهري في ذلك، والأحاديث التي جاءت في أن جبريل جاء إلى النبيّ ﷺ "، فسأله عن الإيمان، وسأله عن الإسلام، في أحاديث أُخَر، فرأيته لا يرجع عن قوله، وقلت له: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، قال: هذه استسلمنا، فقال لي فيما قال: قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال لي: ويحك أَفَدِين أعلاها عند الله؟ قال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وكذلك كان إسماعيل القاضي يقول: إنهما واحد. انتهى كلام أبي عوانة رحمه الله تعالى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد استوفيت هذا البحث في هذا الشرح في أوائل "كتاب الإيمان" بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وإنما ذكرت كلام أبي عوانة رحمه الله تعالى؛ لأني وجدته في هذا المحلّ، فرأيت نقله؛ محافظةً على نصّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥١/ ٣١٦] (١١٤)، و (الترمذيّ) في "السير" (١٥٧٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٤/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، و (أحمد) في

стр. 1736

"مسنده" (١/ ٣٠ و ٤٧)، و (الدارميّ) في "مسنده" (٢٤٩٢)، و (يعقوب بن شيبة) في "مسند عمر" (ص ٥٣ - ٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٤٨٩ و ٤٨٥٧)، و (البزار) في "مسنده" (١٩٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٠١) و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان غلظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في ذكره هنا في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان ظاهره أنَّها رؤية عيان ومشاهدة، لا رؤية منام، فهو حجة لأهل السنّة على قولهم: إن الجنّة والنار قد خُلقتا، ووُجدتا. ٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن بعض من يُعذّب في النار يدخلها، ويُعذّب فيها قبل يوم القيامة، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). ٤ - (ومنها): أن من غلّ من الغنيمة لا يكون شهيدًا؛ لزجره ﷺ عن تسميته به في قوله: "كلّا"، لكن قال العلماء: حكمه في الدنيا حكم الشهداء، فلا يُغسل، ولا يُصلّى عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٧] (١١٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْث، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيز، يَعْني ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا، وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ، وَالطَّعَامَ، وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامَ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زيدٍ، مِنْ بَنِي الضُّبَيْب، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي، قَامَ عَبْدُ

стр. 1737

رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، يَا رَسُولَ الله، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إِنَّ الشَّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ"، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ شِرَاكَيْن، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ"). رجال هذا الإسناد: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د، س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٧٨. ٤ - (ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدُّؤَلِيُّ) بضمّ الدال، وفتح الهمزة المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٩. ٥ - (سَالِمٌ أَبُو الْغَيْث، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ) المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) ٤٠/ ٢٦٩. ٦ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيَد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني، فهو أعلى بدرجة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، وأبي الطاهر، وابن وهب، فمصريّان.

стр. 1738

٤ - (ومنها): أن فيه كتابةَ (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه قوله: "وَهَذَا حَدِيثُهُ" يعني: أن المتن الذي ساقه هو متن شيخه قتيبة، وأما شيخه أبو الطاهر، فرواه بمعناه. ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ" وهو من زيادات المصنّف، زاده لأجل أن شيخه لَمْ ينسُبه، بل قال: "حدّثنا عبد العزيز"، فأهمله، فأراد المصنّف أن يزيل هذا الإهمال، فنسبه إلى أبيه، وزاد كلمة "يعني" فصلًا بين ما نقله عن شيخه، وبين ما زاده هو، وقد تقدّم نظير هذا غير مرّة، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ ثَوْرِ) باسم الحيوان المعروف، وفي رواية للبخاريّ: "قال: حدّثني ثور" (بْنِ زَيْدٍ الدُّؤَلِيِّ) هكذا في بعض النسخ، وفي أكثرها: "الديليّ" بكسر الدال، وإسكان الياء، قال النوويّ: هكذا في أكثر الأصول الموجودة ببلادنا، وفي بعضها: "الدُّؤَلِيّ" بضمّ الدال، وبالهمزة بعدها التي تُكتب صورتها واوًا، وذكر القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى أنه ضبطه هنا عن أبي بحر "دُؤَلِيّ" بضمّ الدال، وبواو ساكنة، قال: وضبطناه عن غيره بكسر الدال، وإسكان الياء، قال: وكذا ذكره مالك في "الموطّأ"، والبخاريّ في "التاريخ"، وغيرهما. قال النوويّ: وذكر أبو عليّ الغسّانيّ، أن ثورًا هذا من رهط أبي الأسود، فعلى هذا يكون فيه الخلاف الذي قدّمناه قريبًا في أبي الأسود. انتهى (١). (عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ) بالغين المعجمة، وفي رواية للبخاريّ: "قال: حدّثني سالم". وقال النوويّ: فيه التصريح بأن أبا الغيث هذا يسمّى سالمًا، وأما قول أبي عمر بن عبد البرّ في أول "التمهيد": لا يوقف على اسمه صحيحًا، فليس بمعارض لهذا الإثبات الصحيح. انتهى (٢).

стр. 1739

قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ بهذا الردّ على أبي عمر في نفيه اسم أبي الغيث؛ لأنه ثبت في هذا السند الصحيح تسميته، وكذلك ثبت تسميته في "صحيح البخاريّ"، قال في "الفتح": وسالم مولى ابن مطيع يُكنى أبا الغيث، وهو بها أشهر، وقد سُمِّيَ هنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف على اسمه صحيحًا، وهو مدنيّ، لا يُعْرَف اسم أبيه. انتهى (١). والحاصل أن نفي أبي عمر بن عبد البرّ غير مقبول؛ لأنه ثبت تسميته في "الصحيحين"، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ) أي هو مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفي رواية البخاريّ: "أنه سمع أبا هريرة" (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ) ولفظ البخاريّ: "افتتحنا خيبر"، وكذا وقع عند البخاريّ في رواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بلفظ: "خرجنا مع النبيِّ ﷺ إلى خيبر"، وهي رواية رُواة "الموطأ"، فَحَكَى الدارقطنيّ، عن موسى بن هارون، أنه قال: وَهِمَ ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة لَمْ يخرج مع النبيِّ ﷺ إلى خيبر، وإنما قَدِمَ بعد خروجهم، وقَدِمَ عليهم خيبر بعد أن افتُتِحَت، قال أبو مسعود: ويؤيده حديث عَنْبَسة بن سعيد، عن أبي هريرة، قال: أتيتُ النبيّ ﷺ بخيبر بعدَما افتتحوها، قال: ولكن لا يَشُكُّ أحدٌ أن أبا هريرة حضر قسمة الغنائم، فالغرض من الحديث قِصّةُ مِدْعَم في غلول الشَّمْلَة. قال الحافظ: وكأنّ محمد بن إسحاق صاحب "المغازي" استَشْعَر بوَهَم ثور بن زيد في هذه اللفظة - يعني: خرجنا مع النبيّ ﷺ فرَوَى الحديث عنه بدونها، أخرجه ابن حبان، والحاكم، وابنُ منده، من طريقه بلفظ: "انصَرَفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى".

стр. 1740

قال: ورواية أبي إسحاق الفزاري التي أخرجها البخاريّ تسلم من هذا الاعتراض: أي بلفظ: "افتتحنا خيبر"، بأن يحمل قوله: "افْتَتَحنا": أي المسلمون، وقد تقدم نظير ذلك. ورَوَى البيهقي في "الدلائل" من وجه آخر عن أبي هريرة قال: "خَرَجنا مع النبيّ ﷺ من خيبر إلى وادي القرى"، فلعل هذا أصل الحديث. قال: وحديث قُدوم أبي هريرة المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر أخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، من طريق خُثَيم بن عِرَاك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: "قَدِمتُ المدينة، والنبيّ ﷺ بخيبر، وقد استَخْلَف سِبَاع بن عُرْفُطَة … "، فذَكَر الحديث، وفيه: "فَزَوَّدُونا شيئًا، حتى أتينا خيبر، وقد افتتحها النبيّ ﷺ ، فكَلَّمَ المسلمين، فأشركونا في سهامهم". ويُجمَع بين هذا وبين الحصر الذي في حديث أبي موسى الذي قبله (١)، أن أبا موسى أراد أنه لَمْ يُسْهِم لأحد، لَمْ يَشهَد الوقعة استرضاء من غير استرضاء أحد من الغانمين، إلَّا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة وأصحابه فلم يعطهم إلَّا عن طيب خواطر المسلمين. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جمع الحافظ بما سمعت، وعندي في هذا الجمع نظر؛ لأنه وقع عند البيهقيّ أن النبيّ ﷺ قبل أن يُقسم لهم كَلَّم المسلمين، فأشركوهم، فلا فرق بينهم وبين قصّة أبي هريرة في الاسترضاء (٢)، فالأولى في الجمع أن يُحمل نفي أبي موسى على أنه لَمْ يعلم بقضيّة أبي هريرة، أو نسيها، فحدّث بالنفي، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في رواية عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي، عن أبيه، في

стр. 1741

"الموطأ" في هذا الحديث "حنين" بدل "خيبر"، وخالفه محمد بن وَضّاح، عن يحيى بن يحيى، فقال: "خيبر"، مثل الجماعة، وهو الصواب، كما نبَّهَ عليه ابن عبد البر، والله تعالى أعلم. (فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْنَمْ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: غَنِمْتُ الشيءَ أَغْنَمُهُ، من باب تَعِبَ غُنْمًا بالضمّ ومَغْنَمًا، قال أبو عُبيد: "الْغَنِيمةُ": ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً والحرب قائمة، و"الفيءُ": ما نِيلَ منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها. انتهى (١). وقوله: (ذَهَبًا) منصوب على المفعوليّة (وَلَا وَرِقًا) بفتح الواو، وكسر الراء، وتُسكّن للتخفيف: الفضّة المضروبة، ومنهم من يقول: هي الفضّة مضروبةً كانت أو غير مضروبة، قال الفارابيّ: الْوَرِقُ: المال من الدراهم، ويُجمع على أوراق، والرِّقَةُ، مثلُ عِدَةٍ: الوَرِقُ. انتهى. وفي رواية البخاريّ: "ولم نَغْنَمْ ذهبًا، ولا فضّةً". (غَنِمْنَا الْمَتَاعَ، وَالطَّعَامَ، وَالثِّيَابَ) وفي رواية البخاريّ: "إنما غَنِمنا البقر، والإبل، والمتاع، والحوائط"، وعند رُوَاة "الموطأ": "إلا الأموال، والثياب، والمتاع"، وعند يحيى الليثيّ وحده: "إلا الأموال، والثياب". قال الحافظ: والأول هو المحفوظ، ومقتضاه أن الثياب والمتاع لا تُسَمَّى مالًا، وقد نَقَلَ ثعلب، عن ابن الأعرابيّ، عن الْمُفَضَّل الضبيّ قال: المالُ عند العرب الصامت والناطق، فالصامت الذهب والفضة والجوهر، والناطق البعير والبقرة والشاة، فإذا قُلتَ عن حَضَريّ: كَثُرَ ماله، فالمراد الصامت، وإذا قُلتَ عن بَدَويّ، فالمراد الناطق. انتهى. وقد أطلق أبو قتادة ﵁ على البستان مالًا، فقال في قصة السَّلَب الذي تَنَازع فيه هو والقُرَشيّ في غزوة حُنين: "فابتعتُ به مِخْرَفًا، فإنه لأول مال تأثلته"، فالذي يظهر أن المال ما له قيمة، لكن قد يَغْلِب على قوم تخصيصه بشيء، كما حكاه الْمُفَضَّلُ، فتحمل الأموال على المواشي والحوائط، التي ذكرت في رواية الباب، ولا يراد بها النقود؛ لأنه نفاها أوّلًا. انتهى (٢).

стр. 1742

(ثُمَّ انْطَلَقْنَا) أي ذهبنا (إِلَى الْوَادِي) وفي رواية البخاريّ: "إلى وادي القرى"، قال الفيّوميّ: وادي الْقُرى: موضع قريبٌ من المدينة على طريق الحاجّ من جهة الشام. انتهى (١). (وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ) زاد في رواية البخاريّ: "يقال له: مِدْعَم"، وفي رواية "الموطّأ": "فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غُلامًا أسود، يقال له: مِدْعَم". انتهى. وهو بكسر الميم، وسكون الدال المهملة، وفتح العين المهملة، قاله في "الفتح". وقال النوويّ في "شرحه": قوله: "ومع النبيّ ﷺ عبد له"، فاسمه مِدْعَم، كذا جاء مُصَرَّحًا به في "الموطأ" في هذا الحديث بعينه. قال الجامع: بل جاء في "صحيح البخاريّ" في نفس الحديث، كما أسلفته آنفًا. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقيل: إنه غير مِدْعَم، قال: ووَرَدَ في حديثٍ مثلِ هذا اسمه كِرْكِرَة، ذكره البخاري. انتهى كلام القاضي، وكِركِرَة بفتح الأولى، وكسرها، وأما الثانية فمكسورة فيهما، قاله النوويّ (٢). قال الجامع: حديث البخاريّ الذي أشار له عياض هو ما أخرجه من طريق سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان على ثَقَلِ النبيّ ﷺ رجل يقال له: كِرْكِرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "هو في النار"، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عَبَاءةً قد غَلَّها. قال في "الفتح": وكلام عياض يُشعر بأن قصّته مع قصّة مِدْعَم مُتَّحِدَةٌ، والذي يظهر من عدّة أوجه تغايرهما، نعم، عند مسلم من حديث عمر ﵁: ولَمّا كان يومُ خيبر قالوا: فلانٌ شهيدٌ، فقال النبيّ ﷺ : "كلا إني رأيته في النار في بُرْدة غَلّها، أو عباءة"، فهذا يُمكن تفسيره بكركرة، بخلاف قصّة مِدْعَم،

стр. 1743

فإنها كانت بوادي القرى، ومات بسهم عائر، وغَلَّ شَمْلَةً، والذي أهدى للنبيّ ﷺ كركرة هَوْذَةُ بن عليّ، بخلاف مِدْعم، فأهداه رفاعة، فافترقا. انتهى كلام الحافظ، وهو بحثٌ نفيس. وذكر البيهقي في روايته أنه ﷺ حاصر أهل وادي القرى، حتى فتحها، وبَلَغَ ذلك أهل تَيْمَاء، فصالحوه (١). (وَهَبَهُ لَهُ) وفي رواية البخاريّ: "أهداه له" (رَجُلٌ مِنْ جُذَامَ) بضمّ الجيم، وفتح الذال المعجمة، آخره ميم: أبو قبيلة من اليمن، قال السمعانيّ: جُذام، ولَخْمٌ قبيلتان من اليمن، نزلتا الشام، و"جُذَام" هو: الصدف بن شوّال بن عمرو بن دعمي بن زيد بن حضرموت، ويقال: إنه الصدف بن أسلم بن زيد بن مالك بن زيد بن حضرموت الأكبر. انتهى (٢). (يُدْعَى) بالبناء للمفعول: أي يُسمَّى ذلك الرجل الْجُذَاميّ (رِفَاعَةَ) بكسر الراء، وتخفيف الفاء (بْنَ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ) بضم الضاد المعجمة، وبعدها باء موحّدة مفتوحة، ثم ياء مثناة من تحتُ ساكنة، ثم باء موحّدة مصغّرًا، هكذا وقع عند المصنّف، ووقع عند البخاريّ: "أحد بني الضِّبَاب"، قال في "الفتح": كذا في رواية أبي إسحاق، بكسر الضاد المعجمة، وموحدتين، الأولى خفيفة، بينهما ألف، بلفظ جمع الضَّبّ، وفي رواية أبي إسحاق: "رِفَاعة بن زيد الْجُذَاميّ، ثم الضُّبَنِيُّ، بضم المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها نون، وقيل: بفتح المعجمة، وكسر الموحّدة: نسبة إلى بطن من جُذَام، قال الواقديّ: كان رِفَاعة قد وَفَدَ على رسول الله ﷺ في ناس من قومه، قبل خروجه إلى خيبر، فأسلموا، وعَقَدَ له على قومه. انتهى (٣). (فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي) أي وادي القرى (قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) تقدّم أن اسمه مِدْعَم (يَحُلُّ) بضمّ الحاء، من باب نصر (رَحْلَهُ) بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة: هو مَرْكَب الرجُل على البعير، قاله النوويّ.

стр. 1744

وقال الفيّوميّ: "الرَّحْلُ": كلُّ شيء يُعَدُّ للرَّحِيل، من وِعَاء للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه: أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، مثلُ أَفلُسٍ وسِهَامٍ. انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: "فبينما هو يَحُطُّ رَحْلَ رسول الله ﷺ "، وزاد في رواية البيهقيّ: "وقد استَقْبَلتنا يهودُ بالرَّمي، ولم نَكُن على تَعْبِيَةٍ". (فَرُمِيَ بِسَهْمٍ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "إذ جاء سهمٌ عائرٌ حتى أصاب ذلك العبد"، و"العائر" بعين مهملة، بوزن فاعل: أي لا يُدْرَى مَن رَمَى به، وقيل: هو الحائد عن قصده، قاله في "الفتح". (فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون التاء، بعدها فاء: أي موته، وجمعه: حُتُوفٌ، قال حَنَشُ بن مالك [من المتقارب]: فَنَفْسَكَ أَحْرِزْ فَإِنَّ الْحُتُو … فَ يَنْبَأْنَ فِي كُلِّ وَادِ قاله في "اللسان" (٢)، وقولهم: مات حتف أنفه، هو أن يموت على فراشه، كأنه سقط لأنفه فمات، والْحَتْفُ: الهلاكُ، كانوا يتخيّلون أن روح المريض تخرُج من أنفه، فإن جُرِح خرجت من جِرَاحته، أفاده ابن الأثير (٣). وقال الفيّوميّ: "الْحَتْف": الهلاك، قال ابن فارس، وتبعه الجوهريّ: ولا يُبنَى منه فعلٌ، يقال: مات حَتْفَ أنفه: إذا مات من غير ضرب، ولا قتل، وزاد الصغانيّ: ولا غَرَق، ولا حَرَقٍ، وقال الأزهريّ: لم أسمع للْحَتْف فِعلًا، وحكاه ابن الْقُوطيّة، فقال: حَتَفَهُ الله يَحْتِفه حَتْفًا: أي من باب ضَرَبَ: إذا أماته، ونَقْلُ العدل مقبولٌ، ومعناه: أن يموت على فراشه، فيَتَنَفَّسَ حتى يَقْضِيَ رَمَقَهُ، ولهذا خُصّ الأنف، ومنه يقال للسمك يموت في الماء، ويَطْفُو: مات حَتْفَ أنفه، وهذه الكلمة تكلّم بها أهل الجاهليّة، قال السَّمَوْأَلُ: وَمَا مَاتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ (٤) (فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ) برفع "شهادة" على الفاعليّة لـ "هنيئًا": أي لِتَهْنِئْهُ الشهادةُ: أي لتسرّه، يقال: هَنَأَني الولدُ يهنؤني مهموزًا،

стр. 1745

من بابي نفع وضرب: أي سَرّني، وهَنُؤَ الشيء بالضمّ مع الهمز هَنَاءةً بالفتح والمدّ: إذا تيسّر من غير مشقّة، ولا عناء، أفاده الفيّوميّ (١). وقال ابن منظور: التَّهْنِئَةُ: خلاف التعزية، يقال: هَنَأَهُ بالأمر، والولاية هَنْأً، وهَنَّأَهُ تَهْنِئَةً، وتَهْنيئًا: إذا قال له: لِيَهْنِئْكَ، والعرب تقول: لِيَهْنِئْكَ الفارسُ بجزم الهمزة، ولِيَهْنيكَ الفارسُ بياء ساكنةٍ، ولا يجوز لِيَهْنِك كما تقول العامّة، قال: قال سيبويه: قالوا: هَنِيئًا مَرِيئًا، وهي من الصفات التي أُجريت مُجْرَى المصادر الْمَدْعُوّ بها في نصبها على الفعل غير المستعمَلِ إظهاره، واختزاله؛ لدلالته عليه، وانتصابه على فعل من غير لفظه، كأنه ثَبَتَ له ما ذُكِرَ له هَنِيئًا، وأنشد الأخطل: إِلَى إِمَامٍ تُغَادِينَا فَوَاضِلُهُ … أَظْفَرَهُ اللهُ فَلْيَهْنِئْ لَهُ الظَّفَرُ انتهى كلام ابن منظور باختصار (٢). (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَلَّا) أي ارتدعوا، وانزجروا عما تقولونه من إثبات الشهادة لهذا العبد (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، ومشروعيّة القسم به (إِنَّ الشَّمْلَةَ) بفتح، فسكون: كساء يُتَغَطَّى، ويُتَلَفَّفُ فيه، قاله ابن الأثير (٣). وقال ابن عبد البرّ: وأما الشَّمْلة فكساء مُخَمَّلٌ، وقال الخليل: اشتمل بالثوب أداره على جسده، قال: والاسم الشَّمْلَة، قال: والشَّمْلة: كساءٌ ذو خَمْلٍ، وقال الأخفش: الشَّمْلة: إزار من الصوف. انتهى (٤). وقال الفيّوميّ: "الشَّمْلَةُ": كساء صغير يُؤتَزَرُ به، والجمع شَمَلَات، مثلُ سَجْدَةٍ وسَجَدَاتٍ، وشِمَالٌ أَيضًا، مثلُ كَلْبَةٍ وكِلابٍ. انتهى (٥). (لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا) وفي رواية البخاريّ: "لتشتعل عليه نارًا"، وهو بمعناه، قال في "الفتح": يَحْتَمِلُ أن يكون ذلك حقيقةً بأن تَصِير الشَّمْلة نفسُها نارًا، فيُعَذَّب بها، ويحتمل أن يكون المراد أنها سببٌ لعذاب النار، وكذا

стр. 1746

القول في الشراك الآتي ذكره. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأرجح؛ لظاهر النصّ، ومما ينبغي أن يُعلم، وإن كان كثير من الناس يغفُل عنه أنّ ظاهر النصّ لا يُعدل عنه إلا لدليل ناقل، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (أَخَذَهَا) أي تلك الشَّمْلة، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدَّر، وتقديره هنا: ما سبب التهابها عليه؟، فأجاب بأنه أخذها (مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم وقعة خيبر، وقوله: (لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ") جملة في محلّ نصب على الحال، من المفعول، و"المقاسم" بالفتح: جمع مَقْسَم بفتح، فسكون: بمعنى النصيب، قال في "القاموس": الْقِسْمُ بالكسر، وكمِنْبَر، ومَقْعَدٍ: النصيب، كالأُقْسُومة. انتهى (٢). والمراد أنه أخذها دون أن يقع عليها نصيبه عند قسمة الغنائم. (قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ: أي خاف الناس من أن يلحقهم ما لحِقَ هذا العبدَ بسبب الشّملة (فَجَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (بِشِرَاكٍ) بكسر المعجمة، وتخفيف الراء: سَيْرُ النَّعْل على ظهر القَدَم (أَوْ) الظاهر أنها للشكّ من الراوي (شِرَاكَيْن، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ) قال النوويّ: كذا في الأصول، وهو صحيح، وفيه حذف المفعول: أي أصبت هذا. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ) خبر لمحذوف: أي هذا شراك من نار، وقد مرّ آنفًا أن حمله على ظاهره هو الظاهر (أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ") قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه تنبيهٌ على المعاقبة عليهما، وقد تكون المعاقبة بهما أنفسهما، فيُعَذَّب بهما، وهما من نار، وقد يكون ذلك على أنهما سبب لعذاب النار. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق قريبًا ترجيح الاحتمال الأول، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1747

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥١/ ٣١٧] (١١٥)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٢٣٤)، و"الأيمان والنذور" (٦٠٧٧)، و (أبو داود) في "الجهاد" (٢٧١١)، و (النسائيّ) في "الأيمان والنذور" (٣٨٥٤)، و"الكبرى" (٤٧٦٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٨٥١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨)، و (أبو نعيم) (٣٠٤ و ٣٠٥)، و (البيهقيّ) (٩/ ١٠٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨٢٨)، وفي "التفسير" (١/ ٣٦٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده هنا. ٢ - (ومنها): أن الغلول محرّم كلّه، لا فرق بين قليله وكثيره، حتى الشراك. ٣ - (ومنها): أن الغلول يَمنع من إطلاق اسم الشهادة على مَن غَلّ إذا قُتل في المعركة. ٤ - (ومنها): أنه لا يدخل الجنة أحدٌ ممن مات على الكفر، وهذا بإجماع المسلمين. ٥ - (ومنها): جواز الْحَلِف بالله تعالى من غير ضرورة؛ لقوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده". ٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أيضًا دليل على أنّ الغالّ لا يجب حَرْقُ متاعه؛ لأن رسول الله ﷺ لم يُحَرِّق رَحْل الذي أَخَذَ الشَّملة ولا متاعه، ولا أحرق متاع صاحب الْخَرَزات، ولو كان حَرْقُ متاعه واجبًا لفعله ﷺ حينئذ، ولو فعله لنُقِل ذلك في الحديث، وقد رُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "مَن غَلّ فأحرقوا متاعه، واضربوه"، رواه أسد بن موسى وغيره، عن الدَّرَاوردي عن صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم، عن ابن عمر، وقال بَعضُ رواة هذا الحديث فيه: "فاضربوا عنقه،

стр. 1748

وأحرقوا متاعه"، وهو حديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف، لا يُحتجُّ به. انتهى كلام ابن عبد البرّ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف العلماء في عقوبة الغالّ في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): حلّ الغنائم، وهو من خصوصيّات النبيّ ﷺ ، فلم تحلّ لأحد من الأنبياء قبله، فقد أخرج الشيخان من حديث جابر ﵁ مرفوعًا: قال: "أُعطِيت خمسًا لم يُعطَهُنّ أحدٌ قبلي"، وفيه: "وأُحِلَّت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي … " الحديث. ٨ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، ومعجزة ظاهرة للنبيّ ﷺ حيث أطلعه الله تعالى على المغيّبات من أحوال الموتى، فيرى المعذّبين، ونوع عذابهم، وسَببَه. ٩ - (ومنها): بيان حرص النبيّ ﷺ على تحذير أمته من الوقوع في أسباب العذاب، فقد أخبر في هذا الحديث أصحابه ﵃ بما لهذا العبد من العذاب، وبطلان الشهادة بسبب غلوله، تحذيرًا لهم، ولأمته جميعًا عن التعرض لمثله، فهو من مِصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن بعض العرب، وهي دَوْسٌ لا تُسَمِّي العين مالًا، وإنما الأموال عندهم الثياب، والمتاع، والعروض، وعند غيرهم المال الصامت من الذهب والورق، وذكر ابن الأنباريّ عن أحمد بن يحيى النحوي قال: ما قَصَرَ عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق والماشية، فليس بمال، وأنشد [من البسيط]: وَاللهِ مَا بَلَغَتْ بِي قَطُّ مَاشِيَةٌ … حَدَّ الزَّكَاةِ وَلَا إِبْلٌ وَلَا مَالُ قال: وأنشد أحمد بن يحيى أيضًا [من الوافر]: مَلْأتُ يَدِي مِنَ الدُّنْيَا مِرَارًا … فَمَا طَمِعَ الْعَوَاذِلُ فِي اقْتِصَادِي وَلَا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاةُ مَالِ … وَهَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى جَوَادِ وهذان البيتان أنشدهما الزبير بن بَكّار، عن محمد بن عيسى لِفُليح بن إسماعيل.

стр. 1749

قال أبو عمر: المعروف من كلام العرب أن كُلَّ ما تُمُوِّل وتُمُلِّك فهو مال، ألا ترى إلى قول أبي قتادة السَّلَمِيّ ﵁: "فابتعت - يعني: بسلب القتيل الذي قتله يوم حنين - مَخْرَفًا في بني سَلِمَة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام"؟، وقال الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأجمعوا أن العين مما تُؤخذ منه الصدقة، وأن الثياب والمتاع لا يؤخذ منها الصدقة، إلا في قول مَن رَأَى زكاة العُرُوض للمدير التاجر، نَضَّ (١) له في عامه شيء من العين، أو لم يَنُضّ، وقال ﷺ : "يقول ابن آدم: مالي مالي، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى، أو تصدق فأمضى، أو لبس فأبلى"، وهذا أبين من أن يحتاج فيه إلى استشهاد، فمن حَلَفَ بصدقة ماله، فذلك على كل نوع من ماله، سواء كان مما تجب فيه الزكاة، أو لم يكن إلا أن ينوي شيئًا بعينه، فيكون على ما نوى، ولا معنى لقول من قال: إن ذلك على أموال الزكوات؛ لأن العلم محيط، واللسان شاهد في أن ما تُمُلِّك وتُمُوِّل يسمى مالًا. ١٠ - (ومنها): جواز قبول الإمام الهدية، فإن كانت لأمر يختص به في نفسه أَنْ لَوْ كان غير والٍ، فله التصرف فيها بما أراد، وإلا فلا يتصرف فيها إلا للمسلمين، وعلى هذا التفصيل يُحْمَل حديث: "هدايا الأُمراء غُلُولٌ"، فيخص بمن أَخذها، فاستبدّ بها، وخالف في ذلك بعض الحنفية، فقال: له الاستبداد مطلقًا، بدليل أنه لو ردَّها على مُهديها لجاز، فلو كانت فيئًا للمسلمين، لَمَا رَدّها، وفي هذا الاحتجاج نظرٌ لا يخفى، قاله في "الفتح" (٢)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله تعالى: أن في الحديث إباحةَ قبول الهدية للخليفة إلا أن ذلك لا يجوز لغير النبي ﷺ إذا كان منه قبولها على جهة الاستبداد بها، دون رعيته، أخرج

стр. 1750

البخاريّ في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ، يقبل الهدية، ويثيب عليها" (١). قال أبو عمر: قبول رسول الله ﷺ الهدايا أشهر، وأعرف، وأكثر من أن تحصى الآثار في ذلك، لكنه كان ﷺ مخصوصًا بما أفاء الله عليه من غير قتال، من أموال الكفار أن يكون له خاصة، دون سائر الناس، ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه؛ لأن ذلك لا يكون له خاصة دون المسلمين بإجماع؛ لأنه فيء، وفي حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبيّة ما يدل على أن العامل لا يجوز له أن يستأثر بهدية، أُهديت إليه بسبب ولايته؛ لأنها للمسلمين. ثم أخرج بسنده حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد، يقال له: ابن الأُتْبية على الصدقة، فلَمّا قَدِمَ قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، قال: "فهلا جَلَس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر يُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغَاء، أو بقرة لها خُوَار، أو شاة تَيْعَر"، ثم رَفَع بيده (٢) حتى رأينا عُفْرة إبطيه: "اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت"؟ ثلاثًا، متّفقٌ عليه. قال أبو عمر: وفي قوله في هذا الحديث: "إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه" دليلٌ على أنه غُلولٌ، حرامٌ نارٌ، قال الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقال النبيّ ﷺ : "هدايا الأُمراء غُلول"، ومن ذلك قوله ﷺ في حديث ثور بن زيد هذا: "إن الشَّمْلة التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا"، فكُلُّ مَن غَلّ شيئًا في سبيل الله، أو خان شيئًا من مال الله، جاء به يوم القيامة إن شاء الله، والغلول من حقوق الآدميين، ولا بُدّ فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة.

стр. 1751

قال: ورَوَى وكيع وغيره، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كان رسول الله ﷺ قد استَعمَل معاذ بن جبل على اليمن، فلما استُخلِف أبو بكر بَعَثَ عمر على الموسم في تلك السنة، وقَدِم معاذ من اليمن برقيق، فلقي عمر بعرفة، فقال له عمر: ما هؤلاء؟، قال: هؤلاء لأبي بكر، وهؤلاء لي، فقال له عمر: أرى أن تأتي بهم إلى أبي بكر، فتدفعهم إليه فإن سلمهم لك، وإلا فهو أحق بهم، فقال: وما لي أدفع رقيقي إلى أبي بكر؟، لا أعطيه هديتي، فانصرف بهم إلى منزله، فلما كان من الغد جاء إلى عمر، فقال: يا ابن الخطاب، لقد رأيتني الليلةَ أُشرِف على نار، قد أُوقدت، فأكاد أتَقَحَّمها، وأَهْوِي فيها، وأنت آخذ بِحُجْزَتي، ولا أراني إلا مطيعك، قال: فذهب إلى أبي بكر، فقال: هؤلاء لك، وهؤلاء أُهدوا لي، قال: فإنّا قد سلّمنا لك هديتك، فرجع معاذ إلى منزله، فصلى، فإذا هم خلفه يصلون، قال: ما بالكم؟ قالوا: نصلي، قال: لمن؟ قالوا: لله، قال: فاذهبوا فأنتم لله، فأعتقهم. وذكر يعقوب بن شيبة قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن ابن لكعب بن مالك، قال: بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن أميرًا، وكان أوّل من تَجَرَ في مال الله، فمَكَث حتى أصاب مالًا، وقُبض رسول الله ﷺ ثم قدم معاذ، فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدَعْ له ما يَعِيش به، وخذ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله ﷺ لِيَجْبُره، ولست بآخذ منه شيئًا إلا أن يعطيني. انتهى ملخّص كلام ابن عبد البرّ، وهو تحقيقٌ حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم هدايا المشركين: أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن عياض بن حمار ﵁: أنه أهدى للنبي ﷺ هديةً له، أو ناقةً، فقال النبيّ ﷺ : "أسلمت؟ " قال: لا، قال: "فإني نُهِيت عن زَبْدِ المشركين" (١)، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. ومعنى قوله: "إني نُهيت عن زَبْد المشركين" يعني: هداياهم، وقد رُوي

стр. 1752

عن النبيّ ﷺ : أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذَكَر في هذا الحديث الكراهية، واحتَمَل أن يكون هذا بعدما كان يَقبَل منهم، ثم نُهِي عن هداياهم. انتهى كلام الترمذيّ. ولفظ أحمد: عن عياض بن حمار المجاشعيّ، وكانت بينه وبين النبيّ ﷺ معرفة قبل أن يُبعث، فلما بُعِث النبيّ ﷺ أهدى له هديةً، قال: أحسبها إبلًا، فأبى أن يقبلها، وقال: "إنا لا نَقبل زَبْد المشركين"، قال: قلت: وما زبد المشركين؟ قال: رِفْدُهم، وهديتهم. وأخرج أبو عمر بسنده عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن مالك، عن عامر بن مالك الذي يقال له: مُلاعِب الأسنة، قال: قَدِمت على النبيّ ﷺ بهدية، فقال: "إنا لن نقبل هدية مشرك". قال أبو عمر: واختَلَف العلماء في معنى هذين الحديثين، فقال منهم قائلون: فيهما النسخ لما كان عليه رسول الله ﷺ من قبول الهدية من أهل الشرك، مثل أُكَيدر دُومَة، وفَرْوَة بن نُفَاثة، والْمُقَوْقِس، وغيرهم. وقال آخرون: ليس فيهما ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيهما: أنه كان لا يَقبَل هديةَ مَن يَطْمَع بالظهور عليه، وأخذ بلده، أو دخوله في الإسلام، فعن مثل هذا نُهِي أن يَقْبَل هديته، ويُهادِنه، ويُقِرَّه على دينه، مع قدرته عليه، أو طمعه في هدايته؛ لأن في قبول هديته حملًا على الكفّ عنه، وقد أُمِر أن يقاتل الكفار حتى يقولوا: لا إله إلا الله. وقال آخرون: كان مُخَيَّرًا في قبول هديتهم، وترك قبولها؛ لأنه كان من خلقه ﷺ أن يُثيب على الهدية بأحسن منها، فلذلك لم يَقْبَل هدية مشرك؛ لئلا يُثيبه بأفضل منها. قال أبو عمر: وقد قيل: إنه إنما تَرَك ذلك تَنَزُّهًا، ونُهِي عن زَبْد المشركين؛ لما في التهادي، والزَّبْد من التحابّ، وتليين القلوب، والله يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ بقوله ذلك، وقد قبل ﷺ هديةَ قوم من المشركين (١).

стр. 1753

قال الجامع عفا الله تعالى: القول الثاني هو أقرب الأجوبة عندي، وحاصله أن النهي عن قبول هدايا المشركين محمول على ما إذا رأى الإمام المصلحة في ردّها بأن طمع في إسلامه، ونحو ذلك؛ جمعًا بين النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عقوبة الغالّ: قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: قد اختلف العلماء في عقوبة الغالّ، فذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليث بن سعد، إلى أن الغالّ يعاقب بالتعزير، ولا يُحَرَّق متاعه. وقال الشافعيّ، وداود بن علي: إن كان عالِمًا بالنهي عُوقب، وهو قول الليث، قال الشافعيّ: وإنما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله. وقال الأوزاعيّ: يُحَرَّق متاع الغالّ كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه، وسرجه، ولا تُنتزَع منه دابته، ويُحَرّق سائر متاعه كله، إلا الشيء الذي غَلَّ، فإنه لا يحرّق، ويعاقب مع ذلك، وقول أحمد وإسحاق، كقول الأوزاعي في هذا الباب كله. وروي عن الحسن البصريّ أنه قال: يحرق رحله كله، إلا أن يكون حيوانًا أو مصحفًا، وممن قال يُحَرَّق رحل الغالّ ومتاعه مكحول، وسعيد بن عبد العزيز. وحجةُ مَن ذَهَبَ إلى هذا القول حديثُ صالح المذكور، وهو عندنا حديثٌ لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم، مع ما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه، فأما رواية من رَوَى: "فاضربوا عنقه، وأحرقوا متاعه"، فإنه يعارضه قوله ﷺ : "لا يَحِلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … " الحديث، وهو يَنفي القتل في الغلول، ورَوَى أبو الزبير (١)، عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "ليس على الخائن ولا على المنتهب، ولا على المختلِس قطع" (٢). وهذا أيضًا يعارض حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو أقوى من جهة الإسناد، والغالُّ خائن في اللغة والشريعة.

стр. 1754

وقال الطحاويّ: لو صحّ حديث صالح المذكور احتَمَلَ أن يكون كان حين كانت العقوبات في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: "إنا آخذوها وشَطْرَ ماله، عَزْمَةٌ من عَزَمات الله"، وكما رَوَى أبو هريرة ﵁ في ضالة الإبل المكتومة: "فيها عزامتها ومثلها معها"، وكما رَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص في الثَّمَر المعلَّق غرامة مثليه، وجَلَدات نكال، وهذا كله منسوخ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الطحاويّ النسخ في هذا الحديث، وأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال فيه نظر لا يخفى، فالصواب في الجواب ما سبق في كلام ابن عبد البرّ، وهو كون الحديث ضعيفًا، وأما العقوبة بالمال، فلا يصحّ فيها دعوى النسخ، بل هي مما اختَلَفَ العلماءُ فيها، وأن الحقّ أنها يُعمَل بها فيما ورد النصّ فيه، كما في مانع الزكاة، ونحوه، وقد حقّقته في "شرح النسائيّ" في "كتاب الزكاة" بما فيه الكفاية، فلتراجعه، والله تعالى وليّ التوفيق. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: الذي ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، ومن تابعهم في هذه المسألة أولى من جهة النظر، وصحيحِ الأثر، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه أبو عمر رحمه الله تعالى من ترجيح مذهب هؤلاء الأئمة، وهو عدم إحراق متاع الغالّ، وإنما يُعَزَّر بما يراه الإمام هو الذي يترجّح عندي؛ لظهور حجته، كما قاله أبو عمر رحمه الله تعالى. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وأجمع العلماء على أن على الغالّ أن يَرُدّ ما غَلَّ إلى صاحب المقاسم، إن وَجَدَ السبيل إلى ذلك، وأنه إذا فَعَل ذلك فهي توبة له، وخروج عن ذنبه، واختلفوا فيما يَفْعَلُ بما غَلَّ إذا افترق أهل العسكر، ولم يَصِل إليهم، فقال جماعة من أهل العلم: يَدفَع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وهذا مذهب الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، والثوريّ، ورُويَ ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن البصريّ، وهو يُشبِه مذهب ابن مسعود، وابن عباس؛ لأنهما كانا يريان أن يُتَصَدَّق بالمال الذي لا يُعْرَف صاحبه.

стр. 1755

وذكر بعضُ الناس عن الشافعيّ أنه كان لا يَرَى الصدقة بالمال الذي لا يُعرَف صاحبه، وقال: كيف يَتَصَدَّق بمال غيره؟. قال أبو عمر: وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه، والوصول إليه، أو إلى ورثته، وأما إن لم يمكن شيء من ذلك، فإن الشافعيّ ﵀ لا يَكْرَه الصدقة به حينئذ - إن شاء الله -. ذكر سُنَيد: حدثنا أبو فَضَالة، عن أزهر بن عبد الله قال: غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، فَغَلّ رجل مائة دينار، فَأَتَى بها معاويةَ بن أبي سفيان، فأبى أن يقبلها، وقال: قد نَفَر الجيش، وتفرق، فخرج فلَقِي عبادة بن الصامت، فذكر ذلك له، فقال: ارجع. إليه، فقل له: خذ خمسها أنت، ثم تصدق أنت بالبقية، فإن الله عالم بهم جميعًا، - فأَتَى معاوية، فأخبره، فقال: لأَن كنتُ أنا أفتيتك بهذا كان أحب إلي من كذا وكذا. وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف، وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مُخَيَّرًا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره أبو عمر رحمه الله تعالى في هذه المسألة تحقيقٌ حسنٌ. وحاصله وجوب ردّ الغالّ ما غلّه إذا وَجد إلى ذلك سبيلًا، وإلا تصدّق به. وأما الأثر الذي ذكره عن سُنيد، فسُنيد ضعيفٌ مع إمامته ومعرفته بالتفسير (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
следующие страницы →