← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

قال: ورَوَى وكيع وغيره، عن الأعمش، عن شقيق، قال: كان رسول الله ﷺ قد استَعمَل معاذ بن جبل على اليمن، فلما استُخلِف أبو بكر بَعَثَ عمر على الموسم في تلك السنة، وقَدِم معاذ من اليمن برقيق، فلقي عمر بعرفة، فقال له عمر: ما هؤلاء؟، قال: هؤلاء لأبي بكر، وهؤلاء لي، فقال له عمر: أرى أن تأتي بهم إلى أبي بكر، فتدفعهم إليه فإن سلمهم لك، وإلا فهو أحق بهم، فقال: وما لي أدفع رقيقي إلى أبي بكر؟، لا أعطيه هديتي، فانصرف بهم إلى منزله، فلما كان من الغد جاء إلى عمر، فقال: يا ابن الخطاب، لقد رأيتني الليلةَ أُشرِف على نار، قد أُوقدت، فأكاد أتَقَحَّمها، وأَهْوِي فيها، وأنت آخذ بِحُجْزَتي، ولا أراني إلا مطيعك، قال: فذهب إلى أبي بكر، فقال: هؤلاء لك، وهؤلاء أُهدوا لي، قال: فإنّا قد سلّمنا لك هديتك، فرجع معاذ إلى منزله، فصلى، فإذا هم خلفه يصلون، قال: ما بالكم؟ قالوا: نصلي، قال: لمن؟ قالوا: لله، قال: فاذهبوا فأنتم لله، فأعتقهم. وذكر يعقوب بن شيبة قال: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن ابن لكعب بن مالك، قال: بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن أميرًا، وكان أوّل من تَجَرَ في مال الله، فمَكَث حتى أصاب مالًا، وقُبض رسول الله ﷺ ثم قدم معاذ، فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدَعْ له ما يَعِيش به، وخذ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه رسول الله ﷺ لِيَجْبُره، ولست بآخذ منه شيئًا إلا أن يعطيني. انتهى ملخّص كلام ابن عبد البرّ، وهو تحقيقٌ حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم هدايا المشركين: أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ عن عياض بن حمار ﵁: أنه أهدى للنبي ﷺ هديةً له، أو ناقةً، فقال النبيّ ﷺ : "أسلمت؟ " قال: لا، قال: "فإني نُهِيت عن زَبْدِ المشركين" (١)، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. ومعنى قوله: "إني نُهيت عن زَبْد المشركين" يعني: هداياهم، وقد رُوي

стр. 1752

عن النبيّ ﷺ : أنه كان يقبل من المشركين هداياهم، وذَكَر في هذا الحديث الكراهية، واحتَمَل أن يكون هذا بعدما كان يَقبَل منهم، ثم نُهِي عن هداياهم. انتهى كلام الترمذيّ. ولفظ أحمد: عن عياض بن حمار المجاشعيّ، وكانت بينه وبين النبيّ ﷺ معرفة قبل أن يُبعث، فلما بُعِث النبيّ ﷺ أهدى له هديةً، قال: أحسبها إبلًا، فأبى أن يقبلها، وقال: "إنا لا نَقبل زَبْد المشركين"، قال: قلت: وما زبد المشركين؟ قال: رِفْدُهم، وهديتهم. وأخرج أبو عمر بسنده عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن مالك، عن عامر بن مالك الذي يقال له: مُلاعِب الأسنة، قال: قَدِمت على النبيّ ﷺ بهدية، فقال: "إنا لن نقبل هدية مشرك". قال أبو عمر: واختَلَف العلماء في معنى هذين الحديثين، فقال منهم قائلون: فيهما النسخ لما كان عليه رسول الله ﷺ من قبول الهدية من أهل الشرك، مثل أُكَيدر دُومَة، وفَرْوَة بن نُفَاثة، والْمُقَوْقِس، وغيرهم. وقال آخرون: ليس فيهما ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيهما: أنه كان لا يَقبَل هديةَ مَن يَطْمَع بالظهور عليه، وأخذ بلده، أو دخوله في الإسلام، فعن مثل هذا نُهِي أن يَقْبَل هديته، ويُهادِنه، ويُقِرَّه على دينه، مع قدرته عليه، أو طمعه في هدايته؛ لأن في قبول هديته حملًا على الكفّ عنه، وقد أُمِر أن يقاتل الكفار حتى يقولوا: لا إله إلا الله. وقال آخرون: كان مُخَيَّرًا في قبول هديتهم، وترك قبولها؛ لأنه كان من خلقه ﷺ أن يُثيب على الهدية بأحسن منها، فلذلك لم يَقْبَل هدية مشرك؛ لئلا يُثيبه بأفضل منها. قال أبو عمر: وقد قيل: إنه إنما تَرَك ذلك تَنَزُّهًا، ونُهِي عن زَبْد المشركين؛ لما في التهادي، والزَّبْد من التحابّ، وتليين القلوب، والله يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ بقوله ذلك، وقد قبل ﷺ هديةَ قوم من المشركين (١).

стр. 1753

قال الجامع عفا الله تعالى: القول الثاني هو أقرب الأجوبة عندي، وحاصله أن النهي عن قبول هدايا المشركين محمول على ما إذا رأى الإمام المصلحة في ردّها بأن طمع في إسلامه، ونحو ذلك؛ جمعًا بين النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عقوبة الغالّ: قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: قد اختلف العلماء في عقوبة الغالّ، فذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والليث بن سعد، إلى أن الغالّ يعاقب بالتعزير، ولا يُحَرَّق متاعه. وقال الشافعيّ، وداود بن علي: إن كان عالِمًا بالنهي عُوقب، وهو قول الليث، قال الشافعيّ: وإنما يعاقب الرجل في بدنه لا في ماله. وقال الأوزاعيّ: يُحَرَّق متاع الغالّ كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه، وسرجه، ولا تُنتزَع منه دابته، ويُحَرّق سائر متاعه كله، إلا الشيء الذي غَلَّ، فإنه لا يحرّق، ويعاقب مع ذلك، وقول أحمد وإسحاق، كقول الأوزاعي في هذا الباب كله. وروي عن الحسن البصريّ أنه قال: يحرق رحله كله، إلا أن يكون حيوانًا أو مصحفًا، وممن قال يُحَرَّق رحل الغالّ ومتاعه مكحول، وسعيد بن عبد العزيز. وحجةُ مَن ذَهَبَ إلى هذا القول حديثُ صالح المذكور، وهو عندنا حديثٌ لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم، مع ما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه، فأما رواية من رَوَى: "فاضربوا عنقه، وأحرقوا متاعه"، فإنه يعارضه قوله ﷺ : "لا يَحِلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث … " الحديث، وهو يَنفي القتل في الغلول، ورَوَى أبو الزبير (١)، عن جابر ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "ليس على الخائن ولا على المنتهب، ولا على المختلِس قطع" (٢). وهذا أيضًا يعارض حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو أقوى من جهة الإسناد، والغالُّ خائن في اللغة والشريعة.

стр. 1754

وقال الطحاويّ: لو صحّ حديث صالح المذكور احتَمَلَ أن يكون كان حين كانت العقوبات في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: "إنا آخذوها وشَطْرَ ماله، عَزْمَةٌ من عَزَمات الله"، وكما رَوَى أبو هريرة ﵁ في ضالة الإبل المكتومة: "فيها عزامتها ومثلها معها"، وكما رَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص في الثَّمَر المعلَّق غرامة مثليه، وجَلَدات نكال، وهذا كله منسوخ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الطحاويّ النسخ في هذا الحديث، وأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال فيه نظر لا يخفى، فالصواب في الجواب ما سبق في كلام ابن عبد البرّ، وهو كون الحديث ضعيفًا، وأما العقوبة بالمال، فلا يصحّ فيها دعوى النسخ، بل هي مما اختَلَفَ العلماءُ فيها، وأن الحقّ أنها يُعمَل بها فيما ورد النصّ فيه، كما في مانع الزكاة، ونحوه، وقد حقّقته في "شرح النسائيّ" في "كتاب الزكاة" بما فيه الكفاية، فلتراجعه، والله تعالى وليّ التوفيق. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: الذي ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، ومن تابعهم في هذه المسألة أولى من جهة النظر، وصحيحِ الأثر، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه أبو عمر رحمه الله تعالى من ترجيح مذهب هؤلاء الأئمة، وهو عدم إحراق متاع الغالّ، وإنما يُعَزَّر بما يراه الإمام هو الذي يترجّح عندي؛ لظهور حجته، كما قاله أبو عمر رحمه الله تعالى. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: وأجمع العلماء على أن على الغالّ أن يَرُدّ ما غَلَّ إلى صاحب المقاسم، إن وَجَدَ السبيل إلى ذلك، وأنه إذا فَعَل ذلك فهي توبة له، وخروج عن ذنبه، واختلفوا فيما يَفْعَلُ بما غَلَّ إذا افترق أهل العسكر، ولم يَصِل إليهم، فقال جماعة من أهل العلم: يَدفَع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وهذا مذهب الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، والثوريّ، ورُويَ ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن البصريّ، وهو يُشبِه مذهب ابن مسعود، وابن عباس؛ لأنهما كانا يريان أن يُتَصَدَّق بالمال الذي لا يُعْرَف صاحبه.

стр. 1755

وذكر بعضُ الناس عن الشافعيّ أنه كان لا يَرَى الصدقة بالمال الذي لا يُعرَف صاحبه، وقال: كيف يَتَصَدَّق بمال غيره؟. قال أبو عمر: وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه، والوصول إليه، أو إلى ورثته، وأما إن لم يمكن شيء من ذلك، فإن الشافعيّ ﵀ لا يَكْرَه الصدقة به حينئذ - إن شاء الله -. ذكر سُنَيد: حدثنا أبو فَضَالة، عن أزهر بن عبد الله قال: غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، فَغَلّ رجل مائة دينار، فَأَتَى بها معاويةَ بن أبي سفيان، فأبى أن يقبلها، وقال: قد نَفَر الجيش، وتفرق، فخرج فلَقِي عبادة بن الصامت، فذكر ذلك له، فقال: ارجع. إليه، فقل له: خذ خمسها أنت، ثم تصدق أنت بالبقية، فإن الله عالم بهم جميعًا، - فأَتَى معاوية، فأخبره، فقال: لأَن كنتُ أنا أفتيتك بهذا كان أحب إلي من كذا وكذا. وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف، وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مُخَيَّرًا بين الأجر والضمان، وكذلك الغصوب، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره أبو عمر رحمه الله تعالى في هذه المسألة تحقيقٌ حسنٌ. وحاصله وجوب ردّ الغالّ ما غلّه إذا وَجد إلى ذلك سبيلًا، وإلا تصدّق به. وأما الأثر الذي ذكره عن سُنيد، فسُنيد ضعيفٌ مع إمامته ومعرفته بالتفسير (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 1756

(٥٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ لَا يَكْفُرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٨] (١١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّاف، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟، قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَار، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِه، فَاجْتَوَى (١) الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَرعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِه، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْه، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟، قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: إسحاق بن راهويه، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الْوَاشحيّ البصريّ، نزيل مكة، وقاضيها، ثقةٌ، إمامٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٢٤) (ع). وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١١٦)،

стр. 1757

وحديث (٦٨٣): "إذا كان في سفر، فعرّس بليل … "، و (١٤٣٨): "وما ذاكم؟ قالوا: الرجل تكون المرأة … "، و (١٤٧٢): "ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ … ؟ "، و (١٦٧١): "ألا تخرجون مع راعينا … ؟ "، و (١٨٣١): "لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة … "، و (٢٦٠١): "اللهم إني أتّخذ عندك عهدًا … "، و (٢٩٥٣): "إن عُمِّر هذا لم يُدركه الهَرَم … "، وتقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٦٨. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٥ - (حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان الصّوّاف، أبو الصَّلْت، ويقال: أبو عثمان الكنديّ مولاهم البصريّ، واسم أبي عثمان: ميسرة، وقيل: سالم، ثقة حافظ [٦]. رَوَى عن حميد بن هلال، والحسن البصريّ، ويحيى بن أبي كثير، وأبي رجاء مولى أبي قلابة، ومعاوية بن قُرّة، وأبي الزبير، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، والقطان، وهُشيم، ويزيد بن زُريع، وأبو عوانة، وبشر بن الْمُفَضَّل، وابنُ أبي عديّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو عاصم، وجماعة. قال يحيى القطان: وهو فَطِنٌ، وصحيحٌ، كَيِّسٌ، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أحمد: شيخٌ، وزاد الترمذيّ: حافظٌ، وقال العجليّ، وأبو بكر البزار: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا، وقال يزيد بن زُريع: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: سألت علي ابن المدينيّ: مَن أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال: هشام الدَّستوائيّ، قلت: ثم مَن؟ قال: الأوزاعيّ، وحجاج بن أبي عثمان، وحسينٌ المعلِّم، وقال ابن سعد: كان ثقةً - إن شاء الله تعالى - وقال ابن خزيمة في "صحيحه": سمعت محمد بن يحيى الذُّهْليّ يقول: حجاج الصّوّاف مَتِينٌ، قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقةٌ حافظٌ. قال خليفة: مات سنة (١٤٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.

стр. 1758

٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ: صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٧ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه له شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه: قوله: "قال أبو بكر: حدّثنا سليمان بن حرب"، وهو بيان لاختلاف شيخيه، فأبو بكر صرّح بتحديث سليمان له، وأما إسحاق فلم يُصرّح به. ٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (١٥٤٠) حديثًا. [فإن قلت]: هذا الحديث مما عنعن فيه أبو الزبير عن جابر ﵁، وهو مدلّسٌ، ولا تقبل عنعنته إلا أن يصرّح بالسماع، أو يكون الراوي عنه الليث بن سعد؛ لأنه لا يروي عنه إلا ما سمعه من جابر، كما تقدّم بيان ذلك، وليس هذا الحديث من رواية الليث عنه، ولم يُصرّح بالسماع في جميع الطرق التي أخرجها الأئمة الذين سيأتي ذكرهم في التخريج، فكيف أخرجه مسلم في "الصحيح"؟. [قلت]: أجيب عن هذا بأن مسلمًا، بل وأصحاب الصحاح - كما صرّح بذلك ابن حبّان في أول "صحيحه" - لا يُخرجون من حديث المدلّس إلا ما ثبت عندهم تصريحه بالسماع، فلولا أنه ثبت لديه ذلك لما أخرجه هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم.

стр. 1759

شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ) هو: الطُّفَيل بن عمرو بن طَرِيف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم بن فَهْم بن غَنْم بن دَوْس الدَّوْسيّ، وقيل: هو ابن عبد عمرو بن عبد الله بن مالك بن عمرو بن فَهْم، لقبه ذو النور، وحَكَى الْمَرْزَبانيّ في "معجمه": أنه الطُّفَيل بن عمرو بن حُمَمَة، قال البغويّ: أحسبه سكن الشام، وروى البخاريّ في "صحيحه" من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَدِمَ الطُّفيل بن عمرو الدَّوْسيّ على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن دَوْسًا قد عَصَت، فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد دَوْسًا"، ورَوَى ابن إسحاق في نسخةٍ من "المغازي" من طريق صالح بن كيسان، عن الطفيل بن عمرو في قصة إسلامه خبرًا طويلًا، وفيه: أن النبيّ ﷺ بعثه إلى ذي الْكَفَّين، صنم عمرو بن حُمَمَة، فأحرقه بالنار، ويقول [من الرجز]: يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا … مِيلَادُنَا أَكْبَرُ مِن مِيلَادِكَا إِنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا وفيه: أنه رَأَى في عهد أبي بكر ﵁ أن رأسه حُلِق، وخَرَج من فمه طائر، وأن امرأة أدخلته في فرجها، وأن ابنه طلبه طَلَبًا حثيثًا، فلم يَقْدِر عليه، وأنه أَوَّلَها أن رأسه يُقطع، وأن الطائر روحه، والمرأة الأرض، يُدْفَن فيها، وأن ابنه عَمرو بن الطفيل يَطلُب الشهادة فلا يلحقها، فقُتِل الطُّفيل يوم اليمامة، وعاش ابنه بعد ذلك، وذكرها ابن إسحاق في سائر النسخ بلا إسناد، وأخرجه ابن سعد أيضًا مُطَوَّلًا من وجه آخر، وكذلك الأمويّ، عن ابن الكلبيّ بإسناد آخر، وقال ابن سعد: أسلم الطفيل بمكة، ورجع إلى بلاد قومه، ثم وافى النبي ﷺ في عمرة القضية، وشَهِدَ الفتح بمكة، وكذا قال ابن حبان، وقال ابن أبي حاتم: قَدِمَ على النبيّ ﷺ مع أبي هريرة بخيبر، ولا أعلم رُويَ عنه شيء. وقد أخرج البغويّ، من طريق إسماعيل بن عيّاش، حدثني عبد ربه بن سليمان، عن الطفيل بن عمرو الدوسيّ، قال: "أقرأني أُبَيّ بن كعب القرآن، فأهديت له قوسًا … " الحديث، قال: غريب، وعبد ربه، يقال له: ابن زيتون، ولم يسمع من الطفيل بن عمرو. وروى الطبريّ من طريق ابن الكلبيّ قال: سبب تسمية الطُّفيل بذي النور

стр. 1760

أنه لَمّا وَفَدَ على النبيّ ﷺ ، فدعا لقومه، قال له: ابعثني إليهم، واجعل لي آيةً، فقال: "اللهم نَوِّرْ له"، فسَطَعَ نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: مُثْلَةٌ، فتَحَوَّل إلى طرف سوطه، فكان يضيء له في الليلة المظلمة. وذكر أبو الفرج الأصبهانيّ من طريق ابن الكلبيّ أيضًا أن الطفيل لَمّا قَدِمَ مكة ذَكَرَ له ناس من قريش أَمْرَ النبيّ ﷺ ، وسألوه أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده من شعره، فتلا النبيّ ﷺ الإخلاص والمعوذتين، فأسلم في الحال، وعاد إلى قومه، وذَكَرَ قصة سوطه ونوره، قال: فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تُسْلِم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، ثم أتى النبيّ ﷺ ، فقال: هل لك في حِصْنٍ حَصِين، ومَنَعَة - يعني أرض دَوْس -؟. قال: ولما دعا النبيّ ﷺ لهم قال له الطفيل: ما كنت أُحب هذا، فقال: "إن فيهم مثلَك كثيرًا"، قال: وكان جندب بن عمرو بن حُمَمة بن عوف الدَّوسيّ يقول في الجاهلية: إن للخلق خالقًا، لكني لا أدري مَن هو؟ فلما سَمِع بخبر النبيّ ﷺ خرج، ومعه خمسة وسبعون رجلًا من قومه، فأسلم، وأسلموا، قال أبو هريرة: فكان جندب يُقَدِّمهم رجلًا رجلًا، وكان عمرو بن حُممة حاكمًا على دوس ثلاثمائة سنة، وإليه ينسب الصلح المعروف. وأنشد الْمَرزبانيّ في "معجمه" للطفيل بن عمرو يخاطب قريشًا، وكانوا هَدَّدوه لما أسلم [من الوافر]: أَلَا أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي لُؤَيٍّ … عَلَى الشَّنْآنِ وَالْعَضَبِ الْمُرَدِّ بِأَنَّ اللهَ رَبَّ النَّاسِ فَرْدٌ … تَعَالَى جَدُّهُ عَنْ كُلِّ نِدِّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ … دَلِيلُ هُدًى وَمُوضِحُ كُلِّ رُشْدِ وَأَنَّ اللهَ جَلَّلَهُ بَهَاءً … وَأَعْلَى جَدَّهُ فِي كُلِّ جَدِّ قيل: استُشهِد باليمامة، قاله ابن سعد تبعًا لابن الكلبيّ، وقيل: باليرموك، قاله ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبو الأسود، عن عروة، ذكر هذا كلّه في "الإصابة" (١). (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) أي بمكة قبل أن يُهاجر إلى المدينة، كما جاء مصرّحًا به

стр. 1761

في "مسند" أبي يعلى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وغرض الطفيل ﵁ بهذا أنه لَمّا رأى مضايقة قريش للنبيّ ﷺ ، وصدّها عليه سبيل الدعوة إلى الله تعالى أن يهاجر النبيّ ﷺ إلى بلده حتى يتمكنّ من أداء مهمة الرسالة، فقال: (هَلْ لَكَ) أي هل توجد لك رغبة (فِي حِصْنٍ) أي في الالتحاق بحصن، وهو بكسر، فسكون: هو المكان الذي لا يُقْدَرُ عليه؛ لارتفاعه، جمعه: حُصُون، وقال القرطبيّ: "الْحُصُون": هي القصور والقلاع. وقوله: (حَصِينٍ) صفة لـ "حِصْن"، بفتح، فكسر، فَعِيل للمبالغة: أي شديد المنع لمن فيه، وقوله: (وَمَنْعَةٍ؟) بالجرّ عطفًا على "حصن"، وهو بفتح الميم، والنون، وتُسكَّن، قال في "الصحاح": يقال: فلانٌ في عزّ ومَنَعَة بالتحريك، وقد يُسكّن عن ابن السكّيت، ويقال: المنعة بالتحريك: جمع مانع، ككافر وكَفَرَة: أي هو في عزّ وعَشِيرة يمنعونه. انتهى (١). وقال الفيّوميّ: وهو في مَنَعَة بفتح النون: أي في عزّ قومه، فلا يَقْدِرُ عليه من يُريده، قال الزمخشريّ: هي مصدر، مثلُ الأَنَفَة، والْعَظَمة، أو جمعُ مانع، وهم الْعَشِيرة، والْحُمَاةُ، ويجوز أن تكون مقصورةً من الْمَنَاعَة، وقد تُسكَّن في الشعر، لا في غيره؛ خلافًا لمن أجازه مطلقًا. انتهى (٢). (قَالَ) الطّفيل لما استفسره النبيّ ﷺ عن ذلك الْحِصْن: (حِصْنٌ) خبر لمحذوف: أي هو حِصنٌ (كَانَ لِدَوْسٍ) بفتح الدال المهملة، وسكون الواو، آخره سين مهملة: بطنٌ من الأزد، وهو دَوْس بن حَدَثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، بطنٌ كبير من الأزد، يُنسب إليهم خلق كثير، منهم الطُّفيل بن عمرو الدوسيّ، وأبو هريرة الدوسيّ، قاله السمعانيّ (٣). (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في زمن الجاهليّة، وهي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله ، ورسوله ﷺ ، وشرائع الدين، والتفاخر بالأنساب، والْكِبْر، والتجبّر، وغير ذلك، قاله ابن الأثير (٤). (فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ) أي امتنع من إجابة طلب الطفيل (لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ) أي

стр. 1762

أعدّه الله لهم، يقال: ذَخَرته ذَخْرًا، من باب نَفَعَ، والاسم الذُّخْرُ بالضمّ: إذا أعددته لوقت الحاجة إليه، واذّخَرْتُهُ على افْتَعَلْتُ مثله، قاله الفيّوميّ (١). والمعنى أنه إنما أبى النبيّ ﷺ عن قبول طلب الطُّفَيل؛ لأن الله تعالى أراد أن يُكرم الأنصار بهجرته إليهم، وكتب لهم ذلك، فلم يشرح صدره ﷺ للهجرة إلى غيرهم، ولم يأذن له بذلك. (فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَة، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) ﵁ (وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب "التنبيه" (٢). قال القرطبيّ: قوله: "وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِه، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ" هكذا صواب الرواية بتوحيد "رجل"، وعطف ما بعده على ما قبله على الإفراد، وهي رواية عبد الغافر (٣)، وعند غيره تخليطٌ، فمنهم من جَمَعَ، فقال: رجال، فاجتووا المدينة، ثم قال بعده: فمرِضَ، فَجَزع، على الإفراد، والأول أصوب. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله القرطبيّ حسنٌ، وهكذا وقع عند أبي نُعيم في "مستخرجه" بلفظ: "فاجتوى" بالإفراد، ووقع عند أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٧١)، وأبي عوانة في "مسنده" (١/ ٥٢) أيضًا، والبيهقيّ في "الكبرى" (٨/ ١٧) بلفظ "فاجتووا"، كما هو في معظم نسخ "صحيح مسلم"، وله وجه، وهو أن يعود الضمير على الطفيل، والرجل المذكور، ومن يتعلق بهما، قاله النوويّ. وعندي الأولى أن يعود الضمير على الطفيل، وصاحبه"، وإطلاق الجمع على الاثنين جائز في اللغة، كما في قوله : ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [سورة التحريم: ٤]، وقد حقّقت في "التحفة المرضيّة" في الأصول، و"شرحها" أن

стр. 1763

الصحيح أن أقل الجمع اثنان، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَاجْتَوَى الْمَدِينَةَ) أي كَرِهَ الْمُقَام بها؛ لضَجَر، ونوع سَقَم، قال أبو عُبيد، والجوهريّ، وغيرهما: اجتويتُ البلد: إذا كرهت المقام بها، وإن كنت في نعمة (١)، قال الخطّابيّ: أصل الاجتواء: استيبال (٢) المكان، وكراهية الْمُقَام فيه؛ لمضرّة لحقته، وأصله من الجوى، وهو فساد الجوف. انتهى (٣). وقال المازريّ: قال أبو عبيد: اجتويتُ البلاد: إذا كَرِهتَها، وإن كانت موافقةً لك في بدنك، واستبلتها: إذا أحببتها، وإن لم توافقك في بدنك، ومنه قول ابن دُريد: فِي كُلِّ يَوْمٍ مَنْزِلٌ مُسْتَوْبَلٌ … يَشْتَفُّ مَاءَ مُهْجَتِي أَوْ مُجْتَوَى (٤) (فَمَرِضَ) بكسر الراء، قال الفيّوميّ: مرِضَ الحيوانُ مَرَضًا، من باب تَعِبَ، والْمَرَضُ: حالةٌ خارجة عن الطبع، ضارَّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام والأورام أعراضٌ عن المرَض، وقال ابن فارس: الْمَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن حدّ الصحّة من علّة، أو نِفَاق، أو تقصير في أمر، ومَرِضَ مَرْضًا: - أي من باب فِهِمَ فَهْمًا - لغة قليلةُ الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت على أبي عمرو بن العلاء: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]، فقال لي: "مَرْضٌ" يا غلام: أي بالسكون، والفاعل من الأول مَريضٌ، وجمعه مَرْضى، ومن الثانية مارضٌ، قال [من الرجز]: لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَلَا بِمَارِضٍ وُيعدَّى بالهمزة، فيقال: أمرضه الله. انتهى (٥). وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه" من طريق إسماعيل بن عليّة، عن الحجاج الصوّاف: "فحُمّ ذلك الرجل حُمَّى شديدةً".

стр. 1764

(فَجَزِعَ) بكسر الزاي: أي فقد الصبر، يقال: جَزِعَ جَزَعًا، من باب تَعِبَ، فهو جَزَعٌ، وجَزُوعٌ مبالغةٌ: إذا ضَعُفت مُنَّتُهُ (١) عن حَمْلِ ما نزل به، ولم يجد صبرًا قاله الفيوميّ (٢). (فَأَخَذَ مَشَاقِصَ) - بفتح الميم، وبالشين المعجمة، وبالقاف، والصاد المهملة -: جمع مِشْقَصٍ - بكسر الميم، وفتح القاف - قال الخليل، وابن فارس، وغيرهما: هو سَهْمٌ فيه نَصْلٌ عَرِيضٌ، وقال آخرون: ليس بالعريض، وإنما العريض: هو الْمِعْبَلُ، وقال الجوهريّ: الْمِشْقَص: ما طال، وعَرُضَ (٣)، قال النوويّ تبعًا للقاضي عياض: وهذا هو الظاهر هنا؛ لقوله: "قَطَعَ بها براجمه"، ولا يحصل ذلك إلا بالعريض. انتهى (٤). وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ "مشاقص"، أي كائنة له، والضمير للرجل المريض. (فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ) - بفتح الباء الموحّدة، وبالجيم -: هي مفاصل الأصابع، واحدتها بُرْجُمَة بالضمّ، وقال الفيّوميّ: الْبَرَاجِم: رُؤوس السُّلامِيَات من ظهر الكفّ، إذا قَبَضَ الشخص كفّه نَشَزَت، وارتفعت، وقال في "الكفاية": الْبَرَاجم: رُؤوس السُّلاميات، والرَّوَاجب بُطُونها وظهورها، الواحد بُرْجُمَة كبُنْدُقَة. انتهى (٥). وقال أبو عُبيد في "الغريب": "الرّوَاجب"، و"البَرَاجم" جميعًا: مفاصل الأصابع كلِّها، وقال أبو مالك الأعرابيّ في "كتاب خلق الإنسان": الرواجب: رؤوس العظام في ظهر الكفّ، والبراجم: المفاصل التي تحتها. انتهى (٦). وفي رواية ابن حبّان المذكورة: "فأخذ شَفْرَةً، فقطع بها رواجبه". (فَشَخَبَتْ يَدَاهُ) - بفتح الشين والخاء المعجمتين -: أي سال دمهما، وقيل: سال بقوة، قاله النوويّ. وقال الفيّوميّ: شَخَبَت أوداج القتيل دَمًا شَخْبًا، من بابي قَتَلَ، ونَفَعَ:

стр. 1765

جَرَت، وشَخَبَ اللبن، وكلُّ مائع شَخْبًا: دَرَّ، وسالَ، وشَخَبْتُهُ أنا يتعدّى، ولا يتعدّى. انتهى (١). وقال القرطبيّ: قوله: "فشَخَبت" بالشين المعجمة، وهو بالخاء المعجمة، وبفتحها في الماضي، وضمّها في المضارع، وقد تفتح، ومعناه: قال ابن دُريد: كلُّ شيء: سال، فهو شَخْبٌ، بضم الشين، وفتحها، وهو: ما خرج من الضرع من اللبن، وكأنه الدُّفْعَة منه، ومنه المثلُ: شُخْبٌ في الأرض، وشُخْبٌ في الإناء، يقال للذي يُصيب مرّةً، ويُخطئ في أخرى؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يَفعل ذلك. انتهى (٢). (حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) مرفوع على الفاعليّة: أي رأى الطفيل هذا الرجل الذي تسبب للموت بقطع براجمه (فِي مَنَامِهِ): أي في حال نومه، فـ "المنام" مصدر ميميّ لـ "نام"، (فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، و"الْهَيْئَةُ" - بفتح، فسكون -: الحالة الظاهرة، يقال: هاءَ يَهُوءُ، ويَهِيءُ هَيْئَةً حَسَنةً: إذا صار إليها (٣) والمعنى هنا: أن الطفيل رأى الرجل وحالته حسنةٌ. (وَرَآهُ) حال كونه (مُغَطِّيًا) بصيغة اسم الفاعل، وقوله: (يَدَيْهِ) منصوب على المفعولية لاسم الفاعل؛ لكونه حالًا، كما قال في "الخلاصة": كَفِعْلِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي الْعَمَلِ … إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ وَوَلي اسْتِفْهَامًا اوْ حَرْفَ نِدَا … أَوْ نَفْيًا اوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا (فَقَالَ) الطفيل (لَهُ) أي للرجل (مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟) أي هل غفر لك، أم ماذا؟. وفي رواية ابن حبان المذكورة: "ثم إنه جاء فيما يرى النائم من الليل إلى الطفيل بن عمرو في شَارَةٍ حَسَنَة، وهو مُخَمِّرٌ يده، فقال له الطفيل: أفلان؟، قال: نعم، قال: كيف فَعَلْتَ؟ قال: صَنَعَ بي ربيّ خَيْرًا، غفر لي بهجرتي إلى نبيّه ﷺ …

стр. 1766

(فَقَالَ) الرجل (غَفَرَ لِي) ببناء الفعل للفاعل، (بِهِجْرَتِي) أي بسبب ترك وطني، وخروجي منه مهاجرًا (إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَالَ) الطفيل (مَا) استفهاميّة: أي أيُّ شيء ثبت (لِي أَرَاكَ) حال كونك (مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟) وفي رواية أحمد: "يدك" بالإفراد، وهو الذي في "مستخرج أبي نعيم" (قَالَ) الرجل (قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ) بضم النون، من الإصلاح رباعيًّا (مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ) أي بقطعها بدون مسوغّ شرعيّ (فَقَصَّهَا) أي هذه الرؤيا (الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ) متعلّق بـ (فَاغْفِرْ") والفاء زائدة، أي كما غفرت لسائر جسده، فاغفر ليديه أيضًا. قال القرطبيّ: فيه دليلٌ على أن المغفرة قد لا تتناول محلّ الجناية، فيحصلُ منه توزيع العقاب على الْمُعَاقَب، ولذلك قال ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر"، والظاهر أن هذا الرجل أدركته بركة دعوة النبيّ ﷺ ، فغُفر له، وليديه، وكمل له ما بقي من المغفرة عليه، وعلى هذا فيكون قوله: "لن نُصلح منك ما أفسدت" ممتدًّا إلى غاية دعاء النبيّ ﷺ له، فكأنه قيل له: لن نُصلح منك ما أفسدته ما لم يَدعُ لك النبيّ ﷺ . انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٢/ ٣١٨] (١١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦١٤)، و"جزء رفع اليدين" (٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٦ و ٣٠٧)، وفي "الحلية" (٦/ ٢٦١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠١٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٧)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 1767

١ - (منها): بيان أن قاتل النفس لا يُكفَّر، قال النوويّ: فيه حجةٌ لقاعدةٍ عظيمةٍ لأهل السنة أن مَن قَتَلَ نفسه، أو ارتكب معصيةً غيرها، ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يُقطَع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة، وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله، الموهمِ ظاهرها تخليدَ قاتل النفس، وغيره من أصحاب الكبائر في النار. انتهى (١). وقال القرطبيّ: هذا الحديث يقتضي أن قاتل النفس ليس بكافر، وأنه لا يُخلّد في النار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب ﵁؛ فإنه ممن شاء الله أن يُعذّبه. انتهى (٢). ٢ - (ومنها): أن فيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصي، فإن هذا عوقب في يديه، ففيه ردٌّ على المرجئة القائلين بأن المعاصي لا تضرّ. ٣ - (ومنها): بيان فضل الطّفيل بن عمرو ﵁ حيث إنه بادر بإيواء النبيّ ﷺ إلى حصن قومه حتى يكون لهم فضل نصرة الإسلام، إلا أن الله تعالى فضّل به الأنصار ﵃. ٤ - (ومنها): بيان فضل الأنصار ﵃، وبيان مناقبهم العظيمة، ومفاخرهم الكريمة، وذلك لأن الله اختصّهم بهجرة النبيّ ﷺ ، فآووه، وآووا المهاجرين، ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. ٥ - (ومنها): بيان فضل الهجرة إلى النبيّ ﷺ ، وأنها مما يُستوجب بها غفران الذنوب. ٦ - (ومنها): بيان شفقة النبيّ ﷺ ، وشدّة رأفته لأمته، كما وصفه الله بذلك، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 1768

٥٣ - (بَابُ بَيَانِ الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَة، تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الإِيْمَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى، المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٩] (١١٧) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ الْيَمَن، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِير، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ -: مِثْقَالُ حَبَّةٍ - وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ -: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣. [تنبيه]: قوله: "الضّبّيّ": بالفتح، والتشديد: نسبة إما إلى ضبّة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، أو إلى ضبّة بن الحارث في قُريش، أو إلى ضبّة بن عَمرو في هُذيل، أو إلى ضبّة قرية بالحجاز (١). ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٣ - (أَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فَرْوَة الأمويّ مولاهم المدنيّ، مولى آل عثمان، صدوقٌ [٨]. رَأَى الأعرج، ورَوَى عن عميه: إسحاق وعبد الحكيم، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وصفوان بن سُلَيم، ويزيد بن خُصَيفة، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم.

стр. 1769

ورَوى عنه ابن ابنه هارون بن موسى، وابن وهب، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم بن المنذر، ويحيى بن يحيى، والقعنبيّ، وقتيبة، وأحمد بن عبدة الضبيّ، وغيرهم. قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأسٌ، وكذا قال أبو حاتم، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحَكَى ابنُ عبد البرّ عن عليّ ابن المدينيّ: هو ثقةٌ، ما أعلم أني رأيت بالمدينة أتقنَ منه، وقد رُوِي عنه أنه قال: رأيت السائب بن يزيد، وقال ابن سعد: عُمِّرَ عبد الله، حتى لقيناه سنة (١٨٩)، وكان ثقةً، قليلَ الحديث. قال ابن ابنه: مات في المحرم سنة تسعين ومائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١١٧)، وحديث (٤٤٤): "أيما امرأة أصابت بَخُورًا … " الحديث. [تنبيه]: قوله: "الْفَرْويّ" - بفتح الفاء، وسكون الراء -: نسبة إلى جدّه (١). ٤ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُفتٍ عابدٌ، رُمي بالقدر [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلْمَانَ) الأَغَرّ المدنيّ، مولى جُهَينة، أخو عُبيد الله بن سلمان، صدوقٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعنه صفوان بن سُليم، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له المصنّف هذا الحديث فقط، فهو من أفراده. ٦ - (أَبُوهُ) هو: سلمان مولى جهينة، المدنيّ، أصله من أصبهان، ثقة، من كبار [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء، وعمار، وأبي أيوب، وأبي سعيد الخدري، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ.

стр. 1770

ورَوَى عنه بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبيد، وزيد بن رَبَاح، والزهري، وبكير بن الأشجّ، وعمران بن أبي أنس، وأبو بكر بن حزم، وغيرهم. قال حجاج عن شعبة: كان الأغر قاصًّا من أهل المدينة، وكان رضًا، وقال الواقدي: سمعت ولده يقولون: لَقِي عمر بن الخطاب، ولا أُثبت ذلك عن أحد غيرهم، وكان ثقةً، قليل الحديث، وقال عبد الغني بن سعيد في "الإيضاح": سلمان الأغر مولى جهينة هو أبو عبد الله الأغر الذي رَوَى عنه الزهريّ، وهو أبو عبد الله المدني، مولى جهينة، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر، وهومسلم المديني الذي يُحدّث عنه الشعبي، وقال قوم: هو الأغر، أبو مسلم الذي يَروِي عنه أهل الكوفة، وقال ابن أبجر: هو الأغر بن سُليك، ولا يصح ذلك، الأغر بن سُليك آخر. انتهى، ومسلم المديني الذي يروي عنه الشعبي آخر، وكذا الأغر أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة، وأن حديثه عند أهلها، دون أهل المدينة، وهو مولى أبي هريرة وأبي سعيد، وهذا مولى جهينة، والله أعلم. وممن فرق بينهما البخاري، ومسلم، وابن المديني، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: هو من ثقات تابعي أهل الكوفة، قال ابن خلفون: وثقه الذُّهْلِيّ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: هذا (١١٧)، وحديث (٦١٥): "إذا كان اليوم الحارّ، فأبردوا بالصلاة … "، و (٦٤٩): "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذّ"، وأعاده بعده، و (٧٥٨): "من يدعوني، فأستجيب له … "، و (٨٥٠): "إذا كان يوم الجمعة كان على كلّ باب … "، و (١٣٩٤): "فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد"، و (١٣٩٧): "إنما يُسافَرُ إلى ثلاثة مساجد … " الحديث. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف.

стр. 1771

٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ. ٣ - (ومنها): أن رواية صفوان بن سُليم عن عبد الله بن سلمان من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صفوان من الطبقة الرابعة، وعبد الله من السادسة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ) سلمان الأغرّ. [تنبيه]: قال الجيّاني في "تقييد المهمل": هكذا رُوي في هذا الإسناد "عبد الله بن سلمان"، قال البخاريّ (١) في "باب عبد الله بن سلمان": عبد الله بن سلمان أخو عُبيد الله بن سلمان الأغرّ المدينيّ مولى جُهينة، ثم قال (٢) في باب "عُبيد الله بن سلمان": الأغرّ المدنيّ مولى جهينة، روى عنه مالك، وابن عجلان، وسليمان بن بلال، ثم قال البخاريّ: قال بعضهم: عبد الله، وعُبيد الله أصحّ. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى: هكذا نقل الجيّاني هذا الكلام عن الإمام البخاريّ في "تاريخه"، لكن الذي في "التاريخ الكبير" المطبوع ليس فيه قوله: "وعبيد الله أصحّ"، ولذا قال القاضي عياض بعد نقل كلام الجيّانيّ هذا، ما نصّه: ولم يكن هذا عندنا في "تاريخ البخاريّ"، ولا في أصل شيخنا الشهيد. انتهى (٤). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ): أي يرسل، قال الفيّوميّ: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كسرته، فانكسر، وكلُّ شيء يَنبَعِث بنفسه، فان الفعل يتعدّى إليه بنفسه، فيُقال: بعثتُهُ، وكلُّ شيء لا ينبعثُ بنفسه، كالكتاب والهديّة، فإن الفعل يتعدَّى إليه بالباء، فيقال: بعثت به إليه، وأوجز الفارابيّ، فقال: بعثه: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجَّهَه. انتهى (٥). (رِيحًا) هي مؤنّثة على الأكثر، فيقال: هي

стр. 1772

الريح، وقد تُذكَّر على معنى الْهَوَاء، فيقال: هو الريح، وهَبَّ الريح، نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباريّ: الريح مؤنّثةٌ، لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها، إلا الإعصار، فإنه مذكّرٌ. انتهى (١). (مِنَ الْيَمَنِ) البلد المعروف، سُمّي به؛ لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، وَيمَانٍ بالألف على غير قياس، ويقال: يمانيّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث: "جاء أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة … " الحديث، فراجعه تستفد. قال النوويّ: جاء في هذا الحديث: "يبعث الله تعالى ريحًا من اليمن"، وفي حديث آخر، ذكره مسلم في آخر الكتاب، عَقِبَ أحاديث الدجال (٢): "ريحًا من قبل الشام". ويجاب عن هذا بوجهين: [أحدهما]: يحتمل أنهما ريحان: شاميةٌ ويمانية، ويحتمل أن مبدأها من أَحَدِ الإقليمين، ثم تَصِلُ إلى الآخر، وتنتشر عنده، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). وقال القرطبيّ: هذه الريح إنما تُبعَثُ بعد نزول عيسى ابن مريم ﵇، وقتله الدّجّال، كما يأتي في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في "الفتن" آخر الكتاب، غير أنه قال هنا: "ريحًا من قبل اليمن"، وفي حديث عبد الله: "من قبل الشام"، فيجوز أن يكون مبدؤها من قبل اليمن، ثم تمرّ بالشام، فتهبّ منه على من يليه. انتهى (٤). (أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ) ولفظ أبي نعيم: "ألين على المؤمن من الحرير"، وفيه - والله أعلم - إشارة إلى الرفق بهم، والإكرام لهم، قاله النوويّ. وقال الأبيّ (٥): هذا الذي قاله النوويّ يؤخذ من السياق، وإلا فليس التسهيل دليلًا على التكرمة، ولا التصعيب دليلًا على الشقاء، فكم شقّ على

стр. 1773

سعيد، وسَهُل على شقيّ، فعن زيد بن أسلم عن أبيه: "إذا بقي على المؤمن شيء من درجاته لم يبلغه من عمله شدّد الله عليه الموت؛ ليبلغ بكرمه درجته في الآخرة، وإذا كان للكافر معروف لم يُجزَ به في الدنيا سهّل الله عليه الموت؛ ليستكمل ثواب معروفه ليصير إلى النار"، وعن عائشة ﵂ قالت: لا أغبِطُ أحدًا سهل عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ ، وكان يُدخل يده في قَدَح، ويمسح بها وجهه، ويقول: "اللهم سهّل عليّ الموت"، فقالت فاطمة ﵂ حينئذ: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال: "لا كرب لأبيك بعد اليوم" (١)، ونُزع معاذ نزعًا لم يُنزعه أحدٌ، فكان كلما أفاق قال: رب اخنُق، فوعزّتك لتعلم أن قلبي يُحبّك، ورُوي: "موت الفجأة راحة المؤمن، وأخذة أسف لفاجر" (٢). (فَلَا تَدَعُ) أي لا تترك (أَحَدًا فِي قَلْبِهِ - قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ -) عبد الله بن محمد بن أبي فروة في روايته (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة، واحدة الحبّ، وهو اسم جنس للحنطة وغيرها مما يكون في السُّنْبُل والأَكمام، وجمع "الحبّة" حَبّات، على لفظها، وتُجمع على حِبَاب، مثلُ كَلْبَة وكِلاب، وجمع "الحبّ": حُبُوب، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس (٣). (- وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ -) الدراورديّ في روايته (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بفتح الذال، وتشديد الراء: واحدة الذَّرّ، قال ابن الأثير: الذّرّ: النملُ الأحمر الصغير، واحدتها ذَرّةٌ، وسُئل ثَعْلبٌ

стр. 1774

عنها، فقال: إن مائة نملة وزنُ حَبّة، والذّرّة واحدةٌ منها، وقيل: الذّرّة ليس لها وزن، ويُراد بها ما يُرَى في شُعاع الشمس الداخل في النافذة. انتهى (١). وقال في "القاموس": الذَّرُّ: صغار النّمل، ومائة منها زِنَةُ حَبَّةِ شَعير. انتهى (٢). يعني: أنه وقع اختلاف بين راويي صفوان بن سُليم، وهما: أبو علقمة الفَرْويّ، وعبد العزيز الدراورديّ، فقال الأول: "لا تَدَع أحدًا في قلبه مثقال حبّة من إيمان"، وقال الثاني: "لا تَدَع أحدًا في قلبه مثقال ذَرّة من إيمان". وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ) بيان لـ "مِثْقالُ"، قال النوويّ: فيه بيانٌ للمذهب الصحيح أن الإيمان يزيد وينقص. انتهى. (إِلَّا قَبَضَتْهُ") أي قبضت روحه، أي بواسطة ملك الموت، فلا تنافي بينه وبين قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وقال القرطبيّ: قبض الإيمان في هذا الحديث هو بقبض أهله، كما جاء في حديث ابن عمرو، وقال فيه: "ثم يُرسل الله ريحًا باردةً من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّة من خير، أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كَبِد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه - قال -: فيبقى شرار الناس في خِفّة الطير، وأحلام السباع" (٣). انتهى كلام القرطبيّ (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وقبض الإيمان في هذا الحديث … إلخ " هكذا ذكر القرطبيّ هذا التأويل، ولا حاجة إليه؛ لأنه مبنيّ على جعل الضمير "قبضته" عائدًا إلى "إيمان"، وليس كذلك، بل هو عائد على "أحد" من قوله: "فلا تدع أحدًا"، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأمّل، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد جاءت في هذا النوع أحاديث كثيرة: (فمنها): ما أخرجه المصنّف من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت

стр. 1775

رسول الله ﷺ يقول: "لا يذهب الليل والنهار، حتى تعبد اللات والعزى"، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣] أن ذلك تامًّا، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبةً، فتوفى كلَّ من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". (ومنها): ما أخرجه أيضًا من حديث النوّاس بن سمعان من حديث الدجال الطويل، وفيه: "فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة". (ومنها): ما أخرجه أيضًا من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله". (ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث مِرْداس الأسلمي ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حُفَالة كحُفَالة الشعير (١)، أو التمر، لا يباليهم الله بالةً". (ومنها): ما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "مِن شرار الناس مَن تُدركهم الساعة، وهم أحياء". وهذه الأحاديث كلها وما في معناها تدلّ على أن الصالحين سيُقبضون شيئًا فشيئًا، حتى يكونوا في آخر الزمان قلّةً، فتأتي الريح اللينة، فتقبضهم، فتقوم الساعة على شرار الناس، والله تعالى أعلم. [فإن قلت]: كيف تجمع بين هذه الأحاديث، وبين حديث جابر بن عبد الله ﵂ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحقّ، ظاهرين إلى يوم القيامة". وحديث معاوية ﵁ مرفوعًا: "ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله،

стр. 1776

لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله"، متّفقٌ عليه، فإن ظاهر الحديثين أن هذه الطائفة تبقى على الحقّ إلى أن تقوم الساعة؟. [قلت]: يُجمع بينها بأن هؤلاء لا يزالون على الحقّ حتى تَقبِضهم هذه الريح الليّنة قربَ القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأَطلَق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها، ودُنُوِّها المتناهي، قاله النوويّ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٣/ ٣١٩] (١١٧)، و (البخاريّ) في "التاريخ الكبير" (٥/ ١٠٩)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٤٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الريح التي تأتي قرب القيامة، فتقبض روحَ كلّ من في قلبه شيء من الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى، ورحمته للمؤمنين، حيث يقبض أرواحهم قبل قيام الساعة بريح ألين من الحرير، حتى لا تقوم عليهم القيامة، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ٣ - (ومنها): بيان أن موت الصالحين من أشراط الساعة. ٤ - (ومنها): بيان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، كما سبق في الأحاديث السابقة. ٥ - (ومنها): بيان بعض علامات الساعة، وهي هذه الريح. ٦ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً من معجزات الرسول ﷺ ، حيث أخبر بما سيأتي في آخر الزمان.

стр. 1777

٧ - (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، حيث يكون لبعضهم أعلى الدرجات، ولبعضهم أدنى قدر منه. ٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة، وخالف في ذلك طائفة من المبتدعة، وهم المرجئة الضالّة، يزعمون أنه مجرّد التصديق، لا يزيد، ولا ينقص، وهو ضلال مبين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٥٤ - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٠] (١١٨) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا، كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، ويُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (٢٣٤) (غخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَة) بن سعيد المذكور قبل بابين. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر بن إياس السّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربما

стр. 1778

وَهِمَ [٥] (مات سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ الْحُرَقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث بصيغة الإفراد في أوله؛ لكونه سمعه وحده، والجمع في ثانيه؛ لكونه سمعه مع جماعة، والإخبار بصيغة الإفراد في ثالثه؛ لكونه قرأه بنفسه، والعنعنة في الباقي. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من إسماعيل. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: (قال ابن أيوب … إلخ) إشارة إلى الاختلاف الواقع بين شيوخه الثلاثة، فيحيى بن أيوب صرّح بالسماع من شيخه إسماعيل، والآخران لم يصرّحا به. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ) أي سابقوا بتكثير الأعمال الصالحة، قال المجد: بادره مُبادرةً، وبِدَارًا، وابتدره، وبَدَرَ غيره إليه: عاجله. انتهى (١). وقال الفيّوميّ: بَدَرَ إلى الشيء، بُدُورًا، وبادر إليه مبادرةً، وبِدَارًا، من باب قَعَدَ، وقاتل: أسرع، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] (٢). وقوله: (فِتَنًا) أي أيام فِتَن، منصوب على المفعوليّة، وهو بكسر الفاء، وفتح التاء المثنّاة الفوقيّة، ثم نون: جمع فِتنة، بكسر، فسكون: وهي الْمِحنة والابتلاء، وأصلها من قولك: فَتَنتُ الذهب والفضّةَ: إذا أحرقته بالنار؛ ليَبِين الجيّد من الرديء (٣).

стр. 1779

وقال الطيبيّ: معنى قوله: "بادروا بالأعمال فِتَنًا" أي سابقوا وقوع الفِتَن بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتمّوا بها قبل نزولها، فالمبادرة: المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته، أو بدفعه قبل وقوعه. انتهى (١). وقال القرطبيّ: معناه: سابقوا بالأعمال الصالحة هُجُوم الْمِحَن المانعة منها، السالبة لشرطها المصحِّحِ لها: الإيمان، كما قال: "يُصبح الرجل مؤمنًا، ويُمسي كافرًا"، ولا إحالةَ، ولا بُعْدَ في حَمْل هذا الحديث على ظاهره؛ لأن الْمِحَن، والشدائد إذا توالت على القلوب أفسدتها بغلبتها عليها، وبما يؤثّر فيها من القسوة، ومقصود هذا الحديث الحضّ على اغتنام الْفُرْصة، والاجتهاد في أعمال الخير والبرّ عند التمكّن منها قبل هُجُوم الموانع. انتهى (٢). وقوله: (كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ) متعلّق بصفة لـ "فِتَن" أي كائنة كقِطَع الليل المظلِم، و"الْقِطَعُ" - بكسر، ففتح -: جمع قطعة، والمراد كجزء من الليل المظلِم؛ لفرط سوادها وظلمتها، وعدم تبيّن الصلاح والفساد فيها، وفيه إيماء إلى أن أهل هذه الْفِتَن ممن قال تعالى في حقّهم: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]، وقد قرأ ابن كثير، والكسائيّ في الآية بسكون الطاء على أن المراد به جزء من الليل، أو من سواده، ويرادفه قطعة. فقوله: "كقِطَع الليل المظلم" كناية عن شدّة الفِتَن، وهول الخوف منها، وإبهام الأمر فيها، وضعف الوصول إلى الحقّ، وسرعة الوقوع في الباطل، ووصف الليل بالمظلم للتأكيد. وحاصل المعنى: تعجّلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة من القتل، والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيه، والمراد من التشبيه بيان حال الفِتَن من حيث إنه بَشِيعٌ فَظِيعٌ، ولا يُعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها، قاله القاري (٣). (يُصْبِحُ) أي يدخل في وقت الصباح، يقال: أصبحنا: أي دخلنا في

стр. 1780

الصباح، وهو أول النهار (١). (الرَّجُلُ) ذكر الرجل ليس للاحتراز عن المرأة، فهي مثله في هذا، ولكن الظاهر - والله أعلم - أن ذلك غالب في الرجال؛ لأن أكثر الفتن تواجههم؛ إذ النساء غالبًا يبتعدن عن مواجهتها بسبب لزومهن البيت غالبًا، (مُؤْمِنًا) أي متّصفًا بأصل الإيمان، أو بكماله (وَيُمْسِي) أي يدخل في المساء، وهو خلاف الصباح (كَافِرًا) أي حقيقةً، أو كافرًا للنعمة، أو مشابهًا للكفرة، أو عاملًا عمل الكافر، وقيل: المعنى: يُصبح مُحَرِّمًا ما حرّمه الله، ويُمسي مستحلًّا إياه، وبالعكس، وحاصله التذبذب في أمر الدين، والتتبّع لأمر الدنيا، كما بيّنه بقوله: "يبيع … إلخ"، قاله القاري (٢). وأورد البغويّ في "شرح السنّة" (١٤/ ١٥)، عن الحسن أنه قال في هذا الحديث: "يصبح الرجل مؤمنًا" يعني: محرِّمًا لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي مستحلًّا. انتهى. فقوله: "يُصبح الرجل … إلخ" جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأن سائلًا قال: ما حال الفنتة؟ فأجابه بقوله: "يُصبح الرجل … إلخ". (أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا) "أو" للشكّ من الراوي في أيّ اللفظين قاله النبيّ ﷺ ، وكلّ من اللفظين يدلّ على سرعة التحوّل من حال الإيمان إلى حال الكفر في أقرب وقت، وليس الليل والنهار مقصودين، بل هما كناية عن السرعة المذكورة؛ إذ يمكن أن يحدث في لحظات قليلة من لحظات الليل والنهار. وقوله: (يَبِيعُ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، تقديره هنا: كيف يصبح مؤمنًا، ويمسي كافرًا؟، فأجاب بقوله: "يبيع … إلخ": أي يبيع الرجل، أو أحدهم (دِينَهُ) أي بتركه (بِعَرَضٍ) بفتحتين: أي بأخذ متاع دنيء، وثمن رديء، وقال القرطبيّ: عَرَضُ الدنيا بفتح العين والراء: هو طمعها، وما يَعْرِضُ منها، ويدخل فيه جميع المال، قاله الهرويّ (٣). (مِنَ الدُّنْيَا) بيان للعرض.

стр. 1781

وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" (٨٨٢٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ويلٌ للعرب، من شر قد اقترب، فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويُمسي كافرًا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليلٍ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر"، أو قال: "على الشوك"، وفي سنده ابن لَهِيعة، ضعيفٌ (١). وقال القاري: قوله: "يُصبح" استئناف لبيان بعض الفتن في ذلك الزمن، وقال الطيبيّ: استئناف بيان لحال المشبّه، وهو قوله: "فِتَنًا"، وقوله: "يبيع … إلخ" بيان للبيان. وقال المظهر: فيه وجوه: [أحدها]: أن يكون بين الطائفتين من المسلمين قتال لمجرّد العصبيّة والغضب، فيستحلّون الدم والمال. [وثانيها]: أن تكون وُلاة المسلمين ظَلَمَةً، فيُريقون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم بغير حقّ، ويَزنون، ويَشربون الخمر، فيعتقد بعض الناس أنهم على الحقّ، ويُفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرّمات. [وثالثها]: ما يجري بين الناس مما يُخالف الشرع من المعاملات والمبايعات وغيرها، فيستحلّونها. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٤/ ٣٢٠] (١١٨)، و (الترمذيّ) في "الفتن" (٢١٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٤ و ٣٧٢ و ٣٩٠ و ٣٩١

стр. 1782

و ٥٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٠٤)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٤٢٢٣)، و (الفريابيّ) في "صفة المنافق" (١٠١)، و (ابن أبي عاصم) في "الزهد" (٢١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما يَحدُث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة، كتراكم ظلام الليل المظلم لا الْمُقْمِر. ٢ - (ومنها): أنه ﷺ وصف نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يُمسي الشخص مؤمنًا، ثم يُصبح كافرًا أو عكسه، وهذا لعِظَم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. ٣ - (ومنها): بيان حرص النبيّ ﷺ على أمته، حيث يحثّهم على الإكثار من الطاعات قبل أن تمنعهم الفتن الشاغلة، ويخوّفهم من تأخير الطاعات المتيسّرة؛ إذ لا يدري العبد ماذا يحدث بعد وقته الذي هو فيه، فما أكثر المرض بعد الصحّة، والفقر بعد الغنى!، وما أسرع الشيب بعد الشباب، والشغل بعد الفراغ!. وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل، وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحتك، قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك"، وقال: صحيح على شرطهما، وهو كما قال. وقد نُقل عن السلف آثار كثيرة في شدّة حرصهم على المبادرة بالأعمال، فقد اجتهد أبو موسى الأشعريّ ﵁ قبل موته، فقيل له: لو رفقت بعض الرفق، قال: الخيل إذا وافت رأس المجرى أخرجت ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلّ، وقال سُحيم مولى بني تيم: جلستُ إلى عامر بن عبد الله، وهو يُصلّي، فأوجز في صلاته، ثم أقبل، وقال: أرحني بحاجتك، فإني أبادر، فقلت: من؟ قال: ملكَ الموت، فقمتُ عنه، وقام إلى الصلاة، وسأل رجل

стр. 1783

داود الطائيّ عن حديث، فقال: دعني، فإني أبادر خروج نفسي (١). ٤ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر ﷺ بما سيقع في أمته من الفتن. ٥ - (ومنها): أن في حثّه ﷺ بالأعمال الصالحة قبل أيام الفتن فوائد: [منها]: انتهاز الفرصة قبل فواتها. [ومنها]: حصول قوّة إيمان العبد بسبب الأعمال الكثيرة، فيستطيع أن يُدافع بقوته ما يواجهه من شدائد الفتن؛ ومن كان ضعيف الإيمان لا يقدر على ذلك، بل تتلاعب به الفِتَن كما تتلاعب الريح بالخيط المعلّق في الهواء. [ومنها]: أن من اعتاد الأعمال الصالحة إذا حيل بينه وبينها يُكتب له ما كان يعمله قبل أن يمنع منه، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مَرِض العبد، أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا". وأخرجه أبو داود في "سننه" (٢٦٨٧)، بلفظ: "إذا كان العبد يعمل عملًا صالحًا، فشغله عنه مرضٌ، أو سفرٌ، كُتب له كصالح ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم". ٦ - (ومنها): أنه ينبغي للمؤمن أن يبادر بالأعمال الصالحة، وفعل الحسنات ما وجد إلى ذلك سبيلًا، قبل فوات أوانها، وتُغلق أبوابها، فيقع في الندم كما يقع من يقول: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦]، أو يقول: لو أن لي عمرًا لأكونن من العاملين العابدين، أو يقول: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: مقصود هذا الحديث الأمر بالتمسّك بالدين، والتشدّد فيه عند الفتن، والتحذير من الفتن، ومن الإقبال على الدنيا، وعلى مطامعها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 1784

٥٥ - (بَابُ مَخَافَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢١] (١١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [الحجرات: ٢]، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِه، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّار، وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَل النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: "يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أَشْتَكَى؟ " قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أَنْزِلَت هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّار، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيِ شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قريبًا. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب - بمعجمة، ثم تحتانيّة - أبو عليّ البغداديّ، قاضي طَبَرِستان، والموصل، وحمص، ثقة [٩]. رَوَى عن الحمادين، وشعبة، وسفيان، وجرير بن حازم، وزهير بن معاوية، وابن لهيعة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن منيع، وأبو خيثمة، وابنا أبي شيبة، والفضل بن سهل الأعرج، وهارون الحمال، وغيرهم. قال أحمد: هو من متثبتي أهل بغداد. وقال ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو حاتم عن ابن المديني. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد، وابن خِرَاش: صدوق، زاد أبو حاتم: مات بالريّ، وحضرت جنازته، وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا في الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره مسلم في رجال

стр. 1785

شعبة الثقات في الطبقة الثالثة. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: كان ببغداد كأنه ضعفه (١)، وقال الخطيب: لا أعلم علةَ تضعيفه إياه. وقال الأعين: مات سنة ثمان، وقال ابن سعد والمطين: سنة تسع، وقال حنبل: سنة (٩) أو عشر ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) هو: ثابت بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة عن (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الشهير ﵁، خادم رسول الله ﷺ ، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث بصيغة الجمع ثلاث مرّات، والباقي عنعنعة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحماد أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا في "الرقاق"، فما في كتب الرجال من علامة التعليق له، ليس بصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن حمّادًا أثبت الناس في ثابت، كما أن ثابتًا ألزم أصحاب أنس لأنس ﵁، لزمه أربعين سنة. ٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد عُمّر أكثر من مائة سنة، كما سبق آنفًا، والله تعالى أعلم.

стр. 1786

شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) قال النسفيّ: إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كلّ خطاب وارد، وتحريك منهم؛ لئلا يغفلوا عن تأملهم (١). (﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيّته عليكم لائحةً، وسابقته لديكم واضحةً، وقوله: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) أي وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. والمعنى: إذا كلّمتموه، وهو صامتٌ، فإياكم والعدول عما نُهيتم عنه، من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمّدوا في مخاطبته القول الليّن المقرّب من الهمس الذي يُضادّ الجهر، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة، والسكينة، والتعظيم. وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ منصوب الموضع على أنه المفعول له، متعلّقٌ بمعنى النهي، والمعنى: انتهوا عما نُهيتم عنه؛ لحبوط أعمالكم: أي لخشية حبوطها، فهو على تقدير مضاف محذوف (٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي لا تخاطبوه يا محمد، ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله؛ توقيرًا له، وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبيّ ﷺ ؛ ليقتدي بهم ضَعَفَةُ المسلمين، فَنُهِي المسلمون عن ذلك، وقيل: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ﴾: أي لا تجهروا عليه، كما يقال: سَقَطَ لفيه: أي على فيه. وقوله : ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كاف التشبيه، في محل النصب، أي لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا دليلٌ على أنهم لم يُنْهَوْا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغُ لهم إلا أن يُكَلِّموه بالْهَمْس والمخافتة، وإنما نُهُوا عن جهرٍ مخصوصٍ مُقَيَّدٍ بصفةٍ،

стр. 1787

أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أُبَّهَةِ النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرُّتَب، وإن جلت على رتبتها. وقوله : ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي من أجل أن تَحْبَط، أي تَبْطُل، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم. وقال الزجاج: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ التقدير: لأن تحبط، أي فتحبَطَ أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وليس قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، بموجب أن يَكْفُر الإنسان، وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد إلى الكفر، ولا يختاره، بالإجماع. انتهى (١). (جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) أي حبس نفسه في بيته كئيبًا حزينًا خائفًا. وهو: ثابت بن قيس بن شَمّاس بن زُهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، خَطِيب الأنصار، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: محمد، وقيس، وإسماعيل، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، واستُشْهِد باليمامة، في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ سنة (١٢). روى ابن السكن من طريق ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس ﵁ قال: خطب ثابت بن قيس مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينةَ، فقال: نَمْنَعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: "الجنّة"، قالوا: رَضِينا. وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: كان ثابت بن قيس خَطِيب الأنصار، يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، ولم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أحدٌ، وشهد ما بعدها، وبَشَّره النبيّ ﷺ بالجنة في هذا الحديث. وأخرج الترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "نعم الرجل ثابت بن قيس".

стр. 1788

وفي "صحيح البخاريّ" مختصرًا، و"معجم الطبرانيّ" (١) مُطوّلًا، عن أنس ﵁ قال: لَمّا انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يَتَحَنَّط، فقال: ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عَوَّدتم أقرانكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتِل، وكان عليه دِرْعٌ نفيسةٌ، فمَرَّ به رجل مسلم، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلُم، فتضيِّعه، إني لَمّا قُتِلتُ أخذ درعي فلان، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس تَسْتَنّ، وقد كفأ على الدرع بُرْمَةً، وفوقها رَحْلٌ، فائت خالدًا، فمره، فليأخذها، وليقل لأبي بكر: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان عَتِيقٌ، فاستيقظ الرجل، فأَتَى خالدًا، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحَدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته، قال: ولا نعلم أحدًا أُجيزت وصيّته بعد موته غير ثابت ﵁، ذكره أبو عمر في "الاستيعاب" (٢). ورواه البغويّ من وجه آخر، عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس مطوّلًا (٣). ودخل عليه النبيّ ﷺ ، وهو عَلِيل، فقال: "أَذْهِبِ الباس، ربَّ الناس، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس" (٤). وقال ابن الحذّاء: قال بعض الناس: ثابت بن قيس بن شَمّاس، مولى رسول الله ﷺ ، فَوَهِمَ (٥)، وأخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأبو داود، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، وليس له عند مسلم رواية، بل هذه القصّة.

стр. 1789

(فِي بَيْتِه، وَقَالَ) في نفسه، أو قال ذلك لمن اتّصل به، وسأل عنه (أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي بسبب رفع صوته على النبيّ ﷺ (وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي امتنع من المجيء إليه على خلاف عادته (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النَّبِيت بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ، سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة، ويكنى أبا عمرو، شَهِدَ بدرًا باتفاق، ورُمِي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا، حتى حَكَم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات، أخرج ذلك البخاري في "صحيحه"، وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لَمّا خَرَجت جنازته: ما أخفّها! فقال النبيّ ﷺ : "إن الملائكة حملته". وفي "الصحيحين"، وغيرهما من طُرُق أن النبيّ ﷺ قال: "اهتزّ العرش لموت. سعد بن معاذ". ورَوَى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعَبّاد بن بِشْر. وذَكَر ابن إسحاق أنه لما أسلم على يد مصعب بن عُمير قال لبني عبد الأشهل: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا، فأَسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام. ورَوَى ابن إسحاق في قصة الخندق، عن عائشة قالت: كنت في حِصْن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فَمَرّ سعد بن معاذ، وهو يقول [من الرجز]: لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ … مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ فقالت له أمه: الحق يا بُنيّ، فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد، لَوَدِدت أن دِرْع سعد أسبغ مما هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الذي رماه: خُذها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقال: عَرَّقَ الله وجهك في النار، وابن الْعَرِقَة اسمه حَبَّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤي، والْعَرِقة أمه، وقيل: إن الذي أصاب سعدًا أبو أمامة الْجُشَميّ. وروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن بني قريظة لَمّا

стр. 1790

نزلوا على حكم سعد، وجاء على حمار، فقال النبيّ ﷺ : "قوموا إلى سيِّدكم". وقال الزهريّ عن ابن المسيب، عن ابن عباس، قال سعد بن معاذ: ثلاث أنا فيهن رجل - يعني كما ينبغي - وما سوى ذلك فأنا رجل عن الناس، ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا قطّ إلا عَلِمتُ أنه حقّ من الله تعالى، ولا كنت في صلاة قطّ، فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنتُ في جنازة قطّ، فحدثت نفسي بغير ما تقول، ويقال لها، حتى أنصرف عنها، قال ابن المسيب: فهذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبيّ (١). وأخرج ابن إسحاق بغير سند: أن أم سعد لَمّا مات قالت: وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجَدَّا وَسَيِّدًا سُدَّ بِهِ مَسَدَّا فقال النبيّ ﷺ : "كلُّ نادبة تَكْذِب، إلا نادبة سعد". وأخرجه الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس ﵁ قال: جَعَلت أم سعد تقول: وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجَدّا فقال النبيّ ﷺ : "لا تزيدي على هذا، كان - والله - ما علمتُ حازمًا، وفي أمر الله قَوِيًّا" (٢). له في "صحيح البخاريّ" حديثان أحدهما، من طريق ابن مسعود: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا … الحديث، والثاني في قصّة قتل سعد بن الربيع بأحد (٣)، وليس له في "صحيح مسلم" ذكر، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) ﷺ ("يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية سعد بن معاذ ﵁ (مَا شَأْنُ ثَابِتٍ) "ما" استفهاميّة: أي أيّ شأن شأنه؟، وقوله: (أَشْتَكَى؟ ") بهمزة الاستفهام، وحذف همزة الوصل؛ لأن القاعدة أن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل المفتوحة، قُلبت همزة الوصل مدّةً، نحو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]،
следующие страницы →