شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) قال النسفيّ: إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كلّ خطاب وارد، وتحريك منهم؛ لئلا يغفلوا عن تأملهم (١). (﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أي إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيّته عليكم لائحةً، وسابقته لديكم واضحةً، وقوله: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) أي وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
والمعنى: إذا كلّمتموه، وهو صامتٌ، فإياكم والعدول عما نُهيتم عنه، من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمّدوا في مخاطبته القول الليّن المقرّب من الهمس الذي يُضادّ الجهر، أو لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة، والسكينة، والتعظيم.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ منصوب الموضع على أنه المفعول له، متعلّقٌ بمعنى النهي، والمعنى: انتهوا عما نُهيتم عنه؛ لحبوط أعمالكم: أي لخشية حبوطها، فهو على تقدير مضاف محذوف (٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أي لا تخاطبوه يا محمد، ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله؛ توقيرًا له، وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبيّ ﷺ ؛ ليقتدي بهم ضَعَفَةُ المسلمين، فَنُهِي المسلمون عن ذلك، وقيل: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ﴾: أي لا تجهروا عليه، كما يقال: سَقَطَ لفيه: أي على فيه.
وقوله : ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الكاف كاف التشبيه، في محل النصب، أي لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض.
وفي هذا دليلٌ على أنهم لم يُنْهَوْا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغُ لهم إلا أن يُكَلِّموه بالْهَمْس والمخافتة، وإنما نُهُوا عن جهرٍ مخصوصٍ مُقَيَّدٍ بصفةٍ،
стр. 1787
أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أُبَّهَةِ النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرُّتَب، وإن جلت على رتبتها.
وقوله : ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي من أجل أن تَحْبَط، أي تَبْطُل، هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: أي لئلا تحبط أعمالكم.
وقال الزجاج: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ التقدير: لأن تحبط، أي فتحبَطَ أعمالكم، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وليس قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، بموجب أن يَكْفُر الإنسان، وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد إلى الكفر، ولا يختاره، بالإجماع. انتهى (١).
(جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ) أي حبس نفسه في بيته كئيبًا حزينًا خائفًا.
وهو: ثابت بن قيس بن شَمّاس بن زُهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، خَطِيب الأنصار، رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه أولاده: محمد، وقيس، وإسماعيل، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، واستُشْهِد باليمامة، في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ سنة (١٢).
روى ابن السكن من طريق ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس ﵁ قال: خطب ثابت بن قيس مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينةَ، فقال: نَمْنَعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: "الجنّة"، قالوا: رَضِينا.
وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: كان ثابت بن قيس خَطِيب الأنصار، يُكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، ولم يذكره أصحاب المغازي في البدريين، وقالوا: أول مشاهده أحدٌ، وشهد ما بعدها، وبَشَّره النبيّ ﷺ بالجنة في هذا الحديث.
وأخرج الترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "نعم الرجل ثابت بن قيس".
стр. 1788
وفي "صحيح البخاريّ" مختصرًا، و"معجم الطبرانيّ" (١) مُطوّلًا، عن أنس ﵁ قال: لَمّا انكشف الناس يوم اليمامة، قلت لثابت بن قيس: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يَتَحَنَّط، فقال: ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عَوَّدتم أقرانكم، اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتِل، وكان عليه دِرْعٌ نفيسةٌ، فمَرَّ به رجل مسلم، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم، أتاه ثابت في منامه، فقال: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حُلُم، فتضيِّعه، إني لَمّا قُتِلتُ أخذ درعي فلان، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس تَسْتَنّ، وقد كفأ على الدرع بُرْمَةً، وفوقها رَحْلٌ، فائت خالدًا، فمره، فليأخذها، وليقل لأبي بكر: إن عليّ من الدين كذا وكذا، وفلان عَتِيقٌ، فاستيقظ الرجل، فأَتَى خالدًا، فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحَدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيّته، قال: ولا نعلم أحدًا أُجيزت وصيّته بعد موته غير ثابت ﵁، ذكره أبو عمر في "الاستيعاب" (٢).
ورواه البغويّ من وجه آخر، عن عطاء الخراسانيّ، عن بنت ثابت بن قيس مطوّلًا (٣).
ودخل عليه النبيّ ﷺ ، وهو عَلِيل، فقال: "أَذْهِبِ الباس، ربَّ الناس، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس" (٤).
وقال ابن الحذّاء: قال بعض الناس: ثابت بن قيس بن شَمّاس، مولى رسول الله ﷺ ، فَوَهِمَ (٥)، وأخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأبو داود، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، وليس له عند مسلم رواية، بل هذه القصّة.
стр. 1789
(فِي بَيْتِه، وَقَالَ) في نفسه، أو قال ذلك لمن اتّصل به، وسأل عنه (أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي بسبب رفع صوته على النبيّ ﷺ (وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أي امتنع من المجيء إليه على خلاف عادته (فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النَّبِيت بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ، سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع لها صحبة، ويكنى أبا عمرو، شَهِدَ بدرًا باتفاق، ورُمِي بسهم يوم الخندق، فعاش بعد ذلك شهرًا، حتى حَكَم في بني قريظة، وأجيبت دعوته في ذلك، ثم انتقض جرحه، فمات، أخرج ذلك البخاري في "صحيحه"، وذلك سنة خمس، وقال المنافقون لَمّا خَرَجت جنازته: ما أخفّها! فقال النبيّ ﷺ : "إن الملائكة حملته".
وفي "الصحيحين"، وغيرهما من طُرُق أن النبيّ ﷺ قال: "اهتزّ العرش لموت. سعد بن معاذ".
ورَوَى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعَبّاد بن بِشْر.
وذَكَر ابن إسحاق أنه لما أسلم على يد مصعب بن عُمير قال لبني عبد الأشهل: كلامُ رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا، فأَسلموا، فكان من أعظم الناس بركةً في الإسلام.
ورَوَى ابن إسحاق في قصة الخندق، عن عائشة قالت: كنت في حِصْن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فَمَرّ سعد بن معاذ، وهو يقول [من الرجز]:
لَبِّثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ … مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ
فقالت له أمه: الحق يا بُنيّ، فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد، لَوَدِدت أن دِرْع سعد أسبغ مما هي، قال: فأصابه السهم حيث خافت عليه، وقال الذي رماه: خُذها وأنا ابن الْعَرِقَة، فقال: عَرَّقَ الله وجهك في النار، وابن الْعَرِقَة اسمه حَبَّان بن عبد مناف، من بني عامر بن لؤي، والْعَرِقة أمه، وقيل: إن الذي أصاب سعدًا أبو أمامة الْجُشَميّ.
وروى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن بني قريظة لَمّا
стр. 1790
نزلوا على حكم سعد، وجاء على حمار، فقال النبيّ ﷺ : "قوموا إلى سيِّدكم".
وقال الزهريّ عن ابن المسيب، عن ابن عباس، قال سعد بن معاذ: ثلاث أنا فيهن رجل - يعني كما ينبغي - وما سوى ذلك فأنا رجل عن الناس، ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا قطّ إلا عَلِمتُ أنه حقّ من الله تعالى، ولا كنت في صلاة قطّ، فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنتُ في جنازة قطّ، فحدثت نفسي بغير ما تقول، ويقال لها، حتى أنصرف عنها، قال ابن المسيب: فهذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبيّ (١).
وأخرج ابن إسحاق بغير سند: أن أم سعد لَمّا مات قالت:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجَدَّا
وَسَيِّدًا سُدَّ بِهِ مَسَدَّا
فقال النبيّ ﷺ : "كلُّ نادبة تَكْذِب، إلا نادبة سعد".
وأخرجه الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس ﵁ قال: جَعَلت أم سعد تقول:
وَيْلُ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا … حَزَامَةً وَجَدّا
فقال النبيّ ﷺ : "لا تزيدي على هذا، كان - والله - ما علمتُ حازمًا، وفي أمر الله قَوِيًّا" (٢).
له في "صحيح البخاريّ" حديثان أحدهما، من طريق ابن مسعود: انطلق سعد بن معاذ معتمرًا … الحديث، والثاني في قصّة قتل سعد بن الربيع بأحد (٣)، وليس له في "صحيح مسلم" ذكر، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ﷺ ("يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية سعد بن معاذ ﵁ (مَا شَأْنُ ثَابِتٍ) "ما" استفهاميّة: أي أيّ شأن شأنه؟، وقوله: (أَشْتَكَى؟ ") بهمزة الاستفهام، وحذف همزة الوصل؛ لأن القاعدة أن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة الوصل المفتوحة، قُلبت همزة الوصل مدّةً، نحو قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]،
стр. 1791
وإذا دخلت على المكسورة حُذفت همزة الوصل، نحو قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، ويحتمل أن تكون الهمزة الموجودة هي همزة الوصل المكسورة، وحُذفت همزة الاستفهام، والجملة تفسير، وتفصيل للجملة السابقة (قَالَ سَعْدٌ) ﵁ (إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى) أي بمرض، ودخلت الباء في المفعول؛ لتضمين عَلِم معنى شَعَر، قال الفيّوميّ: إذا كان عَلِم بمعنى: اليقين، تعدّى إلى مفعولين، وإذا كان بمعنى عَرَفَ تعدّى إلى مفعول واحد، وقد يُضَمَّنُ معنى شَعَرَ، فتدخل الباء، فيقال: علمته، وعلمتُ به، وأعلمته الخير، وأعلمته به. انتهى (١). (قَالَ) أنس ﵁ (فَأتاهُ سَعْدٌ) ﵁.
وفي رواية البخاريّ من طريق موسى بن أنس، عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده جالسًا في بيته، مُنَكِّسًا رأسه … "، والرجل المبهم هو سعد بن معاذ ﵃ المبيَّن هنا.
(فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي في شأن احتباسه عنه (فَقَالَ ثَابِتٌ) ﵁ (أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) المتقدّم ذكرها (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي لأنه كان جهوريّ الصوت (فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي أخاف أن أكون من أهلها؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
وفي رواية البخاريّ المذكورة: "فقال: ما شأنك؟ فقال: شَرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النبيّ ﷺ ، فقد حَبِطَ عمله … ".
(فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ) أي ما قاله ثابت ﵁ من الاعتذار عن احتباسه عن مجلسه ﷺ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ") وفي رواية البخاريّ: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: "اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة".
وأخرج ابن سعد بإسناد قويّ، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت، قال: قال ثابت بن قيس بن
стр. 1792
شماس: "يا رسول الله إني أخشى أن أكون قد هلكتُ، فقال: "وما ذاك؟ " قال: نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا جهير … " الحديث، وفيه: فقال له ﷺ : "أما ترضى أن تعيش سعيدًا، وتُقْتَل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ ". وهذا مرسل قويُّ الإسناد.
وأخرجه الدارقطنيّ في "الغرائب" من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك كذلك، ومن طريق سعيد بن كثير، عن مالك، فقال فيه: عن إسماعيل، عن ثابت بن قيس، وهو مع ذلك مرسل؛ لأن إسماعيل لم يَلْحَق ثابتًا.
وأخرجه ابن مردويه من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، فقال: عن محمد بن ثابت بن قيس: إن ثابتًا، فذكر نحوه.
وأخرجه ابن جرير، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ معضلًا، ولم يذكر فوقه أحدًا، وقال في آخره: "فعاش حميدًا، وقُتِل شهيدًا يوم مسيلمة".
ورَوَى ابنُ سعد بإسناد صحيح، من مرسل عكرمة، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، قال ثابت بن قيس: كنت أرفع صوتي، فأنا من أهل النار، فقَعَدَ في بيته، فذكر الحديث، نحو حديث أنس، وفي آخره: "بل هو من أهل الجنة"، فلما كان يومُ اليمامة انهزَمَ المسلمون، فقال ثابت: أُفٍّ لهؤلاء ولما يعبدون، وأُفٍّ لهؤلاء ولما يصنعون، قال: ورجل قائم على ثُلْمة (١)، فقتله، وقُتِلَ.
ورَوَى ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ﵁ في قصة ثابت بن قيس ﵁، فقال في آخرها: قال أنس: فكنا نراه يَمشِي بين أَظْهُرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يومُ اليمامة كان في بعضنا بعضُ الانكشاف، فأقبل وقد تَكَفَّن، وتَحَنَّط، فقاتل، حتى قُتِلَ.
ورَوَى ابن المنذر في "تفسيره" من طريق عطاء الخراسانيّ، قال: حدثتني
стр. 1793
بنت ثابت بن قيس، قالت: لَمّا أنزل الله هذه الآية، دخل ثابت بيته، فأَغْلَق بابه، فذكر القصةَ مُطَوّلَةً، وفيها قولُ النبيّ ﷺ : "تَعِيش حميدًا، وتموت شَهِيدًا"، وفيها: فلما كان يومُ اليمامة ثبت حتى قُتِلَ (١)، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (٢).
[تنبيه]: استُشْكِلت هذه القصّة بأن نزول الآية المذكورة كان في زمن الوفود، بسبب الأقرع بن حابس وغيره، فقد روى البخاريّ في "صحيحه" عن ابن أبي مليكة قال: "كاد الْخَيِّران أن يَهلكا: أبو بكر وعمر، لَمّا قَدِم على النبيّ ﷺ وَفْدُ بني تميم، أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التميميّ الحنظليّ، أخي بني مُجاشِع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبيّ ﷺ ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله ﴿عَظِيمٌ﴾ … " الحديث.
وسنة الوفود كانت سنة تسع، وسعد بن معاذ ﵁ مات قبل ذلك في بني قريظة، وذلك سنة خمس.
وأجاب الحافظ بأنه يُمكن الجمع بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نَزَل في قصة الأقرع أول السورة، وهو قوله : ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقد نزل من هذه السورة سابقًا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ففي "كتاب الصلح" عند البخاريّ من حديث أنس ﵁، أنها نزلت في قصة عبد الله بن أُبَيّ بن سَلَولَ، وفي سياقه، وذلك قبل أن يسلم عبد الله، وكان إسلام عبد الله بعد وقعة بدر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جمع الحافظ في "الفتح"، وفيه نظر لا يخفى، لأن رواية البخاريّ المذكورة صريحة في أن ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ نزلت في قصّة الأقرع، فلا يصحّ الجمع المذكور.
стр. 1794
وجمع بعضهم بأن الآية تكرر نزولها في القضيّتين، وفيه نظر لا يخفى والذي يظهر لي أن ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية غلطٌ، وهو الذي ارتضاه الحافظ، واحتجّ له بما رَوَاه ابن المنذر في "تفسيره" من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس ﵁ في هذه القصّة، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله هو جاري … الحديث.
فقال الحافظ: وهذا أشبه بالصواب؛ لأن سعد بن عبادة من قبيلة ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ؛ لأنه من قبيلة أخرى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن المنذر، في سندها سعيد بن بشير، والأكثرون على تضعيفه، وقال عنه في "التقريب": ضعيف، وانظر ما قاله الأئمة فيه في "التهذيب".
والحاصل أن نكارة ذكر سعد بن معاذ مما لا شكّ فيه، ولم يُذكَر إلا في رواية حماد بن سلمة هذه، فقد روى هذا الحديث عن ثابت سليمانُ التيميّ، وسليمانُ بن المغيرة، وجعفرُ بن سليمان، عند المصنّف، فلم يذكروا سعد بن معاذ، بل ذكروه بلفظ رجل، أو نحوه، كما بيّنه المصنّف عقب كلّ الروايات، والظاهر أن المصنّف يرى تفرّد حماد بن سلمة بهذه الزيادة، وهو وإن كان أثبت مَن روى عن ثابت، إلا أن الوهم قد يعتري الحافظ، ولا سيّما مع مخالفة هؤلاء الثلاثة له.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من رواية موسى بن أنس عن أنس ﵁، وذكره بلفظ رجل أيضًا.
فتحصّل من هذا كله أن نكارة ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية هي الواضحة، فالحقّ أنه إما سعد بن عبادة، كما في رواية سعيد بن بشير، ومال إليها الحافظ، وإن كان فيها مقال، أو رجل آخر، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقد رَوَى الطبريّ، وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب، حدثني أبو
стр. 1795
ثابت بن ثابت بن قيس، قال: "لَمّا نزلت هذه الآية، قَعَدَ ثابت يبكي، فمَرَّ به عاصم بن عديّ، فقال: ما يبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تعيش حميدًا … " الحديث.
قال الحافظ: وهذا لا يغاير أن يكون الرسول إليه من النبيّ ﷺ سعد بن معاذ. انتهى. وقد عرفت ما في سعد بن معاذ، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٥/ ٣٢١ و ٣٢٢ و ٣٢٣ و ٣٢٤] (١١٩)، و (البخاريّ) في "علامات النبوّة" (٣٦١٣)، و"التفسير" (٤٨٤٦)، وفي "خلق أفعال العباد" (٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٧ و ١٤٥ و ٢٨٧)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١٢٠٩)، و (النسائيّ) في "فضائل الصحابة" من "الكبرى" (١٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٩٧ و ١٩٨ و ١٩٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣١٠ و ٣١١ و ٣١٢ و ٣١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٦٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٣١ و ٣٤٢٧)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (١٣٠٩)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٢٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحذير المؤمن من أن يحبط عمله بسبب ارتكاب المعاصي؛ لأنها مناقضة للإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد الحديث في "كتاب الإيمان".
وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" لهذا بابًا، فقال: [باب خوف المؤمن من أن يَحْبَطَ عمله، وهو لا يشعر]، وقال إبراهيم التيميّ: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مُكَذِّبًا، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه
стр. 1796
على إيمان جبريلِ وميكائيل، ويُذْكَرُ عن الحسن: ما خافه إلا مؤمنٌ، ولا أمنه إلا منافق، وما يُحْذر من الإصرار على النفاق والعصيان، من غير توبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. انتهى.
والضمير في قوله: "ما أمنه" للنفاق (١).
ثم أورد البخاريّ حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ"، وحديث أنس عن عبادة بن الصامت ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج يُخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع، والتسع، والخمس"، تفرّد به البخاريّ.
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الخوف من إحباط أعمالهم، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يكون دائم الخوف، كما أسلفناه آنفًا فيما أورده البخاريّ في "صحيحه".
٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة للصحابيّ الجليل ثابت بن قيس ﵁، حيث أخبر النبيّ ﷺ بأنه من أهل الجنّة، فكان الصحابة ﵃ يرونه، وهو يمشي بين أظهرهم رجلًا من أهل الجنّة، كما سيأتي في الرواية الآتية.
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للعالم، وكبير القوم أن يتفقّد أصحابه، ويسأل عنهم إذا غابوا تأسّيًا بالنبيّ ﷺ .
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من كمال التصديق فيما يُخبر به النبيّ ﷺ من الأمور الغيبيّة، حيث قال الراوي: "فكنّا نراه يمشي بين أظهرنا رجلًا من أهل الجنّة".
٦ - (ومنها): أن الآية المذكورة نزلت آمرةً بتعظيم رسول الله ﷺ ، وتوقيره، وخفض الصوت لحضرته، وعند مخاطبته، بحيث إنه إذا نطق، ونطقوا، ينبغي ألا يبلغوا بأصواتهم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن يغُضّوا منها، بحيث يكون كلامه غالبًا لكلامهم، وجهره باهرًا لجهرهم، حتى تكون
стр. 1797
مزيته لائحةً عليهم، وسابقته واضحة بينهم، وامتيازه عن جمهورهم، كَشِيَة الأبلق.
قال القرطبيّ: وقد كَرِهَ بعض العلماء رفع الصوت عند قبره ﷺ ، وكَرِهَ بعض العلماء رفع الصوت في مجالس العلماء؛ تشريفًا لهم؛ إذ هم ورثة الأنبياء. انتهى.
وقد كره العلماء أيضًا رفع الصوت على حديثه ﵁، فكانوا يمنعون منه، ويخرجون من يفعل ذلك من المجلس، ويروى ذلك عن الإمام مالك، وكان يقرأ الآية المذكورة، فمن رفع صوته عند حديثه، فكأنما رفع صوته فوق صوته ﷺ (١).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمةُ النبيّ ﷺ ميتًا كحرمته حيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرّفْعَة مثال كلامه المسموع من لفظه، فإذا قُرِئ كلامه وَجَب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يُعْرِض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نَبّه الله على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وكلامه ﷺ من الوحي، وله من الأحكام مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه. انتهى. وهو استنباط نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: ليس الغرض برفع الصوت، ولا الجهر ما يُقْصَد به الاستخفاف، والاستهانة؛ لأن ذلك كُفْرٌ، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوتٌ هو في نفسه، والمسموع من جَرْسِه (٢) غيرُ مناسب لما يُهاب به العظماء، ويُوَقَّر الكبراء، فَيَتَكَلَّف الْغَضَّ منه، ورَدَّه إلى حَدٍّ يميل به إلى ما يَستبين فيه المأمور به، من التعزير والتوقير، ولم يتناول النهي أيضًا رفعَ الصوت الذي يتأذى به رسول الله ﷺ ، وهو ما كان منهم في حرب، أو مُجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه ﷺ قال
стр. 1798
للعباس بن عبد المطلب ﵁ لَمّا انهزَم الناس يوم حنين: "اصرُخ بالناس"، وكان العباس أجهر الناس صوتًا (١).
٨ - (ومنها): أن في الآية الردّ على المرجئة الذين يقولون: لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ أصلًا.
٩ - (ومنها): أنه ليس في الآية دليلٌ لمذهب الإحباطيّة الذين يقولون: إن السيّئات يُبطلن الحسنات، وقد حقّق القاضي أبو بكر بن العربي في الردّ عليهم تحقيقًا حسنًا، فقال: إن الإحباط إحباطان:
[أحدهما]: إبطال الشيء للشيء، وإذهابه جملةً، كإحباط الإيمان للكفر، والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقيّ.
[ثانيهما]: إحباط الموازنة، إذا جُعِلت الحسنات في كِفّة، والسيئات في كِفّة، فمَن رَجَحَت حسناته نجا، ومَن رَجَحت سيئاته وُقِّفَ في المشيئة، إما أن يُغْفَر له، وإما أن يُعَذَّب، فالتوقيف إبطالٌ ما؛ لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيبُ إبطال أشدّ منه إلى حين الخروج من النار، ففي كلّ منهما إبطال نسبيّ، أُطلق عليه اسم الإحباط مجازًا، وليس هو إحباطًا حقيقةً؛ لأنه إذا أُخرج من النار، وأُدخل الجنة، عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطيّة الذين سَوَّوا بين الإحباطين، وحَكَمُوا على العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الْأَنْصَار، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ، بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ).
стр. 1799
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ) - بضمّ النون، وفتح السين المهملة، مصغّرًا - الْغُبَريّ - بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة الخفيفة - المعروف بالذّارع، أبو عبّاد البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [١٠].
رَوَى عن جعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وبِشْر بن منصور السَّلِيميّ، وعمرو بن النعمان الباهليّ، ويزيد بن عبد الله أبي خالد القرشيّ الْبُسْريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى الترمذي عن أبي داود عنه، حديث أنس: "ليسأل أحدكم ربه حاجته"، وإبراهيم بن هاشم البغويّ، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، ويعقوب بن سفيان، وعبدان الأهوازيّ، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فرأيته يَحْمِل عليه، وذكر أنه رَوَى أحاديث عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس مما أُنكِر عليه، وقال ابن عديّ: كان يَسْرِق الحديث، ويوصله، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عديّ: حدثنا البغويّ، ثنا الْقَوَاريريّ، ثنا جعفر، عن ثابت، بحديث: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها"، فقال رجل للقواريريّ: إن شيخًا يُحَدِّث به عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، فقال القواريريّ: باطل، قال ابن عديّ: وهو كما قال.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٩)، وحديث (٢٧٥٠): "لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طُرُقكم … " الحديث.
[تنبيه]: قال في "التهذيب" (٣/ ٤٤٢)، ما نصّه: روى عنه مسلمٌ حديثًا واحدًا في فضل ثابت بن قيس بن شَمّاس. انتهى.
فيه نظرٌ لا يخفى، لأنه أخرج له أيضًا لحديث المذكور آنفًا، ولا يقال: إنه أخرج له الحديث المذكور مقرونًا بيحيى بن يحيى؛ لأنا نقول كذلك هذا الحديث إنما أخرجه متابعة، لا أصالةً، فتنبّه (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 1800
[تنبيه آخر]: ليس في الكتب الستّة من اسمه "قَطَن بن نُسير" غيره، وأما من اسمه "قَطَن" فهم: أربعة:
١ - هذا المترجم هنا.
٢ - وقطن بن قَبيصة بن الْمُخارق الهلاليّ، أبو سهل البصريّ، صدوق عند أبي داود، والنسائيّ.
٣ - وقطن بن كعب، أبو الْهَيثم البصريّ، ثقة عند البخاريّ، وأبي داود في "القدر"، والنسائيّ.
٤ - وقطن بن وهب بن عويمر الليثيّ، أو الخزاعيّ، أبو الحسن المدنيّ، صدوق عند المصنّف، والنسائيّ، والله تعالى أعلم.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ - بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - مولى بني الْحَرِيش، كان ينزل في بني ضُبَيعة، فنُسِب إليهم، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيّع [٨].
رَوَى عن ثابت البنانيّ، والجعد أبي عثمان، ويزيد الرِّشْك، والْجُرَيريّ، وحُميد بن قيس الأعرج، وابن جريج، وعوف الأعرابيّ، وعطاء بن السائب، وكهمس بن الحسن، ومالك بن دينار، وجماعة.
ورَوى عنه الثوريّ، ومات قبله، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهديّ،
стр. 1801
وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وعبد السلام بن مُطَهَّر، وقتيبة، وصالح بن عبد الله الترمذيّ، وبشر بن هلال الصواف، وقَطَن بن نسَير، وجماعة.
قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، قيل له: إن سليمان بن حرب يقول: لا يُكتَب حديثه، فقال: إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث في فضل عليّ، وأهل البصرة يَغْلُون في عليّ، قلت: عامّة حديثه رِقَاق؟ قال: نعم، كان قد جَمَعها، وقد رَوَى عنه عبد الرحمن وغيره، إلا أني لم أسمع من يحيى عنه شيئًا، فلا أدري سمع منه أم لا؟، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: قَدِمَ جعفر بن سليمان عليهم بصنعاء، فحدثهم حديثًا كثيرًا، وكان عبد الصمد بن مَعْقِل يجيء، فيجلس إليه، وقال ابن أبي خيثمة وغيره، عن ابن معين: ثقة، وقال عباس، عنه: ثقة، كان يحيى بن سعيد لا يَكتُب حديثه، وقال في موضع آخر: كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه، وكان يستضعفه، وقال ابن المدينيّ: أَكْثرَ عن ثابت، وكَتَب مراسيل، وفيها أحاديث مناكير، عن ثابت، عن النبيّ ﷺ ، وقال أحمد بن سنان: رأيت عبد الرحمن بن مهدي لا ينبسط لحديث جعفر بن سليمان، قال أحمد بن سنان: أستَثْقِلُ حديثه، وقال البخاريّ: يقال: كان أُمّيًّا، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وبه ضَعْفٌ، وكان يتشيع، وقال جعفر الطيالسيّ، عن ابن معين: سمعت من عبد الرزاق كلامًا يومًا، فاستدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُسْتاذِيك الذين أخذتَ عنهم ثقات كلهم، أصحاب سنة، فعمن أخذتَ هذا المذهب؟ فقال: قَدِمَ علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلًا، حَسَنَ الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال ابنُ الضُّرَيس: سألت محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميَّ غن حديث لجعفر بن سليمان، فقلت: رَوَى عنه عبد الرزاق، قال: فَقَدتُ عبدَ الرزاق، ما أفسد جعفر غيره، يعني: في التشيع، وقال الخضر بن محمد بن شجاع الجزريّ: قيل لجعفر بن سليمان: بَلَغَنا أنك تشتم أبا بكر وعمر، فقال: أما الشتم فلا، ولكن بُغْضًا يا لك، وحَكَى عنه وهب بن بقية نحو ذلك.
وقال ابن عديّ، عن زكريا الساجيّ: وأما الحكاية التي حُكِيت عنه، فإنما عَنَى به جارين، كانا له قد تأذَّى بهما، يُكنى أحدهما: أبا بكر، ويُسَمَّى
стр. 1802
الآخر: عمر، فسئل عنهما، فقال: أما السبّ فلا، ولكن بُغْضًا يا لك، ولم يَعْنِ به الشيخين، أو كما قال.
قال أبو أحمد: ولجعفر حديثٌ صالحٌ، وروايات كثيرةٌ، وهو حسن الحديث، معروف بالتشيّع، وجَمَعَ الرِّقاق، وأرجو أنه لا بأس به، وقد رَوَى أيضًا في فضل الشيخين، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان فيه منكر، فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يَجِب أن يُقْبَل حديثه.
وقال أبو الأشعث، أحمد بن المقدام: كنا في مجلس يزيد بن زريع، فقال: مَن أتى جعفر بن سليمان، وعبد الوارث، فلا يَقرَبني، وكان عبد الوارث يُنسَب إلى الاعتزال، وجعفر ينسب إلى الرَّفْض، وقال البخاري في "الضعفاء": يخالِف في بعض حديثه.
وقال ابن حبان في "كتاب الثقات": حدثنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن أبي كامل، ثنا جرير بن يزيد بن هارون، بين يدي أبيه، قال: بعثني أبي إلى جعفر، فقلت: بَلَغَنا أنك تسب أبا بكر وعمر، قال: أما السبّ فلا، ولكن البغض ما شئتَ، فإذا هو رافضيّ، مثل الحمار.
قال ابن حبان: كان جعفر من الثقات، في الروايات، غير أنه ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصَّدُوق المتقن، إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بخبره جائز.
وقال الأزديّ: كان فيه تحامل على بعض السلف، وكان لا يكذب في الحديث، ويؤخذ عنه الزهد والرقائق، وأما الحديث فعامة حديثه عن ثابت وغيره فيها نظر ومنكر.
وقال ابن المدينيّ: هو ثقة عندنا، وقال أيضًا: أكثرَ عن ثابت، وبقية أحاديثه مناكير.
وقال الدُّوريّ: كان جعفر إذا ذَكَر معاوية شتمه، وإذا ذكر عليًّا قعد يبكي.
وقال يزيد بن هارون: كان جعفر من الخائفين، وكان يتشيع.
وقال ابن شاهين في "المختَلَف فيهم": إنما تُكُلِّم فيه لعلة المذهب، وما
стр. 1803
رأيت مَن طَعَن في حديثه إلا ابن عمار بقوله: جعفر بن سليمان ضعيف.
وقال البزار: لم نسمع أحدًا يَطعَن عليه في الحديث، ولا في خطأ فيه، إنما ذُكِرَت عنه شيعيته، وأما حديثه فمستقيم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق من أقوال المحقّقين المعتدلين أن جعفر بن سليمان وإن كان فيه انحراف في مذهبه، إلا أنه ثقة في حديثه، وهو حسن الحديث، والله تعالى أعلم.
قال ابن سعد: مات في رجب سنة (١٧٨).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (١٠) من رباعيات الكتاب، وأنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادٍ) يعني: أن حديث جعفر بن سليمان نحو حديث حمّاد بن سلمة.
وقوله: (وَلَيْسَ في حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) يعني: أن جعفرًا لم يذكر في حديثه سعد بن معاذ الذي أرسله النبيّ ﷺ يسأل عن حال ثابت بن قيس ﵁.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية جعفر هذه أخرجها الحافظ أبو يعلى في "مسنده"، فقال:
(٣٤٢٧) حدّثنا قَطَن بن نُسير، أبو عبّاد، حدّثنا جعفر، عن ثابت، عن أنس، قال: كان ثابت بن قيس بن شمّاس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] الآية، قال ثابتٌ: أنا الذي كنتُ أرفع صوتي فوق صوت رسول الله ﷺ ، وأنا من أهل النار، فقال رسول الله ﷺ : "بل هو من أهل الجنّة، بل هو من أهل الجنّة" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1804
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ في الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخْسِيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (حَبَّانُ) بن هلال الباهليّ، ويقال: الكنانيّ، أبو حَبِيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وشعبة، وداود بن أبي الْفُرَات، وجرير بن حازم، وعبد الوارث بن سعيد، وهمام، وأبي عوانة، ومبارك بن فَضَالة، ومعمر، ووهيب، وخلق كثير.
ورَوَى عنه أحمد بن سعيد الرِّبَاطيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وأبو الجوزاء النَّوْفليّ، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وأبو خيثمة، والدارميّ وعبد بن حميد، وبندار، وأبو موسى، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة.
وقال أحمد بن حنبل: إليه الْمُنْتَهَى في التثبت بالبصرة، وقال ابن معين، والترمذيّ، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، لم أسمع منه، وكان عَسِرًا، وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدِّث به، وقال ابن قانع: بصريّ صالحٌ، وقال الخطيب: كان ثقةً ثبتًا.
وقال ابن سعد: كان ثقةً ثبتًا حجةً، وكان امتنع من التحديث قبل موته، مات بالبصرة سنة (٢١٦).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧]، أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
والباقيان تقدّما فيما قبله.
стр. 1805
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون، إلا شيخه، فنيسابوريّ.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) الضمير لسليمان بن المغيرة، وقوله: (سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) بالنصب على المفعوليّة لـ"يَذْكُر"، وقوله: (فِي الْحَدِيثِ) متعلّق بـ "يَذْكُر".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية سليمان بن المغيرة هذه أخرجها الحافظ أبو يعلى في "مسنده" (٦/ ٧٦) فقال:
(٣٣٣١) حدثنا هدبة - هو ابن خالد - حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] قعد ثابت بن قيس بن شَمّاس في بيته، وقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي، وأجهر له بالقول، وأنا من أهل النار، فتفقده النبيّ ﷺ ، فأَخبَرُوه، فقال: "بل هو من أهل الجنة"، قال أنس: فكنا نراه يَمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يومُ اليمامة، وكان ذاك الانكشاف، لَبِسَ ثيابه، وتَحَنَّط، وتقدّم، فقاتل، حتى قُتِلَ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْأَسَدِيُّ) هو: هُرَيم بن عبد الأعلى بن الْفُرات الأسديّ، أبو حمزة البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وحاتم بن وَرْدان، ومعتمر بن سليمان، وعباس بن إسماعيل.
стр. 1806
ورَوَى عنه مسلم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وإسماعيل سمويه، وعبد الله بن أحمد، وعبد الله بن أبي القاضي، وعبدان الأهوازيّ، وعبد الله بن محمد بن النعمان الأصبهانيّ، وأبو يعلى الموصليّ، وغيرهم.
قال مسلمة بن قاسم: لا أعرفه، فقال في "تهذيب التهذيب": ولا عبرة بقوله، فقد عرفه مسلم.
قال أبو الشيخ: حدث بأصبهان، ومات بالبصرة سنة خمس وثلاثين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربعين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها.
تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١١٩)، وحديث (١٨٥٠): "من قُتل تحت راية عميّة … "، و (٢٣٠٣): "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء … "، و (٢٩١٥): "بُؤْسَ ابن سُميّة، تقتلك فئة باغية".
٢ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو محمد البصريّ، الملقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
والباقيان تقدّما قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، فكلهم بصريّون.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لسليمان التيميّ: أي ساق الحديث بنصّه، وهو افتعال من قَصّ، يقال: قَصَصتُ الخبر قَصًّا، من باب نصر: حدّثتُ به على وجهه، والاسم الْقَصَصُ (١).
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ) يعني: أنه لم يصرّح باسم الرجل الذي أرسله النبيّ ﷺ لطلب ثابت بن قيس.
وقوله: (وَزَادَ) أي سليمان التيميّ في رواية قول أنس ﵁: (فَكُنَّا نَرَاهُ) أي ثابت بن قيس (يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، فـ "أظهر" مُقْحَمٌ، يقال: هو
стр. 1807
نازلٌ بين ظَهْرانيهم، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهم كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر، حتى استُعْمِلَ في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، ذكره الفيّوميّ (١).
وقوله: (رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) هكذا هو بالرفع في أكثر الأصول - كما قاله النوويّ - وهو مرفوع على البدليّة من فاعل "يمشي"، والجملة في محلّ نصب على الحال، وهذا أولى من قول النوويّ: هو على الاستئناف، فتأمله.
ووقع في بعض الأصول "رجلًا" بالنصب، فيكون بدلًا من الهاء في "نراه"، كما قال في "الخلاصة":
كَزُرْهُ خَالِدًا وَقَبّلْهُ الْيَدَا … وَاعْرِفْهُ حَقَّهُ وَخُذْ نَبْلًا مُدَى
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية سليمان التيميّ هذه أخرجها ابن حبّان في "صحيحه" (١٦/ ١٢٩)، فقال:
(٧١٦٩) أخبرنا ابن خزيمة، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله ﷺ ، وأنا أخشى أن يكون الله قد غَضِبَ عليّ، فَحَزِنَ، واصفَرّ، ففقده رسول الله ﷺ ، فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله، إنه يقول: إني أخشى أن أكون من أهل النار، إني كنت أرفع صوتي عند النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "بل هو من أهل الجنة".
فكنا نراه يَمشي بين أظهرنا، رجلٌ من أهل الجنة.
وأخرجها الحافظ أبو يعلى في "مسنده" (٦/ ١١٢) عن شيخ المصنّف بسنده، ولم يذكر تلك الزيادة، فقال:
(٣٣٨١) حدثنا أبو حمزة، هُرَيم بن عبد الأعلى، حدّثنا المعتمر بن
стр. 1808
سليمان، قال: سمعت أبي، يذكر عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قوله: ﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾ قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله ﷺ ، وإني أخشى أن أكون من أهل النار، إني كنت أرفع صوتي عند النبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "بل هو من أهل الجنة"، أو كما قال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٥٦ - (بَابٌ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيّةِ؟)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٥] (١٢٠) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: "أمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَام، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
стр. 1809
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد السابقين إلى الإسلام، ومن أقرأ الصحابة ﵃، ومن كبار علمائهم، وهو المراد عند إطلاق عبد الله في سند الكوفيين كما هنا، ذو مناقب جمّة ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ) بضم الهمزة قيل: هو فُعالٌ بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنس، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفًا على غير قياس، فيبقى الناس، وعن الكسائيّ أن الأُناس، والناس لغتان بمعنى واحدٍ، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر، قال الفيّوميّ: وهو الوجه؛ لأنهما مادّتان مختلفتان في الاشتقاق، والحذف تغيير، وهو خلاف الأصل. انتهى (١).
وفي الرواية التالية: "قلنا يا رسول الله"، وفي رواية البخاريّ: "قال رجلٌ: يا رسول الله"، فأفادت الرواية الثانية أن ابن مسعود ﵁ من جملة من سأل هذا السؤال (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ) بالبناء للمفعول، (بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟) هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ، ورسوله ﷺ ، وشرائع الدين، والتفاخر بالأنساب، والكبر،
стр. 1810
والتجبّر، وغير ذلك (١). (قَالَ) ﷺ ("أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ) أي بدخوله فيه ظاهرًا وباطنًا، كما أمره الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨] (فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا) أي بالأعمال التي عملها في الجاهليّة؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله، كما قال : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨] (وَمَنْ أَسَاءَ) أي بأن دخل في الإسلام ظاهرًا، ولم ينشرح له صدره (أُخِذَ) بالبناء للمفعول (بِعَمَلِهِ) مفرد مضاف، فيعمّ، أي بجميع ما عمله (فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ") قال النوويّ: الصحيح في معنى الحديث: ما قاله جماعة من المحققين: أن المراد بالإحسان هنا الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا، فهذا يُغْفَر له ما سَلَفَ في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح: "الإسلام يَهْدِم ما قبله"، وبإجماع المسلمين، والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون مُنقادًا في الظاهر مُظهرًا للشهادتين، غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافق باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عَمِل بعد إظهارها؛ لأنه مُسْتَمِرّ على كفره، وهذا معروف في استعمال الشرع، يقولون: حَسُنَ إسلام فلان، إذا دَخَل فيه حقيقةً بإخلاص، وساء إسلامه، أو لم يَحسُن إسلامه، إذا لم يكن كذلك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ.
وقال القرطبيّ: يعني بالإحسان هنا: تصحيح الدخول في دين الإسلام، والإخلاص فيه، والدوام على ذلك، من غير تبديل، ولا ارتداد، والإساءة المذكورة في هذا الحديث في مقابلة هذا الإحسان هي الكفر، والنفاق، ولا يصحّ أن يُراد بالإساءة هنا ارتكاب سيئة ومعصية؛ لأنه يلزم عليه أن لا يَهدِم الإسلام ما قبله من الآثام إلا لمن عُصِم من جميع السيّئات إلى الموت، وهو باطلٌ قطعًا، فتعيّن ما قلناه.
والمؤاخذة هنا هي العقاب على ما فَعَله من السيّئات في الجاهليّة، وفي
стр. 1811
حال الإسلام، وهو المعبّر عنه في الرواية الأخرى بقوله: "أُخذ بالأول والآخر"، وإنما كان كذلك؛ لأن إسلامه لَمّا لم يكن صحيحًا، ولا خالصًا لله تعالى لم يَهدِم شيئًا مما سبق، ثم انضاف إلى ذلك إثم نفاقه، وسيئاته التي عملها في حال الإسلام، فاستحقّ العقوبة عليها، ومن هنا استحقّ المنافقون أن يكونوا في الدَّرْك الأسفل من النار، كما قال الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وقال في "الفتح": قال الخطّابيّ: ظاهر هذا الحديث خلاف ما أجمعت عليه الأمّة أن الإسلام يجُبّ ما قبله، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، قال: وجه هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم لم يؤاخذ بما مَضَى، فإن أساء في الإسلام غايةَ الإساءة، ورَكِبَ أشدّ المعاصي، وهو مستمر على الإسلام، فإنه إنما يؤاخذ بما جناه من المعصية في الإسلام، ويُبَكَّت بما كان منه في الكفر، كأن يقال له: ألست فعلتَ كذا، وأنت كافر، فهلا مَنَعَك إسلامك عن معاودة مثله؟. انتهى ملخصًا.
وحاصله أنه أَوَّل المؤاخذة في الأول بالتبكيت، وفي الآخِر بالعقوبة، والأَولى قول غيره: إن المراد بالإساءة: الكفر؛ لأنه غاية الإساءة، وأشدّ المعاصي، فإذا ارتدّ، ومات على كفره كان كمن لم يُسلم، فيعاقَب على جميع ما قدّمه، وإلى ذلك أشار البخاريّ بإيراد هذا الحديث بعد حديث "أكبر الكبائر: الشرك"، وأورد كُلًّا في أبواب المرتدين.
ونَقَلَ ابنُ بطال عن المهلب، قال: معنى حديث الباب: من أحسن في الإسلام بالتّمَادي على محافظته، والقيام بشرائطه، لم يؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام: أي في عَقْده بترك التوحيد، أُخذ بكل ما أسلفه، قال ابن بطال: فعرضته على جماعة من العلماء، فقالوا: لا معنى لهذا الحديث غير هذا، ولا تكون الإساءة هنا إلا الكفر؛ للإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عَمِل في الجاهلية، وبه جزم المحبّ الطبريّ.
стр. 1812
ونقل ابن التين عن الداوديّ: معنى مَن أحسن: مات على الإسلام، ومن أساء: مات على غير الإسلام.
وعن أبي عبد الملك البونيّ: معنى من أحسن في الإسلام: أي أسلم إسلامًا صحيحًا، لا نفاق فيه، ولا شك، ومن أساء في الإسلام: أي أسلم رياءً وسمعةً، وبهذا جزم القرطبيّ.
ولغيره: معنى الإحسان: الإخلاصُ حين دخل فيه، ودوامه عليه إلى موته، والإساءة بضد ذلك، فإنه إن لم يُخلص إسلامَهُ كان منافقًا، فلا ينهدم عنه ما عَمِلَ في الجاهلية، فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي، فيعاقب على جميع ذلك.
قال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم كلّه: حاصله أن الخطابيّ حَمَلَ قوله: "في الإسلام" على صفة خارجة عن ماهية الإسلام، وحمله غيره على صفة في نفس الإسلام، وهو أوجه.
قال: وفي "كتاب السنة" لعبد العزيز بن جعفر، وهو من رؤوس الحنابلة، ما يَدْفَع دعوة الخطابي وابن بطال الإجماع الذي نقلاه، وهو ما نُقِلَ عن الميمونيّ، عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم رَدّ عليه بحديث ابن مسعود، ففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته، إذا أصرَّ عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها؛ لأنه بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية؛ لإصراره عليها، والى هذا ذهب الْحَلِيميّ من الشافعية، وتأول بعض الحنابلة قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، على أن المراد ما سَلَفَ مما انتَهَوْا عنه، قال: والاختلاف في هذه المسألة مبنيّ على أن التوبة هي الندم على الذنب، مع الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه، والكافر إذا تاب من الكفر، ولم يَعْزِم على عدم العود إلى الفاحشة، لا يكون تائبًا منها، فلا تسقط عنه المطالبة بها.
والجواب عند الجمهور: أن هذا خاصّ بالمسلم، وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه كيوم ولدته أمه، والأخبار دالّة على ذلك، كحديث أُسامة ﵁ لَمّا
стр. 1813
أنكر عليه النبيّ ﷺ قتل الذي قال: "لا إله إلا الله" حتى قال في آخره: حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذ. انتهى كلام الحافظ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٥٦/ ٣٢٥ و ٣٢٦ و ٣٢٧] (١٢٠)، و (البخاريّ) في "استتابة المرتدّين" (٦٩٢١)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٢٤٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٩٦٨٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٧٩ و ٣٨٠ و ٤٠٩ و ٤٢٩ و ٤٣١ و ٤٦٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠١ و ٢٠٢ و ٢٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٢٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٨)، و (البزّار) في "مسنده" (٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان المؤاخذة بأعمال الجاهليّة لمن لم يُحسن الدخول في الإسلام.
٢ - (ومنها): بيان فضل الإسلام، حيث عادت بركته على الأعمال التي صدرت في حال الكفر، فقبلت من أجله.
٣ - (ومنها): بيان اهتمام الصحابة ﵃، وشدّة حرصهم في السؤال عن الأمور المهمّة في الدين.
٤ - (ومنها): أن الكفّار مُخاطبون بفروع الشريعة، كما أنهم مخاطبون بأصولها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الإمام النسائيّ في "سننه" بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أسلم العبد، فحسُن
стр. 1814
إسلامه، كتب الله له كلَّ حسنة كان أزلفها، ومُحِيت عنه كلُّ سيئة كان أزلفها، ثم كان بعد ذلك القصاص، الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضِعْفٍ، والسيئةُ بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها"، وهو حديث صحيح، أورده الإمام البخاريّ في "صحيحه" معلّقًا بصيغة الجزم.
فهذا الحديث يقابل حديث ابن مسعود ﵁ المذكور في الباب؛ فإنّ ظاهره يدلّ على أن مَنِ اريمَب المعاصي بعد أن أسلم، يُكتَب عليه ما عَمِله من المعاصي قبل أن يُسلِم، وظاهر هذا أنّ مَن عَمِلَ الحسنات بعد أن أسلم، يُكتَب له ما عَمِله من الخيرات قبل أن يُسلم.
والحاصل أن الحديثين يُكمّل أحدهما الآخر، فيستفاد منهما أن من أحسن إسلامه تكتب له الأعمال الصالحة التي كان يعمل بها قبل إسلامه، وأن من أساء في الإسلام يؤاخذ بالأعمال السيّئة قبل إسلامه.
وقد استشكل بعض العلماء هذا، وراوه مخالفًا للقواعد، فقال المازريّ: الكافر لا يصحّ منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن من شرط المتقرّب أن يكون عارفًا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض على تقرير هذا الإشكال.
وتعقب ذلك النوويّ، واستضعفه، وقال: الصواب الذي عليه المحققون، بل نَقَلَ بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فَعَل أفعالًا جميلةً، كالصدقة، وصلة الرحم، ثم أسلم، ومات على الإسلام، أن ثواب ذلك يُكْتَب له، وأما دعوى أنه مُخالف للقواعد، فغير مُسَلَّم؛ لأنه قد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه. انتهى.
قال الحافظ: والحقّ أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه؛ تفضلًا من الله تعالى، وإحسانًا أن يكون ذلك؛ لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تَضَمَّن كتابة الثواب، ولم يَتَعَرَّض للقبول.
ويَحْتَمِل أن يكون القبول يَصِير مُعَلَّقًا على إسلامه، فيُقْبَلُ، ويثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا قويّ.
وقد جَزَم بما جزم به النوويّ إبراهيم الحربيّ، وابنُ بطال، وغيرهما، من القدماء، والقرطبيّ، وابن الْمُنَيِّر من المتأخرين.
стр. 1815
قال ابن الْمُنَيِّر: المخالف للقواعد دعوى أن يُكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يُضِيف إلى حسناته في الإسلام ثوابَ ما كان صَدَرَ منه، مما كان يظنه خيرًا، فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداءً من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يَعْمَل، وهو قادر، فإذا جاز أن يَكتُب له ثواب ما لم يَعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عَمِله غير مُوَفَّى الشروط.
وقال ابنُ بطال: لله أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه.
واستَدَلَّ غيره بأن مَن آمن من أهل الكتاب، يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن، والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول، لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباءً منثورًا، فدَلّ على أن ثواب عمله الأول يُكتب له مضافًا إلى عمله الثاني، وبقوله ﷺ لما سألته عائشة ﵂ عن ابن جُدْعَان، وما يصنعه من الخير، هل ينفعه؟ فقال: "إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، فدَلّ على أنه لو قالها بعد أن أسلم، نفعه ما عمله في الكفر. انتهى (١).
قال الجامح عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرّره هؤلاء العلماء من أن الصواب أن أعمال الإنسان في حال كفره تكتب له في حال إسلامه، ويُجازى عليها؛ فضلًا من الله بسبب حسن إسلامه هو الحقّ الذي لا شكّ فيه، ولا مرية، فمعارضته بأنه مخالف للقواعد غير مقبولة، فماذا يعنون بالقواعد، أليست القواعد هي التي جاءت بها النصوص الشرعية؟ فالذي أسّس القواعد، ووطّدها، وأرساها هو الذي أخبرنا بكتابة هذه الأعمال، فلا مجال بعد هذا للجدال، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، فأسلم تسلم، وتغنم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ
стр. 1816
أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيةِ؟ قَالَ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَام، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام، أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (وَكِيعٌ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو عثمان بن أبي شيبة المذكور في السند السابق، وتقدّم أيضًا هو في الباب الماضي.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ ورعٌ عارف بالقراءة، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدم في "المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالكوفيين، كالسند التالي، قال النوويّ: هذه الأسانيد الثلاثة كلهم كوفيون، وهذا من أطرف النفائس؛ لكونها أسانيد متلاصقة، مسلسلةً بالكوفيين. انتهى (١).
وفيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وشرح الحديث تقدّم مستوفًى في الحديث الماضي، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1817
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: مِنْجاب - بكسر الميم، وسكون النون، ثم جيم، ثم موحّدة - بن الحارث بن عبد الرحمن التميميّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) - بضمّ الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أَضَرَّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
والأعمش سبق ذكره قبله.
وقوله: (بهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني أن عليّ بن مُسهر ساقه بسند الأعمش الذي قبل هذا، مثل متنه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق عليّ بن مسهر هذه لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٥٧ - (بَابُ كَوْنِ الْإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وكَذَا الْحَجُّ، وَالْهِجْرَةُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٨] (١٢١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) يَزِيدُ بْنُ أَبِي
ويزيد بن هارون، وعمر بن يونس اليمامي، وابن مهديّ، وخالد بن الحارث، ووهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسيّ، وأبي عاصم، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وحَرْبٌ الكِرْمانيّ، وأبو عبد الله الْجُذُوعي القاضي، وعبد الله بن محمد بن ياسين، والحسين بن إسحاق التستريّ، ومعاذ بن المثنى بن معاذ العنبريّ، قال مسلم: بصريّ ثقة.
تفرّد به المصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: "الرَّقَاشِيّ": - بفتح الراء وتخفيف القاف، بعدها شين معجمة -: نسبة إلى امرأة اسمها رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة، كثُر أولادها، فنُسبوا إليها، قاله السمعانيّ (١).
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ) بن مخلد بن الضّحّاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ) (٢) بن صَفْوان بن مالك التُّجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧].
رَوَى عن أبي هانئ، حُميد بن هانئ، وشُرَحبيل بن شَرِيك الْمَعَافريّ، وبكر بن عَمْرو، الْمَعَافريّ، وأبي يونس، مولى أبي هريرة، وربيعة بن يزيد الدمشقيّ، وأبي الأسود يتيم عروة، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وجماعة.
ورَوَى عنه الليث، وابن لَهِيعة، ونافع بن يزيد، وابن وهب، وابن المبارك، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد: قيل لأبي: حيوة بن شُريح، وعمرو بن الحارث؟ فقال: جميعًا، كأنه سَوَّى بينهما، وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة، وفضل، وقال ابن أبي حاتم:
стр. 1820
سمعت أبي، وسئل عن حيوة، ويحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب، فقال: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة، وأحبُّ إليَّ من المفضل بن فَضَالة، وقال ابن وهب: ما رأيت أحدًا أشدّ استخفافًا بعمله من حيوة، وكان يُعْرَف بالإجابة، وقال ابن المبارك: ما وُصِف لي أحدٌ، ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته، إلا حيوة، فإن رؤيته كانت أكبر من صفته، وقال يعقوب بن سفيان: ثبا المقرئ، ثنا حيوة بن شريح، وهو كِنْديّ، شريفٌ عدلٌ رَضِيٌّ، ثقةٌ، ووَثّقه العجليّ، ومسلمة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مستجاب الدعوة، يقال: إن الحصاة كانت تتحوَّل في يده تمرة بدعائه، وقال ابن وَضّاح: بلغني أن رجلًا كان يَطُوف، ويقول: اللهم اقض عني الدَّين، فرأى في المنام: إن كنت تريد وفاء الدين، فائت حيوة بن شُريح، يدعو لك، فأتى إلى الإسكندرية بعد العصر يوم الجمعة، قال: فأقمت، حتى صار ما حوله دنانير، فقال لي: اتّقِ الله، ولا تأخذ إلا قدر دَينك، فأخذت ثلاثمائة.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": كَتَب إليّ عبدُ الله بن أحمد، قال: سمعت أبي يقول: لم يَسمع حيوة من الزهريّ، ولا من بُكير بن الأشجّ، ولا من خالد بن أبي عمران.
تُوفي سنة (١٥٨)، وأَرَّخه الكلاباذيّ سنة (١٥٩)، وقال ابن حبّان مات سنة (١٥٨) أو (١٥٩)، وأَرَّخه ابن يونس نقلًا عن ابن بُكير سنة (١٥٨)، وقال ابنُ سعد: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وكان ثقةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٤) حديثًا.
٦ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسم أبيه سويد أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٧ - (ابْنُ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ) هو: عبد الرحمن بن شِمُاسة - بكسر المعجمة، وتخفيف الميم، بعد المهملة (١) - بن ذُؤيب بن أحور الْمَهْريّ - بفتح الميم، وسكون الهاء - أبو عمرو المصريّ، ثقة [٣].
стр. 1821
رَوَى عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عُمر، وعقبة بن عامر، وزيد بن ثابت، وعوف بن مالك، ومسلمة بن مُخَلَّد، وأبي بَصْرَة الغفاريّ، وأبي ذر الغفاريّ، وعائشة، وأبي الخير، مرثد اليزنيّ، وغيرهم.
رَوَى عنه كعب بن علقمة التَّنُوخيّ، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، وإبراهيم بن نَشِيط الْوَعْلانيّ، وواهب بن عبد الله الْمَعَافريّ، وحَرْملة بن عمران التَّجِيبيّ، وهو آخر مَن حَدّث عنه.
قال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: روايته عن عائشة مرسلةٌ، وقال اللالكائيّ: سَمِع منها، وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات، وقال ابن يونس في "مقدمة تاريخ مصر": وأهل النقل ينكرون أن يكون ابن شِماسة سَمِعَ من أبي ذَرّ ﵁.
قال يحيى بن بُكير: مات بعد المائة، وقال يونس: مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث: هذا الحديث (١٢١)، و (١٤١٤): "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن … "، و (١٦٤٥): "كفارة النذر كفارة اليمين"، و (١٨٢٨): "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا … "، و (١٩١٩): "من علم الرمي، ثم تركه فليس منا … "، و (١٩٢٤): "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون … "، و (٢٥٤٣): "إنكم ستفتحون أرضًا، يُذكر فيها القيراط … "، وأعاده بعده.
وقال في "تهذيب الكمال": له عند الترمذيّ حديث: "طُوبى للشام"، وعند ابن ماجه آخر في البيوع (١).
وقال في "تهذيب التهذيب": علّق له البخاريّ حديثًا من روايته عن عقبة بن عامر في أوائل البيوع، فقال: وقال عقبة: لا يحلّ لامرئ بيع سِلْعة يَعْلَم بها داءً إلا أخبر به. ووصله ابن ماجه، وغيره. انتهى (٢).
стр. 1822
[تنبيه]: قوله: "الْمَهْريّ " - بفتح الميم، وسكون الهاء -: نسبة إلى مَهْرَة بن حَيْدان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، قبيلة كبيرة (١)، والله تعالى أعلم.
٨ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد - بالتصغير - بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤَيّ القرشيّ السهميّ، أمير مصر، يُكنى: أبا عبد الله، وأبا محمد، أمّه النابغة من بني عَنَزَة - بفتح المهملة والنون -، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل: بين الحديبية وخيبر، وكان يقول: أذكر الليلة التي وُلد فيها عمر بن الخطاب، وقال ذاخر الْمَعَافريّ: رأيت عمرًا على المنبر أدعج أبلج، قصير القامة. وذكر الزبير بن بكار، والواقديّ بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشيّ، وهو بأرض الحبشة.
وذكر الزبير بن بكار أن رجلًا قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام، وأنت أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم، لهم علينا تقدُّم، وكانوا ممن يُواري حلومهم الخبال، فلما بُعث النبيّ ﷺ ، فأنكروا عليه، فلُذْنا بهم، فلما ذهبوا، وصار الأمر إلينا، نظرنا وتدبرنا، فإذا حَقّ بَيِّنٌ، فوقع في قلبي الإسلام، فعَرَفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أُسرع فيه من عونهم عليه، فبعثوا إلى فَتًى منهم، فناظرني في ذلك، فقلت: أنشُدك الله ربَّك وربَّ من قبلك، ومن بعدك، أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى، قلت: فنحن أوسع عيشًا أم هم؟ قال: هم، قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم، إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا، وهم أعظم منا فيها أمرًا في كل شيء؟ وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت؛ لِيُجزَى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته حقّ، ولا خيرَ في التمادي في الباطل.
وأخرج البغويّ بسند جيّد عن عُمير بن إسحاق، أحد التابعين، قال: استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله ﷺ في التوجه إلى الحبشة، فأَذِنَ له. قال عُمير: فحدثني عمرو بن العاص، قال: لما رأيت مكانه قلت: والله لأستقلنّ لهذا ولأصحابه، فذكر قصتهم مع النجاشيّ، قال: فلقيت جعفرًا خاليًا، فأسلمت، قال: وبلغ ذلك أصحابي، فغَمُّوني، وسلبوني كل شيء،
стр. 1823
فذهبت إلى جعفر، فذهب معي إلى النجاشيّ، فرّدوا علي كل شيء أخذوه.
ولما أسلم كان النبيّ ﷺ يقربه، ويدنيه؛ لمعرفته وشجاعته، وولاه غَزَاة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على عُمَان، فمات وهو أميرها، ثم كان من أُمراء الأجناد في الجهاد بالشام، في زمن عمر، وهو الذي افتتح قِنِّسرين، وصالح أهل حَلَب، ومَنبِج، وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين، أخرج ابن أبي خيثمة من طريق الليث، قال: نَظَر عُمَر إلى عَمْرو يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا، وقال إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبيّ، عن قَبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلًا أبين، أو قال: أنصع رأيًا، ولا أكرم جليسًا، ولا أشبه سريرة بعلانيته منه، وقال محمد بن سلام الْجُمَحيّ: كان عُمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه يقول: أشهد أن خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص واحد.
وقال مجاهد، عن الشعبي: دُهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير.
وقد رَوَى عمرو عن النبيّ ﷺ أحاديث، ورَوَى عنه ولداه: عبد الله ومحمد، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو قيس مولى عمرو، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وأبو عثمان النَّهْديّ، وقَبيصة بن ذؤيب، وآخرون.
ومن مناقبه ﵁ أن النبيّ ﷺ أَمَّره كما تقدم.
وأخرج أحمد من حديث طلحة، أحدِ العشرة، رفعه: "عمرو بن العاص من صالحي قريش"، ورجال سنده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين ابن أبي مليكة وطلحة، وأخرجه البغويّ، وأبو يعلى من هذا الوجه، وزاد: "نعم أهل البيت، عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله"، وأخرجه ابن سعد بسند رجاله ثقات إلى ابن أبي مليكة مرسلًا، لم يذكر طلحة، وزاد: يعني عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرج أحمد بسند حسن، عن عمرو بن العاص، قال: بَعَث إليّ
стр. 1824
النبيّ ﷺ ، فقال: "خُذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني"، فأتيته، فقال: "إني أريد أن أَبعثك على جيش، فَيُسَلِّمك الله، ويُغْنِمك، وأَرغب لك من المال رغبةً صالحة"، فقلت: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، بل أسلمت رغبةً في الإسلام، قال: "يا عمرو نِعِمّا بالمال الصالح المرءُ الصالحُ". وأخرج أحمد، والنسائيّ، بسند حسن، عن عمرو بن العاص ﵁، قال: فَزِعَ أهلُ المدينة فَزَعًا، فتفرقوا، فنظرت إلى سالم، مولى أبي حذيفة في المسجد، عليه سيف مختفيًا، ففعلت مثله، فخطب النبيّ ﷺ ، فقال: "ألا يكون فزعكم إلى الله ورسوله؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟ ".
وولي عمرو إِمْرَة مصر في زمن عمر بن الخطاب، وهو الذي افتتحها، وأبقاه عثمان قليلًا، ثم عزله، وَوَئَى عبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان من الرضاعة، فآل أمر عثمان بسبب ذلك إلى ما اشتَهَرَ، ثم لم يزل عمرو بغير إِمْرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية، فَلَحِقَ بمعاوية، فكان معه يُدَبِّر أمره في الحرب، إلى أن جَرَى أمرُ الْحَكَمين، ثم سار في جيش جهزه معاوية إلى مصر، فوَلِيَها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقنين، وقيل: قبلها بسنة، وقيل: بعدها، ثم اختلفوا، فقيل: بست، وقيل: بثمان، وقيل: بأكثر من ذلك، قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة، وذَكَر ابن الْبَرْقيّ، عن يحيى بن بكير، عن الليث: تُوُفي وهو ابن تسعين سنة، وقال العجليّ: عاش تسعًا وتسعين سنة (١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط (٢): هذا (١٢١)، وحديث (٢١٥): "ألا إن آل أبي يعني فلانًا … "، و (١٠٩٦): "فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب … "، و (١٧١٦): "إذا حَكَم الحاكم،
стр. 1825
فاجتهد … "، و (٢٣٨٤): "عائشةُ، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها … "، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي معن، فمن أفراده، وإسحاق، فما أخرج له أبو داود، وابن شِمَاسة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من حيوة، والباقون بصريّون، إلا إسحاق، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه محمد بن المثنّى أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد سبق غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لابن المثنّى، حدثنا الضحّاك، يعني: أبا عاصم"، وبيانه أن شيوخه الثلاثة اشتركوا في الرواية عن أبي عاصم الضحاك، وقد صرّح منهم ابن المثنى بالتحديث عنه، فقال: "حدّثنا الضحّاك"، ولما أراد المصنّف توضيحه بكنيته زاد كلمة "يعني"، فصلًا بين ما رواه، وبين ما زاده، وقد سبق بيان ذلك غير مرّة.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، أثنى عليه النبيّ ﷺ ، وقال: "أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص"، رواه أحمد، والترمذيّ بسند حسن (١)، وقد أمّره ﷺ على ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر ﵃، فهو ذو مناقب جمة ﵁.
٨ - (ومنها): أن كلًّا من الصحابيّ، وابن شماسة، وحيوة هذا أول محلّ