← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

رَوَى عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عُمر، وعقبة بن عامر، وزيد بن ثابت، وعوف بن مالك، ومسلمة بن مُخَلَّد، وأبي بَصْرَة الغفاريّ، وأبي ذر الغفاريّ، وعائشة، وأبي الخير، مرثد اليزنيّ، وغيرهم. رَوَى عنه كعب بن علقمة التَّنُوخيّ، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، وإبراهيم بن نَشِيط الْوَعْلانيّ، وواهب بن عبد الله الْمَعَافريّ، وحَرْملة بن عمران التَّجِيبيّ، وهو آخر مَن حَدّث عنه. قال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: روايته عن عائشة مرسلةٌ، وقال اللالكائيّ: سَمِع منها، وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات، وقال ابن يونس في "مقدمة تاريخ مصر": وأهل النقل ينكرون أن يكون ابن شِماسة سَمِعَ من أبي ذَرّ ﵁. قال يحيى بن بُكير: مات بعد المائة، وقال يونس: مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث: هذا الحديث (١٢١)، و (١٤١٤): "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن … "، و (١٦٤٥): "كفارة النذر كفارة اليمين"، و (١٨٢٨): "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا … "، و (١٩١٩): "من علم الرمي، ثم تركه فليس منا … "، و (١٩٢٤): "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون … "، و (٢٥٤٣): "إنكم ستفتحون أرضًا، يُذكر فيها القيراط … "، وأعاده بعده. وقال في "تهذيب الكمال": له عند الترمذيّ حديث: "طُوبى للشام"، وعند ابن ماجه آخر في البيوع (١). وقال في "تهذيب التهذيب": علّق له البخاريّ حديثًا من روايته عن عقبة بن عامر في أوائل البيوع، فقال: وقال عقبة: لا يحلّ لامرئ بيع سِلْعة يَعْلَم بها داءً إلا أخبر به. ووصله ابن ماجه، وغيره. انتهى (٢).

стр. 1822

[تنبيه]: قوله: "الْمَهْريّ " - بفتح الميم، وسكون الهاء -: نسبة إلى مَهْرَة بن حَيْدان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، قبيلة كبيرة (١)، والله تعالى أعلم. ٨ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد - بالتصغير - بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤَيّ القرشيّ السهميّ، أمير مصر، يُكنى: أبا عبد الله، وأبا محمد، أمّه النابغة من بني عَنَزَة - بفتح المهملة والنون -، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل: بين الحديبية وخيبر، وكان يقول: أذكر الليلة التي وُلد فيها عمر بن الخطاب، وقال ذاخر الْمَعَافريّ: رأيت عمرًا على المنبر أدعج أبلج، قصير القامة. وذكر الزبير بن بكار، والواقديّ بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشيّ، وهو بأرض الحبشة. وذكر الزبير بن بكار أن رجلًا قال لعمرو: ما أبطأ بك عن الإسلام، وأنت أنت في عقلك؟ قال: إنا كنا مع قوم، لهم علينا تقدُّم، وكانوا ممن يُواري حلومهم الخبال، فلما بُعث النبيّ ﷺ ، فأنكروا عليه، فلُذْنا بهم، فلما ذهبوا، وصار الأمر إلينا، نظرنا وتدبرنا، فإذا حَقّ بَيِّنٌ، فوقع في قلبي الإسلام، فعَرَفت قريش ذلك مني من إبطائي عما كنت أُسرع فيه من عونهم عليه، فبعثوا إلى فَتًى منهم، فناظرني في ذلك، فقلت: أنشُدك الله ربَّك وربَّ من قبلك، ومن بعدك، أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى، قلت: فنحن أوسع عيشًا أم هم؟ قال: هم، قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم، إن لم يكن لنا فضل إلا في الدنيا، وهم أعظم منا فيها أمرًا في كل شيء؟ وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت؛ لِيُجزَى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته حقّ، ولا خيرَ في التمادي في الباطل. وأخرج البغويّ بسند جيّد عن عُمير بن إسحاق، أحد التابعين، قال: استأذن جعفر بن أبي طالب رسول الله ﷺ في التوجه إلى الحبشة، فأَذِنَ له. قال عُمير: فحدثني عمرو بن العاص، قال: لما رأيت مكانه قلت: والله لأستقلنّ لهذا ولأصحابه، فذكر قصتهم مع النجاشيّ، قال: فلقيت جعفرًا خاليًا، فأسلمت، قال: وبلغ ذلك أصحابي، فغَمُّوني، وسلبوني كل شيء،

стр. 1823

فذهبت إلى جعفر، فذهب معي إلى النجاشيّ، فرّدوا علي كل شيء أخذوه. ولما أسلم كان النبيّ ﷺ يقربه، ويدنيه؛ لمعرفته وشجاعته، وولاه غَزَاة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على عُمَان، فمات وهو أميرها، ثم كان من أُمراء الأجناد في الجهاد بالشام، في زمن عمر، وهو الذي افتتح قِنِّسرين، وصالح أهل حَلَب، ومَنبِج، وأنطاكية، وولاه عمر فلسطين، أخرج ابن أبي خيثمة من طريق الليث، قال: نَظَر عُمَر إلى عَمْرو يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا، وقال إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبيّ، عن قَبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلًا أبين، أو قال: أنصع رأيًا، ولا أكرم جليسًا، ولا أشبه سريرة بعلانيته منه، وقال محمد بن سلام الْجُمَحيّ: كان عُمر إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه يقول: أشهد أن خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص واحد. وقال مجاهد، عن الشعبي: دُهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. وقد رَوَى عمرو عن النبيّ ﷺ أحاديث، ورَوَى عنه ولداه: عبد الله ومحمد، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو قيس مولى عمرو، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وأبو عثمان النَّهْديّ، وقَبيصة بن ذؤيب، وآخرون. ومن مناقبه ﵁ أن النبيّ ﷺ أَمَّره كما تقدم. وأخرج أحمد من حديث طلحة، أحدِ العشرة، رفعه: "عمرو بن العاص من صالحي قريش"، ورجال سنده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا بين ابن أبي مليكة وطلحة، وأخرجه البغويّ، وأبو يعلى من هذا الوجه، وزاد: "نعم أهل البيت، عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله"، وأخرجه ابن سعد بسند رجاله ثقات إلى ابن أبي مليكة مرسلًا، لم يذكر طلحة، وزاد: يعني عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرج أحمد بسند حسن، عن عمرو بن العاص، قال: بَعَث إليّ

стр. 1824

النبيّ ﷺ ، فقال: "خُذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني"، فأتيته، فقال: "إني أريد أن أَبعثك على جيش، فَيُسَلِّمك الله، ويُغْنِمك، وأَرغب لك من المال رغبةً صالحة"، فقلت: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، بل أسلمت رغبةً في الإسلام، قال: "يا عمرو نِعِمّا بالمال الصالح المرءُ الصالحُ". وأخرج أحمد، والنسائيّ، بسند حسن، عن عمرو بن العاص ﵁، قال: فَزِعَ أهلُ المدينة فَزَعًا، فتفرقوا، فنظرت إلى سالم، مولى أبي حذيفة في المسجد، عليه سيف مختفيًا، ففعلت مثله، فخطب النبيّ ﷺ ، فقال: "ألا يكون فزعكم إلى الله ورسوله؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟ ". وولي عمرو إِمْرَة مصر في زمن عمر بن الخطاب، وهو الذي افتتحها، وأبقاه عثمان قليلًا، ثم عزله، وَوَئَى عبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان من الرضاعة، فآل أمر عثمان بسبب ذلك إلى ما اشتَهَرَ، ثم لم يزل عمرو بغير إِمْرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية، فَلَحِقَ بمعاوية، فكان معه يُدَبِّر أمره في الحرب، إلى أن جَرَى أمرُ الْحَكَمين، ثم سار في جيش جهزه معاوية إلى مصر، فوَلِيَها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقنين، وقيل: قبلها بسنة، وقيل: بعدها، ثم اختلفوا، فقيل: بست، وقيل: بثمان، وقيل: بأكثر من ذلك، قال يحيى بن بكير: عاش نحو تسعين سنة، وذَكَر ابن الْبَرْقيّ، عن يحيى بن بكير، عن الليث: تُوُفي وهو ابن تسعين سنة، وقال العجليّ: عاش تسعًا وتسعين سنة (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط (٢): هذا (١٢١)، وحديث (٢١٥): "ألا إن آل أبي يعني فلانًا … "، و (١٠٩٦): "فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب … "، و (١٧١٦): "إذا حَكَم الحاكم،

стр. 1825

فاجتهد … "، و (٢٣٨٤): "عائشةُ، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها … "، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي معن، فمن أفراده، وإسحاق، فما أخرج له أبو داود، وابن شِمَاسة، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من حيوة، والباقون بصريّون، إلا إسحاق، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه محمد بن المثنّى أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد سبق غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لابن المثنّى، حدثنا الضحّاك، يعني: أبا عاصم"، وبيانه أن شيوخه الثلاثة اشتركوا في الرواية عن أبي عاصم الضحاك، وقد صرّح منهم ابن المثنى بالتحديث عنه، فقال: "حدّثنا الضحّاك"، ولما أراد المصنّف توضيحه بكنيته زاد كلمة "يعني"، فصلًا بين ما رواه، وبين ما زاده، وقد سبق بيان ذلك غير مرّة. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، أثنى عليه النبيّ ﷺ ، وقال: "أسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص"، رواه أحمد، والترمذيّ بسند حسن (١)، وقد أمّره ﷺ على ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر ﵃، فهو ذو مناقب جمة ﵁. ٨ - (ومنها): أن كلًّا من الصحابيّ، وابن شماسة، وحيوة هذا أول محلّ

стр. 1826

ذكرهم في هذا الكتاب، وقد عرفت عدد ما رواه لهم المصنّف فيه آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد الرحمن (بْنِ شِمَاسَةَ) قال القرطبيّ: رويناه بفتح الشين وضمّها، وأبوه من بني مَهْرَة قبيلة (الْمَهْرِيِّ) - بفتح، فسكون - تقدّم أنه نسبة إلى قبيلة من قُضاعة، أنه (قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) ﵁ (وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ) تقدّم أن موته كانت سنة (٤٣)، وهو ابن (٩٠) سنة. و"السياق": بكسر السين، أي حال حضور الموت، ونزع الروح، قال المجد: ساق المريضُ سَوْقًا، وسِيَاقًا: شَرَع في نزع الروح (١). وأصل السياق سِوَاق، فقُلبت الواو ياءً؛ لكسرة السين، أفاده الطيبيّ (٢). (فَبَكَى طَوِيلًا) أي خوفًا من الله تعالى، وتذكّر أهل يوم القيامة، مع ما له من شرف صحبة رسول الله ﷺ ، وبلائه في الإسلام بلاء حسنًا، لكن حال عباد الله الصالحين دائمًا شدّة الخوف، والبكاء على التقصير مهما بلغت عبادته وطاعته (وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ) أي ابتعادًا من القوم الحاضرين؛ لئلا يشغلوه عما هو فيه من مناجاة ربّه، ومطالعة الآخرة (فَجَعَلَ ابْنُهُ) عبد الله بن عمرو ﵁، وفي رواية الإمام أحمد في "مسنده" (٤/ ١٩٩) من طريق ابن المبارك، عن ابن لهيعة: فقال له ابنه عبد الله: لِمَ تبكي، أجَزَعًا على الموت؟، فقال: لا، ولكن مما بعدُ … (يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ): أي "يا أبي"، وفي نسخة: "يقول له: يا أبتاه ما يُبكيك؟ ". [تنبيه]: أصل "يا أبتي"، يا أبي، والقاعدة أن ما أضيف إلى ياء المتكلّم، وكان صحيح الآخر جاز فيه خمسة أوجه، جمعها ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَـ"عَبْدِ" "عَبْدِي" "عَبْدَ" "عَبْدِيَا"

стр. 1827

ويُزاد وجه سادس، وهو ضمّ الاسم بعد حذف الياء، كالمفرد اكتفاءً بنيّة الإضافة، وذلك فيما يكثر نداؤه مضافًا للياء، كالربّ، والأبوين، والقوم، قرئ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، وحُكي "يا ربُّ اغفر لي"، و"يا أُمُّ لا تفعلي". ويزاد على هذه الستة إذا كان المنادى "أبًا" و"أمًّا"، أربع لغات: يقال: "يا أبتِ" و"يا أمت"، بفتح التاء، وكسرها، وإليه أشار ابن مالك بقوله: وَفِي النِّدَا "أَبَتَ" "أُمَّتَ" عَرَضْ … وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ فصارت اللغات مع الستة الماضية ثمانية، ويزاد تاسع، وهو ضم التاء، نُقل عن الخليل أنه سَمِعَ من العرب من يقول: يا أبتُ، ويا أُمّتُ. وعاشرٌ، وهو إلحاق ألف الندبة، فيقال: يا أبتا، ويا أمتا، وهذه تلحقها هاء السكت، فيقال: يا أبتاه، ويا أمتاه، فجملة اللغات في نداء الأب والأم عشر لغات. ولا يجوز إثبات الياء، فلا تقول: يا أبتي، ويا أمّتي، إلا في الضرورة، كقوله [من الطويل]: أَيَا أَبَتِي لَا زِلْتَ فِينَا فَإِنَّمَا … لَنَا أَمَلٌ فِي الْعَيْشِ مَا دُمْتَ عَائِشَا والهاء هي هاء السكت تزاد وقفًا ساكنة، كما قال في "الخلاصة": وَوَاقِفًا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ … وَإِنْ تَشَا فَالْمَدَّ وَالْهَا لَا تَزِدْ ولا تزاد في الوصل إلا في الضرورة، فتزاد مضمومة، ومكسورة، وأجاز الفرّاء زيادتها في الوصل بالوجهين (١). وعلى قول الفرّاء: يجوز في هذا الحديث "يا أبتاه" بضمّ التاء كما هو الشائع على الألسنة، وكذا يجوز كسرها، ولكن الأولى إسكانها، كما هو رأي جمهور النحاة، فتنبّه لهذه الدقيقة، والله تعالى أعلم بالصواب. (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، أداة استفتاح بمنزلة "ألا"، ويحتمل أن تكون بمعنى "حَقًّا"، أو "أحقًّا"، وصوّب ابن هشام كونها كلمتين، الهمزة

стр. 1828

للاستفهام، و"ما" اسم بمعنى حقّ، وموضع "ما" نصب على الظرفيّة، فالمعنى "أحقًّا" (١). فالمعنى هنا: حقًّا بشّرك رسول الله ﷺ ، أو أحقًّا بشّرك رسول الله ﷺ ؟، والاستفهام للتقرير. (بَشَّرَكَ) بتشديد الشين المعجمة، ويجوز تخفيفها، قال الفيّوميّ: وبَشَرَ يتعدّى بالحركة، فيقال: بَشَرته أَبْشُرُهُ بَشْرًا، من باب قَتَلَ في لغة تهامة، وما والاها، والاسم منه بُشْرٌ، بضم الباء، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ السبعة باللغتين، واسم الفاعل من المخفّف بَشِيرٌ. انتهى (٢). (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟) كرّره ليزداد استبشاره، وتستأنس نفسه، فيزول حزنه، وفي رواية أحمد المذكورة: "فقال له: قد كنتَ على خير، فجعل يُذكّره صحبة رسول الله ﷺ ، وفتوحه الشام، فقال له عمرو: وتركتَ أفضل من ذلك كلّه، شهادة أن لا إله إلا الله … ". (قَالَ) ابن شِماسة (فَأَقْبَلَ بوَجْهِهِ) أي توجّه عمرو ﵁ إليهم بعد أن حوّل وجهه إلى الجدار (فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الإعداد: أي إن أفضل العمل الذي نهيّئه للقاء الله تعالى (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) أي الإيمان بالله تعالى، وتوحيده، وتصديق رسوله ﷺ ، والنطق بذلك؛ لأنه أفضل الأعمال؛ فقد تقدّم أن النبيّ ﷺ سئل: أيّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، وليكون خاتمةَ أمره، وآخرَ كلامه قولُ: "لا إله إلا الله"، فقد أخرج أحمد، وأبو داود في "سننه" بإسناد حسن، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه، لا إله إلا الله، دخل الجنة" (٣). (إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ) أي على أحوال، ومنازل، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩] أي حالًا بعد حال، وأنّث ثلاثًا مع

стр. 1829

كون الطَّبَق مذكّرًا؛ نظرًا لكونه بمعنى الحال، وهو يذكّر ويؤنّث، أو لكون المعدود مقدّمًا؛ فقد سبق أن قلنا: إن قاعدة تذكير العدد وتأنيثه، إنما تجب إذا وقع المعدود تمييزًا، وأما إذا تقدّم، كما هنا، أو حُذف، كحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوّال" (١)، جاز فيه الأمران، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ثم أشار إلى الطَّبَق الأوّل من الأطباق الثلاث بقوله: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي، وقد تقدّم الكلام على أن من خواصّ أفعال القلوب جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، كـ"ظننتني"، و"رأيتني" مستوفًى، فلا تَنْسَ. و"رأى" هنا بصريّة، وهي ملحقة بأفعال القلوب في الحكم المذكور (٢). وفي رواية أحمد المذكورة: "إني كنت على ثلاثة أطباق، ليس فيها طَبَقٌ إلا قد عرفتُ فيه نفسي، كنت أول شيء كافرًا، فكنت أشدّ الناس على رسول الله ﷺ … ". (وَمَا) الواو حالية، و"ما" نافية حجازيّة، تعمل عمل "ليس"، كما قال في "الخلاصة": عَمَلَ "لَيْسَ" أُعْمِلَتْ "مَا" دُونَ "إِنْ" … مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ وقال الحريريّ في "ملحته": وَ"مَا" الَّتِي تَنْفِي كَـ"لَيْسَ" النَّاصِبَهْ … فِي قَوْلِ سُكَّانِ الْحِجَازِ قَاطِبَهْ وقوله: (أَحَدٌ) اسمها و (أَشَدَّ) خبرها، و (بُغْضًا) منصوب على التمييز (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنِّي) الجارّ متعلّق بـ "بغض"، والثاني بـ "أشدّ"، ويحتمل أن تكون "ما" تميميّة، لا تعمل، فيكون قوله: "أحدٌ أشدُّ" مرفوعًا على الابتداء والخبر. والمعنى: أنه لا يوجد أحد أشدّ بغضًا له ﷺ من عمرو بن العاص قبل أن يُسلم. (وَلَا أَحَبَّ) بالنصب عطفًا على "أشدّ"، ويحتمل الرفع على ما سبق آنفًا

стр. 1830

(إِلَيَّ) متعلّق بـ "أحبّ" (أَنْ) مصدريّةٌ (أَكُونَ) في تأويل المصدر مجرور بـ "من" مقدّرةً، أي من كوني (قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ) أي قدرت عليه، يقال: استمكن منه: قَدَرَ عليه (١). (فَقَتَلْتُه) ﷺ ، والمعنى أن أحبّ شيء إلى عمرو في تلك الحالة أن يتمكن من النبيّ ﷺ ، فيقتله؛ لشدّة بغضه له، قال عمرو ﵁ (فَلَوْ مُتُّ) بضم الميم، وكسرها، يقال: مات الإنسان يموتُ موتًا، من باب قال، ومَاتَ يَمَاتُ موتًا، من باب خاف، وفيه لغة ثالثة: مِتّ بكسر الميم تموتُ، وهي من باب تداخل اللغتين (٢). (عَلَى تِلْكَ الْحَالِ) التي ذكرها من شدّة البغض، وتمنّي قتله ﷺ . [تنبيه]: الأفصح في ضمير "الحال" ووصفه التأنيث، ولذا قال هنا: "على تلك الحال"، فأنّث "تلك"، وفي لفظه التذكيرُ بأن يجردّ من التاء، فيقال: حالٌ حسنةٌ، ومنه قول الشاعر: إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنِ امْرِئٍ وألفها بدل من الواو؛ لجمعها على أحوال، وتصغيرها على حُويلة، مشتقّة من التحوّل، وهو التنقّل (٣). (لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لكونه كافرًا بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٩]. ثم أشار إلى الطبق الثاني من أطباقه الثلاث بقوله: (فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي) عبّر بالجعل إشارة إلى أنه تمكّن من قلبه، واطمأنت به نفسه (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ) فيه أن السنّة في المبايعة أن تكون باليد اليمنى، (فَلْأُبَايِعْكَ) قال القرطبيّ: بكسر اللام، وإسكان العين على الأمر: أي أمر المتكلّم لنفسه، والفاء جواب لما تضمّنه الأمر الذي هو "ابسط" من الشرط، ويصحّ أن تكون اللام لامَ "كَيْ"، ويُنصب "أُبايعَكَ"، وتكون اللام سببيّةً. انتهى (٤).

стр. 1831

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: بكسر اللام، ويجوز تسكينها؛ لأن لام الأمر يجوز تسكينها، بل هو الأكثر في الاستعمال بعد الواو، والفاء، و"ثُمّ"، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]. و (اعلم): أن جزم لام الأمر لفعل المتكلّم جائز، مع قلّته، كما قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ الآية [العنكبوت: ١٢]، وكحديث "الصحيحين": "قوموا فلأصلِّ لكم … " الحديث. وأما قوله: "ويصحّ أن تكون اللام لام "كي" … إلخ"، ففيه بعدٌ لا يخفى، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَبَسَطَ) ﷺ (يَمِينَهُ، قَالَ) عمرو ﵁ (فَقَبَضْتُ يَدِي) لإرادة إدخال شرط في المبايعة (قَالَ) ﷺ ("مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ ") أي أيُّ شيء بدا لك في قبض يدك بعد البسط؟ (قَالَ) عمرو (قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ) ﷺ ("تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ ") قال النوويّ: هكذا ضبطناه "بما" بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة،؛ للتوكيد، كما في نظائرها، ويجوز أن تكون دخلت على معنى "تشترط"، وهو "تحتاط": أي تحتاط بماذا؟. انتهى (١). وقال الأبيّ بعد نقل كلام النوويّ هذا: قلت: زيادتها في غير خبر "ما"، و"ليس"، وفاعل "كفَى"، ومفعوله، و"أَفْعِل به" ضرورة عند البصريين، فالتضمين أقرب، وإن كان فيه خلاف بين الأندلسيين، وعلى أنها زائدة فـ "ما" مفعوله، وصحّ ذلك؛ لأن الاستفهام إذا قُصد به الاستثبات صحّ أن يَعْمَل فيه ما قبله. انتهى (٢). (قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي) أي أشترط أن يغفر الله ذنوبي التي ارتكبتها قبل هذا (قَالَ) ﷺ ("أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ"ألا" (عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ) بكسر الدال، يقال: هَدَمتُ البناءَ هَدْمًا، من باب ضرب: إذا أسقطته، فانهدم، ثمّ استُعير في جميع الأشياء، فقيل: هَدَمتُ ما أبرمه من الأمر، ونحوه، قاله

стр. 1832

الفيّوميّ (١). (مَا كَانَ قَبْلَهُ) موصولة مفعول به لـ"يَهْدِمُ". والمعنى: أنه يُسقطه، ويمحو أثره. قال القاضي عياضٌ: معنى "ما كان قبله" أي من أعمال الشرك؛ إذ عنها طلب عمرو الغفران، ثم إن مقتضى عُموم اللفظ يأتي على الذنوب، لا سيّما مع ذكر الحجّ، فقد يكون ذكره الهجرةَ كنايةً عن الإسلام، فَيجُبُّ ما قبله من الكفر وأعماله، وهي مسألة عمرو، وذَكَر الحجّ ليعلمه أيضًا أن الحسنات يُذهبن السيّئات، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. انتهى (٢). قال الجامع: قول القاضي: "فيكون ذكره الهجرة كناية … إلخ" الأولى حمل الهجرة على الهجرة المعروفة، وأنها تهدم السيّئات، فلا داعي لما قاله، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (وَأَنَّ الْهِجْرَةَ) بكسر، فسكون: هي في الأصل الاسم من الهَجْر: ضدّ الوصل، وقد هجَرَ يَهجُر هَجْرًا، من باب نصر، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال منه: هاجر مهاجرة، قاله ابن الأثير (٣). وقال الفيّوميّ: "الْهِجْرة" بالكسر: مفارقة بلد إلى غيره، فإن كانت قُربةً لله فهي الهِجْرة الشرعيّة، وهي اسم من هاجر مُهاجرةً. انتهى (٤). (تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا) أي من الذنوب (وَأَنَّ الْحَجَّ) تقدّم أنه بفتح الحاء، وكسرها، فالفتح مصدر حَجّ، من باب نصر: إذا قَصَدَ، ثم قُصِرَ استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج، أو العمرة، والكسر اسم منه (يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟) قال القرطبيّ: الهدم هنا استعارة، وتوسّعٌ، يعني به: الإذهابَ والإزالةَ؛ لأن الجدار إذا انهدم، فقد زال وضعه، وذهب وجوده، وقد عبّر عنه في الرواية الأخرى بالْجَبّ، فقال: "يَجُبُّ": أي يقطع، ومنه المجبوب، وهو المقطوع ذَكره، ومعنى العبارتين واحد، والمقصود: أن هذه الأعمال الثلاثة

стр. 1833

تُسقط الذنوب التي تقدّمتها كلَّها، صغيرها وكبيرها، فإن الألفاظ عامّة، خرجت على سؤال خاصّ، فإن عمرًا إنما سأل أن تُغفَر له ذنوبه السابقة بالإسلام، فأجيب على ذلك، فالذنوب داخلة في تلك الألفاظ العامّة قطعًا، وهي بحكم عمومها صالحة لتناول الحقوق الشرعيّة، والحقوق الآدميّة، وقد ثبت ذلك في حقّ الكافر الحربيّ إذا أسلم، فإنه لا يطالب بشيء من تلك الحقوق، ولو قَتَلَ، وأَخَذَ الأموال لم يُقتصّ منه بالإجماع، ولو خَرجت الأموال من تحت يده لم يُطالَب بشيء منها، ولو أسلم الحربيّ، وبيده مال مسلم: عبيد، أو عُروض، أو عينٌ، فمذهب مالك: أنه لا يجب عليه ردّ شيء من ذلك؛ تمسّكًا بعموم هذا الحديث، وبأن للكفّار شبه ملك فيما حازوه من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأن الله تعالى قد نسب لهم أموالًا وأولادًا، فقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة: ٥٥]. وذهب الشافعيّ إلى أن ذلك لا يحلّ لهم، وأنه يجب عليهم ردّها إلى من كان يملكها من المسلمين، وأنهم كالْغُصّاب، وهذا يُبعده أنهم لو استهلكوا ذلك في حال كفرهم، ثم أسلموا، لم يضمنوا بالإجماع، على ما حكاه أبو محمد عبد الوهّاب، فأما أسر المسلمين الأحرار، فيجب عليهم رفع أيديهم عنهم؛ لأن الحرّ لا يُملَكُ، وأما من أسلم من أهل الذمّة، فلا يُسقط عنه الإسلام حقًّا وجب عليه لأحد من مال، أو دم، أو غيرهما؛ لأن أحكام الإسلام جاريةٌ عليهم. قال: وأما الهجرة، والحجّ، فلا خلاف في أنهما لا يُسقطان إلا الذنوب والآثام السابقة، وهل يُسقطان الكبائر، أو الصغائر فقط؟ موضع نظر، سيأتي تحقيقه في "كتاب الطهارة" - إن شاء الله تعالى - (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك من عموم ظاهر هذا الحديث لحقوق الله ، ولحقوق الآدميين، فتسقط كلها عن الكافر إذا أسلم هو الأرجح؛ عملًا بظاهر العموم، والله تعالى أعلم. ثم أشار إلى الطّبَقِ الثالث، فقال:

стр. 1834

(وَمَا) نافية (كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ) أي لامتلاء قلبه بالإيمان، (وَمَا) نافية أيضًا (كُنْتُ أُطِيقُ) بضم أوله، من الإطاقة (أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ) بتشديد الياء على التثنية (مِنْهُ؛ إِجْلَالًا لَهُ) أي تعظيمًا لقدره ﷺ (وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ) ﷺ (مَا أَطَقْتُ) أي ما استطعت وصفه (لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ) بتشديد الياء على التثنية أيضًا (مِنْهُ) أي من النظر إليه ﷺ . وفي رواية أحمد المذكورة: "فما ملأت عيني من رسول الله ﷺ ، ولا راجعته فيما أريد حتى لحق بالله حياءً منه، فلو مُتّ يومئذ، قال الناس: هنيئًا لعمرو، أسلم، وكان على خير، فمات، فرُجِي له الجنة … ". (وَلَوْ مُتُّ) تقدّم أنه بضم الميم، وكسرها (عَلَى تِلْكَ الْحَال، لَرَجَوْتُ أَنْ كُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي لأن من مات على خير عمله يدخل الجنة، بمقتضى الوعد السابق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]، وقال ﷺ فيما سبق للمصنّف من حديث عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات، وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة". (ثُمَّ وَلِينَا) بفتح الواو، وكسر اللام مخفّفةً، من باب وَرِثَ يَرِثُ، يقال: ولي الأمرَ: إذا قام به، والمراد أنه تولّى (أَشْيَاءَ) أي لأنه كان واليًا على مصر، كما تقدّم في ترجمته، فقد افتتحها في خلافة عمر ﵁، وولي إمرتها عشر سنين، وثلاثة أشهر، أربعًا من قبل عمر، وأربعة من قبل عثمان، وسنتين وثلاثة أشهر من قبل معاوية ﵃، واشترك مع معاوية في حرب عليّ ﵃. (مَا) نافية (أَدْرِي، مَا) استفهاميّة، مبتدأ خبره قوله: (حَالِي فِيهَا؟) والجملة مفعول "أدري" معلّق عنها العامل: أي لا أعلم أيُّ شيء حالي في تلك الأشياء، هل عدلت فيها، فأُثاب، أو عدلت عنها، فأعاقب؟. وفي رواية أحمد المذكورة: "ثم تَلَبَّستُ بعد ذلك بالسلطان وأشياء، فلا أدري: عليّ، أم بي؟ ". (فَإِذَا أَنَا مِتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ (نَائِحَةٌ) أي امرأة صائحة بالبكاء، ونادبة بالنداء للميت، فإنه يؤذي الميت والحيّ، ويَشغَل المشيِّع عن ذكر الموت، وفناء الدنيا، والفكر في مصيرهم في الآخرة (وَلَا نَارٌ)

стр. 1835

أي للمباهاة والرياء، كما كان عادة للجاهليّة، ولأنه من التفاؤل القبيح (١). وقال القرطبيّ: إنما وصّى باجتناب هذين الأمرين؛ لأنهما من عمل الجاهليّة، ولنهي النبيّ ﷺ عن ذلك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن قول عمرو ﵁: "فإذا أنا متّ … " إلى آخر كلامه إنما قاله مما سمعه من النبيّ ﷺ ، فيكون له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون اجتهادًا منه ﵁، ومهما كان الأمر فإن له أدلةً أخرى من النصوص المرفوعة تؤيّده، سيأتي بيانها في "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى -. (فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي) أي أردتم دفني (فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا) أي صُبّوه صبًّا بسهولة، قال النوويّ: ضبطناه بالسين المهملة وبالمعجمة، وكذا قال القاضي: إنه بالمعجمة والمهملة، قال: وهو الصبّ، وقيل: بالمهملة: الصبّ في سُهُولة، وبالمعجمة: التفريق. انتهى (٣). وقال القرطبيّ: رُوي هذا الحديث بالسين المهملة والمعجمة، فقيل: هما بمعنى واحد، وهو الصبّ، وقيل: هو بالمهملة: الصبّ في سُهولة، وبالمعجمة: صبّ في تفريق، وهذه سنّةٌ في صبّ التراب على الميت في القبر، قاله عياض، وقد كَرِه مالك في "الْعُتبيّة" (٤) الترصيص على القبر بالحجارة والطوب. انتهى (٥). وقال الطيبيّ: معنى "شُنُّوا عليّ التراب": أي ضَعُوه وَضْعًا سَهْلًا (٦). (ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي، قَدْرَ مَا تُنْحَرُ) بالبناء للمفعول، يقال: نَحَرَ البعيرَ، من باب مَنَعَ: إذا طعنه حيث يبدو الْحُلْقُومُ على الصدر قاله المجد (٧). (جَزُورٌ)

стр. 1836

بفتح الجيم، وضمّ الزاي: قال ابن الأثير: هي: البعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنّثةٌ، تقول: هذه الجَزورُ، وإن أردت ذكرًا، والجمع جُزُرٌ، وجزائر. انتهى (١). وقال المجد: الْجَزُور: البعير، أو خاصّ بالناقة. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ: الْجَزُورُ من الإبل خاصّة يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُرٌ، مثل رَسُولٍ ورُسُلٌ، ويُجمَعُ أيضًا على جُزُرَات، ثم على جزائر، ولفظ الْجَزور أنثى، يقال: رَعَتِ الْجَزُورُ، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصّغَانيّ: وقيل: الْجَزورُ: الناقة التي تُنْحَرُ، وجَزَرتُ الْجَزُور وغيرها، من باب قَتَلَ: نَحَرتُها، والفاعل جَزّارٌ، والْحِرْفَةُ الْجِزَارةُ بالكسر. انتهى (٣). وفي "الإكمال": الْجَزور من الإبل، والْجَزْرة من غيرها، وفي "كتاب العين": الْجَزْرَةُ: من الضأن والمعز خاصّة. انتهى (٤). وفي رواية أحمد المذكورة: "فإذا متُّ فلا تبكينّ عليّ، ولا تُتبعني مادحًا، ولا نارًا، وشُدُّوا عليّ إزاري، فإني مخاصَمٌ، وسُنُّوا عليَّ التراب سَنًّا، فإن جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تَجعلنّ في قبري خشبةً ولا حَجَرًا، فإذا واريتموني، فاقعدوا عندي قدرَ نحر جزور وتقطيعها، أستأنس بكم". (وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا) ببناء الفعل للمفعول أيضًا (حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ) أي لأجل أن أجد أُنسًا بسبب قربكم منّي (وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي؟) أي: أيّ شيء يكون جوابي لأسئلة الملائكة الذين يرسلهم ربي لسؤالي، وهما ملكان، ففيه إطلاق الجمع على الاثنين، وهو يؤيّد مذهب من يقول: إن أقل الجمع اثنان، وهو الصحيح، وقد حقّقت ذلك في "التحفة المرضيّة" وشرحها "المنحة الرضيّة"، في أصول الفقه، فراجعه تستفد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1837

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص ﵁ هذا من أفراد المصنّف. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٥٧/ ٣٢٨] (١٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٩٩ و ٢٠٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٠، ٢٠١)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣١٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥١٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٩٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الإسلام يَهدم ما حصل قبله من الكبائر والآثام، ففيه بيان فضل الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان أن الهجرة، والحجّ يهدمان ما قبلهما، لكن قيّده جمهور العلماء بالصغائر، والأرجح عندي أنه يعمّ الكبائر والصغائر، ويدلّ عليه قوله ﷺ : "من حَجّ لله، فلم يَرفُث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه"، متّفق عليه، فإنه تشبيه بليغ في غفران جميع الذنوب، فان العبد حينما يولد ليس عليه شيء من الذنوب كبائرها وصغائرها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى. ٣ - (ومنها): استحباب تنبيه المحتضر على إحسان ظنه بالله سبخانه وتعالى وذكر آيات الرجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أَعَدَّه الله تعالى للمسلمين، وذكر حسن أعماله عنده؛ ليُحْسِن ظنه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب مستحب بالاتفاق، وموضع الدلالة له من هذا الحديث قول عبد الله بن عمرو ﵁ لأبيه: "أما بَشّرَك رسول الله ﷺ بكذا؟ ". وكان السلف يستحبّون هذا التذكير، روي عن المعتمر أنه قال لابنه: يا بُنيّ حدّثني بالرخص لعلي ألقى الله تعالى، وأنا أحسن الظنّ به. وروي مثل ذلك عن ابن حنبل، ثم إن الرجاء يورث محبّة لقاء الله تعالى التي هي سبب لمحبته لقاء عبده. فقد أخرج الشيخان عن أنس، عن عبادة بن الصامت ﵁، عن النبيّ ﷺ -

стр. 1838

قال: "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه … " الحديث. وأخرجا أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني … " الحديث. وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن حيان أبي النضر، قال: دخلت مع واثلة بن الأسقع، على أبي الأسود الْجُرَشيّ في مرضه الذي مات فيه، فسلّم عليه، وجلس، قال: فأخذ أبو الأسود يمين واثلة، فمسح بها على عينيه ووجهه؛ لبيعته بها رسول الله ﷺ ، فقال له واثلة: واحد أسألك عنها، قال: وما هي؟ قال: كيف ظنك بربك؟ قال: فقال أبو الأسود، وأشار برأسه، أي حَسَن، قال واثلة: أبشر، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" (١). ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃، من توقير رسول الله ﷺ ، وإجلاله، كما أمر الله به المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. ٥ - (ومنها): أن في قول عمرو ﵁: "فلا تصحبني نائحة، ولا نار" امتثال لنهي النبيّ ﷺ عن ذلك، قال النوويّ: وقد كَرِهَ العلماء ذلك، فأما النياحة فحرام، وأما إتباع الميت بالنار، فمكروه؛ للحديث، ثم قيل: سبب الكراهة كونه من شعار الجاهلية، وقال ابن حبيب المالكيّ: كُرِه تفاؤلًا بالنار (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن إتباع الميت بالنار حرام؛ لظاهر النهي، ولأنّ التشبّه بأعمال الجاهليّة محرّم، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أن في قوله: "فَشُنُّوا عليّ التراب" استحباب صَبّ التراب في القبر، وأنه لا يُقعَد على القبر، بخلاف ما يُعْمَل في بعض البلاد، قاله النوويّ.

стр. 1839

٧ - (ومنها): إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق، وقد أخرج المصنّف عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : "إن العبد إذا وُضِع في قبره، وتَوَلَّى عنه أصحابه، إنه (١) لِيَسمع قَرْعَ نعالهم، قال: يأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال نبي الله ﷺ : فيراهما جميعًا"، قال قتادة: وذُكِر لنا أنه يُفْسَح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ عليه خَضِرًا إلى يوم يبعثون (٢). ٨ - (ومنها): استحباب الْمُكث عند القبر بعد الدفن لحظةً، نحوَ ما ذُكر؛ لما ذُكر، وللدعاء للميت بالتثبيت، فقد أخرج أبو داود في "سننه" بسنده عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وَقَفَ عليه، فقال: "استغفروا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل" (٣). ٩ - (ومنها): أن الميت يَسْمَعُ حينئذ مَن حَوْلَ القبر، وهو ما دلّ عليه حديث أنس ﵁ المذكور، ولحديث عمرو بن العاص ﵁ هذا، لأن الظاهر أنه إنما قاله نقلًا عن النبيّ ﷺ ؛ لأن مثله لا يُدرك إلا من جهة النبيّ ﷺ ، قاله القرطبيّ (٤). قال القاضي عياض: وفي هذا الحديث حجة لفتنة القبر، وأن الميت تُصرف روحه إليه إذا أدخل قبره لسؤال الملكين، وفتنتهما، وأنه يعلم حينئذ، ويسمع، ولا يُعترض على هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية [النمل: ٨٠]؛ للاختلاف في معناها، واحتمال تأويلها، ولأنه قد يكون المراد بها في وقت غير هذا؛ لما وردت به الآثار الصحاح من فتنة القبر، وسؤال الملكين، ولا يُنافي هذا السماع، وسيأتي الكلام عليه بعد هذا. انتهى (٥).

стр. 1840

[تنبيه]: استنبط بعض العلماء من هذا الحديث استحباب قراءة القرآن على القبر، قال: لأنه يستأنس بمن حوله، وشممع منهم، وهذا استنباط غير صحيح، فإن النبيّ ﷺ مع كثرة حضوره مقابرَ المسلمين لم يقرأ القرآن، ولم يأمر أصحابه به، مع كون القرآن أفضل الأذكار، وإنما أمرهم بالاستغفار له، والدعاء بالتثبيت، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . أخرج الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد"، وسيأتي تمام البحث في هذا في محلّه من "كتاب الجنائز" - إن شاء الله تعالى -. وأخرج الإمام أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح، من حديث العرباض بن سارية ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". ١٠ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد الخوف من تغيّر الحال، والتقصير في الأعمال في حال الموت، لكن ينبغي أن يكون الرجاء هو الأغلب في تلك الحال، حتى يُحسن ظنّه بالله تعالى، فيلقاه على ما أمر به النبيّ ﷺ ، فقد أخرج المصنّف عن جابر ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل وفاته بثلاث، يقول: "لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن بالله الظن". ١١ - (ومنها): ما قاله النوويّ: يُستَدَلّ به لجواز قسمة اللحم المشترك ونحوه، من الأشياء الرطبة، كالعنب، قال: وفي هذا خلاف لأصحابنا معروف، قالوا: إن قلنا بأحد القولين: إن القسمة تمييز حق، ليست ببيع جاز، وإن قلنا: بيع فوجهان: [أصحهما]: لا يجوز؛ للجهل بتماثله في حال الكمال، فيؤدّي إلى الربا. [والثاني]: يجوز؛ لتساويهما في الحال، فماذا قلنا: لا يجوز فطريقها أن يُجعَل اللحم وشبهه قسمين، ثم يَبِيع أحدهما صاحبه نصيبه من أحد القسمين بدرهم مثلًا، ثم يبيع الآخر نصيبه من القسم الآخر لصاحبه بذلك الدرهم الذي

стр. 1841

له عليه، فيحصل لكل واحد منهما قسم بكماله، ولها طرقٌ غير هذا، لا حاجة إلى الإطالة بها هنا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن القسمة تمييز حقّ، وليست ببيع عندي هو الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه يُستفاد من سياق كلام عمرو بن العاص ﵁ أنه إنما لم يستطع أن يصف النبيّ ﷺ ؛ لكونه لم يتأمل ذاته الشريفة في حالتي الكفر والإسلام؛ لاحتجابه عن ذلك، أما في حال كفره فمنعه شدّة بغضه له ﷺ على أن لا يملأ عينيه من النظر إليه، وأما في حال الإسلام فمنعه من ذلك أيضًا شدّة محبته؛ لأن شدّة بغض الشيء، وشدّة حبه، يحجب العين عن النظر إليه نظر تأمل. ومن ثمّ إنك إذا نظرت إلى أكابر الصحابة ﵃ كأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ لا تجد عندهم من أوصافه ﷺ الذاتيّة بدقّة ما عند أصاغرهم، فمعظم كتب السنّة والسير إذا طالعت فيها تجد أوصافه ﷺ الدقيقة مروية عن أصاغر الصحابة، كأنس، وهند بن أبي هالة، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأم معبد الخزاعيّة ﵃، وأشباههم، أو الذين لازموه من صغرهم، كعليّ، وابن مسعود ﵃، وسرّ ذلك هو ما ذكره عمرو بن العاص ﵁ هنا؛ لأنهم ما كانوا يملأون أعينهم من النظر إليه ﷺ ، حتى يصفوه وصفًا دقيقًا، فتأمل ما ذكرته، تجده حقًّا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٩] (١٢٢) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَاللَّفْظُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْك، قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا:

стр. 1842

إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا، أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) المعروف بالسمين، مروزيّ الأصل، نزيل بغداد، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقة [١٠] (٢٣٢) (م) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره لَمّا قدم بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم، أبو الوليد، أو أبو خالد المكيّ، ثقة فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٥ - (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ) بن هُرْمُز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي الشَّعْثاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطلق بن حبيب. ورَوَى عنه محمد بن المنكدر، وهو أكبر منه، وابن جريج، وسفيان بن حسين، وشعبة، وعبد الرحمن بن حرملة. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الآجريّ، عن أبي داود: يعلى بن مسلم بصريّ، كان بمكة، وهو غير يعلى بن مسلم المكيّ، ذاك أخو الحسن بن مسلم. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله

стр. 1843

في هذا الكتاب حديثان، فقط، هذا (١٢٢)، وحديث (١٨٣٤): "نزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٣٣] الآية". ٦ - (سعيد بن جبير) بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]. رَوَى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعديّ بن حاتم، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، والضحاك بن قيس الفهري، وأنس، وعمرو بن ميمون، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: عبد الملك، وعبد الله، ويعلى بن حكيم، ويعلى بن مسلم، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير المكي، وآدم بن سليمان، وأشعث بن أبي الشعثاء، وأيوب، وبكير بن شهاب، وثابت بن عجلان، وغيرهم. قال ضمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد الواسطي: كان له ديك يقوم من الليل لصياحه، فلم يَصِحْ ليلة حتى أصبح، فلم يستيقظ سعيد، فشق عليه، فقال: ما له قطع الله صوته، قال: فما سُمِع له صوت بعدها. وقال يعقوب الْقُمِّيُّ عن جعفر بن أبي المغيرة: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول: أليس فيكم ابن أم الدَّهْمَاء؟ - يعني: سعيد بن جبير - وقال عمرو بن ميمون عن أبيه: لقد مات سعيد بن جبير، وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. وكان سفيان يقدم سعيدًا على إبراهيم في العلم، وكان أعلم من مجاهد وطاووس. وقال عثمان بن بوذويه: كنت مع وهب بن منبه، وسعيد بن جبير يوم عرفة، فقال وهب لسعيد: أبا عبد الله كم لك منذ خِفْتَ من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي، وهي حامل، فجاءني الذي في بطنها، وقد خَرَجَ وجهه، وقال هشيم: حدثني عتبة مولى الحجاج، قال: حضرت سعيد بن جبير، حين أُتِي به الحجاج بواسط، فجعل الحجاج يقول له: ألم أفعل بك؟ ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، قال: فما حملك على ما صنعت من خروجك علينا؟ قال: بيعة كانت عليّ، قال: فغضب الحجاج، وصفق بيديه، وقال: فبيعة أمير المؤمنين كانت أسبق وأولى، وأمر به، فضُربت عنقه، وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيهًا عابدًا فاضلًا ورعًا، وكان يكتب لعبد الله بن

стр. 1844

عتبة بن مسعود، حيث كان على قضاء الكوفة، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى، ثم خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هُزِم ابن الأشعث، هَرَب سعيد بن جبير إلى مكة، فأخذه خالد الْقَسْريّ بعد مدة، وبعث به إلى الحجاج، فقتله الحجاج سنة (٩٥) وهو ابن (٤٩) سنة، ثم مات الحجاج بعده بأيام، وكان مولد الحجاج سنة (٤٠). انتهى. وقيل: إن قتله كان في آخر سنة (٩٤)، وقال عمر بن سعيد بن أبي حسين: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دُعي ليُقتَل، فجعل ابنه يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟، وقال أبو القاسم الطبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين، قُتل في شعبان سنة خمس وتسعين، وهو ابن (٤٩) سنة. وقال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبرًا سنة (٩٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثًا. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، ﵁ حبر الأمة، وبحرها (ت ٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه له شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والإخبار، والسماع، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني من أفراده، وإلا يعلى، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): سعيد بن جُبير، ويعلى بن مسلم هذا أول محلّ ذكرهما من الكتاب، وقد عرفت آنفًا ما لكلّ منهما عند المصنّف من الحديث. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لإبراهيم"، وقوله: "وهو ابن محمد"، وقد سبق الكلام عليهما غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ نَاسًا) اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرَّهْط،

стр. 1845

واحده إنسان، من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥]، ثم فسّر الناس بقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦]. [تنبيه]: قال صاحب "التنبيه": قوله: "أن ناسًا من أهل الشرك" عُرِف منهم وحشيُّ بن حرب. انتهى (١). وفي "صحيح البخاريّ" عن ابن عبّاس ﵄: "لما نزلت التي في سورة الفرقان قال مشركو مكة … " قال في "الفتح": في رواية الطبرانيّ من وجه آخر عن ابن عباس أن السائل عن ذلك وحشيّ بن حرب قاتل حمزة، قال: روى ابن إسحاق في "السيرة" قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: "اتّعدتّ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص أن نُهاجر إلى المدينة، فذكر الحديث في قصّتهم، ورجوع رفيقه، فنزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: فكتبت بها إلى هشام". انتهى (٢). وقوله: (مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) متعلّق بصفة لـ"ناس" (قَتَلُوا) أنفسًا (فَأَكْثَرُوا) القتل (وَزَنَوْا) بفتح النون، أصله زَنَيُوا، فقُلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين (فَأَكْثَرُوا) الزنا (ثُمَّ أَتَوْا) بفتح التاء، أصله أَتَيُوا فُعل به ما فُعل بـ"زَنَوْا" (مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا) له ﷺ (إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو) مفعول الفعلين محذوف، وهو عائد الصلة: أي إن الذي تقوله، وتدعو الناس إليه من التوحيد، وإخلاص الطاعة لله تعالى (لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا) من المعاصي (كَفَّارَةً) قال النووي: فيه محذوف، وهو جواب "لو":. أي لو تُخبرنا لأسلمنا، وحذف جوابها كثير في القرآن العزيز، وكلام العرب، كقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وأشباهه. انتهى (٣). وقال القرطبيّ: يحتمل أن تكون "لو" هنا للامتناع، ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: لأسلمنا، أو نحوه، ويَحْتَمِل أن يكون تَمَنِّيًا بمعنى "ليتَ"، والأول أظهر. انتهى (٤).

стр. 1846

(فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي لا يشركون (﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) أي حرّمها، أي حرّم قتلها (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) أي بقوَدٍ، أو رجمٍ، رِدّة، أو شِرْكٍ، أو سَعْيٍ في الأرض بفساد، وهو متعلّقٌ بالقتل المحذوف، أو بـ ﴿لَا يَقْتُلُونَ﴾ (١). (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾) فيستحلّون الفروج بغير نكاح، ولا ملك يمين، ودلتّ هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحقّ، ثم الزنا، ولهذا ثبت في حدّ الزنا القتل لمن كان محصنًا، أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن، قاله القرطبيّ (٢). وقال النسفيّ: ونفيُ هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريضٌ لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين طهّرهم الله مما أنتم عليه. انتهى (٣). (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) قال القرطبيّ: "ذا" إشارة إلى واحد في أصل وضعها، غير أن الواحد تارةً يكون واحدًا بالنصّ عليه، وتارةً يكون بالتأويل، وإن كانت أمورٌ متعدّدة في اللفظ كما في هذه الآية، فإنه ذَكَر قبل "ذا" أمورًا، وأعاد الإشارة إليها من حيث إنها مذكورة، أو مقولة، فكأنه قال: ومن يفعل المذكور، أو المقول. انتهى (٤). (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) قيل: معناه: عقوبةً، وقيل: هو وادٍ في جهنّم، وقيل: بئرٌ فيها، وقيل: جزاء إثمه (٥). (وَنَزَلَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾) قرئ بفتح الياء، وسكونها (﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾) أي جَنَوا عليها بالإسراف في المعاصي، والغلوّ فيها (﴿لَا تَقْنَطُوا﴾) بفتح النون، وكسرها، من بابي تَعِبَ، وضرب: أي لا تيأسوا (﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣])، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 1847

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٧/ ٣٢٩] (١٢٢)، ويأتي في "التفسير" برقم (٣٠٢٣)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٨٥٥)، و"التفسير" (٤٥٩٠ و ٤٧٦٢ و ٤٧٦٣ و ٤٧٦٤ و ٤٧٦٥ و ٤٧٦٦)، و (أبو داود) في "الفتن" (٤٢٧٥)، و (النسائيّ) في "تحريم الدم" (٤٠٠٠ و ٤٠٠١ و ٤٠٠٢ و ٤٠٠٥)، وفي "كتاب القسامة" (٤٨٦٤ و ٤٨٦٥ و ٤٨٦٦ و ٤٨٦٧)، وفي "الكبرى" (٣٤٦٢ و ٣٤٦٣ و ٣٤٦٤ و ٣٤٦٥ و ٣٤٦٨)، و (ابن ماجه) في "الديات" (٢٦٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الإسلام، حيث إنه يَهْدِم ما كان قبله، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا؛ لأن الإسلام والإيمان شيء واحد، كما سبق بيانه. ٢ - (ومنها): بيان سعة رحمة الله ، ومغفرته، حيث وعد المسرفين، فقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. ٣ - (ومنها): ما قاله العلامة ابن العربي: هذه لطيفة من الله مَنّ بها على الخلق، وذلك أن الكفار يَقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذةً لهم لمَا استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة، فَيَسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة، عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو عَلِمُوا أنهم يؤاخذون لَمَا تابوا، ولا أسلموا. وفي "صحيح مسلم": "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل: هل من توبة؟ فجاء عابدًا، فسأله: هل له من توبة؟ فقال: لا توبة لك، فقتله، فكمل به مائة … " الحديث، فانظروا إلى قول العابد: لا توبة لك، فلما عَلِمَ أنه قد أيئسه قتله فِعْلَ الآيس من الرحمة، فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم، ورُوي عن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل، فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبةَ؛ تخويفًا وتحذيرًا،

стр. 1848

فإذا جاءه مَن قتل، فسأله، هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبةٌ؛ تيسيرًا وتأليفًا. انتهى (١). ٤ - (ومنها): أنه اختُلف في تصرّف الكافر بالطلاق وغيره إذا أسلم: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلّق في الشرك، ثم أسلم، فلا طلاق له، وكذلك من حَلَف فأسلم، فلا حِنث عليه، وكذا مَن وجبت عليه هذه الأشياء، فذلك مغفور له. فأما مَن افترى على مسلم ثم أسلم، أو سرق ثم أسلم، أقيم عليه الحد للفرية والسرقة. ولو زَنَى وأسلم، أو اغتصب مسلمة ثم أسلم، سقط عنه الحدّ. ورَوَى أشهب عن مالك أنه قال: إنما يعني الله ما قد مضى قبل الإسلام، من مال، أو دم، أو شيء. قال ابن العربيّ: وهذا هو الصواب؛ لما قدمناه من عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٨]، وقوله ﷺ : "الإسلام يَهْدِم ما قبله"، وما بيّناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير. قال القرطبيّ: أما الكافر الحربيّ، فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب، وأما إن دخل إلينا بأمان، فقَذَف مسلمًا، فإنه يُحَدُّ، وإن سرق قُطِع، وكذلك الذمي إذا قَذَف حُدّ ثمانين، وإذا سَرَق قُطع، وإذا قَتل قُتل، ولا يُسقط الإسلام ذلك عنه؛ لنقضه العهد حال كفره على رواية ابن القاسم وغيره. قال ابن المنذر: واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم، وقد شَهِدت عليه بيّنة من المسلمين، فَحُكي عن الشافعي إذ هو بالعراق: لا حَدّ عليه، ولا تغريب؛ لقول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قال ابن المنذر: وهذا موافق لما رُوي عن مالك، وقال أبو ثور: إذا أقرّ، وهو مسلم أنه زَنَى وهو كافر، أقيم عليه الحد، وحُكِي عن الكوفي أنه قال: لا يحد. فأما المرتدّ إذا أسلم، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف

стр. 1849

أموالًا، فقيل: حكمه حكم الكافر الأصليّ إذا أسلم، لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده، وقال الشافعي في أحد قوليه: يلزمه كلُّ حقّ لله وللآدميّ، بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه، فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى، وقال أبو حنيفة: ما كان لله يَسقُط، وما كان للآدمي لا يسقط، قال ابن العربي: وهو قول علمائنا؛ لأن الله تعالى مُستغنٍ عن حقه، والآدمي مفتقر إليه، ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبيّ، وتلزمه حقوق الآدميين؟ قالوا: وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عام في الحقوق لله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك، وصوّبه ابن العربيّ من أن ما مضى قبل الإسلام من مال، أو دم، أو شيء يسقط عنه بالإسلام مطلقًا هو الأرجح؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وظاهر قوله ﷺ لعمرو بن العاص ﵁: "أما عَلمت أن الإسلام يَهدِم ما كان قبله؟ "، فإنه ﷺ ما استثنى له شيئًا، لا من حقوق الله تعالى، ولا من حقوق العباد، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توبة قاتل المؤمن عمدًا: قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في "تفسيره": واختلف العلماء في قاتل العمد، هل له توبة؟. فروى البخاريّ عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة، فَرَحلت فيها إلى ابن عبّاس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وروى النسائيّ عنه، قال: سألت ابن عباس: هل لمن قتل مؤمنًا متعمّدًا من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: هذه آية مكيّةٌ نسختها آية مدنيّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]. وروى عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد الفرقان بستّة

стр. 1850

أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائيّ عن زيد بن ثابت ﵁. وإلى عموم هذه الآية، مع هذه الأخبار عن زيد، وابن عبّاس ذهبت المعتزلة، وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ورأوا أن الوعيد نافذ حتمًا على كلّ قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدًا. وذهب جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عمر وهو أيضًا مرويّ عن زيد بن ثابتٍ، وابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهم - إلى أن له توبةً. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ، عن سَعْد بن عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عبّاس، فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمّدًا توبة؟ قال: لا إلا النار، قال: فلّمّا ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلًا مُغضبًا، يريد أن يقتُل مؤمنًا، قال: فبعثوا في إثره، فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنّة، وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصصة، ودليل التخصيص آياتٌ وأخبارٌ، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة (١)، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجدوا هشامًا قتيلًا في بني النجّار، فأخبر بذلك النبيّ ﷺ ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلًا من بني فهر، فقال بنو النجّار: والله ما نعلم له قاتلًا، ولكنّا نؤدّي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهريّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل، وانصرف إلى مكة كافرًا مَرتدًّا، وجعل يُنشد [من الطويل]: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ … سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارعِ (٢) حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثَوْرَتِي … وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ فقال رسول الله ﷺ : "لا أُؤمّنه في حِلّ، ولا حَرَم"، وأمر بقتله يوم فتح مكّة، وهو متعلقٌ بالكعبة.

стр. 1851

وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير، وعلماء الدين، فلا ينبغي أن يُحمل على المسلمين. ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأخذ بالظاهرين تناقضٌ، فلا بُدّ من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية "الفرقان"، وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا تعارض، وذلك أن يُحمَل مطلق آية "النساء" على مقيّد آية "الفرقان"، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيّما وقد اتّحد الموجِب، وهو القتل، والموجَب، وهو التواعد بالعقاب. وأما الأخبار، فكثيرة، كحديث عُبادة بن الصامت ﵁ الذي قال فيه: "تبايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرِقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فعوقب به، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه". متّفقٌ عليه، وكحديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ في الذي قتل مائة نفس، متّفقٌ عليه. إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يُشْهَد عليه بالقتل، أو يُقرّ بأنه قتل عمدًا، ويأتي السلطانَ الأولياءُ، فيقام عليه الحدّ، ويُقتل قَوَدًا، فهذا غير متَّبَع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعًا على مقتضى حديث عبادة ﵁، فقد انكسر عليهم ما تعلّقوا به من عموم قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنّا، أو تكون محمولةً على ما حُكي عن ابن عبّاس ﵄ أنه قال: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ معناه مستحلًّا لقتله، فهذا أيضًا يؤول إلى الكفر إجماعًا. وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب، أو لم يتُب. قاله أبو حنيفة، وأصحابه.

стр. 1852

[فإن قيل]: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] دليلٌ على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارجٍ من الإيمان. [قلنا]: هذا وعيد، والخلف في الوعيد كَرَمٌ، كما قال [من الطويل]: وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ … لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي وقد تقدّم جوابٌ ثان: إن جازاه بذلك: أي هو أهلٌ لذلك، ومستحقّه لعظم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحقُ بن حُميد، وأبو صالح، وغيرهما. وروى أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا وعد الله لعبد ثوابًا، فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبةَ، فله المشيئة: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه" (١). وفي هذين التأويلين دَخَلٌ، أما الأول، فقال القشيريّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن كلام الربّ لا يَقبل الخلف، إلا أن يُراد بهذا تخصيص العامّ، فهو إذًا جائزٌ في الكلام. وأما الثاني، وإن روي أنه مرفوعٌ، فقال النّحّاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّنٌ، وقد قال الله : ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ الآية [الكهف: ١٠٦]، ولم يقل أحدٌ: إن جازاهم، وهو خطأٌ في العربيّة؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]، وهو محمول على معنى جازاه. وجوابٌ ثالث ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن لم يتُب، وأصرّ على الذنب حتى وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله في "كتاب الناسخ والمنسوخ" أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عبّاس، وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. وفي هذا الذي قاله نظرٌ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ، قاله ابن عطيّة. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار، إنما المعنى: فهو يَجزيه.

стр. 1853

وقال النحّاس في "معاني القرآن" له: القول فيه عند العلماء أهلِ النظر أنه محكم، وأنه يُجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ [الهمزة: ٣]، وقال زُهَير: وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا وهذا كلّه يدلّ على أن الخلد يُطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: لأُخَلِّدنّ فلانًا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون، ومثله قولهم في الدعاء: خلّد الله ملكه، وأبّد أيامه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكِر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن قاتل المؤمن عمدًا تُقبل توبته؛ جمعًا بين النصوص المذكورة، والعمل بالدليلين إذا أمكن أولى من إلغاء أحدهما. على أنه قد جاء عن ابن عبّاس ﵄ القول بموافقة قول الجمهور، فقد أخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" (٤) بسند صحيح، على شرط الشيخين، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه أتاه رجلٌ، فقال: إني خطبت امرأةً، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبّت أن تنكحه، فغِرتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّةٌ؟ قال: لا، قال: تُبْ إلى الله ، وتقرّب إليه ما استطعت، فذهبتُ، فسألت ابن عبّاس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من برّ الوالدة. وأخرج ابن جرير (٥/ ١٣٨) بسند جيّد، عن سعيد، عن ابن عبّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله (٢).

стр. 1854

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر من هذين الأثرين أن ابن عبّاس ﵄ قد تراجع عن قوله الأول، فقال بقول الجمهور في قبول توبة القاتل، وهذا القول منه هو الصواب؛ لما ذكرنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٥٨ - (بَابُ بَيَانِ حُكْمِ عَمَلِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٠] (١٢٣) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولَ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ"، وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرْملة التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةَ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأَيْليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الحجة الشهير، أبو بكر المدنيّ، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح، تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.

стр. 1855

٦ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ) بن خُويلِد بن أسد بن عبد الْعُزَّى بن قُصَيّ الأسدي ابن أخي خديجة زوج النبيّ ﷺ ، واسم أمه صفية، وقيل: فاختة، وقيل: زينب بنت زُهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزَّى، ويكنى أبا خالد، له حديث في الكتب الستة. روى عنه ابنه حِزَام، وابن ابن أخيه، الضحاك بن عبد الله بن خالد بن حزام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسعيد بن المسيِّب، وموسى بن طلحة، وعروة، وغيرهم. قال موسى بن عقبة عن أبي حبيبة، مولى الزبير: سمعت حكيم بن حزام يقول: وُلدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أَعقِل حين أراد عبد المطلب أن يذبح عبد الله ابنه، وحكى الواقدي نحوه، وزاد: وذلك قبل مولد النبيّ ﷺ بخمس سنين، وقُتل والد حكيم في الْفِجار (١)، وشهدها حكيم. وحَكَى الزبير بن بكار: أن حكيمًا وُلد في جوف الكعبة. رَوَى الزبير، عن مصعب بن عثمان، قال: دخلت أم حكيم في نسوةٍ الكعبة، فَضَرَبها المخاض، فأُتيت بِنِطَع حين أعجلتها الولادة، فولدت في الكعبة. قال: وكان من سادات قريش، وكان صديق النبيّ ﷺ قبل المبعث، وكان يَوَدُّه ويُحِبّه بعد البعثة، ولكنه تأخر إسلامه حتى أسلم عام الفتح، وثبت في السيرة، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "من دخل دار حكيم بن حزام، فهو آمن"، وكان من المؤلَّفة، وشهد حُنينًا، وأُعطي من غنائمها مائة بعير، ثم حَسُن إسلامه، وكان قد شَهِد بدرًا مع الكفار، ونجا مع من نجا، فكان إذا اجتهد في اليمين قال: والذي نَجّاني يوم بدر، وكنيته: أبو خالد، قال الزبير: جاء الإسلام وفي يد حكيم الرِّفَادة، وكان يفعل المعروف، ويَصِلُ الرحم.

стр. 1856

وقال الإمام أحمد" في "مسنده": حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا الليث، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن عراك بن مالك، أن حكيم بن حزام قال: كان محمد ﷺ أحبّ الناس إلي في الجاهلية، فلما نُبِّئ، وهاجر شهد حكيم الموسم كافرًا، فوجد حُلّةً لذي يَزَن تباع، فاشتراها بخمسين دينارًا ليهديها إلى رسول الله ﷺ ، فقَدِم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هديةً، فأبى، قال عبيد الله: حسبته قال: "إنا لا نقبل من المشركين شيئًا، ولكن إن شئت بالثمن"، قال: فأعطيته حين أبي عليّ الهدية (١). ورواه الطبراني قال: حدثنا مطلب بن شعيب، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، وفي رواية ابن صالح زيادة: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئًا أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامةَ، فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة أتلبس حلة ذي يزن؟ قال: نعم، والله لأنا خير منه، ولَأبي خير من أبيه، فانطلقت إلى مكة، فأعجبتُهم بقوله. وروى الواقديّ عن الضحاك بن عثمان، عن أهله، قالوا: قال حكيم: كنت تاجرًا أخرج إلى اليمن، وآتي الشام، فكنت أربح أرباحًا كثيرةً، فأعود على فقراء قومي، وابتعت بسوق عكاظ زيد بن حارثة لعمتي بستمائة درهم، فلما تزوج بها رسول الله ﷺ وهبته زيدًا، فأعتقه، فلما حج معاوية أخذ معاوية مني داري بمكة بأربعين ألف دينار، فبلغني أن ابن الزبير قال: ما يَدرِي هذا الشيخ ما باع، فقلت: والله ما ابتعتها إلا بِزِقٍّ من خمر، وكان لا يجيء أحد يستحمله في السبيل إلا حمله. وقال الزبير: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: كان مشركو قريش لَمّا حَصَروا بني هاشم في الشِّعب، كان حكيم تأتيه العير بالحنطة، فيُقبِلُها (٢) الشعب، ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها. وفي "الصحيح" أنه سأل النبيّ ﷺ ، فقال: أشياء كنت أفعلها في

стр. 1857

الجاهلية، ألي فيها أجر؟ قال: "أسلمت على ما سلف لك من خير"، وكانت دار الندوة بيده، فباعها بعدُ من معاوية بمائة ألف درهم، فلامه ابن الزبير، فقال له: يا ابن أخي اشتريت بها دارًا في الجنة، فتصدق بالدراهم كلِّها. وكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها، مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين، وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة، شطرها في الجاهلية، وشطرها في الإسلام، قال البخاري في "التاريخ": مات سنة ستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة، قاله إبراهيم بن المنذر، ثم أسند من طريق عُمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، قال: مات لعشر سنوات من خلافة معاوية ﵁ (١). قال الحافظ الذهبيّ: يبلغ عدد مسنده أربعين حديثًا له في "الصحيحين" أربعة أحاديث متفق عليها (٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (١٢٣)، وأعاده بعد مرتين، وحديث (١٠٣٤): "خير الصدقة عن ظهر غنى … "، و (١٠٣٥): "إن هذا المال خضرة حلوة … "، و (١٥٣٢): "البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا … "، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار بصيغة الإفراد. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.

стр. 1858

٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن صحابيه ﵁ ذو مزايا فاخرة: [منها]: أنه وُلد في جوف الكعبة، كما تقدّم آنفًا، وأسلم عام الفتح، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين (١)، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامَ أَرْبَعِ … مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ [ومنها]: أنه ممن عاش مائة وعشرين سنة، نصفها في الإسلام، ونصفها في الجاهليّة، وهم عدة من الصحابة ﵃، وإليه أشار السيوطيّ أيَضًا بقوله: وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مَائَةٍ تُكَمَّلُوا سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوْيِطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وَآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ [ومنها]: أنه كان معروفًا بكثرة الجود جاهليّة وإسلامًا، أعتق في الجاهليّة مائة رقبة، وأعتق في الإسلام مثلها، وساق في الجاهليّة مائة بدنة، وفي الإسلام مثلها، وأخرج الطبرانيّ عن مصعب بن ثابت، قال: بلغني أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة، ومعه مائة رقبة، ومائة بدنة، ومائة بقرة، ومائة شاة، فقال: "الكل لله"، وهو مرسل. ولما توفّي الزبير ﵁ لقي حكيم عبد الله بن الزبير، فقال له: كم ترك أخي من الدين؟ قال: ألف ألف، قال حكيم: عليّ خمسمائة ألف، ومناقبه جمة ﵁، والله تعالى أعلم.

стр. 1859

شرح الحديث: عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) ﵁ (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عروة (أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا) بالثاء المثلثة: أي أتقرّب، والحنث في الأصل: الإثم، وكأنه أراد: أُلقي عني الإثم، وفي الرواية التالية: "أتبرّر بها"، وهو بمعناه (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد أيام كفره، لا الأيام التي قبل ظهور الإسلام، فكأنه قال: في جاهليّتي، زاد في الرواية التالية: "من صدقة، أو عَتَاقة، أو صِلَة رَحِم"، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه الآتية: أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير. (هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟) أي من أجر وثواب، كما فسّرته الرواية التالية: "أفيها أجر؟ "، وليس المراد مطلق الشيء؛ لأن له بها ذكرًا جميلًا على ألسنة الناس (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ) أي قدّمته (مِنْ خَيْرٍ") قال المازريّ: ظاهره أن الخير الذي أسلفه كُتِب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير، وقال الحربي: معناه: ما تَقَدَّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتُ على أن أحوز لنفسي ألف درهم، وأما من قال: إن الكافر لا يثاب، فحمل معنى الحديث على وجوه أخرى: (منها): أن يكون المعنى: إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلةً، فانتفعت بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة قد مَهَّدت لك معونة على فعل الخير. (ومنها): أنك اكتسبت بذلك ثناءً جميلًا، فهو باق لك في الإسلام. (ومنها): أنك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإسلام؛ لأن المبادئ عنوان الغايات. (ومنها): أنك بتلك الأفعال رُزِقت الرزق الواسع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بُعد هذه التأويلات عن معنى النصّ غاية البعد مما لا يخفى على بصير، وإنما ذكرتها؛ لتُعلَم، لئلا يُغترّ بها، فالحقّ الذي لا مرية فيه هو ما قاله المازريّ والحربيّ رحمهما الله تعالى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1860

وقال ابن الجوزيّ: قيل: إن النبيّ ﷺ وَرَّى عن جوابه، فإنه سأل: هل لي فيها من أجر؟ فقال: "أسلمتَ على ما سَلَفَ من خير"، والعتق فِعْلُ خير، وكأنه أراد إنك فعلت الخير، والخير يُمدَح فاعله، ويجازى عليه في الدنيا، فقد رَوَى مسلم من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "أن الكافر يثاب في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة". انتهى. قال الجامع: قول ابن الجوزيّ هذا من جنس التأويلات المفنّدة، والحقّ ما سبق. قال النوويّ بعد هذه الأقوال: وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر، واستَدَلُّوا بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كَتَب الله تعالى له كلَّ حسنة زَلَفَها، ومحا عنه كل سيئة زَلَفها، وكان عمله بعد ذلك، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها"، ذكره الدارقطنيّ في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كلُّ حسنة عملها في الشرك. قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه، قال: وهو كقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما أسلفت من خير"، والله أعلم. وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادةٌ، ولو أسلم لم يُعْتَدَّ بها، فمرادهم أنه لا يُعتدّ له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة، رُدَّ قوله بهذه السنة الصحيحة. وقد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارةُ ظهار، أو غيرها فكفَّر في حال كفره، أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختَلَف أصحاب الشافعي ﵁ فيما إذا أجنب، واغتسل في حال كفره، ثم أسلم، هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعض أصحابنا - يعني الشافعيّة - فقال: يصحّ من كل كافر كلُّ طهارة،
следующие страницы →