← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(المسألة الرابعة): إن قلت: إن إثبات الفلاح له في عدم النقص واضح، فكيف يصحّ ذلك في عدم الزيادة؟ قال النوويّ رحمه الله تعالى: قيل: هذا الفلاح راجع إلى قوله: "لا أنقُص" خاصةً، والأظهر أنه عائد إلى المجموع، بمعنى أنه إذا لم يَزِد ولم ينقص كان مُفْلِحًا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه فهو مُفْلِح، وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحًا؛ لأن هذا مما يُعْرَف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب، فلأن يُفلِح بالواجب والمندوب أولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): إن قيل: كيف قال: "لا أزيد على هذا"، وليس في هذا الحديث جميع الواجبات، ولا المنهيّات الشرعية، ولا السنن المندوبات؟ فالجواب: أنه جاء في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث زيادةٌ توضح المقصود، قال: "فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى عليّ شيئًا"، فعلى عموم قوله: "بشرائع الإسلام"، وقوله: "مما فَرَض الله عليّ " يزول الإشكال في الفرائض، وأما النوافل فقيل: يحتمل أن هذا كان قبل شرعها، وقيل: يحتمل أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغيير صفته، كأنه يقول: لا أصلي الظهر خمسًا، وهذا تأويل ضعيف، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يُخِلُّ بشيء من الفرائض، وهذا مُفْلِحٌ بلا شكّ، وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومةً، وتُرَدّ بها الشهادة، إلَّا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مُفْلِحٌ ناجٍ (١)، وأما قول ابن بطال: يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود فرائض النهي، فتعقبه الحافظ، قائلًا: هذا عجيب منه؛ لأنه جزم بأن السائل ضمام، وأقدم ما قيل فيه أنه وَفَدَ سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات وَاقِعًا قبل ذلك انتهي، وهو تعقب جيّد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 212

(المسألة السادسة): (اعلم): أنه لم يأت في هذا الحديث ذكرُ الحجّ، ولا جاء ذكره في حديث جبريل ﵇ من رواية أبي هريرة ﵁، وكذا في غير هذا من هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكَر في بعضها الزكاة، وذَكَر في بعضها صلَة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكرُ الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونقصًا، وإثباتًا وحذفًا. وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله تعالى عنها بجوابٍ، لَخّصَهُ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، وهَذَّبَهُ، فقال: ليس هذا باختلافٍ صادرٍ من رسول الله ﷺ ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قَصر، فاقتصر على ما حفظه، فأدّاه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يُشعِر بأنه الكلُّ، فقد بأن بما أَتَى به غيره من الثقات أَنَّ ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه. ألا ترى أن حديث النعمان بن قَوْقَل الآتي قريبًا، اختَلَفَتِ الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحدٌ، وهو جابر بن عبد الله ﵄ في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح، لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة، من أَنَّا نَقْبَلُها. هذا آخر كلام الشيخ ابن الصلاح، وهو - كما قال النوويّ - تقرير حسن والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): اختُلف في الاستثناء المذكور في قوله: "إلَّا أن تَطّوّع"، هل هو استثناء منقطع، ومعناه: لكن يستحب لك أن تطوع، كما اختاره الشافعيّة، أم استثناء متصل، كما اختاره الحنفيّة، والمالكيّة؟: قال في "الفتح": استُدِلَّ بهذا على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه؛ تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل. قال القرطبي: لأنه نَفَى وجوبَ شيء آخر إلَّا ما تطوع به، والاستثناء من

стр. 213

النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد إلَّا أن تشرع في تطوع، فيلزمك إتمامه. وتعقّبه الطيبيّ بأن ما تمسك به مغالطة؛ لأن الاستثناء هنا من غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلَّا إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد عُلِمَ أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلًا، كذا قال. وحرف المسألة دائر على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما رَوَى النسائيّ وغيره: أن النبيّ ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تُفطر يوم الجمعة بعد أن شَرَعَت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام، إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي. [فإن قيل]: يَرِدُ الحجّ، قلنا: لا؛ لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضيّ في فاسده، فكيف في صحيحه، وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله، كفرضه، والله تعالى أعلم. قال الجامع: قوله: امتاز بلزوم المضيّ في فاسده فيه نظر؛ لأنه لا دليل على هذا، فتبصّر. والله تعالى أعلم. قال: على أن في استدلال الحنفية نظرًا؛ لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع، لتباينهما، وأيضًا فإن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل مسكوت عنه. انتهى كلام صاحب "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن من شَرَعَ في نفل الصلاة يلزمه إتمامه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما إذا أفسده، فليس عليه القضاء، لعدم دليل يدلّ على ذلك، وأما من شَرَع في نفل الصوم فله الفطر، لما تقدّم أنه ﷺ كان ينوي صومًا، ثم يُفطر، ولحديث الجويرية ﵄ المتقدّم، ولا يجب عليه القضاء، لما رواه البخاريّ من حديث

стр. 214

أبي جُحيفة ﵁ قال: "آخى النبيّ ﷺ بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قال: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كلّ، فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل … الحديث، فقد استحسن ﷺ فعل سلمان، ولم يُلزم أبا الدرداء بالقضاء. وأما الأحاديث التي تدلّ على أنه ﷺ أمر بالقضاء يومًا مكانه فكلّها ضعيفة، لا تقوم بها الحجة. والحاصل أن الصلاة يلزم إتمامها بالشروع للآية السابقة، ولا يلزم قضاؤها بالإفساد؛ لعدم الدليل، وأما الصوم وإن كانت الآية تشمله إلَّا أن الأدلّة خصَّصته، كالأحاديث السابقة، وكقوله ﷺ : "الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، وهو حديث صحيح (١) فلا يلزم إتمامه، ولا قضاؤه. وأما قياس الصلاة عليه في هذا التخصيص، كما قاله الحافظ، فغير واضح، فتأمل. وأما ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ من أن من احتجّ بهذه الآية على منع إبطال النوافل بعد الشروع، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثرين على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، وقال آخرون: لا تبطلوا بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يَفْرِضْهُ اللهُ عليه، ولا أوجبه على نفسه بنذر أو غير، لامتنع عليه الإفطار إلَّا بما يُبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. انتهى. فمردود بكون العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما قاله الشوكانِيّ رحمه الله تعالى، وبأن ما ذكروه من الصوم إنما جاز الفطر فيه - وإن كانت الآية تشمله - للنصوص الواردة بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 215

[تنبيه]: تعقّب العينيّ ما استدلّ به صاحب "الفتح" من الحديثين المذكورين، فقال: قلت: من العجب أنه لم يَذكُر الأحاديث الدالّة على إلزام الشروع في العبادة بالإتمام، وعلى القضاء بالإفساد. وقد روى أحمد في "مسنده" عن عائشة ﵂ قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأُهديت لنا شاة، فأكلنا منها، فدخل علينا النبيّ ﷺ فأخبرناه، فقال: "صوما يومًا مكانه"، وفي لفظ آخر: "أمر بالقضاء"، والأمر للوجوب، فدلّ على أن الشروع مُلزم، وأن القضاء بالإفساد واجب. وروى الدارقطنيّ عن أم سلمة أنَّها صامت يومًا تطوّعًا، فأفطرت، فأمرها النبيّ ﷺ أن تقضي يومًا مكانه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب العيني على صاحب "الفتح" مجرّد تعصّب، لأن الحديثين اللذين احتجّ بهما ضعيفان (١)، ولا يقاومان الحديثين اللذين احتجّ بهما هو، فإنهما صحيحان، لكن التعصّب يُعمي ويصمّ، وعلى تقدير صحة ما احتجّ به يُحْمَل على الاستحباب، جمعًا بين الأدلّة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومعتمد العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى أول الكتاب قال: [١٠٩] ( … ) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفلَحَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ"، أَوْ "دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ").

стр. 216

رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبِ) الْمَقَابريّ - بفتح الميم، والقاف، بعدها موحّدة مكسورة - أبو زكريّا البغداديّ العابد، ثقة [١٠]. رَوَى عن إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن المبارك، وهشيم، ومروان بن معاوية، وخلف بن خليفة، وإسماعيل بن علية، وابن وهب، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري في "خلق أفعال العباد" عن محمد بن عبد العزيز بن المبارك المخرميّ، عنه، والنسائيّ في "مسند علي"، عن أبي بكر بن علي المروزي، عنه، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم. قال الميموني عن أحمد: رجل صالح، يُعرَف به، صاحب سكوت ودَعَة. وقال علي بن المديني، وأبو حاتم: صدوق. وقال أبو شعيب الْحَرّاني: يحيى بن أيوب كان من خيار عباد الله تعالى. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحسين بن فَهْم: يَنْزِل عسكر المهديّ، وكان ثقةً ورِعًا مسلمًا، يقول بالسنة، ويعيب على من يقول بقوله جهم، تُوُفّي في شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد موسى بن هارون: ومولده فيما أخبرني سنة سبع وخمسين ومائة، وقال غيرهم: مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. وله في هذا الكتاب (١٣٠) حديثًا. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ مولاهم، أبو إسحاق المدني القارئ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [٨]. رَوَى عن أبي طُوَالة، وعبد الله بن دينار، وربيعة، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وإسرائيل بن يونس، وابن عجلان، وأبي سُهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، وغيرهم. وروى عنه محمد بن جهضم، ويحيى بن يحيى بن النيسابوري، وأبو الربيع الزهراني، وسريج بن النعمان، وقتيبة ويحيى بن أيوب المقابري، وعلي بن حُجْر، وجماعة.

стр. 217

قال أحمد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال ابن معين: ثقة، وهو أثبت من ابن أبي حازم، والدَّراورديّ، وأبي ضَمْرة. وقال ابن سعد: ثقة، وهو من أهل المدينة، قدم بغداد، فلم يزل بها حتى مات، وهو صاحب الخمسمائة حديث التي سمعها منه الناس. وقال ابن المديني: ثقة. وقال ابن معين فيما حكاه ابن أبي خيثمة، ثقة مأمون، قليل الخطإ، صدوق. وقال الخليلي في "الإرشاد": كان ثقةً، شارك مالكًا في أكثر شيوخه، وكذا قال الحاكم. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال الهيثم بن خارجة: مات ببغداد سنة (١٨٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠٧) أحاديث. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (بهذا الحديث نحو حديث مالك) أي: حدّث إسماعيل بن جعفر بحديث طلحة لجنه المذكور نحو حديث مالك بن أنس المتقدم قبله، وقد سبق بيان الفرق بين قوله: "نحوه"، وقوله: "مثله"، وأن الأول إذا اتفق المعنى دون اللفظ، بخلاف الثاني، فإن اللفظ واحد هكذا قيل، وهو محل تأمل ونظر. [تنبيه]: رواية إسماعيل بن جعفر التي أشار إليها المصنّف رحمه الله تعالى أخرجها الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان" ١/ ٢٨٠ فقال: (١٣٥) أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا الحسن بن محمد، أبو علي الزعفراني، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: وثنا عاصم بن علي بن عاصم، ثنا إسماعيل بن جعفر. (ح) وأنبأ إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود، ثنا داود بن رشيد. (ح) وأنبأ محمد بن إبراهيم بن مروان، ثنا زكرياء بن يحيى بن إياس، ثنا قتيبة بن سعيد البغلاني. (ح) وأنبأ محمد بن محمد بن يوسف، ثنا محمد بن نصر، ثنا أبو عمرو الدُّوريّ، حفص بن عمر، وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن شاذان النيسابوريّ، ثنا علي بن حُجْر بن إياس المروزي، قالوا: أنبأ إسماعيل بن

стр. 218

جعفر، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله: أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فَرَضَ الله عليّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلَّا أن تَطّوّع شيئًا"، فقال: أخبرني ما فرض الله عليّ من الصيام؟ قال: "صيام شهر رمضان، إلَّا أن تَطّوّع"، فقال: أخبرني ما فَرَضَ الله عليّ من الزكاة؟ قال: فأخبره بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك، لا أتطَوّع شيئًا، ولا أنقص مما فَرَضَ الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح وأبيه، إن كان صدق، أو دخل الجَنَّة وأبيه، إن كان صدق". انتهى. وقوله ﷺ : (أفلح وأبيه، إن صدق) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه، مع قوله ﷺ : "من كان حالفًا، فَلْيَحْلِف بالله"، وقوله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". وجوابه: أن قوله ﷺ : "أفلح وأبيه"، ليس هو حَلِفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تُدخِلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقةَ الحلف، كما جَرَى على لسانها عَقْرَى حَلْقَى، وما أشبه ذلك، والنهيُ إنما وَرَدَ فيمن قصد الحلف؛ لما فيه من إعظام المحلوف به، ومضاهاته به الله ، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فهذا هو الجواب المرضيّ. وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، أو فيه إضمار اسم الربّ، كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو خاصّ، ويحتاج إلى دليل. وحَكَى السهيليُّ عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنما كان "والله"، فقُصِرت اللَّامان، واستنكر القرطبي هذا، وقال: إنه يَخْرِمُ الثقة بالروايات الصحيحة. وغَفَلَ القرافيّ، فادَّعَى أن الرواية بلفظ "وأبيه" لم تصحّ؛ لأنَّها ليست في "الموطإ"، وكأنه لم يَرْتَضِ الجوابَ، فعَدَلَ إلى ردّ الخبر، وهو صحيحٌ لا مِرْيَةَ فيه، وأقوى الأجوبة الأولان. وقال ابن بطال: دَلّ قوله: "أفلح إن صدق"، على أنه إن لم يَصْدُق فيما التزم لا يفلح، وهذا بخلاف قول المرجئة.

стр. 219

[فإن قيل]: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذُكِر، مع أنه لم يَذكُر المنهيات؟ أجاب ابن بطال باحتمال أن يكون ذلك وَقَعَ قبل ورود فرائض النهي. قال الحافظ: وهو عجيب منه؛ لأنه جَزَم بأن السائل ضمام، وأَقْدَم ما قيل فيه أنه وَفَد سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات واقعًا قبل ذلك. والصواب أن ذلك داخل في عموم قوله: "فأخبره بشرائع الإسلام"، كما أشرنا إليه. [فإن قيل]: فكيف أقرّه على حلفه، وقد وَرَد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ [أجيب]: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلحٌ، وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التصديق والقبول، أي: قَبِلتُ كلامك قبولَا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. وقال ابن الْمُنَيّر: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ؛ لأنه كان وافد قومه، ليتعلم ويعلمهم. قال الحافظ: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإن نَصّها لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فَرَضَ الله عليّ شيئًا. وقيل: مراده بقوله: "لا أزيد ولا أنقص": أي لا أُغَيّر صفة الفرض، كمن ينقص الظهر مثلًا ركعةً، أو يزيد المغرب. وفيه أنه يَعْكُر عليه أيضًا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر (١). قال الجامع عفا الله تعالى: أقرب التأويلات عندي الاحتمال الأول، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 220

(٣) - (بَابُ السُّؤَالِ عَنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف المذكور أول الكتاب قال: [١١٠] (١٢) - (حَدَّثَني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَة، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللهُ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللهُ"، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: "اللهُ"، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ آمْرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، قَالَ: "وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بن مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في (٣/ ٢٣). ٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، أَبُو النَّضْرِ) الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ح) تقدّم ٤/ ٣٦. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧].

стр. 221

رَوَى عن أبيه، وثابت البنانيّ، وحميد بن هلال، والحسن، وابن سيرين، والجريري، وأبي موسى الهلالي. ورَوى عنه الثوري، وشعبة، وماتا قبله، وبَهْزُ بن أسد، وحَبّان بن هِلال، وأبو أسامة، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وزيد بن الْحُبَاب، وشَبَابة بن سَوّار، وغيرهم. قال قراد أبو نوح: سمعت شعبة يقول: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطيالسي: ثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارًا من الرجال. وقال عبد الله بن داود الْخُرَييّ: ما رأيت بالبصرة أفضل من سليمان بن المغيرة، ومرحوم بن عبد العزيز. وقال أبو طالب عن أحمد: ثَبْتٌ ثَبْتٌ. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة ثقة. قال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن المديني: لم يمكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد. وقال النسائيّ: ثقة. وذكر أبو زرعة الدمشقي، عن سليمان بن حرب أنه قال: ثنا سليمان بن المغيرة الثقة المأمون. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب: ما رأيت بصريًّا أفضل منه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة. وذكره ابن حيان في "الثقات" ونقل ابن خلفون عن ابن نُمَير، والعجليّ، وغيرهما توثيقه. وقال أبو مسعود الدمشقيّ في "الأطراف" في "مسند أنس": ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاريّ غير هذا الحديث الواحد، وقرنه بغيره. وقال البزار: كان من ثقات أهل البصرة. وقال البخاري عن محمد بن محبوب: مات سنة خمس وستين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩) حديثًا. ٤ - (ثَابِتٌ) بن أسلم البنانيّ - بضمّ الموحّدة، ونونين مخففتين - أبو محمد البصريّ، ثقة عابدٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وابن الزبير وابن عمر، وعبد الله بن مُغَفَّل، وعُمَر بن أبي سلمة، وشعيب والد عمرو، وابنه عمرو، وهو أكبر منه، وغيرهم. ورَوَى عنه حميد الطويل، وشعبة، وجرير بن حازم، والحمادن، ومعمر، وهمام، وأبو عوانة، وجعفر بن سليمان، وسليمان بن المغيرة، وداود بن أبي

стр. 222

هند، والأعمش، وغيرهم. قال البخاريّ عن ابن المدينّي: له نحو مائتين وخمسين حديثًا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يَتَثَبَّتُ في الحديث، وكان يَقُصّ، وقتادة كان يَقُصّ، وكان أذكر. وقال العجليّ: ثقةُ رجلٌ صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهريّ، ثم ثابت، ثم قتادة. وقال ابن عديّ؛ أروى الناس عنه حمادُ بن سلمة، وأحاديثه مستقيمة إذا رَوَى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النُّكْرة إنما هو من الراوي عنه. وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن الْقُصَّاص لا يحفظون الحديث، فكنت أَقْلِب على ثابت الأحاديث، أَجْعَل أنسًا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشَوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء. قال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كلّ يوم وليلة، ويصوم الدهر. وقال بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، توفي في ولاية خالد الْقَسْريّ، وفي سؤالات أبي جعفر، محمد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل: سئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد أَيُّهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. وفي "الكامل" لابن عدي عن القطان: عَجَبٌ لأيوب يَدَعُ ثابتًا البنانّي، لا يكتب عنه. وقال أبو بكو الْبَرْدِيجيّ: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة، والحمادين، وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مُضطربًا، وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم: ثابتٌ عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: مرسل. قال ابن علية: مات ثابت سنة (١٢٧)، وقال جعفر بن سليمان: سنة (٢٣) حكاهما البخاري في "الأوسط"، وحَكَى عن ثابت قال: صَحِبْتُ أنسًا أربعين سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤٢) حديثًا. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير ﵁ (ت ٩٢) (ح) تقدّم في ١/ ٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.

стр. 223

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلَّا شيخه، في أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريّين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديّان. ٤ - (ومنها): أن ثابتًا من أثبت الناس في أنس ﵁، وقد لازمه أربعين سنة، كما سبق عنه آنفًا. ٥ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو المشهور بخدمة النبيّ ﷺ ، خدمه عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة ﷺ في البصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين فقد جاوز عمره مائة سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: نُهِينَا) بالبناء للمفعول، وفي رواية بهز عن سليمان الآتية بعدُ: "نُهينا في القرآن"، أي نهانا الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] أَنْ نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ) أي مما لا ضرورة إليه، وأما ما يحتاجون إليه، فقد أمر الله بالسؤال عنه حيث قال : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فلا تنافي بين النصّين. [تنبيه]: سبب النهي هو ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبةً ما سمعت مثلها قط، قال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خَنِين (١)، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. لفظ البخاريّ. ولفظ مسلم: عن أنس ﵁ أن الناس سألوا نبي الله ﷺ حتى أَحْفَوه بالمسألة، فخرج ذات يوم، فصعد المنبر، فقال: "سلوني، لا تسألوني عن

стр. 224

شيء إلَّا بينته لكم"، فلما سمع ذلك القوم أَرَمُّوا، ورَهِبُوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت التفت يمينًا وشمالًا، فإذا كلّ رجل لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل من المسجد كان يُلاحِي، فيُدْعَى لغير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: "أبوك حذافة"، ثم أنشأ عمر بن الخطاب ﵁ فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، عائذًا بالله من سوء الفتن، فقال رسول الله ﷺ : لم أر كاليوم قط في الخير والشرّ، إني صُوّرت لي الجَنَّة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط". لفظ مسلم. وفي رواية له عن أنس ﵁ أيضًا: أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلَّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن قبلها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسألني عن شيء فليسالني عنه، فوالله لا تسألونني عن شيء إلَّا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا"، قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، وأكثر رسول الله؟ أن يقول: "سلوني"، فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: "أبوك حذافة"، فلما أكثر رسول الله ﷺ من أن يقول: "سلوني"، بَرَكَ عمر، فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله ﷺ : أولى (١) والذي نفس محمد بيده لقد عُرِضت عليّ الجَنَّة والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشرّ، قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أَعَقّ منك، أَأَمِنتَ أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس، قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. (فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيةِ) أي ممن لم يبلغه النهي عن السؤال، و"البادية"، و"الْبَدْوُ" بمعنًى، وهو ما عدا الحاضرةَ والعمرانَ، والنسبة إليها بَدَوِيّ، والْبِدَاوَةُ: الإقامة بالبادية، وهي بكسر الباء، عند جمهور

стр. 225

أهل اللغة، وقال أبو زيد: هي بفتح الباء، قال ثعلب: لا أعرف البَدَاوة بالفتح إلَّا عن أبي زيد (١). وقوله: (الْعَاقِلُ) بالرفع صفة و"الرجل"، وإنما أحبّوا كونه عاقلًا؛ ليكون أعرف بكيفيّة السؤال وآدابه، والمهمّ منه، وحسن المراجعة، فإن هذه من أسباب عِظَمِ الانتفاع بالجواب، ولأن أهل البادية هم الأعراب، وَيغْلِبُ فيهم الجهل والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: "مَنْ بَدَا جَفَا" (٢). (فَيَسْأَلَهُ) بالنصب عطفًا على "يجيئ " (وَنَحْنُ نَسْمَعُ) جملة حالية من الفاعل، والرابط الواو، كما قال في "الخلاصة": وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ ضمَرٍ أَوْ بِهِمَا (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) هو ضِكمَام - بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم - ابن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، كما بيّنته رواية البخاريّ، قَدِم على رسول الله ﷺ سنة تسع، قاله أبو عُبيدة، ورجحه القرطبيّ، وقيل: سنة سبع، وقال محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها: لأن فرض الحجِّ لم يكن نزل إذ ذاك. وعبارة القرطبيّ: وأولى ما يقال: إن ضمامًا قَدِمَ على النبيّ ﷺ سنة تسع، كما قال أبو عبيدة وغيره من أهل التواريخ، ولأنها كانت سنة الوفود، وذلك أن الله تعالى لَمّا فَتَح على رسول الله ﷺ مكة، وهَزَمَ جمعَ هَوَازن، وأسلمت قريش كلُّها، دوّخ العرب، ونَصرَ نبيّه ﷺ ، وذلك سنة ثمان من الهجرة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وقَدِم رؤساء العرب وفودًا على النبيّ ﷺ سنة تسع، فسُمّيت سنة الوفود لذلك. انتهى (٣).

стр. 226

(فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قال العلماء: لعل هذا كان قبل النهي عن مخاطبته ﷺ باسمه قبل نزول قول الله : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، على أحد التفسيرين، قال قتادة: أُمروا أن يُعظِّموه ويُفخّموه، وقال غيره: ويدعوه بأشرف ما يُحبّ أن يُنادى به، يا رسول الله، يا نبيّ ﷺ ، وقيل: ذلك أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]، ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية، ولم تَبْلُغ الآيةُ هذا القائلَ (١). وقال القرطبيّ: ونادى هذا الرجل النبيّ ﷺ يا محمد، ويا ابن عبد المطّلب، ولم يناده بالنبوّه، ولا بالرسالة، إما لأنه لم يؤمن بعدُ - كما سيأتي - وإما لأنه باقٍ على صفة أهل البادية والأعراب؛ إذ لم يتأدّب بعدُ بشيء من آداب الشرع، ولا علم ما يجب عليه من توقير النبيّ ﷺ ؛ فإن الله تعالى قد نَهى أن يُنادى النبيّ ﷺ يا محمد حين قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، انتهى (٢). وقال القاضي عياض: وقد ورد في هذا الحديث أيضًا أنه ناداه: "يا رسول الله"، ولعلّ ذلك كان بعد تعليمه ما يجب عليه، أو تمكّن إسلامه، ومعرفة حقّ الرسالة؛ لأنه في أول وروده كان مسترشدًا، ومستفسرًا، انتهى (٣). (أَتَانَا رَسُولُكَ) أي الشخص الذي أرسلته إلينا لتبليغ ما أُرسلت به، وقوله: (فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ) معَ تصديق رسول الله ﷺ إيّاه دليل على أن "زَعَمَ" ليس مخصوصًا بالكذب، والقولِ المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه، وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث، وعن النبيّ ﷺ قال: "زَعَم جبريل كذا" (٤)، وقد أكثر سيبويه، وهو

стр. 227

إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كُتُب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطاب، يريد بذلك القول المحقق، وقد نَقَلَ ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في "شرح الفصيح" عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين (١). (أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ) ﷺ (صَدَقَ) أي فيما بلّغه إياكم (قَالَ) الرجل (فَمَنْ) استفهاميّة (خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ) ﷺ ("اللهُ) بالرفع على الفاعليّة بفعل مقدَّر دل عليه السؤال، أي خلقها الله (قَالَ) الرجل (فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: "اللهم)، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ) أي أَقَامَ ورَفَعَ، يقال: نصبتُ الخشبةَ نَصْبًا، من باب ضرب: أقمتها، ونصبتُ الحجر: رفعته علامةً (٢) (هَذ الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟) أي من أنواع الأشجار والأحجار، وغير ذلك (قَالَ) ﷺ (اللهُ) أي نصبها الله وجعل فيها (قَالَ) الرجل (فَبِالَّذِي) الباء للقسم متعلّق بفعل محذوف، أي أُقْسِمُ بالله الذي (خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟) بمدّ همزة "آلله"، وأصله أالله (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) أي أرسلني الله تعالى (قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ) أي قال" (رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب "خمسَ" على أنه اسم "أنّ"، وخبرها الجارّ والمجرور قبله (فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا) متعلّق بصفة لـ "خمس"، أو حال منه، أو بدل من الجارّ والمجرور قبله، أو متعلّق بخبر لمبتدإ محذوف، أي ذلك كائن في يومنا وليلتنا (قَالَ) ﷺ (صَدَقَ) الرسول (قَالَ) الرجل (فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟) أي: بكون الصلوات الخمس واجبة علينا في يومنا وليلتنا (قَالَ) ﷺ (نَعَمْ، قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً) بالنصب، اسم "أنّ" مؤخرًّا (فِي أَمْوَالِنَا) متعلّق بصفة لـ "زكاةً" (قَالَ) ﷺ (صدَقَ، قَالَ (الرجل (فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ) ﷺ (نَعَمْ، قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا) متعلّق بـ "صوم"

стр. 228

(قَالَ) ﷺ (صَدَقَ، قَالَ) الرجل (فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ) ﷺ (نَعَمْ، قَالَ) الرجل (وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ) من إضافة المصدر إلى مفعوله، و"من " في قوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) في محلّ الرفع فاعل بالمصدر؛ لأنه في تأويل "أن يَحُجّ"، كما قال في "الخلاصة": بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ … مُضَافًا أَوْ مُجَرّدًا أَوْ مَعَ "أَلْ" إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ "أَلْ" أَوْ "مَا" يَحُلْ … مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ … كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفعٍ عَمَلَهْ وقوله: "سبيلًا" منصوب على التمييز (قَالَ) ﷺ (صَدَقَ) هذه جُمَلٌ تدل على أنواع من العلم، قال صاحب "التحرير": هذا من حسن سؤال هذا الرجل، وملاحة سياقته وترتيبه، فإنه سأل أوّلَا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يَصْدُقَه في كونه رسولًا للصانع، ثم لَمّا وَقَفَ على رسالته، وعَلِمَها أقسم عليه بحق مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رَصِين. ثم إنّ هذه الإيمان جَرَتْ للتأكيد، وتقرير الأمر، لا لافتقاره إليها، كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة. انتهى. وقال القاضي عياض: والظاهر أن هذا الرجل لم يأت إلَّا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا ومشافهًا للنبيّ ﷺ انتهى، وقد خالف القرطبيُّ عياضًا فيما قاله، وسيأتي نقل كلامه - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) الراوي (ثُمَّ وَلَّى) أي أدبر الرجل السائل، وذهب بعد أن قضى غرضه الذي جاء من أجله، وهو السؤال عن أمور دينه (قَالَ) في محل نصب على الحال من فاعل "ولّى"، أي قائلًا (وَالَّذِي) الواو للقسم، أي أقسم بالله الذي (بَعَثَكَ) أي: أرسلك (بِالْحَقِّ) أي بالدين الحقّ (لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ) أي على هذه الأمور التي سألتك عنها، وأجبتني بصدقها (وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ) تقدّم أن ينقُص بضم القاف، من باب نصر، يتعدّى ويلزم، وأنقص يُنقِص رباعيًّا لغة ضعيفة في شرح حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ (فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "لَئِنْ صَدَقَ) في دعواه أنه يُحافظ على هذه الأمور (لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ) فيه أن من أتى بما أوجب الله تعالى عليه استحقّ دخول الجنّة، بمقتضى الوعد السابق، حيث إن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا

стр. 229

الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣٠، ٣١]. [تنبيه]: قصّة ضمام بن ثعلبة ﵁ هذه ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "مسنده" مطوّلة، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن الوليد بن نُوَيفع، عن كُريب مولى عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة، وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، فقَدِم عليه، وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلًا جلدًا، أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وَقَفَ على رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب، فقال رسول الله ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب"، قال: محمد؟ قال: "نعم"، فقال: ابنَ عبد المطلب، إني سائلك، ومُغْلِظٌ في المسألة، فلا تَجِدَنَّ في نفسك، قال: "لا أجد في نفسي، فسل عمَّا بدا لك"، قال: أنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ فقال: "اللهم نعم"، قال: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، لا نُشرِك به شيئًا، وأن نَخلَع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم"، قال: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: "اللهم نعم"، قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام، فريضة، فريضة: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، يناشده عند كلّ فريضة، كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقص، قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله ﷺ حين وَلَّى: "إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجَنَّة"، قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قَدِمَ على

стр. 230

قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزي، قالوا: مَهْ يا ضمام، اتَّقِ البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم إنهما والله لا يضران، ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به، ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم، وفي حاضره رجل ولا امرأة إلَّا مسلمًا، قال: يقول ابن عباس: في سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. وهذا الحديث إسناده ثقات مشهورون، غير محمد بن الوليد، فقد تفرّد بالرواية عنه ابن إسحاق، ووثقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ: وُثّق، وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به، ولم ينفرد به، بل تابعه سلمة بن كُهيل، عند الدارميّ في "سننه"، فرواه معه عن كريب، وله شواهد، من حديث أنس المذكور في الباب وغيره، فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في "الإيمان" (٣/ ١١٠) عن عمرو الناقد، عن هاشم بن القاسم - و (٣/ ١١١) عن عبد الله بن هاشم، عن بهز - كلاهما (هاشم، وبهز) عن سلميان بن المغيرة، عن ثابت، عنه. و (البخاريّ) (١/ ٢٤) عن عبد الله بن يوسف، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عنه، و (أبو داود) (٤٨٦) - و (ابن ماجة) - (١٤٠٢) و (النسائيّ) (٤/ ١٢٢) - ثلاثتهم عن عيسى ابن حمّاد المصريّ، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن شريك به. و (الترمذيّ) (٦١٩) عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن عبد الحميد - و (النسائيّ) (٤/ ١٢١) عن محمد بن معمر، عن أبي عامر الْعَقَديّ - كلاهما عن سليمان بن المغيرة به. و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤٣) عن هاشم بن القاسم به، و (٣/ ١٣٩)

стр. 231

عن بهز به، و (٣/ ١٦٨) عن حجاج، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر به. و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٨٥) عن هشام بن القاسم به. و (الدارميّ) في "سننه" (٦٥٦) عن عليّ بن عبد الحميد، عن سليمان بن المغيرة به. و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩١) و (أبو عوانة) في "مسنده" (١ و ٢). و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٥٨) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب - (ح) وعن محمد بن عمرو بن تمام المصريّ، عن النضر بن عبد الجبّار - ويحيى بن بكير - كلهم عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن شريك بن أبي نَمِر به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): أن الصلوات الخمس متكررة في كلّ يوم وليلة، وهو معنى قوله: "في يومنا وليلتنا". ٢ - (ومنها): أن صوم شهر رمضان يجب في كلّ سنة. ٣ - (ومنها): ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: فيه دلالةٌ لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوامّ المقلدين مؤمنون، وأنه يُكتَفَى منهم بمجرد اعتقاد الحقّ جزمًا، من غير شكّ وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه ﷺ قَرّر ضِمَامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم يُنكِر عليه ذلك، ولا قال له: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تمام البحث في هذا في المسائل التي ذكرتها في شرح حديث جبريل ﵇ بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. ٤ - (ومنها): أن فيه العملَ بخبر الواحد، حيث إن هذا الرجل قال للنَّبيّ ﷺ في آخر حديثه: "وأنا رسول من ورائي من قومي"، فأقرّه ﷺ على ذلك. ٥ - (ومنها): أن فيه فضل ضمام بن ثعلبة ﵁ وعقله، حيث قدَّم

стр. 232

الاعتذار بين يدي مسألته؛ لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلَّا بتلك الأساليب، فقد رتّب سؤاله على قوله: "فمن خلق السماء" إلى أن قال: "فبالذي خلق السماء إلخ، ثم أقسم عليه أن يصدقه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في كلّ مسألة تأكيدًا، وتقريرًا للأمر، ثم صرّح بالتصديق، فكلّ ذلك دليلٌ على حسن تصرّفه، وتمكّن عقله، ولهذا قال عمر ﵁ في رواية أبي هريرة ﵁: "ما رأيت أحدًا أحسن مسألةً، ولا أوجز من ضمام"، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود: "فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام". وزاد في حديث أبي هريرة ﵁: "فأما هذه الْهَنَاتُ فوالله إن كنّا لنتنزّه عنها في الجاهليّة"، يعني الفواحش (١). ٦ - (ومنها): جواز الاستحلاف على الأمر المحقّق؛ لزيادة التأكيد، حيث قال ضمام ﵁: "فبالذي خلق السماء إلخ". ٧ - (ومنها): تقديم الإنسان بين يدي حديثه مقدّمةً يعتذر فيها؛ ليحسن موقع حديثه عند المحدَّث، وهو من حسن التوصّل، فقد قال ضمام ﵁ كما في رواية البخاريّ: "إني سائلك، فمشدّد عليك في المسألة، فلا تَجِد عليّ في نفسك". ٨ - (ومنها): أنه استنبط الحاكم أبو عبد الله ﵀ من هذا الحديث طلب الإسناد العالي، ولو كان الراوي ثقةً؛ لأن ضمامًا لم يُقنعه خبر رسول النبيّ ﷺ حتى رحل بنفسه، وسمع ما بلّغه الرسول عنه، فلم يُنكر ذلك عليه النبيّ ﷺ ، بل أقرّه عليه وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختُلف، هل قَدِمَ ضِمَامٌ مسلمًا، أم أسلم بعد ما سأل؟: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: الظاهر أنه لم يأت إلَّا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافهًا للنبيّ ﷺ . انتهى. وهذا هو الذي مال إليه البخاريّ رحمه الله تعالى، حيث أورد هذا الحديث في "كتاب العلم" محتجًّا به في القراءة على العالم.

стр. 233

قال في "الفتح": عند قوله: "آمنت بما جئت به": ما نصّه: يَحْتَمِل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول ﷺ ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره: "فإن رسولك زَعَمَ … "، وقال في رواية كُريب، عن ابن عباس عند الطبرانيّ: "أتتنا كُتُبك، وأتتنا رُسُلك"، واستَنْبَط منه الحاكم أصلَ طلب علو الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصَدَّقَ، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ مشافهةً. ويحتمل أن يكون قوله: "آمنت" إنشاءً، ورجحه القرطبيّ، لقوله: "زَعَمَ" قال: والزعم القول الذي لا يوثق به، قاله ابن السِّكِّيت وغيره. قال الحافظ: وفيه نظر، لأن الزعم يُطْلَق على القول المحقق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في "شرح فصيح شيخه ثعلب"، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل في مقام الاحتجاج. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيه أن ما قاله القرطبيّ في معنى الزعم في الاستعمال الغالب، فالحمل عليه أولي، ومما يؤيّد ذلك قوله في حديث ابن عبّاس ﵄ أنه قال في آخر كلامه: "أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، سأؤديّ هذه الفرائض … " الحديث. فهذا ظاهرٌ في أن معنى قوله هنا: "آمنت بما جئت به" إنشاء، لا إخبار، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وأما تبويب أبي داود عليه "بابُ المشركِ يدخل المسجد"، فليس مَصِيرًا منه إلى أن ضمامًا قَدِمَ مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال. قال الجامع: قوله: "فليس مصيرًا إلخ"، فيه نظر لا يخفي، بل الظاهر من صنيع أبي داود أنه يرى أن ضمامًا قَدِمَ مشركًا، وقوله: "تركوا شخصًا إلخ" مما لا يخفى ضعفه، فهل كان من هدي النبيّ ﷺ وأصحابه أن كلّ من جاءهم من الغرباء لا بد من أن يسألوه عند دخوله المسجد هل هو مسلم، أو مشرك؟ فهل ثبت هذا في الأحاديث؟ هيهات هيهات. والله تعالى أعلم بالصواب. قال: ومما يؤيد أن قوله: "آمنت" إخبار، أنه لم يسأل عن دليل التوحيد،

стр. 234

بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لكان طَلَبَ معجزةً، توجب له التصديق، قاله الكرمانيّ، وعكسه القرطبيّ، فاستدل به على صحة إيمان المقلد للرسول، ولو لم تظهر له معجزةٌ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الذي يظهر لي، ودونك عبارته: قال رحمه الله تعالى: وقد خَرَّج البخاريّ هذا الحديث، وقال فيه: عن أنس ﵁: "بينما نحن جلوس مع النبيّ ﷺ في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عَقَلَه، ثم قال لهم: أَيُّكُم محمد، والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك، فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك، فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك، فقال: سَلْ عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم … ، وذكر نحو حديث مسلم. وقد فَهِمَ البخاريّ من هذا الحديث أن هذا الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول الله ﷺ حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحَفِظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ ﷺ ، ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا "باب القراءة والعرض على المحدّث"، وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي"، وفيه نظر، وأما مساق حديث مسلم، فظاهر أن الرجل لم يُشرَح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، إلا تراه يقول "يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك"، فإن الزعم قولٌ لا يوثق به، قاله ابن السّكّيت وغيره. غير أن هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فَدلَّهُ ذلك على أن لها خالقًا خلقها، إلا ترى أنه استفهم النبيَّ ﷺ

стр. 235

عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصحّ العلم بالرسول إلَّا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لَمّا وافقه على ما شهد به العقل، وأن الله تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات، أقسم عليه، وسأله به هل أرسله؟ ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حَصلَ على طِلْبَتِه، فانشرح صدور للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوار رسول الله ﷺ ، فلقد كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته ﷺ قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ ﵁: "فلَمَّا رأيته علمتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، حتى قال بعضهم: لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ … لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول الله ﷺ ، وبصحّة رسالته؛ لمجموع قرائن لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها. ويُستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طَلَب من المكلّفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثَبَت، ولم يَقْصُرُهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنَة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلُّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد الله المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصَّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء. وقد روى ابن عبّاس ﵄ حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلُّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول الله ﷺ عن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمامٌ: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقص، فقال رسول الله ﷺ : "إن يصدُق ذو الْعَقِيصتين (١) يدخل الجَنَّة"، ثم قَدِم على أهله، فعرض عليهم الإسلام، في أمسى ذلك في حاضره من رجل ولا امرأة إلَّا مسلمًا، قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قطّ كان أفضل من

стр. 236

ضمام"، وهو صحيح، رواه أحمد، وغيره. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق حسنٌ. وحاصله أن الأرجح قول ضمام ﵁: "آمنت بما جئت به" إنشاء، لا إخبار؛ لما ذُكر من الأدلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١١١] ( … ) - (حَدَّثَيي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا (١) بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: "كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآن، أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ … "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثِلْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) هو: عبد الله بن هاشم بن حيّان، أبو عبد الرَّحمن، وقيل: أبو محَمد الطُّوسيّ الرَّاذَكَانيّ، وُلدَ بطوس، وكان أكثر مُقَامه بنيسابور، ثقة، صاحب حديث، من صغار [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، ويحيى القطان، وابن مهديّ، ووكيع، وأبي أسامة، وبهز بن أسد، وابن نُمَير، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وصالح بن محمد الأسدي، وأحمد بن سلمة، والحسين بن محمد القَبّاني، وإبراهيم بن أبي طالب، ومكي بن عبدان، وغيرهم. قال ابن صاعد: قَدِمَ علينا للحج سنة (٢٠١)، وقال يعقوب بن إسحاق الفقيه: ثنا صالح بن محمد، ثنا عبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، ثقة. وقال إبراهيم بن أبي طالب: ابن هاشم مُجَوِّدٌ في حديث يحيى وعبد الرَّحمن. وقال أحمد بن سَيّار: كان عبد الله معروفًا بطلب الحديث وكان أظهر كلام الرّأي، ثم ترك ذلك، ورَحَلُوا إليه، وكتبوا عنه، وأظهر أمر الحديث. وذكره ابن حبان

стр. 237

في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث من المتقدمين. ورَوَى عنه ابن خزيمة في "صحيحه". وقال الخليليّ: ثقةٌ كبير. وقال الحسين بن محمد القَبّاني: مات في ذي الحجة سنة خمس وخمسين ومائة، وقال أبو القاسم الطبريّ: مات سنة (١٥٨)، وقال أحمد بن سَيّار: مات سنة (١٥٩). تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]. رَوَى عن شعبة، وحماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وسليمان بن المغيرة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وعبد الرَّحمن بن بشر بن الحكم، وبندار، ويعقوب الدَّوْرَقِيّ، ومحمد بن حاتم السَّمِين، وعبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، وأبو بكر بن خلاد، وعدة. قال أحمد: إليه الْمُنْتَهَى في التَّثَبُّت، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال عباس عنه: قال جرير بن عبد الحميد: اختَلَطَ عليَّ حديث عاصم الأحول، وأحاديث أشعث بن سَوّار، حتى قَدِمَ علينا بهز، فخَلَّصها. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، حجة. وقال عبد الرَّحمن بن بشر: سألت يحيى بن سعيد يومًا عن حديث، فحَدَّثني به، ثم قال لي أراك تسألني عن شعبة كثيرًا، فعليك ببهز بن أسد، فإنه صدوق ثقة، فاسمع منه كتاب شعبة، وقال في موضع آخر: ما رأيت رجلًا خيرًا من بهز. وقال العجليّ: كان أسنّ من أخيه مُعَلَّى، بصريّ ثقة ثبت في الحديث، رجلٌ صالحٌ، صاحب سنة، وهو أثبت الناس في حماد بن سلمة. وقال أبو الفتح الأزديّ: صدوق، كان يتحامل على عثمان، سَيِّء المذهب. وقال أحمد: هؤلاء الثلاثة أصحاب الشكل والنقط - يعني بهزًا، وحَبَّان، وعَفّان. وقال عقبة بن مكرم: مات قبل يحيى بن سعيد، وقال غيره: مات بعد المائتين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد المائتين، وأَرَّخَه ابن قانع سنة (١٩٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٨) حديثًا. والباقون تقدَّموا في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.

стр. 238

وقوله: "وساق الحديث بمثله"، فاعل "ساق" ضمير بهز، أي: ساق بهز الحديث بمثل ما ساقه هاشم بن القاسم، وروايته أخرجها الإمام أحمد في "مسنده"، مقرونًا بعفّان، فقال: حدثنا بهز، وحدثنا عفان قالا: حدثنا سلميان بن المغيرة، عن ثابت، قال عفان: حدثنا ثابت، قال أنس: كنا نُهِينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، قال: وكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، يسأل رسول الله ﷺ ، قال: فجاء رجل فقال: يا محمد أتانا رسولك، وزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق"، قال: فمن خَلَقَ السماء؟ قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله"، قال: فمن نصب هذه الجبال؟ قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاةً في أموالنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال عفان: قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، وزعم رسولك أن علينا الحجَّ مَنِ استطاع إليه سبيلًا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال عفان: ثم وَلَّي، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد، ولا أنتقص منهن شيئًا، قال رسول الله ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجَنَّة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٤) - (بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ، وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١١٢] (١٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو أَيُّوبَ: أَن أَعْرَابِيًا

стр. 239

عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَوْ يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّة، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّار، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ"، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دعَ النَّاقَةَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) - مصغّرًا - الْهَمْدانّي، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقة حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٢) (ع) ١/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير - مصغَّرًا - الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) ١/ ٥. ٣ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ابن عم يحيى بن عبيد الله، ثقة [٦]. رَوَى عن أبيه، وموسى بن طلحة، ورَبَاح بن عُبيدة السّلَميّ، وعمر بن عبد العزيز. ورَوَى عنه زائدة، والثوريّ، وابن نمير، والخريبي، والقطان، ووكيع، وجعفر بن عون، وابن عيينة، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وجماعة، ورَوَى عنه شعبة، فسماه محمدًا. قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عمرو بن عثمان أحب إليك، أو طلحة بن يحيى؟ قال: عمرو، وكذا قال أحمد بن حنبل، وقال أحمد أيضًا، وابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم - (١١٢) - (١٣) و (٤٦٨) و (١٠٣٤). ٤ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله القرشيّ التيميّ، أبو عيسى، ويقال: أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، وأمه خَوْلَة بنتُ القَعْقَاع بن سعيد بن زُرَارةَ، ثقة جليلٌ [٢].

стр. 240

روى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وأبي ذَرّ، وأبي أيوب، وحكيم بن حزام، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة، وأبي اليسر السلمي، ومعاوية، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه: عمران، وحفيده سليمان بن عيسى بن موسى، وابنا أخيه: إسحاق وطلحة ابنا يحيى بن طلحة، وابن أخيه الآخر: موسى بن إسحاق بن طلحة، وابن ابن أخيه موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة، وعثمان بن موهب، وابنه عمرو، وغيرهم. قال ابن سعد: قال الواقدي: رأيت مَنْ قِبَلَنا وأهل بيته يكنونه أبا عيسى، وكان ثقةً، كثير الحديث. وقال الزبير بن بَكّار: كان من وجوه آل طلحة. وقال الْمَرُّوذِيُّ عن أحمد: ليس به بأس. وقال العجليّ: تابعي ثقة، وكان خيارًا، وقال مرةً: كوفي ثقةٌ، رجلٌ صالحٌ. وقال أبو حاتم: يقال: إنه أفضل وَلَد طلحة بعد محمد، كان يسمى في زمانه المهديّ. وقال ابن خِرَاش: كان من أجلَّاء المسلمين، ويقال: إنه شَهِدَ الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أُسِرَ، ويقال: إنه فَرّ من الكوفة إلى البصرة لَمّا ظهر المختار بن أبي عبيد. وعن عبد الملك بن عُمير قال: كان فُصَحَاءُ الناس أربعةً، فذكره فيهم. ورَوَى الْعَقَديّ عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى، قال: صَحِبتُ عثمان اثنتي عشرة سنة. وقال الهيثم، وابن سعد، وغير واحد: مات سنة ثلاث ومائة، وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث، أو أربع ومائة، وقال أبو نعيم، وأحمد: مات سنة أربع ومائة، ويقال: مات سنة ست، وأرخه سنة ست أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر بن أبي عاصم. وقال ابن عساكر: يقال: إنه ولد في عهد رسول الله ﷺ ، وهو الذي سَمّاه. أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٥ - (أَبُو أَيُّوبَ) هو: خالد بن زيد بن كُليب بن ثعلبة بن عبد عوف، ويقال: ابن عمرو بن عبد عوف بن غَنْم، ويقال: ابن عبد عوف بن جُشَم بن غَنْم بن مالك بن النجار، الأنصاري الخزرجيّ، شَهِدَ بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ونَزَلَ عنده رسول الله ﷺ حين قَدِمَ المدينة شهرًا حتى بَنَى المسجدَ.

стр. 241

روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بن كعب، وعنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وزيد بن خالد الجهني، وابن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطميّ، والمقداد بن معدي كرب، وغيرهم من الصحابة، وموسى بن طلحة، وعبد الله بن حُنَين، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن يزيد الليثي، وعروة بن الزبير، وأبو عبد الرَّحمن الْحُبُلِّي، وعطاء بن يسار، وعمر بن ثابت، وجماعة. قال الخطيب: حضر العقبة، وشَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا، والمشاهد كلها، وكان مسكنه المدينة، وحضر مع علي حرب الخوارج، وورد المدائن في ححبته، وعاش بعد ذلك زمانًا طويلًا، حتى مات ببلاد الروم غازيًا في خلافة معاوية. وذكر الواقديّ، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهما: أنه شَهِدَ مع عليّ صِفِّين. قال الهيثم بن عدي وغيره: مات سنة (٥٠)، وقال الواقدي وغيره: مات سنة (٥٢)، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: مات في سنة (٥٥). وقال ابن سعد: ولما ثَقُل قال لأصحابه: إن أنا مِتُّ، فاحملوني، فإذا صاففتم العدوّ، فادفِنُوني تحت أقدامكم. وقال البغويّ: قُبِر ليلًا، وأمَرَ يزيدُ بالخيل تُقْبِل عليه وتدبر - حتى عَمِيَ قبره. وقال ابن حبان في "الصحابة": مات بأرض الروم، وقال لهم: إذا أنا متّ، فَقَدِّمُونِي في بلاد العدوّ ما استطعتم، ثم ادْفِنُوني، فمات، وكان المسلمون على حِصَار القسطنطينية، فقدموه حتى دُفِنَ إلى جنب حائط. أخرج له المجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٠) حديثًا، اتّفق الشيخان على سبعة أحاديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسملم بخمسة أحاديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عمرو بن عثمان، فتفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ممن اشتهر بكنيته، وله مناقب جمّة، نزل عليه النبيّ ﷺ قبل أن يبني المسجد، وحُجَر أزواجه. والله تعالى أعلم.

стр. 242

شرح الحديث: عن (مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) التيميّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ ﵁ (أنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة واحد الأعراب، قال ابن الأثير: هم ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والْعَرَبُ اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية، أو الْمُدُن، والنسب إليهما: أعرابيّ، وعربيّ. انتهى (١). وقال في "المصباح": الْأَعْراب بالفتح: أهل البادية من العرب، الواحد: أعرابيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بظَعْنِهم، فهم أَعْرابٌ، ومن نزل بلاد الرّيف، واستوطن الْمُدُن والْقُرى العربيّةَ وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمَّى الْعَرَبَات، ويقال: الْعَرَب العاربة هم الذين تكلّموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة هم الذي تكلّموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم ﵇، وهي لغة الحجاز وما والاها. والْعُرْبُ وزانُ قُفْل لغة في الْعَرَب، ويُجمع الْعَرَب على أَعْرُب، مثلُ زَمَن وَأَزْمُنٍ، وعلى عُرُب بضمّتين، مثلُ أَسَدٍ وأُسُدٍ. انتهى (٢). [تنبيه]: هذَا الأعرابي قد سُمِّي فيما رواه البغويّ، وابن السكن، والطبرانيّ في "الكبير"، وأبومسلم الكجي في "السنن" من طريق محمد بن جُحادة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، أن أباه حدّثه، قال: انطلقت إلى الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وُصِف لي رسول الله ﷺ ، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: "دَعُوا الرجلَ أَرَبٌ ما له"، قال: فزاحمتُ عليه، حتى خلصت إليه، فاخذت بخطام راحلته، في غئرَ عليّ، قال: شيئين أسألك عنهما: "ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجَنَّة"، قال: فنظر إلى السماء، ثم

стр. 243

أقبل عليّ بوجهه الكريم، فقال، "لئن كنت أوجزت المسألة، لقد أعظمت، وطَوَّلتَ، فاعقِلْ عليّ، اعبُد اللهَ، لا تُشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدّ الزكاة المفروضة، وصُمْ رمضان". وأخرجه البخاري في "التاريخ" من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، عن أبيه، قال: غَدَوتُ، فإذا رجل يُحَدِّثهم. قال: وقال جرير، عن الأعصثر، عن عمرو بن مرّة، عن المغيرة بن عبد الله، قال: سأل أعرابي النبيّ ﷺ ، ثم ذكر الاختلاف فيه عن الأعمش، وأن بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، والصواب المغيرة بن عبد الله اليشكري. وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صَبِرة وافد بني المنتفق، فالله أعلم. وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا هو السائل في حديث أبي أيوب لجنه؛ لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة. والله تعالى أعلم. وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهليّ ﵁، ففي حديث الطبراني أيضًا من طريق قَزعَة بن سُوَيد الباهليّ، حدثني أبي، حدثني خالي، واسمه صخر بن القعقاع، قال: لقيت النبيّ ﷺ بين عرفة ومزدلفة، فأخذت بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله، ما يُقربني من الجَنَّة، ويباعدني من النار؟ … "، فذكر الحديث، وإسناده حسن. أفاده في "الفتح" (١). [تنبيه آخر]: وقع في رواية البخاريّ في "الزكاة" في حديث أبي أيوب ﵁ هذا بلفظ "أن رجلًا" بدل" أن أعرابيًّا"، فقال في "الفتح": هذا الرجل حَكَى ابن قتيبة في "غريب الحديث" له أنه أبو أيوب الراوي، وغلّطه بعضهم في ذلك، فقال: إنما هو راوي الحديث، وفي التغليط نظر؛ إذ لا مانع أن يُبهم الراوي نفسه؛ لغرض له، ولا يقال: يبعد لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيًّا؛ لأنا نقول: لا مانع من تعدّد القصّة، فيكون

стр. 244

السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه، لقوله: "إن رجلًا"، والسائل في حديث أبي هريرة أعرابيّ آخر. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب غير صحيح؛ لأن رواية مسلم هذه تبطله، فإنها بلفظ "أن أعربيًّا"، فكون المراد به أبا أيوب غير صحيح؛ لأنه لا يقول عن نفسه "أن أعرابيًّا"، فالظاهر أن السائل في حديث أبي أيوب، وحديث أبي هريرة ﵁ واحد، وهو أعرابيّ، كما اتّضح في التنبيه السابق، فتأمله بالإنصاف. والله تعالى أعلم. (عَرَضَ) من باب ضرب: أي ظهر، وبدا (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي سَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول الله" (فَأَخَذَ) أي ذلك الأعرابيّ (بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِزِمَامِهَا) "الخطام"، و"الزمام" - بكسر الخاء، والزاي - قال الهرويّ في "الغريبين"، قال الأزهريّ: الخِطام هو الذي يُخْطَم به البعير، وهو أن يؤخذ حبلٌ من لِيفٍ، أو شعر، أو كَتّان، فيُجعَل في أحد طرفيه حَلْقَةٌ يُسْلَك فيها الطرف الآخر، حتى يَصِير كالحلقة، ثم يُقَلَّد البعير، ثم يُثَنَّى على مِخْطَمِه، فإذا ضُفِّر من الأدَمِ فهو جَرِير، فأما الذي يُجعَل في الأنف دَقيقًا فهو الزّمَام، وقال صاحب "المطالع": الزِّمَام للإبل ما تُشَدّ به رؤوسها من حَبْل وسَيْرٍ، ونحوه، لتقاد به. انتهى (٢). (ثُمَّ قَالَ) الأعرابيّ (يَا رَسُولَ الله، أَوْ) للشكّ من الراوي (يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي) بتشديد الراء، من التقريب، أي بالعمل الذي إذا عملته يقرّبني (مِنْ الْجَنَّةِ) ويجعلني ممن يدخلها (وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ) أي وبالعمل الذي يجعلني بعيدًا من النار (قَالَ) الراوي، وهو أبو أيوب ﵁ (فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ) أي: منع ناقته من السير: ليتمكّن من سماع سؤاله، وأن لا يتعدّاه دون الإجابة عما سأله (ثُمَّ نَظَرَ) ﷺ (فِي) وجوه (أَصْحَابِهِ) ﵃، تعجّبًا من حسن سؤاله، ووجازته، وبلاغته (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لَقَدْ وُفِّقَ) بالبناء للمفعول، يقال: وفّقه الله توفيقًا: إذا سَدَّدَه (٣)، وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال

стр. 245

أصحابنا المتكلمون: التوفيقُ: خلقُ قدرة الطاعة، والخذلان خلق قدرة المعصية. انتهى (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضًا (لَقَدْ هُدِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال الراغب الأصبهاني: الهداية: دلالة بلُطْفٍ، ومنه الهديّة، وهوادي الوحوش: المتقدّمات الهادية لغيرها، وخُصّ ما كان دلالةً بهَدَيتُ، وما كان إعطاءً بأهديتُ، ثم قال: إن قيل: كيف جَعَلْتَ الهداية دلالةً بلُطْفٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وقال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، قيل: ذلك استُعْمِلَ فيه استعمالَ اللفظ على التهكم مبالغةً في المعنى، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقول الشاعر: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ قال: وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب: [الأول]: الهداية التي عمّ بها كلَّ مكلَّف، من العقل، والفِطْنة، والمعارف الضروريّة، بل عمّ بها كلَّ شيء بقدر فيه حسب احتماله، كقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. [الثاني]: الهداية التي جَعَل للناس بدعائه إياهم على السنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]. [الثالث]: التوفيق الذي يختصّ به من اهتدي، وهو المعنّي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. [الرابع]: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. قال: وهذه الهدايات الأربع مرتّبة، فمن لم تحصل له الأولى لم تحصل له الثانية، بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لم تحصل له الثالثة، والرابعة، ومن حصلت له الرابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصلت له الثالثة فقد حصل له اللتان قبلها، ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحمل الثاني، ويحصل الثاني، ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن

стр. 246

يهدي أحدًا إلَّا بالدعاء، وتعريف الطرق، دون سائر أنواع الهدايات. وإلى الأولى أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. قال: وكلُّ هداية ذكر الله تعالى أنه منعَ الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنّة ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]. وكلُّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ ، وعن البشر، وذَكَر أنهم غير قادرين عليها، فهي ما عدا المختصّ من الدعاء، وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق، وإدخال الجنّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقولُهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]، أي: أن الله تعالى هو الذي يَهْدي خلقه إلى الحقّ، فهو أحقّ بالاتّباع ممن لا يَهدي أن يهتدي بنفسه، يقال: هدى بنفسه يَهدي مخفّفًا بمعنى اهتدى يهتدي، نحوُ شَرى يَشري بمعنى اشترى يشتري، إلَّا أن يُهدى إلى طريق يسلكها، أو عملٍ يرشده، وهذا استفهام توبيخ لهم على ما اتّخذوه من دون الله إلهًا يُعبَدُ، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم، كالمسيح، وعُزير، والملائكة، يعني أن الله وحده هو الذي يهدي كلَّ أحد، وغيره لا يَهدي غيره إلَّا أن يهديه الله تعالى. قال: ولَمّا كانت الهداية والتعليم يقتضي شيئين: تعريفًا من الْمُعَرّف، وتعرُّقًا من الْمُعَرَّف، وبهما تتمّ الهداية والتعليم، فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلِّم، ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْد، ولم يُعلِّم؛ اعتبارًا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعَلّمَ؛ اعتبارًا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إن الله تعالى لم يَهْد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصحّ أن يقال: هداهم وعلَّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الهداية، فعلى الاعتبار الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].

стр. 247

وقيل: معنى ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] أي لا يصلح، فاستعار الهداية للإصلاح، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، والمعنى لا يوفّقهم لعمل أهل الخير. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أشار به إلى من هداه الله بالتوفيق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. قال بعضهم: الهداية والْهُدى في موضوع اللغة واحد، ولكن خصّ الله تعالى لفظ الْهُدَى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ به هو دون ما هو إلى الإنسان، نحو ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. والاهتداء يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إما في الأمور الدنيويّة، أو الأخرويّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فهذا يجوز أن يكون للهدايتين؛ لأنهم يهتدون بها في أسفارهم، وإلى الجهة التي يتعبّدون إليها لله تعالى. ويقال أيضًا: اهتدى: إذا طلب الهداية، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وإذا تَحَرَّاهَا أيضًا، ومنه ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]، أي تتحرّون هدايتكم فيهما، والاهتداء أيضًا: الاقتداء بالعلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، تنبيهًا على أنهم لا يعلمون بأنفسهم، ولا يقتدون بمن يَعلَم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدّمة بأسرها، من طلب الهداية، وتحريّها، والاقتداء بالعلماء. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، أي ثم أدام طلب الهداية، ولم يَفْتُر عن تحرّيها، ولم يرجع إلى المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي تَحَرَّوا الهداية وقَبِلوها، وعَمِلوا بها، ولم يُخِلُّوا بشرائطها. انتهى كلام الراغب مختصرًا (١). والحاصل أن الهداية تُطلق على البيان، والإرشاد، كما قوله : ﴿وَإِنَّكَ

стр. 248

لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتُطلق على التوفيق للطاعة وتيسيرها، كما في قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وهذا المعنى هو المراد هنا، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ﷺ (كَيْفَ قُلْتَ؟)، إنما سأله تعجّبًا بما سأل، وتعجيبًا للحاضرين، ويحتمل أنه لم يسمعه تمام السماع. وفي رواية البخاريّ: "قال: ما له، ما له؛ فقال رسول الله ﷺ : "أَرَبٌ مَا له". قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية لم يُذكَر فاعل "قال: ما له ما له؟ "، وفي رواية بَهْز المعلقة هنا الموصولة في كتاب "الأدب" قال القوم: ما له ما له؟ قال ابن بطال: هو استفهام، والتكرار للتأكيد. وقوله: "أَرَبٌ" - بفتح الهمزة والراء، منونًا - أي حاجة، وهو مبتدأ، وخبره محذوف، استفهم أوّلًا، ثم رجع إلى نفسه، فقال: "له أَرَبٌ". انتهى. وهذا بناءٌ على أن فاعل "قال" النبيُّ ﷺ ، وليس كذلك؛ لما بَيّناه، بل المستفهم الصحابة، والمجيب النبي ﷺ ، و"ما" زائدة، كأنه قال: له حاجةٌ مَا. وقال ابن الجوزيّ: المعنى له حاجةٌ مهمة مفيدةٌ، جاءت به؛ لأن قد عَلِمَ بالسؤال أن له حاجةً. وَرُوِيَ بكسر الراء، وفتح الموحدة، بلفظ الفعل الماضي وظاهره الدعاء، والمعنى التعجب من السائل، وقال النضر بن شُمَيل: يقال: أَرِبَ الرجلُ في الأمر: إذا بلغ فيه جهده، وقال الأصمعيّ: "أَرِبَ في الشيء: صار ماهرًا فيه، فهو أريب، وكأنه تعجب من حسن فطنته، والتهدي إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم هذه، بلفظ: فقال النبي ﷺ : "لقد وُفّق، أو لقد هُدِي". وقال ابن قتيبة: قوله: "أَرِبَ" من الآراب، وهي الأعضاء، أي سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تَرِبَت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء، ولا يراد حقيقته. وقيل لَمّا رأى الرجل يزاحمه، دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن طُهْرٌ له، كما ثبت في الصحيح. ورُوِي بفتح أوله، وكسر الراء، والتنوين: أي هو أَرِبٌ، أي حاذقٌ، فَطِنٌ،

стр. 249

قال الحافظ: ولم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني بأنها ليست محفوظة، وحكى القاضي عن رواية لأبي ذَرّ: "أَرَبَ" بفتح الجميع، وقال: لا وجه له، قال الحافظ: وقعت في "الأدب" من طريق الكشميهني وحده. انتهى (١). (قَالَ) الراوي (فَأَعَادَ) الأعرابي سؤاله (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَعْبُدُ اللهَ) أي توحّده، وهو بتقدير حرف مصدريّ، كما في قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقولِ الشاعر [من الطويل]: أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي أو الفعل منزّل منزِلَة المصدر، كقوله: "تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تَرَاه"، أو الخبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله. والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله: "لا تشرك به شيئًا" تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعنى الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعدها لبيان الإخلاص، وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله: "وتقيم الصلاة … إلخ" تخصيصٌ بعد التعميم. وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: "تعبد الله" أي توحّده، وفسّره بقوله: "لا تشرك به شيئًا"، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي ليوحّدوني. والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها لإدخالها في الإسلام، وإنما لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة مطلق الطاعة، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها من باب عطف الخاصّ على العام؛ تنبيهًا على شرف هذه الأشياء، ومزيّتها. وقوله: (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "تعبُد"، وإنما أتى به بعد ذكر العبادة؛ لأن عبادة الكفّار كانت مع عبادة الأوثان والأصنام، يزعمون أنها شركاء، فنفى ذلك.

стр. 250

(وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) أي تديم فعلها، وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: إقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتوفيةُ حقّه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مَدَح حيثما مَدَح إلا بلفظ الإقامة؛ تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] في غير موضع، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. انتهى كلام الراغب (١). والمراد بالصلاة المكتوبةُ؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "وتقيم الصلاة المكتوبة". (وَتُوْتِي الزَّكَاةَ) أي تُعطي الزكاة مستحقّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد بالزكاة المفروضةُ؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "وتؤدّي الزكاة المفروضة". (وَتَصِلُ الرَّحِمَ) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ، ومعنى صِلَة الرحم: مشاركة ذوي القربي في الخيرات. قاله في "العمدة" (٢). وقال في "الفتح": قوله: "تَصِل الرحم": أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحسن إلى أقاربك، ذَوِي رَحِمِك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاقٍ، أو سَلام، أو زيارة، أو طاعة، أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خلال الخير؛ نظرًا إلى حال السائل، كأنه كان لا يصِلُ رحمه، فأمره به: لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحضّ عليها، بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها (٣). (دَعِ النَّاقَةَ) أي: اتركها، وإنما قال له ذلك لأنه كان ممسكًا بخطامها؛ ليتمكّن من سؤاله بلا مشقّة، فلما حصل له جواب سؤاله قال له: دعها.
следующие страницы →