← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وقال الإمام أحمد" في "مسنده": حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا الليث، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن عراك بن مالك، أن حكيم بن حزام قال: كان محمد ﷺ أحبّ الناس إلي في الجاهلية، فلما نُبِّئ، وهاجر شهد حكيم الموسم كافرًا، فوجد حُلّةً لذي يَزَن تباع، فاشتراها بخمسين دينارًا ليهديها إلى رسول الله ﷺ ، فقَدِم بها عليه المدينة، فأراده على قبضها هديةً، فأبى، قال عبيد الله: حسبته قال: "إنا لا نقبل من المشركين شيئًا، ولكن إن شئت بالثمن"، قال: فأعطيته حين أبي عليّ الهدية (١). ورواه الطبراني قال: حدثنا مطلب بن شعيب، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، وفي رواية ابن صالح زيادة: فلبسها، فرأيتها عليه على المنبر، فلم أر شيئًا أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامةَ، فرآها حكيم على أسامة، فقال: يا أسامة أتلبس حلة ذي يزن؟ قال: نعم، والله لأنا خير منه، ولَأبي خير من أبيه، فانطلقت إلى مكة، فأعجبتُهم بقوله. وروى الواقديّ عن الضحاك بن عثمان، عن أهله، قالوا: قال حكيم: كنت تاجرًا أخرج إلى اليمن، وآتي الشام، فكنت أربح أرباحًا كثيرةً، فأعود على فقراء قومي، وابتعت بسوق عكاظ زيد بن حارثة لعمتي بستمائة درهم، فلما تزوج بها رسول الله ﷺ وهبته زيدًا، فأعتقه، فلما حج معاوية أخذ معاوية مني داري بمكة بأربعين ألف دينار، فبلغني أن ابن الزبير قال: ما يَدرِي هذا الشيخ ما باع، فقلت: والله ما ابتعتها إلا بِزِقٍّ من خمر، وكان لا يجيء أحد يستحمله في السبيل إلا حمله. وقال الزبير: أخبرنا إبراهيم بن حمزة، قال: كان مشركو قريش لَمّا حَصَروا بني هاشم في الشِّعب، كان حكيم تأتيه العير بالحنطة، فيُقبِلُها (٢) الشعب، ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها. وفي "الصحيح" أنه سأل النبيّ ﷺ ، فقال: أشياء كنت أفعلها في

стр. 1857

الجاهلية، ألي فيها أجر؟ قال: "أسلمت على ما سلف لك من خير"، وكانت دار الندوة بيده، فباعها بعدُ من معاوية بمائة ألف درهم، فلامه ابن الزبير، فقال له: يا ابن أخي اشتريت بها دارًا في الجنة، فتصدق بالدراهم كلِّها. وكان من العلماء بأنساب قريش وأخبارها، مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع، وقيل: ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستين، وهو ممن عاش مائة وعشرين سنة، شطرها في الجاهلية، وشطرها في الإسلام، قال البخاري في "التاريخ": مات سنة ستين، وهو ابن عشرين ومائة سنة، قاله إبراهيم بن المنذر، ثم أسند من طريق عُمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، قال: مات لعشر سنوات من خلافة معاوية ﵁ (١). قال الحافظ الذهبيّ: يبلغ عدد مسنده أربعين حديثًا له في "الصحيحين" أربعة أحاديث متفق عليها (٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (١٢٣)، وأعاده بعد مرتين، وحديث (١٠٣٤): "خير الصدقة عن ظهر غنى … "، و (١٠٣٥): "إن هذا المال خضرة حلوة … "، و (١٥٣٢): "البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا … "، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والإخبار بصيغة الإفراد. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليًّا، إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة.

стр. 1858

٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّم ذكرهم غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن صحابيه ﵁ ذو مزايا فاخرة: [منها]: أنه وُلد في جوف الكعبة، كما تقدّم آنفًا، وأسلم عام الفتح، ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين (١)، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامَ أَرْبَعِ … مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ [ومنها]: أنه ممن عاش مائة وعشرين سنة، نصفها في الإسلام، ونصفها في الجاهليّة، وهم عدة من الصحابة ﵃، وإليه أشار السيوطيّ أيَضًا بقوله: وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مَائَةٍ تُكَمَّلُوا سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوْيِطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وَآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ نَابِغَةٌ ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ [ومنها]: أنه كان معروفًا بكثرة الجود جاهليّة وإسلامًا، أعتق في الجاهليّة مائة رقبة، وأعتق في الإسلام مثلها، وساق في الجاهليّة مائة بدنة، وفي الإسلام مثلها، وأخرج الطبرانيّ عن مصعب بن ثابت، قال: بلغني أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة، ومعه مائة رقبة، ومائة بدنة، ومائة بقرة، ومائة شاة، فقال: "الكل لله"، وهو مرسل. ولما توفّي الزبير ﵁ لقي حكيم عبد الله بن الزبير، فقال له: كم ترك أخي من الدين؟ قال: ألف ألف، قال حكيم: عليّ خمسمائة ألف، ومناقبه جمة ﵁، والله تعالى أعلم.

стр. 1859

شرح الحديث: عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) ﵁ (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عروة (أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا) بالثاء المثلثة: أي أتقرّب، والحنث في الأصل: الإثم، وكأنه أراد: أُلقي عني الإثم، وفي الرواية التالية: "أتبرّر بها"، وهو بمعناه (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) المراد أيام كفره، لا الأيام التي قبل ظهور الإسلام، فكأنه قال: في جاهليّتي، زاد في الرواية التالية: "من صدقة، أو عَتَاقة، أو صِلَة رَحِم"، وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه الآتية: أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير. (هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؟) أي من أجر وثواب، كما فسّرته الرواية التالية: "أفيها أجر؟ "، وليس المراد مطلق الشيء؛ لأن له بها ذكرًا جميلًا على ألسنة الناس (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ) أي قدّمته (مِنْ خَيْرٍ") قال المازريّ: ظاهره أن الخير الذي أسلفه كُتِب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير، وقال الحربي: معناه: ما تَقَدَّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتُ على أن أحوز لنفسي ألف درهم، وأما من قال: إن الكافر لا يثاب، فحمل معنى الحديث على وجوه أخرى: (منها): أن يكون المعنى: إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلةً، فانتفعت بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة قد مَهَّدت لك معونة على فعل الخير. (ومنها): أنك اكتسبت بذلك ثناءً جميلًا، فهو باق لك في الإسلام. (ومنها): أنك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإسلام؛ لأن المبادئ عنوان الغايات. (ومنها): أنك بتلك الأفعال رُزِقت الرزق الواسع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بُعد هذه التأويلات عن معنى النصّ غاية البعد مما لا يخفى على بصير، وإنما ذكرتها؛ لتُعلَم، لئلا يُغترّ بها، فالحقّ الذي لا مرية فيه هو ما قاله المازريّ والحربيّ رحمهما الله تعالى، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1860

وقال ابن الجوزيّ: قيل: إن النبيّ ﷺ وَرَّى عن جوابه، فإنه سأل: هل لي فيها من أجر؟ فقال: "أسلمتَ على ما سَلَفَ من خير"، والعتق فِعْلُ خير، وكأنه أراد إنك فعلت الخير، والخير يُمدَح فاعله، ويجازى عليه في الدنيا، فقد رَوَى مسلم من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "أن الكافر يثاب في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة". انتهى. قال الجامع: قول ابن الجوزيّ هذا من جنس التأويلات المفنّدة، والحقّ ما سبق. قال النوويّ بعد هذه الأقوال: وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر، واستَدَلُّوا بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كَتَب الله تعالى له كلَّ حسنة زَلَفَها، ومحا عنه كل سيئة زَلَفها، وكان عمله بعد ذلك، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها"، ذكره الدارقطنيّ في غريب حديث مالك، ورواه عنه من تسع طُرُق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه، يُكتب له في الإسلام كلُّ حسنة عملها في الشرك. قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه، قال: وهو كقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما أسلفت من خير"، والله أعلم. وأما قول الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادةٌ، ولو أسلم لم يُعْتَدَّ بها، فمرادهم أنه لا يُعتدّ له بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرّض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة، رُدَّ قوله بهذه السنة الصحيحة. وقد يُعْتَدّ ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارةُ ظهار، أو غيرها فكفَّر في حال كفره، أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم تجب عليه إعادتها، واختَلَف أصحاب الشافعي ﵁ فيما إذا أجنب، واغتسل في حال كفره، ثم أسلم، هل تجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعض أصحابنا - يعني الشافعيّة - فقال: يصحّ من كل كافر كلُّ طهارة،

стр. 1861

من غسل، ووضوء، وتيمم، وإذا أسلم صَلَّى بها. انتهى كلام النوويّ. ونقل القرطبيّ عن الحربيّ أنه قال: معنى "أسلمت على ما سلف لك": يعني أن ما تقدّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتَ على ألف درهم: أي على أن أحرزها لنفسه. قال القرطبيّ: هذا الذي قاله الحربيّ هو أشبهها، وأولاها، وهو الذي أشرنا إليه في الترجمة: أي حيث قال: "باب الإسلام إذا حَسُنَ هَدَم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البرّ". انتهى (١). وقال الأبيّ: يُحمل الحديث على ظاهره من إثابة الكافر، وإليه ذهب ابن بطّال، واحتجّ بحديث أخرجه الدارقطنيّ، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المذكور، ثم قال: الحديث نصّ في القضيّة، وهو تفسير لما في الأمّ (٢). انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن بطال، وأقرّه عليه النوويّ، والأبيّ، وكذا القرطبيّ تبعًا للحربيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه؛ لظاهر حديث حكيم بن حزام ﵁ أبي سعيد الخدريّ ﵁ فلا ينبغي الالتفات إلى التأويلات المخالفة له المعارضة لظواهر النصوص، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومُستراح العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ) تفسير من بعض الرواة، والظاهر أنه من ابن شهاب؛ لأنه معروفٌ بهذا، وفسّره في الرواية الآتية: بالتبرّر، وهو فعل البرّ، وهو الطاعة، قال أهل اللغة: أصل التحنّث أن يفعل فِعْلًا، يخرج به من الْحِنْث، وهو الإثم، وكذا تَأَثَّم، وتَحَرَّج، وتَهَجَّد: أي فَعَل فعلًا يخرج به عن الإثم، والْحَرَج، والْهُجُود، قاله النوويّ (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 1862

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٥٨/ ٣٣٠ و ٣٣١ و ٣٣٢ و ٣٣٣] (١٢٣)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٣٦)، و"البيوع" (٢٢٢٠)، و"العتق" (٢٥٣٨)، و"الأدب" (٥٩٩٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٦٨٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٥٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٢، و ٤٣٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٠٥ و ٢٠٦ و ٢٠٨ و ٢٠٩ و ٢١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣١٧ و ٣١٨ و ٣١٩ و ٣٢٠ و ٣٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٢٣ و ١٠/ ٣١٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٨٦ و ٣٠٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم العمل الصالح الذي عمله الكافر في حال كفره، وهو أنه يُثاب عليه، قال السنديّ: هذا الحديث يدلّ على أن حسنات الكافر موقوفة إن أسلم تُقبل، وإلا تُردّ، لا مردودة، وعلى هذا، فنحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ الآية [النور: ٣٩] محمول على من مات على الكفر، والظاهر أنه لا دليل على خلافه، وفضل الله تعالى أوسع من هذا وأكثر، فلا استبعاد فيه. قال: وإذا بقي على كفره، فإنه يُجازى على فعل الخيرات بالدنيا، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن الكافر إذا عَمِل حسنة أُطعم بها طُعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن الله يَدَّخِر له حسناته في الآخرة، ويُعْقِبه رِزقًا في الدنيا على طاعته"، وقد سبق آنفًا ذكر اختلاف العلماء في توجيه هذا الحديث، وأن الصواب أنه على ظاهره من أن ما عمله الشخص في حال كفره من الخيرات يؤجر عليه، وما عدا ذلك من الأقوال، فإنها مردودة بالنصوص الواضحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابي الجليل ﵁، حيث جبله الله تعالى على طباع جميلة، وأخلاق حميدة، دعته أخيرًا إلى اعتناق الإسلام، فلما أخبره ﷺ بأن أعماله التي أحسن بها في جاهليته مثاب عليها، نذر على

стр. 1863

نفسه: أنه ليعملنّ في الإسلام بمثل ما عمل به في جاهليته من الخيرات، فعمله، بل زاد عليه. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله ، حيث إنه لا يُضيع أجر من أحسن عملًا، ولو في حال كفره، إذا وفّقه الله تعالى أخيرًا للإسلام. ٤ - (ومنها): بيان فضل الإسلام، حيث عادت بركته على ما صدر قبله من الخيرات، فقُبل بسببه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ، أَنهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : "أَيْ رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أُمُورًا، كنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: حسن بن عليّ بن محمد الهذليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلوانيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجّةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.

стр. 1864

٥ - (صَالِح) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد مائة وثلاثين، أو بعد الأربعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. ومن لطائف هذا الإسناد: أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن شهاب، عن عروة. وقوله: (أَيْ رَسُولَ اللهِ) "أي" من حروف النداء التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: وِللْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ "يَا" … وَ"أَيْ" وَ"آي" ثُمَّ "أَيَا" كَذَا "هَيَا" وَالْهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا" لِمَنْ نُدِبْ … أَوْ"يَا" وَغَيْرُ "وَا" لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ وقوله: (مِنْ صَدَقَةٍ) متعلّق بمحذوف، حال من "أمور". وقوله: (أَوْ عَتَاقَةٍ) بفتح العين، وهكذا وقع عند البخاريّ في "الزكاة" بـ"أو"، ووقع عند أبي عوانة في "مسنده" بالواو، وكذا عند البخاريّ في "كتاب الأدب". وقوله: ("أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ") أي على الذي قدّمته من عمل خير، قال في "القاموس": السَّلَف محرَّكةً: كلُّ عمل صالح قدّمته. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢] ( … ) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ، تغيّر في آخره، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 1865

٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. والباقيان تقدّما. وقوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي عن عروة، عن حكيم بن حزام. [تنبيه]: طريقُ معمرٍ عن الزهريّ ساقها البخاريّ في "صحيحه" في "كتاب الزكاة"، فقال: (١٤٣٦) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، حدثنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن حكيم بن حِزَام ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياءَ، كنت أَتَحَنَّثُ بها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبيّ ﷺ : "أسلمت على ما سلف من خير". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [ … ] ( … ) - (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِيَ أَتبَرَّرُ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ"، قُلْتُ: فَوَالله، لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، إِلَّا فَعَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة، فقيهٌ [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. والباقون تقدّموا. وقوله: (أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هكذا رواية المصنّف هنا

стр. 1866

"أشياء" دون ذكر "أرأيت"، وهي مذكورة عند أبي عوانة في "مسنده" من هذا الوجه، وضُبط في النسخ "أشياء" بالنصب، وله وجه، وهو أن يقدّر له "أرأيتَ" بدليل الروايات الأخرى، ويحتمل أن يكون مرفوعًا على الابتداء، والجملة بعده صفته، والخبر محذوف، تقديره: "هل لي فيها من أجر؟ ". وقوله: (قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا) أي قال هشام بن عروة مفسّرًا، وموضّحًا معنى قوله: "أفعلها في الجاهلية"، ومعنى "أتبرّر" بالموحّدة، وراءين الأولى ثقيلة: أي أطلب بها البرّ، وطرح الحنث (١). وقوله: (لَا أَدَعُ شَيْئًا) أي لا أترك فِعْلَ شيءٍ، من البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة أيضًا: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفي المذكور قبل باب أيضًا. والباقون تقدّموا في الماضي. وقوله: (عَنْ أَبِيه، أَنَّ حَكيمَ بْنَ حِزَامٍ) ظاهر سياق هذه الرواية الإرسال؛ لأن عروة لم يُدرك زمن هذه القصّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يُدركها تكون روايته مرسلة، كما قال السيوطيّ في "ألفيّة الحديث": وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى

стр. 1867

لكن رواية هشام التي قبلها بلفظ "عن حكيم بن حزام" بيّنت الاتصال، ولفظ البخاريّ في "كتاب العتق" من طريق أبي أسامة عن هشام: أخبرني أبي، أن حكيم بن حزام ﵁ أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، فلما أسلم حمل على مائة بعير، وأعتق مائة رقبة، قال: فسألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أصنعها في الجاهلية، كنت أتحنث بها؟ - يعني أتبرر بها - قال: فقال رسول الله ﷺ : "أسلمت على ما سلف لك من خير". انتهى. فقال في "الفتح": ظاهر سياقه الإرسال؛ لأن عروة لم يدرك زمن ذلك، لكن بقيّة الحديث أوضحت الوصل، وهي قوله: "قال: فسألت"، ففاعل "قال" هو حكيم، فكأن عروة قال: قال حكيم، فيكون بمنزلة قوله: "عن حكيم". انتهى (١). وقوله: (ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) ظاهره أن إتيانه بعدما فعل في الإسلام مثلما فعله في الجاهليّة، والرواية التي قبل هذا تدلّ على أنه إنما أتى قبل ذلك؛ حيث قال: "فوالله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهليّة … إلخ"، فيحتمل أن تكون "ثمّ" لمجرّد العطف دون الترتيب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١١]، ويحتمل أن يكون أتى مرتين، قبل أن يفعل، وبعدما فعل؛ زيادة في الإطمئنان بما أخبره به النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) الضمير لعبد الله بن نُمير: أي ذكر عبد الله نحو حديث الرواة السابقين. [تنبيه]: رواية ابن نمير ساقها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ١٩٢)، فقال: (٣٢٠) حدثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن حكيم بن حزام أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أعتق في الإسلام مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، ثم أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت شيئًا كنت أفعله في الجاهلية، أتحنث به، هل لي فيه أجر؟ فقال النبيّ ﷺ :

стр. 1868

"أسلمت على ما سلف لك من خير". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٥٩ - (بَابُ وُجُوبِ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٤] (١٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوَيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ هُوَ كمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] "). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الكوفيّ الحافظ المذكور قبل بابين. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكوفيّ الإمام المذكور قبل بابين أيضًا. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه يرسل [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٥ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢. ٦ - (عَبْدُ اللهُ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذَليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير ﵁ (ت ٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.

стр. 1869

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵁. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، وفقهائهم. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن خاله علقمة بن قيس. وقال النوويّ في "شرحه": هذا إسناد رجاله كوفيّون كلهم حُفّاظ متقنون، في نهاية الجلالة، وفيهم ثلاثة أئمة جِلّةٌ فقهاء، تابعيّون، بعضهم يروي عن بعض: سليمان الأعمش، وإبراهيم النخعيّ، وعلقمة بن قيس، وقَلَّ اجتماع مثل هذا الذي اجتمع في هذا الإسناد. انتهى (١). ٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد ابن مسعود ﵁، كما قال في "ألفيّة الحديث": كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ … عَنْ عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ ٦ - (ومنها): أن فيه عبد الله مطلقًا، وقد سبق أنه إذا أُطلق عبد الله في "الصحابة" أن الأصحّ أن يُنظر في السند، فإن كان كوفيًّا كما هنا فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيًّا، فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا، فهو ابن الزبير، وإن كان بصريًّا، فهو ابن عبّاس، وإن كان مصريًّا، أو شاميًّا، فهو ابن عمرو بن العاص، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، بقوله: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِ بِمَكَّةٍ فَهْوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مَصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو ٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من كبار علماء الصحابة ﵃، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن أمر النبيّ ﷺ بأخذ القرآن عنهم، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح عن زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله،

стр. 1870

أن أبا بكر وعمر ﵄ بشّراه أن رسول الله ﷺ قال: "مَن سَرّه أن يقرأ القرآن غَضًّا، كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد"، وفي لفظ قال: "غَضًّا"، أو رَطْبًا"، ولفظ: "غضًّا طريًّا". [تنبيه]: قال الحافظ: الأعمش موصوف بالتدليس، ولكن في رواية حفص بن غياث عند البخاريّ في "صحيحه" في "قصّة إبراهيم الخليل"؛ صرّح بالتحديث، فقال: حدثنا إبراهيم، قال: ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل جاء تصريحه أيضًا في رواية شعبة عنه عند ابن منده، في "الإيمان" (١/ ٤١٧)، فقال: (٢٦٦) ثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أبو مسعود، ويونس بن حبيب، قالا: ثنا أبو داود، ثنا شعبة، قال: قال لي الأعمش: ألا أحدِّثك حديثًا جيِّدًا؟ (ح)، وأنبأ أحمد بن إسحاق، ثنا العباس بن الفضل، ومحمد بن حرب، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن الأعمش: سمعت إبراهيم يحدث، عن علقمة، عن عبد الله، لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قال أصحاب النبيّ ﷺ : أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾. انتهى (٢). والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: لَمَّا) أي حين (نَزَلَتْ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) وأنّث الفعل، باعتبار الآية، والمعنى لَمّا نزلت هذه الآية (﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾) أي يَخْلطوا، يقال: لَبَسْتُ الأمرَ بغيره - بفتح الباء - في الماضي، - وكسرها - في المضارع لَبْسًا، من باب ضرب: خلطته، وأما لُبس الثوب، فهو بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المضارع، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ الآية [الأنعام: ٩]، أي شبّهنا عليهم، وأضللناهم كما ضلّوا (﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢])، أصل

стр. 1871

الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب في الشِّبَه: "من أشبه أباه فما ظلم"، قال الأصمعيّ: ما وضع الشَّبَهَ في غير موضعه، وفي المثل: "مَن استرعَى الذئبَ فقد ظَلَم"، والظلم أيضًا: الْجَوْر، ومجاوزة الحدّ، والظلم أيضًا: الميل عن القصد، والعرب تقول: الزم هذا الصَّوْبَ، ولا تظلم عنه، أي لا تَجُرْ عنه. قاله ابن منظور (١). وقال القاضي عياض: الظلم في كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم استُعمل في كلّ عَسْفٍ، فمن كفر بالله، وجحد آياته، وعبد غيره، فقد عَدَلَ عن الحقّ، وتَعَسّف في فعله، ووضع عبادته في غير موضعها، وكذلك في غير ذلك من الأشياء، ومنه قولهم: ظَلَمتُ السِّقَاءَ: إذا سقيته قبل إخراج زُبْده، وظَلَمتُ الأرضَ: إذا حَفَرتَ غير موضع الحفر، وقولهم: لزموا الطريق، فلم يظلموه: أي لم يَعْدِلوا عنه إلى غير طريق، فإطلاقه على الكفر والشرك كثير، كما في هاتين الآتين، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ الآية [النمل: ٥٢]، والمؤمن العاصي ظالمٌ من حيث تعدّيه الأوامر والنواهي، ووضعها غير موضعها، ونقص إيمانه بذلك، وقد يقع الظلم بمعنى النقص، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ الآية [البقرة: ٥٧]، وفي قوله : ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، وهو بمعنى الأول. انتهى كلام القاضي (٢). فمعنى قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]: أي لم يخلطوه بشرك. وقال محمد بن إسماعيل التميميّ في "شرحه": معنى الآية: لم يُفسدوا إيمانهم، ويُبطلوه بكفر؛ لأن خلط الإيمان بالشرك لا يُتَصَوَّر: أي لم يَخلطوا صفة الكفر بصفة الإيمان، فتَحصُلَ لهم صفتان: إيمان متقدّم، وكفر متأخر، بأن كفروا بعد إيمانهم، ويجوز أن يكون معناه: لم يُنافقوا، فيجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا: أي لم يُنافقوا، وهذا أوجه، كما قاله الحافظ (٣).

стр. 1872

(شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّنَا) مضاف، ومضاف إليه مبتدأ خبره جملة قوله: (لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟) والجملة مقول القول، وفي رواية للبخاريّ: "أيّنا لم يظلم؟ "، بدون ذكر "نفسه"، وفي رواية له: "أينا لم يَلْبِس إيمانه بظلم؟ ". والاستفهام للإنكار، أي ليس منا من لا يظلم نفسه. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ) أي ليس الأمر، أو ليس الظلم كما تظنّونه، من أن المراد به ظلم الإنسان نفسه (إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ) اختَلَف العلماء في نبوة لقمان، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: اتَّفَقَ العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًّا إلا عكرمة، فإنه قال: كان نبيًّا، وتفرد بهذا القول، وأما ابنه الذي قال له: لا تشرك بالله، فقيل: اسمه أنعم، ويقال: مِشْكَم، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ (١). وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": هو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران في قول السهيليّ، واختَلَف السلف في لقمان، هل كان نبيًّا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين: الأكثرون على الثاني، وقال سفيان الثوريّ، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نَجّارًا، قال: وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيًّا، وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدًا أسودَ، عظيم الشفتين، مُشَقَّق القدمين، وقال حَكّام بن سَلْم، عن سعيد الزَّبَيديّ، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًّا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيًا على بني إسرائيل. وذكر غيره أنه كان قاضيًا على بني إسرائيل في زمان داود. ثم قال ابن كثير - بعد ذكر الآثار -: فهذه الآثار، منها ما هو مُصَرَّح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مُشْعِر بذلك؛ لأن كونه عبدًا قد مَسّه الرّقّ، ينافي كونه نبيًّا؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنما يُنقَل كونه نبيًّا عن عكرمة، إن صَحّ السند

стр. 1873

إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتمِ من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيًّا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفيّ، وهو ضعيفٌ. انتهى كلام ابن كثير باختصار (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]) يعني: أن المراد هنا هو الظلم العظيم، وزاد فيه أبو نعيم في "مستخرجه"، من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة بعد قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: "فطابت أنفسنا"، وفي رواية للبخاريّ: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان … إلخ". وحاصل المعنى أن الصحابة ﵃ فهموا الظلم على الإطلاق، فشقّ عليهم ذلك: فبيّن النبيّ ﷺ أن المراد: الظلم المقيّد، وهو الظلم الذي لا ظلم بعده. وقال الخطّابيّ: إنما شقّ عليهم؛ لأن ظاهر الظلم الافتيات بحقوق الناس، والافتيات السبق إلى الشيء، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنّوا أن المراد هنا: معناه الظاهر، فأنزل الله تعالى الآية، ومن جعل العبادة، وأثبت الربوبيّة لغير الله تعالى فهو ظالم، بل هو أظلم الظالمين (٢). [فإن قلت]: إن ظاهر هذه الرواية أن آية لقمان كانت معلومة عندهم، ولذلك نَبّههم النبيّ ﷺ عليها، حيث قال: "إنما هو كما قال لقمان لابنه … إلخ" وهذا يخالف ما وقع عند البخاريّ من طريق شعبة، عن الأعمش: "لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال أصحاب رسول الله ﷺ : أيُّنا لم يَظلِم؟، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ "؛ لأن ظاهره أن هذا السؤال هو سبب نزول آية لقمان. [قلت]: يُجاب بأنه يحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال، فتلاها عليهم النبيّ ﷺ ، ثم نبّههم عليها، فتلتئم الروايتان.

стр. 1874

قال الخطابيّ: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يُلَقَّب بالظلم، فحَمَلوا الظلم في الآية على ما عداه، يعني: من المعاصي، فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية. قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر، والذي يظهر لي أنهم حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع البخاريّ، وإنما حملوه على العموم؛ لأن قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ نكرةٌ في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم، ويقويه، نحو "من" في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبَيَّنَ لهم النبيّ ﷺ أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه، وهو الشرك. [فإن قيل]: من أين يلزم أنّ مَنْ لَبَسَ الإيمانَ بظلم لا يكون آمنًا، ولا مهتديًا حتى شَقّ عليهم، والسياق إنما يقتضي أن مَن لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد؟، فما الذي دَلّ على نفي ذلك، عمن وُجِد منه الظلم؟. [فالجواب]: أن ذلك مستفاد من المفهوم، وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من الاختصاص المستفاد من تقديم ﴿لَهُمُ﴾ على الأمن: أي لهم الأمن لا لغيرهم، كذا قال الزمخشريّ في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقال في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]: تقديم ﴿هُوَ﴾ على ﴿قَائِلُهَا﴾ يفيد الاختصاص: أي هو قائلها لا غيره. [فإن قيل]: لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أن غير الشرك لا يكون ظلمًا. [فالجواب]: أن التنوين في قوله: ﴿لَظُلْمٌ﴾ للتعظيم، وقد بَيَّن ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم عظيم: أي بشرك؛ إذ لا ظلم أعظم منه، وقد وَرَد ذلك صريحًا عند البخاريّ في قصة إبراهيم الخليل؛ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، ولفظه: "قلنا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم

стр. 1875

بظلم: بشرك، أوَلمْ تسمعوا إلى قول لقمان، فذكر الآية" (١). [فإن قلت]: لِمَ انحصَرَ الظلمُ العظيمُ على الشرك؟. [فالجواب]: أن عظمة هذا الظلم معلومة بنصّ الشارع، وعظمة غيره غير معلومة، والأصل عدمها (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٥٩/ ٣٣٤ و ٣٣٥] (١٢٤)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٣٢)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٢٨ و ٣٤٢٩)، و"التفسير" (٤٦٢٩ و ٤٧٧٦)، و"استتابة المرتدّين" (٦٩١٨ و ٦٩٣٧)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٦٧)، و (النسائيّ) في "التفسير" كما في "تحفة الأشراف" (٧/ ١٠٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٧٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٧ و ٤٢٤ و ٤٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢ و ٢١٣ و ٢١٥ و ٢١٦ و ٢١٧ و ٢١٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٢٢ و ٣٢٣ و ٣٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٣)، و (الطبريّ) (٧/ ٢٥٥ و ٢٥٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٢٦٥ و ٢٦٦ و ٢٦٧ و ٢٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٨٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): وجوب صدق الإيمان، وأن ذلك لا يكون إلا باجتناب أنواع الشرك، وإخلاص الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان تفاوت الظلم في أفراده، وأن الشرك أعظم أنواعه، ليس فوقه ظلم.

стр. 1876

٣ - (ومنها): أن النكرة في سياق النفي تعمّ، وأن الخاص يَقْضِي على العامّ، والْمُبَيَّنَ على الْمُجْمَل (١). وقال القرطبيّ: في هذا الحديث ما يدلّ على أن النكرة في سياق النفي تعمّ؛ لأن الصحابة ﵃ فهموا من ذلك العموم كلّ ظلم، وأقرّهم النبيّ ﷺ على ذلك الفهم، وبيّن لهم أن المراد بذلك ظلم مخصوص. انتهى (٢). واعترض القاضي عياض على من استدلّ بالحديث للعموم، فقال: وليس يظهر لي في هذا الحديث حجة للعموم مِن حمل بعض الصحابة الآية على ظلم الإنسان نفسه، وكل ظلم، بل أقول: إن طريقهم ﵃ فيه الطريقة الْمُثْلَى، والنظر الأَولى من حملهم لفظ الظلم على أظهر معانيه، وأكثر استعمالاته في مُحتَمَلاته، فإنه وإن كان يُطلق على الكفر وغيره لغةً وشرعًا، فعُرفُ استعماله غالبًا، والأظهر من مفهومه إطلاقه في التعسّف، والتعدّي، والعدول عن الحقّ في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يُطلق على معان، من جحد النعم، والحقوق، وسترها، لكن مجرَّد إطلاقه، وغالب شيوعه على ضدّ الإيمان، فعلى هذا وقع فهم الصحابة المراد بالظلم، وتأويلهم الآية، وإشفاقهم من ذلك؛ إذ ورد دون قرينة، ولا بيان يصرفه عن أظهر وجوهه إلى بعض مُحتَمَلاته، حتى بيّن لهم النبيّ ﷺ مراد ربه تعالى بما ذكره في الحديث. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي رادًّا على من استدلّ للعموم بالحديث هو عين ما قاله المستدلّون، فمن تأمّل حقيقة ما قرّره وجده هو معنى ما قالوه، والحقّ أن استدلالهم صحيح، كما سبق في تحقيق القرطبيّ، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن اللفظ يُحْمَل على خلاف ظاهره؛ لمصلحة دفع التعارض. ٥ - (ومنها): أن المعاصي لا تُسَمَّى شركًا.

стр. 1877

٦ - (ومنها): أنّ مَن لم يُشرِك بالله شيئًا، فله الأمن، وهو مهتدٍ. [فإن قيل]: إن العاصي قد يُعَذَّب، فما هو الأمن والاهتداء الذي حصل له؟. [فالجواب]: أنه آمنٌ من التخليد في النار، مُهْتَدٍ إلى طريق الجنة، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استنبط منه المازريّ جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ونازعه القاضي عياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن الآمن، واعتقادُ التصديق بذلك يلزم لأَوَّل وروده، فمتى هي الحاجة؟ لكنهم لَمّا أشفقوا منه بيّن لهم المراد به، كتبيين سائر ما بيّن من المشكلات. انتهى كلام القاضي (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما ذكره القاضي متعقّبًا للمازريّ وجيهٌ، وللحافظ في "الفتح" استدراك على كلام القاضي، وقد تعقّبه العينيّ في استدراكه، فراجع كلامهما (٢)، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): بيان أنّ العامّ على عمومه حتى يَرِد دليل الخصوص. ٩ - (ومنها): جواز إطلاق اللفظ العامّ والمراد به الخصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر الله في كتابه العزيز بعض وصايا لقمان؛ لابنه، وهي وصايا مهمّة جدًّا، أحببت إيرادها هنا مع ذكر إيضاح معناها (٣)؛ تتميمًا للفوائد، وتكميلًا للعوائد. قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ [لقمان: ١٢]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي أمرناه أن يشكر الله على ما آتاه الله ومنحه، ووهبه من الفضل

стр. 1878

الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه، وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، وقولُهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] أي غنيّ عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٣ - ١٥]. يقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم أبيه ثاران، في قول حكاه السهيليّ، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه، وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يَعْرِف، ولهذا أوصاه أوّلًا بأن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا، ثم قال مُحَذّرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي هو أعظم الظلم. ثم قَرَن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البرَّ بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكثيرًا ما يَقْرُن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ قال مجاهد: مشقةَ وَهْنِ الولد، وقال قتادة: جَهْدًا على جهد، وقال عطاء الخراسانيّ: ضعفًا على ضعف. وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية، ومن ههنا استنبط ابنُ عباس وغيره من الأئمة أنّ أقلّ مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة، وتَعَبَها، ومشقتها في سَهَرِها ليلًا ونهارًا؛ لِيُذَكِّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ

стр. 1879

ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]، ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، أي فإني سأجزيك على ذلك أوفر جزاء، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، قالا: حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، قال: قَدِمَ علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبيّ ﷺ ، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني، لا آلوكم خيرًا، وأن المصير إلى الله، وإلى الجنة، أو إلى النار، إقامةٌ، فلا ظَعْنَ، وخلود فلا موت (١). وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أي إن حَرَصَا عليك كُلَّ الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا: أي محسنًا إليهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال الطبرانيّ في "كتاب الْعِشْرة": حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك، قال: أنزلت فِيَّ هذه الآيةُ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنت رجلًا برًّا بأمي، فلما أسلمتُ قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لَتَدَعَنَّ دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب، حتى أموت، فَتُعَيَّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أَدَعُ ديني هذا لشيء، فمكثت يومًا وليلةً لم تأكل، فأصبحت قد جُهِدتْ، فمكَثَتْ يومًا وليلةً أخرى، لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتَدّ جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين، والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت (٢).

стр. 1880

﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٦ - ١٩]. هذه وصايا نافعة قد حكاها الله عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس، ويقتدوا بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي إن المظلمة، أو الخطيئة، لو كانت مثقال حبة خردل، وجَوَّز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ ضمير الشأن والقصة، وجَوَّز على هذا رفع ﴿مِثْقَالَ﴾ والأول أولى، وقوله : ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي أَحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فَخيرٌ، وإن شرًّا فَشرّ، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، ولو كانت تلك الذرة مُحَصَّنةً مُحَجَّبةً في داخل صخرة صَمّاء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات والأرض، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزُب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء، وإن دَقَّت، ولَطُفَت، وتضاءلت، خبير بدبيب النمل في الليل البهيم، وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع، وذكره السُّدّيّ بإسناده عن ابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، إن صَحّ ذلك، ويُروَى هذا عن عطية العوفيّ، وأبي مالك، والثوريّ، والمنهال بن عمرو، وغيرهم. قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذه الأقوال، ما نصّه: وهذا - والله أعلم - كأنه مُتَلَقًّى من الإسرائيليات التي لا تُصَدَّق، ولا تُكَذَّب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها، لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها، ويظهرها بلطيف علمه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن

стр. 1881

موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صَمّاء، ليس لها بابٌ، ولا كوّة لخرج عمله للناس، كائنًا ما كان" (١). ثم قال: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي بحدودها، وفروضها، وأوقاتها ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ عَلِمَ أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذًى، فأمره بالصبر. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور. وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تُعرِض بوجهك عن الناس، إذا كلمتهم، أو كلموك؛ احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن أَلِنْ جانبك، وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبالَ الإزار، فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله" (٢). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تتكبر، فتحتقرَ عباد الله، وتُعْرِض عنهم بوجهك إذا كلموك، وكذا رَوَى الْعَوْفيّ، وعكرمة عنه، وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكلم، وأنت معرضٌ، وكذا رُوي عن مجاهد،. وعكرمة، ويزيد بن الأصمّ، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم، وقال إبراهيم النخعيّ: يعني بذلك: التشديق في الكلام، والصواب القول الأول. قال ابن جرير: وأصل الصَّعْر داءٌ يأخذ الإبل في أعناقها، أو رؤوسها، فشُبِّه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حُنَيّ التغلبيّ [من الطويل]: وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صعَّرَ خَدَّهُ … أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَا

стр. 1882

وقال أبو طالب في شعره [من الطويل]: وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً … إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الرُّؤُوسِ نُقِيمُهَا وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي جَذِلًا، متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يُبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي مُختالٍ مُعْجَب في نفسه، فخور أي على غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ [الإسراء: ٣٧]. وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: ذُكِر الكبر عند رسول الله ﷺ ، فشَدَّد فيه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله، إني لأغسل ثيابي، فيعجبني بياضها، ويعجبني شِراك نعلي، وعِلاقة سوطي، فقال: "ليس ذلك من الكبر، إنما الكبر أن تَسْفَهَ الحقّ، وتَغْمِط الناس" (١)، ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت، ووصيته بعد موته. وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي امشِ مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبِّط، ولا بالسريع المفرِط، بل عدلًا وسطًا بين بين. وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير: أي غايةُ مَن رَفَع صوته أنه يُشَبَّه بالحمير في علوّه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه، وذمه غاية الذمّ؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ليس لنا مثل السَّوْء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"، متّفقٌ عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة،

стр. 1883

فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نَهِيق الحمير، فتعوّذوا من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا"، متّفقٌ عليه. قال الحافظ ابن كثير: فهذه وصايا نافعة جدًّا، وهي من قِصَص القرآن العظيم، عن لقمان الحكيم، وقد رُوي عنه من الْحِكَم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجًا، ودُستورًا إلى ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشَل بن مجمع الضبيّ، عن قَزَعَة، عن ابن عمر، قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: "إن لقمان الحكيم، كان يقول: إن الله إذا استُودِعَ شيئًا حَفِظَه" (١). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، وعثمان، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ عن موسى بن سليمان، عن القاسم يحدث عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "قال لقمان الحكيم لابنه، وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مَخْوَفةٌ بالليل مَذَمَّة بالنهار" (٢). وقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن ضمرة، حدثنا السّرِيّ بن يحيى، قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك (٣). وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعوديّ، عن عون بن عبد الله، قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام - يعني السلام - ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تَنطِق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله، فأَجِلْ سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (٤).

стр. 1884

وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدّثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يَعِظ ابنه وعظة، ويخرج خردلة، حتى نَفِد الخردل، فقال: يا بُني لقد وعظتك موعظة لو وُعظها جبل تفطّر، قال: فتفطّر ابنه (١). وقال أبو القاسم الطبرانيّ: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصيّ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحرانيّ، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفيّ، حدثنا أبين بن سفيان المقدسيّ، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشيّ، وبلال المؤذن" (٢)، قال الطبرانيّ: أراد الحبش (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ (٤) بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلًا أَبِي، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْأَعْمَش، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) - بفتح الخاء، وإسكان الشين المعجمتين، وفتح الراء، وزان جعفر - المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.

стр. 1885

٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الزَّعَافريّ، أخو داود، وأبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبيه، وعمرو بن مُرّة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن مُصَرِّف، وسِمَاك بن حرب، وعِدّة. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، والثوريّ، ووكيع، وأبو أسامة، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه، فقال: ثقةٌ، سمعت أحمد يقول: قال ابن إدريس: قال لي شعبة: كان أبوك يُفِيدني، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٢٤)، وحديث (٢١٣٥): "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم … "، و (٣٠١٧): "فقد علمتُ اليوم الذي أُنزلت فيه … ". ٥ - (أَبانُ بْنُ تَغْلِبَ) أبو سَعْد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٤] (١٤٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢. [تنبيه]: تقدّم الخلاف في صرف أبان في مقدمة الكتاب، وأن المختار عند المحققين صرفه، وتغلب - بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام - غير مصروف. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: عيسى بن يونس، وعليّ بن مُسهر، وعبد الله بن إدريس، رووه عن الأعمش بسنده السابق. [تنبيه]: روايات هؤلاء الثلاثة عن الأعمش ساقها الحافظ ابن منده مع

стр. 1886

زيادة أبي معاوية، وجرير، ووكيع، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث في "الإيمان" (١/ ٤١٨)، فقال: (٢٦٧) وأنبأ عمرو بن محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عمرو الشيبانيّ، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبد الله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، وأبي، كلهم عن سليمان بن مهران (ح) قال: وثنا عبد الله بن محمد العبسيّ، ثنا ابن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش (ح) قال: وثنا عبد الله بن محمد بن زكرياء، ثنا سهل بن عثمان، ثنا أبو معاوية، عن سليمان الأعمش (ح) وأنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق، أنبأ جرير، وأبو معاوية، ووكيع، وعيسى بن يونس (ح) وأنبأ أحمد بن عيسى البيروتيّ، ثنا أبو عبد الرحمن النسائيّ، ثنا علي بن حجر، ثنا عيسى بن يونس (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، ثنا داود بن رُشيد، ثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: ليس ذاك هو، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾؟. انتهى (١). وقوله: (قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ) أي هذا الحديث (أَوَّلًا أَبِي) هو إدريس بن يزيد المذكور آنفًا (عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنِ الْأَعْمَش، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ) أي سمعت هذا الحديث من شعبة، قال النوويّ: هذا تنبية منه على عُلُوّ إسناده هنا، فإنه نَقَصَ عنه رجلان - أي أبوه، وأبان - وسمعه من الأعمش، وقد تقدم مثل هذا في "بابُ: الدينُ النصيحة". انتهى (٢). [تنبيه]: رواية أبي كريب هذه ساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٤١٨)، فقال: (٢٦٨) أنبأ الحسين بن علي، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بن المغيرة، ثنا محمد بن العلاء، ثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لَمّا نزلت: ﴿الَّذِينَ

стр. 1887

آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وشَقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: "ليس ذاك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ ". انتهى. قال ابن إدريس: حدثنيه أوّلًا أبي، عن أبان بن تغلب، عن الأعمش، ثم سمعته منه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٦٠ - (بَابُ بَيَانِ قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٦] (١٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأُمَيةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِم، عَنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّاَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]) قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَب، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ الله، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ"، قَالُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إَثَرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ

стр. 1888

آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قَالَ: نَعَمْ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) هو: محمد بن المنهال التميميّ المجاشعيّ، أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله البصريّ الضرير، ثقةٌ حافظٌ [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وأبي عوانة، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفَاويّ، وأُمية بن خالد، وأبي بكر الحنفيّ، وأبي داود الطيالسيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائيّ عن أحمد بن علي المروزيّ، عنه، وأبو بكر الأثرم، وحرب بن إسماعيل، وعثمان بن خُرّزَاذ، ومحمد بن إبراهيم الْبُوشَنْجيّ، وعثمان بن سعيد الدارميّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وغيرهم. قال العجليّ: بصريّ ثقة، ولم يكن له كتاب، قلت له: لك كتاب؟ قال: كتابي صدري، وقال أبو حاتم: كتب عنه عليّ ابن المدينيّ كتابَ يزيد بن زُريع، قال أبو حاتم: وهو ثقة حافظ، كَيِّسٌ، أحبُّ إليّ من أُمية بن بِسْطَام، وقال أبو زرعة: سألته أن يقرأ عليّ تفسير أبي رجاء ليزيد بن زُريع، فأملَى عليّ من حفظه نصفه، ثم أتيته يومًا آخر بَعْدَكُمْ، فأملى عليّ من حيث انتهى، فقال: خُذْ، فتعجبت من ذلك، وكان يحفظ حديث يزيد بن زريع، وقال عثمان بن خُرَّزاذ: أحفظ مَن رأيت أربعة: محمد بن المنهال الضرير، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال ابن عديّ: سمعت أبا يعلى يُفَخِّم أمره، ويذكر أنه كان أحفظ مَن كان بالبصرة في وقته، وأثبتهم في يزيد بن

стр. 1889

زُريع، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، ولم أسمع منه شيئًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". مات بالبصرة في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، حكاه ابن حبّان عن أبي يعلى، وفيها أَرَّخه أبو داود، وموسى بن هارون. وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا (١). ٢ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء، والشين المعجمة - أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٤ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقيّ مولاهم، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة (بضع و ١٣٠) (زم ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الْحُرَقيّ مولاهم، ثقة [٣] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ٢/ ٣ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: العلاء عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "بسطام" بكسر الموحّدة، وحكى صاحب "المطالع" فتحها.

стр. 1890

وفيه قوله: "العيشيّ"، وهو هنا بالشين المعجمة، وذكر السيوطيّ الفرق بينه وبين العبسيّ، والعنسيّ، في "ألفية الحديث" بقوله: فِي الْبَصْرَةِ الْعَيْشِيُّ وَالْعَنْسِيُّ … بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ ٥ - (ومنها): قوله: "واللفظ له" يعني أن سياق متن الحديث الذي ساقه هنا لشيخه أميّة، وأما محمد بن منهال، فرواه بمعناه. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) ببناء "نَزَلت" للفاعل مخفّفًا، والفاعل قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ محكيّ لقصد لفظه، ويحتمل أن يكون "نُزّلت" مشدّد الزاي، مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل أيضًا قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ … إلخ. (﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيّ: ﴿فَيَغْفِرُ﴾، و ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ بالجزم عطفًا على الجواب، وقرأ ابن عامر، وعاصم بالرفع فيهما، على القطع: أي فهو يغفرُ، ويعذبُ. ورُوي عن ابن عباس، والأعرج، وأبي العالية، وعاصم الجحدريّ بالنصب فيهما، على إضمار "أن"، وحقيقته أنه عطف على المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾، والعطف على اللفظ أجود؛ للمشاكلة، كما قال الشاعر [من المديد]: وَمَتَى مَا يَعِ مِنْكَ كَلَامًا … يَتَكَلَّمْ فَيُجِبْكَ بِعَقْلِ قال النحاس: ورُوي عن طلحة بن مُصَرّف: "يحاسبكم به الله، يغفر" بغير فاء على البدل، قال ابن عطية: وبها قرأ الجعفيّ، وخلاد، ورُوي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود ﵁، قال ابن جني: هي على البدل من "يحاسبكم"، وهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر [من الطويل]: رُويدًا بَنِي شَيْبَانَ بَعْضَ وَعِيدِكُمْ … تُلَاقُوا غَدًا خَيْلِي عَلَى سَفَوَانِ

стр. 1891

تُلَاقُوا جِيَادًا لَا تَحِيدُ عَنِ الْوَغَى … إَذَا مَا غَدَتْ فِي الْمَأزَقِ الْمُتَدَانِي فهذا على البدل، وكَرَّر الشاعر الفعل؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول، قال النحاس: وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفعُ، يكون في موضع الحال، كما قال الشاعر [من الطويل]: مَتَى تَأتِهِ تَعْشُوا إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ … تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ (١) (﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]). قال الحافظ ابن كثير: أخبر الله أن له ملك السموات والأرض، وما فيهنّ، وأنه المطّلع على ما فيهنّ، لا تَخفى عليه الظواهر، ولا السرار، والضمائر، وإن دقّت، وخَفِيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما أخفَوْه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩]: وقال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، وقد أخبر تعالى في هذه الآية بمزيد على العلم، وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لَمّا نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك على الصحابة ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله تعالى لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدّة إيمانهم وإيقانهم (٢). وقال ابن جرير: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني بذلك جل ثناؤه: والله على العفو عما أخفته نفس المؤمن من الهمة بالخطيئة، وعلى عقاب الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله ونبوة أنبيائه، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه ذلك من الأمور قادر. [تنبيه]: قال القرطبيّ في "المفهم" في الكلام على هذه الآية: "ما" هذه التي في أول الآية بمعنى الذي، وهي متناولة لمن يَعقل، وما لا يعقل، وهي هنا عامّة، لا تخصيص فيها بوجه؛ لأن كلّ من في السماوت والأرض، وما فيهما، وما بينهما خلقُ الله تعالى، وملك له، وهذا إنما يتمشّى على مذهب

стр. 1892

أهل الحقّ والتحقيق الذين يُحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء، أو في الأرض؛ إذ لو كان في شيء لكان محصورًا محدودًا، ولو كان كذلك لكان محدَثًا، وعلى هذه القاعدة، فقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقول الأمة للنبيّ ﷺ حين قال لها: "أين الله؟ "، فقالت: في السماء، رواه مسلم (١)، ولم يُنكر عليها ذلك، وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يُطلقون ذلك ليس على ظاهره، بل هو مؤوّل تأويلات صحيحة، قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم، لكن السلف ﵃ كانوا يجتنبون تأويل المتشابهات، ولا يتعرّضون لها، مع علمهم؛ لأن الله تعالى يستحيل عليه سِمَات المحدثات، ولوازم المخلوقات، واستيفاء المباحث هذه في علم الكلام. انتهى كلام القرطبيّ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ فيه نظر من وجوه: [الأول]: قوله: يُحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء … إلخ، كلام مجمل؛ لأنه إن أراد به أن الله تعالى ما استوى على العرش، فهذا باطل؛ لأنه أخبرنا عن نفسه بأنه استوى على العرش، وإن أراد استحالة كونه محصورًا داخل شيء في السموات أو في الأرض فهذا صحيح. [الثاني]: أنه لا يُنكر إطلاق "الله في السماء"؛ لقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ولقول الجارية: "في السماء"، وأقرّها النبيّ ﷺ عليه، بعد أن سألها بقوله: "أين الله؟ "، وليس بين هذا وبين آية الاستواء تعارض؛ لأن معنى "في السماء"على السماء، كما لا يخفى على بصير. [الثالث]: أن قوله: وما روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك ليس على ظاهره … إلخ، إن أراد به أنهم يؤولون المعنى فغير صحيح؛ لأنهم يُثبتون المعنى، وإنما يفوّضون الكيفيّة فقط.

стр. 1893

[الرابع]: أن قوله: ولا يتعرّضون لها، إن أراد أنهم لا يتعرّضون لفهم معناها، فهذا غلط عليهم، فإنهم يعلمون المعنى، يعلمون أن معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] علا وارتفع، ولكنهم يفوّضون الكيفيّة. والحاصل أن مذهب السلف، وهو الحقّ في آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة أنهم يعلمون معانيها، ويُجرونها على ظواهرها، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ في أحاديثه الصحيحة، على ما يليق بجلاله ، من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تحريف، مفوّضين كيفيتها إليه ، عملًا بقو : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشوري: ١١]، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، ولا تمل إلى ما ابتدعه المتكلّمون، وأذنابهم من التأويلات والتحريفات، فإنه الضلال الذميم. (قَالَ) أبو هريرة ﵁. قال النوويّ: إنما أعاد لفظة "قال "؛ لطول الكلام، فإن أصل الكلام: "لَمّا نَزَلت اشتد"، فلما طال حَسُن إعادة لفظة "قال"، وقد تقدم مثل هذا في موضعين من هذا الكتاب، وذكرتُ ذلك مُبَيَّنًا، وأنه جاء مثله في القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾، وقولِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾، والله تعالى أعلم. انتهى (١). (فَاشْتَدَّ) قال بعض المحقّقين: الفاء عاطفةٌ على محذوف؛ لأن جواب "لَمّا" لا تلحقه الفاء، والتقدير: لَمّا نزلت عقلنا معناها، فاشتدّ ذلك علينا (ذَلِكَ) أي ما تضمّنته الآية (عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بَرَكُوا) بفتحتين، يقال: بَرَك البعير بُرُوكًا، من باب قَعَدَ: وَقَعَ على بَرْكِه، وهو صدره (٢). (عَلَى الرُّكَبِ) بضمّ، ففتح: جمع رُكبة، وهو مَوْصِل ما بين أسافل أطراف الفخذ، وأعالي الساق (٣). (فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ) "أَيْ" حرف لنداء القريب، أو البعيد، أو المتوسّط فيه خلاف، ورجّح السيوطيّ الأخير، فقال في "الكوكب الساطع":

стр. 1894

"أَيْ" لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَللتَّفْسِيرِ (كُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول: أي حُمّلنا، يقال: كَلَّفته الأمرَ، فتكلّفه: إذا تحَمُّلهُ على مشقّة، والتكاليف: المشاقّ، الواحدة تَكْلِفَة، وكَلِفتُ الأمرَ، من باب تَعِبَ: حَمَلتُهُ على مشقّة، أفاده الفيّوميّ (١). (مِنَ الْأَعْمَالِ) متعلّق بـ "كُلّفنا"، أو بقوله: (مَا نُطِيقُ) بضمّ أوله، من الإطاقة، يقال: أطقتُ الشيءَ إطاقةً: إذا قدرت عليه، والاسم: الطاقةُ، مثل الطاعة، من أطاع (٢)، و"ما" موصولة مفعول ثانٍ لـ"كُلِّفنا"، والعائد محذوف: أي نُطيقه، وحذفه كثير، كما قال في "الخلاصة": ...................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِير مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كـ"مَنْ نَرْجُو يَهَبْ" وقوله: (الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ) بالنصب بدلًا من "ما"، أو عطف بيان له، والتقدير: كُلِّفْنا الصلاةَ … إلخ، (وَقَدْ أنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ) أي قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤] (وَلَا نُطِيقُهَا) أي لا نستطيع القيام بمقتضاها (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتُرِيدُونَ) استفهام إنكاريّ وتوبيخيّ: أي لا ينبغي لكم (أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ) التوارة والإنجيل (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي وهم اليهود والنصارى (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟) هذا إشارة إلى قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ٩٣]، وقوله : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦]. (بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا) قولك (وَأَطَعْنَا) أمرك، وقيل: سمع بمعنى: قَبِلَ، كما في "سَمِعَ الله لمن حمده"، (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) قال الفرّاء: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ ومصدرٌ وقع في موضع أمر، فنُصِب، والمعنى: مغفرتك: أي فاغفر لنا، والطلب للدعاء،

стр. 1895

وقال القرطبيّ: "الغفران": مصدرٌ كالكفران، والخسران، والعامل فيه مقدّر، تقديره: اغفر غُفرانك، وقيل: نطلب، أو نسأل غفرانك (١)، وقوله: و ﴿رَبَّنَا﴾ منادى بحذف حرف النداء. (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ") أي المرجع، وفيه إقرارٌ بالبعث، والوقوف بين يدي الله تعالى. (قَالُوا) أي الصحابة المشفقون من هذه الآية لَمّا أرشدهم النبيّ ﷺ إلى ما هو الصواب المخالف لطريق المغضوب عليهم وطريق الضالّين (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي سمعنا قولك يا ربّنا، وفهمناه، وقُمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) أي اغفر لنا مغفرتك. وقال ابن جرير: يعني بذلك جلّ ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: سمعنا قول ربنا، وأمره إيانا بما أَمَرنا به، ونهيه عما نهانا عنه، وأطعنا، يعني: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلَّمنا له. وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ يعني: وقالوا: غفرانك ربنا، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال: سبحانك، بمعنى نسبحك سبحانك، قال: والغفران والمغفرة: الستر من الله على ذنوب مَن غَفَر له، وصَفَحَه له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عليه ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع، قال ابن جرير: يعني جلّ ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا، ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا. فإن قال لنا قائل: فما الذي نَصَبَ قوله: غفرانك؟. قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر، وكذلك تفعل العرب بالمصادر، والأسماء إذا حلت محلَّ الأمر، وأَدّت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: شكرًا لله يا فلان، وحمدًا له، بمعنى أشكر الله، وأحمده، والصلاةَ الصلاةَ بمعنى: صَلُّوا، ويقولون في الأسماء: اللهَ اللهَ يا قوم، ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ أو هذا الله، ووَجّهَ إلى الخبر، وفيه تأويل الأمر كان جائزًا، كما قال الشاعر [من الخفيف]: إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَشْبَاهُ … عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ
следующие страницы →