تُلَاقُوا جِيَادًا لَا تَحِيدُ عَنِ الْوَغَى … إَذَا مَا غَدَتْ فِي الْمَأزَقِ الْمُتَدَانِي
فهذا على البدل، وكَرَّر الشاعر الفعل؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول، قال النحاس: وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفعُ، يكون في موضع الحال، كما قال الشاعر [من الطويل]:
مَتَى تَأتِهِ تَعْشُوا إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ … تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ (١)
(﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]).
قال الحافظ ابن كثير: أخبر الله أن له ملك السموات والأرض، وما فيهنّ، وأنه المطّلع على ما فيهنّ، لا تَخفى عليه الظواهر، ولا السرار، والضمائر، وإن دقّت، وخَفِيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه، وما أخفَوْه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩]: وقال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا، وقد أخبر تعالى في هذه الآية بمزيد على العلم، وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لَمّا نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك على الصحابة ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله تعالى لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدّة إيمانهم وإيقانهم (٢).
وقال ابن جرير: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني بذلك جل ثناؤه: والله على العفو عما أخفته نفس المؤمن من الهمة بالخطيئة، وعلى عقاب الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله ونبوة أنبيائه، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه ذلك من الأمور قادر.
[تنبيه]: قال القرطبيّ في "المفهم" في الكلام على هذه الآية: "ما" هذه التي في أول الآية بمعنى الذي، وهي متناولة لمن يَعقل، وما لا يعقل، وهي هنا عامّة، لا تخصيص فيها بوجه؛ لأن كلّ من في السماوت والأرض، وما فيهما، وما بينهما خلقُ الله تعالى، وملك له، وهذا إنما يتمشّى على مذهب
стр. 1892
أهل الحقّ والتحقيق الذين يُحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء، أو في الأرض؛ إذ لو كان في شيء لكان محصورًا محدودًا، ولو كان كذلك لكان محدَثًا، وعلى هذه القاعدة، فقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقول الأمة للنبيّ ﷺ حين قال لها: "أين الله؟ "، فقالت: في السماء، رواه مسلم (١)، ولم يُنكر عليها ذلك، وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يُطلقون ذلك ليس على ظاهره، بل هو مؤوّل تأويلات صحيحة، قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم، لكن السلف ﵃ كانوا يجتنبون تأويل المتشابهات، ولا يتعرّضون لها، مع علمهم؛ لأن الله تعالى يستحيل عليه سِمَات المحدثات، ولوازم المخلوقات، واستيفاء المباحث هذه في علم الكلام. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ فيه نظر من وجوه:
[الأول]: قوله: يُحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء … إلخ، كلام مجمل؛ لأنه إن أراد به أن الله تعالى ما استوى على العرش، فهذا باطل؛ لأنه أخبرنا عن نفسه بأنه استوى على العرش، وإن أراد استحالة كونه محصورًا داخل شيء في السموات أو في الأرض فهذا صحيح.
[الثاني]: أنه لا يُنكر إطلاق "الله في السماء"؛ لقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، ولقول الجارية: "في السماء"، وأقرّها النبيّ ﷺ عليه، بعد أن سألها بقوله: "أين الله؟ "، وليس بين هذا وبين آية الاستواء تعارض؛ لأن معنى "في السماء"على السماء، كما لا يخفى على بصير.
[الثالث]: أن قوله: وما روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك ليس على ظاهره … إلخ، إن أراد به أنهم يؤولون المعنى فغير صحيح؛ لأنهم يُثبتون المعنى، وإنما يفوّضون الكيفيّة فقط.
стр. 1893
[الرابع]: أن قوله: ولا يتعرّضون لها، إن أراد أنهم لا يتعرّضون لفهم معناها، فهذا غلط عليهم، فإنهم يعلمون المعنى، يعلمون أن معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] علا وارتفع، ولكنهم يفوّضون الكيفيّة.
والحاصل أن مذهب السلف، وهو الحقّ في آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة أنهم يعلمون معانيها، ويُجرونها على ظواهرها، فيصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ في أحاديثه الصحيحة، على ما يليق بجلاله ، من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تحريف، مفوّضين كيفيتها إليه ، عملًا بقو : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشوري: ١١]، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، ولا تمل إلى ما ابتدعه المتكلّمون، وأذنابهم من التأويلات والتحريفات، فإنه الضلال الذميم.
(قَالَ) أبو هريرة ﵁. قال النوويّ: إنما أعاد لفظة "قال "؛ لطول الكلام، فإن أصل الكلام: "لَمّا نَزَلت اشتد"، فلما طال حَسُن إعادة لفظة "قال"، وقد تقدم مثل هذا في موضعين من هذا الكتاب، وذكرتُ ذلك مُبَيَّنًا، وأنه جاء مثله في القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾، وقولِهِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(فَاشْتَدَّ) قال بعض المحقّقين: الفاء عاطفةٌ على محذوف؛ لأن جواب "لَمّا" لا تلحقه الفاء، والتقدير: لَمّا نزلت عقلنا معناها، فاشتدّ ذلك علينا (ذَلِكَ) أي ما تضمّنته الآية (عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ بَرَكُوا) بفتحتين، يقال: بَرَك البعير بُرُوكًا، من باب قَعَدَ: وَقَعَ على بَرْكِه، وهو صدره (٢). (عَلَى الرُّكَبِ) بضمّ، ففتح: جمع رُكبة، وهو مَوْصِل ما بين أسافل أطراف الفخذ، وأعالي الساق (٣). (فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ) "أَيْ" حرف لنداء القريب، أو البعيد، أو المتوسّط فيه خلاف، ورجّح السيوطيّ الأخير، فقال في "الكوكب الساطع":
стр. 1894
"أَيْ" لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَللتَّفْسِيرِ
(كُلِّفْنَا) بالبناء للمفعول: أي حُمّلنا، يقال: كَلَّفته الأمرَ، فتكلّفه: إذا تحَمُّلهُ على مشقّة، والتكاليف: المشاقّ، الواحدة تَكْلِفَة، وكَلِفتُ الأمرَ، من باب تَعِبَ: حَمَلتُهُ على مشقّة، أفاده الفيّوميّ (١). (مِنَ الْأَعْمَالِ) متعلّق بـ "كُلّفنا"، أو بقوله: (مَا نُطِيقُ) بضمّ أوله، من الإطاقة، يقال: أطقتُ الشيءَ إطاقةً: إذا قدرت عليه، والاسم: الطاقةُ، مثل الطاعة، من أطاع (٢)، و"ما" موصولة مفعول ثانٍ لـ"كُلِّفنا"، والعائد محذوف: أي نُطيقه، وحذفه كثير، كما قال في "الخلاصة":
...................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِير مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كـ"مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
وقوله: (الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ) بالنصب بدلًا من "ما"، أو عطف بيان له، والتقدير: كُلِّفْنا الصلاةَ … إلخ، (وَقَدْ أنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ) أي قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤] (وَلَا نُطِيقُهَا) أي لا نستطيع القيام بمقتضاها (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتُرِيدُونَ) استفهام إنكاريّ وتوبيخيّ: أي لا ينبغي لكم (أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ) التوارة والإنجيل (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي وهم اليهود والنصارى (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟) هذا إشارة إلى قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ٩٣]، وقوله : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦].
(بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا) قولك (وَأَطَعْنَا) أمرك، وقيل: سمع بمعنى: قَبِلَ، كما في "سَمِعَ الله لمن حمده"، (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) قال الفرّاء: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ ومصدرٌ وقع في موضع أمر، فنُصِب، والمعنى: مغفرتك: أي فاغفر لنا، والطلب للدعاء،
стр. 1895
وقال القرطبيّ: "الغفران": مصدرٌ كالكفران، والخسران، والعامل فيه مقدّر، تقديره: اغفر غُفرانك، وقيل: نطلب، أو نسأل غفرانك (١)، وقوله: و ﴿رَبَّنَا﴾ منادى بحذف حرف النداء.
(وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ") أي المرجع، وفيه إقرارٌ بالبعث، والوقوف بين يدي الله تعالى.
(قَالُوا) أي الصحابة المشفقون من هذه الآية لَمّا أرشدهم النبيّ ﷺ إلى ما هو الصواب المخالف لطريق المغضوب عليهم وطريق الضالّين (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي سمعنا قولك يا ربّنا، وفهمناه، وقُمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) أي اغفر لنا مغفرتك.
وقال ابن جرير: يعني بذلك جلّ ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: سمعنا قول ربنا، وأمره إيانا بما أَمَرنا به، ونهيه عما نهانا عنه، وأطعنا، يعني: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلَّمنا له.
وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ يعني: وقالوا: غفرانك ربنا، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال: سبحانك، بمعنى نسبحك سبحانك، قال: والغفران والمغفرة: الستر من الله على ذنوب مَن غَفَر له، وصَفَحَه له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عليه ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع، قال ابن جرير: يعني جلّ ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا، ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا.
فإن قال لنا قائل: فما الذي نَصَبَ قوله: غفرانك؟.
قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر، وكذلك تفعل العرب بالمصادر، والأسماء إذا حلت محلَّ الأمر، وأَدّت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: شكرًا لله يا فلان، وحمدًا له، بمعنى أشكر الله، وأحمده، والصلاةَ الصلاةَ بمعنى: صَلُّوا، ويقولون في الأسماء: اللهَ اللهَ يا قوم، ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ أو هذا الله، ووَجّهَ إلى الخبر، وفيه تأويل الأمر كان جائزًا، كما قال الشاعر [من الخفيف]:
إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَشْبَاهُ … عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ
стр. 1896
لَجَدِيرُونَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَا … لَ أَخُو النَّجْدَةِ السِّلَاحُ السّلَاحُ
ولو كان قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ جاء رفعًا في القراءة، لم يكن خطأً، بل كان صوابًا على ما وَصَفنا. انتهى (١).
(فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ) أي قرؤوها، قال المجد: قرأ القرآن: تلاه، كاقترأه. انتهى. فالافتعال للمبالغة (ذَلَّتْ) جواب "لَمّا": أي لانت، وسهُلت (بِهَا) أي بقرائتها (ألسِنَتُهُمْ) يعني أنهم استجابوا، وأطاعوا للنبيّ ﷺ فيما دعاهم، وأرشدهم إليه (فَأَنزَلَ اللهُ فِي إثْرِهَا) بفتح الهمزة والثاء، وبكسر الهمزة مع إسكان الثاء، لغتان، وضمير "إثرها" يعود إلى الآية التي اشتدت عليهم.
وقوله: (﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾) مفعول به لـ "أنزل" محكيّ؛ لقصد لفطه: أي صدّق الرسول (﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾) أي بالقرآن العظيم (﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾) أي وآمن المؤمنون (﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾) أفرده نظرًا للفظ "كلّ"، ويجوز في غير القرآن "آمنوا" على المعنى (﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾) قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر على الجمع، وقرؤوا في سورة التحريم "كتابه" على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم: "وكتبه" على الجمع، وقرأ حمزة، والكسائيّ: "وكتابه" على التوحيد فيهما، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يَجمع كلّ مكتوب كان نزوله من عند الله، ويجوز في قراءة من وحّد أن يراد به الجمع، ويكون الكتاب اسمًا للجنس، فتستوي القراءتان، قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
(﴿وَرُسُلِهِ﴾) قرأ الجماعة بضم السين، وكذلك "رسلنا، ورسلكم، ورسلك"، إلا أبا عمرو، فروي عنه: تخفيف "رسلنا، ورسلكم"، وروي عنه في "رسلك": التثقيل والتخفيف، فمن قرأ "رسلك": بالتثقيل، فذلك أصل الكلمة، ومن خفّف فكما يُخفّف في الآحاد، مثلُ عُنْقٍ وطُنْب، وإذا خُفّف في الآحاد، فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، قاله القرطبيّ (٢).
وقال الإمام ابن جرير: قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ الآية: يعني بذلك جل ثناؤه: صَدَّق رسول الله ﷺ ، فأَقَرّ بما أنزل إليه: أي بما أُوحي
стр. 1897
إليه من ربه، من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك، من سائر ما فيه من المعاني التي حواها، وذُكر أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية عليه قال: "يَحِقّ له".
قال: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه﴾، وذُكر لنا: أن نبي الله ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: "ويَحِقّ له أن يؤمن". انتهى (١).
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي لا نُفَرِّق بينهم في الإيمان، فنؤمن ببعضهم، ونكفر ببعض، كما فعله أهل الكتابين، بل نؤمن بجميعهم، و ﴿أَحَدٍ﴾ في هذا الموضع بمعنى الجمع، ولهذا دخلت فيه ﴿بَيْنَ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٧].
وقال ابن جرير: وأما قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، فإنه أَخبر جَلّ ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك، ففي الكلام في قراءة من قرأ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ بالنون متروك، قد استُغني بدلالة ما ذُكر عنه، وذلك المتروك هو: يقولون، وتأويل الكلام: والمؤمنون كلٌّ اَمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، وتَرَك ذكر "يقولون"؛ لدلالة الكلام عليه، كما تَرك ذكره في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] بمعنى يقولون: سلام.
وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: "لا يُفَرَّق بين أحد من رسله" بالياء بمعنى: والمؤمنون كلُّهم آمَنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يُفَرّق الكل منهم بين أحد من رسله، فيُؤمَنُ ببعض، ويُكْفَرُ ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم، ويُقِرّون أن ما جاؤوا به كان من عند الله، وأنهم دَعَوا إلى الله، وإلى طاعته،
стр. 1898
ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقَرُّوا بموسى، وكذَّبوا عيسى، والنصارى الذين أقرّوا بموسى وعيسى، وكذّبوا بمحمد ﷺ ، وجَحَدوا نبوته، ومَن أشبههم من الأمم الذين كذَّبوا بعضَ رسل الله، وأقرّوا ببعضه.
وقال القرطبيّ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، قرأ جمهور الناس ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ بالنون، والمعنى يقولون: لا نفرّق، فحُذف القول، وحَذْفُ القول كثير، قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي يقولون: سلام عليكم، وقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، أي يقولون: ربنا، وما كان مثله، وقرأ سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب: "لا يُفرَّق" بالياء، وهذا على لفظ "كلّ"، وهي في حرف ابن مسعود: "لا يفرق"، وقال: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ على الإفراد، ولم يقل: آحاد؛ لأن "الأحد" يتناول الواحد، والجمع، كما قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٧]، فـ ﴿حَاجِزِينَ﴾ صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾؛ لأن معناه: الجمع، وقال ﷺ "ما أحلّت الغنائم لأحد سُود الرأس غيركم" (١)، وقال رؤبة:
إِذَا أُمُورُ النَّاسِ دِينَتْ دِينَكَا … لَا يَرْهَبُونَ أَحَدًا مِنْ دُوبكَا
ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض. انتهى (٢).
وقال الإمام ابن جرير: والقراءة التي لا نَستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ لأنها القراءة التي قامت حجتها بالنقل المستفيض، الذي يمتنع معه التشاعُر (٣) والتواطؤ والسهو والغلط، يعني ما وصفنا من يقولون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، ولا يُعترض بشاذ من القراءة على ما جاءت به الحجة نقلًا وروايةً. انتهى.
стр. 1899
قال: وقد ذُكر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله ﷺ ثناءً من الله عليه وعلى أمته، قال له جبريل: إن الله قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناءَ، فسل ربك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال لما أنزلت على رسول الله ﷺ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ وقال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وإلى آخر السورة (١).
(﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ) أي استجابوا لما دعاهم إليه النبيّ ﷺ ، وأمرهم به، فقالوا: سمعنا، وأطعنا … إلخ (نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى) أي أزال التكليف الذي شقّ عليهم.
واعترض المازريّ النسخ هنا، فقال: وأما قول الراوي: إن ذلك نُسِخَ، ففي النسخ هنا نظر؛ لأنه إنما يكون النسخ إذا تعذّر البناء، ولم يمكن ردّ إحدى الآيتين إلى الأخرى، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤] عموم يصحّ أن يشتمل على ما يُملك من الخواطر، وما لا يُملك، فتكون الآية الأخرى مُخصِّصةً، إلا أن يكون فَهِمَ الصحابة بقرينة الحال أنه تقرّر تعبُّدهم بما لا يُملك من الخواطر، فيكون حينئذ نسخًا؛ لأنه رفع ثابتٌ مستقِرّ. انتهى كلام المازريّ.
وتعقّبه القاضي عياض، فقال: لا وجه لاستبعاد النسخ في هذه القضيّة، وراويها قد روى فيها النسخ، ونصَّ عليه لفظًا ومعنًى بأمر النبيّ ﷺ لهم بالإيمان، والسمع والطاعة لما أعْلَمَه الله من مؤاخذته لهم، فلَمّا فعلوا
стр. 1900
ذلك، وألقى الله تعالى الإيمان في قلوبهم، وذَلَّت بالاستسلام لذلك ألسنتهم - كما نصّ في الحديث نفسه - رَفَعَ الله الحرج عنهم، ونَسَخَ هذه الْكُلْفة بالآية الأخرى كما قال، وطريق علم النسخ إنما هو بالخبر عنه، أو بالتاريخ، وهما مجتمعان في هذه الآية.
وقول المازريّ: "إنما يكون النسخ إذا تعذّر البناء" كلام صحيح فيما لم يَرِد به النصّ بالنسخ، وأما إذا ورد وَقَفْنَا عنده، لكن قد اختلف أرباب الأصول في قول الصحابيّ: نُسِخ حكم كذا بكذا، هل هو حجّة يَثبُتُ به النسخ، أم لا يثبت بمجرّد قوله؟، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلّاني، والمحقّقين منهم؛ لأنه قد يكون قوله هذا عن اجتهاده، وتأويله حتى ينقُل ذلك نصًّا عن النبيّ ﷺ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بثبوت النسخ بقول الراوي الصحابي: "نُسِخَ حكم كذا بكذا" هو الأرجح؛ لأنه أفهم بمقاصد الشريعة، وقد شَهِد الوحي والتنزيل، فقوله في مثل هذا حقيق بالقبول، وقد أوضحت ذلك في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَأَنزَلَ اللهُ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ التكليف: هو الأمر بما يشقّ عليه، وتَكَلَّف الأمر تجشمته، حكاه الجوهري، والوسع: الطاقة، والْجِدَةُ، وهذا خبرٌ جَزْمٌ، نَصَّ الله تعالى على أنه لا يُكَلِّف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح، إلا وهي في وُسْع المكلف، وفي مُقْتَضَى إدراكه وبِنْيَتِه، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأوّلهم أمر الخواطر.
وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة ﵁ قال: ما وَدِدت أن أحدًا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعته يومًا، وأنا جائع، فلما بلغ منزله، فلم يجد فيه سوى نِحْي سَمْنٍ، قد بقي فيه أَثَارَة، فشَقَّه بين أيدينا، فجعلنا نَلْعَق ما فيه من السَّمْن والرُّبّ (٢) وهو يقول:
стр. 1901
مَا كَلَّفَ اللهُ نَفْسًا فَوْقَ طَاقَتِهَا … وَلَا تَجُودَ يَدٌ إِلَّا بِمَا تَجِدُ
وقوله تعالى: (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾) قال أبو العبّاس القرطبيّ: أي ما كسبت من خير، فلها ثوابه، وما اكتسبت من شرّ فعليها عقابه، و"كَسَبَ"، و"اكتسب " لغتان بمعنى واحد، كقدر واقتدر، ويمكن أن يقال: إن هذه التاء تاء الاستفعال، والتعاطي، ودخلت في اكتساب الشرّ، دون كسب الخير؛ إشعارًا بأن الشرّ لا يؤاخذ به إلا بعد تعاطيه، وفعله، دون الهمّ به، بخلاف الخير، فإنه يُكتب لمن هَمَّ به، وتحدّث به في قلبه، كما جاء في قوله ﷺ مخبرًا عن الله تعالى: "إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنةً، فأنا أكتبها له حسنةً، ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيّئةً، فأنا أغفرها له، ما لم يعمل، فإذا عملها، فأنا أكتبها له سيّئة واحدة" (١)، وفي لفظ آخر: "فإذا همّ" بدل "تحدّث". انتهى (٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: يريد الحسنات، والسيئات، قاله السّدّيّ، وجماعة المفسرين، لا خلاف بينهم في ذلك، قاله ابن عطية، وهو مثل قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان، وجاءت العبارة في الحسنات بـ ﴿لَهَا﴾ من حيث إنها مما يَفْرَح المرء بكسبه، ويُسَرّ بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات بـ ﴿عَلَيْهَا﴾ من حيث إنها أثقال وأوزار، ومُتَحَمَّلات صعبة، وهذا كما تقول: لي مالٌ، وعليّ دينٌ، وَكَرَّر فعل الكسب، فخالف بين التصريف؛ تحسينًا لنمط الكلام، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧]، قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تُكتَسَب دون تكلف؛ إذ كاسبها على جادّة أمر الله تعالى، ورَسْمِ شرعه، والسيئات تُكتَسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يَتَكَلَّف في أمرها خَرْقَ حجاب نهي الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين؛ إحرازًا لهذا المعنى. انتهى (٣).
стр. 1902
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الإمام ابن جرير: هذا تعليم من الله عباده المؤمنين دعاءه، كيف يدعونه، وما يقولونه في دعائهم إياه، ومعناه: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئًا فرضت علينا عمله، فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله، ففعلناه على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به، وخطأ. انتهى (١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ: المعنى: اعْفُ عن إثم ما يقع منّا على هذين الوجهين، أو أحدِهما، فهو كقوله ﷺ : "وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه" (٢): أي إثم ذلك.
قال: وهذا لم يُخْتَلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختُلِف فيما يَتَعَلَّق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوعٌ، لا يلزم منه شيء، أو يَلزَم أحكام ذلك كلِّه؟، اختُلِف فيه، والصحيح أن ذلك يَختَلِف بحسب الوقائع، فقِسْمٌ لا يَسقُط باتفاق، كالغرامات، والديات، والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق، كالقصاص، والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث يُختلف فيه، كمن أكل ناسيًا في رمضان، أو حَنِثَ ساهيًا، وما كان مثله، مما يقع خطأ ونسيانًا، ويعرف ذلك في الفروع. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذا القسم ساقطٌ أيضًا، لظاهر هذا الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن جرير: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن يؤاخذ الله عباده بما نسوا، أو أخطأوا، فيَسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟.
قيل: إن النسيان على وجهين: أحدهما على وجه التضييع من العبد والتفريط، والآخر على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استُحفظ، ووُكل به، وضَعُف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو تركٌ منا لما أُمر بفعله، فذلك الذي يَرغب العبد إلى الله في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله به آدم صلوات الله عليه،
стр. 1903
فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥]، وهو النسيان الذي قال جل ثناؤه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]، فرغبة العبد إلى الله بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فيما كان من نسيان منه لما أُمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطًا منه فيه وتضييعًا كفرًا بالله ، فإن ذلك إذا كان كفرًا بالله، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة غير جائزة؛ لأن الله قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما تكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه، بتشاغله عنه، وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاةً أو صيامًا باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما.
وأما الذي العبد مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وُكِل بمراعاته فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له؛ لأنه مسألة منه، له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يَحْرِص على حفظ القرآن بِجِدٍّ منه، فيقرؤه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ذِكْرَ ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا تجوز مسألة الرب مغفرته؛ لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه.
وكذلك للخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نُهي عنه العبد، فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، يقال منه: خَطِئَ فلان، وأخطأ فيما أَتَى من الفعل، وأَثِمَ: إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، ومنه قول الشاعر:
النَّاسُ يَلْحَونَ الأَمِيرَ إَذَا هُمُ … خَطِئُوا الصَّوَابَ وَلَا يُلَامُ الْمُرْشَدُ
يعني: أخطأوا الصواب، وهذا الوجه الذي يَرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرًا.
والآخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به، والظن منه بأن له فعله، كالذي يأكل في شهر رمضان ليلًا، وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، أو يؤخر
стр. 1904
صلاة في يوم غيم، وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها، فيخرج وقتها، وهو يرى أن وقتها لم يدخل، فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الذي وضع الله عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه به انتهى كلام ابن جرير (١).
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) أي قال الله تعالى؛ استجابة لدعائهم، وإنالة لطلبهم، وتحقيقًا لرغبتهم: قد فعلت: أي قد أعطيتكم ما سألتم، قال أبو العبّاس القرطبيّ: "نعم" حرف جواب، وهو هنا إجابةٌ لما دَعَوا فيه، كما في الرواية الأخرى عن ابن عباس ﵄: "قد فَعَلتُ"، بدل قوله هنا: "نعم"، وهو إخبار من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدعوات، فكلُّ داع يُشاركهم في إيمانهم، وإخلاصهم، واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأن وعده تعالى صدْقٌ، وقوله حقّ، وكان معاذ ﵁ يَختم هذه السورة بـ "آمين" كما يَختم الفاتحة، وهو حسن انتهى (٢).
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ - بكسر الهمزة، وسكون الصاد المهملة -: أي ثِقَلًا، قال مالك، والربيع: الإصر: الأمر الغليظ الصعب، وقال سعيد بن جبير: الإصر: شدة العمل، وما غُلّظ على بني إسرائيل من البول ونحوه، وقال الضحاك: كانوا يُحَمَّلُون أمورًا شدادًا، وهذا نحو قول مالك والربيع، ومنه قول النابغة [من البسيط]:
يَا مَانِعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتُهُمُ … وَالْحَامِلُ الإِصْرِ عَنْهُمْ بَعْدَ مَا عَرَفُوا
وقال عطاء: الإصر: المسخ قردةً وخنازير، وقاله ابن زيد أيضًا، وعنه أيضًا أنه الذنب الذي ليس فيه توبة، ولا كفارةٌ، والإصر في اللغة العهد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]، والإصر الضِّيقُ، والذنب، والثِّقَلُ، والإصار: الحبل الذي تُربَط به الأحمال ونحوها، يقال: أَصَرَ يَأَصِرَ أَصْرًا: حبسه، والإصر - بكسر الهمزة - من ذلك، قال الجوهريّ: والموضع مَأْصِرٌ ومَأْصَرٌ، والجمع مآصر، والعامة تقول: معاصر. انتهى (٣).
стр. 1905
وقال الإمام ابن جرير: تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يعني بذلك جل ثناؤه قولوا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ يعني بالإصر العهد، كما قال جل ثناؤه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] وإنما عَنَى بقوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ ولا تحمل علينا عهدًا، فنَعْجِزَ عن القيام به، ولا نستطيعه، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يعني: على اليهود والنصارى، الذين كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة، فعَلَّم الله أمة محمد ﷺ الرغبة إليه بمسألته أن لا يَحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال، إن ضيعوها، أو أخطاوا فيها، أو نسوها، مثل الذي حَمَل مَن قبلهم، فيُحِلّ بهم بخطئهم فيه، وتضييعهم إياه مثلَ الذي أحل بمن قبلهم. انتهى (١).
(﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾) أي وهم اليهود والنصارى (قَالَ) الله ﷺ (نَعَمْ) أي قد فعلت ذلك، واستجبت لكم.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال قتادة: معناه لا تُشَدِّد علينا كما شددت على من كان قبلنا، وقال الضحاك: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق، وقال نحوه ابن زيد، وقال ابن جريج: لا تمسخنا قِرَدَةً ولا خنازير، وقال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به الْغُلْمة (٢)، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء، ورُوي: أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غُلْمة ليس لها عُدّة، وقال السديّ: هو التغليظ، والأغلال التي كانت علي بني إسرائيل، ذكره القرطبيّ.
(قَالَ) الله (نَعَمْ) أي قد فعلتُ (﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾) أي عن ذنوبنا، يقال: عَفَوْتُ عن ذنبه: إذا تركته، ولم تعاقبه (﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾) أي استر على ذنوبنا، والْغَفْرُ السَّتْرُ.
وقال ابن جرير: في هذا أيضًا من قول الله ﷺ خبرًا عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك الدلالةُ الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم، بقوله:
стр. 1906
﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾؛ لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ مسألة منهم ربهم أن يعفو لهم عن تقصير، إن كان منهم في بعض ما أَمرهم به من فرائضه، فيَصْفَح لهم عنه، ولا يعاقبهم عليه، وإن خَفّ ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به، وكذلك قوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني واستر علينا زلةً، إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها، ولا تفضحنا بإظهارها. انتهى.
﴿وَارْحَمْنَا﴾ قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: تَغَمّدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناجٍ من عقابك أحدٌ، إلا برحمتك إياه، في ون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا، إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يُرضيك عنّا. انتهى.
﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي وَليُّنا وناصرنا ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ وقال أبو إسحاق الزجّاج: أي أَظْهِرنا عليهم في الحجة، والحرب، وإظهار الدين انتهى (١).
وقال الإمام ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أنت ولينا بنصرك، دون من عاداك، وكَفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك، ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت ولي من أطاعك، وعدُوّ من كفر بك فعصاك، فانصرنا؛ لأنا حِزْبُك على القوم الكافرين الذين جَحَدوا وحدانيتك، وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان. انتهى (٢).
(قَالَ) الله (نَعَمْ) زاد أبو عوانة: إلا أن محمد بن المنهال قدّم بعض الكلام، وأخّر بعضًا، وقال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وقال: قد غفرت لكم، ورحمتكم، والحديث كلّه واحد. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف.
стр. 1907
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٠/ ٣٣٦] (١٢٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧٦ و ٧٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٣٩)، و (ابن جرير) في "تفسيره" (٣/ ١٤٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٢ و ٢٢٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٢٥ و ٣٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان المراد في قوله ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
٢ - (ومنها): بيان رحمة الله تعالى لهذه الأمة بسبب نبيها الذي قال الله في تعظيم شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ﷺ .
٣ - (ومنها): بيان ما أكرم الله تعالى به هذه الأمة - زادها الله تعالى شرفًا - بأن خفّف عنها ما كان على غيرها من الأمم السابقين من الإصر، والأغلال: أي الثِّقَل والمشاقّ.
٤ - (ومنها): بيان ثبوت النسخ في هذه الشريعة الغرّاء، وهو مجمع عليه بين المسلمين.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من المسارعة والانقياد لأحكام الشرع، ومن شدّة خوفهم من عدم القيام بما كلّفهم الله تعالى به، ومراجعة نبيهم ﷺ باركين على رُكَبهم بين يديه، حتى يسأل ربه أن يخفّف عنهم الشدّة، فجاءهم الفرج القريب.
٦ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة خوفه على أمته أن تسلك مسلك الأمم السابقة في ردّ ما أتوا به من أوامر الله، فقالوا: سمعنا وعصينا، فنزل عليهم العذاب، فحذّر ﷺ صحابته أن يكونوا مثلهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم، فهداهم الله تعالى، فاستجابوا، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾.
٧ - (ومنها): بيان فضل هذه الأمة على الأمم السابقة، حيث إنهم قالوا لأنبيائهم: سمعنا وعصينا، وهذه الأمة قالت: سمعنا وأطعنا، فظهر مصداق قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية.
стр. 1908
٨ - (ومنها)؛ ما قاله أبو إسحاق الزجَاج: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخر السورة [البقرة: ٢٨٦]، أخبر الله تعالى به عن النبيّ ﷺ ، والمؤمنين، وجعله في كتابه؛ ليكون دعاء من يأتي بعد النبيّ ﷺ والصحابة ﵁، فهو من الدعاء الذي ينبغي أن يُحفظ، ويُدعَى به كثيرًا.
وسيأتي للمصنّف في "كتاب الصلاة" من هذا الكتاب من حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة كَفَتَاه"، قيل: كفتاه من قيام تلك الليلة، وقيل: كفتاه المكروه فيها، والله تعالى أعلم (١).
٩ - (ومنها): ما قاله إِلْكِيا الطبريّ: يُستدلّ بقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ على أنّ مَن قَتَل غيره بمثقل، أو بَخْنق، أو تغريق، فعليه ضمانه قصاصًا، أو دية، خلافًا لمن جَعَل ديته على العاقلة، وذلك يُخالف الظاهر، ويَدُلّ أيضًا على أن سقوط القصاص عن الأب، لا يقتضي سقوطه عن شريكه، ويدلّ أيضًا على وجوب الحد على العاقلة إذا مَكَّنت مجنونًا من نفسها، حتى زنى بها.
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: ذَكَرَ علماؤنا هذه الآية في أن القَوَدَ واجب على شريك الأب، خلافًا لأبي حنيفة، وعلى شريك الخاطئ، خلافًا للشافعيّ وأبي حنيفة؛ لأن كلَّ واحد منهما قد اكتَسَب القتل، وقالوا: إن اشتراك مَن لا يجب عليه القصاص، مع من يجب عليه القصاص لا يكون شُبْهةً في درء ما يُدرأ بالشبهة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المالكيّة من وجوب الْقَوَد على شريك الأب، وشريك الخاطئ هو الأرجح عندي؛ لقوّة حجتهم، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): ما قاله المازريّ: إشفاقهم، وقولهم: لا نطيقها، يحتمل أن يكونوا اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التي
стр. 1909
لا تُكتسب، فلهذا رأوه من قبيل ما لا يطاق، فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلًا على أنهم كُلِّفوا ما لا يُطاق، وعندنا أن تكليفه جائز عقلًا، واختُلف، هل وقع التعبّد به في الشريعة، أو لا؟. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: هذه الآية تدلّ على أن لله تعالى أن يكلّف عباده بما يُطيقونه، وما لا يُطيقونه، ممكنًا كان، أو غير ممكن، لكنه تعالى تفضّل علينا بأنه لم يُكلّفنا بما لا نُطيقه، وبما لا يمكننا إيقاعه، وكمّل علينا فضله برفع الإصر، والمشقّات التي كُلّفها غيرنا. انتهى (٢).
وخلاصة القول: إن الله رفع عنّا ما لا طاقة لنا به، فله الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة، سبحانك لا نُحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في آية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيها على خمسة أقوال:
[الأول]: أنها منسوخة، قاله ابن عباس، وابن مسعود، وعائشة، وأبو هريرة، والشعبيّ، وعطاء، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، وموسى بن عُبيدة، وجماعة من الصحابة والتابعين ﵃، وأنه بَقِي هذا التكليف حولًا حتى أنزل الله الفرج بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
ومن حجج هؤلاء حديث أبي هريرة، وابن عبّاس ﵃ المذكور هنا في الباب، وهو حجة واضحة، لا لبس فيه، فيكون هذا القول هو الأرجح، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
[القول الثاني]: قول ابن عباس، وعكرمة، والشعبيّ، ومجاهد: إنها محكمةٌ، مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نَهَى عن كتمها، ثم أَعْلَمَ في هذه الآية أن الكاتم لها الْمُخفِيَ ما في نفسه محاسب.
стр. 1910
[القول الثالث]: إن الآية فيما يَطْرأ على النفوس، من الشكّ واليقين، وقاله مجاهد أيضًا.
[القول الرابع]: إنها محكمة عامّةٌ، غير منسوخة، والله محاسبٌ خلقَهُ على ما عملوا من عمل، وعلى ما لم يعملوه، مما ثَبَت في نفوسهم، وأضمروه، ونووه، وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ذكره الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا، روي عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: لم تُنْسَخ، ولكن إذا جَمَع الله الخلائق، يقول: "إني أُخبركم بما أكننتم في أنفسكم"، فأما المؤمنون فيخبرهم، ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والرَّيْب، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في هذا الباب، يدُلّ عليه حديث النجوى على ما يأتي بيانه، ولا يقال: فقد ثبت عن النبي ﷺ : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به، فإنا نقول: ذلك محمول على أحكام الدنيا مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة.
[القول الخامس]: أن الآية محكمةٌ، ليست بمنسوخة، قاله الحسن، وغيره، وقالوا: إن العذاب الذي يكون جزاء لما خَطَر في النفوس، وصَحِبَه الفكر، إنما هو بمصائب الدنيا، وآلامها، وسائر مكارهها، وأسند الطبريّ عن عائشة ﵄ نحو هذا المعنى.
ورجح الطبري أن الآية محكمة، غير منسوخة، قال ابن عطية: وهذا هو الصواب (١).
وقال القاضي عياض: قد اختلف الناس في هذه الآية، فأكثر المفسّرين من الصحابة، ومن بعدهم على ما تقدّم فيها من النسخ، وأبعده بعضُ المتأخّرين، قال: لأنه خبر، ولا يدخل النسخ الأخبار، ولم يُحَصِّلْ ما قاله، فإنه وإن كان خبرًا، فهو خبرٌ عن تكليف، ومؤاخذة بما تُكنّ النفوس، والتعبّد
стр. 1911
بما أمرهم النبيّ ﷺ في الحديث بذلك، وأن يقولوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وهذه أقوالٌ، وأعمالٌ للسان والقلب، ثم نُسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة. انتهى (١).
وقال أبو العباس القرطبيّ: "ما" في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية على عمومها، فتتناول كلّ ما يقع في نفس الإنسان من الخواطر، ما أُطيق دفعه منها، وما لا يُطاق، ولذلك أشفقت الصحابة ﵃ من محاسبتهم على جميع ذلك، ومؤاخذتهم به، فقالوا للنبيّ ﷺ : كُلِّفنا ما نُطيق، من الصلاة، والصيام، وهذه الآية لا نُطيقها، ففيه دليلٌ على أن موضوع "ما" للعموم، وأنه معمولٌ به فيما طريقه الاعتقاد، كما هو معمول به فيما طريقه العمل، وأنه لا يجب التوقّف فيه إلى البحث عن المخصّص، بل يُبادر إلى استغراق الاعتقاد فيه، وإن جاز التخصيص، وهذه المسائل اختُلف فيها، كما بيّنّاه في "الأصول".
ولَمّا سمع النبيّ ﷺ ذلك القول منهم أجابهم بأن قال: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟، بل قولوا: سمعنا، وأطعنا"، فأقرّهم النبيّ ﷺ على ما فهموه، وبيّن لهم أن لله تعالى أن يكلّف عباده بما يُطيقون، وبما لا يُطيقون، ونهاهم عن أن يقع لهم شيء مما وقع لضُلّال أهل الكتاب من المخالفة، وأمرهم بالسمع والطاعة، والتسليم لأمر الله تعالى على ما فهِمُوه، فسلّم القوم لذلك، وأذعنوا، ووطّنوا أنفسهم على أنهم كُلّفوا في الآية بما لا يطيقونه، واعتقدوا ذلك، فقد عملوا بمقتضى ذلك العموم، وثَبَتَ ووَرَدَ، فإن قُدِّر رافع لشيء منه، فذلك الرفع نسخٌ، لا تخصيصٌ، وعلى هذا فقول الصحابيّ: "فلما فعلوا نسخها الله" على حقيقة النسخ، لا على جهة التخصيص؛ خلافًا لمن لم يظهر له ما ذكرناه، وهم كثير من المتكلّمين على هذا الحديث، ممن رأى أن ذلك من باب التخصيص، لا من باب النسخ، وتأوّلوا قول الصحابيّ: إنه نسخٌ على أنه أراد بالنسخ التخصيص، وقال: إنهم كانوا لا يُفرّقون بين النسخ والتخصيص، وقد كنت
стр. 1912
على ذلك زمانًا إلى أن ظهر لي ما ذكرته، فتأمله، فإنه الصحيح - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: إنهم - يعني الصحابة - كانوا لا يفرّقون بين النسخ والتخصيص، إن أراد به أنهم لم ينصّوا على الفرق، فمسلَّمٌ، وكذلك أكثر مسائل علم الأصول، بل كلّه، فإنهم لم ينُصّوا على شيء منها، بل فرّعوا عليها، وعملوا على مقتضاها من غير عبارة عنها، ولا نطق بها إلى أن جاء من بعدهم، ففطِنُوا لذلك، وعبّروا عنه، حتى صنّفوا التصانيف المعروفة، وأوّلهم في ذلك الشافعيّ فيما علمناه.
وإن أراد بذلك أنهم لم يكونوا يعرفون الفرق بين النسخ والتخصيص، ولا عملوا عليه، فقد نسبهم إلى ما يستحيل عليهم؛ لثقابة أذهانهم، وصحّة فهومهم، وغزارة علومهم، وأنهم أولى بعلم ذلك من كلّ مَن بعدهم، كيف لا وهم أئمة الهدى، وبهم إلى كلّ العلوم يُقتدى، وإليهم المرتجع، وقولهم المتّبع، وكيف يخفى عليهم ذلك، وهو من المبادئ الظاهرة على ما قرّرناه في "الأصول". انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قرره القرطبيّ، وقبله القاضي عياض من كون النسخ هنا حقيقةً هو الأرجح عندي؛ لأن الصحابيّ أعلم بمعنى النسخ، وأفهم بمقاصد الشريعة، وقد شهد التنزيل، وجالس النبيّ ﷺ ، فإذا أخبرنا بأن هذه الآية نُسخت بآية كذا، وجب أن نقبل قوله في ذلك، ولا نعترض عليه بما اصطلح عليه متأخرو الأصوليين من تعريف النسخ بما يتعارض مع مقاصد الصحابة.
على أن النسخ في عرف السلف يُطلق على ما هو أعم، كما سيأتي في المسألة التالية، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان النسخ:
هو: لغةً: الإبطال والإزالة، ومنه نَسَخت الشمس الظل، والريح آثار
стр. 1913
القَدَم، وهو يُطلَق على النقل والتحويل، ومنه نَسَخْتُ الكتاب: أي نقلته، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، ومنه تناسخ المواريث.
وأما اصطلاحًا فهو في عرف عامّة السلف: البيان، فيشمل تخصيص العامّ، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته، وهو ما يُعرف عند المتأخّرين بالنسخ.
قال الإمام ابن القيّم ﵀: مراد عامّة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارةً، وهو اصطلاح المتأخّرين، ورفع العامّ، والمطلق، والظاهر، وغيرها تارة، إما بتخصيص، أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيّد، وتفسيره، وتبيينه، حتى إنهم يُسمّون الاستثناء، والشرط، والصفة نسخًا؛ لتضمّن ذلك رفع دلالة الظاهر، وبيان المراد، فالنسخ عندهم، وفي لسانهم: هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمّل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخّر. انتهى (١).
وإلى هذا أشرت في "التحفة المرضية" بقولي:
فِي اللُّغَةِ النَّقْلُ كَذَا الإِزَالَةُ … أَمَّا فِي الاصْطِلَاحِ خُذْ مَا أَثْبَتُوا
فَهْوَ الْبَيَانُ فِي اصْطِلَاحِ السَّلَفِ … فَهْوَ أَعَمُّ عِنْدَهُمْ فَلْتَعْرِفِ
يَعُمُّ تَخْصِيصًا لِعَامٍ وَكَذَا … تَقْيِيدُ مُطْلَقٍ وتَبْيِينًا خُذَا
لِمُجْمَلٍ وَرَفْعَ حُكْمٍ جمْلَهْ … فَذَا مُرَادُ هَؤُلَاءِ الْجِلَّهْ
وَالْمُتَأَخِّرُون خَصُّوًا رَفْعَا … حُكْمٍ لِشَرْع بِدَلِيلٍ يُرْعَى
مَعَ تَرَاخٍ ثُمَّ هَذَا يَشْمَلُ … أَرْبَعَةً مِنَ القُيُودِ تُقْبَلُ
أَوَّلُهَا رَفعٌ لأَصْلِ الْحُكْمِ … وَلَيْسَ تَقْيِيدًا لَدَى ذِي الْفَهْمِ
وَالثَّانِ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ رَفْعَا … بَرَاءَةً أَصْلِيَّةً قَدْ تُرْعَى
ثَالِثُهَا كَوْنُ دَلِيلٍ شَرْعِي … لَا غَيْرُ مِثْلُ مَوْتِهِ ذِي الْقَطْعِ
رَابِعُهَا كَوْنُهُ ذَا تَرَاخِ … إِذْ غَيْرُهُ مُخَصِّصٌ يُوَاخِي
стр. 1914
فَهَذه الْقُيُودُ إِنْ تَوَفَّرَتْ … حَقَيقَةُ النَّسْخِ لَدَيْهِمْ حَصَلَتْ
فتبيّن بهذا أن إطلاق النسخ على الآية المذكورة هنا لو قلنا: إنه ليس نسخًا على عرف المتأخرين، فإنه جار على عرف السلف، فلا اعتراض أصلًا، فتنبّه، وإن أردت تحقيق المسألة في هذا، فراجع كتابي "المنحة الرضيّة على التحفة المرضيّة"، في الأصول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في ذكر الاختلاف في جواز التكليف بما لا يطاق: قال أبو عبد الله القرطبيّ: اختَلَف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعًا في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه.
قال أبو الحسن الأشعريّ، وجماعة من المتكلمين: تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلًا، ولا يَخْرِم ذلك شيئًا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارةً على تعذيب المكلف، وقطعًا به، ويَنظُر إلى هذا تكليف الْمُصَوِّر أن يَعْقِد شعيرة.
واختَلَف القائلون بجوازه، هل وقع في رسالة محمد ﷺ أو لا؟، فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لهب؛ لأنه كَلَّفه بالإيمان بجملة الشريعة، ومن جملتها أنه لايؤمن؛ لأنه حَكَم عليه بِتَبِّ اليدين، وصُلِيِّ النار، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، فقد كَلَّفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن.
وقالت فرقة: لم يقع قط، وقد حَكَى الإجماع على ذلك، وقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ معناه إن وافى، حكاه ابن عطية. انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّقت هذا الموضوع في "التحفة المرضيّة"، وشرحها "المنحة الرضيّة"، في الأصول، ومختصر ما ذكرته هناك: أن من شروط الفعل المكلّف به أن يكون ممكنًا مقدُورًا عليه؛ لأن المطلوب شرعًا حصول الفعل، ولا يُمكن حصوله إلا بأن يكون متصوّرَ الوقوع، أما المحال فلا يُتصوّر وقوعه.
وجملة القول أن التكليف بما لا يُطاق، أو التكليف بالمحال على قسمين:
стр. 1915
[أحدهما]: المستحيل لذاته، كالجمع بين الضدّين، وهذا غير واقع في الشريعة، ولا يجوز التكليف به إجماعًا؛ لقوله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
[الثاني]: المستحيل لا لذاته، بل. لتعلّق علم الله بأنه لا يوجد، وذلك كإيمان أبي لهب، ونحوه، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرّد ذاته جائز عقلًا الجوازَ الذاتيّ؛ لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلًا عقلًا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالإيمان مع أنه مكلّف به قطعًا إجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلًا الذاتيّ مستحيل من جهة أخرى، وهي تعلّق علم الله تعالى فيما سبق أنه لا يؤمن؛ لاستحالة تغيّر ما سبق به العلم الأزليّ، وهذا النوع من المستحيل يجوز التكليف به شرعًا، وهو واقع بإجماع المسلمين.
وبهذا يتبيّن أنه لا يجوز إطلاق القول في حكم التكليف بما لا يُطاق لا بالجواز ولا بالمنع؛ لأن لفظ التكليف بما لا يطاق من الألفاظ المجملة؛ إذ هو مشتمل على المعنيين المذكورين، وأحدهما حقّ ثابتٌ، وهو المستحيل لا لذاته، بل لتعلّق علم الله بأنه لا يوجد، والآخر باطلٌ لا يَثبُت في الشرع، وهو المستحيل لذاته.
وخلاصة القول: إن شروط المكلّف به له ثلاثة شروط، ذكرتها بقولي:
أُولَى الشُّرُوطِ كَوْنُ ذَا الْفِعْلِ عُدِمْ … وَثَانِهَا كَوْنُهُ أَيْضًا قَدْ عُلِمْ
ثَالِثُهَا كَوْنُهُ مَقْدُورًا عَلَيْهْ … حَتَّى يُحَصَّلَ بِسَعْيِهِ إِلَيْهْ
لِذَلِكَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ … لِذَاتِهِ كَانَ مِنَ الْمُحَالِ
شَرْعًا وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ لَا لِذِي … فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَلْتَحْتَذِي
فَأَوَّلٌ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَضَادْ … وَالثَّانِ إِيمَانٌ لأَصْحَابِ الْعِنَادْ
وَمِنْ هُنَا لَا يُطْلَقُ التَّكْلِيفُ … بِغَيْرِ مَا يُطَاقُ يَا حَصِيفُ
بَلْ يَجِبُ التَّفْصِيلُ مِثْلَ مَا سَبَقْ … ......................
فإن أردت تحقيق هذه الشروط، وتفاصيلها، فراجع "المنحة الرضيّة على التحفة المرضيّة"، تُكْفَ، وتُشفَ بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1916
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٧] (١٢٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أخْبَرَنَا، وَقَالَ الْاَخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْء، لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، وَسَلَّمْنَا"، قَالَ: فَأَلقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: قَدْ فعلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَال: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (آدَمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، مَوْلَى خَالِدٍ) بن خالد بن عُمارة بن الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط (١) القرشيّ الكوفيّ، والد يحيى بن آدم، ثقةٌ (٢) [٧].
رَوَى عن سعيد بن جبير، ونافع، وعطاء، وعنه الثوريّ، وشعبة، وإسرائيل، ولم يدركه ابنه يحيى، قال أبو حاتم: صالخ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، ووثقّه العجليّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس في هذا الكتاب إلا هذا
стр. 1917
الحديث، قال في "التهذيب": أخرج له مسلم حديثًا واحدًا في الإيمان متابعةً. انتهى (١).
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا) أي من الآية (شَيْءٌ) أي شيء عظيم من الشدّة، وهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: "اشتدّ ذلك عليهم".
وقوله: (لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ) "من" زائدة، و"شيء" فاعل بـ "يدخل".
وقوله: (فَأَلقَى اللهُ الإِيمَانَ في قُلُوبِهِمْ) أي التصديق بما أمرهم به النبيّ ﷺ بقوله: "قولوا: سمعنا وأطعنا … إلخ".
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ التكليف إلزام ما في فعله كُلْفة، وهي النصَبُ والمشقّة.
وقوله ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي طاقتها.
وقوله: ﴿إِصْرًا﴾ هو العهد الذي يعجز عنه، قاله ابن عباس، وقال الربيع: هو الثقل العظيم، وقال ابن زيد: هو الذنب الذي لا توبة له، ولا كفّارة.
وقوله: (قَدْ فَعَلْتُ) هو إجابة لما دَعَوا فيه، وإخبار من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدعوات، قال القرطبيّ: وكلّ داع يُشاركهم في إيمانهم، وإخلاصهم، واستسلامهم أجابه الله تعالى كإجابتهم؛ لأن وعده تعالى صدق، وقوله حقّ. انتهى (٢).
وقوله: (﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾) قيل: اعف عن الكبائر (﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾) من الصغائر (﴿وَارْحَمْنَا﴾) بتثقيل الموازين، وقيل: اعف عن الأقوال، واغفر الأفعال، وارحم بتوالي الألطاف، وسَنِيّ الأحوال، قال القرطبيّ: وأصل العفو التسهيل، والمغفرة، والسَّتْر، والرحمة: إيصال النعمة إلى المحتاج. انتهى (٣).
وقوله: (﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾) أي متولّي أمورنا، وناصرنا، والله تعالى أعلم.
стр. 1918
مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵁ هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٠/ ٣٣٧] (١٢٦)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٩٢)، و (النسائيّ) في "التفسير" من "الكبرى" (١٠٩٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٣)، و (الطبريّ) في "تفسيره " (٦٤٥٧)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٢٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٩ و ٢٢٠ و ٢٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٢٧)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٢١٠ - ٢١١)، و (الواحديّ) في "أسباب النزول" (ص ٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦١) - (بَابُ بَيَانِ تَجَاوُزِ اللهِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْخَوَاطِرِ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٨] (١٢٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأمّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة الْخُرَاسانيّ، أبو عثمان المروزيّ، ويقال: الطّالْقَانيّ، يقال: وُلد بِجُوزَجَان، ونَشَأ ببَلْخَ، وطاف البلاد، وسكن مكة، ومات بها، ثقةٌ، مصنّف [١٠].
رَوَى عن مالك، وحماد بن زيد، وأبي قُدَامة الحارث بن عُبيد، وداود بن عبد الرحمن، وابن أبي الزناد، وأبي شهاب، عبد ربه بن نافع، وابن أبي
стр. 1919
حازم، والدَّرَاورديّ، وفُلَيح، ومالك، وأبي الأحوص، وابن عيينة، ومهدي بن ميمون، وهشيم، وأبي عوانة، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة يحيى بن موسى خَتّ، وأبي ثور، وعبد الله الدَّارِميّ، ومحمد بن علي بن ميمون الرّقّيّ، والعباس بن عبد الله السّنديّ، وعَمْرو بن منصور النسائيّ، والذُّهْليّ، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، وحرب الكرمانيّ، وأحمد بن حنبل حَدَّث عنه، وهو حيّ، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، وأبو زرعة الرازيّ، والدمشقيّ، ومحمد بن علي بن زيد الصائغ، وأحمد بن نَجْدة بن الْعَريان، وهما راويا "كتاب السنن" عنه، وبشر بن موسى، وأحمد بن خُلَيد الْحَلَبيّ، وطائفة.
قال حرب: سمعت أحمد يُحسن الثناء عليه، وقال سلمة بن شَبِيب: ذكرته لأحمد، فأحسن الثناء عليه، وفَخَّم أمره، وقال حنبل عن أحمد: هو من أهل الفضل والصدق، وقال ابن نمير، وابن خراش: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ من الْمُتْقِنين الأثبات، ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، وكان محمد بن عبد الرحيم إذا حَدَّث عنه أثنى عليه، وكان يقول: حدثنا سعيد، وكان ثبتًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: أخبرني أحمد بن صالح، وعبد الرحمن بن إبراهيم أنهما حضرا يحيى بن حسان يُقَدِّمه، وَيرَى له حفظه، وكان حافظًا، وقال الحاكم: سكن مكة مجاورًا، وكان راويةَ ابن عُيينة، وأحد أئمة الحديث، له مصنفات، وقال حرب: كتبت عنه سنة (٢١٩)، أملى علينا نحوًا من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صَنّف بعد ذلك، وقال يعقوب بن سفيان: كان إذا رأى في كتابه خطأً لم يَرجِع عنه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جَمَع، وصَنَّف، وكان من المتقنين الأثبات، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ، وقال الخليليّ: ثقةٌ متفق عليه، ووثقه أيضًا مسلمة بن قاسم، وقال يعقوب بن سفيان: كان سعيد، وهو بمكة يقول: لا تسألوني عن حديث حماد بن زيد، فإن أبا أيوب - يعني سليمان بن حرب - يجعلنا على طَبَق، لا تسألوني عن حديث ابن عيينة، فإن هذا الحميدي يجعلنا على طَبَق.
قال ابن سعد وغيره: مات سنة سبع وعشرين ومائتين، زاد ابن يونس:
стр. 1920
في شهر رمضان، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سنة (٦)، وقال غيره: سنة (٨)، وقال موسى بن هارون: سنة (٩)، والصحيح الأول.
وقال ابن يونس: مات بمصر، حَكَى في التهذيب عن ابن يونس، مع ابن سعد وغيرهما: أنه مات بمكة، وقال البخاري في "تاريخه": مات سنة (٢٩)، أو نحوها بمكة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٠) حديثًا.
٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ (١)، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب الْغُبَريّ (٢) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م دس) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ المذكور قبل باب.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (زُرَارَةُ - بضم أوله - ابْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملة، وراءين مفتوحتين، ثم معجمة - أبو حاجب البصريّ القاضي، ثقةٌ عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وتَمِيم الداريّ، وابن عباس، وعمران بن حُصين، وعائشة، والمحفوظ أن بينهما سعد بن هشام، والمغيرة بن شعبة، وأنس، وأُسير بن جابر، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، ومسروق.
وروى عنه قتادة، وداود بن أبي هند، وعوف، وبَهْز بن حكيم، وأيوب، وغيرهم.
قال أبو داود الطيالسيّ: لم يَسمع من ابن مسعود، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العبّاد، ومات في أول قُدوم
стр. 1921
الْحَجّاج العراق في ولاية عبد الملك، وقال العجليّ: بصريّ ثقةُ، رجل صالح، وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبي: هل سمع زُرارة من ابن سلام؟ قال: ما أراه، ولكن يُدخَل في المسند، وقد سمع من عمران، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃.
وقال أبو جَنَابٍ القَصّاب: صلى بنا زُرارة الفجرَ، ولَمّا بَلَغَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾ [المدثر: ٨، ٩] شَهِقَ شَهْقَةً، فمات، وقال ابن سعد: مات فَجْأَةً سنة (٩٣)، وكان ثقةً، وله أحاديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحدي، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه محمد بن عُبيد، فتفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن زرارة.
٤ - (ومنها): أن زُرارة، وسعيد بن منصور هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد ذكرت آنفًا عدد ما رواه المصنّف لهما من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) ووقع عند البخاريّ في "الأيمان والنذور": "حدّثنا زُرارة بن أوفى"، فصرّح قتادة بالتحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال الحافظ: لم أقف على التصريح بسماع زُرارة لهذا الحديث من أبي هريرة، لكنه لم يوصف بالتدليس، فيُحمَل على السماع، وذكر الإسماعيليّ أن الفُرَات بن خالد أدخل بين زُرارة، وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلًا من بني عامر، وهو خطأٌ، فإن زُرَارة من بني عامر، فكأنه كان فيه: "عن زرارة، رجلٍ من بني عامر" فظنّه آخر أُبهم، وليس كذلك. انتهى (١).
стр. 1922
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأمّتِي) وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام الدستوائيّ عن قتادة: "تجاوز عن أمتي" (مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) وفي رواية سعيد بن أبي عروبة التالية: "عما حدّثت به أنفسها"، وفي رواية للبخاريّ: "عما وسوست، أو حدَّثت به أنفسها" بالتردّد، قال في "القاموس": تجاوز عن ذنبه": لم يؤاخذه به. انتهى. فالفعل يتعدّى بحرف الجرّ، كما جاء في رواية ابن أبي عروبة.
قال القرطبيّ: روايتنا: نصب "أنفسها" على أنه مفعول "حَدَّثَت"، وفي "حَدَّثَت" ضمير فاعل عائدٌ على الأمّة، وأهل اللغة يقولون: "أنفُسُها" بالرفع على أنه فاعل "حَدَّثَت"، يريدون بغير اختيار، قاله الطحاويّ. انتهى (١).
وقال في "الفتح": "أنفُسَها" بالنصب للأكثر، وبالرفع لبعضهم، وقال النوويّ: ضبط العلماء "أنفسها" بالنصب، والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر، وأشهر، قال القاضي عياض: "أنفسها" بالنصب، ويدلّ عليه قوله: "إن أحدنا يُحدّث نفسه … "، قال: قال الطحاويّ: وأهل اللغة يقولون: "أنفسُها" بالرفع، يريدون بغير اختيارها، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، والله تعالى أعلم (٢).
وقال السنديّ: قوله: "حدّثت به أنفسها" يحتمل الرفع على الفاعليّة، والنصب على المفعوليّة، والثاني أظهر معنىً، والأول يُجعل كنايةً عما لم تحدّث به ألسنتهم. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما ذُكر أن الرفع والنصب سائغان، يقال: حدّثت نفسي بكذا، وحدّثتني نفسي بكذا، والله تعالى أعلم.
(مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ") الجارّ والمجرور تنازعهما الفعلان: أي ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به، وفي رواية سعيد التالية: "ما لم تعمل، أو تكلّم به".
стр. 1923
و"ما" مصدريّة ظرفيّة: أي مدّة عدم التكلّم به، أو مدّة عدم العمل به.
والمقصود به ما لم يتحقّق في الخارج؛ لأن ما حدّثت به النفس إما أن يتحقّق في الخارج باللسان، كالغيبة، والنميمة، والكذب، والقذف، وإما أن يتحقّق في الخارج بالجوارح الأخرى، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، وليس المقصود من قوله: "ما لم يتكلّموا" ما لم يَحْكُوه، فإن الشخص إذا قال: حدّثتني نفسي بكذا، فحاربتها، لا يكون متكلّمًا بما حدّثته نفسه، ولكنه متكلّم عنه، فلا يدخل في المؤاخذة.
وقال الكرمانيّ: فيه أن الوجود الذهنيّ لا أثر له، وإنما الاعتبار بالوجود القوليّ في القوليّات، والعمليّ في العمليّات، وقد احتجّ به من لا يرى المؤاخذة بما وقع في النفس، ولو عزم عليه، وانفصل من قال: يؤاخذ بالعزم بأنه نوع من العمل - يعني عمل القلب -.
وقال في "الفتح": وظاهر الحديث أن المراد بالعمل عمل الجوارح؛ لأن المفهوم من لفظ: "ما لم يعملوا" يُشعر بأن كلّ شيء في الصدر لا يؤاخذ به، سواء توطّن به، أم لم يتوطّن. انتهى (١).
وقال السنديّ: وقوله: "ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به" صريحٌ في أنه مغفور ما دام لم يتعلّق به قولٌ، أو فعل، فقولهم: إذا صار عزمًا يؤاخذ به مخالفٌ لذلك قطعًا.
ثم حاصل الحديث أن العبد لا يؤاخذ بحديث النفس قبل التكلّم به، والعمل به، وهذا لا ينافي ثبوت الثواب على حديث النفس أصلًا، فمن قال: إنه مُعَارَض بحديث: "مَن همّ بحسنة، فلم يعملها، كُتبت له حسنة"، فقد وَهِم.
بقي الكلام في اعتقاد الكفر، ونحوه، والجواب أنه ليس من حديث النفس، بل هو مندرجٌ في العمل، وعملُ كلّ شيء على حسبه، ونقول: الكلام فيما يتعلّق به تكلّمٌ، أو عملٌ، بقرينة "ما لم يتكلّموا … إلخ"، وهذا ليس منهما، وإنما هو من أفعال القلب، وعقائده، لا كلام فيه، فليتأمّل، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
стр. 1924
وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦١/ ٣٣٨ و ٣٣٩ و ٣٤٠] (١٢٧)، و (البخاريّ) في "العتق" (٢٥٢٨)، و"الطلاق" (٥٢٦٩)، و"الأيمان والنذور" (٦٦٦٤)، و (أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٠٩)، و (الترمذيّ) في "الطلاق" (١١٨٣)، و (النسائيّ) في "الطلاق" (٣٤٦٥ و ٣٤٦١ و ٣٤٦٢)، وفي "الكبرى" (٥٦٢٦ و ٥٦٢٧ و ٥٦٢٨)، و (ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٤٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٩١ و ٢/ ٢٥٥ و ٣٩٣ و ٤٢٥ و ٤٧٤ و ٤٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٤ و ٢٢٥ و ٢٢٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٢٨ و ٣٢٩ و ٣٣٠ و ٣٣١ و ٣٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن حديث النفس لا ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): بيانُ عظيم قدر الأمة المحمّدية؛ لأجل نبيّها ﷺ ؛ لقوله: "تجاوز لي".
٣ - (ومنها): أن هذا خصوصيّة لهذه الأمة، لا يُشاركها فيه غيرها من الأمم، بل صرّح بعضهم بأنه كان الناسي كالعامد في الإثم، وأن ذلك من الإصر الذي كان على من قبلنا، وتؤيّده أحاديث الباب الماضي.
٤ - (ومنها): أن من طلّق زوجته في نفسه لا يقع طلاقها.
٥ - (ومنها): أنه حجة في أن الموسوس لا يقع طلاقه، والمعتوه، والمجنون أولى منه بذلك.
стр. 1925
٦ - (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ بهذا الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ، ونوى في نفسه ثلاثًا أنه لا يقع إلا واحدةً - خلافًا للشافعيّ، ومن وافقه - قال: لأن الخبر دلّ على أنه لا يجوز وقوع الطلاق بنيّة، لا لفظ معها.
وتُعُقّب بأنه لفظ بالطلاق، ونوى الفرقة التامّة، فهي نيّةٌ صحبها لفظٌ.
٧ - (ومنها): أن الطحاويّ احتجّ به أيضًا لمن قال فيمن قال لامرأته: يا فلانة، ونوى بذلك طلاقها إنها لا تطلّق، خلافًا لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنيّة، دون اللفظ، ولم يأت بصيغة، لا صريحة، ولا كناية.
٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن من كتب الطلاق طلّقت امرأته؛ لأنه عزم بقلبه، وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالكٌ فيه الإشهاد على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال في "الفتح" نقلًا عن المازريّ: ذهب ابن الباقلّانيّ - يعني ومن تبعه - إلى أن من عزم على المعصية بقلبه، ووَطّن عليها نفسه أنه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمن همّ بسيّئة، ولم يعملها على الخاطر الذي يمرّ بالقلب، ولا يستقرّ.
قال المازريّ: وخالفه كثير من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ونقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده قوله في حديث أبي هريرة فيما أخرجه مسلم، من طريق همّام عنه بلفظ: "فأنا أغفرها له ما لم يعملها"، فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها.
وتعقّبه عياض بأن عامّة السلف، وأهل العلم على ما قال ابن الباقلّانيّ؛ لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، لكنّهم قالوا: إن العزم على السيّئة يُكتب سيّئةً مجرّدة، لا السيّئة التي همّ أن يعملها، كمن يأمر بتحصيل معصية، ثم لا يفعلها بعد حصولها، فإنه يأثم بالأمر المذكور، لا بالمعصية.
ومما يدلّ على ذلك حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". والذي يظهر أنه من هذا الجنس، وهو أنه يُعاقب على عزمه بمقدار ما يستحقّه، ولا يُعاقب عقاب من باشر القتل حسًّا.
وهنا قسم آخر، وهو من فعل المعصية، ولم يتب منها، ثمّ همّ أن يعود
стр. 1926
إليها، فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك، وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾، ويؤيّده أن الإصرار معصية اتفاقًا، فمن عزم على المعصية، وصمّم عليها كتبت عليه سيّئةً، فإذا عملها كُتبت عليه معصيةً ثانيةً.
قال النوويّ: وهذا ظاهرٌ حسنٌ، لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقرّ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]، وغير ذلك.
وقال ابن الجوزيّ: إذا حدّث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم، وصمّم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على التفريق بين الهمّ والعزم أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صمّم على قطعها بطلت.
وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلّة بالمعصية، لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وبين ما هو بالوسيلة.
وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها أن يخطُر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوّ عنه، وهو دون التردّد.
وفوقه أن يتردّد فيه، فيهمّ به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمّ به، ثم يترك كذلك، ولا يستمرّ على قصده، وهذا هو التردّد، فيُعفى عنه أيضًا.
وفوقه أن يميل إليه، ولا ينفر منه، بل يُصمّم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهمّ، وهو على قسمين:
[القسم الأول]: أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا، كالشكّ في الوحدانيّة، أو النبوّة، أو البعث، فهذا كفر، ويُعاقب عليه جزمًا.
ودونه المعصية التي لا تَصِلُ إلى الكفر، كمن يُحبّ ما يُبغض الله، ويُبغض ما يُحبّ الله، ويُحبّ للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم.
ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد، وفي بعض هذا
стр. 1927
خلاف، فعن الحسن البصريّ: أن سوء الظنّ بالمسلم، وحسده معفوّ عنه، وحملوه على ما يقع في النفس، مما لا يقدر على دفعه.
لكن من يقع له ذلك مأمورٌ بمجاهدته النفس على تركه.
[القسم الثاني]: أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع به النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا.
ونُقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده ما وقع في حديث خُريم بن فاتك (١)، فإنه حيث ذكر الهمّ بالحسنة قال: "علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها"، وحيث ذكر الهمّ بالسيّئة لم يقيّد بشيء، بل قال فيه: "ومن همّ بسيّئة لم تُكتب عليه"، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمّم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوريّ: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك.
واستدلّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وحملوا حديث أبي هريرة المذكور في الباب على الخطرات، كما تقدّم.
ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصّةً،
стр. 1928
بنحو الهمّ والغمّ. وقالت طائفة: بل يُعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب.
وهذا قول ابن جُريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونُسب ذلك إلى ابن عبّاس أيضًا. واستدلّوا بحديث النجوى (١)، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكيّ، ولو لم يُصمّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ذكره السدّيّ في "تفسيره" عن مرّة، عن ابن مسعود ﷺ ، وأخرجه أحمد من طريقه، مرفوعًا، ومنهم من رجّحه موقوفًا.
ويؤيّد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه، خالف الواجب بانتهاك حرمته.
وتُعُقّب هذا البحثُ بأن تعظيم الله اَكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه؟.
ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشدّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى.
نعم، من همّ بالمعصية، قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية الله، قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفوّ عنه من همّ بمعصية، ذاهلًا عن قصد الاستخفاف.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا تفصيلٌ جيدٌ جدًّا، ينبغي أن يُستحضر عند شرح حديث: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن … ".
стр. 1929
وقال السبكيّ الكبير رحمه الله تعالى: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس، وحديمث النفس لا يؤاخذ بهما؛ للحديث المشار إليه، والهمّ، وهو قصد فعل المعصية مع التردّد لا يؤاخذ به؛ لحديث الباب، والعزم، وهو قوّة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردّد، قال المحقّقون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجّ بقول أهل اللغة: همّ بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلّة الأول حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما … " وفيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فعلّل بالحرص.
واحتجّ بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين:
[أحدهما]: لا يتعلّق بفعل خارجيّ، وليس البحث فيه.
[والثاني]: يتعلّق بالمقتتلين، عزم كلّ منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل، أم لا. انتهى.
قال الحافظ: ولا يلزم من قوله: "فالقاتل والمقتول في النار" أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق (١).
وقال القرطبيّ ما حاصله: إن الذي لا يؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة التي لا ثبات لها، ولا استقرار في النفس، ولا ركون إليها، ثم نقل عن القاضي أبي بكر (٢) أن الهمّ ها هنا ما يمرّ بالفكر من غير استقرار، ولا توطين، فلو استمرّ، ووطّن نفسه عليه لكان ذلك هو العزم المؤاخَذَ به، أو المثابَ عليه، بدليل قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، متّفقٌ عليه، لا يقال: هذه المؤاخذة إنما كانت لأنه قد عَمِل بما استقرّ في قلبه من حمله السلاح عليه، لا بمجرّد حرص القلب؛ لأنا نقول: هذا فاسدٌ؛ لأنه ﷺ قد نصّ على ما وقعت المؤاخذة به، وأعرض عن غيره، فقال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه، فلو كان حملُ السلاح هو العلّة
стр. 1930
للمؤاخذة، أو جزأها لما سكت عنه، وعلَّق المؤاخذة على غيره؛ لأن ذلك خلاف البيان الواجب عند الحاجة إليه.
وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف، وأهل العلم من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ولا يُلتَفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطّن نفسه عليه لا يؤاخذ به، متمسّكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله ﷺ : "ما لم يعمل، أو يتكلّم به"، ومن لم يعمل بما عَزَم عليه، ولا نَطَقَ به، فلا يؤاخذ به، وهو متجاوَزٌ عنه.
والجواب عن الآية: أن من الهمّ ما يؤاخذ به، وهو ما استقرّ، واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقرّ، فلا يؤاخذ بها، كما شهد به الحديث، وما في الآية من القسم الثاني، لا الأول، وفي الآية تأويلات، هذا أحدها، وبه يحصل الانفصال.
وعن قوله: "ما لم يَعمل" أن توطين النفس عليه عملٌ يؤاخذ به، والذي يرفع الإشكال، ويُبيّن المراد بهذا الحديث حديث أبي كبشة الأنماريّ (١) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما الدنيا لأربعة نفر … " الحديث (٢).