إليها، فإنه يعاقب على الإصرار، كما جزم به ابن المبارك، وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾، ويؤيّده أن الإصرار معصية اتفاقًا، فمن عزم على المعصية، وصمّم عليها كتبت عليه سيّئةً، فإذا عملها كُتبت عليه معصيةً ثانيةً.
قال النوويّ: وهذا ظاهرٌ حسنٌ، لا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشريعة بالمؤاخذة على عزم القلب المستقرّ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢]، وغير ذلك.
وقال ابن الجوزيّ: إذا حدّث نفسه بالمعصية لم يؤاخذ، فإن عزم، وصمّم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب، قال: والدليل على التفريق بين الهمّ والعزم أن من كان في الصلاة، فوقع في خاطره أن يقطعها لم تنقطع، فإن صمّم على قطعها بطلت.
وأجيب عن القول الأول بأن المؤاخذة على أعمال القلوب المستقلّة بالمعصية، لا تستلزم المؤاخذة على عمل القلب بقصد معصية الجارحة، إذا لم يعمل المقصود؛ للفرق بين ما هو بالقصد، وبين ما هو بالوسيلة.
وقسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا يظهر منها الجواب عن الثاني، أضعفها أن يخطُر له، ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفوّ عنه، وهو دون التردّد.
وفوقه أن يتردّد فيه، فيهمّ به، ثم ينفر عنه، فيتركه، ثم يهمّ به، ثم يترك كذلك، ولا يستمرّ على قصده، وهذا هو التردّد، فيُعفى عنه أيضًا.
وفوقه أن يميل إليه، ولا ينفر منه، بل يُصمّم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهمّ، وهو على قسمين:
[القسم الأول]: أن يكون من أعمال القلوب صِرْفًا، كالشكّ في الوحدانيّة، أو النبوّة، أو البعث، فهذا كفر، ويُعاقب عليه جزمًا.
ودونه المعصية التي لا تَصِلُ إلى الكفر، كمن يُحبّ ما يُبغض الله، ويُبغض ما يُحبّ الله، ويُحبّ للمسلم الأذى بغير موجب لذلك، فهذا يأثم.
ويلتحق به الكبر، والعجب، والبغي، والمكر، والحسد، وفي بعض هذا
стр. 1927
خلاف، فعن الحسن البصريّ: أن سوء الظنّ بالمسلم، وحسده معفوّ عنه، وحملوه على ما يقع في النفس، مما لا يقدر على دفعه.
لكن من يقع له ذلك مأمورٌ بمجاهدته النفس على تركه.
[القسم الثاني]: أن يكون من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، فهو الذي وقع به النزاع، فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلًا.
ونُقل عن نصّ الشافعيّ، ويؤيّده ما وقع في حديث خُريم بن فاتك (١)، فإنه حيث ذكر الهمّ بالحسنة قال: "علم الله أنه أشعرها قلبه، وحرص عليها"، وحيث ذكر الهمّ بالسيّئة لم يقيّد بشيء، بل قال فيه: "ومن همّ بسيّئة لم تُكتب عليه"، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه.
وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمّم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوريّ: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك.
واستدلّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وحملوا حديث أبي هريرة المذكور في الباب على الخطرات، كما تقدّم.
ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصّةً،
стр. 1928
بنحو الهمّ والغمّ. وقالت طائفة: بل يُعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب.
وهذا قول ابن جُريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونُسب ذلك إلى ابن عبّاس أيضًا. واستدلّوا بحديث النجوى (١)، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكيّ، ولو لم يُصمّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ذكره السدّيّ في "تفسيره" عن مرّة، عن ابن مسعود ﷺ ، وأخرجه أحمد من طريقه، مرفوعًا، ومنهم من رجّحه موقوفًا.
ويؤيّد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه، خالف الواجب بانتهاك حرمته.
وتُعُقّب هذا البحثُ بأن تعظيم الله اَكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فكيف يؤاخذه بما دونه؟.
ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة الله؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشدّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى.
نعم، من همّ بالمعصية، قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية الله، قاصدًا الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفوّ عنه من همّ بمعصية، ذاهلًا عن قصد الاستخفاف.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا تفصيلٌ جيدٌ جدًّا، ينبغي أن يُستحضر عند شرح حديث: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن … ".
стр. 1929
وقال السبكيّ الكبير رحمه الله تعالى: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس، وحديمث النفس لا يؤاخذ بهما؛ للحديث المشار إليه، والهمّ، وهو قصد فعل المعصية مع التردّد لا يؤاخذ به؛ لحديث الباب، والعزم، وهو قوّة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردّد، قال المحقّقون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجّ بقول أهل اللغة: همّ بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلّة الأول حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما … " وفيه: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فعلّل بالحرص.
واحتجّ بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين:
[أحدهما]: لا يتعلّق بفعل خارجيّ، وليس البحث فيه.
[والثاني]: يتعلّق بالمقتتلين، عزم كلّ منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل، أم لا. انتهى.
قال الحافظ: ولا يلزم من قوله: "فالقاتل والمقتول في النار" أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق (١).
وقال القرطبيّ ما حاصله: إن الذي لا يؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة التي لا ثبات لها، ولا استقرار في النفس، ولا ركون إليها، ثم نقل عن القاضي أبي بكر (٢) أن الهمّ ها هنا ما يمرّ بالفكر من غير استقرار، ولا توطين، فلو استمرّ، ووطّن نفسه عليه لكان ذلك هو العزم المؤاخَذَ به، أو المثابَ عليه، بدليل قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، متّفقٌ عليه، لا يقال: هذه المؤاخذة إنما كانت لأنه قد عَمِل بما استقرّ في قلبه من حمله السلاح عليه، لا بمجرّد حرص القلب؛ لأنا نقول: هذا فاسدٌ؛ لأنه ﷺ قد نصّ على ما وقعت المؤاخذة به، وأعرض عن غيره، فقال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه، فلو كان حملُ السلاح هو العلّة
стр. 1930
للمؤاخذة، أو جزأها لما سكت عنه، وعلَّق المؤاخذة على غيره؛ لأن ذلك خلاف البيان الواجب عند الحاجة إليه.
وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامّة السلف، وأهل العلم من الفقهاء، والمحدّثين، والمتكلّمين، ولا يُلتَفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يَهُمُّ به الإنسانُ، وإن وطّن نفسه عليه لا يؤاخذ به، متمسّكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وبقوله ﷺ : "ما لم يعمل، أو يتكلّم به"، ومن لم يعمل بما عَزَم عليه، ولا نَطَقَ به، فلا يؤاخذ به، وهو متجاوَزٌ عنه.
والجواب عن الآية: أن من الهمّ ما يؤاخذ به، وهو ما استقرّ، واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقرّ، فلا يؤاخذ بها، كما شهد به الحديث، وما في الآية من القسم الثاني، لا الأول، وفي الآية تأويلات، هذا أحدها، وبه يحصل الانفصال.
وعن قوله: "ما لم يَعمل" أن توطين النفس عليه عملٌ يؤاخذ به، والذي يرفع الإشكال، ويُبيّن المراد بهذا الحديث حديث أبي كبشة الأنماريّ (١) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما الدنيا لأربعة نفر … " الحديث (٢).
стр. 1931
انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم أن الأرجح في هذه المسألة أن ما يخطر في القلب على قسمين:
[أحدهما]: الهواجس التي لا تستقرّ، فهي التي لا مؤاخذة بها، وهي المرادة بحديث الباب: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت بة أنفسها"، وعليه محمل آية قصّة يوسف، فإنه من هذا القبيل.
[والثاني]: ما يستقرّ في النفس، ويعزم به الإنسان، ويوطّن عليه نفسه، فهذا القسم يؤاخذ به؛ لأنه عمل القلب، فيشمله قوله ﷺ : "ما لم تعمل"، فإنه إذا عزم، ووطّن نفسه عليه، فهذا عمل القلب، ومنه حديث: "فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه"، فهذا التفصيل هو الذي به تجتمع الأدلّة المختلفة في هذا الباب.
وحاصله أن مجرّد الهواجس لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بالعزم، والهمّ القويّ، والحرص على تنفيذ ما همّ به، وكذلك أفعال القلوب التي لا خارج لها، مثل الحسد، وسوء الظنّ، والحقد، ونحو ذلك، فإنه يؤاخذ بها أيضًا؛ فقد تظاهرت نصوص الشرع الكثيرة على المؤاخذة بعزم القلب المستقرّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] الآية، وقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، والآيات والأخبار في هذا كثيرة، وتظاهرت نصوص الشرع، وإجماع العلماء على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بهم، وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 1932
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٣٩] ( … ) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (ح) وَحَذَثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأمّتي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (عبدة بن سليمان) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زُرَارة بن عبد الرحمن بن صُرَد بن سُمَير بن مليل بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، أدرك صُرَد الإسلامَ، وأسلم، ثقةٌ ثبت [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وأبي إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، والثوري، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى الرازي، وعمرو الناقد، وأبو الشعثاء علي بن الحسن، ومحمد بن سلام البيكندي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وهناد بن السري، وأبو سعيد الأشج، وإبراهيم بن مُجَشّر، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وزيادة، مع صلاح في بدنه، وكان
стр. 1933
شديد الفقر. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو عبدة بن سليمان؟ قال: ما منهما إلا ثقةٌ. وقال العجلي: ثقةٌ رجل صالح، صاحب قرآن يُقْرِئ. وقال الميموني عن أحمد: قدمت الكوفة سنة (١٨٨) وقد مات عبدة سنة سبع وثمانين ومائة قبل قدومي بسنة. وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، مات في رجب سنة (١٨٨)، وكذا أرخه ابن نمير، لكنه قال: في جمادى الثانية. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث جدًّا، مات في رجب سنة (١٨٧). وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي وأبو زرعة، عن عبدة، ويونس بن بكير، وسلمة بن الفضل، أيهم أحب إليكم في ابن إسحاق؟ فقالا: عبدة بن سليمان. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ، مسلم صدوق. وقال الدارقطني: ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثًا.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، يدلّس، وتغير بآخره [٦] (ت ١٥٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٦ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار، بُندار العبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٧ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله "تتكلّم"، فحُذفت منه إحدى التاءين، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَهِشَامٌ (ح) وَحَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
стр. 1934
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (مِسْعَرٌ) بن كِدَام بن ظُهَير بن عُبَيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن صَعْصَعَة الهلاليّ العامريّ الرَّوّاسيّ، أبو سلمة الكوفيّ، أحد الأعلام، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (هِشَامٌ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٥ - (زَائِدَة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْتِ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٦ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني أن جميع الثلاثة، وهم: مِسْعرٌ، وهشام الدستوائيّ، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي رووا هذا الحديث عن قتادة بسنده الماضي، وهو عن زرارة، عن أبي هريرة، مثل المتن السابق.
[تنبيه]: رواية مسعر، وهشام ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٩٨٧٨) حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام ومسعر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال هشام: قال رسول الله ﷺ ، ووقفه مسعر، قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تَعْمَل به، أو تكلم".
وأما رواية شيبان النحويّ، فقد ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٣٣٨١) أخبرني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حسين الجعفيّ، عن زائدة، عن شيبان، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم، أو تعمل به"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 1935
(٦٢) - (بَابُ إِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِحَسَنَةٍ كُتِبَتْ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤١] (١٢٨) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْه، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتبوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتبوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتبوهَا عَشْرًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه المذكور قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظ فقيه إمام حجة، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبت فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
стр. 1936
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، على ما روي عن الإمام البخاريّ (١).
٦ - (ومنها): أن أبا الزناد لقب بصورة الكنية، غلب عليه، وكان يغضب منه (٢)، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما سبق آنفًا.
٧ - (ومنها): أن فيه قولَه: "واللفظ لأبي بكر" يعني: أن لفظ متن الحديث الذي ساقه هنا هو لفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة، وأما الشيخان الآخران فرولاه بمعناه.
٨ - (ومنها): أن فيه قولَه: "قال إسحاق: أخبرنا سفيان، وقال الآخران: حدثنا ابن عيينة"، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في صيغ الأداء؛ لاختلاف أخذهم، فإسحاق بن راهويه قال: "أخبرنا سفيان"، فعبّر بالإخبار بصيغة الجمع؛ لأنه سمع الحديث، عن سفيان بقراءة غيره عليه، وسمّى شيخه باسمه، وأما أبو بكر، وزهير، فقالا: "حدّثنا ابن عيينة"، فعبّرا بالتحديث بصيغة الجمع؛ لأنهما سمعاه من لفظ سفيان مع جماعة، وكنيا شيخهما ابن عيينة، وقد سبق غير مرّة أن هذا من تدقيقات المصنّف، واحتياطه، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ هذا هو الذي يقال له الحديث القدسيّ (إِذَا هَمَّ) أي قصد، قال الفيّوميّ: الْهَمّ بالفتح: أول العَزيمة، قال ابن فارس: الهَمّ: ما هَمَمتَ به، وهَمَمتُ بالشيء هَمًّا، من باب قتل: إذا أردته، ولم تفعله. انتهى (٣). (عَبْدِي) وكذا أمته، فليس التنصيص على العبد للتخصيص، فالحكم للذكر والأنثى (بِسَيئَةٍ، فَلَا تَكْتبوهَا عَلَيْهِ) زاد في رواية البخاريّ: "حتى يعملها"، قال في "الفتح": استَدَلّ بمفهوم الغاية في قوله: "فلا تكتبوها حتى يعملها"، وبمفهوم الشرط في قوله: "فإذا عملها، فاكتبوها له بمثلها" من قال: إن العزم على فعل المعصية لا يُكتب سيئة حتى يقع العمل، ولو بالشروع. انتهى (٤).
стр. 1937
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الراجح أن العزم على فعل المعصية، والتصميم عليه يُكتب إثمًا، وأما الهمّ الذي ذكر في هذا الحديث، فهو حديث النفس الذي لا يستقرّ، فإنه مغفور، فراجع ما سبق، تستفد علمًا، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً) أي واحدةً، وفي رواية البخاريّ: "فاكتبوها بمثلها" (وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً) أي واحدةً (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي الحسنة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا) هذا أقل التضعيف، وسيأتي في الروايات الآتية: "تُكتب بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضِعف"، وفي حديث ابن عبّاس ﵁: "كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤١ و ٣٤٢] (١٢٨) و [٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩) و [٦٢/ ٣٤٤] (١٣٠)، و (البخاريّ) في "التوحيد" (٧٥٠١)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢ و ٣١٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩ و ٣٨٠ و ٣٨١ و ٣٨٢ و ٣٨٣ و ٣٨٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٧٥ و ٣٦٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٩ و ٢٤٠ و ٢٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٣٣ و ٣٣٤ و ٣٣٥ و ٣٣٦ و ٣٣٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤١٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كرم الله على عباده، وذلك بأنه يعفو عنهم ما همّوا به من السيّئات، فلا يُكتب شيءٌ منها، فإن تجرّؤوا على عملها عفا عنهم أيضًا عن مضاعفة العقاب عليهم، فلا يُجازيهم إن جازاهم إلا على سيئة واحدة.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله على عباده أيضًا، حيث يكتب لهم ما
стр. 1938
همّوا به من الحسنات، وإن لم يعملوها، فإن وفّقهم لعملها، فعملوها، فإنه يتفضّل عليهم بمضاعفتها إلى عشر أمثالها، ثم إلى أضعاف كثيرة، كما قال : ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
٣ - (ومنها): إثبات أن الملائكة يعلمون ما يُضمره العبد من الحسنات والسيّئات، وينويه، فلذلك قال في الرواية الآتية: "قالت الملائكة: ربّ ذاك عبد يُريد أن يعمل سيّئة … " الحديث، فقد أخبروا ربهم بما علموه من نيّة العبد السيّئة.
٤ - (ومنها): إثبات أنهم يكتبون أعمال العباد كلها، عملوها، أو لم يعملوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٢] ( … ) -) حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقتيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ العَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبْتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ أكتبهَا عَلَيْه، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٥.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزّرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
стр. 1939
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنيّ الْحُرقيّ مولاهم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
وشرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٣] (١٢٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنا أَكْتبهَا بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِاَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَاِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، وَهُوَ أَبْصَرُ بِه، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتموهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتموهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا، تُكتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى يَلْقَى الله").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بن أبي زيد، واسمه سابور الْقُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت هـ ٢٤) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، تغير في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 1940
٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُقبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن قوله: "هذا ما حدَّثنا أبو هريرة … إلخ" إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وفيه إشارة إلى القاعدة المشهورة عند المحدّثين، وهو أن النُّسَخَ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، كنسخة همام بن منبّه، عن أبي هريرة المذكورة، منهم من يجدد الإسناد، فيذكره أوّلَ كل حديث منها، وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم، ومنهم من يَكتفي به في أول حديث منها، أو أول كلِّ مجلس من سماعها، ويُدرج الباقي عليه قائلًا في كل حديث بعد الحديث الأول: "وبالإسناد"، أو "وبه"، وهو الأغلب الأكثر.
فمن سَمِع هكذا، فأراد رواية غير الأول مُفْرَدًا عنه بإسناده كما فعل المصنّف في هذا الحديث جاز له ذلك، عند الأكثرين، منهم وكيع، وابن معين، والإسماعيليّ؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله.
ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ وغيره، كبعض أهل الحديث، ورأوا ذلك تدليسًا.
فعلى هذا، فالأولى له أن يُبَيِّن كما يفعله المصنّف في كتابه هذا، فيقول: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن هَمّام بن منبّه، قال:
стр. 1941
هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ ، وذكر أحاديث، منها:
وقال رسول الله ﷺ : "إن أدنى مقعد أحدكم … "، وذكر الحديث، وهكذا اطّرد له هذ الأسلوب في كتابه كلّه، وكذا فعله كثير من المؤلفين.
وأما البخاريّ، فإنه لم يسلك قاعدة مُطَّردةً، فتارةً يذكر أول حديث في النسخة، وَيعْطِف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله، كقوله في "كتاب الطهارة": حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون"، وقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم … " الحديث، فأشكل على قوم ذكره: "نحن الآخرون السابقون" في هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه، وتارة يَقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كِلا الأمرين جائز.
واما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب أو الجزء، فلا يرفع هذا الخلاف الذي يَمنَع إفراد كل حديث بذلك الإسناد، ثم روايتها؛ لكونه لا يقع متصلًا بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطًا، وإجازةً بالغة من أعلى أنواعها، قاله في "التدريب" (١).
وقال في "الفتح" عند شرح هذا الحديث، ما نصّه: وهذا الحديث من نسخة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد عن عبد الرزّاق، عن معمر، عنه، وقد اختَلَف العلماء في إفراد حديث من نسخة، هل يُساق بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأ به، أو لا؟ فالجمهور على الجواز، ومنهم البخاريّ، وقيل: يمتنع، وقيل: يَبدأ أبدًا بأول حديث، ويذكر بعده ما أراد، وتوسّط مسلم، فأتى بلفظ يُشعر بأن المفرد من جملة النسخة، فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: "فذَكَرَ أحاديث، منها كذا"، ثم يذكر أيَّ حديث أراد منها. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1942
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّام) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المشدد، أنه (قَالَ: هَذَا) أي الحديث الآتي، فاسم الإشارة مبتدأ، وقوله: (مَا) موصولة بمعنى "الذي" خبر المبتدأ (حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) صلة "ما"، وحُذِف العائدُ جوازًا، كما قال في "الخلاصة":
...................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كـ"مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
(عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ ﷺ ) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) الضمير لهمّام بن منبّه (مِنْهَا) الضمير للأحاديث، وسقط من بعض النسخ قوله: "فذكر أحاديث منها"، فقوله: "منها" جار ومجرور خبر مقدّم لقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) فـ "قال … إلخ" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه.
والمعنى أن من جملة تلك الأحاديث قوله: قال رسول الله ﷺ … إلخ.
("قَالَ اللهُ : إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي) هو بمعنى ما سبق: "إذا همّ عبدي" (بِأنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأنا كتُبُهَا لَهُ) أي آمر الملائكة بكتابتها، كما بيّنه فيما يأتي بلفظ: "فاكتبوها له" (حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ) تلك الحسنة التي تحدّث بها (فَإِذَا عَمِلَهَا فَأنا كتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إذ الحسنة بعشر أمثالها (وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأنا أغْفِرُهَا لَهُ) أي أسترها عن أعين الملائكة، فلا يكتبونها (مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإذَا عَمِلَهَا فَأنا أكتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا") أي سيّئة واحدةً، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ) منادى بحذف حرف النداء، جوازًا، قال الحريريّ في "ملحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
وقال في "الخلاصة":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
(ذَاكَ) إشارة إلى من حدّث نفسه بسيّئة (عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً) أي يُحدّث نفسه بذلك (وَهُوَ) أي الله (أَبْصَرُ بِهِ) أي هو أشدّ بصرًا من هؤلاء
стр. 1943
الملائكة بهذا العبد الذي حدّث نفسه بالسيّئة، وهذه الجملة اعتراضيّة، لا محلّ لها من الإعراب، جيء بها لرفع إيهام أن إخبارهم له لإفادة العلم (فَقَالَ: ارْقُبُوهُ) أي انظروا ماذا يفعل بعده؟، انتظروا أمره، يقال: رَقَبتُهُ أرقُبه، من باب نصر: حفِظته، فأنا رقيبٌ، ورقَبتُهُ، وترقّبته، وارتقبته: انتظرته (١). (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا) أي سيّئةً واحدةً (وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) أي واحدةً (إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ) أي من أجلي، يقال: فعلتُهُ من جَرَاكَ، ومن جَرَائِكَ - بفتح الجيم، وتخفيف الراء، مقصورةً، وتُمَدُّ -: أي من أجلك، كجَرّاك، بتشديد الراء، ومنه قول أبي النجم [من الرجز]:
فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاهَا (٢)
قال القرطبيّ: قوله: "من جرّاي" فيه لغتان: المدّ والقصر، ومنه الحديث: "دخلت امرأة النار من جرّاء هرّة" (٣) أي من أجل، وهي مشدّدة الراء في اللغتين، وقد تخفّف معهما.
ومقصود هذا الحديث أن الترك للستئة لا يُكتب حسنةً إلا إذا كان خوفًا من الله تعالى، أو حياءً من الله تعالى، وأيُّهما كان، فذلك الترك هو التوبة من ذلك الذنب، وإذا كان كذلك فالتوبة عبادة من العبادات، إذا حَصَلت بشروطها أذهبت السيّئات، وأعقبت الحسنات. انتهى كلام القرطبيّ (٤).
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وإنما ذكره بلفظ المذكّر تغليبًا، وكذا الخطاب ليس مقصودًا، بل يعمّ الغائبين، ولذا جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عند البخاريّ معلّقًا بلفظ: "إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه … " الحديث (إِسْلَامَهُ) أي إذا صار إسلامه إسلامًا حقيقيًّا، وليس كإسلام المنافقين، وذلك أن يكون حسنًا باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربّه
стр. 1944
منه، واطّلاعه عليه، كما دَلَّ عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل؛ المتقدّم.
وقال في "الفتح": قوله: "إذا أحسن أحدكم إسلامه"، كذا للبخاريّ ومسلم وغيرهما، ولإسحاق بن راهويه في "مسنده" عن عبد الرزاق: "إذا حَسُنَ إسلام أحدكم"، وكأنه رواه بالمعنى؛ لأنه من لوازمه، ورواه الإسماعيليّ من طريق ابن المبارك، عن معمر كالأول، والخطاب "بأحدكم" بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عامّ لهم، ولغيرهم باتّفاق، وإن حصل التنازع في كيفيّة التناول، أهي بالحقيقة اللغويّة، أو الشرعيّة، أو بالمجاز؟. انتهى (١). (فَكُلُّ حَسَنَةٍ) هذه العبارة تشعر بأن اللام في رواية أبي سعيد الخدريّ ﵁ عند البخاريّ معلّقًا: "الحسنة بعشر أمثالها" للاستغراق (يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهية إلى سبعمائة ضعف، وحكى الماورديّ: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، ورُدّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وأصرح منه حديث ابن عبّاس ﵁ الآتي بلفظ: "كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ" (وَكُلُّ سيِّئةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتى يَلْقَى اللهَ) زاد في حديث أبي سعيد ﵁ المذكور: "إلا أن يتجاوز الله عنها"، وفي "فوائد سمويه": "إلا أن يغفر الله، وهو الغفور"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا ثلاثة أجزاء، ساقه المصنف مساقًا واحدًا، فأما الجزء الأول، وهو قوله: "قال الله : إن تحدّث عبدي … "، فقد تقدّم قبل حديث أنه متّفق عليه، وأما الجزء الثاني، وهو قوله: "وقال الله ﷺ : قالت الملائكة"، فإنه من أفراد المصنّف، وأما
стр. 1945
الجزء الأخير، وهو قوله: "وقال رسول الله ﷺ : إذا أحسن أحدكم إسلامه … "، الحديث، فهو متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أما الجزء الأول، فقد سبق تخريجه قبل حديث، وأما الجزء الثاني، فأخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٧، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٣٥)، وهو في "صحيفة همّام بن منبّه" (١٠٦).
وأما الجزء الأخير، فمتّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩)، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٣٥)، وهو في "صحيفة همام" (١٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه قولَه: "قال الله "، وهذا هو النوع المسمّى بالحديث القدسيّ، وقد قيل في الفرق بينه وبين الحديث النبويّ: إن الحديث القدسيّ لفظه ومعناه من عند الله تعالى، والحديث النبويّ لفظه من عند الرسول ﷺ ، ومعناه من عند الله تعالى، وإن الحديث القدسيّ يُسند إلى الله تعالى، فيقال عنه: قال الله تعالى، والحديث النبويّ يُسند إلى النبيّ ﷺ ، والفرق بين القرآن الكريم، والحديث القدسيّ بناء على هذا أن القرآن متواترٌ، يكفر من جحد شيئًا منه، بخلاف الحديث القدسيّ، وأن القرآن قُصِد بلفظه التحدّي، والإعجاز، بخلاف الحديث القدسيّ، وإن كان في أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يُتَعَبَّدُ بتلاوته في الصلاة وغيرها، بخلاف الحديث القدسيّ، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان فضل الله على عبده المؤمن، حيث يكتب له ما حدّث به نفسه من الحسنة، ويعفو عنه نظيرها من السيّئة.
٣ - (ومنها): بيان تضعيف الحسنة بعشر أمثالها.
٤ - (ومنها): إثبات حفظ الملائكة لبني آدم، ومراقبتهم لأعمالهم كلّها، قال في "الفتح": فيه دليلٌ على أن الملك يَطَّلع على ما في قلب الآدميّ، إما
стр. 1946
بإطلاع الله تعالى إياه، أو بأن يخلُق له علمًا يُدْرِك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا، عن أبي عِمران الْجَوْنيّ، قال: "يُنادَى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه"، وقيل: بل يجد الملك للهَمّ بالسيئة رائحةً خبيثةً، وبالحسنة رائحةً طيبةً، وأخرج ذلك الطبريّ، عن أبي معشر المدنيّ، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، قال الحافظ: ورأيت في شرح مغلطاي أنه وَرَدَ مرفوعًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في صحة هذه الروايات نظر، فليتأمل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله الإمام أبو جعفر الطبريّ (٢): في هذه الأحاديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، وعقدها، خلافًا لمن قال: إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (٣).
وقال القرطبيّ عند قوله: "إنما تركها من جرّاي": فيه إخبار منه تعالى للملائكة بما لم يعلموا من إخلاص العبد في الترك، ومن هنا قيل: إن الملائكة لا تطّلع على إخلاص العبد، وقد دلّ عليه قوله ﷺ في حديث حُذيفة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: "قال الله : هو سرّ من سرّي، استودعته قلب من أحببتُ من عبادي"، والحديث الآخر الذي يقول الله فيه للملائكة التي تكتب الأعمال حين تَعرِضها عليه: "أَلْقُوا هذا، واقبَلوا هذا"، فتقول الملائكة: وعزّتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله: "إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتُغي به وجهي". انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث الأول، فضعيف جدًّا، قال الحافظ العراقيّ: رويناه من مسلسلات القزوينيّ، وفيه: أحمد بن عطاء،
стр. 1947
وعبد الواحد بن زيد، كلاهما متروك، ورواه أبو القاسم القشيريّ في "الرسالة" من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ بسند ضعيف. انتهى (١).
وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" بإسنادين، قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ (٢): ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزّار، والبيهقيّ في "الشعب" (٦٨٣٦)، وضعّفه الشيخ الألبانيّ من رواية السِّلَفيّ في "معجم السفر" (٢/ ٥٠)، وقال في إسناده: الحارث بن غسّان مجهول، وعمر بن يحيى اتّهمه ابن عديّ بسرقة الحديث عن يحيى بن بسطام، وهو ضعيف جدًّا. انتهى (٣).
لكن رواية الطبرانيّ في "الأوسط" إسنادها - كما قال الهيثميّ -: رجال الصحيح، فالظاهر أنها صحيحة، والله تعالى أعلم.
والظاهر أن الحديث يدلّ على أن الإخلاص والرياء مما لا تطّلع عليه الحفظة، فيستثنى مما يطّلعون عليه من أعمال قلوب بني آدم، فتدبّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة إذا كان الهَمُّ سرًّا بين العبد وبين ربّه، فكيف تطّلع الملائكة عليه؟.
فأجاب قائلًا: الحمد لله، قد رُوي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة، قال: إنه إذا همّ بحسنة شمّ الملك رائحة طيّبةً، وإذا همّ بسيّئة شمّ رائحةً خبيثةً.
والتحقيق: أن الله تعالى قادر على أن يُعلم الملائكة بما في نفس العبد،
стр. 1948
كيف شاء، كما هو قادر على أن يُطلِع بعض البشر على ما في الإنسان، فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يَعلم به أحيانًا ما في الإنسان، فالملك الموكّل بالعبد أولى بأن يعرّفه الله ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]: إن المراد به الملائكة، والله قد جعل الملائكة تُلقي في نفس العبد الخواطر، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن للملك لِمّةً، وللشيطان لِمّة، فلِمّة الملك تصديق بالحقّ، ووعد بالخير، ولمّةُ الشيطان تكذيب بالحقّ، وإيعاد بالشرّ"، وقد ثبت عنه ﷺ في "الصحيح" أنه قال: "ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجنّ"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وأنا، إلا أن الله قد أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير".
فالسيّئة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطان علم بها الشيطان، والحسنة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك علم بها الملك أيضًا بطريق الأولى، وإذا علم بها هذا الملك، أمكن علم الملائكة الحفظة لأعمال بني آدم. انتهى كلامه (١).
٦ - (ومنها): بيان أدب الملائكة مع ربّهم ، حيث إنهم مع أنه أمرهم بكتابة أعمال العباد لا يكتبون إلا بعد استئذانهم، وانتظارهم أمره لهم بالكتابة.
٧ - (ومنها): بيان حكمة أمر الله بكتابة أعمال العباد ونيّاتهم مع أنه أبصر بذلك وأعلم من الملائكة، وذلك ليكون حجة عليهم بما كُتب حالَ عملهم، كما قال الله : ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤].
٨ - (ومنها): بيان فضل مراقبة الله تعالى، والخوف منه؛ لأن كتابة ما همّ به من السيّئة حسنةً إنما هو لأجل أنه تركها خوفًا من الله تعالى؛ لقوله: "إنما تركها من جراي".
٩ - (ومنها): بيان فضل إحسان الإسلام، وذلك بأن يدخل فيه دخولًا كاملًا، كما أمر الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا
стр. 1949
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٤] (١٣٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيَئةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء المذكور قبل باب.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) هو: سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (هِشَام) بن حسّان الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (مات ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
وشرح الحديث وبيان مسائله تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥] (١٣١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، عَنِ الْجَعْد، أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎، قَالَ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ
стр. 1950
بِهَا، فَعَمِلَهَا، كتبهَا اللهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا، فَعَمِلَهَا، كتبهَا اللهُ سَيَئّةً وَاحِدَةً").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ (١)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ١٣٥) وله بضع و ٩٠ سنة (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوَان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (الْجَعْدُ أَبو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار الْيَشْكُرى، أبو عثمان الصيرفيّ البصريّ، يقال له: صاحب الْحُلي - بضمّ المهملة - ثقة [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي رجاء العُطَارديّ، والحسن، وسليمان بن قيس.
وروى عنه الحمادان، ووهب، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، ومعمر، وعبد الوارث بن سعيد، وأبو عوانة، وابن عُلَيّة، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، ووثّقَهُ أبو داود في سؤالات الآجريّ، والترمذيّ في "جامعه".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٣١)، وحديث (١٣٦٥): "أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، و (١٤٢٨): "ضعه، ثم قال: اذهب، فادع لي فلانًا وفلانا … "، وأعاده بعده، و (١٨٤٩): "من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه … "، وأعاده بعده، و (٢١٥١): "قال لي رسول الله ﷺ : يا بُنيّ"، و (٢٤٨١): "فدعا لي رسول الله ﷺ ثلاث دعوات … ".
стр. 1951
٤ - (أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ) عِمران بن مِلْحَان، ويقال: ابن تيم، ويقال: ابن عبد الله البصريّ، مشهور بكنيته، مخضرمٌ، ثقةٌ مُعمَّرٌ [٢].
أدرك زمن النبيّ ﷺ ، ولم يره، ورَوَى عن عمر، وعليّ، وعمران بن حُصين، وابن عباس، وسمرة بن جندب، وعائشة.
وروى عنه أيوب، وجرير بن حازم، وعوف الأعرابيّ، وعمران القصير، ومهدي بن ميمون، وأبو الأشهب، وحماد بن نَجِيح، وسَلْم بن زَرِير، وسعيد بن أبي ربيعة، والجعد أبو عثمان، والحسن بن ذكوان، وأبو الحارث الكرمانيّ، وصخر بن جُويرية، وآخرون.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة في الحديث، وله روايةٌ وعِلْمٌ بالقرآن، وأَمَّ قومه أربعين سنة، وتُوُفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، قال: وقال الواقديّ: تُوفي سنة سبع عشرة ومائة، قال: وهذا عندي وَهَلٌ، وقال الذُّهْليُّ: مات قبل الحسن لا أدري في أيّ سنة، غير أني أتوهمه سنة (١٠٧)، وقال أبو حاتم: جاهليٌّ فَرَّ من النبيّ ﷺ ، ثم أسلم بعد الفتح، وأَتَى عليه مائة وعشرون سنة، وقال البخاريّ: قال أشعث بن سَوّار: بلغ سبعًا وعشرين ومائة سنة، وقال البخاريّ: يقال: مات قبل الفرزدق والحسن، ومات الحسن سنة عشر ومائة، وقال ابن عبد البرّ: كان ثقةً، وكانت فيه غفلةٌ، وكانت له عبادةٌ، وعُمِّرَ عمرًا طويلًا أزيد من مائة وعشرين سنة، مات سنة (١٠٩) في أول خلافة هشام، وحكى ابن سعد أن اسمه عُطَارد بن برو، وتبعه ابن حبان، فذكره كذلك في "الثقات" فيمن اسمه عُطارد، وقال ابن أبي حاتم: عمران بن مِلْحان، ويقال: عمران بن تَيْم، وهو أصحّ، وقال البخاريّ في "الأوسط": مِلْحان ما أراه يَصِحّ، وقال في "الكبير": قال أحمد: هو عمران بن عبد الله.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٣١)، وحديث (٦٨٢): "ما منعك أن تصلي معنا … "، و (١٢٢٦): "نزلت آية المتعة في كتاب الله … "، و (١٨٤٩): "من رأى من أميره شيئًا يكرهه، فليصبر عليه … "، وأعاده بعده، و (٢٢٧٥): "هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ "، و (٢٧٣٧): "اطّلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء … ".
стр. 1952
٥ - (ابْنُ عَبّاسٍ) هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب الصحابيّ ابن الصحابيّ، حبر الأمة وبحرها، مات ﵁ (٦٨)، وتقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وغير الجعد، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ترجمان القرآن، وحبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ﵁، ومناقبه جمّة، وقد تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وعند أحمد في "مسنده" من طريق الحسن بن ذَكْوان عن أبي رجاء: "حدثني ابنُ عباس" (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية مسدد عند الإسماعيليّ: "عن رسول الله ﷺ "، قال الحافظ: ولم أر في شيء من الطرُق التصريح بسماع ابن عباس له من النبيّ ﷺ (١).
(فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ أي في الحديث الذي ينقله النبيّ ﷺ عن الله (٢)، وقال في "الفتح": هذا من الأحاديث الإلهية، ثم هو محتمل أن يكون مما تلقاه ﷺ عن ربه بلا واسطة، ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك، وهو الراجح.
стр. 1953
وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، ويحتمل أن يكون للبيان لما فيه من الإسناد الصريح إلى الله تعالى، حيث قال: إن الله كَتَب، ويحتمل أن يكون لبيان الواقع، وليس فيه أن غيره ليس كذلك؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، بل فيه أن غيره كذلك؛ إذ قال: "فيما يرويه": أي في جملة ما يَرْوِي. انتهى ملخصًا.
قال الحافظ: والثاني لا ينافي الأول، وهو المعتمد، فقد أخرجه مسلم من طريق جعفر بن سليمان، عن الجعد، ولم يسق لفظه، وأخرجه أبو عوانة من طريق عفّان، وأبو نعيم من طريق قتيبة، كلاهما عن جعفر بلفظ: "فيما يَروي عن ربه، قال: إن ربكم رَحِيمٌ، مَنْ هَمَّ بحسنة"، وأخرجه البخاريّ في "كتاب التوحيد" من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: "عن رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﷺ : إذا أراد عبدي أن يعمل"، وأخرجه مسلم بنحوه من هذا الوجه، ومن طُرُق أخرى منها: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "قال الله : إذا هَمَّ عبدي" (١).
(قَالَ: "إِنَّ اللهَ) (كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، يَحْتَمِلُ أن يكون هذا من قول الله تعالى، فيكون التقدير: قال الله: إن الله كَتَبَ، وَيحْتَمِلُ أن يكون من كلام النبيّ ﷺ يحكيه عن فعل الله تعالى، وفاعل: "ثُمّ بَيَّنَ ذلك" هو الله تعالى، وقوله: "فمَنَ هَمَّ" شرحٌ لذلك، قاله في "الفتح".
(ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ) أي فَضله بقوله: "فَمَنْ هَمَّ"، والمجمل قوله: "كَتَب الحسنات والسيئات".
وقوله: "كَتَبَ"، قال الطوفيّ: أي أمر الحفَظَة أن تكتب، أو المراد: قَدَّر ذلك في علمه، على وفق الواقع منها، وقال غيره: المراد: قَدَّر ذلك، وعَرَّفَ الْكَتَبَةَ من الملائكة ذلك التقدير، فلا يحتاج إلى الاستفسار في كل وقت عن كيفية الكتابة؛ لكونه أمرًا مفروغًا منه. انتهى.
قال الحافظ: وقد يَعْكُرُ على ذلك ما أخرجه مسلم من طريق هَمّام، عن أبي هريرة ﵁ رفعه، قال: "قالت الملائكة: رَبِّ ذاك عبدك، يريد أن يَعمَل
стр. 1954
سيئةً، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عَمِلها فاكتبوها"، فهذا ظاهره وقوع المراجعة، لكن ذلك مخصوص بإرادة عمل السيئة.
ويحتمل أن يكون ذلك وقع في ابتداء الأمر، فلما حَصَلَ الجواب استقر ذلك، فلا يحتاج إلى المراجعة بعده.
قال: وقد وَجَدت عن الشافعيّ ما يوافق ظاهر الخبر، وأن المؤاخذة إنما تقع لمن هَمَّ على الشيء، فَشَرَع فيه، لا مَن هَمَّ به، ولم يتصل به العمل، فقال في "صلاة الخوف" لَمّا ذَكَر العمل الذي يُبطلها ما حاصله: إن مَن أَحْرَم بالصلاة، وقَصَدَ القتال، فشَرَعَ فيه، بَطَلَت صلاته، ومن تَحَرَّم، وقَصَد إلى العدو لو دَهَمَه دفعه بالقتال لم تبطل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن معنى "كتب": أمر الملائكة بالكتابة؛ لدلالة قوله: "قالت الملائكة … إلخ"، وأما ما نقله عن الإمام الشافعيّ في تفريقه بين القصدين، فمحلّ نظر، سيأتي تحقيقه في محلّه، حيث يذكر المصنّف أحاديث صلاة الخوف - إن شاء الله تعالى -.
(فَمَنْ هَمَّ) الفاء فيه تفصيليّة؛ لأن قوله: "كتب الحسنات والسيّئات" مُجمَلٌ، لم يُفهم منه كيفيّة الكتابة، ففصّله بقوله: "فمن هَمَّ … إلخ"، قاله الطيبيّ (١).
وقوله: (فَمَنْ هَمَّ) وكذا في رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة الماضية، وفي رواية الأعرج عند البخاريّ في "كتاب التوحيد": "إذا أراد"، وهما بمعنى واحد، وقد مضى من رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا تَحَدَّثَ"، وهو محمول على حديث النفس؛ لتوافق الروايات الأخرى.
ويحتمل أن يكون على ظاهره، ولكن ليس قيدًا في كتابة الحسنة، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة.
نعم، ورد ما يدُلُّ على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي، فعند أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث خُرَيم بن فاتك، رفعه: "ومن هَمّ بحسنةٍ، يعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه، وحَرَصَ عليها" (٢).
стр. 1955
وقد تمسك به الإمام ابن حبان، فقال بعد إيراد حديث أبي هريرة ﵁ الماضي في "صحيحه": قوله جلّ وعلا: "إذا همّ عبدي" أراد به إذا عزم، فسمّى العزم همًّا؛ لأن العزم نهاية الهمّ، والعرب في لغتها تُطلق اسم البداءة على النهاية، واسم النهاية على البداءة؛ لأن الهمّ لا يُكتب على المرء؛ لأنه خاطرٌ، لا حُكْمَ له.
قال: ويحتمل أن يكون الله يكتب لمن همّ بالحسنة الحسنةَ، وإن لم يَعْزِم عليها، ولا عملها؛ لفضل الإسلام، فتوفيق الله تعالى العبدَ للإسلام فضلٌ تفضّل به عليه، وكتابته ما همّ به من الحسنات، ولَمّا يعملها فضل، وكتابته ما همّ به من السيّئات، ولَمّا يعملها أو كتبها لكان عدلًا، وفضله قد سَبَقَ عدلَهُ، كما أن رحمته سبقت غضبه، فمن فضله، ورحمته ما لم يُكتب على صبيان المسلمين ما يعملون من سيئّة قبل البلوغ، وكتب لهم ما يعملونه من حسنة، كذلك هذا ولا فرق. انتهى كلام ابن حبّان (١).
(بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا) يتناول نفي عمل الجوارح، وأما عَمَلُ القلب،
стр. 1956
فيحتمل نفيه أيضًا، إن كانت الحسنة تكتب بمجرد الهمّ، كما في معظم الأحاديث، لا إن قُيِّدت بالتصميم، كما في حديث خُرَيم ﵁، ويؤيد الأول حديث أبي ذرّ ﵁ عند المصنّف أنّ الكفّ عن الشر صدقة (١).
(كَتَبَهَا اللهُ) زاد في رواية البخاري: "له" أي للذي هَمّ بالحسنة، ومعنى: "كتبها الله": أي أمر الْحَفَظَةَ بكتابتها، بدليل ما سبق في حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إذا هَمَّ عبدي بسيئة، فلا تكتبوها عليه".
(عِنْدَهُ) أي عند الله تعالى (حَسَنَةً) مفعول ثان لـ"كتبها"، بمعنى صيّرها (٢) (كَامِلَةً) كذا ثبت في حديث ابن عباس ﵁ دون حديث أبي هريرة ﵁ وغيره وَصْفُ الحسنة بكونها كاملةً، وكذا قوله: "عنده"، وفيهما نوعان من التأكيد، فأما العندية فإشارة إلى الشرف، وأما الكمال فإشارة إلى رفع توهم نقصها؛ لكونها نشأت عن الهمّ المجرد، فكأنه قيل: بل هي كاملةٌ، لا نقص فيها.
وقال النووي في "أربعينه": فانظر يا أخي - وفّقني الله وإياك - إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ،، وقوله: "عنده" إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: "كاملةً" للتأكيد، وشدّة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي هَمّ بها، ثم تركها: "كتبها الله عنده حسنةً كاملةً"، فأكّدها بـ "كاملةً"، وإن عملها كتبها سيئة واحدةً"، فأكَّد تقليلها بـ "واحدةً"، ولم يؤكّدها بـ "كاملةً"، فلله الحمد والمنّة، لا نُحصي ثناءً عليه، وبالله التوفيق (٣).
وقال الطيبيّ: إنما جوزي من هَمّ بسيّئة، ولم يعملها بحسنة كاملة؛ لأنه خاف مقام ربّه، ونَهَى النفس عن الهوى. انتهى (٤).
стр. 1957
وقال الطوفيّ: إنما كتبت الحسنة بمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير من عمل القلب.
واستُشكِل بأنه إذا كان كذلك، فكيف لا تضاعف؟ لعموم قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]؟.
وأُجيب بحمل الآية على عمل الجوارح، والحديث على الهمّ المجرد.
واستُشكِل أيضًا بأن عمل القلب إذا اعتُبِرَ في حصول الحسنة، فكيف لم يعتبر في حصول السيئة؟.
وأجِيب بأن ترك عمل السيئة التي وقع الهمّ بها يُكَفِّرها؛ لأنه قد نَسَخَ قصدَهُ السيئة، وخالف هواه.
ثم إن ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك، سواءٌ كان ذلك لمانع أم لا، ويتجه أن يقال: يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع، فإن كان خارجيًّا مع بقاء قصد الذي هَمَّ بفعل الحسنة، فهي عظيمة القدر، ولا سيما إن قارنها نَدَم على تفويتها، واستمرت النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من الذي هَمَّ مِن قِبَل نفسه، فهي دون ذلك، إلا إن قارنها قصدُ الإعراض عنها جملةً، والرغبة عن فعلها، ولا سيما إن وَقَعَ العمل في عكسها، كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا، فصرفه بعينه في معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تُكْتَب له حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال.
(وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالحسنة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ - عزَّوجلْ -) زاد البخاريّ: "له" (عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ) قال الحافظ: يؤخذ منه رفعُ توهم أن حسنةَ الإرادة تضاف إلى عشرة التضعيف، فتكون الجملة إحدى عشرة على ما هو ظاهر رواية جعفر بن سليمان عند مسلم، ولفظه: "فإن عملها، كُتبت له عشر أمثالها"، وكذا في حديث أبي هريرة ﵁، وفي بعض طرقه احتمال، ورواية عبد الوارث في الباب ظاهرة فيما قلته، وهو المعتمد. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا الحافظ في "الفتح" رواية جعفر بن سليمان إلى مسلم، وأنه ساق بلفظ: "فإن عملها كتبت له عشر أمثالها"، وليس كذلك، فإن مسلمًا إنما أخرج سند جعفر بن سليمان، وأحال متنه على متن عبد الوارث، فقال: "بمعنى حديث عبد الوارث، وزاد:
стр. 1958
ومحاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك"، وإنما الذي ساق لفظ جعفر هو الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١)، كما سيأتي قريبًا، وفيه: "فإن عملها كتبت له عشر أمثالها"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال ابن عبد السلام في "أماليه": معنى الحديث: إذا هَمّ بحسنة، كُتبت له حسنة، فإن عملها كُمّلت له عشرةً؛ لأنا نأخذ بقيد كونها قد هَمّ بها، وكذا السيئة إذا عملها لا تكتب واحدةً للهمّ، وأخرى للعمل، بل تكتب واحدة فقط.
قال الحافظ: الثاني صريح في حديث هذا الباب، وهو مقتضى كونها في جميع الطرُق لا تُكْتب بمجرد الهمّ، وأما حسنةُ الهمّ بالحسنة فالاحتمال قائم.
وقوله: "بقيد كونها قد هَمَّ بها" يَعكُر عليه مَن عَمِلَ حسنة بغتة، من غير أن يَسْبِق له أنه هَمَّ بها، فإن قضية كلامه أنه يُكتب له تسعةً، وهو خلاف ظاهر الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فإنه يتناول مَن هَمَّ بها، ومن لم يَهُمَّ.
والتحقيق أن حسنةَ مَن هَمّ بها تَندَرج في العمل في عشرة العمل، لكن تكون حسنةُ مَن هَمَّ بها أعظم قدرًا ممن لم يَهُمَّ بها، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
(إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ) "الضِّعْفُ" في اللغة: الْمِثْلُ، والتحقيق: أنه اسم يقع على العدد، بشرط أن يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة، فُهِمَ أنّ المراد عشرون، ومن ذلك لو أَقَرَّ بأن له عندي ضعف درهم، لزمه درهمان، أو ضعفي درهم لزمه ثلاثة.
(إِلَى أَضْعَافٍ كثِيرةٍ) قال في "الفتح": لم يقع في شيء من طُرُق حديث أبي هريرة ﵁: "إلى أضعاف كثيرة" إلا في حديثه في "الصيام"، فإن في بعض طرقه عند مسلم: "إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا الحافظ إلى المصنّف بزيادة لفظ: "إلى ما شاء الله"، ولم أر هذه الزيادة في حديث أبي هريرة ﵁ عنده
стр. 1959
في "كتاب الصيام"، ولا في "مستخرج أبي نعيم"، ولا في "مسند أبي عوانة" الذي هو مستخرج على "صحيح مسلم"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
قال: وله من حديث أبي ذرّ ﵁ رفعه: "يقول الله: مَن عَمِل حسنة، فله عشر أمثالها، وأزيد" (١)، - وهو بفتح الهمزة، وكسر الزاي - وهذا يدل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه، بحسب الزيادة في الإخلاص، وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدِّي النفع، كالصدقة الجارية، والعلم النافع، والسنة الحسنة، وشَرَف العمل، ونحو ذلك.
وقد قيل: إن العمل الذي يُضاعَف إلى سبعمائة خاص بالنفقة في سبيل الله، وتمسّك قائله بما في حديث خُرَيم بن فاتك ﵁ عند أحمد، وغيره، رفعه: "مَن هَمّ بحسنة، فلم يعملها … "، فذكر الحديث، وفيه: "ومَن عَمِل حسنة، كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبعمائة ضعف".
وتُعُقِّب بأنه صريح في أن النفقة في سبيل الله تضاعف الى سبعمائة، وليس فيه نَفْيُ ذلك عن غيرها صريحًا.
ويدلُّ على التعميم حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في "كتاب الصيام": "كلُّ عَمَل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف … " الحديث.
واختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هل المراد المضاعفة إلى سبعمائة فقط، أو زيادة على ذلك؟، فالأول هو المحقَّق من سياق الآية، والثاني مُحْتَمِلٌ، ويؤيد الجوازَ سعةُ الفضل، قاله في "الفتح" (٢)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
стр. 1960
(وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) المراد بالكمال عِظَم القدر، كما تقدم، لا التضعيف إلى العشرة، ولم يقع التقييد بـ "كاملةً" في طرق حديث أبي هريرة ﵁، وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد الترك، لكنه قيّده في حديث الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ كما سبق في حديثه الماضي: "وإن تركها، فاكتبوها له حسنةً؛ إنما تركها من جَرّاي"، ولفظ البخاريّ في "التوحيد": "إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة، فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي، فاكتبوها له حسنة".
ونَقَلَ القاضي عياض عن بعض العلماء أنه حمل حديث ابن عباس على عمومه، ثم صَوّب حملَ مطلقه على ما قُيّد في حديث أبي هريرة ﵁.
قال الحافظ: ويحتمل أن تكون حسنةُ مَن ترك بغير استحضار ما قُيِّد به دون حسنة الآخر؛ لما تقدم أن ترك المعصية كَفّ عن الشرّ، والكفّ عن الشرّ خير، ويحتمل أيضًا أن يُكْتَب لمن هَمّ بالمعصية، ثم تركها حسنةٌ مجردةٌ، فإن تركها من مخافة ربه سبحانه، كتبت حسنةً مضاعفةً.
وقال الخطابيّ: محلُّ كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قَدَرَ على الفعل، ثم تركه؛ لأن الإنسان لا يُسَمَّى تاركًا إلا مع القدرة، ويدخل فيه مَن حال بينه وبين حرصه على الفعل مانعٌ، كأن يمشي إلى امرأة ليزني بها مثلًا، فيجد الباب مغلقًا، ويتعسر فتحه، ومثله من تَمَكّن من الزنا مثلًا، فلم ينتشر ذكره، أو طَرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا.
ووقع في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ ما قد يعارض ظاهر حديث الباب، وهو ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذيّ، وصححه، بلفظ: "إنما الدنيا لأربعة … "، فذكر الحديث، وفيه: "وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يعمل في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يَرَى لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، ورجل لم يرزقه الله مالًا، ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهما في الوزر سواء".
فقيل: الجمع بين الحديثين بالتنزيل على حالتين، فَيُحمل حديث الباب على مَنْ هَمّ بالمعصية هَمًّا مُجَرَّدًا من غير تصميم، وحديث أبي كبشة ﵁ على مَن صمم على ذلك، وأصَرَّ عليه، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة
стр. 1961
الرابعة في شرح حديث أبي هريرة ﵁ المذكور قبل باب، فراجعه تزدد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
(وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالسيّئة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ) زاد البخاريّ: "له " (سَيِّئَةً وَاحِدَةً") وفي حديث أبي هريرة زجه المتقدّم: "فاكتبوها له بمثلها"، وفي رواية أبي ذرّ ﵁: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر".
ويستفاد من التأكيد بقوله: "واحدةً" أنّ السيئة لا تُضاعَف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال الشيخ ابن عبد السلام في "أماليه": فائدة التأكيد دَفْعُ توهم مَن يَظُنّ أنه إذا عَمِل السيئة، كُتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهمّ، وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئةٌ واحدةٌ.
وقد استَثْنَى بعض العلماء وقوعَ المعصية في الحرم المكيّ، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل وَرَد في شيء من الحديث أن السيئة تُكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا، ما سمعت إلا بمكة؛ لتعظيم البلد، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يتفاوت بالعِظَم، ولا يَرِد على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأن ذلك وَرَدَ تعظيمًا لحقّ النبيّ ﷺ ؛ لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤٥ و ٣٤٦] (١٣١)، و (البخاريّ) في "الرِّقَاق" (٦٤٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٧ و ٢٧٩ و ٣١٠ و ٣٦٠)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٧١٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢٧٨٩)، و (النسائيّ) في "النعوت" من "الكبرى" (٧٦٧٠)، و (أبو عوانة) في
стр. 1962
"مسنده" (٢٤٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٣٨ و ٣٣٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات كتابة الله تعالى الحسنات والسيئات، ثم بيانه ذلك لعباده حتى يعلموا ذلك، ويكونوا على بصيرة من أمرهم، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه على هدى من ربّهم.
٢ - (ومنها): بيانُ فضل الله تعالى العظيم على هذه الأمة؛ لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة؛ لأن عمل العباد للسيئات أكثر. من عملهم للحسنات، كما دلّ عليه حديث الباب، من الإثابة على الهمّ بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهمّ بالسيئة، ودلّ عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ إذ ذَكَرَ في السوء الافتعال الذي يَدُلّ على المعالجة، والتكلف فيه، بخلاف الحسنة.
٣ - (ومنها): بيان الفضل الذي يترتب للعبد على هِجران لذته، وترك شهوته من أجل ربه رغبةً في ثوابه، ورهبةً من عقابه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الحفظة لا تكتب المباح للتقييد بالحسنات والسيئات.
وأجاب بعضهم بأن بعض الأئمة عَدّ المباح من الحسن.
وتُعُقِّب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنة، وليس المباحُ، ولو سُمّي حسنًا كذلك.
نعم قد يُكتَب حسنةً بالنية، وليس البحث فيه.
٥ - (ومنها): بيان أن الله بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة، والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضلَ، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله: "كُتِبت له واحدةً، أو يمحوها"، وبقوله في حديث أبي ذرّ ﵁: "فجزاؤه بمثلها، أو أَغْفِر".
٦ - (ومنها): أن في هذا الحديث الردَّ على الكعبيّ في زعمه أن ليس في الشرع مباح، بل الفاعل إما عاصٍ، وإما مُثَابٌ، فمن اشتغل عن المعصية بشيء، فهو مثاب.
стр. 1963
وتعقبوه بأن الذي يثاب على ترك المعصية، هو الذي يَقْصِد بتركها رضا الله، كما تقدم في قوله: "إنما تركها من جرّاي".
وحَكَى ابنُ التين أنه يلزمه أن الزاني مثلًا مثاب، لاشتغاله بالزنا عن معصية أخرى، ولا يخفى ما فيه، ذكره في "الفتح" (١).
٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بقوله: "حسنة كاملة" على أنها تُكْتَب حسنةً مضاعفةً، لأن ذلك هو الكمال، لكنه مشكلٌ يلزم منه مساواة مَن نَوَى الخير بمن فعله في أن كلًّا منهما يُكتب له حسنةً.
وأُجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، والمجيء بها هو العمل، وأما الناوي، فإنما ورد أنه يُكتب له حسنة، ومعناه: يُكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة، والعلم عند الله تعالى، قاله في "الفتح" أيضًا (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث، وأفاد، أحببت إيراده، وإن كان تقدّم فيما ذكرته في شرح الحديث، إلا أنه يكون فذلكةً وتلخيصًا لما مضى، قال بعد أن أورد أحاديث الباب وغيرها مما في معناها، ما حاصله:
فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئات، والهم بالحسنة والسيئة، فهذه أربعة أنواع:
[النوع الأول]: عمل الحسنات، فتضاعَفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]،
стр. 1964
فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف، وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة" (١).
وفي "المسند" بإسناد فيه نظر، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله وعياله، أو عاد مريضًا، أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها".
وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الصلاة والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" (٢).
ورَوَى ابن أبي حاتم بسنده، عن الحسن، عن عمران بن الحصين ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من أرسل نفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل درهم سبعمائة الف درهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] (٣).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] قال رسول الله ﷺ : "رَبِّ زِدْ أمتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "رب زد أمتي" فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وأخرج الإمام أحمد، من حديث علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله ليضاعف الحسنة ألفي حسنة" ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ
стр. 1965
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: "إذا قال الله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فمن يقدر قدره"، ورُوي عن أبي هريرة موقوفًا (١).
وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عمر ﵁ موقوفًا: "من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة" (٢).
ومن حديث تميم الداريّ ﵁ مرفوعًا: "من قال: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، عشر مرات، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة" (٣)، وفي كلا الإسنادين ضعف.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد ضعيف أيضًا، عن ابن عمر مرفوعًا: "من قال: سبحان الله، كتب الله له مائة ألف حسنة" (٤).
وقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به"، يدلّ على أن الصيام لا يَعلَم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله تعالى؛ لأنه أفضل أنواع الصبر، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقد رُوِي هذا المعنى عن طائفة من السلف، منهم كعب وغيره.
ثم ذكر أن مضاعفة الحسنات زيادةً على العشر تكون بحسب حسن الإسلام، كما جاء ذلك مُصَرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره، ويكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه.