الرابعة في شرح حديث أبي هريرة ﵁ المذكور قبل باب، فراجعه تزدد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
(وَإِنْ هَمَّ بِهَا) أي بالسيّئة (فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ) زاد البخاريّ: "له " (سَيِّئَةً وَاحِدَةً") وفي حديث أبي هريرة زجه المتقدّم: "فاكتبوها له بمثلها"، وفي رواية أبي ذرّ ﵁: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر".
ويستفاد من التأكيد بقوله: "واحدةً" أنّ السيئة لا تُضاعَف كما تضاعف الحسنة، وهو على وفق قوله تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال الشيخ ابن عبد السلام في "أماليه": فائدة التأكيد دَفْعُ توهم مَن يَظُنّ أنه إذا عَمِل السيئة، كُتبت عليه سيئة العمل، وأضيفت إليها سيئة الهمّ، وليس كذلك، إنما يكتب عليه سيئةٌ واحدةٌ.
وقد استَثْنَى بعض العلماء وقوعَ المعصية في الحرم المكيّ، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل وَرَد في شيء من الحديث أن السيئة تُكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا، ما سمعت إلا بمكة؛ لتعظيم البلد، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، لكن قد يتفاوت بالعِظَم، ولا يَرِد على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]؛ لأن ذلك وَرَدَ تعظيمًا لحقّ النبيّ ﷺ ؛ لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذى النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٢/ ٣٤٥ و ٣٤٦] (١٣١)، و (البخاريّ) في "الرِّقَاق" (٦٤٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٧ و ٢٧٩ و ٣١٠ و ٣٦٠)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٧١٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢٧٨٩)، و (النسائيّ) في "النعوت" من "الكبرى" (٧٦٧٠)، و (أبو عوانة) في
стр. 1962
"مسنده" (٢٤٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٣٨ و ٣٣٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات كتابة الله تعالى الحسنات والسيئات، ثم بيانه ذلك لعباده حتى يعلموا ذلك، ويكونوا على بصيرة من أمرهم، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه على هدى من ربّهم.
٢ - (ومنها): بيانُ فضل الله تعالى العظيم على هذه الأمة؛ لأنه لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة؛ لأن عمل العباد للسيئات أكثر. من عملهم للحسنات، كما دلّ عليه حديث الباب، من الإثابة على الهمّ بالحسنة، وعدم المؤاخذة على الهمّ بالسيئة، ودلّ عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ إذ ذَكَرَ في السوء الافتعال الذي يَدُلّ على المعالجة، والتكلف فيه، بخلاف الحسنة.
٣ - (ومنها): بيان الفضل الذي يترتب للعبد على هِجران لذته، وترك شهوته من أجل ربه رغبةً في ثوابه، ورهبةً من عقابه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الحفظة لا تكتب المباح للتقييد بالحسنات والسيئات.
وأجاب بعضهم بأن بعض الأئمة عَدّ المباح من الحسن.
وتُعُقِّب بأن الكلام فيما يترتب على فعله حسنة، وليس المباحُ، ولو سُمّي حسنًا كذلك.
نعم قد يُكتَب حسنةً بالنية، وليس البحث فيه.
٥ - (ومنها): بيان أن الله بفضله وكرمه جعل العدل في السيئة، والفضل في الحسنة، فضاعف الحسنة، ولم يضاعف السيئة، بل أضاف فيها إلى العدل الفضلَ، فأدارها بين العقوبة والعفو بقوله: "كُتِبت له واحدةً، أو يمحوها"، وبقوله في حديث أبي ذرّ ﵁: "فجزاؤه بمثلها، أو أَغْفِر".
٦ - (ومنها): أن في هذا الحديث الردَّ على الكعبيّ في زعمه أن ليس في الشرع مباح، بل الفاعل إما عاصٍ، وإما مُثَابٌ، فمن اشتغل عن المعصية بشيء، فهو مثاب.
стр. 1963
وتعقبوه بأن الذي يثاب على ترك المعصية، هو الذي يَقْصِد بتركها رضا الله، كما تقدم في قوله: "إنما تركها من جرّاي".
وحَكَى ابنُ التين أنه يلزمه أن الزاني مثلًا مثاب، لاشتغاله بالزنا عن معصية أخرى، ولا يخفى ما فيه، ذكره في "الفتح" (١).
٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ بقوله: "حسنة كاملة" على أنها تُكْتَب حسنةً مضاعفةً، لأن ذلك هو الكمال، لكنه مشكلٌ يلزم منه مساواة مَن نَوَى الخير بمن فعله في أن كلًّا منهما يُكتب له حسنةً.
وأُجيب بأن التضعيف في الآية يقتضي اختصاصه بالعامل؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، والمجيء بها هو العمل، وأما الناوي، فإنما ورد أنه يُكتب له حسنة، ومعناه: يُكتب له مثل ثواب الحسنة، والتضعيف قدر زائد على أصل الحسنة، والعلم عند الله تعالى، قاله في "الفتح" أيضًا (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): قد أجاد الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث، وأفاد، أحببت إيراده، وإن كان تقدّم فيما ذكرته في شرح الحديث، إلا أنه يكون فذلكةً وتلخيصًا لما مضى، قال بعد أن أورد أحاديث الباب وغيرها مما في معناها، ما حاصله:
فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئات، والهم بالحسنة والسيئة، فهذه أربعة أنواع:
[النوع الأول]: عمل الحسنات، فتضاعَفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]،
стр. 1964
فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف، وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة" (١).
وفي "المسند" بإسناد فيه نظر، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله وعياله، أو عاد مريضًا، أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها".
وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الصلاة والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" (٢).
ورَوَى ابن أبي حاتم بسنده، عن الحسن، عن عمران بن الحصين ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "من أرسل نفقة في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل درهم سبعمائة الف درهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] (٣).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] قال رسول الله ﷺ : "رَبِّ زِدْ أمتي"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "رب زد أمتي" فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وأخرج الإمام أحمد، من حديث علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله ليضاعف الحسنة ألفي حسنة" ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ
стр. 1965
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقال: "إذا قال الله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فمن يقدر قدره"، ورُوي عن أبي هريرة موقوفًا (١).
وأخرج الترمذيّ من حديث ابن عمر ﵁ موقوفًا: "من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة" (٢).
ومن حديث تميم الداريّ ﵁ مرفوعًا: "من قال: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، عشر مرات، كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة" (٣)، وفي كلا الإسنادين ضعف.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد ضعيف أيضًا، عن ابن عمر مرفوعًا: "من قال: سبحان الله، كتب الله له مائة ألف حسنة" (٤).
وقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به"، يدلّ على أن الصيام لا يَعلَم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله تعالى؛ لأنه أفضل أنواع الصبر، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقد رُوِي هذا المعنى عن طائفة من السلف، منهم كعب وغيره.
ثم ذكر أن مضاعفة الحسنات زيادةً على العشر تكون بحسب حسن الإسلام، كما جاء ذلك مُصَرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره، ويكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه.
стр. 1966
[النوع الثاني]: عملُ السيئات، فتُكتب السيئة بمثلها، من غير مضاعفةٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقوله: "كُتِبت له سيئةً واحدةً" إشارةٌ إلى أنها غير مضاعفة، كما صَرّح به في حديث آخر، لكن السيئة تَعْظُم أحيانًا بشرف الزمان، أو المكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [التوبة: ٣٦]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: في كلهنّ، ثم اختصّ من ذلك أربعة أشهر، فجعلهنّ حُرُمًا، وعَظَّم حرمتهنّ، وجَعَل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرُم أعظم خطيئة ووزرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حالٍ غيرَ طائل، ولكن الله تعالى يُعَظِّم من أمره ما يشاء، تعالى ربنا.
وقد رُوي في حديثين مرفوعين: أن السيئات تضاعف في رمضان، ولكن إسنادهما لا يصح.
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال ابن عمر: الفسوق ما أُصيب من معاصي الله صيدًا كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وكان جماعة من الصحابة يتقون سُكْنَى الحرم خشيةَ ارتكاب الذنوب فيه، منهم ابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئة فيه أعظم، ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة - يعني بغير مكة - أحب إليّ من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة، وعن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات، وقال ابن جريح: بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.
стр. 1967
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: في شيء من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: لا ما سمعنا إلا بمكة؛ لتعظيم البلد، وقال إسحاق بن راهويه، كما قال أحمد.
وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله، وقربه منه، فإن من عَصَى السطان على بساطه أعظم جُرْمًا ممن عصاه على بُعْدٍ، ولهذا توعد الله خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء، وإن كان قد عصمهم منها؛ ليبيّن لهم فضله عليهم بعصمتهم من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٥]، وكان علي بن الحسين يتأول في آل النبيّ ﷺ من بني هاشم مثل ذلك؛ لقربهم من النبيّ ﷺ .
[النوع الثالث]: الهمُّ بالحسنات، فتُكتب حسنةً كاملةً، وإن لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم كما تقدم: "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنةً، فأنا أكتبها له حسنةً"، والظاهر أن المراد بالتحدُّث: حديث النفس، وهو الهمّ، وفي حديث خُرَيم بن فاتك: "مَنْ هَمّ بحسنة، فلم يعملها، فعلم الله منه أنه قد أشعر قلبه، وحَرَصَ عليها، كتبت له حسنة"، وهذا يدلّ على أن المراد بالهمّ هنا هو العزم المصمّم الذي يوجد معه الحرص على العمل، لا مجرد الْخَطْرة التي تخطُر، ثم تنفسخ من غير عزم، ولا تصميم.
قال أبو الدرداء ﵁: "من أتَى فراشه، وهو ينوي أن يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى يصبح، كُتِب له ما نوى"، ورُوي عنه مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه مرفوعًا، قال الدارقطنيّ: المحفوظ الموقوف، ورُوي معناه من حديث عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، ولا سيّما وهو صحيح، مرفوعًا من حديث عائشة ﵂، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 1968
ورُوي عن سعيد بن المسيب قال: مَن همّ بصلاة، أو صيام، أو حج، أو عمرة، أو غزوة، فحيل بينه وبين ذلك، بَلَّغه الله تعالى ما نَوَى.
وقال أبو عمران الجونيّ: "يُنَادَى الملك، اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب إنه لم يعمله، فيقول الله: إنه نواه".
وقال زيد بن أسلم: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: مَنْ يَدُلُّني على عمل لا أزال منه لله عاملًا، فإني لا أحب أن يأتي عليّ ساعة من الليل والنهار، إلا وإني عامل لله تعالى؟، فقيل له: قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فَتَرْتَ، أو تركت فَهُمَّ بعمله، فإن الهامَّ بفعل الخير كفاعله.
ومتى اقتَرَن بالنية قولٌ أو سعيٌ تأكد الجزاء، والتحق صاحبه بالعامل، كما رَوَى أبو كبشة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا، ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، فيقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيّته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا، ولم يرزقه علمًا، فهو يتخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه لله حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، وهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّته، فوزرهما سواء"، وأخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وهذا لفظ ابن ماجه.
وقد حُمِل قوله: "وهما في الأجر سواء" على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفة يختص بها مَن عَمِل العمل دون من نواه ولم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه، لكُتِب لِمَنْ هَمّ بحسنة، ولم يعملها عشر حسنات، وهو خلاف النصوص كلها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]، قال ابن عباس وغيره: القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجةً هم القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار.
стр. 1969
[النوع الرابع]: الهمُّ بالسيئات، من غير عَمَلٍ لها، ففي حديث ابن عباس ﵁ أنها تُكتَب حسنةً كاملةً، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما أنها تكتب حسنةً كاملةً، وفي حديث أبي هريرة: "إنما تركها من جرائي" - يعني من أجلي - وهذا يدلّ على أن المراد مَنْ قَدَرَ على ما هَمّ به من المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يُكتب له بذلك حسنةٌ؛ لأن تركه المعصية بهذا المقصد عَمَلٌ صالح، فأما إن هَمّ بمعصية، ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين، أو مراءاة لهم، فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرَّم، وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرَّم، فإذا اقترن به ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك.
وقد أخرج أبو نعيم بسند ضعيف (١)، عن ابن عباس ﵁ قال: "يا صاحب الذنب، لا تأمنَنّ سوءَ عاقبته، ولَمَا يَتْبَعُ الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملته" وذكر كلامًا، وقال: خوفك من الريح إذا حَرَّكت سِتْرَ بابك، وأنت على الذنب، ولا يَضطربُ فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا فعلته.
وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون: تركُ العمل للناس رياء، والعملُ لهم شرك.
وأما إن سَعَى في حصولها بما أمكنه، ثم حال بينه وبينها القَدَرُ، فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ؛ لقوله النبيّ ﷺ : "إن الله يتجاوز لأمتي عما حَدَّثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل"، ومن سَعَى في حصل المعصية بجهده، ثم عجز عنها، فقد عَمِلَ بها، وكذلك قول النبيّ ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
وقوله: "ما لم تتكلم به، أو تعمل " يدلّ على أن الهامّ بالمعصية إذا تكلم بما هَمَّ به بلسانه، فإنه يعاقب على الهمّ حينئذ؛ لأنه قد عَمِلَ بجوارحه معصيةً، وهو التكلم باللسان، ودلّ على ذلك حديث الذي قال: "لو أن لي مالًا لعملت فيه ما عَمِل فلان" يعني الذي يَعْصِي الله في ماله، قال: "فهما في الوزر سواء".
стр. 1970
ومن المتأخرين مَن قال: لا يعاقب على التكلم بما هَمَّ به، ما لم تكن المعصية التي هَمَّ بها قولًا مُحَرَّمًا، كالقذف، والغيبة، والكذب، فأما ما كان مُتعلَّقها العمل بالجوارح، فلا يأثم بمجرد تكلم بما هَمّ به، وهذا قد يُستَدَلُّ به على حديث أبي هريرة المتقدم: "وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيّئةً، فأنا أغفرها له ما لم يعملها"، ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس؛ جمعًا بينه وبين قوله: "ما لم تتكلم به"، وحديث أبي كبشة ﵁ يَدُلُّ على ذلك صريحًا، فإن قول القائل بلسانه: لو أن لي مالًا لعملت فيه بالمعاصي، كما عَمِلَ فلان، ليس هو العمل بالمعصية التي هَمَّ بها، وإنما أخبر عما هَمَّ به فقط، مما متعلقه إنفاق المال في المعاصي، وليس له مال بالكلية، وأيضًا فالكلام بذلك مُحَرَّمٌ، فكيف يكون مَعْفُوًّا عنه، غير مُعاقَب عليه؟.
وأما إن انفسخت نيته، وفَتَرت عزيمته من غير سبب منه، فهل يعاقب على ما هَمَّ به من المعصية أم لا؟ هذا على قسمين:
[أحدهما]: أن يكون الهمّ بالمعصية خاطرًا، ولم يساكنه صاحبه، ولم يَعْقِد قلبه عليه، بل كرهه، ونفر منه، فهو معفوّ عنه، وهو الوساوس الرديئة التي سئل النبيّ ﷺ عنها، فقال: "ذلك صريح الإيمان" (١).
ولَمّا نَزَل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] شَقَّ ذلك على المسلمين، وظَنّوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية بعدها، وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَبَيَّنَت أن ما لا طاقة لهم به غير مؤاخذ به، ولا يُكَلَّف به، وقد سَمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك نسخًا، ومرادهم أن هذه الآية أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبَيَّنَت أن المراد بالآية الأولى العزائم المصمَّمُ عليها، ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق أن الأرجح فيها النسخ المتعارف عند المتأخّرين، وسبق بيان وجه ذلك عند شرح حديث ابن عبّاس ﵁ هذا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1971
[القسم الثاني]: العزائم المصمَّمة التي تقع في النفوس، وتدوم، ويساكنها صاحبها، فهذا أيضًا نوعان:
(أحدهما): ما كان عَمَلًا مستقلًا بنفسه، من أعمال القلوب، كالشكّ في الوحدانية، أو النبوة، أو البعث، أو غير ذلك من الكفر والنفاق، أو اعتقاد تكذيب ذلك، فهذا كله يعاقب عليه العبد، ويصير بذلك كافرًا أو منافقًا، وقد رُوِيَ عن ابن عباس ﵁ أنه حَمَل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] على مثل هذا، ورُوِي عنه حملها على كتمان الشهادة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويُلْحَق بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب، كمحبة ما يبغضه الله، وبغض ما يحب الله، والكبر، والعجب، والحسد، وسوء الظن بالمسلم، من غير موجب، مع أنه قد رُوِي عن سفيان أنه قال في سوء الظن: إذا لم يترتب عليه قول أو فعل: فهو معفو عنه، وكذلك رُوِي عن الحسن أنه قال في الحسد، ولعل هذا محمولٌ من قولهما على ما يجده الإنسان، ولا يمكنه دفعه، فهو يَكرهه، ويدفعه عن نفسه، فلا يندفع إلا على ما يساكنه، ويستروح إليه، ويعيد حديث نفسه به ويبديه.
(والنوع الثاني): ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من أعمال الجوارح، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك، إذا أصرّ العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يَظهَر له أثرٌ في الخارج أصلًا، فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء:
(أحدهما): الأخذ به، قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوري: أيؤاخذ العبد بالهمّ؟ فقال: إذا كانت عزمًا أُوخذ، ورَجَّح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، من أصحابنا وغيرهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم ترجيح هذا المذهب، فلا تغفل.
قال: واستدلوا له بنحو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وبنحو قول النبيّ ﷺ : "الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وحملوا قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما حَدَّثت به
стр. 1972
أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل"، على الخطرات، وقالوا: ما ساكنه العبد، وعَقَد عليه قلبَه فهو من كسبه وعمله، فلا يكون مَعْفُوًّا عنه، ومن هؤلاء من قال: إنه يعاقب عليه في الدنيا بالهموم والغموم، رُوي ذلك عن عائشة ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، وفي صحته نظر، وقيل: بل يحاسب العبد به يوم القيامة، فيقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا يعاقبه، فتكون عقوبته المحاسبة، وهذا مرويّ عن ابن عباس، والربيع بن أنس، وهو اختيار ابن جرير، واحتجّ له بحديث ابن عمر في النجوى، وذلك ليس فيه عمومٌ، وأيضًا فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا، لا في وساوس الصدور.
(والقول الثاني): لا يؤاخذ بمجرد النية مطلقًا، ونُسِب ذلك إلى نصّ الشافعيّ، وهو قول ابن حامد من أصحابنا؛ عملًا بالعمومات، ورَوَى العوفيّ عن ابن عباس ﵁ ما يدلّ على مثل هذا القول.
وفيه قول ثالث: إنه لا يؤاخذ بالهم بالمعصية، إلا بأن يَهُمّ بارتكابها في الحرم، كما رَوَى السُّدّيّ عن مرة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما من عبد يَهُمّ بخطيئة، فلم يعملها، فتكتب عليه، ولو هَمّ بقتل الإنسان عند البيت، وهو بِعَدَن أَبْيَن أذاقه الله من عذاب أليم، وقرأ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أخرجه الإمام أحمد وغيره، وقد رواه عن السديّ شعبة، وسفيان، فرفعه شعبة، ووقفه سفيان، والقول قول سفيان في وقفه.
وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة، وهو بأرض أخرى، ولم يعملها، فتكتب عليه، وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدلّ على مثل هذا القول، وكذا حكاه القاضي أبو يعلى عن أحمد.
وقد رَدَّ بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب، وقال: الحرم يجب احترامه، وتحريمه، وتعظيمه بالقلوب، فالعقوبة على ترك هذا الواجب، وهذا لا يصح، فإن حرمة الحرم ليست بأعظم من حرمة مُحَرِّمه سبحانه، والعزم على معصية الله عزم على انتهاك محارمه، ولكن لو عَزَم على ذلك قصدًا لانتهاك حرمة الحرم، واستخفافًا بحرمته، فهذا كما لو عَزَم على فعل معصية بقصد الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى، فيكفر بذلك، وإنما ينتفي
стр. 1973
الكفر عنه إذا كان همه بالمعصية بمجرد نيل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله عن قصد مخالفة الله، والاستخفاف بهيبته وبنظره.
ومتى اقترن العملُ بالهمّ، فإنه يعاقب عليه، سواء كان الفعل متأخرًا أو متقدمًا، فمن فعل محرمًا مرة، ثم عزم على فعله متى قدر عليه، فهو مُصِرٌّ على المعصية، ومعاقب على هذه النية، وإدن لم يَعُدْ إلى عمله إلا بعد سنين عديدة، وبذلك فسَّر ابن المبارك وغيره الإصرار على المعصية.
وبكل حال، فالمعصية إنما تُكْتب بمثلها من غير مضاعفة، فتكون العقوبة على المعصية، ولا ينضمّ إليها الهمّ بها؛ إذ لو ضُمّ إلى المعصية الهم بها لعوقب على عمل المعصية عقوبتين.
ولا يقال: فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة، فمانها إذا عملها بعد الهمّ بها أثيب على الحسنة دون الهم بها؛ لأنا نقول: هذا ممنوع، فإن مَن عَمِلَ حسنة كتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهمّ بالحسنة، والله أعلم. انتهى كلام ابن رجب (١)، وهو تحقيق حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْد، أَبِي عُثْمَانَ، فِي هَذَا الإسْنَاد، بمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِث، وَزَادَ: "أَوْ مَحَاهَا اللهُ (٢)، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
стр. 1974
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهد، كان يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢، والجعد تقدّم في الإسناد السابق.
وقوله: (فِي هَذَا الإسْنَادِ) أي بإلإسناد الماضي، وهو عن أبي رجاء العُطارديّ، عن ابن عبّاس ﵁، عن رسول الله ﷺ .
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) يعني أن حديث جعفر بن سليمان بمعنى حديث عبد الوارث بن سعيد، عن الجعد، وليس بلفظه.
[تنبيه]: رواية جعفر بن سليمان التي أشار إليها المصنّف هنا ساقها الإمام أبو محمد الدارميّ في "سننه" في "الرقاق" (٢/ ٣١٣ - ٣١٤)، فقال:
(٢٦٦٧) حدثنا عفّان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد، أبو عثمان، قال: سمعت أبا رجاء العطارديّ، قال: سمعت ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه .
قال: قال رسول الله ﷺ : "إن ربكم رحيمٌ، مَن هَمّ بحسنة، فلم يعملها كُتِبت له حسنةً، فإن عملها كُتبت له عشرًا، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، ومَن هَمّ بسيئة، فلم يعملها، كُتبت له حسنةَّ، فإن عملها كتبت واحدة، أو يمحوها، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك". وكذا ساقه أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ١٩٩) (٣٣٨) إلا أن في لفظة "أو يمحوها" تصحيفًا، فتنبّه.
وقوله: (وَزَادَ: "أَوْ مَحَاهَا اللهُ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلأ هَالِكٌ") يعني أن جعفر بن سليمان زاد في روايته على رواية عبد الوارث قوله: "أو محاها الله … إلخ"، فليس هذا في رواية عبد الوارث.
فقوله: "أَوْ مَحَاهَا اللهُ" هكذا وقع في نسخة شرح الأبيّ بـ "أو"، وهو الذي في "مستخرج أبي نعيم" (١)، و"سنن الدارميّ" (٢)، ووقع في معظم النسخ المطبوعة بالواو، فتكون الواو بمعنى "أو"، فتنبّه.
والمعنى: أن الله يمحوها بالفضل، أو بالتوبة، أو بالاستغفار، أو
стр. 1975
بعمل الحسنة التي تُكَفّر السيئة، والأول أشبه؛ لظاهر حديث أبي ذر ﵁، كما سيأتي للمصنّف بلفظ: "فجزاؤه بمثلها، أو أغفر له"، وفيه ردّ لقول مَن ادّعَى أن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة، أفاده في "الفتح" (١).
وقال ابن رجب: قوله: "أو يمحوها الله " يعني أن عمل السيئة إما أن تُكْتَب لعاملها سيئةً واحدةً، أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب، كالتوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات. انتهى كلامه (٢).
قال الجامع: سيأتي ذكر ما تُمحْى به السيئات من الحسنات في "أبواب الوضوء" - إن شاء الله تعالى -.
ومعنى قوله: (وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ) أي من أصرّ على التحرِّي على السيئة عَزْمًا، وقولًا، وفعلًا، وأعرض عن الحسنات هَمًّا، وقولًا وفعلًا، قاله في "الفتح".
وقال القاضي عياضّ: قوله: "وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ": أي من حُتِّم عليه الهلاك، وسُدّ عليه أبواب الهدى؛ لسعة رحمة الله تعالى وكرمه؛ إذ جَعَل السيّئة حسنة، ولم يكتبها حتى يُعمَل بها، فإذا عُملت كُتبت واحدةً، وكَتَب الهمَّ بالحسنة حسنةً، وكَتبها إذا عملها عشرًا إلى سبعمائة ضعف، وأضعافًا كثيرةً، وكلُّ هذا من فضل الله ؛ إذ ضاعف الحسنات، حتى تكثر، وتزيد على السيّئات؛ لكثرة سيّئات بني آدم، فمن حُرِم هذه السعة، وضُيِّق عليه رَحْبُها حتى غلبت سيئاته مع إفرادها حسناته مع تضعيفها، فهو الهالك الذي سبق عليه ذلك في أمّ الكتاب. انتهى كلامه (٣).
وقال ابن رجب: قوله: "ولا يهلك على الله إلا هالك" يعني: بعد هذا الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه، بمضاعفة الحسنات، والتجاوز عن السيئات، لا يهلك على الله إلا مَنْ هَلَك، وألقى بيده إلى التهلكة، وتجرّأ على السيئات، ورَغِبَ عن الحسنات، وأعرض عنها، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: ويلٌ لمن غَلَبت وُحْدانُهُ عشراتِه، وروى الكلبيّ، عن أبي صالح،
стр. 1976
عن ابن عباس ﵁، مرفوعًا: "هَلَك مَن غَلَبَ واحده عشرًا" (١).
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَلَّتان لا يُحصيهما رجل مسلمٌ، إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يَعْمَل بهما قليل، تسبّح الله دُبُرَ كل صلاة عشرًا، وتحمده عشرًا، وتكبره عشرًا، قال: فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، فإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده مائة، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيُّكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ " (٢).
وفي "المسند" عن أبي الدرداء ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَدَع أحدُكم أن يعمل لله ألف حسنة حين يصبح، يقول: سبحان الله وبحمده مائة مرةٍ، فإنها ألف حسنة، فإنه لن يعمل - إن شاء الله تعالى - مثل ذلك في يومه من الذنوب، ويكون ما عَمِلَ من خير سوى ذلك وافرًا" (٣). انتهى كلام ابن رجب (٤)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْتِعْظَامَ الْوَسْوَسَة، والنَّفْرَةَ مِنْهَا مِنْ خَالِصِ الإيمَان، والأَمْرِ بِالاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ وُقُوعِهَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق في شرح المقدّمة أن هذه التراجم غير تراجم الكتب ليست من وضع الإمام مسلم، وإنما هي لشرّاح كتابه، وهذه الترجمة قريبة من ترجمة القرطبيّ في "مختصره"، وذكر المازريّ أنه يوجد في
стр. 1977
بعض نسخ مسلم تبويبٌ بلفظ: "بَاب الوسوسة محض الإيمان"، قال: أما قوله: "محض الإيمان"، فلا يصحّ أن يراد به أن الوسوسة هي الإيمان؛ لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوا من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في نفوسهم، فكأنه يقول: جَزَعكم من هذا هو محضُ الإيمان؛ إذ الخوف من الله ينافي الشكّ فيه، فإذا تقرّر هذا تبيّنَ أن هذا التبويب المذكور غلطٌ على مقتضى ظاهره. انتهى كلام المازريّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ما قاله العلماء في معنى قوله ﷺ : "ذاك محض الإيمان" قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧] (١٣٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحًابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَألُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِه، قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "ذَاكَ صرِيحُ الإيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشي النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقة، تغيّر في آخره [٦] مات في خلافة المنصور (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم.
стр. 1978
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سُهيل.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أيضًا أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ) أي جماعة، قال صاحب "التنبيه": لا أعلمهم (١). (مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا) قال الطيبيّ: قوله: "إنا نجد … إلخ " واقعٌ موقع الحال: أي سألوه مخبرين إنا نجد، أو قائلين، على احتمال فتح الهمزة وكسرها، وقيل: على الفتح مفعول ثانٍ لـ"سألوه"، ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانًا للمسؤول، وهو مُجمَلٌ يُفسّره الأحاديث الآتية بعده، أي نجد في قلوبنا أشياء قبيحةً، أي مَنْ خَلَقَ الله؟ وكيف هو؟، ومن أيّ شيء هو؟، وما أشبه ذلك مما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلمُ أنه تعالى قديمٌ، خالق الأشياء كلِّها، ليس بمخلوقٍ، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟. انتهى (٢).
وقوله: (مَا يَتَعَاظَمُ) "ما" موصولة بمعنى "الذي" مفعول "نجد"، و"يتعاظم" بفتح أوله مضارع تعاظم، والتفاعل للمبالغة؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، فإن الفعل الواحد إذا جرى بين اثنين تكون مزاولته أشقّ من مزاولته وحده، ولذا قيل: المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، أي نستعظم غاية الاستعظام.
وقوله: (أَحَدُنَا) روي بالرفع، ومعناه: يجد أحدنا التكلّم به عظيمًا؛
стр. 1979
لقبحه، ويجوز نصبه على نزع الخافض، أي يَعظم، ويشقّ التكلّم به على أحدنا (أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل مفعول "يتعاظم"، أي يتعاظم التكلّمَ به.
(قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ ") قال القرطبيّ: كذا صحّت الرواية "وقد" بالواو، ومعنى الكلام: الاستفهام على جهة الإنكار والتعجّب، فيَحتمل أن تكون همزة الاستفهام محذوفةً، والواو للعطف، فيكون التقدير: "أوَ قد وجدتموه؟ "، ويَحْتَمِلُ أن تكون الواو عِوَض الهمزة، كما قرأ قُنبُل، عن ابن كثير: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾، قال أبو عمرو الدانيّ: هي عوضٌ من همزة الاستفهام، وهذه الواو مثلها، والضمير في "وجدتموه" عائد على التعاظم الذي دلّ عليه "يَتَعاظم". انتهى (١).
ولفظ أحمد في "مسنده": "أوجدتم ذلك؟ "، ولفظ أبي داود: "أوَ قد وجدتموه"، قال القاري: والهمزة فيه للاستفهام التقريريّ، والواو المقرونة بها للعطف على مقدَّر: أي أحصلَ ذلك، وقد وجدتموه؟، والضمير لما يتعاظم، أي ذلك الخاطر في أنفسكم تقريرًا وتأكيدًا، فالوجدان المصادفة، أو المعنى: أحصلَ ذلك الخاطر القبيح، وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضيّ؟ فالوجدان بمعنى العلم. انتهى (٢).
(قَالُوا) أي الصحابة السائلون (نَعَمْ) أي قد وجدناه (قَالَ: "ذَاكَ) إشارة إلى مصدر "وَجَد"، أي وجدانكم قبحَ ذلك الخاطر، أو إلى مصدر "يتعاظم"، أي علمكم بفساد تلك الوساوس، وامتناع نفوسكم، وتجافيها عن التفوّه بها (صَرِيحُ الإيمَانِ") أي خالصه، يعني: أن ذلك أمارته الدالّة صريحًا على رسوخه في قلوبكم، وخلوصها من التشبيه والتعطيل؛ لأن الكافر يُصرّ على ما في قلبه من تشبيه الله بالمخلوقات، ويعتقده حسنًا، فمن استقبحها، وتعاظمها؛ لعلمه بقبحها، وأنها لا تليق به تعالى كان مؤمنًا صدقًا، فلا تُزعزعه شُبهةٌ، وإن قَوِيت، ولا تحُلّ عُقدة قلبه ريبةٌ، وإن مُوِّهت، وأما من كان إيمانه مشوبًا فيقبل الوسوسة، ولا يردّها.
стр. 1980
وقيل: المعنى: أن الوسوسة أمارة وجود الإيمان الصادق في القلب؛ لأن اللصّ لا يدخل البيت الخالي، والشيطان لصّ القلب.
وقال النوويّ: قوله ﷺ : "ذلك صريح الإيمان"، و"محض الإيمان": معناه: استعظامكم الكلام به، هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا، وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك.
(واعلم): أن الرواية الثانية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد، وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم الرواية الأولى.
وقيل: معناه: أن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فَيُنَكِّد عليه بالوسوسة؛ لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامةُ محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض (١).
وقال القرطبيّ: والصريح، والمحض: الخالص الصافي، وأصله في اللبن، ومعنى الحديث أن هذه الإلقاءات، والوساوس التي تُلقيها الشياطين في صدور المؤمنين تنفر منها قلوبهم، وَيعظُم عليهم وقوعها عندهم، وذلك دليل صحّة إيمانهم ويقينهم ومعرفتهم بأنها باطلة، ومن إلقاءات الشيطان، ولولا ذلك لركنوا إليها، ولقبلوها، ولم تَعظُم عندهم، ولا سمّوها وسوسةً.
ولَمّا كان ذلك التعاظم، وتلك النَّفْرة ناشئًا عن ذلك الإيمان، عبَّر عن ذلك بأنه خالص الإيمان، ومحض الإيمان، وذلك من باب تسمية الشيء باسم الشيء؛ لمجاورته، أو لكونه سببًا له. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلا المعنيين اللذين ذكرهما النوويّ صحيح موافق للحديث، إلا أن المعنى الثاني الذي اختاره عياض أنسب بظاهر الحديث، وقد أجاد في تقريره، وأفاد حيث قال ما خلاصته:
إن وسوسة الشيطان، وتحدّثه في نفس المؤمن إنما هو لإياسه من قبول
стр. 1981
إغوائه، وتزيينه الكفر له، وعصمة المؤمن منه، فرجع إلى نوع من الكيد والمخاتلة بالإيذاء بحديث النفس بما يَكره المؤمن من خَفيّ الوساوس؛ إذ لا يطمع من موافقته له على كفر، وهذا لا يكون إلا من مؤمن صريح الإيمان، ثابت اليقين على محض الإخلاص، بخلاف غيره من كافر وشاكّ، وضعيف الإيمان، فإنه يأتيه من حيث شاء، ويتلاعب له كما أراد، والمؤمن معصوم منه، منافرٌ له، فلما لم يمكنه منه مراده رجع إلى شغل سرّه بتحديث نفسه، ودسّ كفره، بحيث يسمعه المؤمن، فيشوّش بذلك فكره، ويُكدِّر نفسه، ويؤذيه باستماعه له، كما قال ﷺ : "الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة" (١)، إذ حقيقة هذه اللفظة: الصوت الخفيّ، ومنه وَسواس الْحُليّ لخفيّ صوته عند حركته، وبناء هذه الكلمة على التضعيف يدل على تكرار مُقتضاها، فإذن سبب الوسوسة محض الإيمان، وصريحه، والوسوسة لمن وَجَدها علامة على ذلك، كما قال ﷺ ، وكأنه ﷺ لَمّا سئل عن الوسوسة، وما يوجد في النفس منها أخبر أن مُوجبها، وسببها محض الإيمان، أو أنها علامةٌ على ذلك.
ولا يبقى بعد هذا التقرير والتفسير إشكال في متون هذا الحديث على اختلاف ألفاظه، واطّردت على معنىً سَوِيٍّ قَوِيم، وعلى هذا يُحمل ما جاء في الأحاديث الأخر. انتهى كلام القاضي عياض (٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1982
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانيه): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٤٧ و ٣٤٨] (١٣٢)، و (أبو داود) في "كتاب الأدب" (٥١١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٧ و ٤٤١)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦٤)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١٢٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٧ و ٢٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٤٠ و ٣٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن استعظام الوسوسة، والنفرة منها من خالص الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
قال الإمام ابن حبّان: إذا وجد المسلم في قلبه، أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحلّ له النطق بها، من كيفيّة الباري جلّ وعلا، أو ما يُشبه هذه، فردّ ذلك على قلبه بالإيمان الصحيح، وترك العزم على شيء منها، كان ردّه إياها من الإيمان، بل هو من صريح الإيمان، لا أن الخطرات مثلها من الإيمان. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة اهتمام في الحذر من قلوبهم ما ينقص إيمانهم.
٣ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله عباده المؤمنين بتسليط الشيطان عليهم حتى يشكّكهم في ربّهم، إلا أنه تعالى يرحمهم برد كيده إلى الوسوسة التي لا تضرّ صاحبها.
٤ - (ومنها): الإعراض عن الوساوس، وعدم الالتفات إليها، والتوكّل على الله تعالى، والاستعاذة منها؛ لأنها من الشيطان؛ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].
٥ - (ومنها): مشروعيّة سؤال العالم في كلّ ما يُصيب الإنسان، وأنه لا
стр. 1983
ينبغي له أن يسكت، وإن كان مما يُستحيى منه عادة؛ لأنه لا حياء في الحقّ، كما قالت أم سُليم ﵂ للنبيّ ﷺ : "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غسل؟ … "، متّفق عليه، وأخرج المصنّف من حديث عائشة ﵂، أنها قالت: "نِعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعنهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّابِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزيقٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدار تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد العتكيّ مولاهم، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن محمد بن أبي عديّ، وغندر، وأبي عامر العَقَديّ، وأبي أحمد الزبيريّ، وحَرَميّ بن عُمَارة، وأبي قتُيَبة، وأُمية بن خالد، وبشر بن عمر الزَّهْرانيّ، وأبي الْجَوَّاب، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، ورَوَى البخاري حديثًا عن محمد بن عمرو، عن مكيّ بن إبراهيم، فقيل: هو هذا، وقيل: الْبَلْخيّ، وأبو بكر
стр. 1984
الأثرم، وابن أبي عاصم، وأبو زرعة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبدان بن أحمد الأهوازيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال علي بن الحسين: ثنا محمد بن عمرو بن جَبَلَة، وكان صدوقًا، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِبُ، ويخالف، ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٦ - (أَبُو الْجَوَّابِ) - بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره باء موحّدة - هو: أحوص بن جَوَّاب الضبِيُّ الكوفيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩].
رَوَى عن سفيان الثوريّ، وسُعَير بن الْخِمْس، وعمار بن رُزيق الضبيّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن عبد الله بن نُمَير، وعليّ ابن المدينى، وابن أبي شيبة، وعباس بن عبد العظيم، وأبو خيثمة، وأبو بكر الصغانيّ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال مَرَّةً: ليس بذاك القويّ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن حبان في "الثقات"، كان مُتقنًا، رُبَّما وَهَم.
وقال مُطَيَّن: مات سنة (٢١١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (١٣٢)، وحديث (١٥٣٦): "من كانت له أرض، فليَهَبها، أو ليُعرها"، و (٢٠٣٦): "إن هذا اتبعنا، فإن شئت أن تأذن له … "، و (٢٦٤١): "المرء مع من أحبّ".
٧ - (عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ) - بتقديم الراء، مصغّرًا - الضَّبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ (١) [٨].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، والأعمش، ومنصور، وعبد الله بن
стр. 1985
عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمّه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن السائب، ومغيرة بن مِقْسَم، وفِطْر بن خليفة، وغيرهم.
وروى عنه أبو الجوَّاب الأحوص بن جَوّاب، وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وزيد بن الحباب، وعَبْثَر بن القاسم، ويحيى بن آدم، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال الإمام أحمد: كان من الأثبات، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن المدينيّ: ثقة، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال لُوَين: هو ابن عم عبد الله بن شُبْرُمة من ولد ضِرَار الضبيّ، وكان أبو الأحوص يُعَظِّمه، قال لُوَين: قال أبو أحمد: لو كنتَ اختلفتَ إلى عمار بن رُزيق لكفاك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، هذا برقم (١٣٢)، وحديث (٧٤٠): "يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر"، و (٨٠٦): "بينما جبريل قاعد عند النبيّ ﷺ … "، و (١٤٨٠): "انتقلي إلى بيت ابن عمّك … "، وأعاده بعده، و (١٥٣٦): "من كانت له أرض فليهبها … "، و (١٦١٨): "إن آخر سورة أنزلت تامة سورة التوبة … "، و (٢٠٣٦): "إن هذا اتّبعنا، فإن شئت أن تأذن له … "، و (٢٨١٤): "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه … ".
٨ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا، والباقيان ذُكِرا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لشعبة، وعمّار بن رُزيق، فإن كلًّا منهما يروي هذا الحديث عن الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بالحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية الأعمش التي أشار إليها المصنّف ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٢/ ٧٨)، فقال:
(٢٢٨) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة (ح)
стр. 1986
وحدثنا محمد بن الخليل المخرمي، أبو جعفر، وأبو بكر محمد بن إسحاق الصَّغَانيّ، قالا: ثنا أبو الجوَّاب، قال: ثنا عمار بن رُزَيق، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أُحَدِّث نفسي بالحديث، لأن أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أتكلم به، قال: "ذاك صريح الإيمان"، هذا لفظ عمّار.
ولفظ شعبة: أن النبيّ ﷺ سُئل عما يُحَدّث به الرجل نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك مَحْضُ الإيمان". انتهى.
وساقها أيضًا أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٠٠) رقم (٣٤١) وقال: "الصريح": الخالص في كل شيء. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩] (١٣٣) - (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ سُعَيْرِ بْنِ الْخِمْس، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَة، قَالَ: "تِلْكَ مَحْضُ الإيمَانِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَارُ) أبو يعقوب الكوفيّ، مولى بني هاشم، ويقال: مولى بني أمية، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن أبي بكر بن عَيّاش، وعبد الله بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وعليّ بن عَثّام العامريّ، ومَعْن بن عيسى القَزّاز، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو الأحوص، ويعقوب بن سفيان، وابن أبي الدنيا، وابن أبي عاصم، والحسن بن سفيان، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقةٌ من أهل الخير، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ما سمعت إلا خيرًا، وقال ابن حبّان في "الثقات": كان يُغْرِب، وقال ابن قانع: صالح.
стр. 1987
قال موسى بن هارون: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكذا نَقَل أبو داود.
وليس له في البخاري سوى موضع واحد في الجهاد.
تفرّد به الشيخان، وله عند البخاريّ حديث واحد، في الجهاد، وعند المصنّف هذا الحديث فقط.
٢ - (عَلِيّ بْنُ عَثَّامٍ) - بفتح العين المهملة، وتشديد الثاء المثلّثة - بن عليّ العامريّ الكلابيّ، أبو الحسن الكوفيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ فاضلٌ [١٠].
رَوَى عن أبيه، وسُعَير بن الْخِمْس، وفضيل بن عياض، ومالك، وحماد بن زيد، وداود الطائيّ، وابن المبارك، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وجماعة من أقرانه، وغيرهم.
وروى عنه إسحاق بن راهويه، ويوسف بن يعقوب الصفّار، والحسين بن جعفر بن منصور، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن عبد الوهاب الفَرّاء، وهو راويته، وأبو حاتم، والذهليّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وعلي بن الحسن الهلاليّ، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال الحاكم: أديبٌ، فقيهٌ، حافظٌ، زاهدٌ، واحد عصره، وكان لا يحدث إلا بعد الجهد، وأكثر ما حُمِل عنه الحكايات، وأقاويله في الرجال، وقال محمد بن عبد الوهاب الفَرّاء: ما رأيت مثله في العسر في الحديث، وكان يقول: يجيء الرجل، فيسأل، فإذا أَخَذ غَلِط، ويجيء الرجل، فيأخذ، ثم يُصَحِّف، ويجيء الرجل، فيأخذ ليُمَاري، ويجيء الرجل، فيأخذ ليباهي به، وليس عليّ أن أعلم هؤلاء إلا رجل يجيء فيَهْتَمّ لأمر دينه، فحينئذ لا يسعني أن أمنعه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحاكم: ورد نيسابور سنة (٢٠٥)، فسكنها، حتى خرج منه سنة (٢٥) إلى طَرَسُوس، فسكنها إلى أن مات بها سنة ثمان وعشرين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ) "سُعير" - آخره راء، مصغّرًا - بن الْخِمْس - بكسر الخاء المعجمة، وسكون الميم، آخره سين مهملة - التميميّ، أبو مالك، ويقال: أبو الأحوص، صدوقٌ [٧].
стр. 1988
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وسليمان التيميّ، وزيد بن أسلم، والأعمش، ومغيرة، وهشام بن عروة، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.
وروى عنه ابن عيينة، وأبو الْجَوّاب، وحسين الْجُعْفيّ، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وعليّ بن عَثّام العامريّ، ويحيى بن يحيى، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ: عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو الفضل بن عَمّار الشهيد: أخطأ في غير ما حديث، مع قِلّة ما رَوَى، وقال الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الحديث، وقال ابن سعد: كان صاحب سنة، وعنده أحاديث، وقال الدارقطنيّ: ثقة.
وقال عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ: شهدت سُعَير بن الْخِمْس، وقُرِّب إلى قبره ليُدْفَن، فتحرك عضو من أعضائه، فكُشِف الثوب عن وجهه، فإذا نَفَسُهُ، فَرُدّ إلى منزله، فوُلِد له مالك بن سُعير بعد ذلك.
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، رفعه هو، وأرسله غيره، كما سيأتي بيانه، والجواب عنه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه كان يدلس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت بعد الستين، أو بعد السبعين)، (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ﵁ المذكور قريبًا، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فالرواة كلهم كوفيّون.
стр. 1989
٣ - (ومنها): أن عثّامًا، والد عليّ، وسُعيرًا، وأباه الْخِمس لا يُعرف لهم نظير في الأسماء.
٤ - (ومنها): أن فيه - على ما قاله النوويّ - ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: مغيرة، وإبراهيم، وعلقمة، وفي كون مغيرة تابعيًّا نظر؛ لأنه لم يلق صحابيًّا، ولذا جعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، وهي التي عاصرت، وليس لها لقاء، إلا على قول من يكتفي بالمعاصرة، فتأمل، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ) لم يُعرف السائل، كما قاله صاحب "التنبيه" (عَنِ الْوَسْوَسَةِ) أي عن حكمها، فهل تضرّ بالإيمان أم لا؟ (قَالَ: "تِلْكَ) أي الوسوسة (مَحْضُ الايمَانِ") أي استعظامكم لها، وشدّة خوفكم منها، ومن التكلّم بها خالص الإيمان؛ فإن استعظام مثل هذا، وشِدّة الخوف منه، ومن النطق به، فضلًا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الرِّيبة والشكوك.
وهذه الرواية، وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام، فهو مراد، وهي مختصرة من حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، ولهذا قَدَّم المصنّف ذاك، قاله النوويّ.
وقال الخطابيّ: معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يُلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك أنها إنما تتولّد من فعل الشيطان، وتسويله، فكيف يكون إيمانًا صريحًا؟. انتهى.
وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أَيِسَ من إغوائه، فيُنَكِّد عليه بالوسوسة؛ لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر، فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سببُ الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسةُ علامةُ محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض، وقد تقدّم تحقيقه مستوفًى في شرح حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 1990
[تنبيه]: في هذا الحديث قصّة ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٧٩)، فقال:
(٢٢٩) حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال سمعت عليّ بن عَثّام يقول: أتيت سُعَير بن الْخِمْس، فسألته عن حديث الوسوسة، فلم يحدثني، فأدبرت أبكي، ثم لقيني، فقال لي: تَعَالَ، حدثنا مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يجد الشيءَ، لو خَرّ من السماء، فيخطفه الطير، كان أحب إليه من أن يتكلم به، قال: "ذاك محض، أو صريح الإيمان". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا من أفراد المصنّف.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٤٩] (١٣٣)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٤٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٤٧)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٥١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان الانتقاد لهذا الحديث:
قد تقدّم في "مقدّمة شرح المقدّمة" أن هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد المتوفّى سنة (٣١٧ هـ)، فقال في رسالته: وليس هذا الحديث عندنا بالصحيح؛ لأن جرير بن عبد الحميد، وسيلمان التيميّ روياه عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكرا علقمة، ولا ابن مسعود، وسُعَير ليس ممن يُحتَجّ به؛ لأنه أخطأ في غير حديث، مع قلّة ما أسنده من الأحاديث. انتهى (١).
стр. 1991
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما انتقد به أبو الفضل على المصنّف أنه رجّح إرسال هذا الحديث على إسناده؛ لمخالفة سُعير للأكثر، والأوثق منه، لكن يُجاب عن المصنّف بأنه إنما أورد الحديث شاهدًّا لحديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه قبله، لا أصالةً، ومعلوم أن الشواهد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠] (١٣٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) أبو عليّ الْخَزّاز الضرير المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن الدَّرَاورديّ، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن عيينة، وابن وهب، وبِشْر بن السَّرِيّ، وحاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ومروان بن شُجَاع، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن محمد بن عبد الرحيم البزاز، ومحمد بن عبد الله المخرّميّ عنه، وحَدّث عنه أحمد بن حنبل، وهو حيّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذُّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وجماعة.
قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ.
وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي من حفظه ببغداد سنة خمس عشرة ومائتين بعدما عَمِي، وقال أبو داود: سمعت الثقة يقول: قال هارون بن
стр. 1992
معروف: رأيت في المنام قيل لي: من آثر الحديث على القرآن عُذِّب، قال: فظننت أن ذهاب بصري من ذلك، قال ابن أبي خيثمة: سمعته في شوال في سنة سبع وعشرين ومائتين يقول: أنا في سبعين سنة، ومات سنة إحدى وثلاثين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد أبو القاسم البغويّ: في رمضان.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
٤ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: هشام عن أبيه.
٤ - (منها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أبو هريرة ﵁، وقد سبق الكلام عنه قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي يسأل بعضهم بعضًا عن العلوم والموجودات، والتساؤل جريان
стр. 1993
السؤال بين اثنين فصاعدًا، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان، أو النفس، أو إنسان آخر: أي يجري بينهما السؤال في كلّ نوع، (حَتَّى) يبلغ السؤال إلى أن (يُقَالَ) بالبناء للمفعول، وقد بُيِّن الفاعل في الروايات الآتية بأنه الشيطان، أو أنهم القائلون، ففي الرواية الثانية، والثالثة، والرابعة: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول"، وفي الرواية الخامسة، والسادسة: "حتى يقولوا": أي في أنفسهم، أو لغيرهم، (هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) قال التوربشتيّ: لفظ "هذا" يحتمل وجهين:
[أحدهما]: أن يكون مفعولًا، والمعنى: حتى يقال هذا القول.
[والثاني]: أن يكون مبتدأ حُذف خبره: أي هذا القول، أو قولك هذا قد عُلم، أو عُرِف. قال: رواه مسلم في كتابه على هذا السياق عن أبي هريرة ﵁، ورواه أيضًا عن أنس ﵁، وفي روايته: "يقال: هذا الله خَلَقَ الخلقَ"، كذلك رواه البخاريّ في كتابه عن أبي هريرة ﵁، والحديث على السياق محتمِلٌ لوجه آخر سوى الوجه الذي ذكرناه أوّلًا، وهو أن يكون "هذا الله" مبتدأ وخبرًا، أو "هذا" مبتدأ، و"الله" عطف بيان، و"خَلَقَ الله الخلقَ" خبره، وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على هذا السياق، وكلا السياقين صحيح.
قال الطيبيّ بعد ذكره كلام التوربشتيّ: قوله: "هذا" مبتدأ حُذف خبره، أولى الوجوه، لكن تقديره على ما ذكره، وذلك أن يقال: هذا مقرَّرٌ، أو مُسلَّمٌ، وهو أن الله تعالى "خَلَقَ الخلقَ"، فما تقول في "الله"؟، فإن الله تعالى شيء، لقوله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٩]، وكلُّ شيء مخلوقٌ؛ لقوله : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] فمن خلقه؟ فعلى هذا، الفاء رتّبت ما بعدها على ما قبلها، وقوله: "خَلَقَ اللهُ الخلقَ" بيانٌ لقوله: هذا مسلّمٌ، وبهذا المعنى لا يستقيم أن يقال: إن هذا مقول، وما بعده بيان له؛ لأن الفاء تدفعه.
ووجه آخر، وهو أن يقدّر: هذا القول مقرَّرٌ، فوُضِعَ "خَلَقَ اللهُ الخلقَ" موضع القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١]، أي إذا قيل لهم هذا القول؛ لأن ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ فعل لا يقع مفعولًا إلا
стр. 1994
على التأويل، وهذا القول كُفْرٌ، فمن تكلّم به، فليتداركه بكلمة الإيمان، وليقل: آمنت بالله خالق كلّ شيء، وليس بمخلوق، ولا يُتصوَّر كُنْهَه وَهْمٌ ولا خَيَال، ولا يحضره فهم ولا مثال. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف (١).
(فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟) الفاء فصيحيّة؛ سميّت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدّر كما يأتي، و"من" استفهاميّة مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة جواب الشرط المقدّر، أي إذا ثبت أن الله تعالى خلق كلّ الخلق، فمن خلق … إلخ؟.
(فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) إشارة إلى القول المذكور، و"من ذلك" حالٌ من "شيئًا"، أي من صادف شيئًا من ذلك القول والسؤال، أو وجد في خاطره شيئًا من جنس ذلك المقال، قاله القاريّ (٢). (فَلْيَقُلْ) أي فورًا من حينه (آمَنْتُ بِاللهِ) زاد في الرواية التالية: "ورُسُله"، ولأبي داود، والنسائيّ من الزيادة: "فقولوا: الله أحد، الله الصمد، السورةَ، ثم لْيَتْفُل عن يساره، ثم ليستعذ"، ولأحمد من حديث عائشة: "فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يَذْهَبُ عنه" (٣).
قال القرطبيّ: قوله: "قل: آمنت بالله" أمرٌ بتذكّر الإيمان الشرعيّ، واشتغال القلب به؛ لتمحى تلك الشبهات، وتضمحلّ تلك التّرّهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تَعْرِضُ التّرّهاتُ لها، ولا تمكُثُ فيها، فإذا استُعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحّتها، وحُفِظت سلامتها.
فأما القلوب التي تمكّنت أمراض الشُّبَه فيها، ولم تقدِر على دفع ما حلّ بها بتلك الأدوية المذكورة، فلا بدّ من مشافهتها بالدليل العقليّ، والبرهان القطعيّ، كما فَعَل النبيّ ﷺ مع الذي خالطته شبهة الإبل الْجُرْبِ حين قال النبيّ ﷺ : "لا عَدْوَى"، فقال أعرابيّ: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها
стр. 1995
الظباء، فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟، فقال النبيّ ﷺ : "فمن أعدى الأول؟ "، متّفقٌ عليه، فاستأصل الشبهة من أصلها.
وتحرير ذلك على طريق البرهان العقليّ أن يقال: إن كان الداخل أجربها، فمن أجربه، فإن كان أجربه بعيرٌ آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وكلاهما محال، فلا بدّ أن نقف عند بعير أجربه الله من غير عَدْوَى، وإذا كان كذلك، فالله تعالى هو الذي أجربها كلّها: أي خَلَقَ الْجَرَبَ فيها. انتهى (١).
وفي الرواية التالية: "فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ": أي ليَكُفّ عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، وليَعْلَمْ أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها.
قال الخطابيّ: وجهُ هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك، فاستعاذ الشخص بالله منه، وكَفّ عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تَعَرَّض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يَقَع منه الكلام بالسؤال والجواب، والحالُ معه محصور، فإذا راعى الطريقة، وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلّما أُلزم حجة زاغ إلى غيرها، إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك.
قال: على أن قوله: "فمَن خَلَق الله" كلام متهافتٌ ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا، ثم لو كان السؤال مُتّجهًا لاستلزم التسلسل، وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى مُحْدِثٍ، فلو كان هو مفتقرًا إلى مُحْدِث لكان من المحدثات. انتهى.
قال الحافظ: والذي نحا إليه الخطابيّ من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر؛ لأن في رواية المصنّف الآتية: "لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وَجَدَ من ذلك
стр. 1996
شيئًا، فليقل: آمنت بالله"، فسَوَّى في الكفّ عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك، من بشر وغيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب الحافظ لكلام الخطابي في تفرقته المذكورة حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، بل سوّى بينهم، فلا ينبغي التفريق، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.
وقال ابن بطّال: إن هذا السؤال: "من خَلَقَ الله؟ " لا ينشأ إلا عن جهل مُفرِط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلُق الله تعالى نفسه؟، قيل له: هذا ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك أثبتّ خالقًا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلُقُ نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا معدومًا فاسد؛ لتناقضه؛ لأن الفاعل يتقدّم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلًا له. انتهى.
وقال ابن التين: لو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدّمه شيء، ولا يصحّ عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله ﵎. انتهى.
وقال النوويّ قوله: "فليستعذ بالله، ولينته": معناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه.
قال المازريّ: ظاهر الحديث أنه ﷺ أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرّة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفَع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحْمَل الحديث، وعلى مثلها يَنطلق اسم الوسوسة، فكأنه لَمّا كان أمرًا طارئًا بغير أصل، دُفِع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له يُنظَر فيه، وأما الخواطر المستقِرَّة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال، والنظر في إبطالها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فرّق المازريّ بين الخواطر المستقرّة
стр. 1997
وغير المستقرّة، وحمل الحديث على غير المستقرّة، وأما المستقرّة، فلا ينفعها ما ذكره النبيّ ﷺ من الداء، وهكذا نقل النوويّ وصاحب "الفتح" عنه، وأقرّوه عليه، وهذا من الغريب، فإن الرسول الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وإزالة الشُّبَه بأنواعها يصف دواء لهذا الداء، هو من أدوى الأدواء حيث إنه يوسوس في الخالق ، فيقول: "فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته"، وما فصّل وما فرّق بين ما استَحْكَم من هذا الداء، وبين ما لم يستحكم، بل أطلق إرشاده، وبيّن أن دواءه هو هذا، وهو في مقام البيان، يحتاج إلى أن يبيّن للأمة الأميّة أتمّ البيان، فلو كان الأمر يحتاج إلى ذلك، لما سكت عنه، فلا يسع العاقل إلا أن يستعمل النصّ العامّ على عمومه، ولا يحمله على الخصوص بدون حجة.
ثم إن هذا الذي ذكره المازريّ من أن الخواطر المستقرّة لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر هو الذي فتح باب الشُّبه والأفكار الخاطئة على المتكلّمين، وأذنابهم، فتاهوا في فيافي الحيرة، ووقعوا في جُحر الشكّ والارتياب لدى بحثهم عن حقيقة ربّ الأرباب، فصار النتيجة أن خرجوا من الدنيا مرتابين معرضين عن ربّهم، متحيّرين هائمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وبالجملة، فهذا الباب مرجعه الصحيح، ودواؤه المريح هو الذي جاء في كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه ﷺ ، كما أرشد إليه ربنا ، حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤].
وهذا هو منهج السلف الأسلم الأعلم الأحكم، وقد تقدّم ذكر ما نُقل عن الأئمة المعتبرين الذي سلكوا مسلك المتكلّمين، ثم هداهم الله إلى طريقة السلف، وتابوا عن طريق المتكلّمين، فحذّروا الناس من اتباع طريقة المتكلّمين، كالجوينيّ، والغزاليّ، والرازيّ، والشهرستانيّ مستوفًى في المسائل
стр. 1998
التي ذُكرت في شرح حديث جبريل؛ أولَ "كتاب الإيمان"، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح": أنه وقع نحوُ هذه المسألة في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وأنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثله؟ فسأل أهل العلم، فبَدَرَ شابّ، فقال: هذا السؤال مُحالٌ؛ لأن المخلوق مُحْدَث، والمحدَث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزًا جاهلًا. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٥٠ و ٣٥١ و ٣٥٢ و ٣٥٣] (١٣٤) و [٦٣/ ٣٥٤ و ٣٥٥ و ٣٥٦ و ٣٥٧] (١٣٥)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٧٦)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٢١)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦١ و ٦٦٢ و ٦٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٢ و ٣١٧ و ٣٣١ و ٣٨٧ و ٥٣٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٥٣)، و (الدارميّ) في "الردّ على الجهميّة" (ص ٩ و ١٠)، و (الطبرانيّ) في "الدعاء" (١٢٥٦ و ١٢٦٦ و ١٢٦٧ و ١٢٦٨)، و (ابن السّنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٣ و ٢٣٤ و ٢٣٦ و ٢٣٧ و ٢٣٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٤٣ و ٣٤٤ و ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٤٧ و ٣٤٨ و ٣٤٩ و ٣٥٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٥٢ و ٢٥٣ و ٣٥٤ و ٣٥٥ و ٣٥٧ و ٣٥٨ و ٣٥٩ و ٣٦٠ و ٣٦١ و ٣٦٢ و ٣٦٣ و ٣٦٤)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٢٢)، و (اللالكائيّ) في "السنّة" (٩٢٥ و ٩٢٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦١ و ٦٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1999
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الوسوسة لا تضرّ بالإيمان؛ لأنها مجرّد تلبيس الشيطان، وهذا وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): وجوب الإعراض عن هذه الوساوس، وعدم الإصغاء إليها، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع شرّه عنه، وأن يعلم العبد أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.
٣ - (ومنها): وجوب تجديد الإيمان كلما وَجَد الإنسان في قلبه شيئًا من الوسواس، فيقول: آمنت بالله، ورسوله ﷺ .
٤ - (ومنها): وجوب الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه في دفع وساوس الشيطان؛ لأنه القادر عليه، قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].
٥ - (ومنها): أن يجعل العبد عداوة الشيطان نُصبَ عينيه دائمًا، ويتذكّرَ بالاستمرار قوله : ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]، وقوله : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
فإذا علم العبد ذلك، وأنه عدوّ لدود، لا يمكن التغلّب عليه، فإن العدوّ إذا كان يُرَى أمكن مدافعته، وأما العدوّ الذي لا يُرى، فلا يمكن الحذر منه، فما بقي للعبد إلا أن يلجأ إلى الذي يراه، ويقدر على دفعه، وهو الله ، فقد أمر باتخاذه عدوًّا، مع إعلامه بأنه يرانا من حيث لا نراه، ثم أخبرنا بأنه ليس له سبيل إلى التسلّط وإلحاق الضرر بعباده، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، فبيّن أن الطريق الوحيد في دفعه الالتجاء إليه، والاستعاذة به، والتحصّن بالتوكّل عليه، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾
стр. 2000
[الزمر: ٣٦]، فيا سعادة من توكّل عليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ويا فوز من اتقاه، والتجأ في أموره إليه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، اللهم اجعلنا ممن توكّل عليك، فكفيته، واتقاك، فأنلته بُغيته، آمين.
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ذَمّ كثرة السؤال عما لا يَعْنِي المرء، وعما هو مُسْتَغْنٍ عنه.
٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبيّ ﷺ بوقوع ذلك، كما أخبر بذلك أبو هريرة ﵁ في حديثه الآتي، حيث قال: "قد سألني اثنان، وهذا الثالث"، أو: "سألني واحد، وهذا الثاني"، وذكر أيضًا أن ناسًا من الأعراب سألوه، ولذا قال: "صدق الله ورسوله ﷺ "، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
٨ - (ومنها): بيان وسوسة الشيطان، وعلاجها، وهو الاستعاذة، فإنه يندفع بذلك.
٩ - (ومنها): الأمر بالكفّ عن التفكير عند خوف الزلل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ: "وَرُسُلِهِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.