← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

شيئًا، فليقل: آمنت بالله"، فسَوَّى في الكفّ عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك، من بشر وغيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب الحافظ لكلام الخطابي في تفرقته المذكورة حسنٌ جدًّا. وحاصله أن النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، بل سوّى بينهم، فلا ينبغي التفريق، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم. وقال ابن بطّال: إن هذا السؤال: "من خَلَقَ الله؟ " لا ينشأ إلا عن جهل مُفرِط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلُق الله تعالى نفسه؟، قيل له: هذا ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك أثبتّ خالقًا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلُقُ نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا معدومًا فاسد؛ لتناقضه؛ لأن الفاعل يتقدّم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلًا له. انتهى. وقال ابن التين: لو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدّمه شيء، ولا يصحّ عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله ﵎. انتهى. وقال النوويّ قوله: "فليستعذ بالله، ولينته": معناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه. قال المازريّ: ظاهر الحديث أنه ﷺ أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرّة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفَع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحْمَل الحديث، وعلى مثلها يَنطلق اسم الوسوسة، فكأنه لَمّا كان أمرًا طارئًا بغير أصل، دُفِع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له يُنظَر فيه، وأما الخواطر المستقِرَّة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال، والنظر في إبطالها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فرّق المازريّ بين الخواطر المستقرّة

стр. 1997

وغير المستقرّة، وحمل الحديث على غير المستقرّة، وأما المستقرّة، فلا ينفعها ما ذكره النبيّ ﷺ من الداء، وهكذا نقل النوويّ وصاحب "الفتح" عنه، وأقرّوه عليه، وهذا من الغريب، فإن الرسول الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وإزالة الشُّبَه بأنواعها يصف دواء لهذا الداء، هو من أدوى الأدواء حيث إنه يوسوس في الخالق ، فيقول: "فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته"، وما فصّل وما فرّق بين ما استَحْكَم من هذا الداء، وبين ما لم يستحكم، بل أطلق إرشاده، وبيّن أن دواءه هو هذا، وهو في مقام البيان، يحتاج إلى أن يبيّن للأمة الأميّة أتمّ البيان، فلو كان الأمر يحتاج إلى ذلك، لما سكت عنه، فلا يسع العاقل إلا أن يستعمل النصّ العامّ على عمومه، ولا يحمله على الخصوص بدون حجة. ثم إن هذا الذي ذكره المازريّ من أن الخواطر المستقرّة لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر هو الذي فتح باب الشُّبه والأفكار الخاطئة على المتكلّمين، وأذنابهم، فتاهوا في فيافي الحيرة، ووقعوا في جُحر الشكّ والارتياب لدى بحثهم عن حقيقة ربّ الأرباب، فصار النتيجة أن خرجوا من الدنيا مرتابين معرضين عن ربّهم، متحيّرين هائمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبالجملة، فهذا الباب مرجعه الصحيح، ودواؤه المريح هو الذي جاء في كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه ﷺ ، كما أرشد إليه ربنا ، حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤]. وهذا هو منهج السلف الأسلم الأعلم الأحكم، وقد تقدّم ذكر ما نُقل عن الأئمة المعتبرين الذي سلكوا مسلك المتكلّمين، ثم هداهم الله إلى طريقة السلف، وتابوا عن طريق المتكلّمين، فحذّروا الناس من اتباع طريقة المتكلّمين، كالجوينيّ، والغزاليّ، والرازيّ، والشهرستانيّ مستوفًى في المسائل

стр. 1998

التي ذُكرت في شرح حديث جبريل؛ أولَ "كتاب الإيمان"، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ذكر في "الفتح": أنه وقع نحوُ هذه المسألة في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وأنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثله؟ فسأل أهل العلم، فبَدَرَ شابّ، فقال: هذا السؤال مُحالٌ؛ لأن المخلوق مُحْدَث، والمحدَث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزًا جاهلًا. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٥٠ و ٣٥١ و ٣٥٢ و ٣٥٣] (١٣٤) و [٦٣/ ٣٥٤ و ٣٥٥ و ٣٥٦ و ٣٥٧] (١٣٥)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٧٦)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٢١)، و (النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٦١ و ٦٦٢ و ٦٦٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٢ و ٣١٧ و ٣٣١ و ٣٨٧ و ٥٣٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٥٣)، و (الدارميّ) في "الردّ على الجهميّة" (ص ٩ و ١٠)، و (الطبرانيّ) في "الدعاء" (١٢٥٦ و ١٢٦٦ و ١٢٦٧ و ١٢٦٨)، و (ابن السّنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٣ و ٢٣٤ و ٢٣٦ و ٢٣٧ و ٢٣٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٤٣ و ٣٤٤ و ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٤٧ و ٣٤٨ و ٣٤٩ و ٣٥٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٥٢ و ٢٥٣ و ٣٥٤ و ٣٥٥ و ٣٥٧ و ٣٥٨ و ٣٥٩ و ٣٦٠ و ٣٦١ و ٣٦٢ و ٣٦٣ و ٣٦٤)، (وابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٢٢)، و (اللالكائيّ) في "السنّة" (٩٢٥ و ٩٢٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٦١ و ٦٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 1999

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الوسوسة لا تضرّ بالإيمان؛ لأنها مجرّد تلبيس الشيطان، وهذا وجه المطابقة في إيراده هنا. ٢ - (ومنها): وجوب الإعراض عن هذه الوساوس، وعدم الإصغاء إليها، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع شرّه عنه، وأن يعلم العبد أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها. ٣ - (ومنها): وجوب تجديد الإيمان كلما وَجَد الإنسان في قلبه شيئًا من الوسواس، فيقول: آمنت بالله، ورسوله ﷺ . ٤ - (ومنها): وجوب الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه في دفع وساوس الشيطان؛ لأنه القادر عليه، قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]. ٥ - (ومنها): أن يجعل العبد عداوة الشيطان نُصبَ عينيه دائمًا، ويتذكّرَ بالاستمرار قوله : ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]، وقوله : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. فإذا علم العبد ذلك، وأنه عدوّ لدود، لا يمكن التغلّب عليه، فإن العدوّ إذا كان يُرَى أمكن مدافعته، وأما العدوّ الذي لا يُرى، فلا يمكن الحذر منه، فما بقي للعبد إلا أن يلجأ إلى الذي يراه، ويقدر على دفعه، وهو الله ، فقد أمر باتخاذه عدوًّا، مع إعلامه بأنه يرانا من حيث لا نراه، ثم أخبرنا بأنه ليس له سبيل إلى التسلّط وإلحاق الضرر بعباده، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، فبيّن أن الطريق الوحيد في دفعه الالتجاء إليه، والاستعاذة به، والتحصّن بالتوكّل عليه، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

стр. 2000

[الزمر: ٣٦]، فيا سعادة من توكّل عليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ويا فوز من اتقاه، والتجأ في أموره إليه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، اللهم اجعلنا ممن توكّل عليك، فكفيته، واتقاك، فأنلته بُغيته، آمين. ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ذَمّ كثرة السؤال عما لا يَعْنِي المرء، وعما هو مُسْتَغْنٍ عنه. ٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبيّ ﷺ بوقوع ذلك، كما أخبر بذلك أبو هريرة ﵁ في حديثه الآتي، حيث قال: "قد سألني اثنان، وهذا الثالث"، أو: "سألني واحد، وهذا الثاني"، وذكر أيضًا أن ناسًا من الأعراب سألوه، ولذا قال: "صدق الله ورسوله ﷺ "، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. ٨ - (ومنها): بيان وسوسة الشيطان، وعلاجها، وهو الاستعاذة، فإنه يندفع بذلك. ٩ - (ومنها): الأمر بالكفّ عن التفكير عند خوف الزلل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ: "وَرُسُلِهِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.

стр. 2001

٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ) محمد بن مسلم بن أبي الوضّاح، واسمه المثنّى الْقُضَاعيّ الْجَزَريّ، نزيل بغداد، مشهور بكنيته، ثقةٌ (١) [٨]. رَوَى عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبد الكريم بن مالك الْجَزَريّ، وسليمان التيميّ، والأعمش، وثابت بن أبي سعيد، ومِسْعَر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو النضر، ويحيى بن حَسّان، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ومنصور بن أبي مُزاحِم، وداود بن عمرو، ومحمد بن بَكَار بن الرّيّان. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: جَزَريّ ثقة، مُعَلِّم موسى الخليفة، وقال يعقوب بن سفيان: كان مُؤَدِّب موسى قبل أن يُسْتَخْلَف، وهو ثقة، وقال البخاريّ: فيه نظر، وقال يعقوب بن عُقْدة، عن عبد الله بن إبراهيم بن قُتيبة: سئل ابن نُمير عن أبي سعيد، فقال: صالحٌ لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، وقال ابن سعد: مات في خلافة موسى الهادي، وكان ثقة، وقال أبو زرعة: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: ثقة ثقة، قالها مرتين. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والأربعة. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام المذكور قبله. وقوله: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ) أي إبليس، أو أحد أعوانه (أَحَدَكُمْ) تقدّم أن مثل هذا ليس المقصود به الرجال فقط، فإن النساء في هذا مثلهم، وإنما وجّه الخطاب إليهم، وخصّهم به؛ لكونهم الذين حضروا مجلس تحديثه ﷺ ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

стр. 2002

وقوله: (فَيَقُولُ: اللهُ) أي يقول المسلم الذي سأله الشيطان السؤال المذكور جوابًا عنه: الله هو الذي خلق السماء والأرض. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ: "وَرُسُلِهِ") الضمير لأبي سعيد المؤدّب: أي ذكر أبو سعيد في روايته عن هشام بن عروة بمثل رواية سفيان بن عيينة عنه، وزاد في آخر الحديث قوله: "ورُسُله". [تنبيه]: رواية أبي سعيد المؤدّب التي أحالها المصنّف على رواية سفيان بن عيينة ساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٤٧٨)، فقال: (٣٥٣) أنبأ حَسّان بن محمد، أبو الوليد، ثنا جعفر بن أحمد بن نصر وغيره، قال: ثنا محمود بن غَيْلان، ثنا أبو النَّضْر، هاشم بن القاسم، ثنا أبو سعيد المؤدِّب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ ﷺ قال: "يأتي الشيطان أحدَكم، فيقول: مَنْ خَلَقَ السماء؟، ومن خَلَق الأرض؟، فيقول: الله، فيقول: مَن خَلَق الله؟ فمَن وَجَدَ من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله ورُسُلِه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِالله، وَلْيَنْتَهِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف

стр. 2003

الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الزهريّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعمّه، وصالح بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، وعِدَّةٍ. ورَوَى عنه محمد بن إسحاق، وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن إسحاق المدنيّ، ومات قبله، وإبراهيم بن سعد، وأمية بن خالد الأزديّ، وأبو أويس المدني، وعبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، والقعنبيّ، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، وقال مرَّةً: صالح الحديث، وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى: ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال مرّةً: صالح، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ابن أخي الزهريّ أحب إليّ من ابن إسحاق في الزهريّ، وقال العقيليّ، عن ابن معين: ضعيف، لا يُحْتَجّ بحديثه، قال: وأما محمد بن يحيى، فجعله من الطبقة الثانية، من أصحاب الزهريّ، مع أسامة بن زيد، وابن إسحاق، وأبي أويس، وفُلَيح، قال: وهؤلاء كلهم في حال الضعف والاضطراب، قال: وقال محمد بن يحيى: إذا اختَلَفَ أصحاب الطبقة الثانية، كان الْمَفْزَع إلى أصحاب الطبقة الأولى، قال: وقد رَوَى ابن أخي الزهري ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلًا، فذكر حديثه عن عمه، عن سالم، عن أبي هريرة، رفعه: "كُلُّ أمتي مُعَافًى إلا المجاهرون"، وبه عن أبي هريرة، قوله إذا خطب: "كلُّ ما هو آتٍ قريب … " الحديث، والثالث حديثه عن امرأته، أم الحجاج بنت الزهريّ، قالت: كان أبي: يأكل بكفّه، فقلت: لو أكلتَ بثلاث أصابع، قال: إن النبيّ ﷺ كان يأكل بكفّه كلِّها، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَبُ حديثه، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عن ابن أخي الزهريّ، فقال: لم أسمع أحدًا يقول فيه بشيء، إلا أن أحمد بن صالح، حَكَى عن ابن أبي أُويس، قال أبو داود: طوبى لابن أبي أويس، أن يقاربه، وقال مرة أخرى: سألت أبا داود

стр. 2004

عنه، فقال: ثقةٌ، سمعت أحمد يُثْنِي عليه، وأخبرني عباس، عن يحيى بالثناء عليه، وقال ابن عديّ: لم أر بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثًا منكرًا، فأذكره، إذا روى عنه ثقةٌ. وقال الواقديّ: قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله بناحية شغب وبَدا، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا، قتله للميراث، وذلك في آخر خلافة أبي جعفر سنة (١٥٢)، وليس له عقب، وكان كثير الحديث، صالحًا. وقال ابن حبان: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وكان رديء الحفظ، وكثير الْوَهَم، وقال الساجيّ: صدوقٌ، تفرَّد عن عمه بأحاديث، لم يتابع عليها، وقال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد. انتهى. قال في "تهذيب التهذيب" (١): ولم أَرَ له في البخاريّ غير حديثين، وقال ابن معين: هو أمثل من أبي أويس، ويقال: إنه انفرد عن عمه بحديث: "كُلُّ أمتي مُعافًى إلا المجاهرون" (٢)، و"كان ﷺ يأكل بكفه كلها"، وقولِ أبي هريرة في خطبته: "كلُّ ما هو آتٍ قريب"، ورَوَى الواقديّ عنه، عن عمه حديثًا آخر، والواقديّ غير حجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: ("مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟) أي من خلق السماء، ومن خلق الأرض، كما سبق في الرواية الماضية. وقوله: (فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ) أي قوله: "من خَلَقَ ربك؟ " (فَلْيَسْتَعِذْ بِالله، وَلْيَنْتَهِ") قال الطيبي: أي وليترك التفكّر في هذا الخاطر، وليستعذ منه، وإن لم يزل التفكّر بالاستعاذة، فليقُم، وليشتغل بأمر آخر، وإنما أَمره بالاستعاذة، والانتهاء عنه، والإعراض عن مقابلته، لا بالتأمّل، والاحتجاج لوجهين: [الأول]: أن العلم باستغنائه عن المؤثّر والموجد أمر ضروريّ، لا يقبل الاحتجاج والمناظرة له وعليه، فإن وقع من ذلك شيء كان من وسوسة الشيطان؛ لأنه مسلَّطٌ في باب الوسوسة، ووساوسه غير متناهية، فمهما عارضته

стр. 2005

فيما يوسوس بحجة يجد مسلكًا آخر إلى ما ينفيه من المغالطة والتشكيك، وأدنى ما يُفيده من الاسترسال في ذلك إضاعة الوقت، فلا تدبير في دفع ذلك أقوى، وأحسن من الاستعاذة بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٠]. [وثانيهما]: أن السبب في اعتوار أمثال ذلك احتباس المرء في عالم الحسّ، وما دام كذلك لا يزيده فكره إلا انهماكًا في الباطل، وزَيْغًا عن الحقّ، ومن كان هذا حاله فلا علاج له إلا الالتجاء إلى الله تعالى؛ للاعتصام بحوله وقوّته بالمجاهدة والرياضة، فإنهما مما يُزيل البلادة، ويُصفّي الذهن، ويزكّي النفس (١). انتهى كلام الطيبيّ، وهو كلام حسنٌ. وقال النوويّ: قوله ﷺ : "فليستعذ بالله، ولينته": معناه: إذا عَرَض له هذا الوسواس، فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه، ولْيُعْرِض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فلْيُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَأْتِي الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ "، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.

стр. 2006

٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نَبِيلٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) هو: عُقيل - بالضمّ مصغّرًا - بن خالد بن عَقِيل - بالفتح مكبّرًا - الأيليّ - بالفتح - أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ سكن المدينة، ثمّ الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) بنصب مثل على أنه مفعول مطلق لـ"حدّثني عُقيل"، أو على الحال، ويجوز رفعه على أنه خبر لمحذوف، أي هو مثل حديث … إلخ، يعني: أن حديث عقيل مثل حديث ابن شهاب. [تنبيه]: رواية عُقيل التي أحالها المصنّف هنا ساقها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٠١)، فقال: (٣٤٦) حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، حدثني يحيى بن بكير، حدثني الليث بن سعد، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أبا هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي العبدَ الشيطانُ، فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٤] (١٣٥) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَد، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْم، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَنَا، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " قَالَ: وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ سَأَلَنِي اثْنَان، وَهَذَا الثَّالِثُ، أَوْ قَالَ: سَأَلَنِي وَاحِدٌ، وَهَذَا الثَّانِي).

стр. 2007

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَنبريّ، أبو عبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سَهْل البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢. ٣ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تيمية كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) أبو بكر بن أبي عَمْرة الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ عابد، كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨. وقوله: (لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْعِلْمِ) أي المعلومات، ففيه إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول، ويحتمل أن يكون العلم مصدرًا، و"أل" عوض المضاف إليه المحذوف، وأصله عن علم الأشياء. وقوله: (هَذَا اللهُ خَلَقَنَا) اسم الإشارة مبتدأ، ولفظ الجلالة بدل، أو عطف بيان، وجملة "خلقنا" خبر المبتدأ. وقوله: (قَالَ: وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ) فاعل "قال" ضمير أبي هريرة ﵁، وجملة "وهو آخذٌ … إلخ" في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه آخذًا بيد رجل. وقوله: (فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ) أي فيما أوحاه إلى رسوله ﷺ بما سيكون في أمته بعده من هذه التساؤلات. وقوله: (وَرَسُولُهُ) أي وصدق رسوله ﷺ فيما أخبر به من المغيّبات، فوقع كما أخبر به؛ لأنه وحي من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. وقوله: (قَدْ سَأَلَنِي اثْنَان، وَهَذَا الثَّالِثُ) يعني أن رجلين سألا أبا

стр. 2008

هريرة ﵁ عن المسألة، وهذا الرجل الذي أخذ بيده ثالثهما في السؤال عنها. وقوله: (أَوْ قَالَ: سَأَلَنِي وَاحِدٌ، وَهَذَا الثَّانِي) "أو" للشكّ من الراوي، أي أو قال أبو هريرة ﵁: سأل رجل واحد قبل هذا، وهذا الرجل هو الثاني في السؤال. وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما قبل ثلاثة أحاديث، فراجعهما تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِث، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَبِيَّ ﷺ فِي الْإِسْنَاد، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرَقيّ البغداديّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. والباقون تقدّموا قريبًا، و"أيوب" هو السختيانيّ، و"محمد" هو ابن سيرين. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد، والد عبد الصمد، وجدّ عبد الوارث شيخ المصنّف، يعني: أن إسماعيل ابن عليّة حدثّ عن أيوب السختيانيّ بمثل حديث عبد الوارث عنه. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْإِسْنَادِ) يعني: أن إسماعيل لم يذكر النبيّ ﷺ في إسناده، بل جعله موقوفًا على أبي هريرة ﵁، فقال: قال أبو هريرة: لا يزال … إلخ.

стр. 2009

وقوله: (وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ) أراد المصنّف أن إسماعيل وإن رواه موقوفًا ظاهرًا، إلا أنه ذكر في آخر الحديث ما يدلّ على رفعه، وأن أبا هريرة ﵁ أخذه عن النبيّ ﷺ ؛ لأن قوله: "صدق الله ورسوله" معناه أن الله أوحى به إلى رسوله ﷺ ، وأخبر به رسوله ﷺ ، ووقع كما أخبر به، فدلّ على أن أبا هريرة سمعه منه ﷺ . [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب التي أحالها المصنّف على رواية عبد الوارث، ساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٤٨٠) فقال: (٣٦٠) أنبأ حسان بن محمد، ثنا جعفر بن أحمد بن نصر، ثنا عمرو بن زُرَارة (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطيّ، ثنا يعقوب، قالا: ثنا إسماعيل ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: قال أبو هريرة: "لا يزال الناس يسألون عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خَلَقَنا، فمن خَلَقَ الله؟ وإذا هو آخذٌ بيد رجل، فقال: صدق الله ورسوله، قد سألني عنها رجلٌ، وهذا الثاني، أو رجلان، وهذا الثالث". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ "، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِد، إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ، مِنَ الْأَعْرَاب، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا اللهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصًى بِكَفِّه، فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا، قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيِّ) هو: عبد الله بن محمد اليماميّ، نزيل بغداد المعروف بابن الرّوميّ، ويقال: اسم أبيه: عُمَر، صدوقٌ [١٠].

стр. 2010

رَوَى عن ابن عيينة، والدّرَاورديّ، ووكيع، والنضر بن محمد الْجُرَشيّ، وأبي أسامة، وعبد الرزاق، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وإبراهيم الحربيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، وأبو حاتم، والصغانيّ، ويعقوب بن شيبة، وعثمان بن خُرّزاد، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، ومحمد بن إسحاق السّرّاج، وغيرهم. قال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين عنه، فقال: مثل أبي محمد لا يسأل عنه، إنه مرضيّ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن قانع: ثقة. قال الحارث بن أبي أسامة وغيره: مات سنة ست وثلاثين ومائتين، وكذا قال الحسن بن سفيان. انفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث: هذا برقم (١٣٥)، وحديث (١١٥٩): "فإن لزوجك عليك حقًّا … "، و (٢٣٦٢): "ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه … "، و (٢٤٢٣): "لقد قُدتُ بنبيّ الله ﷺ ، والحسن والحسين بغلته … ". ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ، أبو محمد اليماميّ، مولى بني أميّة، ثقةٌ له أفرادٌ [٩]، (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقة، إلا أن في روايته عن يحيى بن أبي كثير ضعفٌ؛ لاضطرابه [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. [تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف لعكرمة مع ضعفه في روايته عن يحيى؟. [قلت]: إنما أخرج له متابعةً، فقد أخرج الحديث بطرق متعدّدة قبل هذا، ويأتي له طريق جعفر عن يزيد الأصمّ، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، ويرسلُ [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه

стр. 2011

عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة فقيةٌ، مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. وقوله: (قَالَ) الضمير لأبي هريرة ﵁. وقوله: (فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِد، إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ) "بينا" هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وتتضمن معنى الشرط، ولذا تُجاب، وجوابها أحيانًا يُقرن بـ "إذ"، كما هنا، وأحيانًا بـ "إذا"، وكثيرًا ما يتجرّد منهما، وقد تقدّم تمام البحث في هذا غير مرّة. وقوله: (مِنَ الْأَعْرَابِ) بفتح الهمزة: هم سُكّان البادية. وقوله: (قَالَ) الضمير لأبي سلمة (فَأَخَذَ) الضمير لأبي هريرة ﵁ (حَصًى بِكَفِّه، فَرَمَاهُمْ) أي كراهيةً لسؤالهم هذا؛ لأنه سؤال نشأ عن شدّة الجهل، وفيه الإنكار على من يسأل عن مثل هذه الأسئلة، وزجره. وقوله: (صَدَقَ خَلِيلِي) يعني: النبيّ ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٧] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَسْأَلَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون المروزيّ، نزيل بغداد المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وهم، وكان فَاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ) الكلابيّ، أبو سهل الرّقّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن جعفر بن بُرْقان، وهشام الدستوائيّ، والمسعوديّ، وعمر بن سُليم الباهليّ، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وإبراهيم بن موسى، وأبو

стр. 2012

خيثمة، وخليفة بن خياط، وإسحاق بن منصور، وأبو بكر وعثمان بنا أبي شيبة، وأبو موسى، وبندار، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأحمد بن منيع، وغيرهم. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، صدوقٌ يَتَوَكَّل للتُّجّار، ويَحْتَرِف، من أروى الناس لجعفر بن بُرْقان، وقال ابن عمار الموصليّ: كان يُجَهِّزُ إلى دمشق، وإلى الرَّقَّة، وهو ثقة، وسمعت منه ببغداد، وهشيم حيّ، وقال عباس الدُّوريّ: ثنا كثير بن هشام، وكان من خيار المسلمين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثه، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال ابن قانع: كان صالحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، خرج إلى الحسن بن سهل، وهو بفم الصلح، فمات هناك في شعبان سنة سبع ومائتين، وفيها أرّخه غير واحد، وقال الحارث بن أبي أسامة: مات سنة (٢٠٨). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط: هذا (١٣٥)، وحديث (٥٦٤): "من أكل من هذه الشجرة المنتنة … "، و (١٠٣٧): "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين … "، و (٢٥٦٤): "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم … "، و (٢٦٣٨): "الناس معادن كمعادن الفضّة والذهب … ". ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف - الكلابيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ الرّقّيّ، قَدِمَ الكوفةَ، صدوقٌ، يَهِمُ في حديث الزهريّ [٧]. رَوَى عن يزيد بن الأصمّ، والزهريّ، وعطاء، وميمون بن مِهْران، وحبيب بن أبي مرزوق، وعبد الله بن بِشر الرقي، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وأبو خيثمة الجعفيّ، وابن عيينة، ووكيع، وكثير بن هشام، وعمر بن أيوب الموصليّ، ومعمر بن راشد، وزيد بن أبي الزَّرْقاء، وأبو نعيم، وعدة.

стр. 2013

قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: إذا حَدَّث عن غير الزهري فلا بأس به، وفي حديث الزهري يخطئ، وقال الميمونيّ، عن أحمد: أبو الْمَلِيح أضبط من جعفر بن بُرْقان، وجعفر ثقة ضابط لحديث ميمون بن مِهران، وحديث يزيد بن الأصمّ، وهو في حديث الزهريّ يَضْطَرِب، ويختلف فيه، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: كان أميًّا، وهو ثقة، وقال في موضع آخر: ثقة، ويُضَعَّف في روايته عن الزهريّ، وقال في موضع آخر: ليس بذاك في الزهريّ، وقال يعقوب بن شيبة، عن ابن معين: كان أميًّا، وكان ثقةً صدوقًا، وما أصحّ روايته عن ميمون بن مِهْران وأصحابه، وقال ابن الجنيد، والدُّوريّ عنه نحو ذلك، وقيل: إنه مُجاب الدعوة، وقال عثمان الدارميّ وغيره، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن نُمير: ثقة، أحاديثه عن الزهريّ مضطربةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، ثنا جعفر بن برقان، وهو جَزَريّ ثقةٌ، وبلغني أنه كان أميًّا، لا يقرأ ولا يكتب، وكان من الخيار، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، له روايةٌ وفقهٌ، وفتوى في دهره، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ في الزهريّ، وفي غيره لا بأس به، وقال ابن خزيمة لَمّا سئل عنه، وعن أبي بكر الْهُذَليّ: لا يُحْتَجّ بواحد منهما إذا انفرد، حكاه الحاكم، وقال حامد بن يحيى الْبَلْخيّ عن ابن عيينة: حدثنا جعفر بن برقان، وكان ثقةً من ثقات المسلمين، وكان مروان بن محمد يقول: ثنا جعفر بن برقان الثقة العدل، وقال أبو بكر بن صدقة، عن الثوريّ: ما رأيت أفضل من جعفر بن برقان، وقال ابن عديّ: وجعفر بن برقان مشهورٌ، معروف في الثقات، قد رَوَى عنه الناس، وهو ضعيف في الزهريّ خاصة، وقال البرقانيّ، عن الدارقطنيّ: ربما حَدَّث الثقة عن ابن بُرقان، عن الزهريّ، ويحدث الآخر بذلك الحديث عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهريّ، أو يقول: بلغني عن الزهريّ، فأما حديثه عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصمّ، فثابت صحيح، وقال الساجيّ: عنده مناكير، وذكره ابن المديني في الطبقة الثامنة من أصحاب نافع. قال هلال بن العلاء: مات سنة (١٥٠) أو (١٥١)، وقال خليفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهما: مات سنة (١٥٤)، وقال أبو عروبة: ثنا أبو موسى، قال: سألت كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان: ممن؟ قال: الكلابي

стр. 2014

من مواليهم، وهلك جعفر لَمّا قَدِم أبو جعفر - يعني المنصور - الرقة، وهو ذاهب إلى بيت المقدس، وهذا من نحو (٤٤) سنة، قال أبو موسى: سنة (١٥٤)، وقال ابن منجويه: مات وهو ابن (٤٤) سنة، وهو وَهَمٌ، وتصحيف من قول كثير بن هشام الذي سبق، وقد سبقه لهذا الوهم بعينه ابن حبان في "الثقات"، وإياه يتبع ابن منجويه. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط: هذا (١٣٥)، وحديث (٤٩٧): "إذا سجد جافى حتى يرى … "، و (٦٥١): "لقد هَمَمت أن آمر فتياني … "، و (١٠٣٧): "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين … "، و (٢٥٤٦): "لو كان الدين عند الثريّا … "، و (٢٥٦٤): "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم … "، و (٢٦٣٨): "الناس معادن كمعادن الفضّة والذهب … "، و (٢٦٧٥): "أنا عند ظنّ عبدي بي … "، و (٢٧٤٩): "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم .. ". ٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) بن عبيد بن معاوية بن عُبادة بن الْبَكّاء - بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف - بن عامر بن رَبِيعة بن عامر بن صَعْصَعة، واسم الأصمّ عمرو، ويقال: عبد عمرو بن عُبيد، وقيل في نسبه غير ذلك، أبو عوف الْبَكّائيّ الكوفيّ نَزِيل الرَّقّة، أمه برزة بنت الحارث، أخت ميمونة، أم المؤمنين ﵁، يقال: له رؤية، ولا يثبتُ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن خالته ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وابن خالته ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه ابنا أخيه: عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن الأصمّ، والأجلح الكِنديّ، وأبو فَزَارة راشد بن كَيْسان، ومحمد بن مسلم الزهريّ، وميمون بن مِهْران، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وكان ثقةً، قال: وقال هشام بن محمد: سَمَّى النبيّ ﷺ الأصمّ عبد الرحمن، وقال العجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عَمّار: رَبَّته ميمونة بنت الحارث، يقال: مات سنة إحدى ومائة، وقال أبو عبيد القاسم: مات سنة

стр. 2015

ثلاث، وقال خليفة: مات سنة ثلاث، أو أربع ومائة، زاد الواقديّ: وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. قال الحافط: فهذا قاطع على أنه وُلِد بعد النبيّ ﷺ بدهر، وكذا نَصّ عليه ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في "الصحابة"، وقال أبو نعيم: لا يصح له صحبة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. وقوله: (حَتَّى يَقُولُوا: اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) قال النوويّ: هكذا هو في بعض الأصول: "يقولوا" بغير نون، وفي بعضها: "يقولون" بالنون، وكلاهما صحيح، وإثبات النون مع الناصب لغة قليلةٌ، ذكرها جماعة من محققي النحويين، وجاءت متكررةً في الأحاديث الصحيحة، كما ستراها في مواضعها - إن شاء الله تعالى - انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٨] (١٣٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ، يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟، مَا كَذَا؟، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ "). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ) مولاهم، أبو محمد الكوفي، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وعن أبي بكر بن عياش، وعلي بن مسهر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعبد الرحيم بن سليمان، ومُعَلَّى بن هلال، ومحمد بن فضيل، وعَبِيدة بن حُمَيد، وشَريك بن عبد الله، وغيرهم.

стр. 2016

ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وعبد الله بن أحمد، ومحمد بن صالح بن ذَرِيح، وأبو بكر بن أبي عاصم، والحسن بن علي الْمَعْمَريّ، وعبدان الأهوازيّ، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا (١٣٦)، و (٢٤٥٩): "قيل لي: أنت منهم" (١). ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان - بفتح المعجمة، وسكون الزاي - ابن جرير الضّبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ، عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩]. رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، والمختار بن فلفل، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي مالك الأشجعي، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق كثير. وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن إشكاب الصفار، وأحمد بن عمر الوكيعي، وأبو خيثمة، وقتيبة، وعبد الله بن عمر بن أبان، وعلي بن المنذر الطريقي، وغيرهم. قال حرب عن أحمد: كان يتشيع، وكان حسن الحديث. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعيًّا محترقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"؛ وقال: كان يغلو في التشيع، وقال ابن سعد: كان ثقة، صدوقًا، كثير الحديث، متشيعًا، وبعضهم لا يحتج به، وقال العجلي: كوفي ثقة شيعي، وكان أبوه ثقة، وكان عثمانيًا، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال علي ابن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال الدارقطني:

стр. 2017

كان ثبتًا في الحديث، إلا أنه كان منحرفًا عن عثمان، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة شيعي، وقال أبو هشام الرِّفَاعي: سمعت ابن فُضيل يقول: رَحِمَ الله عثمان، ولا رَحِمَ من لا يترحم عليه. قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنّة، رأيت على خفه أثر المسح، وصليت خلفه ما لا يحصى، فلم أسمعه يجهر، يعني: بالبسملة. وقال الحافظ: صَنّفَ مصنفات في العلم، وقرأ القراءات على حمزة الزيات. قال ابن سعد، وأبو داود: توفي سنة أربع وتسعين، زاد أبو داود: في أولها. وقال البخاري، وغير واحد: مات سنة خمس وتسعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٠) حديثًا. ٣ - (مُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) - بفاءين مضمومتين، ولامين: الأولى ساكنة - المخزوميّ، مولى عمرو بن حُريث، ثقةٌ (١) [٥]. رَوَى عن أنس، وإبراهيم التيميّ، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصريَ وطَلْق بن حبيب. وروى عنه ابنه بكر، وزائدة، والثوري، ومنصور بن أبي الأسود، وعبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وجرير، وعليّ بن مُسْهِر، ومحمد بن فضيل، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: ما أعلم إلا خيرًا، وقال غيره عن أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين، وأبو حاتم، والعجليّ، ومحمد بن عبد الله بن عَمّار، والنسائيّ، وقال أبو حاتم أيضًا: شيخ كوفيّ، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن مختار بن فلفل، وهو كوفيّ ثقة، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال داود بن عمرو، عن ابن إدريس: كان يُحَدِّث وعيناه تدمعان، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا، وقال أبو بكر البزّار: صالح الحديث، وقد احتملوا حديثه، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة.

стр. 2018

ووقع ذكره في أثر علّقه البخاريّ في "الشهادات" عن أنس، ووصله ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عنه: سألت أنسًا عن شهادة العبيد، فقال: جائزةٌ. وتكلم فيه السليمانيّ، فعَدّه في رواة المناكير عن أنس، مع أبان بن أبي عَيّاش وغيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تضعيف السليمانيّ هذا فيه نظر لا يخفى، فقد أخرج له المصنّف نحو سبعة أحاديث، كلها عن أنس، ووثقة الأئمة الكبار، كأحمد، وابن معين، وأبي حاتم، والنسائيّ، فأين يقع السليمانيّ من هؤلاء الجهابذة؟ وكذا قول ابن حبّان: يخطئ كثيرًا، فالحقّ أنه ثقةٌ، فتبصّر، والله الهادي إلى سواء السبيل. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث، هذا (١٣٦)، و (١٩٦): "أنا أول الناس يشفع في الجنّة … "، كرّره ثلاث مرّات، و (٤٠٠): "أُنزلت عليّ آنفًا سورة … "، و (٤٢٦): "إني إمامكم، فلا تسبقوني … "، و (٨٣٦): "كان يرانا نصليها … "، و (٢٣٠٤): "لَيَرِدنّ عليّ الحوض رجال … "، و (٢٣٦٩): "ذاك إبراهيم". ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر الصحابيّ الشهير ﵁ مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد في هذا الكتاب، كما مرّ تحقيقه في "المقدّمة"، وهو (١١) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول كوفيّ، والثاني بصريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة، وهو من المعمّرين، وممن لازم النبيّ ﷺ ، وخَدَمه عشر سنين، ودعا له بكثرة المال والأولاد، والله تعالى أعلم.

стр. 2019

شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ تقدّم أن هذا من الأحاديث القدسيّة (إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟، مَا كَذَا؟) ولفظ البخاريّ: "لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله … "، وللبزار من حديث أبي هريرة ﵁: "لا يزال الناس يقولون: كان الله قبل كل شيء، فمن كان قبله" (حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ) "هذا الله" مبتدأ وخبر، أو "هذا" مبتدأ و"الله" عطف بيان، و"خلق الخلق" خبره، وقال الطيبيّ: والأول أولى، ولكن تقديره هذا مُقَرَّر معلومٌ، وهو أن الله خلق الخلق، وهو شيءٌ، وكل شيء مخلوقٌ، فمن خلقه؟ فيظهر ترتيب ما بعد الفاء على ما قبلها. انتهى. (فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ ") وتقدّم في رواية لأبي هريرة ﵁: "مَن خلق ربك"، وزاد: "فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته"، ولأبي داود، والنسائيّ من الزيادة: "فقولوا: الله أحد، الله الصمد، السورةَ، ثم ليتفُل عن يساره، ثم ليستعذ" ولأحمد من حديث عائشة: "فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يَذهَبُ عنه". قال ابن بطال: في حديث أنس ﵁ الإشارة إلى ذَمّ كثرة السؤال؛ لأنها تُفْضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور، فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مُفْرِط، وقد ورد بزيادة من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا يزال الشيطان يأتي أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟، من خلق كذا؟، حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم، فليقل: آمنت بالله"، وفي رواية: "ذاك صريح الإيمان"، ولعل هذا هو الذي أراد الصحابيّ فيما أخرجه أبو داود، من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ناس إلى النبيّ ﷺ من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا الشيء يَعظُمُ أن نتكلم به، ما نُحِبّ أن لنا الدنيا، وإنا تكلمنا به، فقال: "أَوَ قد وجدتموه؟ ذلك صريح الإيمان"، ولابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إني أُحَدِّث نفسي بالأمر، لأن أكون حُمَمَةً أحب إليّ من أن أتكلَّم به، قال: "الحمد لله الذي رَدّ أمره إلى الوسوسة" (١)، والله

стр. 2020

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٣/ ٣٥٨ و ٣٥٩] (١٣٦)، و (البخاريّ) في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٥١ و ٣٥٢)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٦٦ و ٣٦٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٩] ( … ) - (حَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُخْتَار، عَنْ أنَسٍ، عَن النَّبيِّ ﷺ بهَذَا الْحَدِيث، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: "قَالَ: قَالَ اللهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور أول الباب. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٤ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) الجعفيّ العابد، المذكور قبل بابين. ٥ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة المذكور قبل بابين أيضًا، والباقيان تقدما في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١٢) من رباعيات الكتاب.

стр. 2021

وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) الإشارة إلى سند مختار بن فُلفُل عن أنس ﵁ الذي قبله. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: "قَالَ: قَالَ اللهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ") يعني: أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة هو ذكر قوله: "قال: قال الله: إن أمتك"، وأما إسحاق، فلم يذكره. [تنبيه]: رواية جرير، وزائدة التي أشار إليها المصنّف هنا، ساق متنها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٠٣) فقال: (٣٥٢) حدثنا عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غَنّام، ثنا أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، نا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن المختار بن فلفل، عن أنس (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أبو يعلى، ثنا جرير، عن المختار، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله تعالى قال: إن أمتك لا يزالون يسألون، ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا اللهُ خَلَقَ كلَّ شيء، فمن خلق الله؟ "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الثالث من "شرح صحيح الإمام مسلم"، المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه الله تعالى، ليلة الخميس ١٧/ ٣/ ١٤٢٥ هـ الموافق ٦/ مايو/ ٢٠٠٤ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 2022

"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الرابع مفتتحًا بـ (٦٤) - (بَابُ إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ) رقم الحديث [٣٦٠] (١٣٧). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 2023

٦٤ - (بَابُ بَيَانِ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٠] (١٣٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ ابْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، مَوْلَى الْحُرَقَة، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيّ، عَنْ أَخِيه، عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "قَالَ: مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِه، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية، كلّهم تقدّموا قبل باب، سوى ثلاثة: ١ - (مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ السَّلَمِيُّ) - بفتحتين - هو: مَعبَد بن كعب بن مالك الأنصاري السَّلَمِيّ المدني، كان أصغر الإخوة، السَّلَميّ، صدوق (١) [٣]. رَوَى عن أبي قتادة، وجابر، وعن أخويه: عبد الله، وعبيد الله. ورَوَى عنه: وهب بن كيسان، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلة، والعلاء بن عبد الرحمن، والوليد بن كثير، وابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، وعيسى بن معاوية، وعُقَيل بن خالد. ذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري حديثًا واحدًا (٢) والمصنّف، وأبو داود في "الناسخ

стр. 2024

والمنسوخ"، والنسائي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٣٧)، و (٩٥٠): "مستريح ومستراح منه … "، و (١٦٠٧): "إياكم وكثرة الحلف في البيع … ". ٢ - (أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَمِيّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤية [٢]. كان قائد أبيه حين عَمِيَ، روى عنه، وعن أبي أيوب، وأبي لبابة، وأبي أمامة بن ثعلبة، وعثمان بن عفان، وابن عباس، وعبد الله بن أُنيس الجُهَنيّ، وجابر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: عبدُ الرحمن، وخارجةُ، وإخوته: عبد الرحمن، ومحمد، ومعبد بنو كعب، والأعرج، والزهريّ، وسعد بن إبراهيم، وعبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة، وعبيد الله بن أبي يزيد، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: سَمِعَ من عثمان، وكان ثقة، وكناه أبا فَضَالة، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكر البخاريّ أنه رَوَى عن عمر ﵁، وذكره العسكريّ فيمن لَحِقَ النبيَّ ﷺ ، وقال أبو القاسم البغويّ: قال الواقديّ: وُلِد على عهد النبيِّ ﷺ . وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية سليمان سنة سبع، أو ثمان وتسعين. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، فقط، هذا (١٣٧)، وحديث (٧١٦): "لا يَقْدَمُ من سفر إلا نهارًا … "، و (١١٤٢): "لا يدخل الجنة إلا مؤمن … "، و (١٥٥٨): "يا كعب"، فقال: لبيك يا رسول الله … ، و (٢٠٣٢): "يأكل بثلاث أصابع … "، و (٢٨١٠): "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع … ". ٣ - (أَبُو أُمَامَةَ) البَلَويّ الأنصاريّ، واسمه: إياس بن ثعلبة، ويقال: عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله، حليف بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بُرْدَة بن نِيَار، وقال أبو حاتم: ثعلبةُ بن عبد الله بن سهل. رَوَى عن النبيِّ ﷺ ، وعن عبد الله بن أُنيس الجُهَنيّ، وعنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن أُنيس الجهنيّ، وقيل: هو عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أُنيس

стр. 2025

الجهنيّ، وعبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ. قال أبو أحمد الحاكم: رَدّه النبيّ ﷺ من بدر، من أجل أُمّه، فلما رَجَعَ وجدها ماتت، فصلى عليها، رواه عبد الله بن المُنِيب، عن جده عبد الله بن أبي أُمامة، عن أبيه، ورَجَّحَ كونه إياس بن ثعلبة. أخرج له المصنّف، والأربعة، له عندهم هذا الحديث، وعند أبي داود، وابن ماجه حديث آخر أيضًا؛ حديث: "إن البذاذة من الإيمان"، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيوخه، فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: العلاء، عن معبد، عن أخيه عبد الله بن كعب، ورواية الراوي عن أخيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، ليس له في الكتب الخمسة إلا هذا الحديث، وآخر عند أبي داود، وابن ماجه، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: (اعلم): أن أبا أمامة هذا ليس هو أبا أمامة الباهليّ، صُدَيَّ بن عجلان المشهور، بل هذا غيره، واسم هذا إياس بن ثعلبة الأنصاريّ الحارثيّ، من بني الحرث بن الخزرج، وقيل: إنه بَلَويّ، وهو حليف بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بُرْدة بن نِيَار، هذا هو المشهور في اسمه، وقال أبو حاتم الرازي: اسمه عبد الله بن ثعلبة، ويقال: ثعلبة بن عبد الله. قال: (ثم اعلم): أن هنا دقيقةً، لا بدَّ من التنبيه عليها، وهي أن الذين صَنّفُوا في أسماء الصحابة ﵃، ذكر كثير منهم، أن أبا أمامة هذا الحارثيّ ﵁، تُوُفي عند انصراف النبيّ ﷺ من أُحد، فصَلَّى عليه، ومقتضى هذا التاريخ أن يكون هذا الحديث الذي رواه مسلم منقطعًا، فإن عبد الله بن كعب تابعيّ، فكيف يَسمَع مَن تُوفي عامَ أحد في السنة الثالثة من الهجرة؟

стр. 2026

ولكن هذا النقل في وفاة أبي أمامة ليس بصحيح، فإنه صَحّ عن عبد الله بن كعب، أنه قال: حدثني أبو أمامة، كما ذكره مسلم في الرواية الثانية، فهذا تصريح بسماع عبد الله بن كعب التابعيّ منه، فبَطَل ما قيل في وفاته، ولو كان ما قيل في وفاته صحيحًا، لم يخرّج مسلم حديثه، ولقد أحسن الإمام أبو البركات الجزريّ، المعروف بابن الأثير، حيث أنكر في كتابه "معرفة الصحابة ﵃" هذا القول في وفاته، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره النوويّ ﵀ حسنٌ جدًّا، ومنه يتبيّن غلط ما كتبه أصحاب برنامج الحديث (صخر) حيث كتبوا لأبي أمامة المذكور في هذا الحديث ترجمة: صُدَيّ بن عَجْلان الصحابيّ المشهور، فليُتنبَّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) زاد في الرواية التالية: "الحارثيّ" ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "قَالَ: مَنِ اقْتَطَعَ) افتعال من القطع للمبالغة، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهو الأخذ هنا؛ لأن من أخذ شيئًا لنفسه، فقد قطعه عن مالكه (٢). (حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ) أي بسبب يمينه الكاذبة (فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ") قال القرطبيّ: أي إذا كان مستحلًّا لذلك، فإن كان غير مستحلّ، وكان ممن لم يُغْفَر له، فيعذّبه الله تعالى في النار ما شاء من الآباد، وفيها تحرُم عليه الجنّة، ثم يكون حاله كحال أهل الكبائر من الموحّدين، على ما تقدّم. انتهى (٣). وقال القاضي عياض ﵀: إنما كَبُرَت هذه المعصية بحسب اليمين الغَمُوس التي هي من الكبائر الموبقات، وتغييرها في الظاهر حكمَ الشرع، واستحلاله بها الحرام، وتصييرها المُحِقَّ في صورة المُبْطِل، والمُبْطِلَ في صورة المُحِقّ، ولهذا عَظُمَ أمرها، وأمرُ شهادة الزور.

стр. 2027

وإيجاب النار فيها على حكم الكبائر إلا أن يشاء الله تعالى أن يعفو عن ذلك لمن يشاء، وتحريمُ الجنّة عند دخول السابقين لها، والمتّقين، وأصحاب اليمين، ثمّ لا بُدّ لكلّ موحّد من دخولها إما بعد وقوف وحساب، أو بعد نَكَال وعذاب. وتخصيصه هنا المسلم؛ إذ هم المخاطبون، وعامّة المتعاملين في الشريعة، لا أن غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه في ذلك. انتهى كلام القاضيرحمه الله (١). (فَقَالَ لَهُ) أي للنبيّ ﷺ (رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟)؛ أي: وإن كان الحقّ المقتطع شيئًا قليلًا من المال، (قَالَ) ﷺ ("وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ") بنصب "قضيبًا" على أنه خبر لـ"كان" المحذوفة مع اسمها، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]: قَدْ قِيلَ مَا قِيلَ إِنْ صِدْقًا وَإِنْ كَذِبًا … فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلَا وهذا الحذف كثير بعد "إن"، و"لو"، كما قال في "الخلاصة": وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الخَبَرْ … وَبَعْدَ "إِنْ" وَ"لَوْ" كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ واسم "كان" ضمير يعود إلى حقّ امرئ، ويحتمل أن يعود إلى "شيئًا يسيرًا"، ويحتمل أن يكون نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف، أي: وإن اقتطع قضيبًا. ووقع في بعض النسخ: "وإن قضيب" بالرفع، قال النوويّ: هكذا هو بالرفع في بعض الأصول، أو أكثرها، وفي كثير منها، فيكون مرفوعًا على أنه اسم "كان" المحذوفة، مع خبرها، وهو قليلٌ، أو نائب فاعل لفعل محذوف، تقديره: وإن اقتُطِعَ قضيبٌ. و"القَضيب" - بفتح، فكسر فَعِيل بمعنى مفعول -: الغُصْنُ المقطوع، والجَمْعُ قُضْبَان، بضمّ القاف وتُكسر، يقال: قَضَبْتُ الشئَ قَضْبًا، من باب ضَرَبَ، فانقضب: إذا قطعته، فانقطع، واقتضبته مثل اقتطعته وزنًا ومعنًى (٢).

стр. 2028

[تنبيه]: ذكر في هامش النسخة التي صحّحها محمد ذهني ما نصّه: ثم إن لفظ "قُضَيِّب" وُجِد في هامش نسخة مُصَغَّرًا، فتقرأ ياؤه مشدّدة مكسورة، مع ضمّ أوله، وفتح ثانيه. انتهى (١). يعني: أن قُضَيِّبًا بتشديد الياء تصغير قَضِيب بتخفيفها. و"الأَرَاك" - بفتح الهمزة، وتخفيف الراء -: شجرٌ من الحَمْض، يُستاك بقُضْبَانه، الواحدة أراكةٌ، ويقال: هي شجرة طويلةٌ، ناعمةٌ، كثيرة الوَرَقِ والأغصان، خَوّارةُ العُود، ولها ثَمَرٌ في عَنَاقِيد، يُسَمَّى البَرِيرَ، يملأ العُنقُود الكفَّ، والأَرَاك: موضعٌ بعرفة من ناحية الشام، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). وإضافة "قَضيب" إلى "أراك"، بمعنى "من"، أو هي من إضافة العامّ إلى الخاصّ، ومثله خاتم حديد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الحارثيّ ﵁ من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٤/ ٣٦٠ و ٣٦١] (١٣٧)، و (النسائيّ) (٥٤٢١)، وفي "الكبرى" (٥٩٨٠)، و (ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٣٢٤)، و (أحمد) في "مسند الأنصار" (٢١٧٣٦)، و (مالك) في "الموطأ" في "الأقضية" (١٤٣٥)، و (الدارميّ) في "البيوع" (٢٤٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٥٣ و ٣٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وعيد من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه الكاذبة، وأن ذلك من الأخلاق التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في "كتاب الإيمان".

стр. 2029

٢ - (ومنها): تحريم مال المسلم مطلقًا، كثيرًا كان، أو قليلًا. ٣ - (ومنها): أن اليمين الفاجرة من الكبائر؛ لتوعّد الشارع عليها بأنها موجبة للنار، ومحرّمة للجنة. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: أنه يستفاد منه أن اليمين الغَمُوس لا يرفع إثمها الكفّارة، بل هي أعظم من أن يكفّرها شيء، كما هو مذهب مالك ﵀ (١). وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بعد أن ساق أحاديث تتعلّق بالباب ما حاصله: فهذه الآثار كلّها تدلّ على أن هذه اليمين من الكبائر، وقد روي عن النبيّ ﷺ ذلك نصًّا، قال: وأجمع العلماء على أن اليمين إذا لم يُقْتَطَع بها مالُ أحد، ولم يَحْلِف بها على مال، فإنها ليست اليمين الغَمُوس التي وَرَدَ فيها الوعيد، والله أعلم. قال: وقد تُسَمَّى غَمُوسًا، وليست عندهم كذلك، وإنما هي كَذْبَةٌ، ولا كفارة عند أكثرهم فيها إلا الاستغفار، وكان الشافعيّ، وأصحابه، ومعمر بن راشد، والأوزاعيّ يرون فيها الكفارة. ورُوِي عن جماعة من السلف أن اليمين الغَمُوس لا كفّارة لها، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار، وكان الشافعيّ، والأوزاعيّ، ومعمر، وبعض التابعين، فيما حَكَى المروزيّ يقولون: إن فيها الكفارةَ فيما بينه وبين الله في حنثه، فإن اقتطع بها مالَ مسلم، فلا كفارة لذلك إلا أداءُ ذلك، والخروج عنه لصاحبه، ثم يُكَفِّر عن يمينه بعد خروجه مما عليه في ذلك، وقال غيرهم من الفقهاء، منهم: مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة: لا كفارة في ذلك، وعليه أن يؤدي ما اقتطعه من مال أخيه، ثم يتوب إلى الله تعالى، ويستغفره، وهو فيه بالخيار إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، وأما الكفّارة فلا مدخل لها عندهم في اليمين الكاذبة، إذا حَلَفَ بها صاحبها عَمْدًا، متعمدًا للكذب، وهذا لا يكون إلا في الماضي أبدًا، وأما المستقبل من الأفعال فلا. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم الكفّارة في اليمين الغَمُوس

стр. 2030

هو الذي يظهر لي؛ لعدم حجة توجبها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): بيان مشروعيّة القضاء في قليل المال وكثيره، وترجم عليه الإمام النسائيّ في "السنن"، فقال: "القضاء في كثير المال وقليله"، ووجه في لالة الحديث عليه أنه لمّا ذكر النبيّ ﷺ أن من اقتطع حقّ امرئٍ مسلم، وإن كان شيئًا يسيرًا، دلّ على أن اقتطاع القليل محرّم، وظلم ككثيره، ومعلوم أن مَن ظَلَم غيره، رافعه المظلوم إلى الحاكم، فإذا رُفع إليه وجب عليه القضاء فيه، كما يجب عليه القضاء في كثير المال بلا فرق؛ إذ الكلّ ظلم؛ وقضاؤه هو الذي يدفع الظلم عن المظلوم، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ، يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان أبو موسى البغداديّ البزّاز الحافظ المعروف بالحَمّال، ثقة [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، وحسين بن عليّ الجعفيّ، وجعفر بن عون، وأسود بن عامر، وأبي أسامة، وحماد بن مَسْعَدة، ورَوْح بن عُبَادة، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وابن أبي فُدَيك، ومحمد بن عُبيد الطَّنَافسيّ، ووهب بن جرير، ومَعْن بن عيسى، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، ورَوَى النسائيّ في "مسند مالك"، عن زكريا السِّجْزيّ، عنه، وابنه موسى بن هارون، وأبو حاتم، وأبو زرعة،

стр. 2031

وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحربيّ، ومحمد بن وَضّاح، وابن أبي داود، والبغويّ، وابن صاعد، وغيرهم. قال المَرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: أكتب عنه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم، وإبراهيم الحربيّ: صدوقٌ، زاد الحربي: لو كان الكذب حلالًا تركه تَنَزُّهًا، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها أَرَّخه غير واحد، زاد ابنه موسى: لتسع عشرةَ خَلَت من شوال، وكان مولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، ورُوِيَ عن عُبيد بن محمد البزاز أنه قال: مات سنة تسع وأربعين، والصواب الأول، ويقال: إنه إنما سُمِّي بالحمّال؛ لأنه كان بَزّازًا، فتزهَّد، فصار يَحْمِل الشيء بالأجرة، ويأكل منها. وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المَخزوميّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦]. رَوَى عن سعيد بن أبي هند، وسعيد المقبريّ، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، ومعبد ومحمد ابني كعب بن مالك، ومحمد بن جعفر بن الزبير بن العوّام، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنَين، وبُشَير بن يسار، وعمرو بن شعيب، والزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، ووهب بن كيسان، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وآخرين. وروى عنه إبراهيم بن سعد، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وأبو أسامة، والواقديّ، وغيرهم. قال عيسى بن يونس: ثنا الوليد بن كثير، وكان ثقةً، وقال إبراهيم بن سعد: كان ثقةً مُتَّبِعًا للمغازي، حَرِيصًا على علمها، وقال عليّ ابن المدينيّ، عن ابن عيينة: كان صدوقًا، وكنت أعرفه ها هنا، وقال الدُّوريّ، عن ابن

стр. 2032

معين: ثقة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، إلا أنه إباضيّ (١)، وقال ابن سعد: كان له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث، وليس بذاك، مات بالكوفة سنة إحدى وخمسين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه: ثنا عيسى بن يونس، ثنا الوليد بن كثير، وكان مُتْقِنًا في الحديث، وقال الساجيّ: صدوقٌ ثَبْتٌ، يُحْتَجُّ به، وقال ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وقال الساجيّ: وكان إباضيًّا، ولكنه كان صدوقًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأخيه، عبد الله، وروى عنه الزهريّ، والوليد بن كثير. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط. [تنبيه]: محمد بن كعب هذا هو الأصغر، وله أخ أكبر منه اسمه أيضًا محمد بن كعب، وهو صحابيّ مات في حياة النبيّ ﷺ ، فيما يقال (٢). والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه تصريح محمد بن كعب بالسماع من أخيه عبد الله بن كعب، وهو صرّح بتحديث أبي أمامة له، وصرّح أيضًا بنسبه، فقال: الحارثيّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِمِثْلِهِ) وفي نسخة: "يقول بمثله"، يعني: أن رواية محمد بن كعب، عن أخيه عبد الله، عن أبي أُمامة مثل رواية معبد بن كعب، عن أخيه، عنه. [تنبيه]: رواية محمد بن كعب التي أشار إليها المصنّف ﵀ أخرجها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٠٤)، فقال: (٤٣٥) حدثنا عليّ بن هارون، نا موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي

стр. 2033

شيبة، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب، (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم الوليد بن كثير المخزوميّ، عن محمد بن كعب بن مالك، أنه سمع أخاه، عبد الله بن كعب يُحَدِّث، أن أبا أُمامة الحارثيَّ حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يَقْتَطِع رجل حقَّ امرئ مسلم بيمينه، إلا حَرَّم الله عليه الجنة، وأوجب له النار"، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، وإن كان يسيرًا؟ قال: "وإن كان سِوَاكًا من أراك "؟. قال: أبو أمامة هو ابن ثعلبة الحارثيّ، من الأنصار، وهو ابن أخت أبي بُرْدة بن نِيَار، وقيل: اسمه إياس، وقيل: عبد الله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٢] (١٣٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، قَالَ: فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَن، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَيَمِينُهُ"، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران: ٧٧]).

стр. 2034

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو وَائِل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. و"ابن أبي شيبة": هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"إسحاق بن إبراهيم" الحنظليّ: هو ابن راهويه، و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير، و"وكيع": هو ابن الجرّاح، و"الأعمش": هو سليمان بن مِهْرَان، و"عبد الله": هو ابن مسعود ﵁، وكلهم تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، أوردهم بالتحويل. ٢ - (ومنها): قوله: "واللفظ له"؛ يعني: أن متن الحديث الذي ساقه لشيخه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، وأما الشيخان الآخران: أبو بكر، وابن نُمير، فروياه بالمعنى. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ الناس لحديث الأعمش. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، الأعمش، عن أبي وائل. ٥ - (ومنها): أن فيه "عبد الله" مطلقًا، وقد سبق أنه يميّز بالرواة عنه، فإذا كان السند كوفيًّا كما هنا، فهو ابن مسعود ﵁، وقد استوفيت البحث فيه فيما مضى، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في "كتاب الأيمان والنذور" (٦٦٥٩) مَن رواية شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، فيستفاد من روايته أنه مما لم يُدَلِّس فيه الأعمش؛ لأن شعبة لا يروي عنه، ولا قتادة، وأبي إسحاق، إلا ما سمعوه من شيوخهم، فلا يضرّ مجيئه عنه هنا

стр. 2035

بالعنعنة، فتنبّه، وقد مرّ ذكر هذه القاعدة غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁؛ لما بيّنته من القاعدة في ذكر اللطائف (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ) - بفتح الصاد المهملة، وسكون الموحدة - وإضافة "يمين" إليها: وهي التي يَحْبِسُ الحالف نفسه عليها، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": "يمين الصبر": هي التي تَلْزَم، ويُجْبَر عليها حالفها، يقال: أصبره اليمينَ: أحلفه بها في مَقَاطع الحقّ. انتهى (٢). وقوله (يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، من الفاعل، وفي رواية حجاج بن منهال عن البخاريّ: "ليقطع بها" بزيادة لام التعليل، و"يَقْتَطِعُ": يَفْتَعِلُ، من القطع، كأنه قَطَعَهُ عن صاحبه، أو أخذ قطعةً من ماله بالحلف المذكور. (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) فيه حذف مضاف؛ أي: في الإقدام عليها، والمراد بالفجور: لازِمه وهو الكذب، (لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ")، وفي حديث وائل بن حُجْر الآتي: "وهو عنه مُعْرِضٌ"، وفي رواية كُرْدُوس عن الأشعث ﵁ عند أبي داود: "إلا لَقِيَ اللهَ، وهو أجذم"، وفي حديث أبي أمامة بن ثعلبة ﵁ الماضي: "فقد أوجب الله له النار، وحَرَّمَ عليه الجنة"، وفي حديث عمران ﵁ عند أبي داود: "فليتبوأ مقعده من النار". (قَالَ) أبو وائل ﵀ (فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بن مَعْدِي كَرِبَ الكنديّ، أبو محمد الصحابيّ، نَزَلَ الكوفةَ، وروى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وعنه أبو وائل، والشعبيّ، وقيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن المُسْلِيّ، ومسلم بن هَيْضَم، وأبو بَصِير العَبْديّ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وغيرهم. قال ابن سعد: وَفَدَ على النبيّ ﷺ بسبعين رجلًا من كِنْدَة، وكان اسمه مَعْدِ يكَرِب، ولُقِّب الأشعث؛ لِشَعْثِ رأسه، ومات بالكوفة حين صالح الحسنُ معاويةَ ﵁، فصلّى عليه، وقال خليفة: مات في آخر سنة أربعين، بعد قَتْل
следующие страницы →