← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحربيّ، ومحمد بن وَضّاح، وابن أبي داود، والبغويّ، وابن صاعد، وغيرهم. قال المَرُّوذيّ: قلت لأبي عبد الله: أكتب عنه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم، وإبراهيم الحربيّ: صدوقٌ، زاد الحربي: لو كان الكذب حلالًا تركه تَنَزُّهًا، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها أَرَّخه غير واحد، زاد ابنه موسى: لتسع عشرةَ خَلَت من شوال، وكان مولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، ورُوِيَ عن عُبيد بن محمد البزاز أنه قال: مات سنة تسع وأربعين، والصواب الأول، ويقال: إنه إنما سُمِّي بالحمّال؛ لأنه كان بَزّازًا، فتزهَّد، فصار يَحْمِل الشيء بالأجرة، ويأكل منها. وله في هذا الكتاب (٧٨) حديثًا. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المَخزوميّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦]. رَوَى عن سعيد بن أبي هند، وسعيد المقبريّ، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، ومعبد ومحمد ابني كعب بن مالك، ومحمد بن جعفر بن الزبير بن العوّام، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنَين، وبُشَير بن يسار، وعمرو بن شعيب، والزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، ووهب بن كيسان، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وآخرين. وروى عنه إبراهيم بن سعد، وعيسى بن يونس، وابن عيينة، وأبو أسامة، والواقديّ، وغيرهم. قال عيسى بن يونس: ثنا الوليد بن كثير، وكان ثقةً، وقال إبراهيم بن سعد: كان ثقةً مُتَّبِعًا للمغازي، حَرِيصًا على علمها، وقال عليّ ابن المدينيّ، عن ابن عيينة: كان صدوقًا، وكنت أعرفه ها هنا، وقال الدُّوريّ، عن ابن

стр. 2032

معين: ثقة، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، إلا أنه إباضيّ (١)، وقال ابن سعد: كان له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث، وليس بذاك، مات بالكوفة سنة إحدى وخمسين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه: ثنا عيسى بن يونس، ثنا الوليد بن كثير، وكان مُتْقِنًا في الحديث، وقال الساجيّ: صدوقٌ ثَبْتٌ، يُحْتَجُّ به، وقال ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وقال الساجيّ: وكان إباضيًّا، ولكنه كان صدوقًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ) بن مالك الأنصاريّ السَّلَميّ - بفتحتين - المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأخيه، عبد الله، وروى عنه الزهريّ، والوليد بن كثير. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط. [تنبيه]: محمد بن كعب هذا هو الأصغر، وله أخ أكبر منه اسمه أيضًا محمد بن كعب، وهو صحابيّ مات في حياة النبيّ ﷺ ، فيما يقال (٢). والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه تصريح محمد بن كعب بالسماع من أخيه عبد الله بن كعب، وهو صرّح بتحديث أبي أمامة له، وصرّح أيضًا بنسبه، فقال: الحارثيّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِمِثْلِهِ) وفي نسخة: "يقول بمثله"، يعني: أن رواية محمد بن كعب، عن أخيه عبد الله، عن أبي أُمامة مثل رواية معبد بن كعب، عن أخيه، عنه. [تنبيه]: رواية محمد بن كعب التي أشار إليها المصنّف ﵀ أخرجها الحافظ أبو نُعيم ﵀ في "مستخرجه" (١/ ٢٠٤)، فقال: (٤٣٥) حدثنا عليّ بن هارون، نا موسى بن هارون، ثنا أبو بكر بن أبي

стр. 2033

شيبة، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب، (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم الوليد بن كثير المخزوميّ، عن محمد بن كعب بن مالك، أنه سمع أخاه، عبد الله بن كعب يُحَدِّث، أن أبا أُمامة الحارثيَّ حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يَقْتَطِع رجل حقَّ امرئ مسلم بيمينه، إلا حَرَّم الله عليه الجنة، وأوجب له النار"، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، وإن كان يسيرًا؟ قال: "وإن كان سِوَاكًا من أراك "؟. قال: أبو أمامة هو ابن ثعلبة الحارثيّ، من الأنصار، وهو ابن أخت أبي بُرْدة بن نِيَار، وقيل: اسمه إياس، وقيل: عبد الله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٢] (١٣٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، قَالَ: فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَن، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَيَمِينُهُ"، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران: ٧٧]).

стр. 2034

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو وَائِل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. و"ابن أبي شيبة": هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"إسحاق بن إبراهيم" الحنظليّ: هو ابن راهويه، و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير، و"وكيع": هو ابن الجرّاح، و"الأعمش": هو سليمان بن مِهْرَان، و"عبد الله": هو ابن مسعود ﵁، وكلهم تقدّموا قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، أوردهم بالتحويل. ٢ - (ومنها): قوله: "واللفظ له"؛ يعني: أن متن الحديث الذي ساقه لشيخه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، وأما الشيخان الآخران: أبو بكر، وابن نُمير، فروياه بالمعنى. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا معاوية أحفظ الناس لحديث الأعمش. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، الأعمش، عن أبي وائل. ٥ - (ومنها): أن فيه "عبد الله" مطلقًا، وقد سبق أنه يميّز بالرواة عنه، فإذا كان السند كوفيًّا كما هنا، فهو ابن مسعود ﵁، وقد استوفيت البحث فيه فيما مضى، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) وقد أخرج البخاريّ هذا الحديث في "كتاب الأيمان والنذور" (٦٦٥٩) مَن رواية شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، فيستفاد من روايته أنه مما لم يُدَلِّس فيه الأعمش؛ لأن شعبة لا يروي عنه، ولا قتادة، وأبي إسحاق، إلا ما سمعوه من شيوخهم، فلا يضرّ مجيئه عنه هنا

стр. 2035

بالعنعنة، فتنبّه، وقد مرّ ذكر هذه القاعدة غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁؛ لما بيّنته من القاعدة في ذكر اللطائف (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ) - بفتح الصاد المهملة، وسكون الموحدة - وإضافة "يمين" إليها: وهي التي يَحْبِسُ الحالف نفسه عليها، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": "يمين الصبر": هي التي تَلْزَم، ويُجْبَر عليها حالفها، يقال: أصبره اليمينَ: أحلفه بها في مَقَاطع الحقّ. انتهى (٢). وقوله (يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، من الفاعل، وفي رواية حجاج بن منهال عن البخاريّ: "ليقطع بها" بزيادة لام التعليل، و"يَقْتَطِعُ": يَفْتَعِلُ، من القطع، كأنه قَطَعَهُ عن صاحبه، أو أخذ قطعةً من ماله بالحلف المذكور. (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) فيه حذف مضاف؛ أي: في الإقدام عليها، والمراد بالفجور: لازِمه وهو الكذب، (لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ")، وفي حديث وائل بن حُجْر الآتي: "وهو عنه مُعْرِضٌ"، وفي رواية كُرْدُوس عن الأشعث ﵁ عند أبي داود: "إلا لَقِيَ اللهَ، وهو أجذم"، وفي حديث أبي أمامة بن ثعلبة ﵁ الماضي: "فقد أوجب الله له النار، وحَرَّمَ عليه الجنة"، وفي حديث عمران ﵁ عند أبي داود: "فليتبوأ مقعده من النار". (قَالَ) أبو وائل ﵀ (فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بن مَعْدِي كَرِبَ الكنديّ، أبو محمد الصحابيّ، نَزَلَ الكوفةَ، وروى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وعنه أبو وائل، والشعبيّ، وقيس بن أبي حازم، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن المُسْلِيّ، ومسلم بن هَيْضَم، وأبو بَصِير العَبْديّ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وغيرهم. قال ابن سعد: وَفَدَ على النبيّ ﷺ بسبعين رجلًا من كِنْدَة، وكان اسمه مَعْدِ يكَرِب، ولُقِّب الأشعث؛ لِشَعْثِ رأسه، ومات بالكوفة حين صالح الحسنُ معاويةَ ﵁، فصلّى عليه، وقال خليفة: مات في آخر سنة أربعين، بعد قَتْل

стр. 2036

عليّ ﵁ بيسير، وقال ابن منده: كان ارتدّ ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر ﵁، وزَوّجه أخته أُمَّ فَرْوَة، وشَهِدَ القادسيَّة، والمدائن، وقال قيس بن أبي حازم: شَهِدت جنازةً فيها الأشعث وجرير، فقَدَّمَ الأشعثُ جريرًا، وقال: إن هذا لم يرتدَّ، وكنتُ قد ارتددتُّ، وذكره خليفةُ، ويعقوب بن سفيان، وغيرهما، فيمن شَهِدَ صِفِّين مع عليّ ﵁، وقال أبو حَسَّان الزياديّ: تُوُفِّي، وهو ابن ثلاث وستين سنة، أخرج له الجماعة، وليس له عند الشيخين إلا حديث الباب. وقوله: (فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ)، وفي رواية جرير عند البخاريّ في "كتاب الرهن": "ثم إن الأشعث بن قيس خرج إلينا، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ "، قال في "الفتح": والجمع بينهما أنه خَرَج عليهم من مكانٍ كان فيه، فدَخَل المكان الذي كانوا فيه، وفي رواية الثوريّ، عن الأعمش ومنصور جميعًا عند البخاريّ في "كتاب الأحكام": "فجاء الأشعث، وعبد الله يحدثهم"، ويجمع بأن خروجه من مكانه الذي كان فيه إلى المكان الذي كان فيه عبد الله، وَقَعَ وعبدُ الله يحدثهم، فلعلّ الأشعث تشاغل بشيء، فلم يُدرِك تحديث عبد الله، فسأل أصحابه عما حدَّثهم به. انتهى. (فَقَالَ) الأشعث ﵁ (مَا) استفهاميّة مفعول ثان مقدّم لـ"يحدِّثكم"؛ أيْ: أيَّ شيء (يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) كنية عبد الله بن مسعود ﵁. (قَالُوا: كَذَا وَكَذَا) وفي رواية جرير المذكورة: "فحدَّثْناه"، وبَيّن شعبة في روايته: أن الذي حدّثه بما حدثهم به ابن مسعود هو أبو وائل الراوي، ولفظه عند البخاريّ: "قال: فلقيني الأشعث، فقال: ما حدَّثكم عبد الله اليوم؟ قلت: كذا وكذا"، وليس بين قوله: "فلقيني" وبين قوله: "خَرَج إلينا، فقال: ما يحدثكم؟ " منافاة؛ إذ يقال: إنما أفرد في هذه الرواية؛ لكونه المجيب، والله تعالى أعلم. (قَالَ) الأشعث (صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن، فِيَّ نَزَلَتْ) ولفظ البخاريّ: "فيَّ أُنزلت"، وفي رواية جرير عنده: "قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ، والله أُنزلت"، واللام لتأكيد القسم، دخلت على "في" الجارّة لياء المتكلّم، ومراده أن الآية التي ذكرها ابن مسعود في حديثه نزلت بسبب خصومته التي يَذكُرُها،

стр. 2037

وفي رواية أبي معاوية: "فيّ والله كان ذلك"، وزاد جرير، عن منصور: "صدق". [تنبيه]: قال ابن مالك ﵀ في "شواهد التوضيح": في قول الأشعث ﵁: "لفيَّ، والله نزلت" شاهد على جواز توسط القسم بين جزأي الجواب، وعلى أنّ اللام يجب وصلها بمعمول الفعل الجوابي الْمُقَدَّم، وخلوّ الفعل منها، ومن قبول "قد" إن كان ماضيًا، كما يجب خلوّ المضارع منها، ومن قبول نون التوكيد إذا قُدِّم معموله، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران: ١٥٨]. انتهى كلام ابن مالك ﵀ (١). (كَانَ بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ) وفي رواية جرير، عن منصور الآتية: "كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر". وقال في "الفتح" عند قوله: "كانت بئر": في رواية أبي معاوية: "أرضٌ"، وادَّعَى الإسماعيلي أن أبا حمزة تفرد بقوله: "في بئر"، وليس كما قال، فقد وافقه أبو عوانة كما تري، وكذا يأتي من رواية الثوريّ، عن الأعمش ومنصور جميعًا، ومثله في رواية شعبة الماضية قريبًا عنهم، لكن بَيَّن أن ذلك في حديث الأعمش وحده، ووقع في رواية جرير، عن منصور: "في شيء"، ولبعضهم: "في بئر"، ووقع عند أحمد من طريق عاصم، عن شقيق أيضًا: "في بئر". انتهى. ووقع عند البخاريّ بلفظ: "كان لي بئر في أرض ابن عمّ لي". قال في "الفتح": قوله: "في أرض ابن عمّ لي" كذا للأكثر أن الخصومة كانت في بئر يَدَّعِيها الأشعث في أرض لخصمه، وفي رواية أبي معاوية: "كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجَحَدني". ويُجْمَع بأن المراد أرض البئر، لا جميع الأرض التي هي أرض البئر، والبئرُ من جملتها". قال: ولا منافاة بين قوله: "ابنُ عمّ لي"، وبين قوله: "من اليهود"؛ لأن جماعة من اليمن كانوا تَهَوَّدوا لَمّا غَلَب يوسف ذو نواس على اليمن" فَطَرَد عنه

стр. 2038

الحبشة، فجاء الإسلام وهم على ذلك، وقد ذَكَر ذلك ابن إسحاق في أوائل "السيرة النبوية" مبسوطًا (١). وأخرج الطبراني من طريق الشعبيّ، عن الأشعث، قال: خاصم رجلٌ من الحضرميين رجلًا منَّا يقال له: الخفشيش إلى النبيّ ﷺ في أرض له، فقال النبيّ ﷺ للحضرميّ: "جئ بشهودك على حقّك، وإلا حَلَف لك … " الحديث، وهذا يخالف السياق الذي في "الصحيحين"، قال الحافظ ﵀: فإن كان ثابتًا، حُمِلَ على تعدد القصة. وقد أخرج أحمد، والنسائيّ، من حديث عَدِيّ بن عَمِيرة الكِنديّ، قال: "خاصم رجل من كِنْدَةَ، يقال له: امرؤ القيس بن عابس الكنديّ رجلًا من حضرموت، في أرض … "، فذَكَرَ نحو قِصَّةِ الأشعث، وفيه: "إنْ مَكَّنْتُهُ من اليمين، ذَهَبت أرضي"، وقال: "مَن حَلَفَ … "، فذكر الحديث، وتلا الآية. و"معد يكرب" جَدُّ الخفشيش، وهو جد الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية، فهو ابن عمه حقيقة. ووقع في روايةٍ لأبي داود، من طريق كُرْدُوس، عن الأشعث: أنّ رجلًا من كِنْدَة، ورجلًا من حضرموت، اختَصَمَا إلى النبيّ ﷺ في أرض من اليمن … ، فذكر قصةً تُشْبِهُ قصةَ الباب، إلَّا أن بينهما اختلافًا في السياق، قال الحافظ: وأظنها قصةً أخرى، فإن مسلمًا أخرج من طريق علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كِندَة إلى رسول الله ﷺ ، فقال الحضرميّ: إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي … الحديث.

стр. 2039

قال: وإنما جَوَّزتُ التعددَ؛ لأن الحضرميّ يغاير الكنديّ؛ لأن المُدَّعِيَ في حديث الباب هو الأشعث، وهو كنديّ جزمًا، والمُدَّعيَ في حديث وائل هو الحضرميّ، فافترقا. ويجوز أن يكون الحضرميّ نُسِبَ إلى البلد، لا إلى القبيلة، فإن أصل نسبة القبيلة، كانت إلى البلد، ثم اشتهرت النسبة إلى القبيلة، فلعل الكنديّ في هذه القصة، كان يسكن حضرموت، فنُسِب إليها، والكنديّ لَمْ يسكنها، فاستمر على نسبته. انتهى (١). [تنبيه]: قد ذَكَرُوا الخفشيش في الصحابة (٢)، واستشكله بعضهم لقوله في بعض الروايات: إنه يهوديّ.

стр. 2040

وأجيب بأنه أسلم، وإنما وصفه الأشعث بكونه يهوديًّا باعتبار ما كان عليه أَوّلًا، ويؤيد إسلامه أنه وقع في رواية كُردوس، عن الأشعث في آخر القصة أنه لَمّا سمع الوعيد المذكور، قال: هي أرضه، فترك اليمين تورُّعًا، ففيه إشعار بإسلامه، ويؤيده أنه لو كان يهوديًّا ما بالى بذلك؛ لأنهم يستحلون أموال المسلمين، كما بيّنه الله في كتابه، حيث قال: ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ الآية [آل عمران: ٧٥]، أي حَرَجٌ. ومما يؤيّد إسلامه أيضًا ما وقع في رواية الشعبيّ، عن الأشعث ﵁، فقال النبيّ ﷺ : "إن هو حلف كاذبًا أدخله الله النار"، فذهب الأشعث، فأخبره القصة، فقال: أصلح بيني وبينه، قال: فأصلح بينهما، وفي حديث عَديّ بن عَمِيرة، فقال له امرؤ القيس: ما لمن تركها يا رسول الله؟ قال: "الجَنَّة"، قال: اشْهَدْ أني قد تركتها له كلها، هكذا ذكر في "الفتح". (فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية جرير، عن منصور التالية:

стр. 2041

"فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ "، وفي رواية أبي معاوية، عن الأعمش عند البخاريّ: "فجَحَدَني، فقدّمته إلى رسول الله ﷺ ". (فَقَالَ: "هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ " وفي رواية جرير التالية: "شاهداك، أو يمينه"، وفي رواية عند البخاريّ: "فقال: بيّنتك أو يمينه" (فَقُلْتُ: لَا) أي: ليست لي بيّنة (قَالَ) ﷺ " (فَيَمِينُهُ") الفاء في جواب شرط مقدَّر، أي: إذا لَمْ تكن لك بيّنةٌ، فيمينه، و"يمينه" مبتدأ خبره محذوف: أي فلك يمينه، ويحتمل أن يكون خبرًا لمحذوف، أي: المثبتُ لك ما تدّعيه يمينه. (قُلْتُ: إِذَنْ) حرف نصب وجواب، وفي كتابتها اختلاف، فالجمهور يكتبونها بالألف، وكذا رُسمت في المصاحف، والمازنيّ والمبرّد يكتبانها بالنون، وعن الفرّاء: إن عَمِلت كُتبت بالألف، وإلا كُتبت بالنون؛ للفرق بينها وبين "إذا "الشرطية، وتبعه ابن خروف. وقوله: (يَحْلِفُ) قال السهيليّ: بالنصب لا غير؛ لوجود شرائطه، من الاستقبال والاتصال، كما قال في "الخلاصة": وَنَصَبُوا بِـ "إِذًا" الْمُسْتَقْبَلَا … إِنْ صُدِّرَتْ وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا … إِذَا "إِذًا" مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا وحَكى ابن خروف جواز الرفع في مثل هذا على إهمال "إذن"، أو على تقدير "هو إذن يحلفُ" (١)، وقال النوويّ في "شرحه": وذكر أبو الحسن بن خروف في "شرح الجُمَل" أن الرواية فيه بالرفع (٢). وزاد في رواية أبي معاوية عن البخاريّ: "إذًا يَحلِفَ، ويذهبَ بمالي"، ووقع في حديث وائل بن حُجْر ﵁ الآتي من الزيادة بعد قوله: "ألك بينة؟ "، قال: لا: قال: "فلك يمينه"، قال: إنه فاجر، ليس يبالي ما حلف عليه، وليس

стр. 2042

يَتَوَرَّع من شيء، قال: "ليس لك منه إلَّا ذلك"، ووقع في رواية الشعبيّ، عن الأشعث: قال: أرضي أعظم شأنًا من أن يحلف عليها، فقال: "إن يمين المسلم يدرأُ بها أعظم من ذلك". (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) أي كاذب، هذه زيادة على حديث عبد الله بن مسعود ﵁ المتقدّم، لكنها وقعت في حديثه في بعض الطرق (لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ") جملة حاليّة من المفعول، (فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيةِ [آل عمران: ٧٧]. تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أي: يعتاضون، ويستبدلون، فكأنهم يعطون ما أوجب الله عليهم من رعاية العُهُود والأيمان، ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أي: ميثاقه، وهو إيجابه على المكلّفين أن يقوموا بالحق، ويعملوا بالعدل ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ جمع يمين، وهو الحلف بالله تعالى، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: بشيء قليل حقيرٍ من عَرَض الدنيا، من الترؤّس، والارتشاء، ونحو ذلك. وقال الإمام ابن كثير ﵀: يقول الله تعالى: إن الذين يعتاضون عمَّا عاهدوا الله عليه، من اتّباع محمد ﷺ ، وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عُرُوض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة، ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا حَظّ، ولا نصيب لهم يوم القيامة، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بما يسرّهم؛ إذ لا يكلّمهم إعراضًا عنهم، واحتقارًا لهم، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: نظرَ رحمة، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يُثني عليهم كما يُثني على من تَزَكَّي، وقيل: لا يُطهّرهم من الذنوب، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] أي موجع شديد الألم. وقال ابن كثير ﵀: يعني: أن الله تعالى لا يكلمهم كلام لُطْفٍ بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا يزكيهم من الذنوب، بل يأمر بهم إلى النار (١). [تنبيه]: هذا الحديث صريح في أن سبب نزول هذه الآية هو قصّة الأشعث بن قيس مع خصمه حين تحاكما في أرض، أو بئر، ويعارضه حديث

стр. 2043

عبد الله بن أبي أوفى ﵁، وهو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرَّحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄: أن رجلًا أقام سلعةً في السوق، فَحَلَف فيها، لقد أَعْطَى بها ما لَمْ يُعْطِه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧]، فهذا مخالف لحديث الباب. ويُجمع بأن نزول الآية كان للسببين جميعًا، ولفظ الآية أعمّ من ذلك، ولهذا وقع في حدر حديث الباب ما يقتضي ذلك، حيث قال: "من حلف يمينَ صبرٍ؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم … "الحديث، وذكر أبو جعفر الطبريّ ﵀ من طريق عكرمة أن الآية نزلت في حُيَيّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من شأن النبيّ ﷺ ، وقالوا، وحَلَفُوا أنه من عند الله، وقصّ الكلبيّ في "تفسيره" في ذلك قصّةً طويلةً، وهي محتملةٌ أيضًا، لكن المعتمد في ذلك ما ثبت في "الصحيح"، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه لا تعارض في تعدّد الأسباب لنزول آية واحدة، إن صحّت الرواية بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٤/ ٣٦٢ و ٣٦٣ و ٣٦٤] (١٣٨)، و (البخاريّ) في "الشُّرْب والمساقاة" (٢٣٥٦ و ٢٣٥٧)، و (الرهن) (٢٥١٥ و ٢٥١٦)، و"الشهادات" (٢٦٦٩ و ٢٦٧٠ و ٢٦٧٣ و ٢٦٧٦ و ٢٦٧٧)، و"التفسير" (٤٥٤٩ و ٤٥٥٠)، و"الإيمان والنذور" (٦٦٥٩ و ٦٦٦٠ و ٦٦٧٦ و ٦٦٧٧)، و"الأحكام" (٧١٨٣ و ٧١٨٤)، و"التوحيد" (٧٤٤٥ و ٧٤٤٦)،

стр. 2044

و (ابن ماجة) في "كتاب الإحكام" (٢٣٢٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٢ و ١٠٥٠ و ١٠٥١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٤ - ٣٧٧ - ٤١٦ - ٤٦٠)، و (٥/ ٢١١ - ٢١٢)، و (ابن حبّان) (٥٠٨٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٨ و ١٠٩ و ١١٠) و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٥٥ و ٣٥٦ و ٣٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٥٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٧٨ - ٢٥٣)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤٤٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٢٤٨ و ١٠٣٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم اقتطاع حقّ المسلم باليمين الفاجرة، وأن ذلك مما ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا. ٢ - (ومنها): جواز سماع الحاكم الدعوى فيما لَمْ يَرَه إذا وُصِفَ وحُدِّدَ، وعَرَفَهُ المتداعيان، لكن لَمْ يقع في الحديث تصريح بوصف، ولا تحديد، فاستدَلَّ به القرطبيّ على أن الوصف والتحديد ليس بلازم لذاته، بل يكفي في صحة الدعوى تمييز المدَّعَى به تمييزًا، ينضبط به، وتعقّبه الحافظ ﵀ بأنه لا يلزم من ترك ذكر التحديد، والوصف في الحديث، أن لا يكون ذلك وقع، ولا يُسْتَدَل بسكوت الراوي عنه بأنه لَمْ يقع، بل يطالَب من جَعَلَ ذلك شرطًا بدليله، فإذا ثَبَتَ حُمِل على أنه ذُكِر في الحديث، ولم ينقله الراوي. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب الحافظ على القرطبيّ فيه نظرٌ؛ لأن خلاصته تسليم لما قاله؛ إذ حاصله أنه لَمْ يوجد دليل إيجابه، فلما لَمْ يوجد بقي على عدم لزومه، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث، فعاد الأمر إلى موافقة قول القرطبيّ ﵀. والحاصل أنه لا دليل لمن شرط، فلا يلزم الوصف والتحديد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن الحاكم يَسأَل المدعي، هل له بينةٌ؟ وقد ترجم بذلك الإمام البخاريّ في "كتاب الشهادات". ٤ - (ومنها): أن البينة على المدعِي في الأموال كلِّها. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لمالك ﵀ في قوله: إن مَن رَضِي بيمين

стр. 2045

غريمه، ثم أراد إقامة البينة بعد حلفه أنَّها لا تسمع، إلَّا إن أتى بعذر، يتوجه له في ترك إقامتها قبل استحلافه. قال ابن دقيق العيد ﵀: ووجهه أن "أو" تقتضي أحد الشيئين، فلو جاز إقامة البينة بعد الاستحلاف، لكان له الأمران معًا، والحديث يقتضي أنه ليس له إلَّا أحدهما، قال: وقد يجاب بأن المقصود من هذا الكلام نفيُ طريق أخرى لإثبات الحقّ، فيعود المعنى إلى حصر الحجة في البينة واليمين، ثم أشار إلى أن النظر إلى اعتبار مقاصد الكلام وفهمه، يُضَعِّف هذا الجواب. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: إنه قد يَستَدِلُّ الحنفية به في ترك العمل بالشاهد واليمين في الأموال. وأجاد الحافظ ﵀ حيث قال: والجواب عنه بعد ثبوت دليل العمل بالشاهد واليمين أنَّها زيادة صحيحةٌ، يَجِبُ المصير إليها؛ لثبوت ذلك بالمنطوق، وإنما يستفاد نفيه من حديث الباب بالمفهوم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن الحافظ ﵀ في الردّ على الحنفيّة في استدلالهم هذا، فإن الحديث صحيح، أخرجه المصنّف ﵀ في "صحيحه"، وسيأتي برقم (١٧١٢) من طريق قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ قَضَى بيمين وشاهد"، فبعد صحّة المنطوق بطل الاستدلال بالمفهوم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. قال العلامة الصنعانيّ ﵀: قد ثبتت أدلّة العمل بالشاهد واليمين، ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ المذكور، ثم قال: قال في "التمييز": إنه حديث صحيحٌ، لا يُرتاب في ححّته، وقال ابن عبد البرّ: لا مطعن لأحد في ححّته، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قضى باليمين والشاهد"، وهو عند أصحاب "السنن"، ورجاله مدنيّون ثقات، ولا يضرّه أن سُهيل بن أبي صالح نسيه بعد أن حدّث به ربيعة؛ لأنه بعد ذلك كان يروي به عن ربيعة، عن نفسه، عن أبيه، وقصّته في ذلك مشهورة في "سنن أبي داود" وغيرها، ومنها حديث جابر ﵁ مثل حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجة، وصحّحه

стр. 2046

أبو عوانة، وابن خُزيمة، وفي الباب عن نحو من عشرين من الصحابة ﵃، منها الضعاف، والحسان، وبذلك ثبتت الشهرة. قال الصنعانيّ: أشار بقوله: الشهرة إلى ردّ الحنفيّة لحديث العمل بالشاهد واليمين بأنه زيادة على ما في القرآن، ولا تُقبل الزيادة من الأحاديث إلَّا إذا كان الخبر مشهورًا، وقد عَمِلوا بأحاديث فيها الزيادة على ما في القرآن، لا تبلغ شهرتها شهرة ما نحن فيه، مثل حديث إيجابهم الوضوء من القهقهة، والمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء، وغير ذلك، قال الإمام الشافعيّ ﵀: القضاء بشاهد ويمين لا يُخالف نصّ القرآن؛ لأنه لَمْ يمنع أن يجوز أقلّ مما نَصَّ عليه، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم، فضلًا عن مفهوم العدد. انتهى ما كتبه الصنعاني ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على توجيه اليمين في الدَّعَاوَى كلّها على من ليست له بينة. ٨ - (ومنها): أن فيه بناءَ الإحكام على الظاهر، وإن كان المحكوم له في نفس الأمر مبطلًا. ٩ - (ومنها): أن فيه دليلًا للجمهور على أن حكم الحاكم لا يُبيح للإنسان ما لَمْ يكن حلالأ له، خلافًا لأبي حنيفة، كذا أطلقه النوويّ. وتُعُقّب بأن ابن عبد البر نَقَلَ الإجماع على أن الحكم لا يُحِلّ حرامًا في الباطن في الأموال، قال: واختلفوا في حِلّ عصمة نكاح مَنْ عَقَد عليها بظاهر الحكم، وهي في الباطن بخلافه، فقال الجمهور: الفروج كالأموال، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وبعض المالكية: إن ذلك إنما هو في الأموال دون الفروج، وحجتهم في ذلك اللعان. انتهى. وقد طَرَدَ ذلك بعضُ الحنفية في بعض المسائل في الأموال، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الحكم لا يُحلّ شيئًا من الأموال، والفروج، وغيرها هو الحقّ؛ لظهور حجته، والفرق بين

стр. 2047

الأموال والفروج غير صحيح، بل أمر الفروج أشدّ من الأموال، وسيأتي تفصيل المسألة في موضعها من "كتاب الأقضية"، حيث يذكر المصنّف ﵀ حديث أم سلمة ﵂ هناك (١) - إن شاء الله تعالى -. ١٠ - (ومنها): أن فيه التشديدَ على من حَلَف مُبطلًا؛ ليأخذ حقَّ مسلم، وهو عند الجميع محمول على من مات من غير توبة صحيحة، وعند أهل السنة محمول على من شاء الله أن يعذبه، كما تقدم تقريره مرارًا. ١١ - (ومنها): ما قاله المازريّ: ذَكَرَ بعض أصحابنا أن فيه دلالةً على أنّ صاحب اليد أولى بالمدعَّى فيه. ١٢ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على سورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنه بدأ بالطالب، فقال: "ليس لك إلَّا يمين الآخر"، ولم يَحْكُم بها للمدَّعَى عليه، إذا حَلَفَ، بل إنما جَعَلَ اليمين تَصْرِف دعوى المُدَّعِي، ولذلك ينبغي للحاكم إذا حَلَفَ المدَّعَى عليه أن لا يحكم له بملك المدَّعَى فيه، ولا بحيازته، بل يُقِرُّه على حُكْم يمينه. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أنه لا يُشْتَرط في المتداعيين أن يكون بينهما اختلاط، أو يكونا ممن يُتَّهَم بذلك، ويليق به؛ لأن النبيّ ﷺ أَمَرَ المدَّعَى عليه هنا بالحَلِفِ بعد أن سمع الدعوي، ولم يسأل عن حالهما. وتُعُقّب بأنه ليس فيه التصريح بخلاف ما ذهب إليه مَن قال به من المالكية؛ لاحتمال أن يكون النبيّ ﷺ عَلِمَ من حاله ما أغناه عن السؤال فيه، وقد قال خصمه عنه: إنه فاجرٌ، لا يبالي، ولا يَتَوَرَّع عن شيء، ولم يُنْكِر عليه ذلك، ولو كان بَرِيئًا مما قال لبادر بالإنكار عليه، بل في بعض طُرُق الحديث ما يدُلّ على أن الغصب المُدَّعَى به وقع في الجاهلية، ومثل ذلك تُسْمَع الدعوى بيمينه فيه عندهم، قاله الحافظ ﵀.

стр. 2048

١٤ - (ومنها): أنّ يمين الفاجر تُسْقِط عنه الدعوي، وأن فُجُوره في دينه لا يوجب الحجر عليه، ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك لَمْ يكن لليمين معنًى. ١٥ - (ومنها): أن المُدَّعَى عليه إن أقر أن أصل المُدَّعَى لغيره، لا يُكَلَّف بيان وجه مصيره إليه، ما لَمْ يُعْلَم إنكارُهُ لذلك، يعني: تسليم المطلوب له ما قال. ١٦ - (ومنها): أن من جاء بالبينة قُضِي له بحقه من غيريمين؛ لأنه مُحَالٌ أن يسأله عن البينة، دون ما يجب له الحكم به، ولو كانت اليمين من تمام الحكم له، لقال له: بيِّنتك ويمينك على صدقها. وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كونه لا يُحَلَّف مع بيِّنته على صدقها فيما شهدت أن الحكم له لا يتوقف بعد البينة على حلفه بأنه ما خَرَجَ عن ملكه، ولا وهبه مثلًا، وأنه يستحق قبضه، فهذا وإن كان لَمْ يُذكَر في الحديث، فليس في الحديث ما ينفيه، بل فيه ما يُشْعِر بالاستغناء عن ذكر ذلك؛ لأن في بعض طرقه أن الخصم اعتَرَفَ، وسَلَّم المُدَّعَى به للمُدَّعِي، فأغنى ذلك عن طلبه يمينه، والغرض أن المدَّعِي ذَكَر أنه لا بينة له، فلم تكن اليمين إلَّا في جانب المدَّعَى عليه فقط. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تعقّب هذه الفائدة في "الفتح"، ولكن في تعقّبه نظر لا يخفى، فأين الدليل الذي يدلّ على أنه لا يُقضَى لمن جاء بالبيّنة بمجرّدها، بل مع اليمين؟، فالحقّ أن البيّنة تكفي وحدها للقضاء بها؛ لظاهر النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٧ - (ومنها): البداءة بالسماع من الطالب، ثم من المطلوب، هل يُقِرّ، أو ينكر؟ ثم طلب البينة من الطالب، إن أنكر المطلوب، ثم توجيه اليمين على المطلوب، إذا لَمْ يَجِد الطالب البينة. ١٨ - (ومنها): أن الطالب إذا ادَّعَى أن المُدَّعَى به في يد المطلوب، فاعترف استُغْنِي عن إقامة البينة بأن يد المطلوب عليه. ١٩ - (ومنها): ما قاله بعض العلماء: إن كلَّ ما يَجْرِي بين المتداعيين من تسابٍّ بخيانة، وفجور، هَدَرٌ؟ لهذا الحديث. وتُعُقّب بأنه إنما نسبه إلى الغصب في الجاهلية، وإلى الفجور، وعدم

стр. 2049

التوقِّي في الإيمان في حال اليهودية، فلا يَطَّرِدُ ذلك في حقّ كلّ أحد. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في "الفتح" هذا التعقّب، ولم يتعقّبه، وفيه نظر، بل الذي يظهر من الأدلّة ما قاله البعض، وقد ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" على هذا، فقال: "بَابُ كلام الخُصُوم بعضِهِم في بعض"، ثم أورد هذا الحديث مستدلًّا على ما ترجم له (١). ومن الأدلّة عليه ما ثبت في "الصحيحين" من قول العبّاس ﵁ حين كان بينه وبين عليّ ﵁ خصومة لعمر بن الخطاب ﵁، وعنده عثمان بن عفّان، وعبد الرَّحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص ﵁، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقضِ بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن؛ يعني: عليًّا ﵁، فقد جرى هذا الكلام، ووصف عليًّا بهذه الأوصاف المستكرهة، بين يدي أمير المؤمنين عمر ﵁، بمحضر من هؤلاء الأفاضل، ولم يُنكر ذلك أحد منهم، لا عمر، ولا هم، بل قالوا: أجل يا أمير المؤمنين فاقضِ بينهم، وأَرِحْهُم، والقصّة مشهورة في "الصحيحين"، وغيرهما، وهذا لفظ مسلم. والحاصل أن الصواب أن صدور مثل هذا بين المتخاصمين يُتسامح فيه؛ لصدوره غالبًا في حال الغضب، والله تعالى أعلم. ٢٠ - (ومنها): موعظة الحاكم المطلوب إذا أراد أن يَحْلِف خوفًا من أن يَحْلِف باطلًا، فيرجع إلى الحقّ بالموعظة. ٢١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به القاضي أبو بكر بن الطيب في سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه، فيقول له: ألك دليل على ذلك؟، فإن قال: نعم، سأله عنه، ولا يقول له ابتداءً: ما دليلك على ذلك؟، ووجه الدلالة أنه ﷺ قال للطالب: "ألك بينة؟ "، ولم يقل له: قَرِّب بيِّنتك. ٢٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن لليمين مكانًا يَختصّ به؛ لقوله في بعض طرقه: "فانطلق ليحلفَ"، وقد عُهِدَ في عهده ﷺ الحلف عند منبره، وبذلك احْتَجَّ الخطابيّ، فقال: كانت المحاكمة، والنبيّ ﷺ في المسجد،

стр. 2050

فانطَلَق المطلوب ليحلف، فلم يكن انطلاقه إلَّا إلى المنبر؛ لأنه كان في المسجد، فلا بد أن يكون انطلاقه إلى موضع أخص منه. ٢٣ - (ومنها): أن فيه أن الحالف يَحْلِف قائمًا؛ لقوله: "فلما قام ليحلف"، وفيه نظرٌ؛ لأن المراد بقوله: "قام"، ما تقدّم من قوله: "انطلق ليحلف". ٢٤ - (ومنها): أن الإمام الشافعي ﵀ استَدَلّ به على أن مَن أسلم وبيده مال لغيره، أنه يَرْجِع إلى مالكه إذا أثبته، وعن المالكيّة اختصاصه بما إذا كان المال لكافر، وأما إذا كان لمسلم، وأسلم عليه الذي هو بيده، فإنه يُقَرّ بيده، والحديث حجة عليهم. ٢٥ - (ومنها): "أن ابن المُنَيِّر ﵀ قال: يُستفاد من الحديث أن الآية المذكورة في هذا الحديث، نَزَلت في نقض العهد، وأن اليمين الغَمُوس لا كفارة فيها؛ لأن نقض العهد لا كفارة فيه، كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن غايته أنَّها دلالة اقتران. ٢٦ - (ومنها): أن النوويّ ﵀ قال: يدخل في قوله: "من اقتَطَعَ حقَّ امرئ مسلم" مَن حَلَف على غير مال، كجِلْد الميتة، والسِّرْجين، وغيرهما، مما يُنْتَفَع به، وكذا سائر الحقوق، كنصيب الزوجة بالقَسْم، وأما التقييد بالمسلم، فلا يَدُلّ على عدم تحريم حقِّ الذميّ، بل هو حرام أيضًا، لكن لا يلزم أن تكون فيه هذه العقوبة العظيمة. قال في "الفتح": وهو تأويل حسنٌ، لكن ليس في الحديث المذكور دلالة على تحريم حَقِّ الذميّ، بل ثبت بدليل آخر، والحاصل أن المسلم والذميّ لا يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغَمُوس، والوعيد عليها، وفي أخذ حقّهما باطلًا، وإنما يفترق بالنسبة إليهما. ٢٧ - (ومنها): أن فيه بيان غِلَظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين قليل الحقّ وكثيره في ذلك، قاله النوويّ أيضًا. قال في "الفتح": وكأنّ مراده عدم الفرق في غِلَظ التحريم، لا في مراتب الغِلَظ، وقد صَرَّح ابن عبد السلام في "القواعد" بالفرق بين القليل والكثير، وكذا بَيْنَ ما يترتب عليه كثير المفسدة وحقيرها، وقد وَرَدَ الوعيد في الحالف

стр. 2051

الكاذب في حقّ الغير مطلقًا، في حديث أبي ذَرّ ﵁، مرفوعًا: "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم … "الحديث، وفيه: "والمنفق سِلْعته بالحلف الكاذب"، أخرجه مسلم، وله شاهد عند أحمد، وأبي داود، والترمذيّ من حديث أبي هريرة ﷺ بلفظ: "ورجلٌ حَلَفَ على سِلْعته، بعد العصر كاذبًا". انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله: (وَلَا ينظر الله إليه) قال في "الكشاف": هو كناية عن عدم الإحسان إليه عند مَنْ يُجَوِّز عليه النظر، مجازٌ عند من لا يُجَوِّزه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كلا التأويلين باطلان، أما الأول فإنه مذهب متأخري الأشاعرة الذين يؤولون الصفات، وأما الثاني فإنه مذهب المعتزلة الذين جمعوا بين نفي نظر المؤمنين لربهم، وبين تأويل الصفات، وهو مذهب الزمخشريّ، وكلاهما باطل. قال القاضي عياض: الإعراض، والغضب، والسخط من الله تعالى هو إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته، وتعذيبه، وإنكار فعله وذمّه، قال: فيكون ذلك من صفات الذات، ويرجع إلى الإرادة، أو الكلام، أو أن يَفعل بهم فعل المسخوط عليه المُعرِض عنه المغضوب عليه من النقمة والعذاب والإبعاد عن الرحمة، فيكون من صفات الفعل، وهي في المخلوق تغيُّر حاله لإرادة السوء، أو فعله بمن غَضِبَ عليه، والله جلّ اسمه يتعالى عن التغيّر، واختلاف الحال. انتهى كلام عياض، وتبعه النوويّ، وأقرّه عليه (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذه القاعدة التي ذكرها القاضي، وتبعه النوويّ عليها هي من المسائل التي خالف فيها متأخرو الأشاعرة مذهب السلف، وهي تأويل الصفات، وهي تحتاج إلى بيان، فأقول: (اعلم أَوّلًا): أن صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتيّةٌ، وسلبيّةٌ، فأما الثبوتيّة، فهي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو فيما صحّ على لسان

стр. 2052

رسوله ﷺ من صفات الكمال والجلال، فيجب إثباتها له حقيقةً على الوجه اللائق به . وأما الصفات السلبيّة، فهي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو فيما صحّ عن رسوله ﷺ ، وكلّها صفات نقص في حقّه ، كالموت، والنوم، والنسيان، فيجب نفيها عن الله تعالى مع إثبات ضدّها له على الوجه الأكمل. ثم إن الصفات الثبوتيّة تنقسم إلى ذاتيّة وفعليّة، فالذاتيّة هي التي لَمْ يزل الله تعالى متّصفًا بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، وغيرها، ويدخل في هذا القسم الصفات الخبريّة، كالوجه، واليدين، والعينين. والصفات الفعليّة هي التي تتعلّق بمشيئته ، إن شاء فعلها، وإن شاء لَمْ يفعلها، وهو متّصفٌ بها منذ الأزل، ولا يجوز اعتقاد أنه تعالى قد وُصِف بها بعد أن لَمْ يكن متّصفًا بها، مثل النزول إلى السماء الدنيا، والغضب، والرضا، والإحياء، والإماتة، ونحوها. وكلُّ صفة تعلّقت بمشيئة الله تعالى، فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نَعجَز عن إدراكها، لكن نعلم علم اليقين أنه لا يشاء إلَّا وهو موافقٌ للحكمة. وقد تكون الصفة ذاتيّة باعتبار، وفعليّة باعتبار آخر، كالكلام، فإنه صفة من صفات الذات؛ لأن الله لَمْ يزل متكلّمًا، ولا يزال متكلّمًا، وأما باعتبار آحاد الكلام، فهو صفة فعليّة. (ثم اعلم ثانيًا): أن التأويل الذي ذكره عياض والنوويّ للإعراض، والغضب والسخط بإرادة الانتقام، ونحو ذلك هو مذهب الأشاعرة، وأما مذهب السلف، فهو إثبات هذه الصفات لله على حقيقتها، فيُثبتون له الغضب حقيقةً على كيفيّة تليق بجلاله، وأما قول القائل: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، ونحو ذلك، والله تعالى منزّه عن هذا، فيقال له: هذا قد يصحّ في المخلوق، ولا يجوز تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأن أثبت هذه الصفات لنفسه، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ثم إن المعنى الذي صرفوا إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفوه عنه، فإن

стр. 2053

الإرادة تتضمّن الميل، وهو مما يتّصف به المخلوق، فوجب إثبات الأمرين، أو نفيهما معًا (١). والحاصل أن الفرق بين معاني صفات الله وصفات المخلوقين فيما يقع فيه الشركة في اللفظ والتسمية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، لا يخفى إلَّا على من أعمى الهوى والتقليد بصيرته، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَش، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَة فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَرِير) هو ابن عبد الحميد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مَنْصُور) هو: ابن المعتمر بن عبد الله السُّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا في الذي قبله. وقوله: (عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ) هو ابن مسعود ﵁، ثم إن روادة جرير، عن منصور هذه هكذا وقعت موقوفة في "الصحيحين"، ولم يقع فيها الرفع، وقد سبق الحديث الماضي من رواية الأعمش مرفوعًا، ولفظه: "عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال"، وكذا وقع التصريح برفعه في رواية شعبة عن الأعمش،

стр. 2054

ومنصور عند البخاريّ في "الإيمان والنذور"، ولفظه: "عن شعبة، عن سليمان، ومنصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁، عن النبيّ ﷺ قال"، وكذلك وقع التصريح، بالرفع عنده في "كتاب الإحكام" من رواية سفيان، عن منصور، والأعمش. والظاهر أن منصورًا كان يرويه بالوجهين، أحيانًا مرفوعًا، وأحيانًا موقوفًا. والحاصل أن حديث ابن مسعود ﵁ هذا مرفوعًا صحيح، لا يضرّه وقفه في بعض طرقه؛ لأن الرفع فيه أكثر، على أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) أي متعمّد للكذب، وتسمّى هذه اليمين الغَمُوس. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير منصور، يعني: أن منصورًا ساق الحديث نحو رواية الأعمش. وقوله: (غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ) يعني: أن منصورًا خالف الأعمش في قوله: "كانت بيني وبين رجل … إلخ"، فإن الأعمش ساقه بلفظ: "كان بيني وبين رجل أرض باليمن"، وقد سبق أن قلنا: إنه لا تخالف بين الروايتين لإمكان كون البئر كانت في تلك الأرض، وأراد بالأرض المتنازع فيها أرض البئر، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ) أي: النبيّ ﷺ ("شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ") معناه: لك ما يشهد به شاهداك، أو يمينه، فـ"شاهداك" خبر لمحذوف: أي الحجّة، أو المثبتُ لك شاهداك، أو مبتدأ وخبره محذوف: أي شاهداك، يثبتان لك حقّك، وقيل: إن رفعه على تقدير فعل، أي يُثبتُ لك شاهداك، وقيل: إنه على تقدير مضاف، أي لك إقامة شاهديك، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامه، فارتفع ارتفاعه، وقوله: "أو يمينه" معطوف عليه في كلّ ما له. [تنبيه]: رواية جرير، عن منصور التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية الأعمش، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٢٥١٦) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله ﵁: "من حَلَفَ على يمين، يَستَحِقّ بها مالًا، وهو فيها

стр. 2055

فاجر، لقي الله، وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقرأ إلى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ثم إن الأشعث بن قيس، خَرَجَ إلينا، فقال: ما يُحَدِّثكم أبو عبد الرَّحمن؟ قال: فحدثناه، قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ والله أُنْزِلت، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "شاهداك، أو يمينه"، قلت: إنه إذًا يحلفَ، ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يمين، يستحقّ بها مالًا، وهو فيها فاجر، لقي الله، وهو عليه غضبان"، فأنزل الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقرأ إلى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، بِغَيْرِ حَقِّه، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كتَابِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيةِ [آل عمران: ٧٧]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيي، ثقةٌ (١)، صنّف "المسند"، وكان يلازم ابن عيينة [١٠] (٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (سُفْيَانُ) هو: ابن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.

стр. 2056

٣ - (جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥]. رَوَى عن أبي الطُّفَيل، ومنذر الثوريّ، وأبي وائل، وغيرهم. ورَوى عنه الأعمش، وزُبَيد الياميّ، وهما من أقرانه، والسفيانان، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وشريك. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقة ثبتٌ صالحٌ، وأخوه ربيع يقال: إنه لَمْ يكن بالكوفة في زمانه أفضل منه، وهما في عِدَاد الشيوخ، ليس حديثهم بكثير، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال البخاري في "التاريخ": قال عليّ، عن سفيان: جامعٌ أحبُّ إليّ من عبد الملك بن أعين، وقال ابن حبان في "الثقات": جامع بن أبي راشد، ورُبّما رَوَى عنه شريك، فقال: جامع بن راشد، والصحيح ما قاله سفيان - يعني - وغيره: ابن أبي راشد. أخرج له الجماعة، - وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٣٨)، وحديث (١٤٤): "فتنة الرجل في أهله … ". ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ) الكوفيّ، مولى بني شيبان، صدوقٌ شيعيّ، له حديث متابعةً [٦]. رَوَى عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، وعبد الله بن شَدَّاد بن الهاد، وأبي وائل، وأبي حرب الأسود، وعبد الرَّحمن بن أُذَينة. ورَوَى عنه ابن إسحاق، وإسماعيل بن سُمَيع، وعبد الملك بن أبي سليمان، والسفيانان، قال محمد بن المثنى: ما سمعتط ابن مهديّ يحدّث عن سفيان، عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدِّث عنه فيما أُخبرتُ، ثم أمسك، وقال الحميديّ، عن سفيان: حدثنا عبد الملك بن أعين شيعيّ، كان عندنا، رافضيّ، صاحب رأي، وقال الدُّورِيّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وقال حامد، عن سفيان: هم ثلاثة إخوة: عبد الملك، وزُرَارة، وحُمْران، رَوَافِضُ كلهم، أخبثهم قولًا عبد الملك، وقال أبو حاتم: هو من أَعْتَى الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث، يُكْتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكان يتشيع، وقال الساجيّ: كان يتشيع، ويُحْتَمَلُ في الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة.

стр. 2057

أخرج له الجماعة، وله عند الشيخين هذا الحديث فقط، أخرجاه له مقرونًا بجامع بن أبي راشد. والباقيان تقدّما في السند الماضي، و"شقيقٌ" هو: أبو وائل المذكور في السند السابق. وقوله: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن مسعود ﵁، وهو موصولٌ بالسند المذكور. وقوله: (مِصْدَاقَهُ) أي مِصداق الحديث، و"المِصْدَاق" بكسر أوله، مِفْعالٌ من الصدق، بمعنى الموافقة، قاله في "الفتح"، وقال في "القاموس": ومصداق الشيء: ما يُصَدِّقه. انتهى (١). (مِنْ كِتَابِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيةِ [آل عمران: ٧٧]، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّما قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٦٥] (١٣٩) - (حَدَّثَنَا قتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبيِ شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو عَاصِمٍ الْحَنَفِيُّ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُل مِنْ كِنْدَةَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي، فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْه، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ"، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: "أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ؛ لِيَأْكَلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ، وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ").

стр. 2058

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هنّاد بن السريّ) - بفتح السين المهملة، وكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب بن أبي بكر بن شَبْر بن صَعْفُوق بن عَمْرو بن زُرَارة بن عبدس بن زيد بن عبد الله بن دارم التميميّ الدارميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، وهشيم، وأبي بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وأبي الأحوص، وحفص بن غياث، وعبدة بن سليمان، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري في "خلق أفعال العباد"، والباقون، وابن أخيه محمد بن السريّ بن يحيى بن السريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، ومطين، وعبدان الأهوازي، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: عليكم بهنّاد. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال قتيبة: ما رأيت وكيعًا يُعَظّم أحدًا تعظيمه لهنّاد. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال السراج: قال هنّاد بن السريّ: وُلدت سنة اثنتين وخمسين ومائة، قال: ومات في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين ومائتين. روى عنه البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا. ٢ - (أَبُو عَاصمٍ الْحَنَفِيُّ) هو: أحمد بن جَوّاس - بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره سين مهملةٌ - الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن أبي الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وأبي معاوية، وأبي بكر بن عَيّاش، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وابن وَارَةَ، وأحسن الثناء عليه، وأبو بكر الأثرم، والحسن بن سفيان، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وقال: إنه لَمْ يُحَدّث إلَّا عن ثقة، وغيرهم، وقال مطيّن: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال مطيّن: مات لثلاث خَلَوْنَ من المحرم سنة (٢٣٨). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١٣٩)، و (٢٩٠): "ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ … "، و (٧١٥): "فقضاني، وزادني … "، و (٨٠٦): "بينما جبريل قاعد عند النبيّ ﷺ … ".

стр. 2059

٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٤ - (سِمَاك) - بكسر أوّله، وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن خالد بن نِزَار بن معاوية بن حارثة الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربة، وقد تغيّر بآخره، فكان ربّما يُلقَّن [٤]. رَوَى عن جابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك، والضحاك بن قيس، وثعلبة بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، وطارق بن شهاب، وإبراهيم النخعي، وعبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم. ورَوى عنه ابنه سعيد، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وداود بن أبي هند، وحماد بن سلمة، وشعبة، والثوري، وشريك، وغيرهم. قال حماد بن سلمة عنه: أدركت ثمانين من الصحابة. وقال عبد الرزاق عن الثوري: ما سقط لسماك حديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نقله الحافظ المزيّ في "تهذيب الكمال"، واعترضه الحافظ، فقال: إنما قال الثوري هذا في سماك بن الفضل اليماني، وأما سماك بن حرب فالمعروف عن الثوري أنه ضعفه (١). والله تعالى أعلم. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: سماك أصح حديثًا من عبد الملك بن عمير. وقال أبو طالب عن أحمد: مضطرب الحديث. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة. قال: وكان شعبة يُضَعِّفه، وكان يقول في التفسير: عكرمة، ولو شئت أن أقول له: ابن عباس، لقاله. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين سُئل عنه: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لَمْ يُسندها غيره، وهو ثقة. وقال ابن عمار: يقولون: إنه كان يَغلَط، ويختلفون في حديثه. وقال العجلي: بكري جائز الحديث، إلَّا أنه كان في حديث عكرمة ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، ولم يَرْغَب عنه أحد، وكان فصيحًا، عالمًا بالشعر وأيام الناس. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وهو كما قال أحمد. وقال

стр. 2060

يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة. وقال زكريا بن عدي عن ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث. وقال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصةً مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا، مثل شعبة، وسفيان، فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك، إنما نَرَى أنه فيمن سمع منه بآخره. وقال النسائي: ليس به بأس، وفي حديثه شيء. وقال أيضًا: كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لَمْ يكن حجة؛ لأنه كان يُلَقَّن فيتلقن. وقال صالح جزرة: يُضَعَّف. وقال ابن خِرَاش: في حديثه لين. وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ كثيرًا، مات في آخر ولاية هشام بن عبد الملك حين ولي يوسف بن عمر على العراق. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": سئل أبو زرعة: هل سمع سماك من مسروق شيئًا؟ فقال: لا. وقال البزار في "مسنده": كان رجلًا مشهورًا، لا أعلم أحدًا تركه، وكان قد تغير قبل موته. وقال جرير بن عبد الحميد: أتيته فرأيته يبول قائمًا، فرجعت ولم أسأله عن شيء، قلت: قد خَرِفَ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: البول قائمًا لا يكون سببًا لتضعيف الشخص؛ لأنه جائز شرعًا، ولعل جريرًا قام عنده من القرينة ما يدلّ على خَرَف سماك، فتحاشاه لذلك، لا لمجرّد البول قائمًا، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. وقال ابن عدي: ولسماك حديث كثير مستقيم - إن شاء الله - وهو من كبار تابعي أهل الكوفة، وأحاديثه حسان، وهو صدوق لا بأس به. وقال ابن قانع: مات سنة ١٢٣. أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٦٢) حديثًا. ٥ - (عَلْقَمَةَ بْنُ وَائِلٍ) بن حُجْر الحَضرميّ الكِنديّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وطارق بن سُويد على خلاف فيه. وروى عنه أخوه عبد البربار، وابن أخيه سعيد بن عبد البربار، وعبد الملك بن عُمير، وعمرو بن مُرَّة، وسِمَاك بن حَرْب، وإسماعيل بن سالم،

стр. 2061

وجامع بن مَطَر، وسَلَمة بن كُهَيل، وموسى بن عُمير العنبريّ، وقيس بن سُلَيم العنبريّ، وأبو عُمَر العائذيّ. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً قليلَ الحديث، وحَكَى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة بن وائل، عن أبيه مرسلٌ. أخرج له البخاري في "جزء رفع اليدين"، والمصنّف، والأربعة وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث: هذا (١٣٩) وأعاده بعده، وحديث (٤٠١): "سمع الله لمن حمده … "، و (١٦٨٠): "أقتلته؟ فقال: إنه لو لَمْ يعترف … "، وأعاده بعده، و (١٨٤٦): "اسمعوا، وأطيعوا، فإنما عليهم … "، و (١٩٨٤): "إنه ليس بدواء … "، و (٢١٣٥): "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم … "، و (٢٢٤٨): "لا تقولوا: الكرم … "، وأعاده بعده. [تنبيه]: ما حَكاه العسكري عن ابن معين من أن علقمة بن وائل، عن أبيه مرسلٌ، وكذا نصّ عليه في "التقريب" (ص ٢٤٣)، وقال: لَمْ يسمع من أبيه، وفيه نظر؛ لأمرين: [أحدها]: أنه صحّ سماعه من أبيه، فقد أخرج مسلم، والنسائيّ، وجمعٌ أحاديثَ صرّح فيها بالسماع من أبيه: (فمنها): ما أخرجه مسلم في "كتاب القسامة" (١٦٨٠)، حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريّ، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس، عن سِمَاك بن حرب، أن علقمة بن وائل حدثه، أن أباه حدثه، قال: "إني لقاعد مع النبيّ ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنِسْعَةٍ … "الحديث، فقد صرّح بأن أباه حدّثه. (ومنها): ما أخرجه البخاريّ في "جزء رفع اليدين" (ص ٦ - ٧)، قال: حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دُكين، أنبأنا قيس بن سُليم العَنبريّ، قال: "سمعت علقمة بن وائل بن حجر، حدثني أبي، قال: صلّيتُ مع النبيّ ﷺ ، فكبّر افتتح الصلاة … "الحديث، وهذا إسناد صحيح، متصلٌ بالسماع. (ومنها): ما أخرجه النسائيّ في "سننه" (١٠٤٥)، فقال: أخبرنا سُويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن قيس بن سُلَيم العنبريّ، قال: حدثني علقمة بن وائل، قال: حدثني أبي، قال: "صليت

стр. 2062

خلف رسول الله ﷺ ، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع … " الحديث، فقد صرّح أيضًا بأن أباه حدّثه. [الثاني]: أن الأئمة خالفوا ما ذُكر عن ابن معين، فنصّوا على أن علقمة سمع من أبيه، فمنهم: الإمام البخاريّ ﵀، فقد نصّ في "التاريخ الكبير" (٧/ ٤١) على أن علقمة بن وائل سمع أباه. ومنهم: الإمام الترمذيّ ﵀، فقال في "جامعه" بعد أن أخرج حديث علقمة بن وائل عن أبيه (١٤٥٤) في "الحدود": هذا حديث حسنٌ غريبٌ صحيح، وعلقمة بن وائل بن حجر، سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبّار بن وائل، وعبد الجبّار لَمْ يسمع من أبيه. ومنهم: الإمام ابن حبّان في "ثقاته"، قال: علقمة سمع أباه، وعبد الجبّار لَمْ يرَه، مات أبوه وأمه حامل به. انتهى (١). وأما ما نقله في "نصب الراية" عن الترمذيّ في "علله الكبير"، قال: سألت محمد بن إسماعيل: هل سمع علقمة من أبيه؟ فقال: إنه وُلد بعد موت أبيه بستة أشهر، فإنه غلطٌ بلا شكّ، فإن هذا إنما قاله البخاريّ في أخيه عبد الجبّار، كما نصّ عليه في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٠٦ و ١٠٧)، وقد نقل الترمذيّ نفسه هذا أيضًا عن البخاريّ، فقال في "الجامع" عقب الحديث الذي أخرجه فيه (١٤٥٣) ما نصّه: وسمعت محمدًا - يعني: البخاريّ - يقول: عبد الجبّار بن وائل لَمْ يسمع من أبيه، ولا أدركه، يقال: إنه وُلد بعد موت أبيه بأشهر. والحاصل أن الراجح صحّة سماع علقمة من أبيه؛ لِمَا ذُكر من الأدلّة الصحيحة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم إن ما قيل: إن عبد الجبّار وُلد بعد موت أبيه يعكُرُ عليه ما أخرجه أبو داود في "سننه" (٧٢٣) من طريق محمد بن جُحَادة، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حُجْر، قال: كنت غلامًا لا أَعْقِل صلاة أبي، قال: فحدّثني وائل بن علقمة، عن أبي وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا كبّر

стр. 2063

رفع يديه … الحديث، وهذا الإسناد صحيح، فقد أثبت أنه وُلد في حياة أبيه، لكنه لا تمييز عنده في ذلك الوقت، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. ٦ - (وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم - ابن سَعَد بن مسروق بن وائل بن ضمْعَج بن رَبِيعة بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عَوْف الحضرميّ، أبو هُنَيدة، ويقال: أبو هِنْد الكِنْديّ، ويقال غير ذلك في نسبه. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه ابناه: علقمة، وعبد الجبار، ومولى لهم، وأمُّ يحيى زوجته، وكليب بن شهاب، وحُجْر بن عَنْبَس، وأبو حَرِيز، وعبد الرَّحمن اليَحْصُبيّ. قال أبو نعيم الأصبهانيّ: قَدِمَ على النبيّ ﷺ ، فأنزله، وأصعده معه على المنبر، وأقطعه القطائع، وكتب له عَهْدًا، وقال: هذا وائل بن حُجْر سيد الأقيال، جاءكم حُبًّا لله ولرسوله ﷺ . سَكَنَ الكوفةَ، وعَقِبُه بها، وذكره ابن سعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة، وقال ابن حبان في "الصحابة": كان بقيةَ أولاد الملوك بحضرموت، وبشَّر به النبيّ ﷺ قبل قُدُومه، وأقطعه أرضًا، وبعث معه معاوية؛ ليُعرّفه بها، قال: فقال لي معاوية: أَرْدفني، قلتُ: إنك لا تكون من أرداف الملوك، قال: أعطني نعلك، فقلتُ: انتعل ظلّ الناقة، قال: فلما استُخلف أتيته، فأقعدني معه على السرير، فذكّرني الحديث، فقلتُ في نفسي: ليتني حملته بين يديّ، ومات في ولاية معاوية بن أبي سفيان ﵃ (١). أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث: هذا (١٣٩) وأعاده بعده، وحديث (٤٠١): "سمع الله لمن حمده … "، و (١٦٨٠): "أقتلته؟ فقال: إنه لو لَمْ يعترف … "، وأعاده بعده، و (١٨٤٦): "اسمعوا، وأطيعوا، فإنما عليهم … "، و (١٩٨٤): "إنه ليس بدواء … "، و (٢٢٤٨): "لا تقولوا: الكرم … "، وأعاده بعده، والله تعالى أعلم.

стр. 2064

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ: سماك، عن علقمة، ورواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ) وائل بن حُجْر ﵁ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، وفتح الراء والميم -: بُلَيْدة من اليمن بقرب عَدَن، قاله الفيّوميّ (١)، وقال في "اللسان": "حَضْرَمَوْتُ": اسم بلد، قال الجوهريّ: وقَبِيلةٌ أيضًا، وهما اسمان جُعِلا واحدًا، إن شئتَ بَنيت الاسم الأولَ على الفتح، وأَعْرَبت الثاني إعراب ما لا ينصرف، فقلتَ: هذا حَضْرَموتُ، وإن شئتَ أضفتَ الأول إلى الثاني، فقلتَ: هذا حَضْرَمَوْتٍ، أعربتَ حَضْرًا، وخفضت موتًا، وكذلك القولُ في سامَّ أَبْرَص، ورَامَهُرْمُز، والنسبة إليه حَضْرميّ، والتصغير حُضَيْرُمَوْتٍ، تُصغِّر الصدر منهما، وكذلك الجمع، تقول: فلانٌ من الْحَضَارِمة. انتهى (٢). (وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ) - بكسر الكاف، وسكون النون -: حيّ باليمن، والنسبة إليها كِنْديّ بسكون النون: أبو قبيلة من العرب، وقيل: أبو حيّ من اليمن، وهو كِنْدة بن ثَوْر، قاله في "اللسان" (٣). وقال في "القاموس": و"كِنْدَةُ" بالكسر، ويقال: كِنْديّ: لقب ثَوْر بن عُفير، أبو حيّ من اليمن؛ لأنه كَنَدَ أباه النعمة، ولَحِقَ بأخواله، و"الكَنْدُ": القطع. انتهى (٤). وقال في "الأنساب": "الكِنْديّ - بالكسر - نسبة إلى كندة، وهي قبيلة

стр. 2065

كبيرة مشهورة من اليمن، واسم كندة الذي تنسب إليه القبيلة ثور بن مرتع بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل: هو ثور بن عُفَير بن محمديّ بن الحارث بن مُرّة بن أدَد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ". انتهى (١). (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ هَذَا) مشيرًا إلى الرجل الكِنْديّ (قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي) أي: غصبها منّي قهرًا، وفي الرواية التالية: "إن هذا انتزى على أرضي"، وهو بمعنى: غلب، من النزو، وهو الارتفاع (٢). (كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ) الرجل (الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي) أي: ملك لي (فِي يَدِي) أي: تحت تصرّفي (أَزْرَعُهَا) من باب فتح: أي: أحرُثها للزارعة (لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ") أي: شهود يشهدون لك بأنها أرضك، وفي الرواية التالية: "بيّنتك"، أي: المثبت لحقّك بيّنتك (قَالَ) الحضرميّ (لَا)، وفي الرواية التالية: "ليس لي بيّنة" (قَالَ) ﷺ ("فَلَكَ يَمِينُهُ") الفاء في جواب شرط مقدَّر، أي إذا لَمْ تكن لك بيّنة، على ذلك، فكائن لك يمينه، أي: حلفه على أنَّها ليست لك، وإنما هي ملكه، (قَالَ) الحضرميّ (يَا رَسُولَ الله، إِن الرَّجُلَ) أي: الكنديّ (فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ جريء على الكذب، وفي الرواية التالية: "إذن يذهب بها"، وقوله: (لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ) صفةٌ كاشفة لـ "فاجرٌ"، (وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ) أي: مع هذا إنه ليس عنده وَرَعٌ، يقال: تورعَّ من كذا: إذا تحرّج (٣)، وقال القرطبيّ: الورعُ: الكفّ، ومنه قولهم: رَوِّعُوا اللصّ، ولا تورِّعُوه؛ أي: لا تنكفّوا عنه (٤). (فَقَالَ) ﷺ ("لَيْسَ لَكَ مِنْهُ) أي: من خصمك الكِنديّ (إِلَّا ذَلِكَ")، وفي الرواية التالية: "إلَّا ذاك"، أي: غير يمينه (فَانْطَلَقَ) أي: ذهب الكنديّ (لِيَحْلِفَ) أي: على قصد أن يحلف (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ) أي: حين وَلَّى على هذا القصد، وفي الرواية التالية: "فلما قام ليحلف" ("أَمَا) - بفتح الهمزة، وتخفيف

стр. 2066

الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ "إلا" - (لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ) أي: مال الحضرميّ (لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ، وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ) أي: إعراض الغضبان، وفي الرواية التالية: قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع أرضًا ظالِمًا، لقي الله، وهو عليه غضبان"، وقد سبق أن الإعراض، والغضب مما أثبته هذا الحديث الصحيح، وغيره من نصوص الكتاب والسنة، فالواجب أن نؤمن به على ظاهره، كما يليق بجلاله ، ولا نؤوّل، ولا نكيّف، ولا نعطّل، فلا تلتفت لما كتبه الشرَّاح هنا، كالقرطبيّ وغيره، فإنه مذهب مخالف لمنهج السلف، كما أسلفته قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث وائل بن حُجْر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٤/ ٣٦٥ و ٣٦٦] (١٣٩)، و (أبو داود) في "الإيمان والنذور" (٣٢٤٥)، و"الأقضية" (٣٦٢٣)، و (الترمذيّ) في "الإحكام" (١٣٤٠)، و (النسائيّ) في "القضاء" من "الكبرى" (٥٩٨٩ و ٥٩٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ١٤٨)، و"مشكل الآثار" (٤/ ٢٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٠٠٢ و ٦٠٠٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٥٨ و ٣٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٤٤ و ١٧٩ و ٢٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم اقتطاع حقّ مسلم بيمين فاجرة، وأن ذلك ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده هنا. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً لمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء أن حكم الحاكم لا يُبيح للإنسان ما لَمْ يكن له، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقد تقدّم ردّه.

стр. 2067

٣ - (ومنها): بيان أن صاحب اليد أولى من أجنبيّ يَدَّعي عليه، وأنه لا يُنتزع الشيء المُدَّعَى من يده لمجرّد الدعوي، ولا يُسأل عن سبب يده، ولا عن سبب ملكه. ٤ - (ومنها): أن المدعي يلزمه إقامة البيّنة، فإن لَمْ يُقمها لزم المُدَّعَى عليه اليمين، وهذا أمر متّفقٌ عليه، وهو مستفادٌ من هذا الحديث. قال القرطبيّ ﵀: فأما ما يُروى عن النبيّ ﷺ من قوله: "البيّنة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر"، فليس بصحيح الرواية (١)؛ لأنه يدور على مسلم بن خالد الزنجي، ولا يُحتجّ به، لكن معنى متنه صحيحٌ بشهادة الحديث المتقدّم له، وبحديث ابن عبّاس ﵄ الذي قال النبيّ ﷺ فيه: "ولكن اليمين على من أنكر". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). ٥ - (ومنها): أن البينة تُقَدَّم على اليد، ويُقْضَى لصاحبها بغير يمين. ٦ - (ومنها): أن يمين الفاجر المُدَّعَى عليه تُقْبَل كيمين العدل، وتَسْقُط عنه المطالبة بها. ٧ - (ومنها): أن من نسب خصمه إلى الغصب حالة المحاكمة لَمْ يُنكر الحاكم عليه، قال القرطبيّ: إلَّا أن يكون المقول له ذلك لا يليق به. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في تقييد القرطبيّ نظر؛ لأنه يخالفه ظاهر هذا الحديث، ولأننا أسلفنا ما جرى للعبّاس في حقّ عليّ أمام عمر وجماعة من الصحابة ﵃، فلم ينكره عليه أحد منهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن في قوله: "إن الرجل فاجرٌ، لا يُبالي ما حلف عليه … إلخ" دليلٌ على أن ما يجري بين المتخاصمين في مجلس الحكم من مثل هذا السبّ، والتقبيح جائزٌ، ولا شيء فيه؛ إذ لَمْ يُنكره النبيّ ﷺ ، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، والجمهور لا يُجيزون شيئًا من ذلك، ويَرون إنكار ذلك،

стр. 2068

ويؤدّبون عليه؛ تمسّكًا بقاعدة تحريم السباب، والأَعْراض، واعتذروا عن هذا الحديث بأنه مُحتمِلٌ لأن يكون النبيّ ﷺ عَلِمَ أن المقول له ذلك القول كان كما قيل فيه، فكان القائل صادقًا، ولم يقصِدْ أذاه بذلك، وإنما قصد منفعةً يستخرجها، فلعلّه إذا شنَّعَ عليه، فقد ينزجر بذلك، فيرجع به للحقّ، ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ تركه، ولم يزجُرْهُ؛ لأن المقول له لَمْ يطلُب حقّه في ذلك، قاله القرطبيّ أيضًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه الجمهور فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو خلاف ظواهر النصوص، فمن تأمّل الخصومات التي جرت بين يدي النبيّ ﷺ ، وخلفائه الراشدين وجدها مخالفة له، كهذا الحديث، وكما أسلفناه من قصّة العباسّ وعليّ ﵄، فالصواب ما ذهب إليه بعضهم من القول بجواز مثل ذلك؛ لِمَا ذكرناه، وأما الاحتمالات التي ذكروها، فليست مما يعارض بها ما دلّ عليه ظاهر النصوص، وأما قولهم: فقد ينزجر بذلك، ويرجع للحقّ، فليس كذلك، بل يزيده السبّ والشتم، والطعن علي التمادي في المخاصمة، لا العكس، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أن فيه حُجّةً لمن لا يشترط الخُلطة في توجّه اليمين على المُدَّعَى عليه، وقد اشترط ذلك مالك ﵀، واعتُذِر له عن هذا الحديث بأنها قضيّة في عين، ولعلّه ﷺ علم بينهما خُلْطةً، فلم يُطالبه بإثباتها، قاله القرطبيّ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُسب إلى مالك ﵀ فيه نظرٌ لا يخفي، والاعتذار المذكور مما لا ينفع، فالظاهر ما دلّ عليه الحديث من إطلاق الحكم، فتأمّله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ١٠ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المُدّعي لا يلزمه تحديد المُدَّعى به إن كان مما يُحَدُّ، ولا أن يَصفه بجميع أوصافه، كما يوصَف المُسْلَمُ فيه، بل يكفي من ذلك أن يتميّز المُدَّعَى به تميُّزًا تنضبط به الدعوي، وهو مذهب مالك ، خلافًا لما ذهبت إليه الشافعيّة، حيث ألزموا المُدَّعي أن يَصِفَ المدَّعَى به بحدوده، وأوصافه المعيّنة التامّة، كما يوصف المُسْلَم فيه، وهذا

стр. 2069

الحديث حجّة عليهم، إلا ترى أنه ﷺ لَمْ يُكلّفه تحديد الأرض، ولا تعيينها، بل لَمّا كانت الدعوى متميِّزةً في نفسها اكتفَى بذلك، قاله القرطبيّ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ في هذه المسألة هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أنه يدلّ على اشتراط العدد في الشهادة، وعلى انحصار طُرُق الحِجَاج في الشاهد واليمين ما لَمْ يَنْكُل المُدَّعى عليه عن اليمين، فإن نكل حَلَف المُدَّعي مع شاهد واحد، واستحقّ المُدَّعى فيه، فإن نكل فلا يُحكم، بل يُترك المُدَّعَى فيه في يد من كان بيده، وسيأتي تحقيق الكلام في الشاهد واليمين في محلّه، إن شاء الله تعالى. ١٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: قوله: "فانطلق ليحلف" دليل على أن اليمين لا تُبذَل أمام الحاكم، بل لها موضع مخصوص، وهو أعظم مواضع ذلك البلد، كالبيت بمكّة، ومِنبر النبيّ ﵀ بالمدينة، ومسجد بيت المقدس، وفي المساجد الجامعة من سائر الأمصار، لكن ذلك فيما ليس بتافه، وهو ما تُقطع فيه يد السارق، وهو أقلّ من ربع دينار عند مالك ﵀، فيحلف فيه حيث كان، مستقبل القبلة، وفي ربع دينار، فصاعدًا لا يَحلف إلَّا في تلك المواضع، وخالفه في ذلك أبو حنيفة ﵀ في ذلك، فقال: لا تكون اليمين إلَّا حيث كان الحاكم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في استنباط قوله: إن اليمين لا تُبذل أمام الحاكم، بل لها موضع مخصوص من هذا الحديث نظرٌ؛ إذ ليس فيه ما يدلّ على تعيّن هذه الأماكن، فالظاهر أن ما قاله الإمام أبو حنيفة ﵀ هو الأرجح، فتأمّله، والله تعالى أعلم. ١٣ - (ومنها): أن المدّعَى عليه إذا حَلَفَ انقطعت حجّة ﵀، وبقي المدّعَى فيه بيده، وفي ملكه في ظاهر الأمر، غير أنه لا يَحكم له الحاكم بملك ذلك، فإن غايته أنه جائزٌ، ولم يجد ما يُزيله عن حَوْزه، فلو سأل المطلوب

стр. 2070

تعجيز الطالب، جحيث لا تبقى له حجةٌ، فهل للحاكم تعجيزه، وقطع حجته، أم لا؟ قولان بالنفي والإثبات، قاله القرطبيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالنفي هو الحقّ عندي؛ لأن يمين المدّعَى عليه مجرّد دفاع عن نفسه، لا إبطالٌ لحقّ خصمه، فلو وَجَدَ بعد ذلك حجة استحقّ عليه المدّعي، فتفّطن، والله تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أن الوارث إذا ادَّعَى شيئًا لِمُوَرِّثه، وعَلِمَ الحاكم أن مُوَرِّثه مات، ولا وارث له سوى هذا المدَّعِي جاز له الحكم به، ولم يُكَلِّفه حال الدعوى بينة على ذلك، وموضع الدلالة أنه قال: غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقد أقر بأنها كانت لأبيه، فلولا علم النبيّ ﷺ بأنه وَرِثَها وحده لطالبه بينة على كونه وارثًا، ثم بيّنةً أُخرى على كونه مُحِقًّا في دعواه على خصمه. [فإن قال قائل]: قوله ﷺ : "شاهداك" معناه: شاهداك على ما تستحقّ به انتزاعها، وإنما يكون ذلك بأن يشهدا بكونه وارثًا وحده، وأنه وَرِثَ الدار. [فالجواب]: أن هذا خلاف الظاهر، ويجوز أن يكون مرادًا، قاله النووي ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من كون هذه الشهادة خلاف الظاهر، فيه نظر لا يخفي، بل الظاهر أنَّها لإثبات استحقاقه، وأن ما ادّعاه من كونها أرض أبيه، وأنه الوارث هو الظاهر. ولقد أجاد القرطبيّ ﵀ حيث قال: وظاهر هذا الحديث أن والد المدَّعِي قد كان تُوفّي، وأن الأرض صارت للمدَّعي بالميراث، ومع ذلك فلم يطالبه النبيّ ﷺ بإثبات الموت، ولا بحصر الورثة، فيحتمل أن يقال: إن ذلك كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن يقال: لا يلزمه إثبات شيء من ذلك ما لَمْ يناكره خصمه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، فلا يُعدَلُ عنه إلَّا لدليل أظهر منه. والحاصل أن الحاكم يطالب المدّعي البيّنة على إثبات كونه صادقًا في
следующие страницы →