الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ "إلا" - (لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ) أي: مال الحضرميّ (لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ، وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ) أي: إعراض الغضبان، وفي الرواية التالية: قال رسول الله ﷺ : "من اقتطع أرضًا ظالِمًا، لقي الله، وهو عليه غضبان"، وقد سبق أن الإعراض، والغضب مما أثبته هذا الحديث الصحيح، وغيره من نصوص الكتاب والسنة، فالواجب أن نؤمن به على ظاهره، كما يليق بجلاله ، ولا نؤوّل، ولا نكيّف، ولا نعطّل، فلا تلتفت لما كتبه الشرَّاح هنا، كالقرطبيّ وغيره، فإنه مذهب مخالف لمنهج السلف، كما أسلفته قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حُجْر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٤/ ٣٦٥ و ٣٦٦] (١٣٩)، و (أبو داود) في "الإيمان والنذور" (٣٢٤٥)، و"الأقضية" (٣٦٢٣)، و (الترمذيّ) في "الإحكام" (١٣٤٠)، و (النسائيّ) في "القضاء" من "الكبرى" (٥٩٨٩ و ٥٩٩٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٧٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ١٤٨)، و"مشكل الآثار" (٤/ ٢٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٠٠٢ و ٦٠٠٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٥٨ و ٣٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٤٤ و ١٧٩ و ٢٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم اقتطاع حقّ مسلم بيمين فاجرة، وأن ذلك ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده هنا.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً لمذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء أن حكم الحاكم لا يُبيح للإنسان ما لَمْ يكن له، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقد تقدّم ردّه.
стр. 2067
٣ - (ومنها): بيان أن صاحب اليد أولى من أجنبيّ يَدَّعي عليه، وأنه لا يُنتزع الشيء المُدَّعَى من يده لمجرّد الدعوي، ولا يُسأل عن سبب يده، ولا عن سبب ملكه.
٤ - (ومنها): أن المدعي يلزمه إقامة البيّنة، فإن لَمْ يُقمها لزم المُدَّعَى عليه اليمين، وهذا أمر متّفقٌ عليه، وهو مستفادٌ من هذا الحديث.
قال القرطبيّ ﵀: فأما ما يُروى عن النبيّ ﷺ من قوله: "البيّنة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر"، فليس بصحيح الرواية (١)؛ لأنه يدور على مسلم بن خالد الزنجي، ولا يُحتجّ به، لكن معنى متنه صحيحٌ بشهادة الحديث المتقدّم له، وبحديث ابن عبّاس ﵄ الذي قال النبيّ ﷺ فيه: "ولكن اليمين على من أنكر". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
٥ - (ومنها): أن البينة تُقَدَّم على اليد، ويُقْضَى لصاحبها بغير يمين.
٦ - (ومنها): أن يمين الفاجر المُدَّعَى عليه تُقْبَل كيمين العدل، وتَسْقُط عنه المطالبة بها.
٧ - (ومنها): أن من نسب خصمه إلى الغصب حالة المحاكمة لَمْ يُنكر الحاكم عليه، قال القرطبيّ: إلَّا أن يكون المقول له ذلك لا يليق به. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في تقييد القرطبيّ نظر؛ لأنه يخالفه
ظاهر هذا الحديث، ولأننا أسلفنا ما جرى للعبّاس في حقّ عليّ أمام عمر وجماعة من الصحابة ﵃، فلم ينكره عليه أحد منهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أن في قوله: "إن الرجل فاجرٌ، لا يُبالي ما حلف عليه … إلخ" دليلٌ على أن ما يجري بين المتخاصمين في مجلس الحكم من مثل هذا السبّ، والتقبيح جائزٌ، ولا شيء فيه؛ إذ لَمْ يُنكره النبيّ ﷺ ، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، والجمهور لا يُجيزون شيئًا من ذلك، ويَرون إنكار ذلك،
стр. 2068
ويؤدّبون عليه؛ تمسّكًا بقاعدة تحريم السباب، والأَعْراض، واعتذروا عن هذا الحديث بأنه مُحتمِلٌ لأن يكون النبيّ ﷺ عَلِمَ أن المقول له ذلك القول كان كما قيل فيه، فكان القائل صادقًا، ولم يقصِدْ أذاه بذلك، وإنما قصد منفعةً يستخرجها، فلعلّه إذا شنَّعَ عليه، فقد ينزجر بذلك، فيرجع به للحقّ، ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ تركه، ولم يزجُرْهُ؛ لأن المقول له لَمْ يطلُب حقّه في ذلك، قاله القرطبيّ أيضًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه الجمهور فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو خلاف ظواهر النصوص، فمن تأمّل الخصومات التي جرت بين يدي النبيّ ﷺ ، وخلفائه الراشدين وجدها مخالفة له، كهذا الحديث، وكما أسلفناه من قصّة العباسّ وعليّ ﵄، فالصواب ما ذهب إليه بعضهم من القول بجواز مثل ذلك؛ لِمَا ذكرناه، وأما الاحتمالات التي ذكروها، فليست مما يعارض بها ما دلّ عليه ظاهر النصوص، وأما قولهم: فقد ينزجر بذلك، ويرجع للحقّ، فليس كذلك، بل يزيده السبّ والشتم، والطعن علي التمادي في المخاصمة، لا العكس، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن فيه حُجّةً لمن لا يشترط الخُلطة في توجّه اليمين على المُدَّعَى عليه، وقد اشترط ذلك مالك ﵀، واعتُذِر له عن هذا الحديث بأنها قضيّة في عين، ولعلّه ﷺ علم بينهما خُلْطةً، فلم يُطالبه بإثباتها، قاله القرطبيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُسب إلى مالك ﵀ فيه نظرٌ لا يخفي، والاعتذار المذكور مما لا ينفع، فالظاهر ما دلّ عليه الحديث من إطلاق الحكم، فتأمّله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
١٠ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المُدّعي لا يلزمه تحديد المُدَّعى به إن كان مما يُحَدُّ، ولا أن يَصفه بجميع أوصافه، كما يوصَف المُسْلَمُ فيه، بل يكفي من ذلك أن يتميّز المُدَّعَى به تميُّزًا تنضبط به الدعوي، وهو مذهب مالك ، خلافًا لما ذهبت إليه الشافعيّة، حيث ألزموا المُدَّعي أن يَصِفَ المدَّعَى به بحدوده، وأوصافه المعيّنة التامّة، كما يوصف المُسْلَم فيه، وهذا
стр. 2069
الحديث حجّة عليهم، إلا ترى أنه ﷺ لَمْ يُكلّفه تحديد الأرض، ولا تعيينها، بل لَمّا كانت الدعوى متميِّزةً في نفسها اكتفَى بذلك، قاله القرطبيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ في هذه المسألة هو الأرجح عندي؛ لظاهر الحديث، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): أنه يدلّ على اشتراط العدد في الشهادة، وعلى انحصار طُرُق الحِجَاج في الشاهد واليمين ما لَمْ يَنْكُل المُدَّعى عليه عن اليمين، فإن نكل حَلَف المُدَّعي مع شاهد واحد، واستحقّ المُدَّعى فيه، فإن نكل فلا يُحكم، بل يُترك المُدَّعَى فيه في يد من كان بيده، وسيأتي تحقيق الكلام في الشاهد واليمين في محلّه، إن شاء الله تعالى.
١٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: قوله: "فانطلق ليحلف" دليل على أن اليمين لا تُبذَل أمام الحاكم، بل لها موضع مخصوص، وهو أعظم مواضع ذلك البلد، كالبيت بمكّة، ومِنبر النبيّ ﵀ بالمدينة، ومسجد بيت المقدس، وفي المساجد الجامعة من سائر الأمصار، لكن ذلك فيما ليس بتافه، وهو ما تُقطع فيه يد السارق، وهو أقلّ من ربع دينار عند مالك ﵀، فيحلف فيه حيث كان، مستقبل القبلة، وفي ربع دينار، فصاعدًا لا يَحلف إلَّا في تلك المواضع، وخالفه في ذلك أبو حنيفة ﵀ في ذلك، فقال: لا تكون اليمين إلَّا حيث كان الحاكم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في استنباط قوله: إن اليمين لا تُبذل أمام الحاكم، بل لها موضع مخصوص من هذا الحديث نظرٌ؛ إذ ليس فيه ما يدلّ على تعيّن هذه الأماكن، فالظاهر أن ما قاله الإمام أبو حنيفة ﵀ هو الأرجح، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
١٣ - (ومنها): أن المدّعَى عليه إذا حَلَفَ انقطعت حجّة ﵀، وبقي المدّعَى فيه بيده، وفي ملكه في ظاهر الأمر، غير أنه لا يَحكم له الحاكم بملك ذلك، فإن غايته أنه جائزٌ، ولم يجد ما يُزيله عن حَوْزه، فلو سأل المطلوب
стр. 2070
تعجيز الطالب، جحيث لا تبقى له حجةٌ، فهل للحاكم تعجيزه، وقطع حجته، أم لا؟ قولان بالنفي والإثبات، قاله القرطبيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالنفي هو الحقّ عندي؛ لأن يمين المدّعَى عليه مجرّد دفاع عن نفسه، لا إبطالٌ لحقّ خصمه، فلو وَجَدَ بعد ذلك حجة استحقّ عليه المدّعي، فتفّطن، والله تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أن الوارث إذا ادَّعَى شيئًا لِمُوَرِّثه، وعَلِمَ الحاكم أن مُوَرِّثه مات، ولا وارث له سوى هذا المدَّعِي جاز له الحكم به، ولم يُكَلِّفه حال الدعوى بينة على ذلك، وموضع الدلالة أنه قال: غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقد أقر بأنها كانت لأبيه، فلولا علم النبيّ ﷺ بأنه وَرِثَها وحده لطالبه بينة على كونه وارثًا، ثم بيّنةً أُخرى على كونه مُحِقًّا في دعواه على خصمه.
[فإن قال قائل]: قوله ﷺ : "شاهداك" معناه: شاهداك على ما تستحقّ به انتزاعها، وإنما يكون ذلك بأن يشهدا بكونه وارثًا وحده، وأنه وَرِثَ الدار.
[فالجواب]: أن هذا خلاف الظاهر، ويجوز أن يكون مرادًا، قاله النووي ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من كون هذه الشهادة خلاف الظاهر، فيه نظر لا يخفي، بل الظاهر أنَّها لإثبات استحقاقه، وأن ما ادّعاه من كونها أرض أبيه، وأنه الوارث هو الظاهر.
ولقد أجاد القرطبيّ ﵀ حيث قال: وظاهر هذا الحديث أن والد المدَّعِي قد كان تُوفّي، وأن الأرض صارت للمدَّعي بالميراث، ومع ذلك فلم يطالبه النبيّ ﷺ بإثبات الموت، ولا بحصر الورثة، فيحتمل أن يقال: إن ذلك كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن يقال: لا يلزمه إثبات شيء من ذلك ما لَمْ يناكره خصمه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، فلا يُعدَلُ عنه إلَّا لدليل أظهر منه.
والحاصل أن الحاكم يطالب المدّعي البيّنة على إثبات كونه صادقًا في
стр. 2071
دعواه، وأنه يستحقّ الشيء المُدّعَى على المدعَى عليه، كما فعل النبيّ ﷺ في هذا الحديث، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٥ - (ومنها): أن يمين الفاجر تُسقط عنه حكم دعوى المدَّعى، كيمين من ليس بفاجر، وأنه ليس يجري يمينه مجرى شهادته.
١٦ - (ومنها): أن الفاجر في دينه لا يوجب فجوره الحجر عليه، ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك لَمْ يكن لليمين معنًى.
١٧ - (ومنها): أن من جاء بالبيّنة قُضي له بحقّه من غير يمين؛ لأنه محالٌ أن يسأله دون ما يجب له الحكم به، ولو كان من تمام الحكم اليمينُ لقال له: بيّنتك ويمينك على تصديق بيّنتك.
١٨ - (ومنها): أن البداية بالسماع من الطالب، ثم السماع من المطلوب، هل يُقِرّ، أو يُنكر؟ كما جاء في الحديث، ثم طلب البيّنة من الطالب إذا أنكر المطلوب، ثم توجيه اليمين على المطلوب إذا لَمْ يجد الطالب بيّنةً.
١٩ - (ومنها): أن الخصم إذا اعترف أن المُدَّعى فيه في يد خصمه، استُغني باعترافه عن تكليف خصمه إثبات كون يده عليه؛ لقول الحضرميّ: "إن هذا غلبني على أرض لي"، فقال الآخر: "أرضي في يدي أزرعها"، فلم يكلّفه النبيّ ﷺ إثباتًا.
٢٠ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الزراعة يدٌ وحَوْزٌ، فمن ثبت أنه يزرع أرضا، فقد ثبت أنَّها في يده.
٢١ - (ومنها): أن فيه وعظَ الحاكم الحالف، عساه أن يكون يَحلف باطلًا، فيرُدّه وعظه إلى الحقّ، كما فعل النبيّ ﷺ حين قام الحضرميّ ليحلف.
٢٢ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على سورة سؤال الحاكم الطالبَ بأن يقول له: "ألك بيّنة؟ "، ولا يقول له: قرّب بيّنتك؛ إذ قد لا تكون له بيّنة، وإلى هذا ذهب بعض حُذّاق الجدليين، والنظريين في سؤال أحد المتناظرين صاحبه عن مذهبه، ودليله بأن يقول له: ألك دليلٌ على قولك؟، فإن قال: نعم، سأله عنه ما هو؟، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلّانيّ، ولم يرَه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ.
٢٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن من ادُّعي عليه دعوى في مالٍ وَرِثَهُ، أو صار إليه من غيره أن يمينه على نفي علم دعوى المُدّعِي، كما ذُكر في زيادة
стр. 2072
أبي داود (١)، لا على القطع إلَّا أن يدّعي عليه خصمه معرفة ذلك.
٢٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: فيه دليل على أن الكفّار إذا أسلموا، وفي أيديهم أموالٌ لغيرهم من أهل الكفر غصبُوها أنَّها ترجع إلى أربابها، بخلاف ما أسلموا عليه من أموال المسلمين؛ لتقرّر ملكهم لها باستحلالهم أموالنا، خلافًا للشافعيّ في قوله: ترجع إلى أربابها من المسلمين، ولا تُملَك عليهم، وقد يَحتجّ بهذا الحديث. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ ﵀ في هذه المسألة، وهو أن أن الكفّار إذا أسلموا وفي أيديهم أموال للمسلمين، فإنها تردّ على أصحابها عندي أرجح؛ لهذا الحديث، فإنه حجة ظاهرة، حيث إن النبيّ ﷺ طلب بيّنة، أو يمين المدَّعى عليه، وقد قال المدَّعي في دعواه: إنه انتزى على أرضه في الجاهليّة، فلو كانت لا تُردّ، لما كان لقوله: "ألك بيّنة؟ " مَعْنًى، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٢٥ - (ومنها): أنه دليلٌ على أن الخصم الصالح والطالح في سيرة الحكم سواء بمطالبة الطالب بالبيّنة، والمطلوب باليمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي الْوَلِيد، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبدِ الْمَلِك، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ
стр. 2073
رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلَان، يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتَزَى عَلَى أَرْضِي، يَا رَسُولَ الله، فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ، قَالَ: "بَيِّنَتُكَ"، قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، قَالَ: "يَمِينُهُ"، قَالَ: إِذَنْ يَذْهَبَ بِهَا، قَالَ: "لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَاكَ"، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، قَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الْوَليد، هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الباهليّ مولاهم الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٢٧) وله (٩٤) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٣.
٢ - (أَبُؤ عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ الفَرَسِيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (انْتَزَى عَلَى أَرْضِي) أي: غلب عليها، واستولي، وقال أبو نعيم ﵀: يعني: وَثَبَ، من النَّزَوان. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: "انتزَى": افتَعَلَ من النَّزْو، والانتزاءُ، والتنَزّي أيضًا: تسرّع الإنسان إلى الشرّ. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: "انتزى": أي: أخذها، وأصل النَّزْوِ: الْوَثْبُ، ثم كثُر استعمالهم له في كلّ ما أشبهه، فاستعملوه في الجماع، فقالوا: نَزَا الفحلُ على الأنثى، واستعملوه في كلّ مَنْ حَصَلَ على أمر من سلطان، أو خرج عليه، ونحو هذا. انتهى (٣).
стр. 2074
وقوله: (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هو: ما قبل النبوّة؛ لكثرة جهلهم، قاله النوويّ ﵀، وقال ابن الأثير: "الجاهليّة": هي الحال التي كانت عليه العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكِبْر، والتجبّر، وغير ذلك. انتهى (١).
وقوله: (وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ) بباء موحَّدة، وسين مهملة.
وقوله: (رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ) هكذا النسخ التي بين أيدينا من "صحيح مسلم" هنا من رواية زُهير: "عِبْدان" بالموحّدة، وفي كلام إسحاق الآتي: "عَيْدَان" بالياء المثنّاة، وصوّبه القاضي عياض ﵀، ودونك نصّه: قال ﵀: "ربيعة بن عَيْدَان" بفتح العين المهملة، وياء باثنتين تحتها، هذا صوابه، واختَلَفت الرواية فيه في مسلم، فقال زُهير: "ربيعة بن عِبْدَان" بكسر العين، وباء بواحدة، وقال ابن راهويه: "عَيْدَان" على الصواب كما تقدّم، كذا ضبطناه في الحرفين عن شُيُوخنا، ووقع عند ابن الحَذّاء عكس ما ضبطناه، فقال في رواية زُهير: "عَيْدَان"، بالفتح، والياء باثنتين، وفي رواية إسحاق بن راهويه: "عِبْدَان" بالكسر، والباء بواحدة، عكس ما تقدّم، قال الجيّاني: وكذا في الأصل عن الجلوديّ.
قال: والذي صوّبناه أَوّلًا هو قول الدارقطنيّ، وكذا قيّده هو وأبو نصر ابن ماكولا في "المؤتلف"، وابن يونس في "التاريخ"، وكذا قاله عبد الغنيّ بن سعيد، قال: ويقال فيه: "عِبْدَان". انتهى كلام القاضي ﵀ (٢).
وقال النوويّ بعد كلام عياض، ما نصُّهُ: وضبطه جماعة من الحفاظ، منهم الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الدِّمَشقيّ: "عِبِدّان" بكسر العين، والموحدة، وتشديد الدال. انتهى (٣).
[تنبيه]: ربيعة بن عَيْدان الحَضْرميّ معروف بهذا الحديث، له صحبة، ولا تُعرف له رواية، قال في "الإصابة": ربيعة بن عَيْدَان - بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة، على المشهور - ابن ذي العُرْف بن وائل بن ذي طَوَاف الحضرميّ،
стр. 2075
ويقال: الكنديّ، ثم ذكر هذا الحديث من رواية الطبرانيّ، ثم قال: وأصله في مسلم من حديث علقمة دون تسميتهما، وله طرُقٌ، وقال أبو سعيد بن يونس: شهد ربيعة بن عَيْدَان بن ربيعة الأكبر بن عَيْدان الأكبر بن مالك بن زيد بن ربيعة الحضرمي فتحَ مصرَ، وله صحبة، وليست له رواية نعلمها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وأصله في مسلم … إلخ" هذا غريب من الحافظ ﵀، كيف خَفِي عليه؟ فإن هذا الحديث الذي عزاه إلى الطبرانيّ موجود في "صحيح مسلم" بسنده، ومتنه، وفيه تسميتهما، وهو الحديث الذي نشرحه الآن، سبحان من لا يسهو، ولا يَغفُل!!!.
وقوله: (إِذَنْ يَذْهَبَ بِهَا) تقدَّم أن نصب"يذهبَ " هو الأصل؛ لوجود شروط عمل "إذن"، وقد جوّز بعضهم الرفع، فراجع الحديث الماضي.
وقوله: (فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ) استدلّ به بعضهم على أن الحالف يكون قائمًا، لكن في قيامه هنا احتمالٌ، هل لنفس اليمين، أو لينهض لموضعها، كما تقدّم، قاله عياض ﵀ (٢).
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) هو ابن راهويه أحد شيخي المصنّف في هذا الحديث.
(رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ) أي بفتح العين، وسكون الياء التحتانيّة بدل قول زُهير بن حرب: "ربيعة بن عِبْدَان" بكسر العين، وسكون الباء الموحدة، وقد سبق أن الضبط الأول هو الصواب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(٦٥) - (بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدٌ)
[٣٦٧] (١٤٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا خَالِدٌ؛ يَعْني: ابْنَ مَخْلَدٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ
стр. 2076
إِنْ جَاءَ رَجُلٌ، يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟، قَالَ: "فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "قَاتِلْهُ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: "هُوَ فِي النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو كُرَيْب، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (خالد بن مَخْلد) القَطَوَانيّ - بفبح القاف والطاء - أبو الهَيْثَم البجليّ مولاهم الكوفيّ، وقَطَوَان موضع بالكوفة، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠].
رَوَى عن سليمان بن بلال، وعبد الله بن عُمر العُمَريّ، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومالك، وعبد الرَّحمن بن أبي الموال، وإسحاق بن حازم المدني، وغيرهم.
ورَوَى عنهْ البخاري، وروى له مسلم، وأبو داود في "مسند مالك"، والباقون بواسطة محمد بن عثمان بن كَرَامة، وأبي كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا، وعبد بن حميد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: له أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: صدوقٌ، ولكنه يَتَشَيَّع. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ما به بأس. وقال ابن عديّ: هو من المكثرين، وهو عندي - إن شاء الله - لا بأس به. وقال أيضًا بعد أن ساق له أحاديث: لَمْ أجد في حديثه أنكر مما ذكرته، ولعلها تَوَهُّمًا منه، أو حملًا على حفظه. وقال ابن سعد: كان متشيعًا منكر الحديث مُفْرِطًا في التشيع، وكتبوا عنه للضرورة. وقال العجلي: ثقة، فيه قليل تشيع، وكان كثير الحديث. وقال صالح بن محمد جَزَرَة: ثقة في الحديث، إلَّا أنه كان مُتَّهَمًا بالغلوّ. وقال الجوزجاني: كان شَتّامًا مُعْلِنًا لسوء مذهبه. وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل: في المثالب، أو المثاقب - يعني: بالمثلثة، لا بالنون -. وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري، عن أبي حاتم أنه قال: لخالد بن
стр. 2077
مَخْلَد أحاديث مناكير، ويكتب حديثه. وفي "الميزان" للذهبي: قال أبو أحمد: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الأزديّ: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق. وذكره الساجي والعقيلي في "الضعفاء".
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يكره أن يقال له: القَطَوَانيّ. وقال البخاري في "تاريخه": كان يغضب من القَطَوَاني، ويقال: إنما قَطَوَان بَقّال. وزعم الباجي أن قَطَوان قرية بالقرب من الكوفة، وبه جزم ابن السمعاني.
قال مطيّن: مات سنة (٢١٣)، وكذا أرَّخه ابن سعد، وقال ابن قانع: سنة (١٤)، وذكره البخاري في "الأوسط" فيمن مات فيما بين سنة (١١) إلى (١٥).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "مسند مالك"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، أكبر منه، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٩.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحُرَقيّ، أبو شِبْلٍ المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرَّحمن بن يعقوب الجُهنيّ الحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى العلاء، فأخرج له البخاريّ في "جزء القراءة".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وخالد، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة، كما تقدّم بيان ذلك غير مرّة.
стр. 2078
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: العلاء عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه. انتهى (١).
[تنبيه]: ذكر الشيخ مشهور في تعليقه على "تنبيه المعلم" (ص ٧٦ - ٧٧) نقلًا عن الديوبندي أن الرجل المبهم هو مخارق بن سُليم، ولم يتعقّبه، بل ذكر أنه وقع ذلك في رواية النسائيّ في "المجتبى" (٧/ ١١٣ - ١١٤) رقم (٤٠٨١)، وانظر: "تحفة الأشراف" (٨/ ٣٦٦ - ٣٦٧) رقم (١١٢٤٢). انتهى.
وهذا وَهَمٌ، فإن مخارق بن سُليم ليس هو الرجل المبهم، وإنما هو روى الحديث بالإبهام كرواية أبي هريرة زحنه هذه، فقال: "جاء رجل إلى النبيّ ﷺ … " إلخ، فليس عند النسائيّ، ولا في "تحفة الأشراف" ما يدلّ على أن الرجل هو مخارق، فتنبّه لهذا الوهم، والله تعالى أعلم.
(إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عما ينبغي أن أفعله (إِنْ جَاءَ رَجُل يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟) أي: غصبًا، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ "رجل"، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فماذا أفعل؟ أعطيه، أم أمنعه؟ (قَالَ) ﷺ ("فَلَا ثُعْطِهِ مَالَكَ") ناهية، ولذا جُزم بها "تُعطه"، والهاء ضمير الرجل، وذكر القاري أنه وقع في بعض نسخ "المشكاة" بسكون الهاء، وعليه فتكون هاء سكت، جيء بها للوقف، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
والفاء في جواب شرط محذوف، أي إن جاءك فلا تعطه مالك، معناه لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء.
стр. 2079
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "فلا تُعطه" جواب للسؤال، وجزاء الشرط محذوفٌ، يدلّ عليه السؤال، كما أن السؤال شرط جزائه محذوف، يعني: إن جاء رجلٌ بهذه الصفة، فأعطيه أم لا؟، قال: "فلا تعطه"، يعني: إن كان كما وصفته، وعلى هذا قوله: "فأنت شهيد"، وأما ما جاء بلا فاء من قوله: "قاتله"، "هو في النار"، فعلى الاستئناف، بعد تقدير جواب الشرط، كأن قائلًا سأل، قال: فماذا قال رسول الله ﷺ في جوابه؟ فأجيب: قال: كذا. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
قال النوويّ ﵀: "قوله؟ ﷺ : "فلا تُعْطه"، فمعناه ة لا يلزمك أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء". انتهى (٢).
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟) أي: فماذا أفعل؟ (قَالَ) ﷺ ("قَاتِلْهُ") هذا دليل جواب الشرط المقدّر، وليس جوابًا، وإلا لاقترن بالفاء؛ أي: إن قاتلك، فقاتله.
ثم إن هذه المقاتلة تكون بعد المناشدة بالله، والاستعانة بالمسلمين، وولاة الأمور، فقد أخرج النسائيّ هذا الحديث في "المجتبى" (٤٠١٤) من طريق عمرو بن قُهَيد الغفاريّ، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن عُدِي على مالي؟ قال: "فانشُدْ بالله!، قال: فإن أَبَوا عليّ، قال: "فانشد بالله"، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: "فانشد بالله!، قال: فإن أبوا عليّ؟ قال: "فقاتل، فإن قُتلتَ ففي الجَنَّة، كان قَتَلْتَ ففي النار"؛ أي: إن قتلتَ هؤلاء المعتدين، فهم في النار.
وأخرج (٤٠١٣) من طريق سماك بن حرب، عن قابوس بن مخارق، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ و، فقال: الرجلُ يأتيني، فيريد مالي؟ قال: "ذَكِّره بالله!، قال: فإن لَمْ يَذَّكَّرْ؟ قال: "فاستعن عليه مَنْ حَوْلَك من المسلمين"، قال: فإن لَمْ يكن حولي أحدٌ من المسلمين؟ قال: "فاستعن عليه
стр. 2080
بالسلطان"، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: "قاتل دون مالك، حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك" (١).
فقد دلّ هذان الحديثان على أن القتال يكون بعد الدفع بالأسهل فالأسهل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟) أي: فماذا حكم الله تعالى في أمري؟ (قَالَ) ﷺ ("فَأَنْتَ شَهِيدٌ) قال القاضي عياضٌ ﵀: أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨]؛ أي: بيّن، وسُمّي الشاهد؛ لأن بشهادته تبيينَ الحكم. انتهى (٢).
وقال ابن الأثير ﵀: "الشهيد" في الأصل: من قُتل مجاهدًا في سبيل الله، ويُجمع على شُهداء، وسُمي شهيدًا؛ لأن الله تعالى وملائكته شهودٌ له بالجنّة، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهد غسله، أو تشهد نقل روحه إلى الجنّة، أو لأن الله تعالى شهد له بالجنّة، وقيل: لقيامه بشهادة الحقّ في أمر الله تعالى حتى قُتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة بالقتل، وقيل غير ذلك، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل، أو مفعول على حسب اختلاف التأويل. انتهى (٣).
وقال النضر بن شُميل: سُمِّي الشهيد شهيدًا؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم شَهِدَت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها إلَّا يوم القيامة، وهو مأخوذ من قوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وقال ابن الأنباريّ؛ لأن الله تعالى، وملائكته يشهدون له بالجنة، فمعنى شَهِيد مشهود له.
وقيل: سُمّي شهيدًا؛ لأنه شَهِدَ عند خروج روحه ما له من عند الله تعالى
стр. 2081
من النجاة، والثواب والبشرى، والكرامة، وحَقَّقَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٧٠].
وقيل: لأن ملائكة الرحمة يَشْهَدون، فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمة الخير بظاهر حاله، وقيل: لأن عليه شاهدًا يَشْهَد بكونه شهيدًا، وهو دَمُهُ، فإنه يُبْدَثُ، وجُرْحُهُ يَثْعَب (١) دَمًا.
وحَكَى الأزهريّ وغيره قولًا آخر، أنه سُمّي شَهِيدًا؛ لكونه ممن يَشْهَد يوم القيامة على الأمم (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول فيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا لا يخصّ الشهيد، بل يَعُمّ جميع المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
(قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟) أي: فماذا عليّ؟ (قَالَ) ﷺ ("هُوَ فِي النَّارِ") أي: لكونه قُتل ظالِمًا، ولا شيء عليك؛ لكونك مظلومًا مدافِعًا عن حقّك.
والمراد أنه يَستحقّ النار، وقد يُجَازَي، وقد يُعْفَى عنه، إلَّا أن يكون مستحلًّا لذلك بغير تأويل، فإنه يَكْفُر، ولا يُعْفَى عنه (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة المانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٥/ ٣٦٧] (١٤٠)، و (النسائيّ) في "كتاب المحاربة" (٤٠٨٤ و ٤٠٨٥)، وفي "الكبرى" (٣٥٤٥ و ٣٥٤٦)،
стр. 2082
و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦ و ١٢٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم مال المسلم بغير رضاه، وأنه ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): أن من قصد مال مسلم بغير حقّ يكون هَدَر الدم، وإن قُتل بذلك كان من أهل النار.
٣ - (ومنها): أن من تعرّض له ظالم ليأخذ ماله له منعه، ومدافعته، ولو أدّى إلى قتله.
٤ - (ومنها): أن الدفاع يكون بالأسهل، فالأسهل؛ لِمَا سبق من قوله ﷺ : "فانشده بالله"، وفي رواية: "ذكّره بالله"، ثم أمر بالاستعانة بالمسلمين، ثم برفع أمره إلى ولاة الأمور، فإن لَمْ يتمكنّ من ذلك كلّه جاز له قتله.
٥ - (ومنها): أن فيه بيان انقسام الشهداء إلى شُهداء الدنيا، وشُهداء الآخرة. قال النوويّ ﵀: (واعلم): أن الشهيد ثلاثة أقسام:
[أحدها]: المقتول في حرب الكفار بسببٍ من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة، وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يُغْسَلُ، ولا يُصَلى عليه.
[والثاني]: شَهِيدٌ في الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون، وصاحب الهَدْم، ومن قُتِل دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا، فهذا يُغْسَلُ ويُصَلَّى عليه، وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
[والثالث]: مَنْ غَلَّ في الغنيمة، وشِبْهُهُ، ممن وَرَدَت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، إذا قُتِلَ في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا، فلا يُغْسَلُ، ولا يُصَلَّى عليه، وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
стр. 2083
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنه لا دية في قتل المحاربين، ولا قَوَدَ؛ لأنه إذا كان مقتوله شهيدًا، وأُمر بقتاله، وأَخبر النبيّ ﷺ أنه إن قُتل في النار، في يأمر الشرع به لا تَعَقّبَ على فاعله، ولا تَبِعَةَ عليه في الدنيا والآخرة، قاله القاضي عياض ﵀ (١).
٦ - (ومنها): جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حَقّ، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا؛ لعموم الحديث، وهذا قول الجماهير من العلماء، وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا، كالثوب، والطعام، وهذا ليس بشيء، والصواب ما قاله الجماهير.
وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف، وفي المدافعة عن النفس بالقتل خلاف بين العلماء، والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة، قاله النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: "والمدافعة عن المال جائزةٌ، غير واجبة" هذا مذهبه، والأرجح أنه واجب؛ لظاهر قوله ﷺ : "لا تعطه"، وقوله: "قاتله".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا تعطه"، و"قاتله" دليلٌ على أن المحارب لا يجوز أن يُعطَى شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبه على وجه الحرابة ما أمكن، لا قليلًا، ولا كثيرًا، وأن المحارب يجب قتاله، ولذلك قال مالك ﵀: قتال المحاربين جهاد، وقال ابن المنذر ﵀: عوامّ العلماء على قتال المحارب على كلّ وجه، ومدافعته عن المال، والأهل، والنفس.
قال القاضي عياض ﵀: اختلف المذهب - يعني: مذهب المالكية - إذا طلب الشيء الخفيف، كالثوب، والطعام، هل يُعطاه، أو يقاتل دونه؟ وهو مبنيّ على الخلاف في أصل المسألة، هل قتالهم مأمور به؛ لأنه تغيير منكر؛ لقوله ﷺ : "قاتله"، أو هو مباحٌ، غير مأمور به.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أنه من باب تغيير المنكر، فيجب قتالهم؛ لظاهر قوله ﷺ : "لا تعطه"، وقوله: "قاتله"، من دون أن يستفصل بين القليل والكثير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 2084
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دعوة المحاربين قبل القتال:
اختلفوا، هل يُدعون قبل القتال، أم لا؟، والمراد بالدعوة دعوة الإمام، أو نائبه قبل مقاتلتهم، وهذا في حال اعتصامهم، وتعذّر إقامة الحقّ عليهم دون قتال، فهم حينئذ كالبغاة الذين يجب على الإمام أن يُبيّن لهم، ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه قبل مباشرة قتالهم، وهو رأي الجمهور، وذهب بعض أهل العلم من الحنفيّة وغيرهم إلى أنه يبدأ بقتالهم؛ لعلمهم بما سيدعوهم إليه.
وقد فصّل ابن رُشد ﵀ القول في هذه المسألة لدى المالكيّة، فنقل عن مالك ﵀ أنهم يُدْعَون، وعن سَحْنُون ﵀ أنهم لا يُدعون، ثم قال: تكلّم سحنون على ما يُعْرَف من غالب أمرهم، وتكلّم مالك على قدر ما يُرجَى في النادر منهم، وذلك يَرْجِع إلى أنه إن رُجي إن دُعُوا، أو نُشِدوا أن يَكُفُّوا استُحِبَّ دعاؤهم، وترك معاجلتهم بالقتال، وإن تُيُقِّنَ ذلك وجب أن يُدْعَوا، وإن خيف إن دُعُوا أن يستأسِدُوا، ويعاجلوا المسلمين وجب أن لا يُدْعَوا، كما قال سحنون ﵀. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن رُشد ﵁ من التفصيل حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن دعوتهم يُنظر فيها إلى ما يترتّب من المصالح، فإن يُرجى رجوعهم عن غيّهم تُستحبّ دعوتهم، وإن غلب ذلك تجب، وإن كان يُخشى إلحاق الضرر بالمسلمين بتأخيرهم لأجل الدعوة وجب تركها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٨] (١٤١) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
стр. 2085
الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ، أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ، تَيَسَّرُوا لِلْقِتَال، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه، فَهُوَ شَهِيدُ"؟).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام - أبو عليّ الخَلّال، نزيل مكة، ثقة حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د، ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنَّفٌ مشهور، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، منسوب إلى جدّه، الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقة فقيه فاضلٌ، يُدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٦ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ الأحول، خالُ ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقةٌ [٥] (ع).
رَوَى عن طارق بن شهاب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وطاووس، وغيرهم.
وروى عنه ابن جُريج، وحُسين المعلِّم، وشعبة، وابن عيينة، وإبراهيم بن نافع المكيّ، وغيرهم.
قال الحميديّ، عن سفيان: ثنا سليمان الأحول، وكان ثقةً، وقال
стр. 2086
أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد: هو ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، ونَقَلَ ابن خَلْفُون، عن ابن وَضّاح توثيقه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و (٧٦٩): "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض … "، و (١٣٢٧): "لا يَنْفِرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، و (١٦٣٧): "ائتوني أَكْتُبْ لكم كتابًا … "، و (٢٠٠٠): "نهى رسول الله ﷺ عن النبيذ في الأوعية … "، و (٢٠٧٧): "أأمُّك أمرتك بهذا؟ … ".
٧ - (ثَابِتٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو: ثابت بن عياض، الأحنف الأعرج العَدَويّ مولاهم، وهو مولى عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطاب، وقال ابن سعد: ثابت بن الأحنف بن عياض، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عُمَر، وابن عَمْرٍو، وابن الزبير، وأنس، وأبي هريرة ﵃.
وروى عنه زياد بن سعد، وسليمان الأحول، وعمرو بن دينار، وفُليح بن سليمان، ومالك بن أنس، وغيرهم.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال زياد بن سعد: قيل لثابت الأعرج: أين سمعت من أبي هريرة؟ فقال: كان مواليَّ يبعثوني يوم الجمعة، آخذُ مكانًا، فكان أبو هريرة يجيء يحدث الناس قبل الصلاة، وقال ابن المدينيّ: معروف، ووثقه أحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات" في موضعين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا (١٤١)، و (٢٧٨): "إذا استيقظ أحدكم، فليُفرِغ على يده … "، و (١٤٣٢): "شرّ الطعام طعام الوليمة … "، و (٢١٦٠): "يسلّم الراكب على الماشي … ".
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرَّحمن، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة على الأصحّ بالطائف (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
стр. 2087
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، وثابت، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سليمان الأحول، عن ثابت.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) أي: ألفاظ حديث الشيوخ الثلاثة متقاربة، وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) أي: ابن منصور (أَخْبَرَنَا) مقول "قال"، وقوله: (وَقَالَ الآخَرَانِ) أي: قال الحسن الحُلْوانيّ، ومحمد بن رافع، وقوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ) مقول "قال"، يعني: أنهم اختلفوا في صيغ الأداء عن شيخهم عبد الرزاق، فقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزّاق؛ لكونه أخذه عنه سماعًا بقراءة غيره عليه، وقال الحسن، ومحمد بن رافع: حدّثنا عبد الرزّاق؛ لكونهما سمعاه من لفظه، فقوله: "عبد الرزاق" تنازعه الفعلان قبله، أي: "أخبرنا"، و"حدّثنا"، وإعمال الثاني أولى عند البصريين؛ لقربه، والأول أولى عند الكوفيين؛ لسبقه، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
إِنْ عَامِلَان اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا العَمَلْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد فقهاء الصحابة، والمشهورين بالفتوي، والرواية ﵃، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ثَابِتٍ (مَوْلَى عُمَرَ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن زيد بن الخطّاب أنه (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر سليمانَ الأحولَ (أَنَّهُ) الضمير للشأن، والضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي قوله: (لَمَّا كَانَ … إلخ) "لَمَّا" بفتح اللام، وتشديد الميم: حرف وجود لوجود، وسيبويه يقول: حرف وجوب لوجوب، تدخل على الماضي،
стр. 2088
فتقتضي جملتين، وُجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، نحو لَمّا جاءني أكرمته، وزعم ابن السرّاج، وتبعه الفارسيّ، وابن جني، وجماعة أنَّها ظرف بمعنى "حين"، وابن مالك يقول: بمعنى "إذ" (١).
وإلى هذا أشار شيخنا عبد الباسط المناسيّ ﵀ في "نظم المغني":
وَالثَّانِ مِنْ أَوْجُهِهَا أَنْ تَلْزَمَا … لِمَاضِيَيْنِ رَبَطَتْ بَيْنَهُمَا
حَرْفُ وَجُودٍ لِوُجُودٍ أَوْ فَقُلْ … حَرْفُ وَجُوبٍ لِوُجُوبِ فَكَمُلْ
وَالفَارِسِيُّ كَوْنَهَا ظَرْفًا زَعَمْ كَذَا … ابْنُ جِنِّي مِثْلُ "حِينٍ" قَدْ حَكَمْ
وَمِثْلَ "إِذْ" جَعَلَهَا ابْنُ مَالِكِ … وَابْنُ خَرُوفٍ سَدَّ كُلَّ مَسْلَكِ (٢)
و"كان" هنا تامّة، أي: حصل ووقع، "وما" فاعلها، و"كان" الثانية أيضًا تامّة، وفاعلها ضمير يعود على"ما"، أي: لما وقع بينهما ما وقع من المعاداة.
(بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو) بن العاص ﷺ (وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح الموحدة (ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ) هو: عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو عامر المدنيّ.
رَوَى عن أخته أم حبيبة، وشداد بن أوس، وغيرهما، وروى عنه أبو أمامة الباهليّ، ويعلى بن أمية التميميّ، وعمرو بن أوس الثقفيّ، والقاسم أبو عبد الرَّحمن، والمسيب بن رافع، ومكحول الشاميّ، وعطاء بن أبي رَبَاح، وحسان بن عطية، وغيرهم.
قال أبو نعيم الأصبهانيّ: أدرك النبيّ ﷺ ، ولا تصح له صحبة، ولا رؤية، واتفق متقدمو أئمتنا على أنه من التابعين، وذكره أبو زرعة الدمسقيّ في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن حبان في "ثقات التابعين"، وذكر الليث وغيره أنه حَجَّ بالناس سنة (٤٦) وسنة (٤٧)، وكذا ذكر خليفة، وزاد أن معاوية ولَّاه مكة، فكان إذا شَخَصَ إلى الطائف استَخْلَف طارق بن المُرَقّع، وقال الواقديّ: استعمله أخوه على الصائفة سنة (٤٢).
стр. 2089
أخرج له المصنّف في هذا الكتاب حديثًا واحدًا فقط، عن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ (١)، والأربعة.
(مَا كَانَ) أي: الذي حصل، ووقع من العداوة.
وسبب ذلك أن عنبسة بن أبي سفيان كان عاملًا على الطائف من قِبَل أخيه معاوية بن أبي سفيان، وكان لآل عمرو بن العاص بستان، وحائط في الطائف، فأجرى عنبسة عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط آل عمرو، فأراد أن يَخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، يُدافعون عن مالهم، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منّا أحدٌ، وتأهبّ الفريقان للقتال (٢)، وهذا معنى قوله: (تَيَسَّرُوا) أي تهيّأ كلّ من عنبسة، وأتباعه، وعبد الله بن عمرو ومواليه، وتأهبوا، واستعدّوا (لِلْقِتَالِ) أي: لمقاتلة بعضهم بعضًا (فَرَكِبَ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه "فركب" بالفاء، وفي بعض الأصول: "وركب بالواو"، وفي بعضها "رَكِبَ" من غير فاء، ولا واو، وكلّه صحيح. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: وجه صحة الأوجه، أنه إذا كان بالفاء، والواو فإنه معطوف على "تيسّروا"، وأما بدونهما، فيكون بدلًا من "تيسّروا" بدلَ فِعْلٍ من فعلٍ، كما قال في "الخلاصة":
وَيُبْدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ "مَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ"
(خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ) بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، قُتل أبوه يوم بدر، قال ابن سعد، وابن حبّان: أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، قال في "الإصابة": يقال: إن عمر ﵁ استعمل خالد بن العاص هذا على مكة بعد نافع بن عبد الحارث الخُزاعيّ، وكذلك استعمله عليها عثمان بن عفّان ﵁، ثم أورد
стр. 2090
حديث مسلم هذا، ثم قال: وهذا يدلّ على أن خالد بن العاص تأخّر إلى خلافة معاوية ﵁. انتهى (١).
[تنبيه]: خالد بن العاص هذا ليس عمًّا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا من نسبه؛ لئلا يقع الاشتباه بسبب اتفاق اسم الأب على من غَفَلَ عن الجدّ، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قد سبق أن الأفصح في "العاصي" إثبات الياء كتابةً، ويوقف عليها، ويجوز حذفها على قلّة، وهو الذي يستعمله معظم المحدّثين، أو كلّهم، قال ابن مالك ﵀ في "باب الوقف" من "الخلاصة" مشيرًا إلى هذه القاعدة:
وَحَذْفُ يَا المَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقْتُفِي
(إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄ (فَوَعَظَهُ خَالِدٌ) أي: وَعَظ خالدُ بن العاص عبدَ الله بن عمرو ﵃، يقال: وَعَظَه يعِظه وَعْظًا، وعِظَةً، من باب وَعَدَ يَعِدُ عِدَةً ووَعْدًا: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]: أي أوصيكم، وآمركم، فاتَّعَظ؛ أي: ائتمر، وكفَّ نفسه، قاله الفيّوميّ (٢).
والمعنى هنا: أمر خالد بن العاص عبدَ الله بنَ عمرو بأن يُطيع الأمير، ولا يخالفه فيما طلب منه (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) ﵄ (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح للتنبيه على الاهتمام بما بعدها، كـ "إلا" (عَلِمْتَ) بفتح التاء للمخاطب (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ" شرطيّة (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (دُونَ مَالِهِ) أي: عنده، أو من أجله، وقال القرطبيّ ﵀: "دُون" في أصلها ظرف مكان بمعنى أسفل وتحتُ، وهو نقيض "فوق"، وقد استُعْمِلَت في هذا الحديث لأجل السببيّة، وهو مجاز، وتوسّعٌ، ووجهه أن الذي يقاتل على ماله إنما يجعله خلفه، أو تحته، ثم يقاتل عليه. انتهى (٣). (فَهُوَ شَهِيدٌ") جواب الشرط.
قال في "الفتح": قوله: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد"، قال الإسماعيليّ:
стр. 2091
وكذا أخرجه البخاريّ، وكأنه كتبه من حفظه، أو حدث به المقرئ من حفظه، فجاء به على اللفظ المشهور، وإلا فقد رواه الجماعة عن المقرئ بلفظ: "مَن قُتِلَ دون ماله مظلومًا، فله الجَنَّة"، قال: ومن أتى به على غير اللفظ الذي اعتيد فهو أولى بالحفظ، ولا سيما وفيهم مثل دُحَيم، وكذلك ما زادوه من قوله: "مظلومًا"، فإنه لا بُدّ من هذا القيد، وساقه من طريق دُحَيم، وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام.
قال الحافظ: وكذلك أخرجه النسائيّ، عن عبيد الله بن فَضَالة، عن المقريّ، وكذلك رواه حَيْوَة بن شُرَيح، عن أبي الأسود بهذا اللفظ، أخرجه الطبريّ.
نعم للحديث طريق أُخرى عن عكرمة، أخرجها النسائيّ باللفظ المشهور، وأخرجه مسلم كذلك، من طريق ثابت بن عياض، عن عبد الله بن عمرو، وفي روايته قِصّةٌ، قال: لَمّا كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان … إلخ.
قال: وأشار بقوله: "ما كان" إلى ما بَيَّنه حيوة في روايته المشار إليها، فإن أولها أن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء؛ ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص، فأراد أن يخرقه؛ ليجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو، ومواليه بالسلاح، وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا، حتى لا يبقى منّا أحد … فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لَأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف.
قال: وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك؛ لِمَا يدخل عليه من الضرر، فلا حجة فيه لمن عارض به حديث أبي هريرة ﵁ فيمن أراد أن يَضَعَ جِذْعَه على جدار جاره، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أن ظاهر هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَمْنَعْ جارٌ جارَه أن يَغْرِز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضين؟ والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم. لفظ البخاريّ.
فهذا يوجب أن يأذن الجار لجاره في وضع الخشبة، وحديث ابن عمرو ﵄ يبيح المنع، بل القتال عليه.
стр. 2092
والجواب أن حديث أبي هريرة ﵁ مشروط بعدم تضرّر صاحب الجدار، فأما إذا تضرّر، فلا يجب عليه؛ لحديث: "لا ضرر، ولا ضِرَار" (١)، والضرر منا موجود؛ لأنه إذا ثُقب الجدار لمرور الماء لا يسذ ذلك الثقب شيء، فيتضرّر صاحبه بدخول الحيوانات، ونحوها فيه، بخلاف وضع الخشبة؛ لأنه لو ثُقب شيء منه لسدّته الخشبة.
وأيضًا حديث أبي هريرة ﷺ خاصّ بالجار، وليس عنبسة جارًا لعبد الله بن عمرو ﵄، والله تعالى أعلم.
وأخرجه النسائيّ من وجهين آخرين، وأبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر كلهم عن عبد الله بن عمرو باللفظ المشهور، وفي رواية لأبي داود، والترمذيّ: "من أربد ماله بغير حقّ، فقاتل، فقُتِل فهو شهيد"، ولابن ماجة من حديث ابن عمر نحوه، ورَوَى الترمذيّ وبقية أصحاب السنن، من حديث سعيد بن زيد نحوه، وفيه ذكر الأهل، وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجة: "من أريد ماله ظلمًا، فقُتِل فهو شهيد".
قال النوويّ ﵀: فيه جواز قتل من قَصَدَ أخذ المال بغير حقّ، سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا، وهو قول الجمهور، وشَذّ من أوجبه.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالشذوذ فيه نظر، كيف وظاهر النصّ يدلّ له، حيث قال ﷺ : "لا تُعطه"، وقال أيضًا: "قاتله"، فإذا لَمْ يدلّ هذا النصّ على الوجوب، في الذي يدلُّ عليه؟ إن هذا لشيء عجيب!!!.
وَحَكى ابن المنذر ﵀ عن الشافعيّ ﵀ قال: من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه، فله الاختيار أن يكلمه، أو يستغيث، فإن مُنِعَ، أو امتَنَعَ لَمْ يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقلٌ، ولا ديةٌ، ولا كفارةٌ، لكن ليس له تعَمُّد قتله.
قال ابن المنذر ﵀: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكِر، إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلَّا أنّ كلَّ من يُحفَظُ عنه من علماء الحديث، كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جَوْره، وترك القيام عليه.
стр. 2093
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وفَرّقَ الأوزاعي ﵀ بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام، فحَمَلَ الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفُرْقة، فليستسلم، ولا يقاتل أحدًا.
قال الجامع عفا الله عنه: ويرد على ما قاله الأوزاعيّ ﵀ كما قال الحافظ - حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدّم قبل هذا بلفظ: "أرأيت إن جاء رجل، يريد أخذ مالي" قال: "فلا تعطه"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "فاقتله"، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد"، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار".
فإنه ﷺ في نصّه هذا لَمْ يخصّ حالةً دون حالة، بل أطلق المقاتلة، وأمره أن يقاتل كلَّ من بغى عليه، فلو كانت الحال التي فيها الجماعة والإمام لا يحل المقاتلة فيها، لبيّنها ﷺ ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٥/ ٣٦٨] (١٤١)، و (البخاريّ) في "المظالم والغصب" (٢٤٨٥)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٧١)، و (الترمذيّ) في "الديات" (١٤١٩)، و (النسائيّ) في "المحاربة" (٤٠٨٦ و ٤٠٨٧ و ٤٠٨٨ و ٤٩٨٩ و ٤٠٩٠ و ٤٠٩١)، وفي "الكبرى" (٣٥٤٧ و ٣٥٤٨ و ٣٥٤٩ و ٣٥٥٠ و ٣٥٥١ و ٣٥٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦٣ - ٢٠٦ - ٢١٧٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٨ و ١٢٩)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٥).
وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
стр. 2094
[٣٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيّ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِم، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَاد، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون المروزيّ، بغداديّ الأصل تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانِيُّ - بضم الموحدة، وسكون الراء، ثم مهملة - أبو عبد الله، ويقال: أبو عثمان البصريّ، صدوق [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، وهشام بن حسان، وابن جريجٍ، وشعبة، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن زياد، وابن أبي عروبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهارون الحمّال، وإسحاق الكَوْسَجُ وغيرهم.
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: صالح الحديث، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود، والعجليّ: ثقة، وقال ابن عمار الْمَوْصِلِيُّ: لَمْ يكن صاحب حديث، تركناه ولم نسمع منه، وقال أبو حاتم: شيخ محله الصدق، وقال النسائي في "كتاب المحاربة" من "سننه": ليس بالقويّ، وقال ابن قانع: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وابن سعد وآخرون: مات سنة (٢٠٣)، زاد ابن سعد: بالبصرة في ذي الحجة، وكان ثقة، وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة (٢٠٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٦) حديثًا.
٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) هو: أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن عبد الله بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ المعروف بأبي الجوزاء، ثقةٌ [١١].
رَوَى عن أبي داود الطيالسيّ، وأبي عاصم، وأزهر بن سَعْد، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقةٌ رَضِيّ، وابن خزيمة، وابن بُجَير، وابن أبي عاصم، وابن جرير، وغيرهم.
стр. 2095
قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦)، قال: وكان من نُسّاك أهل البصرة، وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال البزار: بصريّ ثقةٌ مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا.
وابن جريج تقدّم في السند الماضي.
قوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بسند ابن جريجٍ الماضي، وهو: عن سليمان الأحول، عن ثابت، عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل المتن الماضي، وقد سبق ما قيل في الفرق بينه وبين "نحوه"، وما فيه من الاعتراض، فلا تنسَ.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريجٍ التي أحالها المصنّف ﵀ أخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٦٦٢٨) حدثنا محمد بن بكر، وعبد الرزاق، قالا: أخبرنا ابن جريجٍ، أخبرني سليمان الأحول، أن ثابتًا، مولى عمر بن عبد الرَّحمن، أخبره أنه لَمّا كان بين عبد الله بن عمرو، وعنبسة بن أبي سفيان ما كان، وتيسروا للقتال، فركب خالد بن العاصي إلى عبد الله بن عمرو، فوعظه، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "من قُتِل دون ماله فهو شهيد"؟.
وقال عبد الرزاق: "مَن قُتِل على ماله فهو شهيد".
وأما رواية أبي عاصم، فلم أجدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
٦٦ - (بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٠] (١٤٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَب، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ، مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ
стр. 2096
فِيه، قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِه، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) أبو محمد الأبُليّ (١)، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السّعْديّ العُطارديّ البصريّ الخَزّاز الأعمي، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبي رجاء العُطارديّ، وأبي الجوزاء الرَّبَعيّ، والحسن البصريّ، وأبي نَضْرة، وخُليد العصريّ، وجماعة.
وروى عنه ابن المبارك، والقطان، ويزيد بن هارون، وابن عُلية، وأبو نعيم، وأبو الوليد، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فَرُّوخ، وجماعة.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صدوق، وقال أبو حاتم، عن أحمد: من الثقات، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله - وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المدينيّ: ثقة ثبتٌ، وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من سلام بن مسكين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: كان حماد بن زيد يقول: لَمْ يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله حماد بن زيد: من أن أبا الأشهب لَمْ يسمع من أبي الجوزاء يُشكل عليه ما وقع في "صحيح البخاري" في "تفسير سورة النجم" من التصريح بسماعه منه، ونصّه: حدثنا مسلم، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو الجوزاء … ، فذَكَرَ حديثًا.
ويحتمل أن يكون نفي حماد سماع أحاديث معيّنة، فلا ينافي سماعه لغيرها، فالله تعالى أعلم.
стр. 2097
وذكر أبو عمرو الدانيّ في "طبقات القراء" أنه قرأ على أبي رجاء العُطارديّ. قال الأصمعيّ، عن أبي الأشهب: وُلدتُ عام الجُفْرَة سنة (٧٠)، أو (٧١)، وقال البخاريّ، عن محمد بن محبوب: مات في آخر يوم من شعبان سنة (١٦٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، هذا (١٤٢) وأعاده في "كتاب الإمارة"، و (٤٣٨): "تقدّموا، فأتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم … "، و (٩٩٢): "بشّر الكانزين بكيّ في ظهورهم … "، و (١٧٢٨): "من كان معه فضل ظهر، فليعد به … "، و (٢٧٣٧): "اطّلعتُ في الجنّة، فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء … ".
[تنبيه]: "الجُفْرَة" بضمّ الجيم، وسكون الفاء، قال في "القاموس": موضع بالبصرة، كان بها حَرْبٌ شديدٌ عامَ سبعين، وقيل لجعفر بن حيّان العُطَارديّ: الجُفْريّ؛ لأنه وُلد عام الجُفْرة. انتهى (١).
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيرًا، ويدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٦.
٤ - (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزنِيُّ) هو: معقل بن يسار بن عبد الله بن مُعَبّر، ويقال: ابن مِعْيَر، ويقال: ابن مُغيرة بن حُرّاق بن لاي بن كعب بن عبد بن ثَوْر بن هُذْمة بن لاطم بن عثمان بن عَمْرو بن أُد بن طابخة، واسمه عَمْرو بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار، المزنيّ، أبو عليّ، ويقال: أبو يسار، ويقال: أبو عبد الله البصريّ، ومُزَينة هي والدة عثمان بن عمرو، ونُسِبُوا إليها، وهي مُزَينة بنت كلب بن وَبْرَة بن تَغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضَاعة (٢).
أسلم قبل الحُديبية، وكان ممن بايع تحت الشجرة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن النعمان بن مُقَرِّن المزنيّ، ورَوَى عنه عمران بن حصين، ومعاوية بن قُرّة، وعلقمة بن عبد الله، والحكم بن الأعرج، وعمرو بن ميمون، والحسن البصريّ، ونافع بن أبي نافع، وأبو
стр. 2098
المليح بن أسامة، ومسلم بن مِخْرَاق، وعِيَاض أبو خالد، وغيرهم.
قال البغويّ: هو الذي حفَر نهر معقِل بالبصرة بأمر عمر ﵁، فنُسب إليه، ونزل البصرة، وبنى بها دارًا، ومات بها في خلافة معاوية ﵁، وأسند من طريق يونس بن عُبيد قال: ما كان ها هنا - يعني: بالبصرة - أحدٌ من أصحاب النبيّ ﷺ أهنأ من معقل بن يسار، وأخرج أحمد من طريق معاوية بن قُرّة، عن معقل بن يسار: حُرِّمت الخمر، ونحن نشرب الفَضِيخ، فجعلتُ أشرب، وأقول: هذا آخر العهد بالخمر.
قال العجلي: يُكنى أبا عليّ، ولا نَعْلَم في الصحابة مَن يُكنى أبا عليّ غيره.
قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال العجليُّ: "ولا نعلم … إلخ"، وتُعُقّب بأن قيس بن عاصم المِنْقريّ، وطلق بن عليّ الحنفيّ كلاهما من الصحابة، وكلاهما يُكنى أبا عليّ (١).
قيل: إنه مات بالبصرة في آخر خلافة معاوية ﵁، وقيل: في ولاية يزيد، وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات ما بين الستين إلى السبعين، وهو الذي فَجَّرَ نَهْرَ مَعْقِل بالبصرة (٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٤٢) وكرّره خمس مرّات، و (١٨٥٨): "يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها … "، و (٢٩٤٨): "العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ" (٣)، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٣) من رباعيات الكتاب، والإسناد التالي خماسيّ، أنزل منه بدرجة، والذي يليه سُداسيّ، أنزل منه بدرجة، وكذا الأخير.
стр. 2099
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وشيخه أُبُلِّيّ، وهي محلة بالبصرة.
٤ - (ومنها): أن "أبا الأشهب" مشهور بهذه الكنية، ولا يوجد في الكتب الستّة من يُكنى بها غيره.
٤ - (ومنها): أن أبا الأشهب، والصحابيّ هذا أول محلّ ذكرهما في الكتاب، وقد عرفتَ ما لكلّ منهما عند المصنّف من الحديث آنفًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ ﵀ أنه (قَالَ: عَادَ) أي: زار، يقال: عاد المريضَ يعود، من باب قال، عِيَادةً: إذا زاره، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد بألف، وعُوَّدٌ بدونها، والمرأةُ عائدة، وجمعها عُوَّد بغير ألف (١)، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَمِثْلُهُ الفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي المُعَلِّ لَامًا نَدَرَا
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ) هو: عبيد الله بن زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، وابن سُميّة، أمير العراق بعد أبيه زياد، وقال ابن معين: ويقال له: عبيد الله بن مرجانة، وهي أمه، وقال غيره: وكانت مجوسيّة، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد يزيد بن معاوية، وكانت له دار عند الديماس تُعرف بدار ابن عجلان، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين، فيما حكاه ابن عساكر، عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبيّ، قال ابن عساكر: وروى الحديث عن معاوية، وسعد بن أبي وقّاص، ومعقِل بن سنان، وحدّث عنه الحسن البصريّ، وأبو المليح بن أسامة، وقال أبو نعيم الفضل بن دُكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قُتل الحسين كان عمره ثمانيًا وعشرين
стр. 2100
سنة، قال الحافظ ابن كثير: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين، فالله أعلم.
وكانت فيه جرأة، وإقدام على سفك الدماء، قَتَل خلقًا كثيرًا صبرًا، وكان سفيهًا شديدًا، وكان أميرَ البصرة في زمن معاوية، وولده يزيد، وقُتل سنة ست وستين، وقيل: سنة سبع وستين، ويقال: في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قُتل فيه الحسين بن عليّ ﵄ (١).
(مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ) بالنصب على المفعوليّة لـ "عاد" (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وكانت وفاة معقل ﵁ بالبصرة، فيما ذكره البخاريّ في "الأوسط" ما بين الستين إلى السبعين، وذلك في خلافة يزيدَ بنِ معاوية، وتقدّم الخلاف في وقت وفاته في ترجمته (قَالَ مَعْقِلٌ) ﵁ (إِنِّي مُحَدِّثُكَ) وفي الرواية الآتية: "فقال له معقل: إني سأحدّثك" (حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً) أي: بقاء بعد هذا اليوم (مَا حَدَّثْتُكَ) أي: بهذا الحديث.
قال القاضي عياضٌ ﵀: إنما قال له معقل ﵁ هذا إما لأنه عَلِمَ قبل ذلك أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خرج آخرًا من كتمه الحديث، ورأى تبليغه لأمر النبيّ ﷺ أصحابه بالتبليغ، أو لأنه خافه من ذكره مدّة حياته؛ لِمَا يُهيج عليه ذكرُ هذا الحديث، ويُثبته في قلوب الناس من سوء حاله. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر القاضي الاحتمالين، والاحتمال الثاني - كما قال النووي - هو الظاهر، والأول ضعيفٌ؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يسقط باحتمال عدم قبوله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وزاد في رواية يونس، عن الحسن التالية: "قال: ألَّا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: لَمْ أكن لأحدثك".
قال في "الفتح": قيل: سبب عدم تحديثه قبله هو ما وصفه به الحسن البصريّ من سفك الدماء، ووقع في رواية الإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه
стр. 2101
مسلم: "لولا أني ميتٌ ما حدثتك"، فكأنه كان يَخْشَى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يَكُفّ بذلك بعض شره عن المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة في الرواية الآتية من طريق أبي المليح: أن عبيد الله بن زياد عاد مَعْقِل بن يسار، فقال له معقل: "لولا أني في الموت ما حدثتك".
وقد أخرج الطبراني في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن، قال: لَمّا قَدِمَ علينا عبيد الله بن زياد أميرًا - أَمَّرَه علينا معاويةُ - غلامًا سفيهًا، يَسْفِك الدماء سَفْكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفل المزنيّ، فدَخَل عليه ذات يوم، فقال له: انْتَهِ عما أراك تصنعُ، فقال له: وما أنت وذاك؟، قال: ثم خَرَجَ إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟، فقال: إنه كان عندي علمٌ، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم قام، في لَبِثَ أن مَرِضَ مرضه الذي تُوُفِّي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو حديث الباب، فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين، قاله في "الفتح" (١).
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتأكيد، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
(عَبْدٍ) مبتدأٍ خبره قوله: "إلَّا حرّم الله … إلخ" (يَسْتَرْعِيهِ اللهُ) أي: يستحفظه، ويجعله راعيًا لهم، قيل: السين والتاء للصيرورة، أي: صيّره الله راعيًا لهم، والجملة صفة لـ "عبد"، ووقع في بعض نسخ البخاريّ: "استرعاه الله" (رَعِيَّةً) بفتح، فكسر: فَعِلية بمعنى مفعولة، أي: مَرْعيّةً محفوظة، قال ابن الأثير: الرَّعِيّةُ: كلُّ من شَمِله حفظ الراعي ونظره (٢).
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "ما من عبد … إلخ" هو لفظ عامّ في كلّ من كُلّف حفظَ غيره، كما قال ﷺ : "كلُّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته، فالإمام راعٍ، ومسؤول عن رعيّته … " (٣)، وهكذًا الرجل على أهل بيته، والولد، والعبد، والرعاية: الحفظ والصيانة، والغشّ: ضدّ النصيحة، وحاصله راجع
стр. 2102
إلى الزجر عن أن يضيّع ما أُمر بحفظه، وأن يقصّر في ذلك، مع التمكّن من فعل ما يتعيّن عليه. انتهى (١).
وقوله: (يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ) جملة في محلّ رفع صفة ثانية لـ "عبد" (وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيتِهِ) أي: غير ناصح لهم، والجملة في محلّ نصب على الحال، والغاشّ: اسم فاعل من الغَشّ، يقال: غَشّه غَشًّا، من باب نصر، والاسم الغِشّ بالكسر: إذا لَمْ ينصحه، وزَيَّنَ له غير المصلحة، ولَبَنٌ مغشوشٌ؛ أي: مخلوط بالماء (٢).
(إِلَّا) أداة استثناء مُلْغاة، وجملة: (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ") خبر في محل رفع خبر لـ "عبد".
وفي رواية أبي المَليح الآتية: "ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وَينْصح إلَّا لَمْ يدخل معهم الجنّة"، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي نعيم، عن أبي الأشهب: "ما من عبد يسترعيه الله رَعِيّةً، فلم يَحطُها بنصحه، لَمْ يجد رائحة الجنّة".
وزاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل ﵁: "وعَرْفُها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا".
وقوله: "فلم يَحُطْها" - بفتح أوله، وضمّ الحاء، وسكون الطاء المهملتين -: أي يَكْلَؤهَا، أو يَصُنْها، والاسم: الحِيَاطة، يقال: حاطه: إذا استولى عليه، وأحاط به مثله.
وقال الطيبيّ ﵀: الفاء في قوله: "فلم يَحُطْها"، وفي قوله: "فيموت" (٣)، مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وقوله: "وهو غاشّ" حالٌ (٤) قيدٌ للفعل، ومقصودٌ بالذكر؛ لأن المعتبر من الفعل، والحال هو الحال، يعني: أن الله تعالى إنما وَلّاه واسترعاه على عباده؛ لِيُدِيم لهم النصيحة، لا لِيَغُشَّهم، حتى
стр. 2103
يموت على ذلك، فلما قَلَبَ القضيةَ، استَحَقَّ أن لا يجد رائحة الجَنَّة. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "حرم الله عليه الجَنَّة" فيه التأويلان المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أنه محمول على المستحلّ.
[والثاني]: حَرَّم عليه دخولَها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا: المنع. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: هذا الحديث، وما في معناه قد تقدّم معنى تحريم الجنّة، والتأويل في مثله، ومعناه بَيّن في التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤتُمِن عليه، فلم يَنصَح فيما قَلَّده إما بتضييعه تعريفهم ما يَلْزَمهم من دينهم، وأَخْذهم به، في ما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذّبّ عنها كلَّ مُتَصَدٍّ لإدخال داخلة فيها، أو تحريفٍ لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حَوْزَتهم، ومجاهدة عدُوّهم، أو تَرْكِ سِيرةِ العدل فيهم، فقد غَشَّهم.
قال: وقد نبّه ﷺ على أن ذلك من كبائر الذنوب المُوبِقَة المبعدة عن الجَنَّة إذا دخلها السابقون، والمقرَّبون، إن أنفذ الله عليه وعيده الموجِبَ لعذابه بالنار، أو نحو ذلك، أو يُحْرَمُ الجنّةَ رأسًا، إن فَعَلَ ذلك مُستحِلًّا. انتهى كلام القاضي ﵀ (٣).
وقال ابن بطّال ﵀: معنى "حَرَّم الله عليه الجَنَّة"؛ أي: أنفذ الله عليه الوعيد، ولم يُرْضِ عنه المظلومين، ونقل ابن التين عن الداوديّ نحوَه، قال: ويحتمل أن يكون هذا في حقّ الكافر؛ لأن المؤمن لا بُدّ له من نصيحة.
وتعقّبه الحافظ: فقال: هو احتمال بعيد جدًّا، والتعليل مردود، فالكافر أيضًا قد يكون ناصحًا فيما تولاه، ولا يمنعه ذلك الكفر، وقال غيره: يُحْمَل على المستحلّ، والأولى أنه محمول على غير المستحلّ، فَإنما أريد به الزجر
стр. 2104
والتغليظ، وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: "لَمْ يدخل معهم الجَنَّة"، وهو يؤيِّد أن المراد أنه لا يدخل الجَنَّة في وقت دون وقت. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مَعْقِل بن يسار المزنيّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٦/ ٣٧٠ و ٣٧١ و ٣٧٢ و ٣٧٣] (١٤٢)، وفي "الإمارة" (٣/ ١٤٦٠)، و (البخاريّ) في "الإحكام" (٧١٥٠ و ٧١٥١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٢٨ و ٩٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٥ و ٢٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩ و ٧٠٤٣ و ٧٠٤٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٢ و ٣٦٣ و ٣٦٤ و ٣٦٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٤٤٩ و ٤٥٥ و ٤٥٦ و ٤٥٧ و ٤٥٨ و ٤٥٩ و ٤٦٩ و ٤٧٢ و ٤٧٣ و ٤٧٦ و ٤٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٤٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الغشّ، وأنه ينافي الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): بيان استحقاق الوالي الغاشّ لرعيّته، النار بغشّه.
٣ - (ومنها): ما قاله أبو عوانة ﵀ بعد تخريجه الحديث: في هذا الحديث دليلٌ على أن العاصي يستوجب بعصيانه النار، إلَّا أن يلقى الله، وهو تائبٌ، فإن لَمْ يفعل فهو في مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه. انتهى (١).
стр. 2105
٤ - (ومنها): بيان التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم.
٥ - (ومنها): بيان أن هذا الغشّ من الكبائر الموبِقَة المُبْعِدة عن الجَنَّة.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجور، فمَن ضَيَّعَ مَن استرعاه الله، أو خاف دم، أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يَقْدِر على التحلل من ظلم أمّة عظيمة.
٧ - (ومنها): أن في قوله: "يموت يوم يموت، وهو غاشّ" إشارة إلى أنه لو تاب قبل الموت قُبِلت توبته.
وقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لَمْ يُغَرْغِرْ" (١).
٨ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل ﵁، حيث قام بتبرئة ذمّته، عن آفة كتمان العلم، مع علمه بقساوة هذا الوالي، وعدم انتفاعه بالموعظة، لكنه أراد أن يبلغ هذا اوحديث العظيم إلى الأمة حتى تكون على بيّنة من أمرها؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧١] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: دَخَلَ عُبيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَسْتَرْعِيِ اللهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"، قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لَأُحَدِّثَكَ).