مسلم: "لولا أني ميتٌ ما حدثتك"، فكأنه كان يَخْشَى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يَكُفّ بذلك بعض شره عن المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة في الرواية الآتية من طريق أبي المليح: أن عبيد الله بن زياد عاد مَعْقِل بن يسار، فقال له معقل: "لولا أني في الموت ما حدثتك".
وقد أخرج الطبراني في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن، قال: لَمّا قَدِمَ علينا عبيد الله بن زياد أميرًا - أَمَّرَه علينا معاويةُ - غلامًا سفيهًا، يَسْفِك الدماء سَفْكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفل المزنيّ، فدَخَل عليه ذات يوم، فقال له: انْتَهِ عما أراك تصنعُ، فقال له: وما أنت وذاك؟، قال: ثم خَرَجَ إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟، فقال: إنه كان عندي علمٌ، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم قام، في لَبِثَ أن مَرِضَ مرضه الذي تُوُفِّي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو حديث الباب، فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين، قاله في "الفتح" (١).
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتأكيد، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
(عَبْدٍ) مبتدأٍ خبره قوله: "إلَّا حرّم الله … إلخ" (يَسْتَرْعِيهِ اللهُ) أي: يستحفظه، ويجعله راعيًا لهم، قيل: السين والتاء للصيرورة، أي: صيّره الله راعيًا لهم، والجملة صفة لـ "عبد"، ووقع في بعض نسخ البخاريّ: "استرعاه الله" (رَعِيَّةً) بفتح، فكسر: فَعِلية بمعنى مفعولة، أي: مَرْعيّةً محفوظة، قال ابن الأثير: الرَّعِيّةُ: كلُّ من شَمِله حفظ الراعي ونظره (٢).
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "ما من عبد … إلخ" هو لفظ عامّ في كلّ من كُلّف حفظَ غيره، كما قال ﷺ : "كلُّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته، فالإمام راعٍ، ومسؤول عن رعيّته … " (٣)، وهكذًا الرجل على أهل بيته، والولد، والعبد، والرعاية: الحفظ والصيانة، والغشّ: ضدّ النصيحة، وحاصله راجع
стр. 2102
إلى الزجر عن أن يضيّع ما أُمر بحفظه، وأن يقصّر في ذلك، مع التمكّن من فعل ما يتعيّن عليه. انتهى (١).
وقوله: (يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ) جملة في محلّ رفع صفة ثانية لـ "عبد" (وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيتِهِ) أي: غير ناصح لهم، والجملة في محلّ نصب على الحال، والغاشّ: اسم فاعل من الغَشّ، يقال: غَشّه غَشًّا، من باب نصر، والاسم الغِشّ بالكسر: إذا لَمْ ينصحه، وزَيَّنَ له غير المصلحة، ولَبَنٌ مغشوشٌ؛ أي: مخلوط بالماء (٢).
(إِلَّا) أداة استثناء مُلْغاة، وجملة: (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ") خبر في محل رفع خبر لـ "عبد".
وفي رواية أبي المَليح الآتية: "ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وَينْصح إلَّا لَمْ يدخل معهم الجنّة"، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي نعيم، عن أبي الأشهب: "ما من عبد يسترعيه الله رَعِيّةً، فلم يَحطُها بنصحه، لَمْ يجد رائحة الجنّة".
وزاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل ﵁: "وعَرْفُها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا".
وقوله: "فلم يَحُطْها" - بفتح أوله، وضمّ الحاء، وسكون الطاء المهملتين -: أي يَكْلَؤهَا، أو يَصُنْها، والاسم: الحِيَاطة، يقال: حاطه: إذا استولى عليه، وأحاط به مثله.
وقال الطيبيّ ﵀: الفاء في قوله: "فلم يَحُطْها"، وفي قوله: "فيموت" (٣)، مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وقوله: "وهو غاشّ" حالٌ (٤) قيدٌ للفعل، ومقصودٌ بالذكر؛ لأن المعتبر من الفعل، والحال هو الحال، يعني: أن الله تعالى إنما وَلّاه واسترعاه على عباده؛ لِيُدِيم لهم النصيحة، لا لِيَغُشَّهم، حتى
стр. 2103
يموت على ذلك، فلما قَلَبَ القضيةَ، استَحَقَّ أن لا يجد رائحة الجَنَّة. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "حرم الله عليه الجَنَّة" فيه التأويلان المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أنه محمول على المستحلّ.
[والثاني]: حَرَّم عليه دخولَها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا: المنع. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: هذا الحديث، وما في معناه قد تقدّم معنى تحريم الجنّة، والتأويل في مثله، ومعناه بَيّن في التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤتُمِن عليه، فلم يَنصَح فيما قَلَّده إما بتضييعه تعريفهم ما يَلْزَمهم من دينهم، وأَخْذهم به، في ما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذّبّ عنها كلَّ مُتَصَدٍّ لإدخال داخلة فيها، أو تحريفٍ لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حَوْزَتهم، ومجاهدة عدُوّهم، أو تَرْكِ سِيرةِ العدل فيهم، فقد غَشَّهم.
قال: وقد نبّه ﷺ على أن ذلك من كبائر الذنوب المُوبِقَة المبعدة عن الجَنَّة إذا دخلها السابقون، والمقرَّبون، إن أنفذ الله عليه وعيده الموجِبَ لعذابه بالنار، أو نحو ذلك، أو يُحْرَمُ الجنّةَ رأسًا، إن فَعَلَ ذلك مُستحِلًّا. انتهى كلام القاضي ﵀ (٣).
وقال ابن بطّال ﵀: معنى "حَرَّم الله عليه الجَنَّة"؛ أي: أنفذ الله عليه الوعيد، ولم يُرْضِ عنه المظلومين، ونقل ابن التين عن الداوديّ نحوَه، قال: ويحتمل أن يكون هذا في حقّ الكافر؛ لأن المؤمن لا بُدّ له من نصيحة.
وتعقّبه الحافظ: فقال: هو احتمال بعيد جدًّا، والتعليل مردود، فالكافر أيضًا قد يكون ناصحًا فيما تولاه، ولا يمنعه ذلك الكفر، وقال غيره: يُحْمَل على المستحلّ، والأولى أنه محمول على غير المستحلّ، فَإنما أريد به الزجر
стр. 2104
والتغليظ، وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: "لَمْ يدخل معهم الجَنَّة"، وهو يؤيِّد أن المراد أنه لا يدخل الجَنَّة في وقت دون وقت. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مَعْقِل بن يسار المزنيّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٦/ ٣٧٠ و ٣٧١ و ٣٧٢ و ٣٧٣] (١٤٢)، وفي "الإمارة" (٣/ ١٤٦٠)، و (البخاريّ) في "الإحكام" (٧١٥٠ و ٧١٥١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٢٨ و ٩٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٥ و ٢٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٨٩ و ٧٠٤٣ و ٧٠٤٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٢ و ٣٦٣ و ٣٦٤ و ٣٦٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٤٤٩ و ٤٥٥ و ٤٥٦ و ٤٥٧ و ٤٥٨ و ٤٥٩ و ٤٦٩ و ٤٧٢ و ٤٧٣ و ٤٧٦ و ٤٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤٩٥)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٤٧٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الغشّ، وأنه ينافي الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده هنا.
٢ - (ومنها): بيان استحقاق الوالي الغاشّ لرعيّته، النار بغشّه.
٣ - (ومنها): ما قاله أبو عوانة ﵀ بعد تخريجه الحديث: في هذا الحديث دليلٌ على أن العاصي يستوجب بعصيانه النار، إلَّا أن يلقى الله، وهو تائبٌ، فإن لَمْ يفعل فهو في مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه. انتهى (١).
стр. 2105
٤ - (ومنها): بيان التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم.
٥ - (ومنها): بيان أن هذا الغشّ من الكبائر الموبِقَة المُبْعِدة عن الجَنَّة.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجور، فمَن ضَيَّعَ مَن استرعاه الله، أو خاف دم، أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يَقْدِر على التحلل من ظلم أمّة عظيمة.
٧ - (ومنها): أن في قوله: "يموت يوم يموت، وهو غاشّ" إشارة إلى أنه لو تاب قبل الموت قُبِلت توبته.
وقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لَمْ يُغَرْغِرْ" (١).
٨ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل ﵁، حيث قام بتبرئة ذمّته، عن آفة كتمان العلم، مع علمه بقساوة هذا الوالي، وعدم انتفاعه بالموعظة، لكنه أراد أن يبلغ هذا اوحديث العظيم إلى الأمة حتى تكون على بيّنة من أمرها؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧١] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: دَخَلَ عُبيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَسْتَرْعِيِ اللهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"، قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لَأُحَدِّثَكَ).
стр. 2106
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالفقهاء الزهاد العبّاد، فكلّهم فقهاء زُهّاد عبّاد، ومما قيل في رواية يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، ما ذكره الحسن بن سفيان، قال: كنّا إذا رأينا روايةً ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، قلنا: رَيْحانة أهل خُرَاسان عن رَيْحانة أهل العراق (١).
وقوله: (وَهُوَ وَجِعٌ) بفتح الواو، وكسر الجيم؛ أي: مريضٌ، قال الفيّوميّ ﵀: وَجِعَ فلانًا رأسُهُ، أو بَطْنُهُ، يُجعَل الإنسان مفعولًا، والعضوُ فاعلًا، وقد يجوز العكسُ، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريضٌ، مُتَأَلِّمٌ، ويقع الوجعُ على كلّ مرضٍ، وجمعه: أَوْجَاعٌ، مثل سَبَبٍ وأَسباب، ووِجَاعٌ أيضًا بالكسر، مثل: جَبَلٍ وجِبَالٍ، وقومٌ وَجِعُونَ، ووَجْعَي، مثلُ: مَرْضَي، ونساءٌ وَجِعَات، ووَجَاعَي، وربما قيل: أوجعه رأسُهُ بالألف، والأصل: وَجِعَهُ أَلَمُ رأسه، وأوجعه أَلَمُ رأسه، لكنه حُذِفَ؛ للعلم به، وعلى هذا فيقال: فلان مَوْجُوعٌ، والأجود مَوْجُوعُ الرأس، وإذا قيل: زيد يَوْجَعُ رَأْسَهُ بحذف المفعول، انتصب الرأسُ وفي نصبه قولان: قال الفراء: وَجِعْتَ بَطْنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أَمْرَكَ، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفراء: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصلُ: وَجِعْتَ مِنْ بطنك، ورَشِدتَ في أمرك؛ لأن المُفَسِّرات عند البصريين لا تكون إلَّا نكراتٍ، وهذا على القول بجعل الشخصِ مفعولًا واضحٌ، أما إذا جُعِل
стр. 2107
الشخصُ فاعلًا، والعضوُ مفعولًا، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، وتَوَجَّعَ: تَشَكَّي، وتَوَجَّعتُ له من كذا: رَثَيتُ له. انتهى كلام الفيّومي ﵀ (١).
وقوله: (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عبيد الله بن زياد معقلَ بن يسار ﵁ عن مرضه، وعما يَحتاج إليه من العلاج، أو غيره.
ويحتمل أن يكون معناه أنه سأله أن يُحدّثه بما سمعه من النبيّ ﷺ ، ويؤيّد هذا ما في رواية أبي نعيم قال: دخل عبيد الله على معقل بن يسار، فقال: حدّثني بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فقال معقلٌ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من استُرعي رعيّةً، فمات، وهو لها غاشّ، حَرَّمَ الله عليه الجنّة".
وقال بعضهم: معنى سأله: طلب أن يدعو له معقل؛ أي: لكونه من أهل الفضل والصلاح؛ لأنه صحابيّ، وفيه بعدٌ؛ لما سبق من حال عبيد الله، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير عبيد الله (أَلَّا) بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهي في الأصل للتحضيض، ولكنها هنا للتوبيخ، ويحتمل أن تكون بتخفيف اللام، وهي أيضًا تأتي للتوبيخ والإنكار، كقوله [من الطويل]:
أَلَا ارْعِوَاءَ لِمَنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ … وَآذَنَتْ بِمَشِيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ (٢)
وقوله: (مَا حَدَّثْتُكَ) "ما" نافية.
وقوله: (أَوْ لَمْ كُنْ) "أو" للشكّ من الراويّ.
وقوله: (لَأُحَدِّثَكَ) في محلّ نصب على أنه خبر "أكن"، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، واللام المكسورة التي في أوله تُسمّى لام الجحود، وتُضْمَرُ بعدها "أن" وُجوبًا.
وقد تقدّم سبب عدم تحديثه له إلى أن جاء موته، من كونه لا ينفعه الوعظ، بل يزيده عتوًّا، ويبطش به، فخاف على نفسه، ثم لما خشي عند موته من آفة كتمان العلم حدّثه؛ - قيامًا بما وجب عليه من التبليغ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2108
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي: الْجُعْفِيَّ - عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرَشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقة [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (حُسَيْن الْجُعْفيُّ) هو: الحُسين بن عليّ بن الوليد الكوفيّ المقريّ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (٣) أو (٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (هِشَامٌ) بن حسّان الأزديّ القُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يُرسل عنهما [٦] (ت ١٤٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف هذا الحديث من رواية هشام بن حسّان عن الحسن، وقد عرفت أن فيه مقالًا؟.
[قلتُ]: إنما أخرج له متابعةً لا أصالةً، فقد رواه قبل هذا من رواية أبي الأشهب، ويونس بن عبيد، وهما ثبتان، على أن يونس من أثبت الناس في الحسن، فلا يضرّ الكلام في هشام، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ) الفاعل ضمير هشام بن حسّان.
وقوله: (قَالَ الْحَسَنُ) أي: البصريّ.
وقوله: (كُئا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) هذا فيه تصريح من الحسن بأنه حضر القصّة، وسمع محاورة معقل ﵁، مع عبيد الله.
стр. 2109
وقوله: (نَعُودُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم "كان".
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) الضمير لهشام بن حسّان (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا) أي: بمعنى حديث أبي الأشهب، ويونس بن عُبيد.
[تنبيه]: رواية هشام عن الحسن التي أحالها المصنّف ﵁، أخرجها الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٢٠٧) (٤٧٢) فقال:
حدّثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا أبي، (ح) وحدّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهانيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، قالا: ثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمِيِّ، قالا: ثنا وهب بن جرير، (ح) وحدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحُباب، ثنا أبو موسى محمد بن المثنّى، قالا: ثنا عبد القدّوس بن الجواري، أبو الحواري (١)، قالا: ثنا هشام بن حسّان، عن الحسن، عن معقل بن يسار، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من استرعاه الله رَعِيّةً، فمات، وهو غاشّ لها، إلَّا حَرّم الله عليه الجنّة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيح، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زَيادٍ، عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِه، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت، لَمْ أُحَدِّثْكَ بِه، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَا مِنْ أَمِيرٍ، يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ، وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ").
стр. 2110
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
[تنبيه]: "الْمِسْمَعِيُّ" - بكسر الميم الأولي، وفتح الثانية -: نسبة إلى مِسْمَع بن ربيعة (١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّسْتَوَائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدودقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر الدَّسْتَوَائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأسُ الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٧ - (أَبُو الْمَلِيحِ) بْنُ أُسَامَةَ الْهُذَليّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عُمير، وقيل: ابن عامر بن عُمَير بن حُنَيف بن ناجية بن عَمْرو بن الحارث بن كَثير بن هند بن طابِخَة بن لِحْيَان بن هُذيل، وقيل: ابن عُمير بن عامر بن أُقَيْش، اسمه عُمَير بن حُنَيف، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، ومَعْقِل بن يسار، ونُبَيشة الهُذَليّ، وعوف بن مالك، وعائشة، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع، وأبي عَزّة الهُذَليّ، وابن عُمر، وابن العاص، وبُريدة بن الحُصَيب، وجابر، وأنس، وعبد الله بن عُتبة بن أبي سفيان، وعبد الله بن سَلِيط، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده: عبد الرَّحمن، ومحمد، ومُبَشِّر، وزياد، وأيوب،
стр. 2111
وخالد الحذّاء، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وسالم بن أبي الجعد، وعبد الله بن أبي حُمَيد الهُذَليّ، وأبو قِلابة الجَرْميّ، وقتادة بن دِعامة، وأبو تميمة الهُجَيميّ، ويزيد الرِّشْك، وأبو عبد الدائم الهَداديُّ، ومَطَر الوَرَّاق، والحَكَم بن فَرُّوخ، وعلي بن زَيد بن جُدْعان، وآخرون.
قال أبو زرعة، وابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال ابن سعد: توُفّي سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال ابن حبّان: ومنهم من زعم أنه مات سنة ثمان ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٤٢) وأعاده في "كتاب الإمارة"، و (١١٤١): "أيامُ التشريق أيام أكل وشرب"، و (١١٥٩): "أما يَكفيك من كلّ شهر ثلاثةُ أيّام … ".
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه إسحاق، فإنه مروزيّ، وفيه أبو المَلِيح مشهور بكنيته، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد أسلفت آنفًا عدّة ما رواه له المصنّف ﵀ فيه، وليس في "صحيح مسلم" من يُكنى بهذه الكنية غيره، ويوجد في غيره ممن يُكنى بها اثنان:
[أحدهما]: أبو المَلِيح الرَّقِّيّ، واسمه الحسن بن عمر، أو عَمْرو بن يحيى الفزاريّ مولاهم، ثقة [٨] أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة.
[والثاني]: أبو المَلِيْح الفارسيّ المدنيّ الخَرّاط، واسمه: صَبِيح، وقيل: حُميد، ثقةٌ [٧]، أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد" والترمذيّ، وابن ماجة.
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا … إلخ) قد سبق الكلام على هذا قريبًا، فلا تغفل.
وقوله: (لَوْلَا أَنِّي في الْمَوْتِ) أي: في سياق الموت، وفي حضوره.
وقوله: (لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ) أي: خوفًا من جراءتك، وظلمك لمن عاديته.
وقوله: (يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ) مضارع وَلي من باب ورث يرث، يقال: وَليتُ الأمرَ أَلِيه بكسرتين، وِلايةً بالكسر: تولّيتُهُ، والوَلايةُ بالفتح، والكسر: النُّصرة (١).
стр. 2112
وقوله: (ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ) بفتح أوله وثالله، وسكون ثانيه؛ أي: يجتهد، وفي "القاموس": جَهَدَ، كمَنَعَ: جَدَّ، واجتهدَ.
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" أنه وقع في رواية أبي المليح بلفظ: "ثم لا يَجِدّ لهم" بجيم، ودال مشدّدة، من الجدّ بالكسر: ضدّ الهزل. انتهى (١).
قال الجامع: لَمْ أجد هذا اللفظ في النسخ التي بين يديّ من "صحيح مسلم"، بل كلّها بلفظ: "ثم لا يَجْهَد لهم"، ولعل صاحب "الفتح" - وهو إمام في النقل - وجد نسخة كما ذكره، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَيَنْصَحُ) تقدّم في الرواية السابقة إثبات الغشّ، وفي هذه الرواية نفي النصيحة، ومعنى الروايتين واحد؛ لأن الغشّ ضدّ النصيحة.
قال في "الفتح": ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، وحبس حقوقهم، وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم ودنياهم، وبإهمال إقامة الحدود فيهم، ورَدْع المفسدين منهم، وترك حمايتهم، ونحو ذلك. انتهى (٢).
وقوله: (إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ) وللطبراني في "الأوسط": "إلَّا كَبَّه الله على وجهه في النار".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "لَمْ يدخل معهم الجنّة" يُشير إلى صحّة ما ذكرناه، من أنه لا يدخل الجنّة في وقت دون وقت، وهو تقييد للرواية الأخرى المطلقة التي لَمْ يُذكر فيها "مَعَهم". انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦٧) - (بَابُ رَفْعِ الأَمَانَة، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ)
[٣٧٤] (١٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، وَوَكِيعٌ، (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ زيدِ بْنِ
стр. 2113
وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْن، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظَرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَال، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّة، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَة، قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْت، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ حَصًى، فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ - فَيُصْبحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ"، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؟، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَى دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَى سَاعِيه، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا).
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، تقدم قبل باب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْرَان الإمام الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (زيدُ بْنُ وَهْبٍ) الجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ جليلٌ، لَمْ يُصِبْ من قال: في حَديثه خَلَلٌ [٢].
رَحَلَ إلى النبي ﷺ ، فقُبِض وهو في الطريق، ورَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والحَكَم بن
стр. 2114
عُتيبة، والأعمش، ومنصور، وحُصين، وعبد العزيز بن رُفيع، وسَلَمَة بن كُهيل، وطلحة بن مُصَرِّف، وحبيب بن أبي ثابت، وحماد بن أبي سليمان، وعَدِيّ بن ثابت، وعبد الملك بن ميسرة، وجماعة.
قال زهير عن الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه. وقال ابن معين: ثقة: وقال ابن خَرَاش: كوفي ثقة، دخل الشام، وروايته عن أبي ذر صحيحة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وابن منده: أسلم في حياة النبي ﷺ وهاجر إليه، فلم يدركه. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير (١). وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، تُوفي في ولاية الحجَّاج بعد الجماجم. وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست وتسعين. وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى قول يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، فأجاد وأفاد، ونصّه في "ميزان الاعتدال":
زيد بن وهب من أجلة التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به، إلَّا ما كان من يعقوب الفسويّ، فإنه قال في "تاريخه": في حديثه خلل كثير، ولم يصب الفسويّ، ثم إنه ساق من روايته قول عمر: "يا حذيفة بالله أنا من المنافقين؟ "، قال: وهذا مُحال أخاف أن يكون كذبًا، قال: ومما يُستَدَلُّ به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة: "إن خَرَج الدجال تبعه من كان يحب عثمان"، ومن خلل روايته قوله: حدثنا والله أبو ذر بالرَّبَذَة قال: "كنت مع النبي ﷺ ، فاستقبلنا أحد … "الحديث.
فهذا الذي استنكره الفسويّ من حديثه، ما سُبِق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا، لرددنا كثيرًا من السنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفتح علينا في زيد بن وهب خاصّة باب الاعتزال، فردوا حديثه الثابت عن ابن مسعود، حديث الصادق المصدوق، وزيد سيد، جليل القَدْر. انتهى المقصود من كلام
стр. 2115
الذهبيّ ﵀ لهُ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل العَبْسيّ، حليف الأنصار، الصحابيّ الجليل، مات ﵁ في أول خلافة عليّ ﵁ سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٥٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، في أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، وحذيفة ﵁ مدائنيّ كوفيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد المشايخ التسعة الذين اتّفق أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش بعد الثوريّ.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن زيد بن وهب.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁، من السابقين الأولين، وقصّة إسلامه مشهورة في "الصحيح"، وهو صاحب سِرّ رسول الله ﷺ ، أعلمه بأسماء المنافقين، وغيرها من المغيّبات، فقد أخرج المصنّف ﵀ أن رسول الله ﷺ أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعهّ، وأبوه صحابيّ أيضًا، استُشهد بأُحد ﵄، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْمَشِ) هكذا عنعنعه الأعمش، وهو مدلّس، وقد تقدّم الجواب
стр. 2116
عن هذا في "شرح المقدّمة"، فراجعه (عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁ ـ أنه (قَالَ: حَدَّثنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) قال النوويّ ﵀: معناه: حدثنا حديثين في الأمانة، وإلا فروايات حذيفة ﵀ كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، قال صاحب"التحرير" وعنى بأحد الحديثين قوله: "حَدَّثَنَا أن الأمانة نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال"، وبالاني قوله: "ثم حَدَّثنا عن رفع الأمانة … " إلى آخره. انتهى (١).
(قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ) الظاهر أن المراد بها التكليف الذي كَلَّف الله تعالى به عباده، والعهدُ الذي أخذه عليهِم، قال الإمام أبو الحسن الواحديّ ﵀ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]: قال ابن عباس ﵄: هي الفرائض التي افترضها الله تعالى على العباد، وقال الحسن: هو الدينُ والدين كلُّه أمانة، وقال أبو العالية: الأمانةُ ما أُمِروا به، وما نُهُوا عنه، وقال مقاتل: الأمانة الطاعة، قال الواحديّ: وهذا قول أكثر المفسرين، قال: فالأمانة في قول جميعهم: الطاعة، والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب، وبتضييعها العقاب، والله تعالى أعلم.
وقال صاحب "التحرير": الأمانة في الحديث: هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد، قام حينئذٍ بأداء التكاليف، واغتَنَمَ ما يَرِدُ عليه منها، وَجَدَّ في إقامتها، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الأمانة: كلُّ ما يُوكَلُ إلى الإنسان حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، ومن هنا سُمّي التكليف أمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] في قول كثير من المفسّرين. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": قال ابن التين: "الأمانة": كلّ ما يَخْفَى ولا يعلمه،
стр. 2117
إلَّا الله من المكلَّف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أُمروا بها، ونُهُوا عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: التكاليف، وقيل: العهد الذي أَخَذه الله على العباد، وهذا الاختلاف وقع في تفسير الأمانة المذكورة في الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقال صاحب "التحرير": الأمانة المذكورة في الحديث، هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب، قام بأداء ما أُمر به، واجتَنَب ما نُهِي عنه. انتهى (١).
(نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) الجِذْر - بفتح الجيم، وكسرها، لغتان، وبالذال المعجمة فيهما -، وهو الأصل. قال القاضي عياض ﵀: مذهب الأصمعيّ في هذا الحرف فتح الجيم، وأبو عمرو يكسرها.
قال القرطبيّ ﵀: معنى إنزال الأمانة في القلوب أن الله تعالى جَبَلَ القلوبَ الكاملة على القيام بحقّ الأمانة من حفظها، واحترامها، وأدائها لمستحقّها، وعلى النَّفْرة من الخِيَانة فيها؛ لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنَّها حسنةٌ في ذاتها كما يقوله المعتزلة، على ما يُعرف في موضعه.
(ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآن، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) ولفظ البخاريّ من طريق الثوريّ، عن الأعمش: "ثم علموا من القرآن، ثم عَلِموا من السنّة"، قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية بإعادة "ثُمّ"، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السُّنَن، والمراد بالسنن ما يَتَلَقَّونه عن النبيّ ﷺ واجبًا كان، أو مندوبًا. انتهى (٢).
(ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الْأَمَانَةِ) هذا هو الحديث الثاني الذي ذَكَرَ حذيفة ﵁ أنه ينتظره، وهو رفع الأمانة أصلًا، حتى لا يبقى مَن يوصف بالأمانة إلَّا النادر.
ولا يَعْكِرُ (٣) على هذا ما ذكره في آخر الحديث، مما يدُلّ على قلة مَن
стр. 2118
ينسب للأمانة، فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: "ما كنتُ أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا"، هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقلُّ، وأما الذي ينتظره، فإنه حيث تُفْقَدُ الأمانة من الجميع إلَّا النادر، قاله في "الفتح" (١).
(قَالَ) ﷺ ("يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ) بفتح، فسكون: المرّة من النوم، كما قال في "الخلاصة":
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَـ "جَلْسَهْ" … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـ "جِلْسَهْ"
(فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) ببناء الفعل للمفعول، أي: تنزع منه، وقال في "المرقاة": أي: يُقبض بعضها، كما يدلّ عليه ما بعده، والمعنى: يُقبَضُ بعض ثمرات الإيمان. انتهى (٢).
(فَيَظَلُّ) - بفتح أوله، وثانيه، وتشديد اللام -؛ أي: فيصير (أَثَرُهَا) أي: أثر الأمانة، وهو ثمرة الإيمان، والمعنى أن الأمانة تَذْهَب حتى لا يبقى منها إلَّا الأثر الموصوف في الحديث.
(مِثْلَ الْوَكْتِ) بفتح الواو، وسكون الكاف، آخره تاء مثنّاة فوقيّة: هو الأثر اليسير، كذا قاله الهَرَويّ، وقال غيره: هو سوادٌ يسير، وقيل: هو لونٌ مخالفٌ للّون الذي كان قبله، قاله النوويّ ﵀.
وقال الهَرَويّ ﵀: "الْوَكْتُ": الأثر اليسير، يقال للْبُسْر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب: قد وَكَّتَ، وقال صاحب "العين": الوَكْتُ بفتح الواو: نُكْتةٌ في العين، وعينٌ مُوَكوتةٌ، والوكتُ سواد اللون، قال أبو عبيدة: هو اليسير منه، ويقال: قد وَكَّتَ البُسْرُ والزَّهْوُ: إذا ظهرت فيه نُكتةٌ من الإرطاب من جانبها، وبُسْرَةٌ مُوَكَّتَةٌ، فإذا كان من طَرَفها، فهي مُذَنِّبَةٌ. انتهى (٣).
(ثمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ) - بفتح الميم، وإسكان الجيم وفتحها -، لغتان حكاهما صاحب "التحرير"، والمشهور الإسكان، قاله النوويّ.
стр. 2119
وقال المجد ﵀: مَجَلَت يدُهُ، كنصَرَ، وفَرِحَ، مَجْلًا - بفتح الميم، وسكون الجيم -، ومَجَلًا بفتح الجيم، ومُجُولًا: نَفِطَت من العمل، فَمَرَنَتْ، كأَمْجَلَت. انتهى (١).
وقال ابن بطّال ﵀: المَجلُ: أثرُ العمل باليد، يعالج به الإنسان الشيءَ حتى تغلُظ جلودها، يقال منه: مَجِلت يدُهُ، ومَجَلت لغتان، وذكر الحربيّ عن ابن الأعرابيّ: المجلُ: النفط باليد ممتلئ ماءً، وقال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماءٌ قيل: مجلت يده تمجل، ونَفِطَت تَنْفَط نَفَطًا، ونَفِيطًا (٢). انتهى (٣).
قال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة والغريب: المَجَلُ: هو التَّنَفُّط الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها، ويصير كالقبة، فيه ماء قليل. انتهى (٤).
(كَجَمْرٍ) بفتح الجيم، وسكون الميم: جمعُ جَمْرةِ النار، وهي القطعة المُلْتَهِبة، قاله في: "المصباح"، وقال في "القاموس": الجَمْرَةُ: النارُ المُتَّقِدَةُ: جمعها جَمْرٌ. انتهى (٥).
وهو بدلٌ من "أثر المجل"، أي: يكون أثرها في القلب كأثر جمر، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هو - يعني: أثر المجل - كائن كجمر (دَحْرَجْتَهُ) أي: قلبتَ، ودوّرت ذلك الجمر (عَلَى رِجْلِكَ) بكسر الراء، وسكون الجيم: القدم، أو من أصل الفخذ إلى القدم، جمعه: أرجُلٌ، قاله في: "القاموس"، وقال في "المصباح": رِجْلُ الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخذ إلى القدم، وهي أنثى، وجمعها أرجُلٌ، ولا جمع لها غير ذلك. انتهى (٦).
стр. 2120
(فَنَفِطَ) بكسر الفاء، يقال: نَفِطَت يدُهُ نَفَطًا، من باب تَعِبَ، ونَفِيطًا: إذا صار بين الجِلْد واللحم ماءٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وقال المجد ﵀: نَفِطَت، كفرِحَ نَفْطًا، ونَفَطًا، ونَفِيطًا: قَرِحت عَمَلًا، أو مَجِلَت، وأنفطها العمل. انتهى (٢).
[تنبيه]: إنما ذكّر الضمير فيه، وفي قوله: "فتراه منتبرًا"، وإن كانت الرّجْلُ مؤنّثة كما أسلفناه في عبارة "المصباح" بتأويله بالعضو، أو بالموضع المدَحْرَج عليه الجمرُ.
وقال النوويّ: وقوله: "نَفِطَ"، ولم يقل: نَفِطَت مع أن الرجل مؤنثةٌ، إما أن يكون ذَكَّرَ نَفِطَ اتباعًا للفظ الرِّجْل، وإما أن يكون اتباعًا لمعنى الرّجْل، وهو العضو. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "اتباعًا للفظ الرِّجْل" محلُّ نظر، فالوجه الثاني هو الأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَتَرَاهُ) أي: ترى الموضع المدحرج عليه الجمرُ (مُنْتَبِرًا) بكسر الموحدة: أي: مرتفعًا، قال عياضٌ ﵀: أصل هذه اللفظة من الارتفاع، ومنه انتَبَرَ الأميرُ: إذا صَعِدَ على المِنْبَر، وبه سُمّي المِنبَر مِنْبَرًا؛ لارتفاعه، ونَبَرَ الجُرْحُ؛ أي: وَرِمَ، والنَّبْرُ: نوعٌ من الذباب يَلْسَع الإبل، فَيَرِمُ مكانُ لَسْعَته، ومنه سُمّي الهمز نَبْرًا؛ لكون الصوت على حال من الارتفاع، لا يوجد في غير هذا الحرف، وكلُّ شيء ارتفع فقد نَبَرَ، قال أبو عُبيد: "مُنْتَبِرًا: مُتَنَفّطًا". انتهى (٤).
(وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) أي: ليس في ذلك المنتبر شيءٌ صالح، وإنما هو ماءٌ فاسد.
وحاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة، وأن الموصوف بالأمانة يُسْلَبها حتى يصير خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع على ما هو مُشاهَدٌ لمن خالط أهلَ الخيانة، فإنه يصير خائنًا لأن القرين يقتدي بقرينه (٥).
стр. 2121
(ثُمَّ أَخَذَ) الظاهر أن الضمير للنبيّ ﷺ ، ويحتمل أن يكون لِحُذيفة ﵁ (حَصًى) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، وهو ظاهر، ووقع في أكثر الأصول: "ثم أَخَذَ حصاةً، فدحرجه"، بإفراد لفظ "الحصاة"، وهو صحيح أيضًا، ويكون معناه: دَحْرَجَ ذلك المأخوذَ، أو الشيءَ، وهو الحصاة. انتهى (١).
و"الحَصَى" - بفتحتين -: صغار الحجارة، والواحدة حَصَاةٌ، وجمعه: حَصَيات، وحِصيّ بضم الحاء، وكسرها، مع كسر الصاد، قاله المجد ﵀ (٢).
(فَدَحْرَجَهُ) أي: قلبه (عَلَى رِجْلِهِ) قال صاحب "التحرير": معنى الحديث: أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أوَّل جزء منها زال نورها، وخَلَفته ظلمة، كالوكت، وهو اعتراضُ لون مخالفٍ للّون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر، صار كالمَجْل، وهو أَثَرٌ مُحْكَمٌ، لا يكاد يزول إلَّا بعد مدّة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شَبَّهَ زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله، حتى يُؤَثِّر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التنفيط، وأَخْذُه الحصاةَ، ودَحْرَجته إياها أراد بها زيادة البيان، وإيضاح المذكور، والله تعالى أعلم (٣).
وقيل: المراد أن الأمانة تُرفع عن القلوب عقُوبةً لأصحابها على ما اجترحوا من الذنوب، حتى إذا استيقظوا من منامهم لَمْ يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه، ويبقى فيه أثرٌ تارةً مثلَ الوكت، وتارة مثلَ الْمَجْل، وهو انتفاط اليد من العمل، و"المَجْلُ" وإن كان مصدرًا إلَّا أن المراد به هنا نفس النفطة، وأراد به خلوّ القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها (٤).
وقال ابن العربيّ ﵀: المراد بالأمانة في حديث حُذيفة ﵁: الإيمان، وتحقيقُ ذلك فيما ذَكَرَ من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تُضْعِف الإيمان، حتى إذا تناهى الضعف، لَمْ يبقَ إلَّا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان،
стр. 2122
والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبّهه بالأثر في ظاهر البدن، وكَنَى عن ضعف الإيمان بالنوم، وضَرَبَ مثلًا لزُهُوق الإيمان عن القلب حالًا بزهوق الحجر عن الرِّجْل حتى يقع بالأرض. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: "ثمّ " في قوله: "ثمّ ينام النومة" للتراخي في الرتبة، وهي نقيض (٢) "ثمّ" في قوله: "ثمّ عَلِمُوا من القرآن، ثمَّ عَلِموا من السنّة"، كما أن علم القرآن والسنّة يزيد أصل الأمانة في القلوب، ويُربّيها، كذلك ينقص استمرار رفع الأمانة وقبضها من أثرها، فإن أثر المجل المشبَّهَ بالنفاطة التي ليس فيها شيء أبلغ في الخلوّ من أَثَر الوَكت، وفيه تشبيهان مفردان، شُبّهت حالهما مجموعةً بحالة جمرٍ أَثّرَ في عُضْوٍ، ثم نَفِطَ، وارتفع، وإنما شبّه أوّلًا أثر الأمانة بأثر الوَكْت، ثم ثانيًا بأثر المَجْل، ثمّ شبّههما بالجمرة المُدَحْرجة على الرِجْل تقبيحًا لحالهما، وتهجينًا؛ لتستنفر عنها النفس وتعافها، فإن الأمانةَ والخيانة ضدّان، فإذا ارتفعت إحداهما عاقبتها الأخرى. انتهى (٣).
(فَيُصْبحُ النَّاسُ) أي: يدخلون في الصباح، أو المراد يصيرون (يَتَبَايَعُونَ) أي: يجري بينهم التبايع، ويقع عندهم التعاهد (لَا يَكَادُ) أي: لا يقرب (أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ) أي: بل يظهر من كلّ أحد منهم الخيانة في المبايعة، والمواعدة، والمعاهدة، ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثرُ كمال الإيمان، فإذا نقصت الأمانة نقص الإيمان، وبطل الإيقان، وزال الإحسان، وقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده"، وصححه ابن حبّان عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما خطبنا نبي الله ﷺ إلَّا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دِينَ لمن لا عهد له" (٤).
(حَتَّى يُقَالَ) أي: من غاية قلّة الأمانة في الناس (إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا
стр. 2123
أَمِينًا) أي: كامل الأمانة (حَتَّى يُقَالَ) في ذلك الزمان (لِلرَّجُلِ) أي: من أرباب الدنيا، ممن له عقلٌ في تحصيل المال، والجاه، وطبعٌ في الشعر والنثر، وفصاحة، وبلاغةٌ، وصباحةٌ، وقوّة بدنيّة، وشجاعة، وشوكة (مَا أَجْلَدَهُ) "ما" تعجّبيةٌ، أي: يقال له هذا تعجّبًا من كمال جَلَده - بفتحتين - وهو القوّة والشدّة (١). (مَا أَظْرَفَهُ) أي: ما أحسنه، قال القرطبيّ ﵀: الظرف عند العرب في اللسان والجسم، وهو حُسنهما، وقال ابن الأعرابيّ: الظرف في اللسان، والحلاوة في العين، والملاحة في الفم، وقال المبرِّد: الظريف مأخوذ من الظَّرْف، وهو الوِعَاء، كأنه جُعِل وعاءً للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُف يَظْرُفُ ظَرْفًا، فهو ظَرِيفٌ، وهم ظُرَفاءُ، وإنما يقال في الفتيان والفَتَيات أهل الخِفّة. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: الظَّرْفُ وزانُ فَلْسٍ: البَرَاعَةُ، وذَكَاءُ القلب، وظَرُفَ بالضمّ ظَرَافَةً، فهو ظَرِيفٌ، قال ابنُ القُوطيّة: ظَرُفَ الغلام والجارية، وهو وصفٌ لهما لا للشيوخ، وبعضهم يقول: المراد الوصفُ بالحُسْن والأدب، وبعضهم يقول: المراد الكَيْسُ، فيعمّ الشباب والشيوخ. انتهى (٣).
(مَا أَعْقَلَهُ) أي: ما أحسن فهمه وتدبيره للشيء، يقال: عَقَلتُ الشيءَ عَقْلًا، من باب ضَرَبَ: تدبّرتُهُ، وعَقِلَ يَعْقَلُ، من باب تَعِبَ لغةٌ فيه، ثم أُطلق العقل الذي هو مصدر على الحِجَا واللُّبّ، ولهذا قال بعض الناس: العقلُ غَرِيزة يتهيّأُ بها الإنسان إلى فهم الخطاب، فالرجل عاقلٌ، والجمعُ عُقّالٌ، مثلُ: كافر وكُفّار، وربّما قيل: عُقَلاءُ، وامرأة عاقلٌ، وعاقلةٌ، كما يقال فيها: بالغٌ، وبالغةٌ، والجمعُ عَوَاقل، وعاقلات، قاله الفيّوميّ ﵀ (٤).
وحاصله أنهم يمدحونه بكمال عقله، وظرافة حاله، وجَلَد بدنه، وقوّة بنيته، ولا يمدحونه بقوّة إيمانه، وغزارة علمه النافع، وعمله الصالح، كما أكّد ذلك بقوله:
(وَمَا فِي قَلْبِهِ) الواو للحال، و"ما" نافية، أي: والحال أنه ليس في قلبه
стр. 2124
(مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أي: مقدار شيء قليل (مِنْ خَرْدَلٍ) "من" بيانيّة لـ "حبّة"، أي: هي خردلٌ، وهو: حَبُّ شجر معروف، قاله المجد ﵀ (١)، وقوله: (مِنْ إِيمَانٍ") متعلِّق بحال من "مثقال"؛ لتخصّصه بالإضافة، وتقدّم النفي عليه، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْى أَوْ مُضَاهِيهِ كَلَا … يَبْغِ امْرُؤ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلَا
أي: حال كونه كائنًا من إيمان، قال القاري ﵀: يحتمل أن يكون المراد منه نفي أصل الإيمان، أو كماله. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "من إيمان" قد يُفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمان، وليس كذلك، بل ذَكَرَ ذلك لكونها لازمة الإيمان. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: لعلّه إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: "إن الأمانة نزلت … إلخ" بالإيمان؛ لقوله آخرًا: "وما في قلبه حبّة خردل من إيمان"، فهلّا حملوها على حقيقتها؛ لقوله: "ويُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحدٌ يؤدّي الأمانة"، فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها؛ تفخيمًا لشأنها، وحثًّا على أدائها، قال ﷺ : "لا دين لمن لا أمانة له" (٣). انتهى (٤).
قال القاريّ ﵀ بعد نقله كلام الطيبيّ: إنما حملهم عليه ما ذُكر آخرًا، وما صُدّر أَوّلًا من قوله: "نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال"، فإن نزول الأمانة بمعنى الإيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين، ثم يعلمون إيقانه بتتبّع الكتاب والسنّة، وأما الأمانة فهي جزئيّة من كلّيّة ما يَتعلّق بالإيمان والقرآن، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا اختلاف بين من
стр. 2125
حمل الأمانة عل ظاهر معناها التي هي العهود، وبين مَن حملها على الإيمان؛ لأن الإيمان الحقيقيّ مستلزم للأمانة التي هي العهود، وكذلك الأمانة مستلزمة له؛ لأن العهود شامل لما بين العباد وبين ربّهم، ولما يجري بينهم، والحديث - وإن كان ظاهرًا في معنى الأمانة التي هي العهد، فإن حُذيفة ﵁ إنما ساقه لبيان فقد الأمانة من الأمة، ورفعها عنهم، فقوله: "وُيصبح الناس يتبايعون … إلخ"، وقوله: "وما أبالي أيّكم بايعت … إلخ"، وقوله: "في كنت لأبايع إلَّا فلانًا وفلانًا"، كلّ هذا ظاهر في معناها الحقيقيّ - لكنه لا ينفي شموله للعهد الذي بين العباد وبين ربهم، فيكون الخلاف في هذا لفظيًّا.
والحاصل أن الأمانة هي كلّ العهود التي بين العباد وبين ربهم، وفيما بينهم، فدخل فيها الإيمان دخولًا أوّليًّا، ولذلك قال في الأخير: "وما في قلبه مثال حبّة من خردل من إيمان"؛ إشارةً إلى فقدها كلّيّةً، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَقَدْ أتى عَلَيَّ زَمَانٌ) يشير حُذيفة ﵁ بهذا إلى أن حال الأمانة أَخَذَ في النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاته ﵁ في أول سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان لمه بقليل، فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير، فأشار إليه، قاله في "الفتح" (١).
(وَمَما) نافية (أُبَالِي) أي لا أهتمّ، قال الفيّومي ﵀: قولهم: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أهتمّ به، ولا أكترث له، ولم أُبال، ولم أُبَلْ؛ للتخفيف، كما حَذَفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصل: باليةٌ، مثلُ عافاه مُعافاةً وعافية، قالوا: ولا تُستعمل إلَّا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستقَوْا، فمعنى لا أبالي: لا أُبادرُ إهمالًا له، وقال أبو زيد: ما باليتُ به مُبالاةً، والاسم الْبِلاءُ، وزانُ كتاب، وهو الهمّ الذي تُحدّث به نفسك. انتهى (٢).
(أيَّكُمْ) "أيَّ" استفهاميّة مفعول مقدّم وجوبًا لـ (بَايَعْتُ؟) أي: أيَّ شخص بايعت، مسلمًا كان أو غير مسلم.
стр. 2126
وقوله: (بايعت) يعني: البيع والشراء، لا المبايعة؛ لأن اليهوديّ والنصرانيّ لا يُبايع بيعة الإسلام، ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني: أن الأمانة قد رُفعت من الناس، فقلّ من يُؤمن على البيع والشراء، قاله القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: معنى المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان، ومراده أني كنت أعلم أن الأمانة لَمْ ترتفع، وأن في الناس وفاءً بالعهود، فكنت أُقْدِم على مبايعة مَن اتَفَقَ، غيرَ باحث عن حاله؛ وُثوقًا بالناس وأمانتهم، فإنه إن كان مسلمًا فدِينه، وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا فساعيه، وهو الوالي عليه، كان أيضًا يقوم بالأمانة في ولايته، فَيَستخرج حقّي منه، وأما اليومَ فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وُثوقٌ بمن أبايعه، ولا بالساعي في أدائهما الأمانة، في أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا، يعني: أفرادًا من الناس أعرفهم، وأثق بهم.
قال صاحب "التحرير"، والقاضي عياض رحمهما الله تعالى: وحمل بعض العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها، من المعاقدة، والتحالف في أمر الدين، قالا: وهذا خطأ ممن قاله، وفي هذا الحديث مواضع تبطل قولَهُ، منها: "قوله: ولئن كان نصرانيًّا، أو يهوديًّا"، ومعلوم أن النصرانيّ واليهوديّ لا يُعاقَد على شيء من أمور الدين. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": مراده المبايعة في السِّلَع ونحوها، لا المبايعة بالخلافة، ولا الإمارة.
وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على مَن حَمَل المبايعة هنا على الخلافة، وهو واضح، ووقع في عبارته أن حُذيفة ﵁ كان لا يَرْضَى بأحد بعد عمر ﵁، يعني: في الخلافة، وهي مبالغة، وإلا فقد كان عثمان ﵁ ولَّاه على المدائن، وقد قُتِل عثمان، وهو عليها، وبايع لعليّ ﵁، وحَرَّضَ على المبايعة له، والقيام في نصره، ومات في أوائل خلافته.
والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أَوّلًا، كان يُقْدِم على مبايعة
стр. 2127
مَن اتَّفَقَ من غير بَحْث عن حاله، فلما بدأ التغير في الناس، وظهرت الخيانة، صار لا يبايع إلَّا مَنْ يَعْرِف حاله.
ثم أجاب عن إيرادٍ مُقَدَّر، كأنّ قائلًا قال له: لَمْ تزل الخيانة موجودةً؛ لأن الوقت الذي أشرتَ إليه، كان أهل الكفر فيه موجودين، وهم أهل الخيانة.
فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه كان يَثِقُ بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلّ عَمَلٍ قَلَّ أو جَلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه، وتخليص حقِّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه، فإنه صار لا يبايع إلَّا أفرادًا من الناس يَثِقُ بهم.
وقال ابن العربيّ : قال حذيفة ﵁ هذا القول لَمّا تغيرت الأحوال التي كان يَعرفها على عهد النبوة والخليفتين، فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكَنَى عن الإيمان بالأمانة، وعَمّا يخالف أحكامه بالخيانة. انتهى، ذكره في "الفتح" (١).
(لَئِنْ) اللام هي اللام الموطّئة للقسم، و"إن" شرطيّة، وجوابها محذوف؛ لتأخّرها، ودلالة جواب القسم عليه، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ … جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
(كَانَ) الذي أبايعه (مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَى دِينُهُ) إذ الإيمان يدعو إلى أداء الأمانة؛ امتثالًا لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٥٨] (وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) أي: الوالي عليه؛ لأنهم في ذلك الوقت لا يولّون إلَّا من كان مستقيمًا في دينه، قادرًا على إيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه، وردع أهل الفساد والبغي عن ظلمهم.
وقال في "الفتح": قوله: "ساعيه" أي: واليه الذي أُقيم عليه لِيُنصِف منه، وأكثر ما يُستعمل الساعي في وُلاة الصدقة، وَيحتمل أن يراد به الذي يتولّى قبض الجزية. انتهى (٢).
стр. 2128
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على متولّي قبض الجزية في هذا الحديث بعيدٌ، فالصواب المعنى الأول، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَأَمَّا الْيَوْمَ) أي: في الوقت الذي يتحدّث به بهذا الحديث (فَمَا كُنْتُ لِأُبايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أشخاصًا معيّنين يَثِق بهم وبدينهم وأماناتهم، وقال في "الفتح": يحتمل أن يكون ذَكَره بهذا اللفظ، ويَحتمل أن يكون سمَّى اثنين من المشهورين بالأمانة إذ ذاك، فأبهمهما الراوي، والمعنى: لستُ أَثِقُ بأحد أئتَمِنه على بيع، ولا شراء إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٧/ ٣٧٤ و ٣٧٥] (١٤٣)، و (البخاريّ) في "الرّقَاق" (٦٤٩٧)، و"الفتن" (٧٠٨٩)، و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٧٦)، و (الترمذيّ) في "الفِتَن" (٢١٧٩)، و (ابن ماجة) في "الفتن" (٤٠٥٣)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٢٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤١ و ١٤٢)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان رفع الأمانة عن القلوب، وهي التكاليف والعهود التي كلّف الله عباده بها، فهي شاملة للإيمان، وهذا وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصحابة ﵃ حيث إنهم آمنوا، ثم تعلموا الكتاب والسنّة، ثم عملوا بهما؛ لأن هذا الإيمان يكون أرسخ، وأعمق،
стр. 2129
وألزم للقلب، بخلاف العكس، ولذلك ذمّ الله تعالى الأعراب حيث قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، فالامتثال الظاهريّ إذا لَمْ يسبقه الاعتقاد الباطنيّ لَمْ يُعتبر.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ برفع الأمانة، فوقع كما أخبر به.
٤ - (ومنها): سرعة تقلّب القلوب بسبب كثرة وقوع الفتن، حيث إن الرجل ينام، فيقوم، فلا يجد قلبه على حاله قبل النوم، بل يتغيّر - سبحان من يقلّب القلوب والأبصار. ولهذا كان النبيّ ﷺ يُكثر من الدعاء بثبات قلبه على الإيمان، فقد أخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول: "يا مقلّب القلوب، ثَبّتْ قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله، آمَنّا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يُقَلِّبها كيف يشاء".
٥ - (ومنها): بيان فضل قرن الصحابة ﵃ على من بعدهم، حيث كانت الأمانة كاملة فيهم.
٦ - (ومنها): استعمال التشبيه في التعليم؛ لزيادة الإيضاح.
٧ - (ومنها): بيان أن فضل الإنسان في كمال أمانته، لا في كمال قوّته، وشجاعته، وحسن تدبيره في الأمور الدنيويّة، فإن هذه لا اعتبار لها إلَّا مع قوّة الإيمان وكماله.
٨ - (ومنها): أن حسن الوفاء بالعهد، وحسن التعامل مع الناس يدلّ على كون الإنسان أمينًا، وأن الخيانة تنافي الإيمان؛ لأنَّها من صفات المنافق، كما سبق حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَلّةٌ منهن، كانت فيه خُلَّة من نفاق، حتى يَدَعَها، إذا حَدّث كَذَب، وإذا عاهد غدر، وإذا وَعَد أخلف، وإذا خاصم فجر"، متَّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2130
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، (ع) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا، عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمون ٨١، (ت ١٨٧) وقيل: سنة (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وإسحاق: هو ابن راهويهْ تقدّم في الباب الماضي، والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ) يعني: أن الثلاثة، وهم: عبد الله بن نُمير، ووكيع، وعيسي، كلهم رووه عن الأعمش.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حُذيفة ﵁، ومتنه مثل متنه.
[تنبيه]: أما طريق وكيع، فقد ساقها المصنّف في الحديث الماضي، وأما طريق عبد الله بن نُمير، فساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٥٢)، فقال:
(١٤١) حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا عبد الله بن نُمير، قال: ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين، فرأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة تنزل في جِذْر قلوب الرجال، ونزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، ثم حدَّثنا
стр. 2131
عن رفعها - يعني: الأمانة - فينام الرجل النومة، فتُقبَض الأمانة من قلبه، فيَظَلّ أثرها كأثر الوَكْت، ثم ينام النومة، فتُنْزَع الأمانة من قلبه، فَيَظَلّ أثرها كأنها المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك، فَنَفِطَ، فتراه مُنتبِرًا، وليس فيه شيء، ولقد كنت وما أبالي أيَّكم بايعتُ، لئن كان مسلمًا، لَيَرُدّنَه عليّ دينه، وإن كان نصرانيًّا ليردنه عليّ ساعيه، وأما اليوم فإني لَمْ أكن لأبايع منكم إلَّا فلانًا وفلانًا، فيصبح الناس يتبايعون، وما يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، وحتى يقال للرجل: ما أجلده، وما أظرفه، وأعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان". انتهى.
وأما طريق عيسى بن يونس، فساقها الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (١٥/ ١٦٤)، فقال:
(٦٧٦٢) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حُذيفة، قال: حَدّثنا رسول الله ﷺ حديثين، فرأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أنّ الأمانة نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال، ونَزَل القرآن، فعلموا من القرآن، وعَلِمُوا من السنة، ثم حدّثنا عن رفعها، قال: ينام الرجال نومة، فتُقْبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرُها مثل أَثَر الوَكْت، ثم ينام الرجل نومةً، فتُقبض الأمانة من قلبه، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك، فتراه مُنتبرًا، وليس فيه شيء، فيُصبح الناس يتبايعون، ولا يكاد أحدٌ يُؤدّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، وحتى يقال للرجل: ما أجلده، وأطرفه (١)، وأعقله، وليس في قلبه مثقال حبة خردل من خير، ولقد أتى عليّ زمان، وما أُبالي أيَّكم بايعته، لئن كان مؤمنًا ليردنَّه عليّ دينُه، ولئن كان يهوديًّا أو نصرانيًّا ليردنَّه عليّ ساعيه، فأما اليوم في كنت أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا. انتهى، الله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٣ - (رِبْعِيّ) بن حِرَاش العَبْسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
وشيخ المصنّف، والصحابيّ تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى سعد بن طارق، فعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "يعني: سليمان بن حيّان"، وذلك أن شيخه ابن نمير لَمْ يذكر شيخه باسمه، وإنما ذكره بكنيته، فأراد المصنّف أن يبيّنه لمن يُحدِّثهم، فزاد كلمة "يعني"؛ فصلًا بين كلامه وكلام شيخه، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوغ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بِنَحْوِ "يَعْنِي" أَوْ بِـ "أَنَّ" … أَوْ بِـ "هُو" أنها إِذَا أتَمَّهُ أَوَّلَه
أَجِزْهُ فِي البَاقِي لَدَى الجُمْهُورِ … وَالفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ المَذْكُورِ
وقد تقدمت إحالة هذا غير مرّة، وإنما أعدّته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم: سعد، عن رِبعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ رِبْعِيٍّ) - بكسر الراء، وسكون الموحدة - ابن حِرَاش - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الراء، آخره شين معجمة -.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه المصنّف هنا من طريق أبي خالد الأحمر، عن رِبْعيّ، وتابعه مروان بن معاوية، ونعيم بن أبي هند في الروايتين التاليتين، وأخرجه البخاريّ من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وتابعه جامع بن شدّاد، عن أبي وائل.
стр. 2134
[فإن قلت]: كيف اختار المصنّف ﵀ رواية أبي خالد الأحمر، وأحال غيرها عليها، مع أن غيره أحفظ منه؟.
[قلت]: لعله اختارها لكونها مسموعة له، أو نحو ذلك، والله تعالى أعلم.
(عَنْ حُذَيْفْةَ) بن اليمان ﵄، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁، وفي رواية مروان بن معاوية التالية: "لَمّا قَدِم حُذيفة من عند عمر، جلس، فحدّثنا، فقال: إن أمير المؤمنين أمسِ لَمّا جلس سأل أصحابه، أيّكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتن … "، وفي رواية نُعيم بن أبي هند، الآتية: "أن عمر قال: من يُحدّثنا؟ أو قال: أيّكم يحدّثنا؟ وفيهم حُذيفة … إلخ".
(فَقَالَ) أي: عمر ﵁ (أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ )، وفي الرواية الآتية في "الفتن" من طريق الأعمش، عن شقيق، عن حُذيفة قال: "كنا عند عمر، فقال: أيّكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ " (يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟) - بكسر، ففتح -: جمع فتنة، قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء، والامتحان، والاختبار، قال القاضي عياض ﵀: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كَشَفَه الاختبارُ عن سوء، قال أبو زيد: فُتِن الرجلُ يُفْتَن فُتُونًا: إذا وَقَع في الفتنة، وتَحَوّل من حال حسنة إلى سيئة.
(فَقَالَ قَوْمٌ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الآتية في "الفتن" المذكورة: "قال: أنا، قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ … "، ولفظ البخاريّ: "أنا أحفظ كما قال، قال: هاتِ إنك لجريء".
ويمكن الجمع بأنه شارك بعض الناس حذيفة في كونه سمعه منه ﷺ ، ولكن حذيفة ﵁ تولّى الجواب، والله تعالى أعلم.
(نَحْنُ سَمِعْنَاهُ) ﷺ يذكر الفتنة (فَقَالَ) عمر ﵁، وظاهر هذه الرواية أن عمر ﵁ سمع هذا من النبيّ ﷺ "، كما سمعه حُذيفة ﵁ (لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ) أي: تقصدون بالفتنة التي سمعتموها منه ﷺ " (فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ) ولفظ رواية الأعمش المذكورة: "فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره، يكفّرها الصيام، والصلاة … ".
قال القرطبيّ ﵀: الأهل، والمال، والولد أمورٌ يُمتَحَن الإنسان بها،
стр. 2135
ويُخْتَبَر عندها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية [التغابن: ١٥]؛ أي: مِحنةٌ تُمتَحنون بها حتى يظهر منكم ما هو خفيّ عمن يُشكل عليه أمركم. انتهى (١).
وقال القاضي عياض ﵀: فتنةُ الرجل في أهله وماله وولده ضُرُوب من فَرْط محبته لهم، وشُحّه عليهم، وشُغْله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقوله ﷺ : "الولدُ مَجْبَنةٌ مَبْخَلة" (٢)، أو لتفريطه في القيام بما يَلزم من حقوقهم، وتأديبهم، وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسؤول عنهم، كما قال ﷺ : "كلّكم راع، ومسؤولٌ عن رعيّته"، متّفقٌ عليه، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا، فهذه كلُّها فِتَنٌ تقتضي المحاسبةَ، ومنها ذنوب يُرْجَى تكفيرها بالحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤]. انتهى كلام القاضي ﵀ (٣).
(قَالُوا: أَجَلْ) كنَعَم وزنًا ومعنًى، قال المجد ﵀: أَجَلْ: جوابٌ كنَعَم، إلَّا أنه أحسن منه في التصديق، ونَعَم أحسن منه في الاستفهام. انتهى (٤).
(قَالَ) عمر ﵁ (تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ) ولفظ الأعمش الآتية في "الفتن": "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره، تكفّرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
قال في "الفتح": قال بعض الشرَّاح: يَحتَمِلُ أن يكون كلُّ واحدة من الصلاة وما معها مكفِّرةً للمذكورات كلِّها، لا لكل واحدة منها، وأن يكون من باب اللَّفّ والنشر بأن الصلاة مثلًا مكفِّرة للفتنة في الأهل، والصوم في الولد … إلخ.
قال: والمراد بالفتنة ما يَعْرِض للإنسان مع مَن ذُكِر من البشر، أو الالتهاء بهم، أو أن يأتي لأجلهم بما لا يَحِلّ له، أو يُخِلّ بما يجب عليه.
стр. 2136
واستَشْكَلَ ابنُ أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرمات، والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تُسقِط ذلك، فإن حُمِل على الوقوع في المكروه، والإخلال بالمستحبّ، لَمْ يناسب إطلاق التكفير.
والجواب التزام الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرةً، فهي التي فيها النزاع، وأما الصغائر فلا نزاع أنَّها تُكَفَّر؛ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١].
وقال الزين ابن المُنَيِّر ﵀: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن أو عليهن في القسمة والإيثار، حتى في أولادهنّ، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهنّ، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو بحبسه عن إخراج حقّ الله، والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كلّ أحد، والفتنة بالجار تقع بالحسَد، والمفاخرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاقد.
ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذُكِر منحصرة فيما ذَكرتُ من الأمثلة.
وأما تخصيص الصلاة، وما ذُكر معها بالتكفير، دون سائر العبادات، ففيه إشارةٌ إلى تعظيم قدرها، لا نَفْيُ أنّ غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير.
ثم إن التكفير المذكور يَحْتَمِل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة، ويَحْتَمِل أن يقع بالموازنة، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن أبي جمرة ﵀: خَصَّ الرجل بالذكر لأنه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نَبَّهَ بها على ما عداها، والضابط أن كُلَّ ما يَشْغَل صاحبه عن الله، فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تَخْتَصّ بما ذُكِر، بل نَبَّه به على ما عداها، فذَكَر من عبادة الأفعال الصلاةَ والصيامَ، ومن عبادة المال الصدقةَ، ومن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف. انتهى (١).
قال عمر ﵁: "ليس هذا أريد" (وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟) وفي رواية الأعمش: "إنما أريد التي تموج كموج
стр. 2137
البحر"، أي: تضطرب، وَيدْفَع بعضها بعضًا، وكلُّ شيء اضطرب، فقد ماج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية [الكهف: ٩٩]، وشبّهها بموج البحر؛ لشدة عظمها، وكثرة شيوعها (١).
وقال في "الفتح": قوله: "تموج كموج البحر": أي: تضطرب اضطرابَ البحر عند هَيَجَانه، وكَنَى بذلك: عن شِدّة المخاصمة، وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة. انتهى.
(قَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁ (فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ) بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور أهل اللغة: سَكَت، وأسكت لغتان، بمعنى صَمَتَ، وقال الأصمعيّ: سكت القوم: صَمَتُوا، وأسكتوا: أطرقوا، قال الهرويّ: ويكون سكت بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٤]، وبمعنى انقطع، تقول العرب: جرى الوادي ثلاثًا، ثم سكت؛ أي: انقطع، ويقال: هو السكوتُ، والسُّكَاتُ، وسَكَتَ يَسكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا.
وإنما سكت القوم؛ لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما حفظوا النوع الأول (٢).
قال حذيفة ﵁ (فَقُلْتُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره لدلالة السؤال عليه، أي: أنا أحفظها (قَالَ: أَنْتَ) مبتدأ محذوف الخبر أيضًا مع أداة الاستفهام، أي: أأنت تحفظها، والاستفهام تعجّبيّ، وقوله: (لِلَّهِ أَبُوكَ؟) كلمةُ مَدْحٍ، تَعْتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بيتُ الله، وناقةُ الله، قال صاحب "التحرير": فإذا وُجِدَ من الولد ما يُحْمَد، قيل له: لله أبوك، حيث أتى بمثلك. انتهى.
وفي رواية الأعمش، عن شقيق الآتية في "الفتن": "قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا"، أي: لا يَخرُج منها شيء في حياتك.
قال ابن الْمُنَيِّر: آثر حذيفة ﵁ الحرصَ على حفظ السرّ، ولم يُصَرِّح
стр. 2138
لعمر بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذونًا له في مثل ذلك.
وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون حذيفة عَلِم أن عمر يُقْتَل، ولكنَّه كَرِهَ أن يخاطبه بالقتل؛ لأن عمر كان يَعْلَم أنه الباب، فأَتَى بعبارة يَحصُل بها المقصود بغير تصريح بالقتل. انتهى.
قال الحافظ: وكأنهْ مَثَّلَ الفتن بدار، ومَثَّل حياةَ عمر بباب لها مُغْلَقٍ، ومَثَّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودةً فهي الباب المغلَقُ، لا يَخرُج مما هو داخل تلك الدار شيءٌ، فإذا مات فَقَد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار. انتهى (١).
(قَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ) فعلٌ، ونائب فاعله (عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ) أي: تَلْصَقُ الفتن بعَرْض القلوب، أي: جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويؤثّر فيه شدّةُ التصاقه به.
وقال ابن الأثير ﵀: أي: توضع عليها، وتُبْسط كما يُبْسط الحصير، وقيل: هو من عَرْض الْجُنْد بين يدي السلطان لإظهارهم، واختيار أحوالهم. انتهى (٢).
وقوله: (عُودًا عُودًا) قال ابن الأثير ﵀: هكذا الرواية بالفتح؛ أي: مرّةً بعد مرّة، ورُوي بالضمّ، وهو واحد العِيدان، يعني: ما يُنسج به الحَصِير من طاقاته، ورُوي بالفتح مع ذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: هذان الحرفان مما اختُلِف في ضبطه على ثلاثة أوجه:
[أظهرها وأشهرها]: عُودًا بضم العين، وبالدال المهملة.
[والثاني]: بفتح العين، وبالدال المهملة أيضًا.
[والثالث]: بفتح العين، وبالذال المعجمة، ولم يذكر صاحب "التحرير" غير الأول.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كالحصير عُودًا عُودًا" قُيِّد ثلاث تقييدات،
стр. 2139
قيّده القاضي الشهيد (١) بفتح العين المهملة، والذال المعجمة، وقيّده أبو بحر سفيان بن العاصي بضمّ العين، ودال مهملة، واختار أبو الحسين بن سراج فتح العين والدال المهملة.
فمعنى التقييد الأول: سؤال الإعاذة، كما يقال: غَفْرًا غَفْرًا، أي: اللهمّ اغفر، اللهمّ اغفر.
وأما التقييد الثاني: فمعناه أن الفِتَنَ تتوالى واحدةً بعد أخرى، كنسج الحصير عُودًا بإزاء عود، وشطبةً بإزاء شطبة (٢)، أو كما يُناوِلُ مهيّئ القُضبان للناسج عُودًا بعد عُود.
وأما التقييد الثالث: فمعناه قريبٌ من هذا، يعني: أن الفتنة كلّما مضت عادت، كما يفعل ناسج الحصير، كلّما فَرَغَ من موضع شطبة، أو عُود عاد إلى مثله، والمعنى الثاني أمكن، وأليق بالتشبيه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣).
وقال القاضي عياض ﵀: كذا روينا هذا الحرف عن القاضي الشهيد بفتح العين والذال المعجمة في الأمّ، وضبطناه على ابن العاصي وغيره "عُودًا عُودًا" بضمّ العين، ودال مهملة، ووقع عند بعضهم "عَوْدًا عَوْدًا" بفتح العين، وبالدال المهملة أيضًا، وهو اختيار شيخنا أبي الحسن بن سِرَاج من جميع وجوه رواياته، قال لي: ومعنى "تُعْرَضُ" أي: كأنها تَلْصَق بِعَرْض القلوب، أي: جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويُؤَثِّر فيه شدّةُ لَصْقها به، قال: ومعنى "عَوْدًا عَوْدًا": أي: تُعادُ وتُكَرَّر عليه شيئًا بعد شيء، قال: ومن رواه بالذال المعجمة، فمعناه سؤال الإعاذة منها، كما يقال: غَفْرًا غَفْرًا، وغُفْرَانَك، وبذلك انتصب، أي: نسألك أن تُعيذنا من ذلك، وأن تَغْفِر لنا.
قال القاضي: وأما غيره ممن باحثناه من شيوخنا، وكاشفناه عن هذا،
стр. 2140
وهو الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان، فقال: معناه تُعْرَضُ على القلوب، أي: تُظْهَرُ لها فتنة بعد أخرى.
وقوله: "كالحصير": أي: كما يُنْسَج الحصير عُودًا عُودًا، وشَطْبَةً بعد أخرى.
قال القاضي: وعلى هذا تترجَّح روايةُ ضم العين، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب يَحتاج إلى مُنَقّ للقُضْبان لأخذ الشَّطْب، وهو قُشُورُها، ولِحَاؤُها التي تُصنع منه، ومُصْلِحٍ لها، ثم يمكنها الناسجُ الحصير، ويَعْرِضها واحدًا واحدًا، كلما صنع واحدةً، ونسجها ناوله أخرى، قال قيس بن الخطيم الأنصاريّ [من الطويل]:
تَرَى قِصَدَ المُرّان تُلْقِي كَأَنَّهَا … تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ (١)
والخِرْصَانُ القُضْبان.
فشَبَّهَ عَرْضَ الفِتَن على القلوب واحدة بعد أخرى بِعَرْض شَطْب الحصير على صانعها قضيبًا قضيبًا، وشَطْبَةً شَطْبةً، وهو معنى قوله: "عُودًا عُودًا"، وهو معنى الحديث عندي، وهو الذي يدلّ عليه سياق لفظه، وصحة تشبيهه.
وقال الهَرَويّ: معناه أنها تُحيط بالقلوب، يُقال: حَصَرَ به القومُ، أي: أطافوا به، وقال الليث: حَصِير الجنب عِرْقٌ يَمتدّ مُعترضًا على جنب الدابّة إلى ناحية بطنها، شَبّهها به، قال: وقيل: إنه أراد عَرْضَ السَّجْن، والحَصِير السَّجْنُ، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، ومُراده عَرْضُ أهل السجن على قيّمه. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأقوال عندي وأوضحها ضبطًا ومعنًى هو الذي رجحه عياض، وأشار إليه القرطبيّ رحمهما الله تعالى، وهو أنه بضمّ العين، والمراد تشبيه عَرْضِ الفِتَن على القلوب واحدة بعد أخرى