← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

واستَشْكَلَ ابنُ أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرمات، والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تُسقِط ذلك، فإن حُمِل على الوقوع في المكروه، والإخلال بالمستحبّ، لَمْ يناسب إطلاق التكفير. والجواب التزام الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرةً، فهي التي فيها النزاع، وأما الصغائر فلا نزاع أنَّها تُكَفَّر؛ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١]. وقال الزين ابن المُنَيِّر ﵀: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن أو عليهن في القسمة والإيثار، حتى في أولادهنّ، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهنّ، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو بحبسه عن إخراج حقّ الله، والفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كلّ أحد، والفتنة بالجار تقع بالحسَد، والمفاخرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاقد. ثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذُكِر منحصرة فيما ذَكرتُ من الأمثلة. وأما تخصيص الصلاة، وما ذُكر معها بالتكفير، دون سائر العبادات، ففيه إشارةٌ إلى تعظيم قدرها، لا نَفْيُ أنّ غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير. ثم إن التكفير المذكور يَحْتَمِل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة، ويَحْتَمِل أن يقع بالموازنة، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقال ابن أبي جمرة ﵀: خَصَّ الرجل بالذكر لأنه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نَبَّهَ بها على ما عداها، والضابط أن كُلَّ ما يَشْغَل صاحبه عن الله، فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تَخْتَصّ بما ذُكِر، بل نَبَّه به على ما عداها، فذَكَر من عبادة الأفعال الصلاةَ والصيامَ، ومن عبادة المال الصدقةَ، ومن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف. انتهى (١). قال عمر ﵁: "ليس هذا أريد" (وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟) وفي رواية الأعمش: "إنما أريد التي تموج كموج

стр. 2137

البحر"، أي: تضطرب، وَيدْفَع بعضها بعضًا، وكلُّ شيء اضطرب، فقد ماج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية [الكهف: ٩٩]، وشبّهها بموج البحر؛ لشدة عظمها، وكثرة شيوعها (١). وقال في "الفتح": قوله: "تموج كموج البحر": أي: تضطرب اضطرابَ البحر عند هَيَجَانه، وكَنَى بذلك: عن شِدّة المخاصمة، وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة. انتهى. (قَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁ (فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ) بقطع الهمزة المفتوحة، قال جمهور أهل اللغة: سَكَت، وأسكت لغتان، بمعنى صَمَتَ، وقال الأصمعيّ: سكت القوم: صَمَتُوا، وأسكتوا: أطرقوا، قال الهرويّ: ويكون سكت بمعنى سكن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٤]، وبمعنى انقطع، تقول العرب: جرى الوادي ثلاثًا، ثم سكت؛ أي: انقطع، ويقال: هو السكوتُ، والسُّكَاتُ، وسَكَتَ يَسكُتُ سَكْتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا. وإنما سكت القوم؛ لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، وإنما حفظوا النوع الأول (٢). قال حذيفة ﵁ (فَقُلْتُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره لدلالة السؤال عليه، أي: أنا أحفظها (قَالَ: أَنْتَ) مبتدأ محذوف الخبر أيضًا مع أداة الاستفهام، أي: أأنت تحفظها، والاستفهام تعجّبيّ، وقوله: (لِلَّهِ أَبُوكَ؟) كلمةُ مَدْحٍ، تَعْتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، ولهذا يقال: بيتُ الله، وناقةُ الله، قال صاحب "التحرير": فإذا وُجِدَ من الولد ما يُحْمَد، قيل له: لله أبوك، حيث أتى بمثلك. انتهى. وفي رواية الأعمش، عن شقيق الآتية في "الفتن": "قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا"، أي: لا يَخرُج منها شيء في حياتك. قال ابن الْمُنَيِّر: آثر حذيفة ﵁ الحرصَ على حفظ السرّ، ولم يُصَرِّح

стр. 2138

لعمر بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذونًا له في مثل ذلك. وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون حذيفة عَلِم أن عمر يُقْتَل، ولكنَّه كَرِهَ أن يخاطبه بالقتل؛ لأن عمر كان يَعْلَم أنه الباب، فأَتَى بعبارة يَحصُل بها المقصود بغير تصريح بالقتل. انتهى. قال الحافظ: وكأنهْ مَثَّلَ الفتن بدار، ومَثَّل حياةَ عمر بباب لها مُغْلَقٍ، ومَثَّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودةً فهي الباب المغلَقُ، لا يَخرُج مما هو داخل تلك الدار شيءٌ، فإذا مات فَقَد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار. انتهى (١). (قَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ) فعلٌ، ونائب فاعله (عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ) أي: تَلْصَقُ الفتن بعَرْض القلوب، أي: جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويؤثّر فيه شدّةُ التصاقه به. وقال ابن الأثير ﵀: أي: توضع عليها، وتُبْسط كما يُبْسط الحصير، وقيل: هو من عَرْض الْجُنْد بين يدي السلطان لإظهارهم، واختيار أحوالهم. انتهى (٢). وقوله: (عُودًا عُودًا) قال ابن الأثير ﵀: هكذا الرواية بالفتح؛ أي: مرّةً بعد مرّة، ورُوي بالضمّ، وهو واحد العِيدان، يعني: ما يُنسج به الحَصِير من طاقاته، ورُوي بالفتح مع ذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن. انتهى (٣). وقال النوويّ ﵀: هذان الحرفان مما اختُلِف في ضبطه على ثلاثة أوجه: [أظهرها وأشهرها]: عُودًا بضم العين، وبالدال المهملة. [والثاني]: بفتح العين، وبالدال المهملة أيضًا. [والثالث]: بفتح العين، وبالذال المعجمة، ولم يذكر صاحب "التحرير" غير الأول. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "كالحصير عُودًا عُودًا" قُيِّد ثلاث تقييدات،

стр. 2139

قيّده القاضي الشهيد (١) بفتح العين المهملة، والذال المعجمة، وقيّده أبو بحر سفيان بن العاصي بضمّ العين، ودال مهملة، واختار أبو الحسين بن سراج فتح العين والدال المهملة. فمعنى التقييد الأول: سؤال الإعاذة، كما يقال: غَفْرًا غَفْرًا، أي: اللهمّ اغفر، اللهمّ اغفر. وأما التقييد الثاني: فمعناه أن الفِتَنَ تتوالى واحدةً بعد أخرى، كنسج الحصير عُودًا بإزاء عود، وشطبةً بإزاء شطبة (٢)، أو كما يُناوِلُ مهيّئ القُضبان للناسج عُودًا بعد عُود. وأما التقييد الثالث: فمعناه قريبٌ من هذا، يعني: أن الفتنة كلّما مضت عادت، كما يفعل ناسج الحصير، كلّما فَرَغَ من موضع شطبة، أو عُود عاد إلى مثله، والمعنى الثاني أمكن، وأليق بالتشبيه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣). وقال القاضي عياض ﵀: كذا روينا هذا الحرف عن القاضي الشهيد بفتح العين والذال المعجمة في الأمّ، وضبطناه على ابن العاصي وغيره "عُودًا عُودًا" بضمّ العين، ودال مهملة، ووقع عند بعضهم "عَوْدًا عَوْدًا" بفتح العين، وبالدال المهملة أيضًا، وهو اختيار شيخنا أبي الحسن بن سِرَاج من جميع وجوه رواياته، قال لي: ومعنى "تُعْرَضُ" أي: كأنها تَلْصَق بِعَرْض القلوب، أي: جانبها، كما يَلْصَقُ الحصير بجنب النائم، ويُؤَثِّر فيه شدّةُ لَصْقها به، قال: ومعنى "عَوْدًا عَوْدًا": أي: تُعادُ وتُكَرَّر عليه شيئًا بعد شيء، قال: ومن رواه بالذال المعجمة، فمعناه سؤال الإعاذة منها، كما يقال: غَفْرًا غَفْرًا، وغُفْرَانَك، وبذلك انتصب، أي: نسألك أن تُعيذنا من ذلك، وأن تَغْفِر لنا. قال القاضي: وأما غيره ممن باحثناه من شيوخنا، وكاشفناه عن هذا،

стр. 2140

وهو الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان، فقال: معناه تُعْرَضُ على القلوب، أي: تُظْهَرُ لها فتنة بعد أخرى. وقوله: "كالحصير": أي: كما يُنْسَج الحصير عُودًا عُودًا، وشَطْبَةً بعد أخرى. قال القاضي: وعلى هذا تترجَّح روايةُ ضم العين، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب يَحتاج إلى مُنَقّ للقُضْبان لأخذ الشَّطْب، وهو قُشُورُها، ولِحَاؤُها التي تُصنع منه، ومُصْلِحٍ لها، ثم يمكنها الناسجُ الحصير، ويَعْرِضها واحدًا واحدًا، كلما صنع واحدةً، ونسجها ناوله أخرى، قال قيس بن الخطيم الأنصاريّ [من الطويل]: تَرَى قِصَدَ المُرّان تُلْقِي كَأَنَّهَا … تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ (١) والخِرْصَانُ القُضْبان. فشَبَّهَ عَرْضَ الفِتَن على القلوب واحدة بعد أخرى بِعَرْض شَطْب الحصير على صانعها قضيبًا قضيبًا، وشَطْبَةً شَطْبةً، وهو معنى قوله: "عُودًا عُودًا"، وهو معنى الحديث عندي، وهو الذي يدلّ عليه سياق لفظه، وصحة تشبيهه. وقال الهَرَويّ: معناه أنها تُحيط بالقلوب، يُقال: حَصَرَ به القومُ، أي: أطافوا به، وقال الليث: حَصِير الجنب عِرْقٌ يَمتدّ مُعترضًا على جنب الدابّة إلى ناحية بطنها، شَبّهها به، قال: وقيل: إنه أراد عَرْضَ السَّجْن، والحَصِير السَّجْنُ، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، ومُراده عَرْضُ أهل السجن على قيّمه. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأقوال عندي وأوضحها ضبطًا ومعنًى هو الذي رجحه عياض، وأشار إليه القرطبيّ رحمهما الله تعالى، وهو أنه بضمّ العين، والمراد تشبيه عَرْضِ الفِتَن على القلوب واحدة بعد أخرى

стр. 2141

بعَرْض عُود الحصير على صانعها قضيبًا قضيبًا، والله تعالى أعلم. (فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا) أي: دخلت فيه دُخولًا تامًّا، وأُلزمها، وحَلَّت منه محلَّ الشراب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٩٣]، أي: حبّ العجل وأشربوا في قلوبهم العجل، ومنه قولهم: ثوبٌ مُشْرَبٌ بحمرة، أي: خالطته الحمرة مخالطةً لا انفكاك لها (نُكِتَ) بالبناء للمفعول؛ أي: نُقِطَ فيه (فِيهِ نُكْتَةٌ) أي: نُقْطَةٌ (سَوْدَاءُ) قال في "القاموس": "النُّكتة بالضمّ: النُّقْطة، جمعه نِكَاتٌ، كبِرَامٍ، وشِبْهُ الوَسَخِ في المِرآة. انتهى (١). وقال في "المصباح": النُّكْتةُ في الشيء؛ كالنقطة، والجمع نُكَتٌ ونِكَاتٌ، مثلُ بُرْمة وبُرَم وبِرَامٍ، ونُكَاتٌ. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: معنى نُكِتَ نُكْتَةٌ: نُقِطَ نُقْطة، وهي بالتاء المثنّاة في آخره، قال ابن دُرَيد وغيره: كلُّ نُقْطَة في شيء بخلاف لونه، فهو نَكْتٌ. انتهى. ومعنى أنكرها: ردها، والله اعلم. (وَأَيُّ قَلْب أَنْكَرَهَا) أي: ردّ تلك الفتنة المعروضة عليه، ولم يَقبلها (نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ) الضمير للقلوب، أي: حتى تصير قلوب الناس في ذلك الوقت (عَلَى قَلْبَيْنِ) أي: منقسمةً على قسمين: قسم قلبٌ (عَلَى أَبْيَضَ) أي: قلب أبيض، فحَذَفَ الموصوف؛ للعلم به، وأقام الصفة مُقامه (مِثْلِ الصَّفَا) بالجرّ صفة لـ "أبيض"، وليس تشبيهه بالصَّفَا من جهة بياضه، ولكن من جهة صلابته وشدّته على عقد الإيمان، وسلامته من الخَلَل، وأن الفِتَن لم تَلْصَق به، ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يَعْلَق به شيء بخلاف الآخر الذي شبّهه بالْكُوز الخاوي؛ لأنه فارغٌ من الإيمان والأمانة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، قيل: لا تَعِي خيرًا. انتهى (٣). (فَلَا تَضُرُّهُ) أي: القلب الموصوف بما ذُكر (فِتْنَةٌ) وقوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) أراد به التأبيد، أي: إن ذلك القلب لا تصيبه فتنة، ولا

стр. 2142

تضرّه أبد الآبدين (وَ) القلب (الْآخَرُ) قلبٌ (أَسْوَدُ، مُرْبَادًّا) منصوب على الحال، قال القرطبيّ ﵀: قُيِّد ثلاثَ تقييدات: "مُرْبَادّ" مُفْعَالٌّ، من اربادّ، مثلُ مُصْفَارّ، من اصفَارّ، وهو رواية الخُشنيّ، عن الطبريّ، و"مُرْبَدٌّ" مثلُ مُسْوَدّ، ومُحْمَرّ، من اربدّ، واسوَدّ، واحمَرّ، وهو تقييد أبي مَرْوان بن سراج، و"مُرْبَئِدّ" بالهمز، قيَّده العُذريّ، وكأنه من اربأَدّ لغة، وقال بعض اللغويين: احمرّ الشيءُ، فإذا قَوِيَ قيل: احْمَارّ، فإذا زاد قيل: احمأرّ بالهمز، فعلى هذا تكون تلك الروايات صوابًا كلُّها. قال أبو عبيد، عن أبي عمرو، وغيره: الربدة: لونٌ بين السواد والغبرة، وقال ابن دُريد: الربدة: الكُدْرةُ، وقال الحربيّ: هي لون النَّعَام، بعضه أسود، وبعضه أبيض، ومنه اربدّ لونه: إذا تغيّر، ودخله سوادٌ، وإنما سُمّي النعام ربدًا؛ لأن أعالي ريشها إلى السواد، وقال نفطويه: المُرْبدّ الملمّع بسواد وبياض، ومنه تربّد لونه؛ أي: تلوّن، فصار كلون الرماد. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: وأما قوله: "مُرْبادًّا"، فكذا هو في روايتنا، وأصول بلادنا، وهو منصوب على الحال، وذكر القاضي عياض ﵀ خلافًا في ضبطه، وأن منهم مَن ضَبَطه كما ذكرناه، ومنهم مَن رواه "مُرْبَئِدّ" بهمزة مكسورة بعد الباء، قال القاضي: وهذه رواية أكثر شيوخنا، وأصله أن لا يُهْمَز، ويكون مُرْبَدّ مثل مُسْوَدّ، ومُحْمَرّ، وكذا ذكره أبو عبيد، والهرويّ، وصححه بعض شيوخنا، عن أبي مروان بن سراج؛ لأنه من ارْبَدّ إلا على لغة مَن قال: احْمَأَرّ بهمزة بعد الميم؛ لالتقاء الساكنين، فيقال: ارْبَأَدّ، ومُرْبَئِدّ، والدال مشدّدة على القولين، وسيأتي تفسيره. انتهى (٢). (كَالْكُوزِ) بضمّ الكاف: إناء بعروة يُشرب فيه الماء، جمعه كِيزَان (٣) (مُجَخِّيًا) بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم خاء معجمة مكسورة، معناه: مائلًا، كذا قاله الهرويّ وغيره، وفسره الراوي في الكتاب بقوله: "منكوسًا"، وهو قريب من معنى المائل.

стр. 2143

وقال ابن الأثير ﵀: "المُجَخّي": المائلُ عن الاستقامة والاعتدال، فشَبَّهَ القلب الذي لا يَعِي خيرًا بالكوز المائل الذي لا يَثْبُتُ فيه شيءٌ. انتهى (١). قال القاضي عياض ﵀: قال لي ابن سراج: ليس قوله: "كالكوز مُجَخِّيًا" تشبيهًا لما تقدم من سواده، بل هو وصف آخرُ من أوصافه، بأنه قُلِبَ ونُكِّس حتى لا يَعْلَق به خيرٌ، ولا حِكْمة، ومَثَّله بالكوز المُجَخِّي، وبَيَّنه بقوله: "لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ". وقال أبو عبيد: "المُجخّي": المائل، ولا أحسبه أراد بميله إلا أنه مُنْخَرِقُ الأسفل، شبّه به القلب الذي لا يعي خيرًا، كما لا يثبتُ الماء في الكُوز المنخرق. وتعقّب القاضي عياض كلام أبي عبيد هذا، فقال: إذا كان مقلوبًا منكوسًا لم يثبُت فيه شيء، وإن لم يكن منخرقًا. انتهى (٢). وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم. (لَا يَعْرِفُ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير القلب الموصوف بما ذُكر (مَعْرُوفًا) أي: أمرًا عُرِف بالشرع حسنُهُ وثوابه (وَلَا يُنْكِرُ) بالبناء للفاعل أيضًا (مُنْكَرًا) أي: ما أُنكر في الشرع، ونُهي عنه (إِلا مَا أُشْرِبَ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنْ هَوَاهُ") بيان لـ"ما"، أي: ما تهواه نفسه بغير إذن شرعيّ، كما قال : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. وقال صاحب "التحرير": معنى الحديث أن الرجل إذا تَبعَ هواه، وارتكَبَ المعاصي دَخَلَ قَلْبَهُ بكل معصية يتعاطاها ظلمةٌ، وإذا صار كذلك افْتُتِنَ، وزال عنه نور الإسلام، والقلبُ مثلُ الكوز، فإذا انكَبّ انصَبّ ما فيه، ولم يَدْخُله شيء بعد ذلك. انتهى (٣).

стр. 2144

(قَالَ حُذَيْفَةُ) ﵁ (وَحَدَّثْتُهُ) أي: عمرَ ﵁ (أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا) أي: الفنتة (بَابًا مُغْلَقًا) معناه أنّ تلك الفِتَن لا يَخرُج شيءٌ منها في حياتك. وفي رواية للبخاريّ: "يا أمير المؤمنين لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مُغْلقًا". قال في "الفتح": وكأنه مثّل الفِتَنَ بدار، ومَثَّل حياةَ عمر ﵁ بباب لها مُغلَق، ومثّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودةً فهي الباب المُغلَق لا يخرُج مما هو داخل تلك الدار شيء، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار. انتهى (١). (يُوشِكُ) بضمّ الياء، وكسر الشين، أي: يَقرُبُ (أَنْ يُكْسَرَ) بالبناء للمفعول (قَالَ عُمَرُ) ﵁ (أَكَسْرًا) مفعول مطلق لفعل مقدّر، أي: أيُكسَر كسرًا، فإن المكسور لا يُمكن إعادته، بخلاف المفتوح، ولأن الكسر لا يكون غالبًا إلا عن إكراه، وغَلَبةٍ، وخلاف عادة. وفي رواية الأعمش المذكورة: "قال: يُفتح الباب، أو فَيُكسَرُ الباب أم يُفتح؟ قال: قلت: لا، بل يُكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يُغلق أبدًا"، ولفظ البخاريّ في "الصيام": "ذاك أجدر أن لا يُغلق إلى يوم القيامة". قال ابن بطال ﵀: إنما قال ذلك؛ لأن العادة أن الغَلْق إنما يقع في الصحيح، فأما إذا انكسر فلا يُتَصَوَّر غلقه حتى يُجْبَر. انتهى. قيل: "ويحتمل أن يكون كَنَى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر" (٢). (لَا أَبَا لَكَ؟) قال صاحب "التحرير": هذه كلمة تَذْكُرُها العرب للحثّ على الشيء، ومعناها أن الإنسان إذا كان له أبٌ، وحَزَبَهُ أَمْرٌ، ووَقَع في شدّة عاونه أبوه، ورفع عنه بعضَ الكَلّ، فلا يَحتاج من الجِدّ والاهتمام إلى ما يَحتاج إليه حالةَ الانفراد، وعدم الأب المعاون، فإذا قيل: لا أبا لك، فمعناه: جِدَّ في هذا الأمر، وشَمِّر، وتَأَهَّبْ تَأَهُّبَ مَن ليس له مُعاوِن. انتهى (٣).

стр. 2145

وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أكسرًا لا أبا لك" استعظامٌ من عمر ﵁؛ لِكَسْر ذلك الباب، وخوفٌ منه ألا ينجبر؛ لأن الكسر لا يكون إلا عن إكراه وغَلَبة، فكأنّ الباب المغلق عن دخول الفتن على الإسلام عمر ﵁، وكسرُهُ قتلُهُ. واللامُ في "لا أبا لك" مُقحمة، وكذلك في قولهم: "لا يَدَيْ لفلان بهذا الأمر"، ولا تُريد العربُ بهذا الكلام نفيَ الأبوّة حقيقة، وإنما هو كلامٌ جرى على ألسنتهم كالمثل، ولقد أبدع البديعُ حيث قال في هذا المعنى: وَقَدْ يُوحِشُ اللَّفْظُ وَكُلُّهُ وُدٌّ … وَيُكْرَهُ الشَّيءُ وَمَا مِنْ فِعْلِهِ بُدُّ هذه العرب تقول: "لا أبا لك" للشيء إذا أهمّ، و"قاتله الله"، ولا يُريدون به الذمّ، و"ويلُ أمه" للأمر إذا تمّ، والإلباب (١) في هذا الباب أن يُنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا، فهو الولاء، وإن خَشُنَ، وإن كان عدوًّا فهو البلاء، وإن حَسُن. انتهى (٢). (فَلَوْ أَنَّهُ) أي: ذلك الباب (فُتِحَ) بالبناء للمفعول (لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ) إنما قال عمر ﵁ ذلك اعتمادًا على ما عنده من النصوص الصريحة في وقوع الفتن في هذه الأمة، ووقوع البأس بينهم إلى يوم القيامة. قال حذيفة ﵁ (قُلْتُ: لَا) أي: لا يُفتح (بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ) هو عمر بن الخطاب ﵁، كما جاء مُبَيَّنًا في الصحيح (يُقْتَلُ) بالبناء للمفعول (أَوْ يَمُوتُ) قال ابن الْمُنيّر ﵀: آثر حذيفة ﵁ الحرص على حفظ السرّ، ولم يُصرّح لعمر ﵁ بما سأل عنه، وإنما كَنَى عنه كنايةً، وكأنه كان مأذونًا له في مثل ذلك. وقال النوويّ ﵀: يحتمل أن يكون حذيفة ﵁ سمعه من النبيّ ﷺ هكذا على الشكّ، والمراد به الإبهام على حذيفة وغيره، ويحتمل أن يكون حذيفة ﵁ عَلِمَ أنه يُقْتَل، ولكنه كَرِه أن يخاطب عمر ﵁ بالقتل، فإن عمر ﵁ كان يَعْلَم أنه هو الباب كما جاء مُبَيَّنًا في "الصحيح" أن عمر كان يَعْلَم مَنِ الباب، كما يعلم أن قبل غد الليلةَ، فأتى حذيفةُ ﵁ بكلام يَحْصُل

стр. 2146

منه الغرض، مع أنه ليس إخبارًا لعمر بأنه يُقْتَل. انتهى (١). (حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأغَالِيطِ) أي: حدّثته حديثًا، فهو مفعول مطلق لمقدّر، و"الأغاليط": بالفتح جمع أُغلُوطة، وهي التي يُغالَط بها، فمعناه حَدَّثته حديثًا صدقًا مُحَقَّقًا، ليس هو من صُحُف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبيّ ﷺ . والحاصل أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ﵁، وهو الباب، فما دام حَيًّا لا تدخل الفِتَنُ، فإذا مات دخلت الفِتَن، وكذا كان، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: "ليس بالأغاليط" قال ابن دُريد: "المَغَاليط": الكَلِم التي يُغالط بها، واحدها مَغْلَطَةٌ، وأُغْلُوطةٌ، وجمعها أَغَاليطُ، ومعناه: حدّثته حديثًا صِدْقًا، ليس فيه غَلَطٌ لقائله، ولا سامعه، كما بيّنه بقوله: "إن عمر كان يعلم مَنِ الباب"، يعني: أنه كان عنده، وعند عمر من قِبَل النبيّ ﷺ ، وليس من رأيه، وحديثه، ولا من صُحُف الكتابيين حيثُ تُتَصَوَّر الأغاليط. وقال الداوديّ: معناه: ليس بالصغير الأمر، ولا اليسير الرزيّة، قال عياضٌ: والصواب الأول. انتهى (٣). [تنبيه]: قد وافق حذيفةَ ﵁ على معنى روايته هذه أبو ذرّ ﵁، فروى الطبراني بإسناد رجاله ثقات، أنه لَقِي عمر ﵁، فأخذ بيده، فغمزها، فقال له أبو ذر: أَرْسِل يدي يا قُفْل الفتنة … الحديث، وفيه أن أبا ذرّ قال: "لا يصيبكم فتنة ما دام فيكم"، وأشار إلى عمر ﵁، ورَوَى البزار من حديث قُدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان، أنه قال لعمر: يا غَلَقَ الفتنة، فسأله عن ذلك، فقال: مررتَ، ونحن جلوس عند النبيّ ﷺ ، فقال: "هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة بابٌ شديدُ الغلق ما عاش"، ذكره في "الفتح" (٤). [تنبيه آخر]: زاد في رواية الأعمش، عن شقيق الآتية في "الفتن" في

стр. 2147

آخره: "قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يَعْلَمُ من الباب؟ قال: نعم، كما يَعلَم أنّ دون غدٍ الليلةَ (١)، إني حدّثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهِبنا (٢) أن نسأل حذيفة من الباب؟، فقلنا لمسروق (٣): سَلْهُ، فسأله، فقال: عمر" (٤). انتهى. قال ابن بطَّال ﵀: إنما عَلِمَ عمر ﵁ أنه الباب؛ لأنه كان مع النبيّ ﷺ على حراء، وأبو بكر، وعثمان، فَرَجَفَ، فقال ﷺ : "اثْبُتْ، فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيقٌ، وشهيدان" (٥)، أو فَهِمَ ذلك من قول حذيفة ﵁: "بل يُكْسَر". انتهى. قال الحافظ بعد كلام ابن بطّال هذا، ما نصّه: والذي يظهر أن عمر ﵁ عَلِمَ الباب بالنص، كما قدمت عن عثمان بن مظعون، وأبي ذرّ، فلعل حذيفة حَضَرَ ذلك، وقد أخرج البخاريّ في "كتاب بدء الخلق" حديث عمر ﵁ "أنه سمع خطبة النبيّ ﷺ يُحَدِّث عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم"، وأخرج في "كتاب المناقب" عن حُذيفة ﵁ أنه قال: أنا أعلم الناس بكل فتنة، هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وفيه أنه سمع ذلك معه من النبيّ جماعة ماتوا قبله. [فإن قيل]: إذا كان عمر ﵁ عارفًا بذلك، فلمَ يَشُكّ فيه حتى سأل عنه؟.

стр. 2148

[فالجواب]: أن ذلك يقع مثله عند شدّة الخوف، أو لعله خَشِيَ أن يكون نَسِيَ، فسأل من يُذَكِّره، وهذا هو المعتمد. انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ أَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيّان الأحمر ﵀ (فَقُلْتُ لِسَعْدٍ) أي: ابن طارق، شيخه في هذا الحديث (يَا أَبَا مَالِكٍ) كنية سعد بن طارق، كما يأتي في السند التالي (مَا) استفهاميّة، أي: أيُّ معنى لقوله: (أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟، قَالَ) سعد (شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ) خبر لمحذوف، أي: هو شدّةُ … إلخ. قال القاضي عياض ﵀ كان بعض شيوخنا يقول: إنه تصحيفٌ، وهو قول القاضي أبي الوليد الكنانيّ، قال: أَرَى أن صوابه شِبْهُ البياض في سواد، وذلك أنّ شِدّة البياض في سواد لا يُسَمَّى رُبْدَةً (٢)، وإنما يقال لها: بَلَقٌ إذا كان في الجسم، وحَوَرٌ إذا كان في العين، والرُّبْدة إنما هو شيءٌ من بياض يسير، كلون أكثر النَّعَام، ومنه قيل للنعامة: رَبْدَاء، فصوابه شِبْه البياض، لا شِدّةُ البياض. قال أبو عبيد، عن أبي عمرو وغيره: "الرُّبْدَةُ": لونٌ بين السواد والغبرة، وقال ابن دُرَيد: "الرُّبْدة": لون أَكْدَرُ، وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة، وقال الحربيّ: لونُ النعام بعضه أسود، وبعضه أبيض، ومنه ارْبَدَّ لونه إذا تَغَيَّر، ودخله سواد، وإنما سُمّي النعام أربد؛ لأن أعالي ريشه إلى السواد، وقال نِفْطويه: المُرْبَدُّ: المُلَمَّعُ بسواد وبياض، ومنه تَرَبَّدَ لونه؛ أي: تَلَوَّن، فصار كلون الرماد. انتهى (٣). (قَالَ) أبو خالد (قُلْتُ) لسعد (فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟) أي: فما معنى قوله: "كالكُوز مجخّيًا؟ " (قَالَ) سعد (مَنْكُوسًا) أي: مقلوبًا، وقد تقدّم تفسير بعض أهل اللغة له بالمائل، ولا تنافي بينهما؛ لأن المنكوس مائل عن الاستقامة،

стр. 2149

فهو قريبٌ من معناه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٨/ ٣٧٦ و ٣٧٧ و ٣٧٨] (١٤٤)، وكرره في "الفتن"، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٥٢٥)، و"الزكاة" (١٤٣٥)، و"الصيام" (١٨٩٥)، و"علامات النبوّة" (٣٥٨٦)، و"الفِتَن" (٧٠٩٦)، و (الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٥٨)، و (النسائيّ) في "الصلاة" (٣٢٧)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٥٥)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٠٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٧٥٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ١٥ و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٤٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٦ - ٤٠١ - ٤٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٦٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣٠٢٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣ و ١٤٤ و ١٤٥). ثم قال: قال أبو عوانة: يقال: إن تفسير مربد: شدّة البياض في السواد، وتفسير الكوز مجخّيًا قال: منكوسًا. انتهى (١). و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٦٧ و ٣٦٨ و ٣٦٩). ثم قال: "المائج": المضطرب، ويموج؛ أي: يضطرب، و"المجَخّي": المائل، يعني: لا يعي شيئًا، ولا يستقرّ فيه الخير، كما لا يستقرّ الماء في الكُوز المُجَخَّى، والمُرْبَدُّ: لون بين الغبرة والسواد، وهو لون النعام. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تعظيم أمر الفِتَن، وأنها تُعرض على القلوب، فتفسدها،

стр. 2150

حتى يظلم، وإذا كان كذلك يكون مضادًّا للإيمان؛ لأنه نور، فلا يدخل في قلب لا يقبله، وهذا هو وجه المطابقة في ذكره في كتاب الإيمان؛ إذ معظم الفتن تنافي الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان انقسام القلب إلى قسمين: قلبٌ يقبل الفتن، وتتمكّن منه، فتفسده، فلا يمكن أن يعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا، بل هو متّبع لهواه والشيطان. وقلب، لا مجال للفتن فيه أصلًا، بل يطردها، ولا يجعل لها مدخلًا فيه، فهذا قلب شرحه الله تعالى للإسلام، وأدخل فيه النور، وقد أشار الله تعالى إلى هذين القسمين في كتابه حيث قال : ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. ٣ - (ومنها): أن فيه علَمًا من أعلام النبوّة، ومعجزةً ظاهرةً للنبيّ ﷺ حيث أخبر عما يقع بعد موته من الفتن الكبرى، وأنها لا تكون ما دام عمر حيًّا، فكان كما قال. ٤ - (ومنها): بيان فضل عمر ﵁، وأنه كان مِغلاقًا للفتن، فلم يرَ الناس الفتنة العمياء إلا بعد موته ﵁. ٥ - (ومنها): بيان أن عمر ﵁ يموت مقتولًا ظلمًا، فكان كما أخبر به النبيّ ﷺ حيث مات شهيدًا، قتله أبو لؤلؤة المجوسيّ غلام المغيرة بن شعبة ﵁ يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وقيل: لثلاث سنة (٢٣ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل غير ذلك. ٦ - (ومنها): بيان فضل حُذيفة ﵁ حيث كان موضع سرّ رسول الله ﷺ ، أعلمه بالفتن التي تأتي في أمته بعده، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عنه ﵁ أنه قال: "والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة ..... " (١)

стр. 2151

٧ - (ومنها): بيان أن القلب الذي تدخل فيه الفتن لا يمكن أن يقبل الحقّ؛ إذ هو ضدّه، وإنما يُطيع هواه. ٨ - (ومنها): بيان فضل إنكار الفتن، واجتنابها؛ لئلا تؤثّر في القلب، وتصدّه عن قبول الحقّ، واتباع السنّة. ٩ - (ومنها): جواز إطلاق العامّ، وإرادة الخاصّ، فإن عمر ﵁ سأل عن الفتن العامّة، وأراد الفتنة الخاصّة. ١٠ - (ومنها): أن الأهل، والأولاد، والنفس، والجار، فتنة؛ لأنها توقع في الذنوب، وارتكاب ما لا يحلّ للإنسان بسببهم. ١١ - (ومنها): أن هذه الفتن تكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة، ونحوها من الحسنات، كما قال : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ١٢ - (ومنها): أن الفتنة الكبرى إذا وقعت ظلّ باب الشرّ مفتوحًا بين المسلمين، فلا يُغلَق أبدًا. ١٣ - (ومنها): تذاكر الولاة مع العلماء أمور دينهم للتبصّر بالعواقب، وأخذ الحَذَر والحِيطَة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ جَلَسَ، فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْس، لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْه، سَأَلَ أَصْحَابَهُ، أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفِتَنِ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ: "مُرْبَادًّا مُجَخَّيًا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، ثقةٌ، كان يلازم ابن عيينة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.

стр. 2152

٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظٌ، كان يُدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو مالك الأشجعيّ": هو سعد بن طارق، المذكور في السند الماضي. قَوله: (فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسِ) قال النوويّ ﵀: المراد بقوله: "أَمْسِ" الزمان الماضي، لا أمسِ يومه، وهو اليوم الذي يلي يوم تحديثه؛ لأن مراده لَمّا قَدِم حذيفة الكوفةَ في انصرافه من المدينة، من عند عمر ﵄. [تنبيه]: في "أَمْسِ" ثلاث لغات، قال الجوهريّ: "أَمْس" اسم حُرِّك آخره؛ لالتقاء الساكنين، واختلف العرب فيه، فأكثرهم يَبنيه على الكسر معرفةً، ومنهم من يُعربه معرفةً، وكلهم يُعربه إذا دخلت عليه الألف واللام، أو صَيَّره نكرةً، أو أضافهُ، تقول: مضى الأمسُ المباركُ، ومضى أمسُنَا، وكلُّ غَدٍ صائر أمسًا، وقال سيبويه: جاء في الشعر: "مذ أمسَ" بالفتح، هذا كلام الجوهريّ. وقال الأزهريّ: قال الفراء: ومن العرب من يَخفِض الأمس، وإن أدخل عليه الألف واللام. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في "أَمس" أنه يُبنى على الكسر، وشرط بنائه خلوّه من "أل"، والإضافة، والتصغير، والتكسير، وأن يُراد به معيَّنٌ، وهو اليوم الذي يليه يومك خاصّةً، أو اليوم المعهود، وإن بَعُدَ على ما استظهره الشنوانيّ، فيكون كالمُحلَّى بـ "أل"، أما المنوّن، فيعمّ كلَّ أمسٍ، فإذا اجتمعت هذه الشروط بُني على الكسر مطلقًا عند الحجازيين؛ لتضمّنه معنى "أل"؛ إذ هو معرفةٌ بغير أداةٍ ظاهرةٍ، بدليل وصفه بالمعرفة في قولهم: "أمسِ الدابرُ لا يعود"، وأما بنو تميم، فبعضهم يُعربه كما لا ينصرف مطلقًا؛ لشبه العلميّة والعدل عن "الأمس" بـ "أل"، وعليها قوله: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا وأكثرهم يُعربه كذلك في الرفع فقط؛ لشرفه، ويبنيه على الكسر في غيره؛ عملًا بالموجِبين، وحُكي فيه أيضًا البناء على الكسر منوّنًا، وإعرابها منصرفًا مطلقًا، فهذه خمس لغات كلُّها في غير الظرف.

стр. 2153

فأما الظرف مع استيفاء الشروط، كـ"فعلته أمسِ"، فمبنيّ إجماعًا، نقله ابن هشام في "التوضيح"، وإن نوزع في حكاية الإجماع بنقل الزجّاج جواز كونه كـ"سَحَر" ظرفًا. وإن فقد شرطًا منها أُعرب إجماعًا، ظرفًا كان، أو غيره؛ لفوات شِبْه الحرف في عدم الشرط الأخير، ولمعارضته بخواصّ الأسماء في غيره. وأما قوله [من الطويل]: وَإِنِّي وَقَفْتُ الْيَوْمَ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ … بِبَابِكَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ على رواية كسره، فخُرّج على زيادة "أل"، أو أنه عطفٌ على توهُّم أنه قال: وقفتُ في اليوم، والأمس، فيكون معربًا. والفرق بين العدل والتضمين أن الأول يجوز فيه ذكرُ "أل"، والثاني يؤدّي معناها مع طرحها، وامتناع ذكرها، ذكره الخضريّ ﵀ في "حاشيته" (١)، والله تعالى أعلم. وقوله: (سَأَل أَصْحَابَهُ) أي: جلساءه الذين أحاطوا به. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لمروان الفزاريّ، أي: ساق مروان الحديث. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ) هو: سليمان بن حيّان الأحمر. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: مروان (تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ) أي: سعد بن طارق (لِقَوْلِهِ: مُرْبَادًّا مُجَخِّيًا) يعني: أن مروان وإن شارك أبا خالد الأحمر في رواية هذا الحديث عن سعد بن طارق، لكنه خالفه بنقص بعضه، وهو التفسير المذكور. [تنبيه]: رواية مروان الفزاريّ المذكورة لم أجد من أخرجها غير المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 2154

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٧٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، قَالُوا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هَنْدٍ، عَنْ رِبْعِيَّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثُنَا، أَوْ قَالَ: أيُّكُمْ يُحَدَّثُنَا، وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ، مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيط، وَقَالَ: يَعْني: أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمِنُ، أبو موسى العنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيّ) بن بَحْر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ الباهليّ، أبو حفص البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٨. ٣ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم (١) الْعَمِّيُّ) (٢) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٥ - (سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) هو: سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٦ - (نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) واسمه: النعمان بن أشيم الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [٤]. رَوَى عن أبيه، وله صحبةٌ، ونُبَيط بن شَرِيط، ورِبْعيّ بن حِرَاش،

стр. 2155

وسُوَيد بن غَفَلة، وأبي وائل، وأبي حازم الأشجعيّ، وابن سمرة بن جُنْدَب. ورَوَى عنه ابن عمه، أبو مالك، سعد بن طارق الأشجيّ، وسَلَمة بن نُبَيط، وسليمان التيميّ، ومغيرة بن مِقْسَم، وزياد بن خَيْثَمة، والزُّبير ذبن الخِرِّيت، وشعبة، وشيبان النحويّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم الرازيّ: قيل لسفيان الثوريّ: ما لك لم تَسْمَع من نعيم بن أبي هند؟ قال: كان يتناول عليًّا ﵁، وقال ابن سعد: تُوُفي في ولاية خالد الْقَسْريّ، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال عمرو بن عليّ: مات سنة عشر ومائة. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا الحديث برقم (١٤٤)، وحديث (١٥٦٠): "تجاوزوا عن عبدي … "، و (٢٧٩٧): "لو دنا منّي لاختطفته الملائكة … "، و (٢٩٣٥): "لأنا بما مع الدجّال أعلم منه … ". والباقيان تقدّما في الماضي. وقوله: (مَنْ يُحَدِّثُنَا) "من" استفهاميّة. وقوله: (وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي: والحال أن حذيفة ﵁ كائنٌ مع القوم الذين سألهم عمر ﵁. وقوله: (قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره، أي: أنا أُحدّثكم، أو أنا أحفظه، كما تفيده الرواية التي قبلها. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لنعيم بن أبي هند. وقوله: (كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ) أي: سعد بن طارق الأشجعيّ. وقوله: (وَقَالَ) أي: نعيم (فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ) يعني: أن نُعيمًا زاد في روايته على رواية مروان الفزاريّ قوله: "قال حذيفة … إلخ"، وقد تقدّمت في رواية أبي خالد الأحمر.

стр. 2156

وقوله: (وَقَالَ: يَعْنِي: أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) ضمير "قال" لنعيم أيضًا، والظاهر العناية منه، ويحتمل أن يكون من غيره. [تنبيه]: رواية نُعيم بن أبي هند التي أشار إليها المصنّف، قد ساقها الحافظ أبو نُعيم، في "مستخرجه"، فقال ﵀ (١/ ٢١١): (٣٦٩) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو حفص، وثنا ابن الطهرانيّ، ثنا يحيى بن حكيم، قالوا: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان التيميّ، عن نعيم بن أبي هند، عن رِبْعيّ، عن حذيفة، أن عمر قال: مَن يُحَدِّثنا، أو مَن أَمِينكم يحدثنا ما قال رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا، أيّ فتنة تَعني يا أمير المؤمنين؟ قال: فتنة الرجل في نفسه وأهله وماله، قال: لا، تكفّرها الصلاة والصدقة، ولكن الفتنة التي تموج، أو تمور كما يمور، أو كما يموج البحر، فقال: وما عليك يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، لا يُفْضِي إليك منها شيء، حتى يُدَقّ البابُ، فقال عمر: دَقًّا لا أبا لك؟ إنه لو كان إنما يُفتَح كان عسى أن يُغْلَق، فقال حذيفة: إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، قال: يعني: فإنه عن رسول الله ﷺ ، فقال في بعض ذلك: "يُعْرَضُ للناس فتنةٌ، فمن أُشْرِبها كانت في قلبه نكتةٌ سوداءُ، ومن أنكرها كانت في قلبه نكتةٌ بيضاءُ، حتى يكون الناس، أو تكون القلوب فيها قلبين: قلب أبيض كالصَّفَا، لا تَضُرُّه فتنة أبدًا، وقلبٌ أسودُ مُرْبَدٌّ، مثل الكُوز مُجَخِّيًا، لا يَعْرِف حَقًّا، أو قال: معروفًا، ولا ينكر منكرًا"، لفظ يحيى بن حكيم. [تنبيه آخر]: وقع في سند أبي نُعيم المذكور زيادة شعبة بين ابن أبي عديّ، وبين سليمان التيميّ، وليس ذلك عند مسلم، ولم يتعرّض أحد للتنبيه على هذا، لا الحافظان: المزيّ، وابن حجر، في "تحفة الأشراف"، و"النكت الظراف"، ولا غيرهما، والظاهر أنه غلط، فليُحرّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].

стр. 2157

(٦٩) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا، وَأَنَّهَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٧٩] (١٤٥) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا، عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩. ٢ - (يَزِيدَ بْنَ كَيْسَانَ) اليَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو المُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦]، (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت على رأس المائة) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢. ٤ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان ما أخرج له البخاريّ إلا في "الأدب المفرد"، كما أسلفته قريبًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فمكيّان، والصحابيّ ﵁، فمدنيّ.

стр. 2158

٤ - (ومنها): أن أبا حازم ممن أكثر الرواية عن أبي هريرة ﵁، وقد لازمه خمس سنين. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا) قال النوويّ ﵀: كذا ضبطناه "بدأ" بالهمز، من الابتداء. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: كذا روايته بهمز بدأ، وفيه نظرٌ، وذلك أن بدأ مهموزًا متعدّ إلى مفعول، كقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، قال صاحب "الأفعال": يقال: بدأ الله الخلق بدءًا، وأبدأهم: خَلَقهم، و"بدأ" في الحديث، لا يقتضي مفعولًا، فظهر الإشكال، ويرتفعُ الإشكال بان يُحمَل "بدأ" الذي في الحديث على طرأ، فيكون لازمًا، كما قد اتّفق للعرب في كثير من الأفعال، يتعدّى حملًا على صيغة، ولا يتعدّى حملًا على أخرى، كما قالوا: رجع زيد، ورجعته، وفَغَرَ فاه، وفَغَرَ فُوهُ، وهو كثير، وقد سمعتُ من بعض أشياخي إنكار الهمزة، وزعم أنه "بدا" بمعنى ظهر، غير مهموز، وهذا فيه بُعْدٌ من جهة الرواية والمعنى، فأما الرواية بالهمزة، فصحيحةُ النقل عمن يُعتمد على علمه وضبطه، وأما المعنى فبعيدٌ عن مقصود الحديث، فإن مقصوده أن الإسلام نشأ في أول أمره في آحاد من الناس وقِلّةٍ، ثم انتشر وظهر، فأخبر ﷺ أنه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلّةٍ كابتدائه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الصواب أن "بدأ" لازمًا مستعمل فصيحٌ، منقول عن أهل اللغة، قال الفيّوميّ ﵀: "بدأ الشيءُ": حَدَثَ، وابتدأته: أحدثته، وقال قبل ذلك: وبدأ الله الخلقَ، وابتدأهم بالألف: خلقهم. انتهى (٣). وأصل الغربة: البُعْدُ، كما قال [من الطويل]:

стр. 2159

فَلَا تَحْرِمِينِي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ … فَإِنِّي امرُؤٌ وَسْطَ الْعُبَابِ غَرِيبُ ويَحتَمِلُ أن يُراد بالحديث المهاجرين؛ إذ هم الذين تغرّبوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم، فيكون معناه أن آخر الزمان تشتدّ فيه المحنُ على المسلمين، فيَفِرّون بأديانهم، ويغتربون عن أوطانهم، كما فَعَل المهاجرون، وقد ورد في الحديث: قيل: يا رسول الله مَنِ الغُرباء؟ قال: "هم النزّاع من القبائل" (١)؛ إشارة إلى هذا المعنى - والله أعلم - ولذلك قال الهرويّ: أراد بذلك المهاجرين، والنُّزّاع، وهو جمع نَزِيع، أو نازع، وهو الذي نَزَعَ عن أهله وعشيرته، وبَعُدَ عن ذلك. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقال القاضي عياضٌ ﵀: قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبًا إلخ" روى ابن أبي أويس عن مالك أن معناه في المدينة، وأن الإسلام بدأ بها غريبًا، ويعود إليها. وظاهر الحديث العمومُ، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلّة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والاختلال حتى لا يبقى أيضًا إلا في آحاد وقلّة غريبًا كما بدأ. وأصل الغربة البعد، وبه سمّي النفيُ تغريبًا لذلك، وورد تفسير الغريب في الحديث قال: "وهم النُّزّاع من القبائل". انتهى كلام القاضي ﵀ (٣). وقال التوربشتيّ ﵀: يريد أن الإسلام لَمّا بدأ في أول الوَهْلة نَهَضَ بإقامته، والذّبّ عنه أُناس قليلون من أشياع الرسول ﷺ ، ونُزّاع القبائل، فشرّدوهم عن البلاد، ونَفَوهم عن عُقْر الديار، يُصبح أحدهم معتزلًا مهجورًا، ويَبيتُ مُنتبذًا وحدانًا كالغُرَباء، ثم يعود آخرًا إلى ما كان عليه، لا يكاد يوجد من القليلين إلا الأفراد.

стр. 2160

وَيحْتَمِلُ أن تكون المماثلة بين الحالة الأولى، والحالة الأخيرة لقلّة من كانوا يتديّنون به في الأول، وقلّة من كانوا يعملون به في الآخر، فطوبى للغرباء المتمسّكين بحبله المتشبّثين بذيله. انتهى. وقال الطيبي ﵀: لا يخلو إما أن يُستعار الإسلام للمسلمين، فالغربة هي القرينة، فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وإما أن يجري الإسلام على الحقيقة، فالكلام فيه على التشبيه، والوحدة والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلّته، فعلى هذا قوله: "غريبًا" إما حالٌ، أي: بدأ الإسلام مشابهًا للغرباء، أو مفعولًا مطلقًا، أي: الإسلام ظهر ظهور الغرباء حين بدأ فريدًا وحيدًا، لا مأوى له، حتى تبوّأ دار الإسلام أعني طيبة، فطوبى له، وطاب عيشًا، ثم أتمّ الله نوره، فانبثّ في الآفاق، فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فيعود في آخر الأمر وحيدًا فريدًا شريدًا إلى طيبة، كما بدأ، فطوبى له، ولَهَفِي عليه (١)، كما ورد: "إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِز الحيّة إلى جحرها"، متّفقٌ عليه، فعلى هذا "طوبى" ترشيح الاستعارة. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (٢). (وَسَيَعُودُ) أي: الإسلام (كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا) الكاف صفة لمصدر محذوف، و"ما" اسم موصول، أو مصدريّة، والتقدير: وسيعود عودًا مثل بدئه الذي بدأ به من الغربة، أي: القلّة؛ لقلّة أهله في الناس. (فَطُوبَى) "طُوبَى": فُعْلَى من الطِّيب، قاله الفرّاء، قال: وإنما جاءت الواو؛ لضمة الطاء، قال: وفيها لغتان: تقول العرب: طُوباك، وطوبى لك، وسيأتي اختلاف العلماء في معناه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (لِلْغُرَبَاءِ) أي: للذين يغتربون عن أوطانهم، وذويهم، وعشيرتهم فرَارًا بدينهم، وطلبًا لمرضاة ربّهم ، وقد سبق أنه ﷺ فسّرهم بأنهم النُّزّاع من القبائل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2161

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٩/ ٣٧٩] (١٤٥)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٨٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٨)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧٠)، و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (١١/ ٣٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): غُربة الإسلام بعد انتشاره واشتهاره، وقد سبق أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، فما هنا من الأول، فغربة الإسلام هو غربة الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في ذكره هنا، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن فيه علمًا مش أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع بعده، فوقع كما أخبر به، قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. فلقد أوذي الصحابة ﵃ بسبب إسلامهم، وقد كان الكفّار كما وصفهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]، ولقد وقع المتمسّك بدينه في هذا العصر العصيب على حال الصحابة ﵃ في ذلك، فما أكثر من يسمّى بمحمد وأحمد، وينتسب إلى الإسلام، وليس من أهله، بل هو من أهل النفاق والشقاق، أو من ضعفاء الإيمان، ديدنهم دين المجرمين الأولين، يلمزون ويغمزون الملتزمين بالسنّة، ويرونهم متخلّفين، وجامدين، وأصبحت شعائر السنّة بينهم غريبة، فالسنيّ عندهم لئيم، والبدعيّ والخرافيّ بينهم كريم، وأصبح المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، فأيّ غربة أشدّ من هذه الغربة؟، وأيّ مصيبة يصاب بها أهل الإسلام أكثر من هذا؟، الخير فيهم مهجور، والسنّيّ بينهم مدحور، ولسان الحقّ عندهم كليل، والداعي إلى السنة ذليل، يختفي فيهم الموحّد، ويتطاول بينهم الملحد، فطوبى لمن تمسّك بالإسلام الحقّ في مثل هذا المجتمع، وهجر الخرافات والبدع.

стр. 2162

أخرج الإمام الترمذيّ ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه، كالقابض على الجمر" (١). ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، تباركت ربنا وتعاليت. ٣ - (ومنها): فضل من هجر أوطانه وعشيرته؛ لأجل الإسلام، فإن له الجنة، كما وعد الله تعالى في هذا الحديث، وفي قوله : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى "طوبى": (اعلم): أنه اختَلَف المفسرون في معنى "طُوبى" من قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩]. قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: فَرَحٌ، وقُرّة عين، وقال عكرمة: نِعْمَ مالهم، وقال الضحاك: غِبْطَةٌ لهم، وقال إبراهيم النخعيّ: خيرٌ لهم، وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي: أَصَبْتَ خيرًا، وقال في رواية: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: حُسْنَى لهم، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾؛ أي: مَرْجِع. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وهذه الأقوال شيءٌ واحدٌ، لا منافاة بينها. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مَسْجُوح (٢): ﴿طُوبَى﴾ واسم الجنة بالهندية، وكذا

стр. 2163

رَوَى السُّدّيّ، عن عكرمة: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ هي الجنة، وبه قال مجاهد، وقال العَوْفيّ، عن ابن عباس: لَمّا خلق الله الجنة، وفَرَغ منها قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٩]، وذلك حين أعجبته (١). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حُميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب، قال: ﴿طُوبَى﴾ شجرة في الجنة، كلُّ شجر الجنة من أغصانها، من وراء سور الجنة (٢). وهكذا رُوي عن أبي هريرة، وابن عباس، ومُغيث بن سُمَيّ، وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غُصن منها. وذَكَر بعضهم أن الرحمن ﵎ غَرَسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تَمْتَدّ، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل، وخمر، وماء، ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث، أن دَرّاجًا أبا السمح، حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريّ، مرفوعًا: "طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مئة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" (٣). وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، عن رسول الله ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك، وآمن بك، قال: "طوبى لمن رآني، وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي، ولم يرني"، قال له رجل: وما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنة، مسيرتها مئة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" (٤).

стр. 2164

وأخرج الشيخان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مئة عام، لا يقطعها"، قال: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزُّرَقيّ، فقال: حدثني أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة، يسير الراكب الجواد المُضمِر السريع مائة عام ما يقطعها". وفي "صحيح البخاريّ" عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] قال: "في الجنة شجرةٌ يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها". وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: "طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تَفَتّقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولُجُمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال في الحقيقة ليس بينها تعارض، بل هي من تنوّع العبارات، واللفظ محتمل لكلّها، فحمله على جميعها هو الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٨٠] (١٤٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْن، كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا").

стр. 2165

رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ) بن إبراهيم، أبو العبّاس البغداديّ، أصله من خُرَاسان، ثقةٌ (١) [١١] (٢٥٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٣. ٣ - (شَبَابَةُ بن سَوَّارٍ) (٢) الفَزَاريّ مولاهم، أبو عمرو المدائنيّ، أصله من خُرَاسان، قيل: اسمه مَرْوان، حكاه ابن عديّ، ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٢٥٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠. ٤ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ) هو: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢. ٥ - (أَبُوهُ) هو: محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب العَدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ المدنيّ (ت ٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀ وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة.

стр. 2166

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عاصم. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ) تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي (وَهُوَ) أي: الإسلام، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة … " (يَارِزُ) بياء مثناة من تحتُ، بعدها همزة، ثم راء مكسورة، ثم زاي معجمة، هذا هو المشهور، وحكاه صاحب "المطالع" "مطالع الأنوار" عن أكثر الرُّواة، قال: وقال أبو الحسين بن سراج: لَيْأرُز بضم الراء، وحَكَى القابسيّ فتحَ الراء، ومعناه: يَنضمّ ويجتمع، هذا هو المشهور عند أهل اللغة والغريب، وقيل في معناه غير هذا مما لا يظهر، قاله النوويّ (١). وقال أبو عبيد: معنى قوله: "ليأرز"؛ أي: ينضمّ، ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضمّ الحيّة إلى جحرها (٢)، وقال ابن دُريد: أَرَزَ الشيءُ يَأْرِزُ: إذا ثبت في الأرض، وشجرة آرزٌ، وأَرِزَةٌ (٣). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يقتضيه صنيع الجوهريّ في "الصحاح"، وابن منظور في "لسان العرب" أن "يَأْرِزُ" من باب ضرب، ولكن المجد في "القاموس" ذكر التثليث، حيث قال: أَرَزَ يَأْرِزُ، مثلّثة الراء أُرُوزًا: انقبض، وتجمّع، وثَبَت، فهو آرِزٌ، وأَرُوزٌ. انتهى.

стр. 2167

لكن تعقّبه المحشّي، فقال: قوله مثلّثة الراء، الصواب إسقاطه، والاقتصار على ذكر المضارع المفيد كسر الراء، كما في حديث: "إن الإيمان ليأرِزُ إلى المدينة"، ضبطه الرواةُ قاطبةً بكسر الراء، وكذلك ضبطه أهل الغريب. اهـ. لكن أجاب الشارح عنه بأنه إذا كان المراد بالتثليث كونه من حدّ ضَرَبَ، وعَلِمَ، ونَصَرَ، فلا مانع، ولا يَرِدُ عليه أنه ليس في عينه، أو لامه حرف حلقيّ؛ لأن هذا إنما يُشتَرط فيما يكون من باب مَنَعَ، كما هو ظاهرٌ. انتهى (١). قال الجامع: الذي يظهر لي أن ردّ المحشّي ضبط التثليث وجيهٌ؛ لأن المجد لم يعزُ التثليث إلى أحد من أهل اللغة، ولم يتعرّض أصحاب المعاجم، والغريب لذكره، ولم يأتِ الشارح في جوابه بما يُثبت نقله عن أهل اللغة، فكونه من باب ضرب هو الظاهر، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. وذكر في "اللسان" أن الأَرْزَ أن تَدخُل الحيّة جُحْرها على ذنبها، فآخرُ ما يَبْقَى منها رأسُها، فيدخُلُ بعدُ، قال: وكذلك الإسلامُ خرج من المدينة، فهو يَنْكُصُ إليها حتى يكون آخره نُكُوصًا كما كان أوّله خروجًا، وإنما تَأْرِزُ الحيّةُ على هذه الصفة إذا كانت خائفة، وإذا كانت آمنة، فهي تبدأ برأسها، فتُدخله، وهذا هو الانحجار. انتهى (٢). وقال الطيبيّ ﵀ عند قوله: "ليأرِزُ إلى المدينة": أي: ينضمُّ، وينقبض، يقال: أَرَزَ يَأْرِزُ أَرْزًا، وأُرُوزًا، ومنه الأَرُوزُ للبخيل، سُمّي به؛ لأنه ينقبض إذا سُئل، والمَرْزَأُ: المَلْجَأُ أيضًا. قيل: يحتمل أن يكون هذا إخبارًا منه ﷺ عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقلّ الإسلام، فينضمّ إلى المدينة، فيبقى فيها، شَبَّهَ الإيمانَ، وفرارَ الناس من آفات المخالفين، والتجائهم إلى المدينة،

стр. 2168

بانضمام الحيّة في جحرها، ولعلّ هذه الدابّة أشدّ فرارًا، وانضمامًا من غيرها، فشَبَّهَ بها بمجرّد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف. انتهى (١). (بَيْنَ الْمَسْجدَيْنِ) أي: مسجدي مكة والمدينة، قال القرطبيّ ﵀: وهو إشارة إلى أن مبدأ الإيمان كان بمكة، وظهوره بالمدينة. انتهى (٢). (كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَما") بضمّ الجيم، وسكون الحاء المهملة، جمع جِحَرَةٌ، بكسر، ففتح، مثلُ عِنَبَة وعِنَب، وهو للحيّة، والضبّ، واليَربوع، يقال: انجحر الضبّ على انفعل: أوى إلى جُحْرِه، أفاده في "المصباح" (٣). وقال المجد: الجُحْرُ بالضمّ: كلُّ شيء تَحتفره الهوامّ والسباع لأنفسها؛ كالجُحْران، جمعه جِحَرَةٌ، وأَجْحَارٌ. انتهى (٤). والمعنى أنه كما تنتشر الحيّة من جُحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيءٌ، رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر من المدينة حتى وصل إلى جميع أقطار الأرض، ثم في آخر الزمان يرجع إليها، وتكون معقله، كما كان في الأول، ويفرّ إليها كلّ مؤمن فرارًا من آفات المخالفين. وقال في "الفتح": وكلّ مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة؛ لمحبّته في النبيّ ﷺ ، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبيّ ﷺ للتعلّم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين، وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك للصلاة في مسجده، وزيارة قبره ﷺ (٥)، والتبرّك بمشاهدة آثاره، وآثار أصحابه. وقال الداوديّ: كان هذا في حياة النبيّ ﷺ ، والقرن الذي كان منهم، والذين يلونهم، والذين يلونهم خاصّةً. انتهى (٦). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2169

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٦٩/ ٣٨٠] (١٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٦ و ٢٩٧)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٢٧)، و (البزّار) في "مسنده" (١١٨٢)، و (القُضاعيّ) في "مسند الشهاب" (١٠٥٤). [تنبيه]: في الباب عن ابن عمر ﵄ سيأتي بعد هذا، وسعد بن أبي وقّاص ﵁ عند أحمد في "مسنده" (١/ ١٨٤)، وعبد الرحمن بن سنّة عنده أيضًا (٤/ ٧٣ - ٧٤) بمثل حديث ابن عمر الآتي للمصنّف، وعن عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة عن الترمذيّ (٢٦٣٠) بلفظ: "إن الدين ليأرِزُ إلى الحجاز، كما تأرز الحيّة إلى جُحْرها"، وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح الترمذيّ ﵀ لهذا الحديث فيه نظر لا يخفى؛ لأن سنده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه كثير بن عبد الله بن عوف ضعيفٌ جدًّا، بل كذّبه الشافعيّ، وأبو داود، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان غربة الإسلام، وقلّة العاملين به، والناصرين له. ٢ - (ومنها): بيان خلوّ الأرض منه إلا بين المسجدين الشريفين. ٣ - (ومنها): بيان فضل الحرمين الشريفين، حيث يبقيان معقلًا للإسلام، وحصنًا حصينًا له، ولأهله في آخر الزمان، كما كانا كذلك في أوله، وإلى هذا يشير إخبارُ النبيّ ﷺ أَنّ رُعْب الدجّال لا يدخلهما. فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، عن النبيّ ﵁ قال: "ليس من بَلَدٍ إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس له من نِقَابها نقب إلا عليه الملائكة، صافِّين يَحْرُسونها، ثم تَرْجُف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فَيُخْرِجُ الله كلَّ كافر ومنافق".

стр. 2170

٤ - (ومنها): أن في الحديث الثاني مدح المدينة النبويّة، أن الإيمان سيأرِز إليها آخرًا كما كانت موئلًا له أولًا؛ إذ كان في أوّل الإسلام كلّ من خَلُص إيمانه، وصحّ إسلامه أتى إليها إما مُهاجِرًا مستوطنًا لها، وإما متشوِّقًا لرؤية النبيّ ﷺ ، ومتعلّمًا منه، ومتقرّبًا إلى الله تعالى بلقياه، ثم بعده هكذا في زمان الخلفاء، وأخذ سيرة العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة فيها، ثم بمن بعدهم من علمائها الذين كانوا سُرُج الوقت، وأئمة الهدى، وأخذ السنن المنتشرة بها عنهم، فكان كلّ ثابت الإيمان، ومنشرح الصدر به يرحل إليها، ويَفِدُ عليها، ثم بعدُ في كلّ وقت، وإلى زماننا هذا؛ للصلاة في مسجد النبيّ ﷺ ، حيث رغّب النبيّ ﷺ في شدّ الرحال إليها، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدريّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". ثم لزيارة قبره الشريف (١)، زيارةً شرعيّة، لا بدعيّة. ولرجاء الموت فيها، لعلّ الله تعالى يوفّقه لذلك؛ لأن النبيّ ﷺ رغّب في ذلك، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، وفي لفظ لأحمد: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها". وبالجملة فقصدها على هذه النيّة الحسنة، والشوق الصادق، يدلّ على صدق إيمانه، وصحّة يقينه، والله تعالى أعلم بالصواب. ٥ - (ومنها): مدح الغرباء الذين يغتربون عن أوطانهم، وعشائرهم طلبًا

стр. 2171

للإسلام، وأهله، فيجتمعون في مكان يمكنهم إظهار شعائر الإسلام فيه، ولا يُبالون بما أقبل من الدنيا، وما أدبر منها، وإنما همّهم إظهار الإسلام، والدعوة إليه، والذبّ عنه، ومقاطعة أهل البدع والخرافات، طوبى لهم، ثم طوبى لهم، ثم طوبى لهم. ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: فيه حجةٌ على صحّة مذهب مالك في تمسّكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجة شرعيّة، وقال أبو مصعب الزُّبيريّ في معنى الحديث: إنما المراد بالمدينة أهل المدينة، وأنه تنبيه على صحّة مذهبهم، وسلامتهم من البِدَعِ المحدثات، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم، وعند من سلك سبيلهم. انتهى (١). وتعقّب ذلك الحافظ بأن هذا إن سُلّم اختَصّ بعصر النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفِتن، وانتشار الصحابة في البلدان، ولا سيّما في أواخر المائة الثانية، وهَلُمّ جرًّا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بحجيّة عمل أهل المدينة يحتاج إلى تفصيل، وقد حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ تحقيقًا لا تجده عند غيره من المحقّقين، فقال ما ملخّصه: التحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متّفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماعهم على أربع مراتب: [الأولى]: ما يجري مَجرى النقل عن النبيّ ﷺ ، مثلُ نقلهم لمقدار الصاع والمدّ، وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتّفاق العلماء، أما الشافعيّ وأحمد، وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قال أبو يوسف، وهو أجلّ

стр. 2172

أصحاب أبي حنيفة رحمهما الله لَمّا اجتمع بمالك، وسأله عن الصاع والمدّ، فأمر مالك أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له إسنادها عن أسلافهم، فقال: أترى هؤلاء يكذبون؟ قال: لا، قال: فأنا حررت هذه الصيعان، فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق، وسأله عن صدقة الخضروات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ ، ولا أبي بكر، وعمر ﵄، وسأله عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منها: قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الأحاديث. [المرتبة الثانية]: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عليه عن الشافعيّ، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقّف في قلبك ريبًا إنه الحقّ، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنَّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتّباعها، وقال أحمد: كلُّ بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوّة، ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان كانت بالمدينة، وكذلك بيعة عليّ كانت بالمدينة، ثم خرج منها، وبعد ذلك لم يُعقد بالمدينة بيعة، وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة". وفي "السنن" من حديث سفينة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم تصير مُلْكًا عَضُوضًا". والمحكيّ عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجة، وما يُعلم لأهل المدينة عملٌ قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول ﷺ . [المرتبة الثالثة]: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين، وقياسين

стр. 2173

جُهِل أيّهما أرجح، وأحدهما يَعْمَلُ به أهل المدينة، ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعيّ أنه يُرجّح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يُرجّح به، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عَقيل -: أنه لا يرجَّحُ به، والثاني - وهو قول أبي الخطاب وغيره -: أنه يُرَجَّحُ به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى (١) أهل المدينة حديثًا، وعمِلوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويُقدّمه على مذهب أهل العراق تقريرًا كثيرًا، وكان يدلّ المستفتي على مذهب أهل الحديث، أهل المدينة، وكان أحمد يَكره أن يردّ على أهل المدينة كما يرُدّ على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح بأقوال أهل المدينة. [المرتبة الرابعة]: هي العمل المتأخّر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعيّة يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعيّة، هذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهّاب في كتابه "أصول الفقه" وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعًا، ولا حجةً عند المحقّقين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نصّ، ولا دليلٌ، بل هم أهل التقليد. قال: ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعلَ هذا حجةً، وهو في "الموطأ" إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا … وإذا تبيّن أن إجماع أهل المدينة تفاوتت فيه مذاهب جمهور الأئمة عُلم بذلك أن قولهم أصحّ أقوال أهل الأمصار روايةً ورأيًا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة حجة قويّة، وتارةً مرجّحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. انتهى ملخّص كلام شيخ الإسلام ﵀ (٢)، وهو تفصيل نفيس، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم.

стр. 2174

وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطيّ ﵀ ما معناه: أن الصحيح عن مالك أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان: [أحدهما]: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه. [الثاني]: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابيّ فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فأَلْحَقَ مالك التابعين من أهل المدينة فيما لا اجتهاد فيه؛ لتعلّمهم ذلك عن الصحابة. أما في المسائل الاجتهاديّة، فأهل المدينة؛ فالصحيح عن مالك أنهم كغيرهم من الأمة، وحُكي عنه الإطلاق، وعلى القول بالإطلاق يتوجّه عليه اعتراض المؤلف - يعني: ابن قُدامة في روضة الناظر - بأنهم بعض من الأمة كغيرهم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. وقد نظمت التفصيل المذكور في "التحفة المرضيّة" في الأصول بقولي: وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَولَ الكُلِّ … فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بقَولِ الجُلِّ فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ … يَحْتَاجُ تَفْصِيلًا بِدُونِ مِرْيَةِ كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ … أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ … نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً قَمَنْ وَثَانِهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ … يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ أَعْنِي لَدَى الجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُنَّةُ … الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ … لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا المَعْرِفَهْ ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجٌ تَعَارَضَتْ … عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا … بِهِ وَنُعْمَانٌ إِبَاءً أَوْضَحَا أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ … كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا … فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى فَأَحْمَدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو … حَنِيفَةٍ وَغَيْرُهُمْ قَدْ رَغِبُوا

стр. 2175

عَنْهُ كَذَا لَدَى المُحَقِّقِينَ مِنْ … أَصْحَابِ مَالِكٍ هَوَ الرَّأْيُ القَمِنْ وَبَعْضُ أَهْلِ الغَرْبِ مِنْ أَصْحَابِهِ … جَعَلَهُ الحُجَّةَ لَا تَعْبَأْ بِهِ إِذْ لَيْسَ نَصُّ مَالِكٍ وَلَا دَلِيلْ … أَيَّدَهُ بَلْ مَحْضُ تَقْلِيدِ ذَلِيلْ فَقَوْلُ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِذَا يُرَى … أَصَحَّ أَقَوَالٍ لَدَى القَوْمِ جَرَى فَتَارَةً بِالْقَطْع حُجَّةً أَتَى … وَتَارَةً ذَا قُوَّةٍ قَدْ ثَبَتَا وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِمَا يَدُلْ … مُلَخَّصُ التَّفْصِيلِ هَذَا قَدْ كَمُلْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٨١] (١٤٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ، (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَة، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ المذكور في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٥ - (عُبَيْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
следующие страницы →