للإسلام، وأهله، فيجتمعون في مكان يمكنهم إظهار شعائر الإسلام فيه، ولا يُبالون بما أقبل من الدنيا، وما أدبر منها، وإنما همّهم إظهار الإسلام، والدعوة إليه، والذبّ عنه، ومقاطعة أهل البدع والخرافات، طوبى لهم، ثم طوبى لهم، ثم طوبى لهم.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: فيه حجةٌ على صحّة مذهب مالك في تمسّكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجة شرعيّة، وقال أبو مصعب الزُّبيريّ في معنى الحديث: إنما المراد بالمدينة أهل المدينة، وأنه تنبيه على صحّة مذهبهم، وسلامتهم من البِدَعِ المحدثات، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم، وعند من سلك سبيلهم. انتهى (١).
وتعقّب ذلك الحافظ بأن هذا إن سُلّم اختَصّ بعصر النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفِتن، وانتشار الصحابة في البلدان، ولا سيّما في أواخر المائة الثانية، وهَلُمّ جرًّا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بحجيّة عمل أهل المدينة يحتاج إلى تفصيل، وقد حقّقه شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ تحقيقًا لا تجده عند غيره من المحقّقين، فقال ما ملخّصه:
التحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متّفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماعهم على أربع مراتب:
[الأولى]: ما يجري مَجرى النقل عن النبيّ ﷺ ، مثلُ نقلهم لمقدار الصاع والمدّ، وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتّفاق العلماء، أما الشافعيّ وأحمد، وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه. قال أبو يوسف، وهو أجلّ
стр. 2172
أصحاب أبي حنيفة رحمهما الله لَمّا اجتمع بمالك، وسأله عن الصاع والمدّ، فأمر مالك أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له إسنادها عن أسلافهم، فقال: أترى هؤلاء يكذبون؟ قال: لا، قال: فأنا حررت هذه الصيعان، فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق، وسأله عن صدقة الخضروات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ ، ولا أبي بكر، وعمر ﵄، وسأله عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منها: قد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الأحاديث.
[المرتبة الثانية]: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عليه عن الشافعيّ، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقّف في قلبك ريبًا إنه الحقّ، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنَّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتّباعها، وقال أحمد: كلُّ بيعة كانت في المدينة فهي خلافة نبوّة، ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان كانت بالمدينة، وكذلك بيعة عليّ كانت بالمدينة، ثم خرج منها، وبعد ذلك لم يُعقد بالمدينة بيعة، وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلّ بدعة ضلالة". وفي "السنن" من حديث سفينة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم تصير مُلْكًا عَضُوضًا". والمحكيّ عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجة، وما يُعلم لأهل المدينة عملٌ قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول ﷺ .
[المرتبة الثالثة]: إذا تعارض في المسألة دليلان، كحديثين، وقياسين
стр. 2173
جُهِل أيّهما أرجح، وأحدهما يَعْمَلُ به أهل المدينة، ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعيّ أنه يُرجّح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يُرجّح به، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عَقيل -: أنه لا يرجَّحُ به، والثاني - وهو قول أبي الخطاب وغيره -: أنه يُرَجَّحُ به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى (١) أهل المدينة حديثًا، وعمِلوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة، ويُقدّمه على مذهب أهل العراق تقريرًا كثيرًا، وكان يدلّ المستفتي على مذهب أهل الحديث، أهل المدينة، وكان أحمد يَكره أن يردّ على أهل المدينة كما يرُدّ على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح بأقوال أهل المدينة.
[المرتبة الرابعة]: هي العمل المتأخّر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعيّة يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعيّة، هذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهّاب في كتابه "أصول الفقه" وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعًا، ولا حجةً عند المحقّقين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نصّ، ولا دليلٌ، بل هم أهل التقليد. قال: ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعلَ هذا حجةً، وهو في "الموطأ" إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا …
وإذا تبيّن أن إجماع أهل المدينة تفاوتت فيه مذاهب جمهور الأئمة عُلم بذلك أن قولهم أصحّ أقوال أهل الأمصار روايةً ورأيًا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة حجة قويّة، وتارةً مرجّحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. انتهى ملخّص كلام شيخ الإسلام ﵀ (٢)، وهو تفصيل نفيس، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم.
стр. 2174
وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطيّ ﵀ ما معناه: أن الصحيح عن مالك أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان:
[أحدهما]: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه.
[الثاني]: أن يكون من الصحابة أو التابعين لا غير ذلك؛ لأن قول الصحابيّ فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع، فأَلْحَقَ مالك التابعين من أهل المدينة فيما لا اجتهاد فيه؛ لتعلّمهم ذلك عن الصحابة.
أما في المسائل الاجتهاديّة، فأهل المدينة؛ فالصحيح عن مالك أنهم كغيرهم من الأمة، وحُكي عنه الإطلاق، وعلى القول بالإطلاق يتوجّه عليه اعتراض المؤلف - يعني: ابن قُدامة في روضة الناظر - بأنهم بعض من الأمة كغيرهم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب.
وقد نظمت التفصيل المذكور في "التحفة المرضيّة" في الأصول بقولي:
وَاشْتَرَطُوا كَوْنَهُ قَولَ الكُلِّ … فَلَيْسَ إِجْمَاعٌ بقَولِ الجُلِّ
فَمِنْ هُنَا إِجْمَاعُ أَهْلِ طَيْبَةِ … يَحْتَاجُ تَفْصِيلًا بِدُونِ مِرْيَةِ
كَمَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدْ قَسَّمَهُ … أَرْبَعَةً فَهَاكَ مَا رَسَّمَهُ
أَوَّلُهَا مَا صَارَ مِثْلَ النَّقْلِ عَنْ … نَبِيِّنَا كَالصَّاعِ حُجَّةً قَمَنْ
وَثَانِهَا عَمَلُهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ … يُقْتَلَ عُثْمَانُ فَحُجَّةٌ تُسَنْ
أَعْنِي لَدَى الجُمْهُورِ إِذْ ذَا سُنَّةُ … الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حُجَّةُ
وَلَيْسَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالَفَهْ … لِسُنَّةِ الرَّسُولِ يَا ذَا المَعْرِفَهْ
ثَالِثُهَا إِنْ حُجَجٌ تَعَارَضَتْ … عَمَلُهُمْ لِبَعْضِهَا هَلْ رَجَّحَتْ؟
فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَجَّحَا … بِهِ وَنُعْمَانٌ إِبَاءً أَوْضَحَا
أَصْحَابُ أَحْمَدَ لَهُمْ وَجْهَانِ … كَلَامُهُ يَمِيلُ لِلرُّجْحَانِ
رَابِعُهَا عَمَلُهُمْ مُؤَخَّرَا … فَفِي احْتِجَاجِنَا بِهِ خُلْفٌ جَرَى
فَأَحْمَدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو … حَنِيفَةٍ وَغَيْرُهُمْ قَدْ رَغِبُوا
стр. 2175
عَنْهُ كَذَا لَدَى المُحَقِّقِينَ مِنْ … أَصْحَابِ مَالِكٍ هَوَ الرَّأْيُ القَمِنْ
وَبَعْضُ أَهْلِ الغَرْبِ مِنْ أَصْحَابِهِ … جَعَلَهُ الحُجَّةَ لَا تَعْبَأْ بِهِ
إِذْ لَيْسَ نَصُّ مَالِكٍ وَلَا دَلِيلْ … أَيَّدَهُ بَلْ مَحْضُ تَقْلِيدِ ذَلِيلْ
فَقَوْلُ أَهْلِ طَيْبَةٍ لِذَا يُرَى … أَصَحَّ أَقَوَالٍ لَدَى القَوْمِ جَرَى
فَتَارَةً بِالْقَطْع حُجَّةً أَتَى … وَتَارَةً ذَا قُوَّةٍ قَدْ ثَبَتَا
وَتَارَةً مُرَجِّحًا لِمَا يَدُلْ … مُلَخَّصُ التَّفْصِيلِ هَذَا قَدْ كَمُلْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨١] (١٤٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ، (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَة، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ المذكور قبل باب.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٥ - (عُبَيْدِ اللهِ بِنِ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
стр. 2176
٦ - (خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] (١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٧ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطّاب العُمريّ المدنيّ، ثقة [٣]، (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٨ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) قال في "الفتح": هو بالخاء المعجمة، مصغّرًا، وكذا رواه أكثر أصحاب عبيد الله، وخُبيب هو خال عُبيد الله المذكور، وقد رَوَى عنه بهذا الإسناد عدّة أحاديث.
قال الجامع: قد تقدّم في المقدّمة الحديث الثامن بهذا الإسناد (١).
قال: وفي رواية يحيى بن سُليم، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أخرجه ابن حبّان، والبزّار، وقال البزّار: إن يحيى بن سُليم أخطأ فيه، قال الحافظ: وهو كما قال، وهو ضعيفٌ في عُبيد الله بن عمر. انتهى.
[تنبيه آخر]: قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم: قوله ﷺ : "الإيمان لَيأرِزُ إلى المدينة"، يريد به أهل الإيمان، وذلك أن المدينة خَشِنَةٌ قفرىٌ، ذات بسابس، ودكادك، منع الله جلّ وعلا عنها طلب اللذّات في الأعين والأنفس، وقدّر فيها أقواتها لمن طلب اللهَ والدارَ الآخرةَ، فلا يَرْكن إليها إلا كلُّ مشمِّرٍ عن هذه الفانية الزائلة، ولا قَطَنها إلا كلُّ مُنقلع بكليّته إلى الآخرة الدائمة. انتهى كلامه ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حبّان ﵀ بحسب ما شاهده في عصره، أما في الوقت الذي نحن فيه، فالأمر بالعكس، فقد فتح الله
стр. 2177
على أهل مكة والمدينة، بل وعلى عموم أهل الحجاز، حيث أقام هذه الدولة السعيدة، الدولة السعوديّة المباركة، وفتح عليهم بركات الأرض، فقاموا بخدمة الحرمين الشريفين خدمة لا مثيل لها، وبذلوا كلّ الجهود في جلب الخيرات، وكلّ المستلذّات إليهما، ومهّدوا سبيل الأمن والراحة لأهلهما، فالناس الآن يتنافسون في زيارة الحرمين الشريفين بكلّ سرور، وبكلّ حبور؛ لِمَا ينالونه من صنوف الخيرات، وأنواع البركات، فأهل الإيمان ينالون من أنواع العلوم والعبادات ما تقرّ به أعينهم، وأهل الدنيا ينالون من الرفاهية، وتنزيه النفس والبدن بأصناف ما يناسب أهواءهم، فسبحان من قلّب الأمور، وصنّف الدهور، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٦٩/ ٣٨١] (١٤٧)، و (البخاريّ) في "فضائل المدينة" (١٨٧٦)، و (ابن ماجه) في "الحجّ" (٣١١١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦ - ٤٢٢ - و ٤٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٥)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(٧٠) - (بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخِرَ الزَّمَانِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٢] (١٤٨) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ".
стр. 2178
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصّفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٣ - (حَمَّادٌ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِثٌ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع وعشرين ومائة) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الصحابيّ الشهير ﵁ (ت ٢ أو ٩٣) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وحماد بن سلمة، وإن كُتِب له في "التهذيب"، والتقريب" علامة التعليق للبخاريّ، إلا أن الأصحّ أنه روى له أيضًا حديثًا واحدًا في "كتاب الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه وإن اشتبه حماد بن سلمة بحمّاد بن زيد؛ لاشتراكهما في الطبقة، والشيوخ، والرواة، إلا أنه هنا هو ابن سلمة بدليل أن الراوي عنه عفّان؛ لأنه يُميَّز بينهما بالرواة، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَطْ ثُمَّ السِّمَهْ … حَمَّادُ لابْنِ زَيْدِ وَابْنِ سَلَمَهْ
فَإِنْ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلَا … أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلَا
أَوْ هُدْبَةٍ أَوِ التَّبُوذَكِيِّ أَوْ … حَجَّاجٍ أَوْ عَفَّانَ فَالثَّانِ رَأَوْا
فـ "ابنُ حرب": هو سليمان، و"عارمٌ": هو محمد بن الفضل السدوسيّ،
стр. 2179
و"هدبة" هو ابن خالد، و"التبوذكيّ": هو موسى بن إسماعيل، و"حجّاج": هو منهال، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٥ - (ومنها): أن حماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت، وثابتٌ من ألزم الناس لأنس ﵁، يقال: إنه لزمه أربعين سنة.
٦ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ ذو مناقبَ جمّة، أشهرها أنه خدم النبيّ ﷺ عشر سنين، ودعا له بالبركة في المال والأهل.
فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" أن النبيّ ﷺ دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، قال: "أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم"، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله، إن لي خُوَيِّصةً، قال: "ما هي؟ "، قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة ولا دنيا، إلا دعا لي به، قال: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له فيه"، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أُمَينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم حجَّاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة.
وأخرج مسلم، عن أنس ﵁ أن أمه قالت: يا رسول الله، خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته"، وفي رواية: فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي، لَيَتَعَادون على نحو المائة اليوم.
وأخرج عنه أيضًا قال: مَرّ رسول الله ﷺ ، فسمعت أمي أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيسٌ، فدعا لي رسول الله ﷺ ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.
وهو من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃، ومن المعمّرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ" بالرفع مكرّرًا، وهو مبتدأ خبره محذوفٌ؛ أي: الله ربيّ،
стр. 2180
وفي الرواية التالية: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله"، قال النوويّ ﵀: هو برفع اسم الله تعالى، وقد يَغْلَطُ فيه بعض الناس، فلا يرفعه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا غلّط النوويّ من لم يرفع لفظ "الله الله"، وقد عارضه القرطبيّ، حيث صوّب النصب، واستبعد الرفع، ودونك نصّه، قال: "اللهَ اللهَ" كذا صوابه بالنصب، وكذلك قيّدناه عن محقّقي من لقيناه، ووجهه أن هذا مثلُ قول العرب: "الأسدَ الأسدَ"، و"الجدارَ الجدارَ"، إذا حذّروا من الأسد المفترس، والجدار المائل، فهو منصوب بفعل مُضمر، كأنهم قالوا: احذر الأسد المفترس، لكنّهم التزموا إضماره هنا لتكرار الاسم، ونصبه، كما قال الشاعر [من الطويل]:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُ … كَسَاعٍ إِلَى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ
فإن أفردوا ذَكَرُوا الفعل، فقالوا: اتّق الأسدَ، واحذر الجدارَ، واحفظ أخاك.
قال الجامع عفا الله عنه: وإلى ما ذُكر، وغيره من أحكام التحذير والإغراء أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة"، فقال:
"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ"إِيَّا" انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ العَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ"الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي"
وَشَذَّ "إِيَّايَ" وَ"إِيَّاهُ" أَشَذْ … وَعَنْ سَبِيلِ القَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ
وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا "إِيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصَّلَا
قال القرطبيّ: وقيّده بعضهم: "اللهُ اللهُ" بالرفع على الابتداء، وحذف الخبر، وفيه بُعْدٌ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن العمدة في ذلك صحة الرواية، وظاهر كلام القرطبيّ ثبوت النصب رواية، وكلام النوويّ يفيد ثبوت الرفع كذلك، فإذا ثبتت الرواية بهما، فالوجهان صحيحان دون أيّ استبعاد لهما، فأما النصب فعلى الوجه الذي ذكره القرطبيّ، وهو النصب على التحذير؛ أي:
стр. 2181
اتّقوا اللهَ، وأما الرفع فعلى أنه خبر لمحذوف، أي: اللهُ ربّي، أو نحو ذلك، والتكرار للتأكيد.
وأما ما ذكره بعض الشارحين من أن لفظ الجلالة الأولُ مبتدأ، والثاني خبره، فبُعده مما لا يخفى على بصير.
ومعنى الحديث: أن القيامة لا تقوم على من يقول: "الله الله"، والمراد به: لا إله إلا الله، كما جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى، وأنها لا تقوم إلا على شرار الخلق، وقد تقدّم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تَدَعُ أحدًا في قلبه مثقالُ حبة"، وفي رواية: "مثقال ذَرّة من إيمان إلا قبضته"، وتقدّم الجمع بينه وبين حديث: "لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله"، وفي رواية: "حتى تقوم الساعة" بأن المراد بإتيان الساعة إتيان علاماتها، ومقدّماتها.
والحاصل أن هذه الطائفة هي التي تقاتل الدجّال، وتجتمع بعيسى ﵇، ثم لا تزال على هذه الصفة التي وصفها به النبي ﷺ إلى أن يَبعث الله تعالى تلك الريح، فيقبضهم، وذلك عند قُربِ الساعة بعد أن ظهرت أشراطها، ووقعت علاماتها.
[تنبيه]: (اعلم): أن الروايات كلَّها متّفقةٌ على أن الحديث بلفظ: "الله الله"، مكرّرًا في الروايتين، قال النوويّ ﵀: وهكذا هو في جميع الأصول، وقال القاضي عياضٌ ﵀: وفي رواية ابن أبي جعفر (١) يقول: "لا إله إلا الله". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا اللفظ الذي عزاه القاضي عياض إلى ابن أبي جعفر في رواية مسلم وقع في رواية أحمد في "مسنده" (١٣٤٢١) قال ﵀: حدثنا عَفّان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابتٌ، عن أنس، قال: قال
стр. 2182
رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله".
ووقع أيضًا عند ابن حبّان في "صحيحه" (٦٨٤٨) من طريق معمر، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة على أحد يقول: لا إله إلا الله"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: جرت مناظرة بين عبد الله بن عمرو، وبين عقبة بن عامر في حديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق"، أخرجها المصنّف في "كتاب الإمارة"، من طريق عبد الرحمن بن شِماسة المَهْريّ، قال: كنت عند مَسْلَمة بن مُخَلَّد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يَدْعُون الله بشيء إلا رَدَّه عليهم"، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأَمّا أنا فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي، يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" (١).
فقال عبد الله: أَجَلْ، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك، مَسُّها مَسُّ الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقالُ حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤/ ٤٥٦)، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهذا من غفلته ﵀، فقد، أخرجه المصنّف سندًا ومتنًا، ومن الغريب أن الذهبيّ سكت عليه، بل قال بعدما ساقه موافقًا ما نصّه: صحيح؛ فتنبّه.
ومن الغريب أيضًا أن الحافظ عزا هذا الحديث في "الفتح" (٢) إلى "المستدرك" مع أن المصنّف أخرجه، فكان الأولى أن يعزوَه إليه؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2183
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٠/ ٣٨٢ و ٣٨٣] (١٤٨)، و (الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٠٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٨٤٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٧ - ١٦٢ - ٢٦٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٥٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨٤٨ و ٦٨٤٩)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٣ و ٢٩٤)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٧٣ و ٣٧٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٨٤)، و (الخطيب البغداديّ) في "تاريخه" (٣/ ٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذهاب الإيمان عن أهل الأرض آخر الزمان، وذلك بعد وقوع طلوع الشمس من مغربها، حين لا ينفع نفسًا إيمانُها، لم تكن آمنت من قبلُ، كما بيّنه الله في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
٢ - (ومنها): بيان فضل المؤمنين، حيث إن الله أكرمهم، ولم يُهنهم بإقامة الساعة عليهم، وهم أحياء، بل أكرمهم ببعث ريح ليّنة تقبض أرواحهم، فتريحهم من تعب الدنيا، وشدائدها، وأهوال القيامة، وفزعها، فأبعدهم عن ما يحزنهم، أو يُهمهم، كما وعدهم بذلك حيث قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
٣ - (ومنها): بيان فضل ذكر الله تعالى، حيث لا تقوم الساعة وفي الأرض من يذكر الله تعالى.
٤ - (ومنها): أنه وردت أحاديث كثيرة بمعنى هذا الحديث في "الصحيحين" وفي غيرهما.
(فمنها): الحديث الماضي في مناظرة عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر ﵄ عند المصنّف ﵀.
стр. 2184
(ومنها): ما أخرجه المصنّف أيضًا في "كتاب الفتن" من حديث النّوّاس بن سِمْعان ﵁ الطويل، وفيه: "إذ بَعَثَ الله ريحًا طيبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتَقْبِض رُوح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تَهارُج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة" (١).
و (منها): ما أخرجه البخاريّ من طريق الزبير بن عَدِيّ، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نَلْقَى من الحجَّاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرّ منه، حتى تَلْقَوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ (٢).
(ومنها): ما أخرجه أيضًا من حديث مِرْدَاس الأسلميّ ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "يذهب الصالحون، الأولَ فالأولَ، ويبقى حُفَالة كحَفَالة الشعير - أو التمر (٣) - لا يباليهم الله بَالَةً".
(ومنها): ما أخرجه أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "مِن شِرَار الناس مَن تُدْركهم الساعة، وهم أحياء" (٤).
(المسألة الرابعة): أنه مما ينبغي له التنبّه ما استنبطه بعض جَهَلَة الصوفيّة من هذا الحديث، وهو مشروعيّة الذكر بلفظ "الله" مفردًا، بل جعله أفضل من الذكر بـ "لا إله إلا الله"، بل أغرب من هذا أن بعضهم يرى الذكر بلفظ "هو" مفردًا أيضًا، وكلّ هذا خلاف ما شرعه الله تعالى على لسان نبيّه ﷺ ، فيكون من البدع المنكرة، فقد ثبت عنه ﷺ أنّ "لا إله إلا الله أفضل الذكر"، فقد أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن جابر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"، وهو حديث حسن (٥)، وثبت عنه ﷺ أيضًا غير هذا من أنواع الذكر، فينبغي التقيّد بما ثبت
стр. 2185
عنه ﷺ ؛ إذ من المعلوم أن العبادة توقيفيّة، فما لم يَرِد الشرع به، فهو بدعة وضلالة، والذكر بلفظ "الله" مفردًا، أو بـ "هو" كذلك مما لم يُشْرَع في الكتاب، ولا في السنّة، ولا هو مأثورٌ عن السلف، وأيضًا إن الذكر ثناء، وهو لا يكون إلا بجملة تامّة يحسُن السكوت عليها، مثل: "لا إله إلا الله"، و"الله أكبر"، و"سبحان الله"، و"الحمد لله"، و"لا حول ولا قوّة إلا بالله"، وأما الاسم المفرد، فلا يحسن السكوت عليه؛ إذ ليس جملة تامّة، ولا كلامًا مفيدًا، كما هو معلوم عن أهل العلم بالعربيّة.
وبالجملة إن مثل هذا الذكر من محدثات الأمور التي حذّر النبيّ ﷺ منها أمته، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه بسند صحيح من حديث الِعرْباض بن سارية ﵁ الطويل، وفيه: "فإنه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
وفي رواية عند النسائيّ بسند صحيح زيادة: "وكلّ ضلالة في النار".
والحاصل أن من قال بمشروعيّة الذكر بالاسم المفرد، أو بـ "هو"، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله ، وضلّ، وأضلّ، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم جنّبنا البدَع، وارزقنا التمسّك بالسنّة، أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتًا، آمين آمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ، يَقُولُ: اللهُ اللهُ").
стр. 2186
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسِّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. وشرحُ الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(٧١) - (بَابُ جَوَازِ الاسْتِسْرَارِ بِالإِيمَانِ لِلْخَائِفِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج -رحمه الله تعالى- المذكور أول الكتاب قال:
[٣٨٤] (١٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإسْلَامَ؟ "، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أَتَخَافُ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ؟ قَالَ: (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا"، قَالَ: فَابْتُلِيْنَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا).
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلّهم تقدّموا قريبًا:
و"أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و"أَبُو كُرَيْبٍ" هو: محمد بن العلاء، أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، و"أَبُو مُعَاوِيةَ" هو: محمد بن خازم الضرير، و"الأَعْمَش" هو: سليمان بن مِهْران، و"شَقِيق": هو ابن سلمة أبو وائل التابعيّ المخضرم، والسند مسلسلٌ بالكوفيين، وسبق بقيّة لطائفه قريبًا، والله تعالى أعلم.
стр. 2187
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَحْصُوا لِي) معناه: عُدّوا لي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، قاله القرطبيّ ﵀ (١)، وفي رواية البخاريّ: "اكتبوا لي"، والإحصاء أعمّ من الكتابة، وقد يُفسّر "أحصوا" بـ "اكتبوا"، قاله في "الفتح" (٢)، (كَمْ يَلْفِظُ الإسْلَامَ؟ ") أي: كم شخصًا يتكلّم بكلمة الإسلام؟ قال القرطبيّ ﵀: وأصل اللفظ: الرَّمْيُ، ومنه: لَفَظَه البحر، أي: رماه، وعدّاه بنفسه لما حذف الباء في رواية، وفي أخرى بثبوت الباء؛ لأنه محمول على تكلّم المتعدّي بحرف الجرّ، فكأنه قال: عُدّوا لي كم يتكلّم بالإسلام. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "كم يَلْفِظ الإسلام؟ " هو بفتح الياء المثنّاة من تحتُ، والإسلام منصوبٌ، مفعولُ "يَلْفِظُ" بإسقاط. حرف الجرّ، أي: يَلْفِظ بالإسلام، ومعناه: كم عَدَدُ مَن يتلفظ بكلمة الإسلام؟، و"كم" هنا استفهامية، ومُفَسّرها محذوف، وتقديره: كم شخصًا يَلفِظ بالإسلام؟.
وفي بعض الأصول: "تَلَفَّظَ؟ " بتاء مثناة من فوقُ، وفتح اللام، والفاء المشددة، وفي بعض الروايات للبخاريّ وغيره: "اكتُبُوا مَن يَلْفِظُ بالإسلام"، فكتبنا، وفي رواية النسائيّ وغيره: "أَحْصُوا لي من كان يَلْفِظ بالإسلام؟ "، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: "أَحْصُوا كُلَّ مَن تَلَفَّظَ بالإسلام". انتهى (٤).
(قَالَ) حذيفة ﵁ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، أتخَافُ عَلَيْنَا)، الهمزة للاستفهام التعجبيّ، وفي رواية البخاريّ: "فقلنا: نخاف" بالنون، وحذف أداة الاستفهام، وقوله: (وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ؟) (٥) جملةٌ اسميّةٌ في محلّ نصب على الحال من ضمير "علينا".
ومرادهم بهذا تبشير النبيّ ﷺ ، فكأنهم قالوا له: أتخاف علينا ظهور العدوّ،
стр. 2188
وقد كثر عددنا، وقَوِيت شوكتنا، وقد نصرنا الله تعالى، ونحن في قلّة وضعف؟.
ووقع في رواية البخاريّ من طريق الثوريّ، عن الأعمش: "فكتبنا له ألفًا وخمسَمائة رجل، فقلنا: نَخَافُ، ونحن ألف وخمسُمائة؟ "، وفي رواية للبخاريّ أيضًا مَن طريق أبي حمزة السّكّريّ، عن الأعمش: "فوجدناهم خمسَمائة".
قال في "الفتح" ما حاصله: خالف الثوريَّ أبو حمزة، عن الأعمش في هذا الحديث بهذا السند، فقال: "خمسمائة"، ولم يذكر الألف، وخالفه أيضًا أبو معاوية، فقال: "ما بين ستمائة إلى سبعمائة".
قال: وطريق أبي معاوية هذه وصلها مسلم، وأحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وكأن رواية الثوريّ رَجَحَت عند البخاريّ، فلذلك اعتمدَهَا؛ لكونه أحفظهم مطلقًا، وزاد عليهم، وزيادة الثقة الحافظ مقدَّمةٌ، وأبو معاوية وإن كان أحفظَ أصحاب الأعمش بخصوصه، ولذلك اقتصر مسلمٌ على روايته، لكنه لم يَجْزِم بالعدد - أي حيث عبّر بلفظ: ما بين ستمائة، إلى سبعمائة - فقَدَّم البخاري روايةَ الثوريّ؛ لزيادتها بالنسبة لرواية الاثنين، ولجزمها بالنسبة لرواية أبي معاوية.
وأما ما ذكره الإسماعيليّ أن يحيى بن سعيد الأُمَويّ، وأبا بكر بن عَيّاش وافقا أبا حمزة في قوله: "خمسمائة"، فتتعارض الأكثرية والأحفظية، فلا يخفى بُعْدُ ذلك الترجيح بالزيادة، وبهذا يَظْهَر رُجحان نظر البخاريّ على غيره.
وسَلَك الداوديّ الشارحُ طريق الجمع، فقال: لعلهم كَتَبُوا مَرّات في مواطن، وجَمَعَ بعضهم بأن المراد بالألف وخمسمائة جميعُ مَن أسلم من رجل وامرأة وعبد وصبيّ، وبما بين الستمائة إلى السبعمائة الرجال خاصّةً، وبالخمسمائة المقاتلة خاصّةً، وهو أحسن من الجمع الأَوّل، وإن كان بعضهم أبطله بقوله في الرواية الأولى: "ألفًا وخمسمائة رجل"؛ لإمكان أن يكون الراوي أراد بقوله: "رجل" نفس.
وجَمَع بعضهم (١) بأن المراد بالخمسمائة المقاتلة من أهل المدينة خاصّةً،
стр. 2189
وبما بين الستمائة إلى السبعمائة، هم ومَن ليس بمقاتل، وبالألف وخمسمائة، هم ومَن حولهم من أهل القرى والبوادي.
قال الحافظ: ويخدُش في وجوه هذه الاحتمالات كلِّها اتّحاد مخرج الحديث، ومداره على الأعمش بسنده، واختلاف أصحابه عليه في العدد المذكور، والله تعالى أعلم. انتهى كلامه (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ من خَدْشِ فذه الاحتمالات قويّ جدًّا، فإذًا يكون الجواب الصحيح أن يُسلَكَ مسلك الترجيح فقط، وهو أن رواية الثوريّ أولى بالاعتماد عليها، كما هو صنيع الإمام البخاريّ ﵀، كما بيّن ذلك الحافظ ﵀ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ) ﵀ مُحذِّرًا لهم من الزَّهْوِ والإعجاب بالكثرة، إذ النصر ليس بالكثرة، وإنما هو من عند الله تعالى، كما قال : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
("إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ) "لعل" هنا للاستفهام، على مذهب الكوفيين، ولهذا عُلّق بها الفعل، أي "تدرون"، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]،، وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ [عبس: ٣] (٢)، ومعناها هنا الإشفاق، وهي في كلام الله تعالى، ورسوله ﷺ
стр. 2190
للتحقيق (أَنْ تُبْتَلَوْا") بضمّ أوله، وفتح ثالثه، ورابعه، أما فتح ثالثه، فلكونه مبنيًّا للمفعول، وفتح رابعه، وهو اللام، فلأجل وقوع الإعلال فيه؛ إذ أصله: "أن تُبتَلَوُوا" بضم الواو الأولى، فقُلبت ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت لالتقاء الساكنين: وهما الواوان، فبقي ما قبلها مفتوحًا؛ لعدم كونه قبلها تقديرًا.
ولفظ أبي عوانة، وأبي نُعيم: "لعلّكم تُبْتَلَون" بحذف "أن"، قال في "الفتح": وكأنّ ذلك وقع عند تَرَقُّب ما يُخاف منه، ولعله كان عند خروجهم إلى أُحد أو غيرها، ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حَفْر الخندق، وحَكَى الداوديّ احتمالَ أنّ ذلك وقع لَمّا كانوا بالحديبية؛ لأنه قد اختُلِف في عددهم، هل كانوا ألفًا وخمسمائة، أو ألفًا وأربعمائة، أو غير ذلك؟ مما سيأتي في مكانه. انتهى (١).
(قَالَ) حُذيفة ﵁ (فَابْتُلِيْنَا) بالبناء للمفعول، ولفظ البخاريّ: "فلقد رأيتُنَا ابتُلِينا" (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلا سِرًّا) أي: فتحقّق ما أخبر به النبيّ ﷺ ، فحصل الابتلاء بالفتن التي تموج كموج البحر، وامتُحنوا حتى كان الرجل منهم يُخفي صلاته عن الآخرين، ويُصلّي سرًّا، خوفًا وفَرَقًا.
قال النوويّ ﵀: لعله كان في بعض الفتن التي جَرَت بعد النبيّ ﷺ ، فكان بعضهم يُخفِي نفسه، ويصلي سرًّا؛ مخافةً من الظهور، والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وأما قول حذيفة ﵁: "فابتُلِينا … إلخ" فيُشبِه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ﵁ من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر الصلاةَ، أو لا يُقيمها على وجهها، وكان بعض الوَرِعِين يُصلي وحده سرًّا، ثم يصلي معه خشيةً من وقوع الفتنة، وقيل: كان ذلك حين أتمّ عثمانُ الصلاة في السفر، وكان بعضهم يَقصر سرًّا وحده؛ خشيةَ الإنكار عليه.
ووَهِمَ مَن قال: إن ذلك كان أيامَ قتل عثمان؛ لأن حذيفة ﵁ لم يحضر
стр. 2191
ذلك، وفي ذلك عَلَمٌ من أعلام النبوة، من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وَقَع أشد من ذلك بعد حذيفة ﵁ في زمن الحجَّاج وغيره. انتهى (١).
وقال القرطبي ﵀: قوله: "فابتُلينا … إلخ" يعني: بذلك - والله أعلم - ما جرى لهم في أوّل الإسلام بمكّة حين كان المشركون يؤذونهم، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم حتى كانوا يُصلّون سرًّا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ في توجيه معنى هذا الحديث مما لا يخفى بطلانه، يُبطله قوله: "فابتُلينا"؛ إذ معناه: بعدما قال لهم النبيّ ﷺ : "لعلكم أن تُبْتَلَوْا"، ويُبطله أيضًا قوله: "أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ "، وفي رواية الثوريّ: "ونحن ألف وخمسمائة"، وهذا كلّه لا يكون قطعًا في أول الإسلام، وإنما هو بعد قوله ﷺ : "أحصوا لي … إلخ".
والحاصل أن هذا الابتلاء إنما وقع بعد ذلك، والذي يظهر أن المراد ما وقع في خلافة عثمان ﵁ من بعض ولاة أمراء بني أميّة، كما سبق في كلام الحافظ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧١/ ٣٨٤] (١٤٩)، و (البخاريّ) في "الجهاد والسير" (٣٠٦٠)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٢٩)، و (النسائيّ) في "السير" من "الكبرى" (٨٨٧٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ٦٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٩٩ و ٣٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٧٥)، و (ابن
стр. 2192
منده) في "الإيمان" (٤٥٢ و ٤٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٦٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٧٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بين جواز الاستسرار بالإيمان للخائف على نفسه.
٢ - (ومنها): مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يَصْلَح للمقاتلة عمن لا يصلح.
٣ - (ومنها): أن فيه وقوعَ العقوبة على الإعجاب بالكثرة، فقد قالوا للنبيّ ﷺ : "أتخاف علينا"، ونحن بهذا العدد الكثير؟، فوقع الابتلاء، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
٤ - (ومنها): أن فيه علَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع بعده، فوقع كما أخبر به، فقد قال حذيفة ﵁: "فابتُلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلّي إلا سرًّا".
٥ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ ﷺ ، وشدّة رأفته بأصحابه خاصةً، وبأمته عامّة، فكان يحذّرهم ويُخبرهم بما سيحصل لهم من الابتلاء والامتحان حتى يستعدّوا لذلك بالصبر، والتوكّل على الله - سبحانة وتعالي -، فظهر بهذا مصداق قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ ترجم في "كتاب الجهاد" من "صحيحه"، فقال: "باب كتابة الإمام الناس"، فقال ابن المُنَيِّر ﵀: موضعُ الترجمة من الفقه أن لا يُتَخَيَّل أن كتابة الجيش، وإحصاء عدده، يكون ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابةُ المأمورُ بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التي وقعت في حنين، كانت من جهة الإعجاب. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان القاعدة النحويّة في تعريف العدد:
стр. 2193
(اعلم): أنه وقع في هذا الحديث قوله: "مَا بَيْنَ السِّتّمِائَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةٍ"، فقال النوويّ ﵀: كذا وقع في مسلم، وهو مشكل من جهة العربية، وله وجه، وهو أن يكون "مائة" في الموضعين منصوبًا على التمييز، على قول بعض أهل العربية (١)، وقيل: إن "مائة" في الموضعين مجرورة، على أن تكون الألف واللام زائدتين، فلا اعتداد بدخولهما.
قال: ووقع في "صحيح البخاريّ": "ما بين ستمائة إلى سبعمائة"، وهذا ظاهرٌ، لا إشكال فيه من جهة العربية (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وجه الإشكال الذي أشار إليه النوويّ ﵀ أن القاعدة النحويّة في العدد أنه إذا كان العدد مضافًا، وأردت تعريفه، عَرَّفتَ الآخرَ، وهو المضاف إليه، فيصير الأول مضافًا إلى معرفة، فتقول: ثلاثة الأثواب، ومائة الدرهم، وألفُ الدينار، ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ … فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِ
وقول الآخر [من الطويل]:
وَهَلْ يَرْجِعُ التَّسْلِيمَ أَوْ يَكْشِفُ العَنَا … ثَلَاثُ الأَثَافِي وَالدِّيَارُ البَلَاقِعُ
وأجاز الكوفيّون "الثلاثة الأثوابِ"؛ تشبيهًا بـ "الحسنِ الوجهِ"، قال الزمخشريّ: وذلك بمعزل عند أصحابنا - يعني: البصريين - عن القياس، واستعمال الفصحاء.
وإذا كان العدد مركّبًا ألحقتَ حرف التعريف بالأول، فتقول: الأحد عشر درهمًا، والاثنتا عشرة جاريةً، ولم تُلحقه بالثاني؛ لأنه بمنزلة بعض الاسم، وأجاز ذلك الأخفش، والكوفيّون، فقالوا: الأحد العشر درهمًا، والاثنتا العشرة جاريةً؛ لأنهما في الحقيقة اسمان، والعطف مرادٌ فيهما، ولذلك بُنيا، ويدلُّ عليه إجازتهم ثلاثة عشر، وأربعة عشر؛ إذ تاء التأنيث لا تقع حشوًا، فلولا ملاحظة العطف لَمَا جاز ذلك.
ولا يجوز الأحدَ العشرَ الدرهمَ؛ لأن التمييز واجب التنكير؛ نعم يجوز عند الكوفيين، وقد استعمل ذلك بعضُ الكُتّاب.
стр. 2194
وإذا كان معطوفًا عرّفتَ الاسمين معًا، فتقول: الأحد والعشرون درهمًا؛ لأن حرف العطف فَصَلَ بينهما.
(واعلم): أن في تعريف المضاف قد يكون المعرَّف إلى جانب الأول، كما تقدّم، وقد يكون بينهما اسم واحدٌ، نحو خمسمائة الألف، وقد يكون بينهما اسمان، نحو خمسمائة ألف الدينار، وقد يكون بينهما ثلاثة أسماء، نحو خمسمائة ألف دينار الرجل، وقد يكون بينهما أربعة أسماء، نحو خمسمائة ألف دينار غلام الرجل، وعلى هذا.
ولو قلتَ: عشرون ألف رجل امتَنَعَ تعريف المضاف إليه؛ لأن المضاف منصوب على التمييز، فلو عرّفتَ المضاف إليه صار المضاف معرفةً بإضافته إليه، والتمييز واجب التنكير؛ نعم يجوز ذلك عند الكوفيين، ولو قلتَ: خمسة آلاف دينار جاز تعريف المضاف إليه، نحو خمسمائة آلاف الدينار، وكذلك حكم المائة؛ لأن مميِّزها يجوز تعريفه كما عَرَفتَ، ولا تعرّف الآلاف؛ لإضافتها إلى ما بعدها، سواء أُضيفت لمعرفة، أو نكرة؛ لأن "أل" لا تدخل على المضاف في مثل ذلك، وأما ما وقع في "صحيح البخاريّ" في "باب الكفالة في القرض والديون": "ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار"، فأوّله الدمامينيّ بتقدير مضاف، مُبدَل من المُعَرَّف؛ أي بالألف ألف دينار، قال: ولا يقال: "أل" زائدة؛ لأن ذلك لا يَنقاس.
وقد نظم العلامة الأجهوريّ ﵀ حاصل هذه المسألة، فقال:
وَعَدَدٌ تُرِيدُ أَنْ تُعَرِّفَا … فَـ "أَلْ" بِجُزْأَيْهِ صِلَنْ إِنْ عُطِفَا
وَإِنْ يَكُنْ مُرَكَّبًا فَالأَوَّلُ … وَفِي المُضَافِ عَكْسُ هَذَا يُفْعَلُ
وَخَالَفَ الكُوفِيُّ فِي هَذَيْنِ … فَفِيهِمَا قَدْ عَرَّفَ الجُزْأَيْنِ (١)
стр. 2195
ذكر هذا التحقيق العلامة أبو الحسن الأشمونيّ في شرحه "على خلاصة" ابن مالك، ومحشّيه العلامة محمد بن عليّ الصبّان رحمهما الله تعالى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٧٢) - (بَابُ تَأَلُّفِ قَلْبِ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِه، وَالنَّهْيِ عَنِ الْقَطْعِ بِالإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٥] (١٥٠) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَعْطِ فُلَانًا، فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "أَؤ مُسْلِمٌ"، أقُولُهَا ثَلَاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا: "أَوْ مُسْلِمٌ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
стр. 2196
٥ - (أَبُوهُ) هو: سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات ﵁ (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃، وهو آخرهم موتًا، مات بالعقيق، ثم نُقل إلى المدينة، فدفن بها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قول المصنّف ﵀: "حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ … إلخ.
قال أبو عليّ الغسانيّ: قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ: هذا الحديث إنما يرويه سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ، قاله الحميديّ، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن الصبّاح الجَرْجَرائيّ، كلّهم عن سفيان، عن معمر، عن الزهريّ، بإسناده سواء.
وهذا هو المحفوظ عن سفيان، حدّثناه حاتم بن محمد، قال: نا أحمد بن إبراهيم بن فِراس، قال: أنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدَّيْبُليّ، قال: نا سعيد بن عبد الرحمن، قال: نا سفيان، عن معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: "قسم رسول الله ﷺ قَسْمًا … " الحديث.
وكذلك قال عليّ بن عمر (١) في كتاب "الاستدراكات" في هذا الإسناد. انتهى (٢).
стр. 2197
قال النوويّ ﵀: وهذا الذي قاله هؤلاء في هذا الإسناد، قد يقال: لا ينبغي أن يوافقوا عليه؛ لأنه يَحْتَمِلُ أن سفيان سمعه من الزهريّ مرًّة، وسمعه من معمر، عن الزهريّ مرًّة، فرواه على الوجهين، فلا يقدح أحدهما في الآخر، ولكن انضمت أمورٌ اقتَضَت ما ذكروه، منها: أن سفيان مُدَلِّسٌ، وقد قال: "عن".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه مما لا يخفى ضعفه؛ لأنه وإن وُصف بالتدليس، لكنه لا يُدلّس إلا عن تقة، حتى ادّعى ابن حبّان بأن ذلك خاصّ به، وإنما القدح الصحيح هو مخالفته جماهير الرواة، كما بيّنه بقوله: ومنها: أن أكثر أصحابه رووه عن معمر، وقد يجاب عن هذا بما قدمناه، من أن مسلمًا ﵀ لا يروي عن مُدَلّسٍ قال: "عن" إلا أن يثبت أنه سمعه ممن عَنْعَنَ عنه، وكيف كان فهذا الكلام في الإسناد لا يُؤثِّر في المتن، فإنه صحيح على كل تقدير مُتَّصِلٌ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": ورواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ووقع فيه وَهَمٌ منه، أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع، والمسانيد، عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ بزيادة معمر بينهما، وكذا حدّث به ابن أبي عمر، شيخُ مسلم في "مسنده" عن ابن عيينة، وكذا أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" من طريقه.
وزعم أبو مسعود في "الأطراف" أن الوَهَم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لَمّا حَدّث به مسلمًا، لكن لم يتعين الوهم في جهته.
وحمله الشيخ محيي الدين على أن ابن عيينة حَدّث به مرَّةً بإسقاط معمر، ومرًّة بإثباته، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر، ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط، كما قدمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتابي "تغليق التعليق". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما عزاه إلى النوويّ من حمله على المرتين، فيه
стр. 2198
نظر لا يخفى؛ لأنه لم يذكر هذا اعتمادًا عليه، بل إنما ذكره في مَعْرِض الردّ والاستبعاد، كما سبقت عبارته قريبًا، فتأملها بإمعان.
وخلاصة القول أن سند المصنّف فيه سقطٌ، والظاهر أن السهو منه، وأما كونه من شيخه ابن أبي عمر، وإن ذكروه احتمالًا، إلا أنه يُبْعِده ثبوته في "مسنده" على الصواب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: ("أَوْ مُسْلِمٌ") هكذا في هذه الرواية بالرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو مسلم، و"أو" بسكون الواو بمعنى "بل".
وقوله: (أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) بفتح حرف المضارعة، مضارع كبّه، يقال: أكبّ الرجلُ، وكبّه الله، وهذا بناء غريب، جاء على خلاف العادة؛ إذ هي أن يكون الثلاثيّ لازمًا، والرباعيّ متعدّيًا، وهنا بالعكس، فالثلاثيّ متعدّ، والرباعيّ لازم.
وتمام شرح الحديث، ومسائله ستأتي في الحديث التالي، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ سياقًا مما هنا، فكان الشرح أليق به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٦] ( … ) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيه، سَعْدٍ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ مَن لَمْ يُعْطِه، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَالله، إِنَي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَاللهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ").
стр. 2199
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] (ت ١٥٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
والباقون تقدّموا قبله، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، فهو أنزل من السند السابق.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ويعقوب، فمدنيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بأربعة كلهم زهريون، فابن أخي الزهريّ، فمن فوقه كلهم زهريون، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رَوَى هذا الحديثَ ابنُ وهب، ورِشْدِين بن سعد جميعًا، عن يونس، عن الزهري بسند آخر، قال: "عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه"، أخرجه ابن أبي حاتم، ونقل عن أبيه أنه خطأ من راويه، وهو الوليد بن مسلم عنهما، أفاده في "الفتح" أيضًا، يعني: أن الصواب: "عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه"، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا) "الرَّهْطُ": عدد من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، قال القزاز: وربما جاوزوا
стр. 2200
ذلك قليلًا، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته، وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: "أنه جاءه رهطٌ، فسألوه، فأعطاهم، فَتَرَك رجلًا منهم".
وانتصاب "رَهطًا" على أنه مفعول أول لـ "أعطى"، ومفعوله الثاني محذوف؛ لأن باب "أعطى" يجوز فيه حذف المفعولين، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥]، وحذف الأول كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي حتى يُعطوكم الجزية، وحذف الثاني كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، أي يعطيك ما يُرضيك.
وقال العينيّ ﵀: فيه حذف المفعول الثاني من باب أعطيت في الموضعين: الأول في قوله: "أعطى رهطًا"، والثاني في قوله: "إني لأعطي الرجل"؛ تنبيهًا على التعميم بأيّ شيء كان، أو جعل المتعدّي إلى اثنين كالمتعدّي إلى واحد، والمعنى إيجاد هذه الحقيقة؛ يعني: إيجاد الإعطاء، والفائدة فيهما قصد المبالغة. انتهى (١).
(وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وفيه تجريدٌ؛ لأن الظاهر أن يقول: وأنا جالسٌ، قاله في "الفتح".
وقال العينيّ: فيه وجهان:
الأول: أن يكون فيه التفاتٌ على قول صاحب "المفتاح" (٢) من التكلّم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة، وأما على قول غيره، فليس فيه التفاتٌ؛ لأنهم يشترطون أن يكون الالتفات من التكلّم والخطاب والغيبة محقّقًا، وصاحب "المفتاح" لم يشترط ذلك، بل قال: الالتفات أعمّ من أن يكون محقّقًا أو مقدَّرًا.
стр. 2201
والوجه الثاني: أن يكون من باب التجريد، وهو أن يُجرِّد من نفسه شخصًا، ويُخبِر عنه، وذلك أن القياس في قوله: "وسعد جالسٌ" أن يقول: وأنا جالسٌ، ولكنه جرّد من نفسه ذلك، وأخبر عنه بقوله: "وسعد جالسٌ"، وهو من مُحسّنات الكلام، من الضروب المعنويّة الراجعة إلى وظيفة البلاغة. انتهى (١).
(قَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقّاص ﵁ (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ) أي: أولئك الرهط (مَنْ لَمْ يُعْطِهِ) "من" اسم موصول مفعول "ترك" (وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) فيه التفاتٌ، إذ الظاهر أن يقول: إليه؛ لقوله: "وسعدٌ جالسٌ"، ولم يقل: وأنا جالسٌ، وهو التفاتٌ من الغيبة إلى التكلّم.
وفي رواية صالح بن كيسان الآتية بعده: "أعطى رسول الله ﷺ رهطًا، وأنا جالسٌ فيهم"، فساقه بلا تجريد، ولا التفات، وزاد فيه: "فقمت إلى رسول الله ﷺ ، فساررته … "، وهذه الزيادة عند البخاريّ أيضًا في "كتاب الزكاة"، وغَفَلَ بعضهم، فعزاها إلى مسلم فقط، والرجل المتروك اسمه جُعَيل بن سُرَاقة الضَّمْريّ، سمَّاه الواقديّ في "المغازي"، قاله في "الفتح" (٢).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أَيْ: أَيُّ سبب لعُدُولك عنه إلى غيره؟، قال العينيّ ﵀: كلمة "ما" للاستفهام، واللام تتعلّق بمحذوف، وكذلك كلمة "عن"، وهو "حَصَلَ" في اللام، و"أعرضتَ"، ونحوه في "عن". انتهى (٣).
ولفظ "فلان" كناية عن اسم أُبْهِم بعد أن ذُكِرَ (فَوَ اللهِ) فيه القسم في الإخبار على سبيل التأكيد (إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا) قال القرطبيّ ﵀: الرواية بضمّ همزة "أُراه"، بمعنى أظنّه.
وهو مِن حلف سعد على ما ظنّه، فكانت هذه اليمين لاغيةً، ولذلك لم يُنكرها النبيّ ﷺ ، ولا أمره بكفّارة عنها، فكان فيه دليلٌ على جواز الحَلِف
стр. 2202
على الظنّ، وأنها هي اللاغية، وهو قول مالك، والجمهور. انتهى (١).
وقال في "الفتح" قوله: "لأراه" وَقَعَ في روايتنا من طريق أبي ذرّ وغيره بضم الهمزة هنا، وفي "الزكاة"، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره (٢).
وقال النوويّ ﵀: هو بفتح الهمزة، أي: لأعلمه، ولا يجوز ضمها، فيصيرَ بمعنى أظنه؛ لأنه قال بعد ذلك: "غَلَبِني ما أعلم منه"، ولأنه راجع النبيّ ﷺ ثلاث مرّات، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرّر المراجعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول النووي هذا نظر لا يخفى، أما استدلاله على تعيّن الفتح بقوله: "لأعلمه"، فالجواب عنه أنه لا دلالة فيه عليه؛ لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
سَلَّمنا، لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنيةً، فيكون نظريًّا، لا يقينيًّا، وهو الممكن هنا.
وأما استدلاله عليه بتكرار مراجعته، فلا مانع أيضًا من أن يكرّر ذلك؛ بناءً على ما غلب على ظنّه (٣).
والحاصل أن ضمّ الهمزة هنا متعيّنٌ؛ لثبوت الرواية به، كما نصّ عليه القرطبيّ في كلامه السابق، وسبق في كلام الحافظ بالنسبة للبخاريّ أيضًا، وأما الفتح، فإن ثبتت الروايةُ به، فوجهه واضح، وإلا فما صحّت به الرواية هو المتّبَعُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا") "أَوْ" هنا للإضراب، بمعنى "بل"، قال القرطبي ﵀: الرواية بسكون الواو، وقد غَلِطَ مَن فَتَحها، وأحال المعنى؛ لأن النبيّ ﷺ لم يُرِد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختصّ بالظاهر الذي يُمكن أن يُدرَكَ، فجاء بـ "أو" التي للتقسيم والتنويع. انتهى (٤).
стр. 2203
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله ﷺ : "أو مسلمًا"، فليس فيه إنكارُ كونه مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان، وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن الإسلام معلومٌ بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن، لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد زَعَم صاحب "التحرير" أن في هذا الحديث إشارةً إلى أن الرجل لم يكن مؤمنًا، وليس كما زَعَمَ، بل فيه إشارة إلى إيمانه، فإن النبيّ ﷺ قال في جوابه سعد: "إني لأُعطي الرجلَ، وغيره أحبُّ إليّ منه"، ومعناه: أُعطي مَن أخاف عليه؛ لضعف إيمانه أن يَكْفُر، وأَدَعُ غيره، ممن هو أَحَبُّ إليّ منه؛ لما أعلمه من طمأنينة قلبه، وصلابة إيمانه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": قوله: "فقال: أَوْ مسلمًا" هو بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معًا؛ لأنه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية النسائيّ في "المجتبى" (٢)، وابنِ الأعرابيّ في "معجمه" في هذا الحديث: "فقال: لا تقل: مؤمنٌ، وقل: مسلمٌ"، وفي لفظ: "بل قل: مسلم"، فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن إطلاق المسلم على من لم يُخْتَبَر حالُه الخِبْرَةَ الباطنةَ أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين مُلَخَّصًا.
وتعقّبه الكرمانيّ بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دالًّا على ما عُقِدَ له الباب (٣)، ولا يكون لردّ الرسول ﷺ على سعد فائدةٌ.
قال الحافظ: وهو تعقُّبٌ مردودٌ، وقد بَيّنّا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبلُ (٤).
стр. 2204
قال: ومُحَصَّل القصة أن النبيّ ﷺ كان يُوسع العطاء لمن أظهر الإسلام؛ تَألُّفًا، فلما أعطى الرهط، وهم من المؤلفة، وتَرَكَ جُعَيلًا، وهو من المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يَرَى أن جُعيلًا أحقُّ منهم؛ لِمَا اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مَرَّة، فأرشده النبيّ ﷺ إلى أمرين
[أحدهما]: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك، وحِرْمان جُعيل، مع كونه أحبَّ إليه ممن أَعْطَى؛ لأنه لو تَرَك إعطاء المؤلَّف لم يُؤمَن ارتداده، فيكون من أهل النار.
[ثانيهما]: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر الظاهر، فوَضَحَ بهذا فائدةُ رَدِّ الرسول ﷺ على سعد، وأنه لا يَستَلزم محضَ الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشُورة بالأَوْلى، والآخر على طريق الاعتذار.
[فإن قيل]: كيف لم تُقْبَل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد لي بالعدالة لقُبِل منه، وهي تستلزم الإيمان؟
[فالجواب]: أن كلام سعد لم يَخْرُج مخرجَ الشهادة، وإنما خَرَج مَخْرَج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة، لَمَا استلزمت المشورةُ عليه بالأمر الأَوْلَى رَدَّ شهادته، بل السياق يُرْشِد إلى أنه قَبِلَ قولَه فيه، بدليل أنه اعتذر إليه.
قال: ورَوَينا في "مسند محمد بن هارون الرُّويانيّ" وغيره بإسناد صحيح إلى أبي سالم الجَيْشانيّ، عن أبي ذرّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف تَرَى جُعَيلًا؟ "، قال: قلت: كشكله من الناس؛ يعني: المهاجرين، قال: "فكيف تَرَى فلانًا؟ "، قال: قلت: سيّدٌ من سادات الناس، قال: "فجُعيل خيرٌ من ملء الأرض من فلان"، قال: قلت: ففلان هكذا، وأنت تصنع به ما تصنع؟ قال: "إنه رأس قومه، فأنا أتأَلَّفُهم به"، فهذه منزلةُ جُعيل المذكور عند النبيّ ﷺ كما تَرَى، فظَهَرت بهذا الحكمةُ في حِرْمانه، وإعطاء غيره، وأن ذلك لمصلحة التأليف، كما قررناه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
стр. 2205
(قَالَ) سعد ﵁ (فَسَكَتُّ قَلِيلًا) نُصب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي سُكوتًا قليلًا (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ) "ما" موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة بـ "غلبني" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أيْ: أيُّ شيء ثبت لك معرضًا عن إعطاء فلان؛ أي: وهو جُعيل المذكور (فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ) سعد ﵁ (فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَالله، إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ) فيه حذف المفعول الثاني؛ للتعميم، أَيْ: أَيَّ عَطاء كان (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، وفي رواية للبخاريّ: "وغيرُه أعجب إليّ"، وذكر في "الفتح"، أن رواية أكثر الرواة بلفظ "أحبّ"، قال: ووقع عند الإسماعيلي بعد قوله: "أحبّ إليّ منه": "وما أُعطيه إلا مخافةَ أن يكبه الله … إلخ"، ولأبي داود من طريق معمر: "إني أعطي رجالًا، وأَدَعُ مَن هو أحب إليّ منهم، لا أُعطيه شيئًا؛ مخافةَ أن يُكَبُّوا في النار على وجوههم".
(خَشْيَةَ) منصوب على أنه مفعول لأجله لـ "أُعطي"؛ أي: لأجل خشية أن يكبّه الله في النار، فـ "خشيةَ" مضاف إلى (أَنْ يُكَبَّ) و"أن" مصدريّة، و"يُكبّ" بالبناء للمفعول (فِي النَّارِ) متعلّق بـ "يُكبّ"، وكذا قوله: (عَلَى وَجْهِهِ") قال العينيّ ﵀: "خشية" مضاف إلى ما بعده، "وأن" مصدريّة، والتقدير لأجل خشية كبّ الله إياه في النار.
قال: وفيه من باب الكناية، وهو في قوله: "خشية أن يكبّه الله"؛ لأن الكبّ في النار لازم الكفر، فأطلق اللازم، وأراد الملزوم، وهو كناية، وليس بمجاز.
[فإن قلت]: الكبّ قد يكون للمعصية، فلا يستلزم الكفر.
[قلت]: المراد من الكبّ كبٌّ مخصوص، لا يكون إلا للكافر، وإلا فلا تصحّ الكناية.
وإنما قلنا: إن المراد كبٌّ مخصوص؛ لأن معنى قوله: "خشية أن يكبّه الله في النار" مخافةً من كفره الذي يؤدّيه إلى كبّ الله إياه في النار، والضمير في "يَكُبّه" للرجل في قوله: "إني لأعطي الرجل"، أي: أتألّف قلبه بالإعطاء؛
стр. 2206
مخافةً من كفره إذا لم يُعطَ، والتقدير: أنا أُعطي مَن في إيمانه ضعفٌ؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطِه أن يَعرِض له اعتقادٌ يَكفُرُ به، فيَكُبّه الله تعالى في النار، كأنه أشار إلى المؤلّفة، أو إلى مَن إذا مُنِع نَسَبَ الرسول ﷺ إلى البخل، وأما مَن قَوِيَ إيمانه فهو أحبّ إليّ، فأَكِلُه إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رُجوعًا عن دينه، ولا سوء اعتقاده، ولا ضرر له فيما يحصُل له من الدنيا. انتهى (١).
[تنبيهان]:
(الأول): قال في "الفتح": قوله: "أن يكبه الله" هو بفتح أوله، وضمّ الكاف، يقال: أكب الرجل: إذا أَطْرَق، وكبه غيره: إذا قَلَبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقَصُرَ، وقد ذكر البخاريّ هذا في "كتاب الزكاة"، فقال: يقال: أكب الرجلُ إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل، قلت: كَبّه، وكببته، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة، منها: أنسل رِيش الطائر، ونسلته، وأنزفتِ البئرُ ونزفتها، وحَكَى ابن الأعرابي في المتعدي كَبّه، وأكبّه معًا. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: وقد جاء قسم تَعَدَّى ثلاثيه، وقَصُر رباعيه، عكسَ المتعارَف، نحو أجفل الطائرُ، وجفلته، وأقشع الغيمُ، وقَشَعتهُ الريحُ، وأنسل ريشُ الطائر؛ أي: سقط، ونَسَلته، وأَمْرَت الناقةُ: دَرَّ لبنها، ومريتها، وأظأرتِ الناقةُ: إذا عَطَفَت على بَوِّها (٣)، وظأرتها ظَارًا: عَطْفْتُها، وأعرض الشيءُ: إذا ظهر، وعَرَضته: أظهرته، وأنقع العطشُ: سَكَن، ونقعه الماء: سَكَّنه، وأخاض النهرُ، وخضته، وأحجم زيد عن الأمر: وَقَفَ عنه، وحَجَمْتُهُ، وأكب على وجهه، وكببته، وأصرم النخلُ والزرعُ، وصرمته؛ أي: قطعته، وأمخض اللبنُ، ومخضته، وأثلثوا: إذا صاروا بأنفسهم ثلاثةً، وثَلَثْتُهُم: صِرْتُ ثالثهم، وكذلك إلى العشرة، وأبشر الرجلُ بمولود: سُرَّ به، وبَشَرته، واسم الفاعل من الثلاثيّ
стр. 2207
والرباعيّ على قياس البابين، وريش منسول، من الثلاثي، ومُنسِلٌ اسم فاعل من الرباعيّ؛ أي: مُنقَلِع.
وأفهم كلام بعضهم أن ذلك على معنيين، فقولهم: أنسل الريشُ، وأخاض النهرُ ونحوه، معناه: حان له أن يكون كذلك، فلا يكون مثل: قام زيدٌ، وأقمته، وقد نَصُّوا في مواضع على معنى ذلك. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه القاعدة المخالفة للقياس، فقلت:
اعْلَمْ بِأَنَّ أَظْأَرَتْ وَأَقْشَعَا … أَخَاضَ أَعْرَضَ أَمْرَتْ أَنْقَعَا
وَأَبْشَرَتْ وَأَصْرَمَتْ وَأَنْسَلَا … وَأَمْخَضَتْ وَأَحْجَمَتْ وَأَجْفَلَا
وَأَثْلَثُوا صَارُوا ثَلَاثَةَ إِلَى … عَشَرَةٍ كَذَا أَكَبَّ نُقِلَا
فَهَذه قَدْ خَالَفَتْ قِيَاسَ مَا … أَتَى عَنِ العُرْب طَرِيقًا مُحْكَمَا
إِذِ الثُّلَاثِيُّ لَدَيْهِمُ لَزِمْ … أَمَّا التَّعَدِّيَ لِلرُّبَاعِيِّ عُلِمْ
وَهَكَذَا صَرَّحَ فِي "المِصْبَاحِ" … قَرَبْتُ كَي تَحْفَظَهَا يَا صَاحِ
(التنبيه الثاني): أنه روى هذا الحديث أحمد، والحميديّ، وغيرهما عن عبد الرزّاق، عن معمر، وفيه من الزيادة: قال الزهري: "فَنَرَى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل".
وقد استُشكل هذا بالنظر، إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه، ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يُحكم بإسلامه، ويُسَمّى مسلمًا، إذا تلفظ بالكلمة؛ أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنًا إلا بالعمل، والعمل يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل ﵇، فهو الشرعي الكامل، المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ذكره في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2208
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٢/ ٣٨٥ و ٣٨٦ و ٣٨٧ و ٣٨٨] (١٥٠) وكرّره في "الزكاة"، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٧) و"الزكاة" (١٤٧٨)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٣)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١٠٣ - ١٠٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٧ و ٦٨ و ٦٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٧ - ١٨٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٣)، و (ابن منده) في "الإيمان" (١٦١ و ١٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٧٦ و ٣٧٧ و ٣٧٨ و ٣٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تألّف قلوب من يُخاف على إيمانه؛ لضعفه.
٢ - (ومنها): النهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.
٣ - (ومنها): بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد تقدم تحقيق ذلك في المسائل المذكورة في أوائل "كتاب الإيمان".
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً لمذهب أهل الحقّ في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافًا للكرَّامِيَّة، وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهرٌ يردّه إجماع المسلمين، والنصوص في إكفار المنافقين.
٥ - (ومنها): مشروعيّة الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما يعتقد الشافع جوازه.
٦ - (ومنها): مراجعة المشفوع إليه في الأمر، إذا لم يؤدّ إلى مفسدة.
٧ - (ومنها): تنبيه المفضول الفاضلَ على ما يراه مصلحةً، ويظنُّ أنه ذَهِلَ عنه.
٨ - (ومنها): أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، كما يأتي في
стр. 2209
الرواية التالية: "فقمت إلى رسول الله ﷺ ، فساررته"، وقد يتعين إذا جَرّ الإعلان إلى مفسدة.
٩ - (ومنها): أن الفاضل لا يَقبَل ما يشار عليه به مطلقًا، بل يتأمله، فإن لم تظهر مصلحته لم يعمل به.
١٠ - (ومنها): أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحةً لا يُنكَر عليه، بل يُبَيَّن له وجه الصواب.
١١ - (ومنها): الاعتذار إلى الشافع، إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عيب على الشافع إذا رُدّت شفاعته لذلك.
١٢ - (ومنها): الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يُعلَم القطع فيه.
١٣ - (ومنها): أن الإمام يَصْرِف المال في مصالح المسلمين، الأهمّ، فالأهمّ، وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعيّة.
١٤ - (ومنها): أنه لا يُقطَع لأحد بالجنة على التعيين إلا مَن ثَبَتَ فيه نصٌّ، كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمعٌ عليه عند أهل السنة، هكذا قال النوويّ ﵀.
وتعقّبه الحافظ، ودونك نصّه: وفيه ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَصّ عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا، وإن تَعَرَّض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النصّ. انتهى.
١٥ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استنبط منه استحباب ترك الإلحاح في السؤال، ووجه ذلك أنه ﷺ ضرب بيده بين عُنُق سعد ﵁ وكتفه لَمّا ألحّ عليه بالمراجعة، ثم قال له: "أقتالًا أي سعدُ"، فدلّ على استحباب ترك الإلحاح في السؤال.
١٦ - (ومنها): أن القرطبيّ استنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأن النبيّ ﷺ ما نهاه عن الحلف، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه أقسم على وجدان الظنّ، وهو كذلك، ولم يُقْسِم على الأمر المظنون كما ظُنَّ. انتهى.
١٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: هذا الحديث أصحّ دليل
стр. 2210
على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطنٌ، ومِن عمل القلب، والإسلام ظاهرٌ، ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنٌ إلا مسلمًا، وقد يكون مسلمٌ غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدلّ عليه (١).
وقال الخطّابيّ ﵀: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام والإيمان، فيقال له: مسلم؛ أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهذا معنى الحديث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] أي: استسلمنا، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن، وللمؤمن: مسلم (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق ذلك مستوفًى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد.
١٨ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ أيضًا: فيه حجة لقول من يُجيز إطلاق: "أنا مؤمن" دون استثناء، وردّ على من أَبَى ذلك، وهي مسألة اختُلف فيها من زمان الصحابة ﵃ إلى هلُمّ جرًّا، وكلّ قول إذا حُقّق كان له وجهٌ، وفي طرفٍ لا يُنافي القول الآخر، فمن لم يستثنِ أخبر عن حكم نفسه في الحال، وأما المآل فإلى العالم به، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في اللوح المحفوظ، وإلى التوسعة في القولين ذهب من السلف الأوزاعيّ وغيره، وهو قول أهل التحقيق؛ نظرًا إلى ما قلناه، ورفعًا للخلاف. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أيضًا تحقيق هذه المسألة مستوفًى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٧] ( … ) - (حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ