يهدي أحدًا إلَّا بالدعاء، وتعريف الطرق، دون سائر أنواع الهدايات.
وإلى الأولى أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
قال: وكلُّ هداية ذكر الله تعالى أنه منعَ الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنّة ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦].
وكلُّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ ، وعن البشر، وذَكَر أنهم غير قادرين عليها، فهي ما عدا المختصّ من الدعاء، وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق، وإدخال الجنّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقولُهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]، أي: أن الله تعالى هو الذي يَهْدي خلقه إلى الحقّ، فهو أحقّ بالاتّباع ممن لا يَهدي أن يهتدي بنفسه، يقال: هدى بنفسه يَهدي مخفّفًا بمعنى اهتدى يهتدي، نحوُ شَرى يَشري بمعنى اشترى يشتري، إلَّا أن يُهدى إلى طريق يسلكها، أو عملٍ يرشده، وهذا استفهام توبيخ لهم على ما اتّخذوه من دون الله إلهًا يُعبَدُ، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم، كالمسيح، وعُزير، والملائكة، يعني أن الله وحده هو الذي يهدي كلَّ أحد، وغيره لا يَهدي غيره إلَّا أن يهديه الله تعالى.
قال: ولَمّا كانت الهداية والتعليم يقتضي شيئين: تعريفًا من الْمُعَرّف، وتعرُّقًا من الْمُعَرَّف، وبهما تتمّ الهداية والتعليم، فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلِّم، ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْد، ولم يُعلِّم؛ اعتبارًا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعَلّمَ؛ اعتبارًا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إن الله تعالى لم يَهْد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصحّ أن يقال: هداهم وعلَّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الهداية، فعلى الاعتبار الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
стр. 247
وقيل: معنى ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] أي لا يصلح، فاستعار الهداية للإصلاح، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، والمعنى لا يوفّقهم لعمل أهل الخير.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أشار به إلى من هداه الله بالتوفيق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. قال بعضهم: الهداية والْهُدى في موضوع اللغة واحد، ولكن خصّ الله تعالى لفظ الْهُدَى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ به هو دون ما هو إلى الإنسان، نحو ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
والاهتداء يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إما في الأمور الدنيويّة، أو الأخرويّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فهذا يجوز أن يكون للهدايتين؛ لأنهم يهتدون بها في أسفارهم، وإلى الجهة التي يتعبّدون إليها لله تعالى.
ويقال أيضًا: اهتدى: إذا طلب الهداية، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وإذا تَحَرَّاهَا أيضًا، ومنه ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]، أي تتحرّون هدايتكم فيهما، والاهتداء أيضًا: الاقتداء بالعلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، تنبيهًا على أنهم لا يعلمون بأنفسهم، ولا يقتدون بمن يَعلَم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدّمة بأسرها، من طلب الهداية، وتحريّها، والاقتداء بالعلماء.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، أي ثم أدام طلب الهداية، ولم يَفْتُر عن تحرّيها، ولم يرجع إلى المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي تَحَرَّوا الهداية وقَبِلوها، وعَمِلوا بها، ولم يُخِلُّوا بشرائطها. انتهى كلام الراغب مختصرًا (١).
والحاصل أن الهداية تُطلق على البيان، والإرشاد، كما قوله : ﴿وَإِنَّكَ
стр. 248
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتُطلق على التوفيق للطاعة وتيسيرها، كما في قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وهذا المعنى هو المراد هنا، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (كَيْفَ قُلْتَ؟)، إنما سأله تعجّبًا بما سأل، وتعجيبًا للحاضرين، ويحتمل أنه لم يسمعه تمام السماع.
وفي رواية البخاريّ: "قال: ما له، ما له؛ فقال رسول الله ﷺ : "أَرَبٌ مَا له".
قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية لم يُذكَر فاعل "قال: ما له ما له؟ "، وفي رواية بَهْز المعلقة هنا الموصولة في كتاب "الأدب" قال القوم: ما له ما له؟ قال ابن بطال: هو استفهام، والتكرار للتأكيد.
وقوله: "أَرَبٌ" - بفتح الهمزة والراء، منونًا - أي حاجة، وهو مبتدأ، وخبره محذوف، استفهم أوّلًا، ثم رجع إلى نفسه، فقال: "له أَرَبٌ". انتهى.
وهذا بناءٌ على أن فاعل "قال" النبيُّ ﷺ ، وليس كذلك؛ لما بَيّناه، بل المستفهم الصحابة، والمجيب النبي ﷺ ، و"ما" زائدة، كأنه قال: له حاجةٌ مَا.
وقال ابن الجوزيّ: المعنى له حاجةٌ مهمة مفيدةٌ، جاءت به؛ لأن قد عَلِمَ بالسؤال أن له حاجةً.
وَرُوِيَ بكسر الراء، وفتح الموحدة، بلفظ الفعل الماضي وظاهره الدعاء، والمعنى التعجب من السائل، وقال النضر بن شُمَيل: يقال: أَرِبَ الرجلُ في الأمر: إذا بلغ فيه جهده، وقال الأصمعيّ: "أَرِبَ في الشيء: صار ماهرًا فيه، فهو أريب، وكأنه تعجب من حسن فطنته، والتهدي إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم هذه، بلفظ: فقال النبي ﷺ : "لقد وُفّق، أو لقد هُدِي".
وقال ابن قتيبة: قوله: "أَرِبَ" من الآراب، وهي الأعضاء، أي سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تَرِبَت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء، ولا يراد حقيقته.
وقيل لَمّا رأى الرجل يزاحمه، دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن طُهْرٌ له، كما ثبت في الصحيح.
ورُوِي بفتح أوله، وكسر الراء، والتنوين: أي هو أَرِبٌ، أي حاذقٌ، فَطِنٌ،
стр. 249
قال الحافظ: ولم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني بأنها ليست محفوظة، وحكى القاضي عن رواية لأبي ذَرّ: "أَرَبَ" بفتح الجميع، وقال: لا وجه له، قال الحافظ: وقعت في "الأدب" من طريق الكشميهني وحده. انتهى (١).
(قَالَ) الراوي (فَأَعَادَ) الأعرابي سؤاله (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَعْبُدُ اللهَ) أي توحّده، وهو بتقدير حرف مصدريّ، كما في قوله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقولِ الشاعر [من الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
أو الفعل منزّل منزِلَة المصدر، كقوله: "تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تَرَاه"، أو الخبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله.
والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله: "لا تشرك به شيئًا" تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعنى الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعدها لبيان الإخلاص، وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله: "وتقيم الصلاة … إلخ" تخصيصٌ بعد التعميم.
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: قوله: "تعبد الله" أي توحّده، وفسّره بقوله: "لا تشرك به شيئًا"، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي ليوحّدوني.
والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها لإدخالها في الإسلام، وإنما لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة مطلق الطاعة، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها من باب عطف الخاصّ على العام؛ تنبيهًا على شرف هذه الأشياء، ومزيّتها.
وقوله: (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "تعبُد"، وإنما أتى به بعد ذكر العبادة؛ لأن عبادة الكفّار كانت مع عبادة الأوثان والأصنام، يزعمون أنها شركاء، فنفى ذلك.
стр. 250
(وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) أي تديم فعلها، وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: إقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتوفيةُ حقّه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مَدَح حيثما مَدَح إلا بلفظ الإقامة؛ تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] في غير موضع، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. انتهى كلام الراغب (١).
والمراد بالصلاة المكتوبةُ؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "وتقيم الصلاة المكتوبة".
(وَتُوْتِي الزَّكَاةَ) أي تُعطي الزكاة مستحقّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد بالزكاة المفروضةُ؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "وتؤدّي الزكاة المفروضة".
(وَتَصِلُ الرَّحِمَ) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ، ومعنى صِلَة الرحم: مشاركة ذوي القربي في الخيرات. قاله في "العمدة" (٢).
وقال في "الفتح": قوله: "تَصِل الرحم": أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحسن إلى أقاربك، ذَوِي رَحِمِك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاقٍ، أو سَلام، أو زيارة، أو طاعة، أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خلال الخير؛ نظرًا إلى حال السائل، كأنه كان لا يصِلُ رحمه، فأمره به: لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحضّ عليها، بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها (٣).
(دَعِ النَّاقَةَ) أي: اتركها، وإنما قال له ذلك لأنه كان ممسكًا بخطامها؛ ليتمكّن من سؤاله بلا مشقّة، فلما حصل له جواب سؤاله قال له: دعها.
стр. 251
و"دَع" بفتح، فسكون أمر من وَدَعَه وَدْعًا: إذا تركه، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمّ حُذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق، قيل: إن العرب أماتت ماضي يَدَعُ، ومصدره، واسم الفاعل، والصحيح أن ماضيه مستعمل (١)، فقد قرأ بعض التابعين "مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ" بتخفيف الدال، وصحّ قوله ﷺ : "لينتهيَنّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنّ من الغافلين"، رواه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنّف هنا (٤/ ١١٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان - و (٤/ ١١٣٤) عن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، كلاهما عن بهز، عن شعبة، عن محمد (والصواب عمرو) ابن عثمان بن عبد الله بن موهب، وأبيه عثمان - و (٤/ ١١٤) عن يحيى بن يحيى، عن أبي الأحوص (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق - ثلاثتهم (عمرو بن عثمان، وأبوه، وأبو إسحاق) عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب ﵁.
وأخرجه (البخاريّ) (٢/ ١٣٠) عن حفص بن عمر - و (٨/ ٥) عن أبي الوليد - كلاهما عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب به، و (٨/ ٦) عن عبد الرحمن بن بشر، عن بهز بن أسد، عن شعبة به.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٤١٧) عن يحيى - و (٥/ ٤١٨) عن عبد الرحمن - كلاهما عن بهز بن أسد به، و (النسائيّ) (١/ ٢٣٤) وفي "الكبرى" (٣٢٠) عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ، عن بهز به و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٢ و ٩٣ و ٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 252
المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): بيان الإيمان الذي من تمسّك به دخل الجنة.
٢ - (ومنها): بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلّها.
٣ - (ومنها): بيان فرضيّة الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما.
بيان فضل صلة الرحم وأنها من جملة أسباب دخول الجنّة، وقطعها من الكبائر المانعة عن دخوله، فقد روى الشيخان من حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة قاطع"، يعني قاطع رحم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من شدّة الحرص والرغبة إلى الجنة، والبحث عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو اللائق بالعاقل، فلا ينبغي له أن يَشغل نفسه بغير ذلك من الزخارف الفانية، فدخول الجنة هو الفوز العظيم، كما قال الله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
٥ - (ومنها): بيان كمال خلق النبيّ ﷺ ، فقد وقف لهذا الأعرابي، واستمع
قوله، وأثنى على سؤاله، فهو المجبول على الخلق العظيم، كما وصفه الله تعالى بذلك بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وهو الحريص على تعليم أمته، كما قال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٦ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يشجّع الطالب الذي له تميّز في الذكاء، وحسن السؤال، فيظهر ذلك له على رؤوس الطلاب، ويقول: إن فلانًا نعم الطالب، حسن السؤال، حسن الإستماع، ليزداد بذلك نشاطه، وتتكامل رغبته في العلم، وليعلم زملاؤه فضله، ويقتدوا به؛ فإن النبيّ ﷺ لَمّا استحسن سؤال الأعرابيّ نظر في وجه أصحابه، تعجيبًا لهم، ولَمّا قالوا: "ما له ما له؟ "، كما في رواية البخاريّ؛ استغرابًا لسؤاله، أجابهم ﷺ بقوله: "أربٌ ما له"، فبّين أن له حاجةً ظريفة، ورغبة منيفة.
٧ - (ومنها): جواز الإفتاء على الدابّة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقال: "باب الْفُتيا، وهو واقفٌ على الدابّة وغيرها"، ثم أورد حديث عبد الله بن عمرو ﵄: "أن رسول الله ﷺ -
стр. 253
وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه … " الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٣] ( … ) - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَب، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٢٣٥) أو (٢٣٦) (م د) ١/ ١٠٣).
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الحكم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) (خ م د ق) ٦/ ٩٨.
٣ - (بَهْز) بن أسد المذكور في الباب الماضي.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الناقد المشهور [٧] (١٦٠) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٥.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ) هو: عمرو بن عثمان المذكور في السند الماضي وَهِمَ فيه شعبة، فسمّاه محَمدًا، فقد وَهَّمَهُ الأئمة في ذلك، ودونك أقوالهم:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول في الطريق الأول "عمرو بن عثمان"، وفي الثاني "محمد بن عثمان"، واتّفقوا على أن الثاني وَهَمٌ وغَلطٌ من شعبة، وأن صوابه "عمرو بن عثمان"، كما في الطريق الأول، قال الكلاباذيّ، وجماعات لا يُحْصون، من أهل هذا الشان: هذا وَهَمٌ من شعبة، فإنه كان يُسَمّيه محمدًا، وإنما هو "عمرو"، وكذا وقع على الوهم من رواية شعبة في "كتاب الزكاة" من "صحيح البخاريّ". انتهى (١).
стр. 254
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب الزكاة" بعد إيراده طريق شبعة: ما نصّه:
قال أبو عبد الله: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو. انتهى.
فقال في "الفتح": قوله: "أبو عبد الله" هو المصنف، وقوله: "أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، إنما هو عمرو"، وجزم في "التاريخ" بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في "العلل"، وآخرون: المحفوظ "عمرو بن عثمان"، وقال النووي: اتفقوا على أنه وَهَمٌ من شعبة، وأن الصواب عمرو. انتهى (١).
وقال في "التقريب": محمد بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهب التيميّ مولاهم، ثقة من السادسة، ويقال: الصواب: عمرو، وقيل: هو أخوه. انتهى.
وقال في "تهذيب التهذيب": هو مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب أن رجلًا … ثم ذكر هذ الحديث، رواه شعبة عنه، وعن أبيه عثمان جميعًا عن موسى، قال البخاريّ: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطّان، وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان، عن موسى، وذكر أبو يحيى أنّ محمدًا هذا أخٌ لعمرو، فالله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا اتفق معظمهم على توهيم شعبة في هذا الاسم، وهو غريب، فإن شعبة إمام مجمع على جلالته، وإتقانه، فلماذا لا يكون محمد أخًا لعمرو؟ كما هو ظاهر عبارة "التقريب"، ونقل في "التهذيب" القول بأنه أخوه، فالمحلّ محلّ توقّف، والله تعالى أعلم بالصواب.
٦ - (وَأَبُوهُ عُثْمَانُ) بن عبد الله بن مَوْهَب - بفتح الميم والهاء، وإسكان الواو بينهما - التيميّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو المدنّي الأعرج، مولى آل طلحة، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر بن سَمُرة، وجعفر بن
стр. 255
أبي ثور، وعبد الله بن أبي قتادة، وموسى بن طلحة، والشعبيّ، وحمران بن أبان.
ورَوَى عنه ابنه عمرو، وشعبة، وشيبان، وقيس بن الربيع، وإسرائيل، والثوري، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، ويعقوب بن شيبة: ثقة. وقال العجليّ: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٦٠)، وفيها أَرّخه ابن سعد، وخليفة بن خَيّاط، وابن قانع.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٣) و (٣٦٠) و (١١٩٦).
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بمثل هذا الحديث"، أي: حدّث محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر من طريق شعبة بمثل حديث محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه.
[تنبيه]: رواية شعبة أخرجها البخاريّ في "كتاب الأدب" من "صحيحه"، فقال:
(٥٥٢٤) حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، قال: أخبرني ابن عثمان، قال: سمعت موسى بن طلحة، عن أبي أيوب، قال: قيل: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة.
وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بَهْز بن أسد، حدثنا شعبة، وحدثنا ابن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة، عن أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ما له ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَرَبٌ مَا له"، فقال النبي ﷺ : "تعبدُ الله، لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِمَ، ذَرْهَا"، قال: كأنه كان على راحلته.
وأخرجه النسائيّ، ولفظه:
(٤٦٤) أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي صَفْوَان الثَّقَفيّ، قال: حدثنا بَهْزُ بن أسد قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن عبد الله، وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة، يحدث عن أبي أيوب:
стр. 256
أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "تعبدُ الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِمَ، ذَرْهَا، كأنه كان على راحلته". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٤] ( … ) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ.
(ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَل أَعْمَلُهُ، يُدْنِينِي مِنْ الْجَنَّة، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّار، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: "إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدّم ٢/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: محمد بن عبد الله بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدّم ١/ ١.
٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ الحافظ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧].
رَوَى عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، وعاصم بن سليمان، وسماك بن حرب، وشَبِيب بن غَرْقَدة، وزياد بن عِلاقة، وآدم بن علي، والأسود بن قيس، وبيان بن بشر، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، ووكيع، وابن مهديّ، وأبو نعيم، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، والحسن بن الربيع الْبُورانيّ، وإسماعيل بن أبان الورَّاق، وغيرهم.
стр. 257
قال ابن مهديّ: أبو الأحوص أثبت من شريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة متقن. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك، أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما، وكذا قال أبو حاتم. وقال العجليّ: كان ثقةً، صاحب سنة واتّبَاع. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق، دون زائدة وزهير في الإتقان. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحًا فيه. وذكره ابن حبان في "الثقات". ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير.
وقال البخاريّ: حدثني عبد الله بن أبي الأسود، قال: مات سنة تسع وسبعين - يعني ومائة -.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٢) حديثًا.
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) هو: عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقة مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخَرَة [٣] (ت ١٢٩) (ع) ٢/ ١١.
والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، قد تقدّمت هناك.
وقوله: (ذا رَحمك) يعني صَاحِبَ قرابتك، وعلى هذا، فتكون القرابة اسم جنس مضافًا إليه "ذو"، فإن حكمها أن تضاف إلى أسماء الأجناس، قال القرطبيّ: وهذا أولى من قول من قال: إن الرحم هنا اسم عين، وإنما هنا بمنزلة قولهم: "ذو نَوَاس"، و"ذو يَزَن"، و"ذو رُعين"؛ لأن هذه أسماء أعلام، لا أسماء أجناس، و"ذو" بمعنى "صاحب"، وهي من الأسماء الستّة التي اعتلَّت بحذف لامها في الإفراد، ترفع بالواو، وتنصب وتُجرّ بالياء. انتهى (١).
وقال المازريّ: قوله: "ذا رحمِك" ينبغي أن يُتأمّل هذا مع قول النحاة: إن لفظة "ذا" إنما تُضاف إلى الأجناس، فلعلّ الإضافة ها هنا مقدّر انفصالها، والإضافة بمعنى تقدير الإنفصال موجودة. انتهى.
وقال القاضي عياض: "ذا"، و"ذي"، و"ذو" عند أهل العربيّة إنما تُضاف إلى الأجناس، ولا تضاف عندهم لغيرها من الصفات، والمضمرات،
стр. 258
والأفعال، والأسماء المفردات؛ لأنها في نفسها لا تنفكّ عن إضافة، وقد جاءت مفردةً ومضافةً إلى مفرد، وإلى فعل، ومجموعةً ومثنّاةً، وكلّه عندهم شاذٌ، كقولهم: ذو يَزَن، وذو نُوَاس، وقالوا فيهم الذَّوَين، والأَذْوَاء، وقالوا: افعَلْ بذي تَسْلَم.
وتقدير هذا عندهم على الإنفصال، كما قال: أي الذي له كذا، أو الذي تسلم، كذلك قوله: "ذا رَحِمِكَ"، أي الذي له رَحِمٌ معك يشاركك فيها، ونحوه، ومعنى "ذو" صاحب، قيل: وأصله ذُوُو؛ لأنهم قالوا في تثنيته ذوا مال. انتهى كلام القاضي (١).
قال الجامح عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ما تكلّف به المازريّ وعياض في قوله: "ذا رَحِمِك"؛ لأن المراد بالرحم القرابة، وهي اسم جنس، فيصحّ إضافة "ذي" إليها بدون تأويل، كما سبق في كلام القرطبيّ، وليس هو من جنس "ذي يَزَنَ"، و"ذي نُوَاس"، و"ذي تسلم"، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله ﷺ : "إن تَمَسّك بما أُمر به دخل الجنة"، قال النوويّ: كذا هو في معظم الأصول المحققة، وكذا ضبطناه "أمِرَ" - بضم الهمزة، وكسر الميم - و"بِهِ" - بباء موحدة مكسورة - مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وضبطه الحافظ أبو عامر العبدريّ: "أَمَرتُهُ" - بفتح الهمزة، وبالتاء المثنّاة من فوقُ التي هي ضمير المتكلم، وكلاهما صحيح، والله أعلم.
وأما ذكره ﷺ صِلَةَ الرحم في هذا الحديث، وذِكْرُ الأوعيةِ في حديث وفد عبد القيس، وغيرِ ذلك في غيرهما، فقال القاضي عياض وغيره ﵏: ذلك بحسب ما يَخُصُّ السائل، ويَعْنِيهِ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: ترجم القرطبيّ رحمه الله تعالى، بقوله: "باب من اقتصر على فعل ما وجب عليه، وانتهى عمّا حُرّم عليه دخل الجنّة"، ثم أورد حديث أبي أيوب ﵁ هذا، وحديث جابر ﵁ الآتي: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ
стр. 259
فقال: أرأيتَ إذا صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: "نعم"، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا.
ثم قال: هذه الترجمة يشهد بصحّتها الحديثان المذكوران تحتها، فأما حديث أبي أيوب فمن حيث إن النبيّ ﷺ دلّ السائل على فعل ما وجب، وقال: "إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة"، وأما حديث جابر ﵁ فمن حيث إن السائل إنما سأله عن دخول مَن فَعَلَ ما يجب عليه، وانتهى عما حُرِّم عليه الجنّة، فأجابه بـ "نعم"، ولم يذكر لهما في هذين الحديثين شيئًا من فعل التطوّعات، فدلّ على صحّة ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوّعات على الجملة.
لكن من تركها، ولم يَعمل شيئًا منها، فقد فوّت على نفسه ربحًا عظيمًا، وثوابًا جسيمًا، ومن داوم على ترك شيء من السنن، كان ذلك نقصًا في دينه، وقدحًا في عدالته، فإن كان تركه تهاونًا به، ورغبةً عنها، كان ذلك فسقًا، يستحقّ به ذمًّا.
وقال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواصلوا على ترك سنّة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا.
ولقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق بينهما لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، وخوف العقاب على الترك، ونفيه إن حصل تركٌ ما بوجه ما.
وإنما سكت النبيّ ﷺ لهؤلاء السائلين عن ذكر التطوّعات، ولم يذكرها لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عُبيد الله ﵁؛ لأن هؤلاء - والله أعلم - كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وَجَبَ عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، أو لئلا يعتقدوا أن تلك السنن والتطوّعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم بالفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب تلك المندوبات، فتسهل عليهم.
ومن المعلوم أنّ هؤلاء ما سُوِّغ لهم ترك الوتر، ولا صلاة العيدين، ولا
стр. 260
غيرهما، مما فعله النبيّ ﷺ في جماعة المسلمين، ولا يجترؤون على ترك ذلك؛ للذي يُعلم من حرصهم على الإقتداء بالنبيّ ﷺ ، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيق حسنٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١١٥] (١٤) - (وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ - بفتح المهملة، ثم المعجمة - خُرَاسَاني الأصل، وكان أحد الحفاظ الرَّحّالين، نَزَلَ بغداد، ثقة ثبتٌ [١١].
رَوَى عن رَوْح بن عُبَادة، وأحمد بن إسحاق الحضرميّ، والحسن بن موسى الأشيب، ويونس بن محمد المؤدِّب، وعَفّان بن مسلم، وأسود بن عامر شاذان، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو عُمَر الدُّوريّ، وهو أكبر منه، وجعفر بن محمد الفريابي، وأبو بكر بن خزيمة، وعبدان الأهوازيّ، وموسى بن هارون، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو ثَبْتٌ صدوق. وقال
стр. 261
النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش ثقة مأمون. وقال الدارقطني: ثقةٌ وفوق الثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين، مع صَلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتِّسَاع في الرواية، قال: وبلغني عن أبي مُزَاحِم الخاقاني قال: كان الصاغاني يُشْبِهُ يحيى بن معين في وقته. وقال مَسْلَمة في "الصِّلَة": كان ثقةً مأمونًا. وقال أبو حاتم الرازيّ: ثقة. وقال السُّلَميّ عن الدارقطنّي: هو وَجْهُ مشايخ بغداد.
قال ابن المنادي: مات يوم الخميس لسبع خَلَوْن من صفر سنة سبعين ومائتين، وفيه أَرَّخَه غير واحد.
أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وفي "الزهرة": رَوَى عنه مسلم (٣٢) حديثًا (١).
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت بعد سنة (٢١٩) (ع) ٤/ ٤٤.
٣ - (وُهَيْبٌ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر بأخَرَة قليلًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٣٩٨.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٦] (ت ١٤٥) (ع) ١/ ١٠.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غيره [٣] ١/ ١٠.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ ١/ ٣. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) أي بدويًّا منسوبًا إلى الأعراب بالفتح، وهم: سُكّان البادية (٢) (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، دُلَّنِي) بضمّ الدال، وتشديد اللام أمر من الدلالة، وهي الإرشاد (عَلَى عَمَلٍ) صفته أنه (إِذَا
стр. 262
عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) أي دخولًا أوليًّا، غير مسبوق بنوع من العذاب (قَالَ) ﷺ (تَعْبُدُ اللهَ) خير بمعنى الأمر، أو هو في تأويل المصدر بتقدير "أَنْ"، وحذفها مع رفع الفعل جائز في سعة الكلام على الراجح، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وجوّز بعضهم نصبه، وهو شاذّ، كما قال في "الخلاصة".
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ " وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
ويحتمل أن يكون منزّلًا منْزِلة المصدر بذكر الفعل، وإرادة الحدث، كما في قوله: "تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه"، وهو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو، يعني أن العمل الذي إذا عملته دخلت الجنّة هو عبادة الله إلخ.
ثم قيل: المراد بالعبادة التوحيد، لعطف الصلاة، وما بعدها عليه، والأصل في العطف المغايرة، وذكر العبادة شامل للإقرار بالرسالة، لأنها لا تُعتبر بدونه، فذكرها مغنٍ عن ذكره، ويحتمل أن يكون السائل مؤمنًا، فذكرها له لشرفها، وكونها أصلًا، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة جميع أنواع الطاعات، فيكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاصّ على العامّ.
(لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونك غير مشرك به، قيل: وهو يؤيّد أن المراد بالعبادة التوحيد، وهذه الجملة تفيد التأكيد، وقيل: إنما ذكره ردًّا على الكفّار حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وبيانًا أن العبادة لا تكمل إلا إذا سَلِمت من أنواع الشرك، كبيرها وصغيرها، كالرياء والسمعة، كما قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
[تنبيه]: قال القاري في "المرقاة": قال العارفون: التعبّد إما لنيل الثواب، أو التخلّص من العقاب، وتُسمّى عبادة، وهي أنزل الدرجات؛ لأن معبوده ذلك المطلوب، بل نقل الفخر الرازيّ إجماع المتكلّمين على عدم صحّة عبادته، أو للتشرّف بخدمته تعالى، والإنتساب إليه، وتسمّى عُبُودِيّةً، وهي أرفع من الأولى، ولكنها ليست خالصة له، أو لوجهه تعالى وحده، من غير ملاحظة شيء آخر، وتُسمّى عبودة، وهي أعلى المقامات، وأرفع الحالات. انتهى (١).
стр. 263
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقسيم الذي ذكره القاري تقسيم ضيزى؛ لكونه مخالفًا لنصوص الكتاب والسنّة، ومناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الآيات القرآنية، والأخبار الصحيحة النبويّة مشحونة بأن العبادة للفوز بالجنة والنجاة من النار طريقة الأنبياء والمرسلين، وخير الهدى هداهم، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، "وخير الهدي هدي محمد ﷺ "، وقد قال الله بعد ذكر أنبيائه: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولوطًا، ونوحًا، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإسحاق، وذا الكفل، وذا النون، وزكريّا، ويحيى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فهؤلاء أفضل الخلق أجمعين كانوا يدعون الله رغبة ورهبة، فأيُّ رتبة أعلى من رتبتهم؟ وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ [الشعراء: ٨٥]، وقال تعالى عن عباده مثنيًا عليهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]، وقد كان رسول الله ﷺ وهو سيد الخلق أجمعين كثير السؤال للجنة، والتعوذ من النار، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة لا حصر لها.
وبالجملة فالعمل المجرّد من الخوف والرجاء هو الذي أدخل الزندقة في كثير من المتصوّفة، الذين يزعمون تجرّدهم عن الإلتفات إلى الجنة والنار، وإنما يعبدون الله تعالى لمحبّتهم له، فصاروا يحتقرون عذاب الله وناره، ويتهاونون بالجنة ونعيمها.
ولهذا قال بعض العلماء: من عبد الله بالحبّ وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده، فهو حروريّ (١)، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئيّ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحّد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى ردًّا على هؤلاء: إن الواحد
стр. 264
من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيّامًا، أو أُلقي في بعض عذابها طار عقله، وخرج من قلبه كلّ محبّة، ولهذا قال سمنون:
وَلَيْسَ لِي فِيمَا سِوَاكَ حَظٌّ … فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي
فابتُلِي بعُسر البول، فصار يطوف على المكاتب، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّاب، وأبو سليمان لَمّا قال: قد أَعطيتُ من الرضا نصيبًا، لو ألقاني في النار لكنت راضيًا، ذُكر أنه ابتُلي بمرض، فقال: إن لم تعافني، وإلا كفرت، أو نحو هذا، وفُضيل بن عياض ابتُلي بعسر البول، فقال: بحبي لك إلا فرّجت عنّي، فبذل حبّه في عسر البول، فلا طاقة لمخلوق بعذاب الخالق ولا غنى به عن رحمته، وقد قال النبيّ ﷺ لرجل: "ما تدعو في صلاتك؟ "، قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال: "حولها ندندن"، فقد أخبر ﷺ أنه ومعاذ بن جبل ﵁، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبيّ ﷺ إنما يُدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله ﷺ ، ومعاذ، ومن يصلّي خلفهما من المهاجرين والأنصار. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن طلب الجنّة، والاستعاذة من النار طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وجميع أولياء الله السابقين المقرّبين، وأصحاب اليمين، فمن حاد عن طريقهم فقد ضلّ ضلالًا مبينًا.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين آمين آمين.
(وَتُقِيمُ الصَّلَاة الْمَكْتُوبَةَ) أي المفروضة على الأعيان بشرائطها وأركانها المعلومة، قيدها احترازًا عن التطوّعات (وَتُؤَدِّي) أي تعطي (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) المغايرة بين الوصفين للتفنّن، وهي للتأكيد، أو لئلا يُتوهّم المعنى اللغويّ، وهو مطلق الصدقة، والمعنى أداء مقدارها المعيّنة، لمصارفها المقرّرة.
стр. 265
وقال في "الفتح": قيل: الفرق بين القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبّر في الزكاة بـ "المفروضة" للاحتراز عن صدقة التطوّع، فإنها زكاة لغوّية، وقيل: احترز من الزكاة المعجّلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة (١).
(وَتَصُومُ رَمَضَانَ) إنما لم يقيده لأنه لا يكون إلا فرضًا (قَالَ) الأعرابيّ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه جواز الحلف للتأكيد بغير استحلاف، أو ضرورة ملجئة.
[فإن قلت]: كيف أقرّه النبيّ ﷺ على حلفه، وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا، والنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤].
[أجيب]: بأن المنع والنكير إنما كان عن عناد؛ إذ لا شكّ أن ترك النوافل جائزٌ، والحلف على المباح غير محرّم، ولهذا الكلام محمل آخر، وهو أن يكون السائل رسولًا، فحلف أن لا يزيد في الإبلاغ على ما سمع، ولا ينقص منه، وقيل: يحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول، أي: قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. ذكره الطيبيّ (٢).
(لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) أي الذي ذَكَره (شَيْئًا) أي من عندي (أَبَدًا، ولَا أَنْقُصُ مِنْهُ) أي مما ذُكر، وقيل: المعنى لا أزيد على هذا السؤال، ولا أنقص في العمل مما سمعته، أو كان الرجل وافد قوم، فأراد أنه لا يزيد في التبليغ على ما سَمِعَ، ولا ينقُص منه شيئًا (فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر الأعرابيّ وذهب عن المجلس (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (سَرَّهُ) أي أعجبه (أَنْ يَنْظُرَ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤَوّل فاعل "أعجب" (إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَلْيَنْظُرْ) جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، ودخلت الفاء؛ لكون المبتدأ بمعنى الشرط (إِلَى هَذَا) الأعرابيّ، والظاهر منه أن النبي ﷺ عَلِمَ بالوحي أنه سيُوَفِّي بما التَزَم، وأنه يدوم على ذلك، ويدخل الجنة.
стр. 266
ويحتمل أن يكون في الكلام حذفٌ، تقديره: إن دام على فعل الذي أُمر به، ويؤيّد هذا قوله في حديث أبي أيوب ﵁ الذي قبله: "إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة".
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث، وكذا في حديث طلحة في قصّة الأعرابيّ وغيرهما دلالة على جواز ترك التطوّعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصًا في دينه، فإن تركها تهاونًا بها ورغبةً عنها كان ذلك فسقًا، يعني لورود الوعيد عليه، حيث قال ﷺ : "من رغِبَ عن سنّتي فليس منّي"، وقد كان صدر الصحابة ﵃ ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة؛ لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه، ولعلّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، فيملّوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهُلت عليهم. ذكره في "الفتح"، وقد تقدّم بنحوه (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه المصنّف هنا (٤/ ١١٥) عن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان بن مسلم، عن وُهيب بن خالد، عن يحيى بن سعيد بن حيّان أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عنه.
و (البخاريّ) (٢/ ١٣٠) عن محمد بن عبد الرحيم عن عفّان به، وفي (٢/ ١٣١) عن مسدّد، عن يحيى القطّان، عن أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، و (أحمد) في "مسنده" ٢/ ٣٤٢ عن عفان به و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 267
(المسألة الثالثة):
(اعلم): أنه لم يأتي ذكر الحجّ في هذا الحديث، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غيره من نحو هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكر في بعضها الزكاة، وذُكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونُقصانًا، وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عياض وغيره عنها بجواب لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وهَذّبه فقال: ليس هذا باختلاف من رسول الله ﷺ ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصّر واختصر على ما حفظه فأدّاه، ولم يتعرّض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وقد وقع التفاوت عن واحد، ألا ترى إلى حديث النعمان بن قوقل ﵁ اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن رواي الجميع واحد، وهو جابر بن عبد الله ﵄ في قضيّة واحدة، ثم ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في "الصحيح"؛ لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة من أنها مقبولة أيضًا (١).
وقال البيضاويّ: وينبغي لك أن تعلم أن الحديث الواحد إذا رواه راويان، واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيّرة لإعراب الباقي قُبلت، وحُمل ذلك على نسيان الآخر؛ لذهوله، أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الإستشهاد، وإن كانت مغيّرة تعارضت الروايات، وتعيّن طلب الترجيح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي إلخ"، هذا قول من الأقوال التي ذُكرت في قبول زيادة الثقة، لكن القول الراجح أنه لا اعتبار بتغيير الإعراب وعدمه، وإنما العبرة في زيادة الثقة بالمخالفة وعدمها، فإذا كانت مخالفةً لرواية الجماعة، بأن كان يلزم من قبولها ردّ روايتهم، فلا تقبل، وإلا قُبلت، وإلى تلك الأقوال مع الترجيح أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
стр. 268
وَفِي زِياداتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمّ … مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ
ثَالِثُهَا تُقْبَلُ لَا مِمَّنْ خَزَلْ … وَقِيلَ إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ
بَعْضًا أَوِ النّسْيَانَ يَدَّعِيهِ … تَقْبَلْ وَإِلَّا يُتَوَقَّفْ فِيه
وَقِيلَ إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدّ … وَقِيلَ فِيمَا إِنْ رَوَى كُلًّا عَدَدْ
إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لَا يَغْفُلُ … عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لَا تُقْبَلُ
وَقِيلَ لَا إِذْ لَا تُفِيدُ حُكْمَا … وَقِيلَ خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَا
وَابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ وَهْوَ الْمُعْتَمَدْ … إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلثِّقَاتِ فَهْيَ رَدّ
أَوْ لَا فَخْذُ تِلْكَ بِإِجْمَاعٍ وَضحْ … أَوْ خَالَفَ الإِطْلَاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوائلَ الكتاب قال:
[١١٦] (١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَعَمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل حديث.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْداني الكوفي، ثقة حافظٌ [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وحفص بن غِيَاث، وأبي بكر بن عَيّاش، وهُشيم، ومعتمر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويونس بن بكير، وابن المبارك، وأبي معاوية الضرير، ووكيع، ومحمد بن بشر العبدي، ومروان بن معاوية، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وغيرهم.
стр. 269
ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ، عن زكريا بن يحيى السِّجْزِيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، والذُّهليّ، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
قال حجاج بن الشاعر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حَدَّثت عن أحد ممن أجاب في المحنة لحدثت عن أبي مَعْمَر، وأبي كريب. وقال الحسن بن سفيان: سمعت ابن نُمير يقول: ما بالعراق أكثر حديثًا من أبي كريب، ولا أَعْرَفَ بحديث بَلَدِنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وقال أبو علي النيسابوريّ: سمعت أبا العباس بن عُقْدة يقدمه في الحفظ والمعرفة على جميع مشايخهم، ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث. وقال موسى بن إسحاق الأنصاري: سمعت من أبي كريب مائة ألف حديث. وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال مرّةً: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو عمرو الْخَفّاف: ما رأيت من المشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمحمد بن يحيى: لم أر بعد أحمد بن حنبل بالعراق أحفظ من أبي كريب. وقال صالح جَزَرَة: غَلَبَت اليبوسة مرّة على رأس أبي كريب، فغَلَّف الطبيبُ رأسه بالفالوذج، فأخذه من رأسه، فوضعه في فيه، وقال: بطني أحوج إلى هذا. وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة.
قال البخاري وغير واحد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد بعضهم: وهو ابن سبع وثمانين سنة، وقيل: مات سنة سبع، وهو وَهَمٌ.
روى عنه الجماعة، وفي "الزهرة": رَوَى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا، ومسلم خمسمائة وستة وخمسين حديثًا (١).
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم - بمعجمتين - التميمي السَّعْديّ مولاهم، الضَّرِير الكوفيُّ، يقال: عَمِيَ، وهو ابن ثمان سنين، أو أربع، ثقة،
стр. 270
أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩].
رَوَى عن عاصم الأحول، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعد ويحيى ابني سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وداود بن أبي هند، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم، وابن جريج، وهو أكبر منه، ويحيى القطان، وهو من أقرانه، ويحيى بن حسان التنيسيّ، وأَسَدُ بن موسى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو بكر وعثمان بنا أبي شيبة، وسعيد بن منصور وأبو كريب، وغيرهم.
قال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد ويحيى عن أبي معاوية وجرير؟ قالا: أبو معاوية أحبّ إلينا، يعنيان في الأعمش. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: أبو معاوية أثبت في الأعمش من جرير. وروى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير. وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين، من أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: أبو معاوية بعد شعبة وسفيان. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أبو معاوية أحب إليك في الأعمش أو وكيع؟ فقال: أبو معاوية أعلم به. وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: أيُّهما أحبُّ إليك في الأعمش، عيسى بن يونس، أو حفص بن غياث، أو أبو معاوية؟ قال: أبو معاوية، وقال أيضًا عن ابن معين: قال لنا وكيع: من تلزمون؟ قلنا: نلزم أبا معاوية، قال: أما أنه كان يَعُدُّ علينا في حياة الأعمش ألفًا وسبعمائة. وقال الدُّوريُّ: قلت لابن معين: كان أبو معاوية أحسنهم حديثًا عن الأعمش؟ قال: كانت الأحاديث الكبار العالية عنده. وقال ابن المدينّي: كتبنا عن أبي معاوية ألفًا وخمسمائة حديث، وكان عند الأعمش ما لم يكن عند أبي معاوية أربع مائة ونيف وخمسون حديثًا. وقال شبابة بن سَوّار: كنا عند شعبة، فجاء أبو معاوية، فقال شعبة: هذا صاحب الأعمش فاعرفوه. وقال إبراهيم الحربي: قال وكيع: ما أدركنا أحدًا كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي معاوية. وقال الحسين بن إدريس: قلت لابن عمار: عليّ بن مسهر أكبر أم أبو معاوية في الأعمش؟ قال: أبو معاوية، قال ابن
стр. 271
عمار: سمعته يقول: كُلُّ حديث قلتُ فيه: حدثنا فهو ما حفظته من فِي المحدث، وكل حديث قلتُ: وذكر فلان، فهو مما قرئ من كتاب. وقال العجليّ: كوفي ثقة، وكان يَرَى الإرجاء، وكان لَيِّنَ القول فيه. وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات، وربما دَلَّس، وكان يرى الإرجاء. وقال الآجريّ عن أبي داود: كان مرجئًا، وقال مرةً: كان رئيس المرجئة بالكوفة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، يُدَلِّس، وكان مرجئًا. وقال النسائيّ: ثقة في الأعمش. وقال أبو زرعة: كان يرى الإرجاء، قيل له: كان يدعو إليه؟ قال: نعم. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أثبتُ الناس في الأعمش سفيان، ثم أبو معاوية، ومعتمر بن سليمان أحب إليّ من أبي معاوية - يعني في غير حديث الأعمش. وقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبيّ ﷺ ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان حافظًا متقنًا، ولكنه كان مُرْجِئًا خبيثًا.
قال أحمد بن حنبل وغير واحد: وُلِدَ سنة (١١٣)، وقال ابن نُمَير: مات سنة (١٩٤)، وقال ابن المديني وآخرون: مات سنة خمس وتسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٥٩) حديثًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو (١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٠٢.
٥ - (أَبُو سُفْيَان) في سينه ثلاث لغات: الضمّ، والكسر، والفتح، وهو: طلحة بن نافع القرشيّ مولاهم الواسطيّ، ويقال: المكيّ الإسكاف، صدوق [٤].
رَوَى عن جابر بن عبد الله، وأبي أيوب الأنصاريّ، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعبيد بن عُمَير، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، وهو راويته، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، والمثنى بن سعيد، وحصين بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وأبو بشر الوليد بن مسلم العنبري، وشعبة حديثًا واحدًا، وغيرهم.
стр. 272
قال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: رَوَى عنه الناس، قيل له: أبو الزبير أحب إليك، أو هو؟ قال: أبو الزبير أشهر، فعاوَدَه بعضُ من حَضَرَ، فقال: الثقة شعبة وسفيان. وقال أبو حاتم: أبو الزبير أحب إليَّ منه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء. وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة. وعند البخاري: وقال مسدد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. وقال النسائئ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ورَوَى له البخاريّ مقرونًا بغيره. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قال أبي: لم يسمع من أبي أيوب. وفي "العلل الكبير" لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وقال فيها: أبو سفيان يُكتَبُ حديثه، وليس بالقوي. وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث.
وقال الحافظ في "التهذيب": لم يُخرِج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها التي عناها شيخه علي بن المديني، منها حديثان في الأشربة، قرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث اهتز العرش كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قرنه بسالم بن أبي الجعد، وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثًا.
٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثَعْلَبة الخزرجيّ السَّلَميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وأبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي بردة بن نِيَار، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أنيس، وأبي حميد الساعديّ، وغيرهم.
وروى عنه أولاده: عبد الرحمن، وعَقيل، ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وأبو نضرة العبديّ،
стр. 273
ووهب بن كيسان، وسعيد بن مِيناء، ومجاهد، والحسن البصريّ، وقتادة، والشعبيّ، وخلق كثير.
وروى البخاريّ في "تاريخه" بإسناد صحيح، عن أبي سفيان، عن جابر: كنت أُمِيح أصحابي الماءَ يوم بدر، وأنكر ذلك الواقديّ. وقال زكريا بن إسحاق: حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدرًا، ولا أحدًا، منعني أبي، قال: فلما قُتِل عبد الله لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط، رواه مسلم. وقال حماد بن سلمة عن أبي الزبير، عن جابر: استغفر لي النبي ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرةً. وقال وكيع، عن هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حَلْقَةً في المسجد، يؤخذ عنه العلم.
قال ابن سعد، والهيثم: مات سنة (٧٣)، وقال محمد بن يحيى بن حَبّان: مات سنة (٧٧)، وكذا قال أبو نعيم، قال: ويقال: مات وهو ابن (٩٤) سنةً، وصَلَّى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة (١). وقال عمرو بن علي، ويحيى بن بكير، وغيرهما: مات سنة (٧٨)، وقيل: غير ذلك، وقال البخاريّ: صَلّى عليه الحجاج.
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٥٤٠) حديثًا، اتّفق الشيخان على (٥٨) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٢٦)، ومسلم بـ (١٢٦) حديثًا (٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بغير واسطة، وهم المجموعون في قولي:
стр. 274
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنْ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد رجاله كلهم كوفيّون، إلا جابرًا، فمدنيّ، وأبا سفيان فواسطيّ، ويقال: مكيّ.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، كما سبق في ترجمته.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان، وهو راويته.
٧ - (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، كما أسلفنا عدد مرويّه آنفًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁، أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) ببناء الفعل للفاعل، و"النبيّ" مفعول مقدّم، والفاعل قوله: (النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ) - بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنةٌ، وآخره لام - هو: النعمان بن قَوْقَل بنَ أصرم بن فِهْر بن ثَعْلبة بن غَنْم بن عَوْف.
ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق فيمن استُشْهِد بأُحُد، وكان شهد بدرًا، وقال ابن حبّان له صحبة.
وأخرج البغوي من طريق خالد بن مالك الجعدي قال: وجدت في كتاب أبي أن النعمان بن قوقل الأنصاري قال: أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعَرْجتي في خضر الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأيته يطأ فيها، وما به من عَرَج". وأخرج ابن قانع، وابن منده من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن الحسن بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل … فذكر نحوه. قال ابن منده: يُرْوَى هذا الحديث لعمرو بن الْجَمُوح. وأخرج مسلم من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن
стр. 275
أبي سفيان، وأبي صالح، عن جابر نحو حديث قبله، مَتْنُهُ أتى النبي ﷺ النعمانُ بن قوقل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحَرَّمت الحرام، وأحللت الحلال، أدخل الجنة؟ قال: "نعم"، وتابعه أبو حمزة، عن الأعمش، أخرجه ابن منده، وأخرجه من وجه آخر، عن أبي حمزة، فقال: عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي سعيد، وأخرجه الطبراني في "مسند النعمان بن قوقل" من طريق جابر بن نوح، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، عن النعمان، أنه جاء رسولَ الله ﷺ ، فذكر نحوه، وهو مرسل، ولعل أبا صالح أراد عن قصة النعمان، ولم يرد الرواية عنه، وإنما الرواية عنه، عن جابر، وقد رواه عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، عن النعمان، أخرجه ابن منده أيضًا، وقد رواه موسى بن داود، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النعمان جاء إلى النبي ﷺ ، ورواه يزيد بن جعدبة، عن أبي الزبير، فقال: عن جابر: أخبرني النعمان، أخرجه ابن قانع، وابنُ منده من طريقه، وابن جعدبة، وله ذكر في حديث أبي هريرة عند البخاري، أخرجه من طريق عنبسة بن سعيد عنه، قال: أتيت النبي ﷺ بعد أن فتح خيبر، فقلت: يا رسول الله، أَسْهِمْ لي، فقال أبان بن سعيد بن العاص: لا تُعْطِه، فقلت: هذا قاتلُ ابنِ قوقل، ويقال: إن قوقلًا لقب، واسمه ثعلبة، أو مالك بن ثعلبة، وقد غاير أبو عمر بين النعمان بن قوقل، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وتعقبه ابن الأثير.
[تنبيه]: النعمان بن قوقل صحابيّ آخر، فرق أبو حاتم بينه وبين الذي قبله، وقال في هذا: إنه نزل الكوفة، ورَوَى عنه بلال بن يحيى، وأخرجه البخاري من طريق حبيب بن سليم، عن بلال، عن النعمان بن قوقل، قال: قلت: يا رسول الله، ما أتعلم من القرآن شيئًا إلا انفلت مني، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما من شيء أحبُّ إلي من الله ورسوله، قال: "يا ابن قوقل، المرء مع من أحب، وله ما احتسب"، وأخرج الطبراني في ترجمة الذي قبله من طريق منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جاء النعمان بن قوقل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فأمره أن يصلي ركعتين، يتجوَّز فيهما.
стр. 276
وأخرجه ابن شاهين من طريق هدبة بن المنهال، عن الأعمش كذلك، قال الحافظ: وعندي أنه بهذا أليق. انتهى (١).
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ) أي اجتنبتُ الحرام، معتقدًا حرمته (وَأَحْلَلْتُ الْحَلَال) أي اعتقدتُ حلّه، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: أما تحريم الحرام فالظاهر أنه أراد به أمرين: أن يعتقده حرامًا، وأن لا يفعله، بخلاف تحليل الحلال، فإنه يكفي فيه مجرّد اعتقاده. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني اكتسبت الحلال، وامتنعتُ عن كسب الحرام، هذا عُرْفُ الحلال والحرام في الشرع، وأما في أصل الوضع فيصلح أن يُطلق الحلال على كلّ ما للإنسان أن يفعله شرعًا، ولا يمتنع منه، والحرام على ما مُنِع الإنسان من فعله مطلقًا. انتهى (٣)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟) أي دخولًا أوّليًّا بغير تقدّم عذاب (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ) أي تدخل الجنة كذلك.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" (٤/ ١١٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عنه و (٤/ ١١٧) عن حجاج بن الشاعر، والقاسم بن زكريا، كلاهما عن عبيد الله بن
стр. 277
موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، كلاهما عنه، و (٤/ ١١٨) عن سلمة بن شبيب، عن الحسن بن أعين، عن معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عنه.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٦) وعن أبي معاوية - وابن نمير - كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي سفيان به و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥ و ٦) و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٩٦ و ٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
وقع في هذا الإسناد عنعنة الأعمش، وهو مدلّس، والمدلّس إذا عنعن لا تُقبل روايته، إلا أن يثبت سماعه من جهة أخرى.
وأجاب النوويّ رحمه الله تعالى بأن ما كان في "الصحيحين" عن المدلّسي بـ "عن" محمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى.
وأحسن من هذا ما قاله الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان": ودونك نصّه: وهو يدلّس، وربّما دلّس عن ضعيف، ولا يُدْرَى به، فمتى قال: حدّثنا، فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرّق إليه التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمّان، فإن روايته عن هذا الصنّف محمولة على الاتّصال. انتهى (١).
فروايته هنا من هذا القبيل، فقد رواه عن أبي صالح في السند الآتي، فيكون مما سمعه منه، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
قد كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده تكميلًا للفائدة، وتتميمًا للعائدة، قال رحمه الله تعالى في شرح قوله: "وحرّمت الحرام، وأحللت الحلال … إلخ": ما نصّه:
وقد فسّر بعضهم تحليلَ الحلال باعتقاد حِلِّه، وتحريم الحرام باعتقاد
стр. 278
حرمته مع اجتنابه، ويحتمل أن يُراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال ههنا عبارةً عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح، ويكون المعنى أنه يَفْعَلُ ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات.
وقد رُوي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود وابن عباس ﵃ في قوله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٢١]، قالوا: يُحِلُّون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضعه (١).
والمراد بالتحريم والتحليل: فعلُ الحلال، واجتناب الحرام، كما ذكر في هذا الحديث، وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يُغَيِّرُون تحريم الشُّهُور الْحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيُحَرِّمونه بذلك.
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]، وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زُهْدًا في الدنيا وتَقَشُّفًا، وبعضهم حَرَّمَ ذلك على نفسه، إما بيمين حَلَف بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم، فسمى الجميع تحريمًا، حيث قصد الإمتناع منه إضرارًا بالنفس، وكفًّا لها عن شهواتها، ويقال في الأمثال: فلانٌ لا يُحَلِّلُ ولا يُحَرِّم، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقف عند ما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجعلون مَن فَعَلَ الحرام، ولا يتحاشى منه مُحَلِّلًا، وإن كان لا يعتقد حله.
стр. 279
وبكل حال فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، دخل الجنة، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بهذا المعنى، أو ما هو قريب منه، كما خرج النسائيّ وابن حبان والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء"، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وخَرَّج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد عَبَدَ الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة، - أو - دخل الجنة" (١).
وفي "المسند" عن ابن عباس ﵄ أن ضمام بن ثعلبة، وَفَدَ على النبي ﷺ ، فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج وشرائع الإسلام كلها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص، فقال رسول الله ﷺ : "إن صدق دخل الجنة"، وخَرّجه الطبراني من وجه آخر، وفي حديثه قال: والخامسةُ لا أَرَبَ لي فيها - يعني الفواحش - ثم قال: لأعملنّ بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة".
وفي "صحيح البخاري" عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتَصِلُ الرحم"، وخَرّجه مسلم إلا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، وعنده في رواية: فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : "إن تَمَسَّكَ بما أُمر به دخل الجنة".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، قال:
стр. 280
والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه، فلما ولَّى قال النبي ﷺ : "مَن سَرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".
وفي "الصحيحين" عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلا أن تَطّوّع شيئًا"، فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: "شهر رمضان، إلا أن تطّوّع شيئًا"، فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة؟ فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك بالحقّ لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق - أو - دخل الجنة إن صدق"، ولفظه للبخاريّ.
وفي "صحيح مسلم" عن أنس ﵁ أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ ، وزاد فيه: "حج البيت من استطاع إليه سبيلًا"، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ، ولا أنقص منهنّ، فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة".
ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت شيئًا من التطوع، ليس مراده أنه لا يَعْمَل بشيء من شرائع الإسلام غير ذلك.
وهذه الأحاديث لم يُذْكَر فيها اجتناب المحرمات؛ لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة.
وخَرّج الترمذي من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "أيها الناس اتقوا الله، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم"، وقال: حسن صحيح، وخرّجه الإمام أحمد، وعنده: "اعبدوا ربكم" بدل قوله: "اتقوا الله"، وخَرَّجه بَقِيّ بن مَخْلَد في "مسنده" من وجه آخر، ولفظ حديثه: "صَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحُجُّوا بيتكم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، طَيِّبَةً بها أنفسكم، تدخلوا جنةَ ربكم".
وخَرَّج الإمام أحمد بإسناده عن ابن الْمُنْتَفِقِ قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟
стр. 281
فقال: "لئن كنت أوجزتَ في المسألة، لقد أعظمتَ، وأطولتَ، فاعقل عني إذن، اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدِّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان، وما تحب أن يفعله الناس بك فافعله بهم، وما تكره أن يَأتي إليك الناس فَذَرِ الناسَ منه"، وفي رواية له أيضًا قال: "اتق الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، ولم تزد على ذلك" (١)، وقيل: إن هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط.
فهذه الأعمال أسباب مقتضيةٌ لدخول الجنة، وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خَرّجه الإمام أحمد، من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، شَهِدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ : "مَن مات على هذا كان مع النبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب إصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه" (٢).
وقد وَرَدَ تَرَتُّب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال، كالصلاة، ففي الحديث المشهور: "مَن صلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة" (٣)، وفي الحديث الصحيح: "من صلى البردين دخل الجنة" (٤).
وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يُعمَل عليه إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، ويدل هذا على ما خَرَّجه الإمام أحمد، عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فشرط عليَّ شهادةَ أن لا إله إلا الله،
стр. 282
وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأُؤَدِّي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، فأما اثنتان فوالله ما أُطيقهما: الجهاد، والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حَرَّكها، فقال: "فلا جهاد، ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟ "، قلت: إذًا يا رسول الله أبايعك، فبايعته عليهنّ كلهنّ (١).
ففي هذا الحديث أنه لا يَكْفِي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر، يمنع دخول الجنة، كقوله: "لا يدخل الجنة قاطع"، متّفقٌ عليه، وقوله: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، رواه مسلم، وقوله: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا"، رواه مسلم، والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقضَى، وفي "الصحيح": أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط، حُبِسُوا على قنطرة يُقْتَصُّ منهم مظالم بينهم، كانت في الدنيا.
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحْبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب، كان يعمله في الدنيا، فهذه كلها موانع.
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد، ففي "الصحيحين" عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"، قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق"، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رَغْمِ أنف أبي ذر"، فخَرَجَ أبو ذر يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذر.
وفيهما عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة،
стр. 283
أو أبي سعيد بالشك، عن النبي ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ، غير شاكّ فيهما، فتحجبَ عنه الجنة".
وفيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال له يومًا: "من لَقِيتَ يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة"، وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا.
وفي "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال يومًا لمعاذ: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار"، وفيهما عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله قد حَرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله".
وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانعُ وهي إتيان الكبائر، قال الحسن للفرزدق: إن لِلا إله إلا الله شروطًا، فإياك وقذفَ المحصنة، ورُوي عنه أنه قال: هذا العمودُ فأين الطُّنُبُ؟ (١)، يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات، قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأَدَّى حقها وفرضها دخل الجنة، وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلا لم يُفتَح لك.
ويُشبِه ما رُوي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله، هل يَضُرُّ معها عمل، كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: اعمل، ولا تَغْتَرَّ.
وقالت طائفة، منهم الضحاك، والزهريّ: كان هذا قبل الفرائض والحدود، فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نُسِخَت، ومنهم من قال: بل ضُمّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشروط، هل هي نسخٌ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كله نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
стр. 284
وقال الثوريّ: نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تَبَيَّن بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة، ومثلُ هذا البيان، وإزالة الإيهام، كان السلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخًا في الإصطلاح المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدةً، بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرار على معصية.
وجاء من مراسيل الحسن عن النبي ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة"، قيل: وما إخلاصها؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حَرَّم الله، ورُوي ذلك مسندًا من وجوه أُخَر ضعيفة.
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا، فإنّ تَحَقُّق القلب بمعنى "لا إله إلا الله"، وصِدْقَه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يَرْسَخ فيه تَأَلُّه الله وحده إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبةً، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّهُ ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذل من القلب جميعُ أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئًا، أو أطاعه، وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا لله، فالله إلهه حقًّا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٣].
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، وقال قتادة: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُهُ عن ذلك وَرَعٌ، ولا تَقْوَى، ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "ما تحت ظل السماء إلهٌ يُعْبَد أعظم عندَ الله من هَوًى مُتَّبَعٍ" (١).
стр. 285
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله، فقد عَبَدَهُ، كما قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].
فتبيَّنَ بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: "لا إله إلا الله" إلا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]: قال: لا تحبوا غيري.
وفي "مستدرك الحاكم" عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "الشرك أخفى من دبيب الذَّرّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبَّ على شيء من الجور، وتُبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه، متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
وخَرَّج ابن أبي الدنيا من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "لا تزال لا إله إلا الله، تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله، ردها الله عليهم، وقال الله: كذبتم" (١).