مخافةً من كفره إذا لم يُعطَ، والتقدير: أنا أُعطي مَن في إيمانه ضعفٌ؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطِه أن يَعرِض له اعتقادٌ يَكفُرُ به، فيَكُبّه الله تعالى في النار، كأنه أشار إلى المؤلّفة، أو إلى مَن إذا مُنِع نَسَبَ الرسول ﷺ إلى البخل، وأما مَن قَوِيَ إيمانه فهو أحبّ إليّ، فأَكِلُه إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رُجوعًا عن دينه، ولا سوء اعتقاده، ولا ضرر له فيما يحصُل له من الدنيا. انتهى (١).
[تنبيهان]:
(الأول): قال في "الفتح": قوله: "أن يكبه الله" هو بفتح أوله، وضمّ الكاف، يقال: أكب الرجل: إذا أَطْرَق، وكبه غيره: إذا قَلَبه، وهذا على خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقَصُرَ، وقد ذكر البخاريّ هذا في "كتاب الزكاة"، فقال: يقال: أكب الرجلُ إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل، قلت: كَبّه، وكببته، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة، منها: أنسل رِيش الطائر، ونسلته، وأنزفتِ البئرُ ونزفتها، وحَكَى ابن الأعرابي في المتعدي كَبّه، وأكبّه معًا. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: وقد جاء قسم تَعَدَّى ثلاثيه، وقَصُر رباعيه، عكسَ المتعارَف، نحو أجفل الطائرُ، وجفلته، وأقشع الغيمُ، وقَشَعتهُ الريحُ، وأنسل ريشُ الطائر؛ أي: سقط، ونَسَلته، وأَمْرَت الناقةُ: دَرَّ لبنها، ومريتها، وأظأرتِ الناقةُ: إذا عَطَفَت على بَوِّها (٣)، وظأرتها ظَارًا: عَطْفْتُها، وأعرض الشيءُ: إذا ظهر، وعَرَضته: أظهرته، وأنقع العطشُ: سَكَن، ونقعه الماء: سَكَّنه، وأخاض النهرُ، وخضته، وأحجم زيد عن الأمر: وَقَفَ عنه، وحَجَمْتُهُ، وأكب على وجهه، وكببته، وأصرم النخلُ والزرعُ، وصرمته؛ أي: قطعته، وأمخض اللبنُ، ومخضته، وأثلثوا: إذا صاروا بأنفسهم ثلاثةً، وثَلَثْتُهُم: صِرْتُ ثالثهم، وكذلك إلى العشرة، وأبشر الرجلُ بمولود: سُرَّ به، وبَشَرته، واسم الفاعل من الثلاثيّ
стр. 2207
والرباعيّ على قياس البابين، وريش منسول، من الثلاثي، ومُنسِلٌ اسم فاعل من الرباعيّ؛ أي: مُنقَلِع.
وأفهم كلام بعضهم أن ذلك على معنيين، فقولهم: أنسل الريشُ، وأخاض النهرُ ونحوه، معناه: حان له أن يكون كذلك، فلا يكون مثل: قام زيدٌ، وأقمته، وقد نَصُّوا في مواضع على معنى ذلك. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه القاعدة المخالفة للقياس، فقلت:
اعْلَمْ بِأَنَّ أَظْأَرَتْ وَأَقْشَعَا … أَخَاضَ أَعْرَضَ أَمْرَتْ أَنْقَعَا
وَأَبْشَرَتْ وَأَصْرَمَتْ وَأَنْسَلَا … وَأَمْخَضَتْ وَأَحْجَمَتْ وَأَجْفَلَا
وَأَثْلَثُوا صَارُوا ثَلَاثَةَ إِلَى … عَشَرَةٍ كَذَا أَكَبَّ نُقِلَا
فَهَذه قَدْ خَالَفَتْ قِيَاسَ مَا … أَتَى عَنِ العُرْب طَرِيقًا مُحْكَمَا
إِذِ الثُّلَاثِيُّ لَدَيْهِمُ لَزِمْ … أَمَّا التَّعَدِّيَ لِلرُّبَاعِيِّ عُلِمْ
وَهَكَذَا صَرَّحَ فِي "المِصْبَاحِ" … قَرَبْتُ كَي تَحْفَظَهَا يَا صَاحِ
(التنبيه الثاني): أنه روى هذا الحديث أحمد، والحميديّ، وغيرهما عن عبد الرزّاق، عن معمر، وفيه من الزيادة: قال الزهري: "فَنَرَى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل".
وقد استُشكل هذا بالنظر، إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه، ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يُحكم بإسلامه، ويُسَمّى مسلمًا، إذا تلفظ بالكلمة؛ أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنًا إلا بالعمل، والعمل يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل ﵇، فهو الشرعي الكامل، المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ذكره في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2208
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٢/ ٣٨٥ و ٣٨٦ و ٣٨٧ و ٣٨٨] (١٥٠) وكرّره في "الزكاة"، و (البخاريّ) في "الإيمان" (٢٧) و"الزكاة" (١٤٧٨)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٦٨٣)، و (النسائيّ) في "الإيمان" (٨/ ١٠٣ - ١٠٤)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٧ و ٦٨ و ٦٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٧ - ١٨٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٣)، و (ابن منده) في "الإيمان" (١٦١ و ١٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٧٦ و ٣٧٧ و ٣٧٨ و ٣٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تألّف قلوب من يُخاف على إيمانه؛ لضعفه.
٢ - (ومنها): النهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.
٣ - (ومنها): بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد تقدم تحقيق ذلك في المسائل المذكورة في أوائل "كتاب الإيمان".
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً لمذهب أهل الحقّ في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافًا للكرَّامِيَّة، وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأ ظاهرٌ يردّه إجماع المسلمين، والنصوص في إكفار المنافقين.
٥ - (ومنها): مشروعيّة الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما يعتقد الشافع جوازه.
٦ - (ومنها): مراجعة المشفوع إليه في الأمر، إذا لم يؤدّ إلى مفسدة.
٧ - (ومنها): تنبيه المفضول الفاضلَ على ما يراه مصلحةً، ويظنُّ أنه ذَهِلَ عنه.
٨ - (ومنها): أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، كما يأتي في
стр. 2209
الرواية التالية: "فقمت إلى رسول الله ﷺ ، فساررته"، وقد يتعين إذا جَرّ الإعلان إلى مفسدة.
٩ - (ومنها): أن الفاضل لا يَقبَل ما يشار عليه به مطلقًا، بل يتأمله، فإن لم تظهر مصلحته لم يعمل به.
١٠ - (ومنها): أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحةً لا يُنكَر عليه، بل يُبَيَّن له وجه الصواب.
١١ - (ومنها): الاعتذار إلى الشافع، إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عيب على الشافع إذا رُدّت شفاعته لذلك.
١٢ - (ومنها): الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يُعلَم القطع فيه.
١٣ - (ومنها): أن الإمام يَصْرِف المال في مصالح المسلمين، الأهمّ، فالأهمّ، وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعيّة.
١٤ - (ومنها): أنه لا يُقطَع لأحد بالجنة على التعيين إلا مَن ثَبَتَ فيه نصٌّ، كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمعٌ عليه عند أهل السنة، هكذا قال النوويّ ﵀.
وتعقّبه الحافظ، ودونك نصّه: وفيه ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَصّ عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا، وإن تَعَرَّض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النصّ. انتهى.
١٥ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ استنبط منه استحباب ترك الإلحاح في السؤال، ووجه ذلك أنه ﷺ ضرب بيده بين عُنُق سعد ﵁ وكتفه لَمّا ألحّ عليه بالمراجعة، ثم قال له: "أقتالًا أي سعدُ"، فدلّ على استحباب ترك الإلحاح في السؤال.
١٦ - (ومنها): أن القرطبيّ استنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن؛ لأن النبيّ ﷺ ما نهاه عن الحلف، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه أقسم على وجدان الظنّ، وهو كذلك، ولم يُقْسِم على الأمر المظنون كما ظُنَّ. انتهى.
١٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: هذا الحديث أصحّ دليل
стр. 2210
على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطنٌ، ومِن عمل القلب، والإسلام ظاهرٌ، ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنٌ إلا مسلمًا، وقد يكون مسلمٌ غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدلّ عليه (١).
وقال الخطّابيّ ﵀: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام والإيمان، فيقال له: مسلم؛ أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهذا معنى الحديث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] أي: استسلمنا، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن، وللمؤمن: مسلم (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق ذلك مستوفًى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد.
١٨ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ أيضًا: فيه حجة لقول من يُجيز إطلاق: "أنا مؤمن" دون استثناء، وردّ على من أَبَى ذلك، وهي مسألة اختُلف فيها من زمان الصحابة ﵃ إلى هلُمّ جرًّا، وكلّ قول إذا حُقّق كان له وجهٌ، وفي طرفٍ لا يُنافي القول الآخر، فمن لم يستثنِ أخبر عن حكم نفسه في الحال، وأما المآل فإلى العالم به، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في اللوح المحفوظ، وإلى التوسعة في القولين ذهب من السلف الأوزاعيّ وغيره، وهو قول أهل التحقيق؛ نظرًا إلى ما قلناه، ورفعًا للخلاف. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أيضًا تحقيق هذه المسألة مستوفًى في المسائل المذكورة في أول "كتاب الإيمان"، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٧] ( … ) - (حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
стр. 2211
شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، أنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا، وَأنا جَالِسٌ فِيهِمْ … بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، وَزَادَ: "فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ الله، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ … ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِي الْحُلْوَانِيّ) نزيل مكّة، أبو عليّ الخَلال، ثقة حافظ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ المذكور قبل بابين.
٣ - (أَبُو يعقوب) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠، وقيل: ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، ورواية صالح عن الزهريّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صالحًا أكبر من الزهريّ.
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الزكاة" من "صحيحه" بعد إخراجه حديث الباب من طريق صالح، عن ابن شهاب، ما نصّه: قال أبو عبد الله: صالح بن كيسان أكبر من الزهريّ، وقد أدرك ابن عمر. انتهى.
قال في "الفتح": يعني في السنّ، ومثلُ هذا جاء عن أحمد، وابن معين، وقال عليّ بن المديني: كان أسنّ من الزهريّ، فإن مولده - يعني: الزهريّ - سنة خمسين، وقيل: بعدها، ومات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة أربع، وأما صالح بن كيسان فمات سنة أربعين ومائة، وقيل: قبلها، وذكر الحاكم في مقدار عمره سِنًّا تعقبوه عليه.
وقوله: "أدرك ابن عمر" يعني: أدرك السماع منه، وأما الزهري فمختلَف
стр. 2212
في لُقِيِّه له، والصحيح أنه لم يَلْقَه، وإنما يروي عن ابنه سالم عنه. انتهى (١).
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَمِّهِ) يعني: أن رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهريّ مثل رواية ابَن أخي ابن شهاب، عن عمّه.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير صالح، أي: زاد صالح في روايته على رواية ابن أخي ابن شهاب قوله: (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ الله، فَسَارَرْتُهُ) أي: كلّمته سرًّا.
[تنبيه]: رواية صالح التي أحالها المصنّف ﵀ هنا أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب الزكاة" من "صحيحه"، فقال:
(١٤٧٨) حدثنا محمد بن غُرَير الزهريّ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه، قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا، وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله ﷺ منهم رجلًا، لم يعطِه، وهو أعجبهم إليّ، فقمت إلى رسول الله ﷺ ، فساررته، فقلت: ما لك عن فلان؟، والله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أو مسلمًا"، قال: فسكتّ قليلًا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أو مسلمًا"، قال: فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: "أو مسلمًا"، يعني فقال: "إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه، خشيةَ أن يُكَبَّ في النار على وجهه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانيُّ، حَدَّثنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: "أَقِتَالًا، أَيْ سَعْدُ؟ إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ").
стр. 2213
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، غير اثنين، هما:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة حجة [٤].
رَوَى عن أنس، وأبيه محمد، وعمَّيْهِ: عامر ومصعب، وحمزة بن المغيرة، وحميد بن عبد الرحمن، وجماعة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وهو من أقرانه، وابنه أبو بكر بن إسماعيل، وصالح بن كيسان، وعبد الله بن جعفر المخزوميّ، وسليمان بن بلال، وابن عيينة، وابن جريج، ومالك، وغيرهم.
ذكره معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث، وقال ابن عيينة: كان إسماعيل بن محمد من أرفع هؤلاء، وقال ابن المديني: من كبار رجال ابن عيينة، وهو قديم لم يلقَه شعبة، ولا الثوريّ، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٣٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا برقم (١٥٠)، وأعاده في "الزكاة"، وحديث (٢٧٤): "قد أصبتم، يغبطهم أن صلوا … "، و (٥٨٢): "يسلّم عن يمينه، وعن يساره … "، و (٩٦٦): "الحدوا لي لحدًا … "، و (١٣٥٢): "مكث المهاجر بمكة بعد … "، و (١٣٦٤): "معاذ الله أن أردّ شيئًا … ".
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب: ظلّ الشيطان؛ لقصره، ثقة [٣].
أرسل عن النبيّ ﷺ ، ورَوَى عن أبيه، وعثمان، وأبي الدرداء.
ورَوَى عنه ابناه: إسماعيل، وإبراهيم، وأبو إسحاق السبيعيّ، ويونس بن جبير، ويوسف بن الحكم الثقفي، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وإسماعيل بن أبي خالد، وخالد بن أبي مالك، وأبو ظَبْيان، حُصَين بن جندب، وغيرهم.
قال الزبير بن بكار: قتله الحجَّاج، وقال العجليّ: تابعيٌّ ثقةٌ، وقال ابن
стр. 2214
سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ليست بالكثيرة، وكان قد خَرَج مع ابن الأشعث، وشَهِدَ دَيْرَ الجماجم، فأُتِي به الحجَّاج فقتله، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا برقم (١٥٠)، وأعاده في "الزكاة"، و (١٠٨٦): "الشهر هكذا، وهكذا … "، وأعاده بعده، و (٢٢٥٨): "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا … "، و (٢٣٩٧): "ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا … ".
وقوله: (ثُمَّ قَالَ: "أَقِتَالًا) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و"قتالًا" بالتاء من القتل، وهو مفعول مطلق لعامل محذوف، أي: أتقاتلني قتالًا.
وفي رواية البخاريّ: "ثم قال: أَقْبِلْ أي سعد"، أمر من الإقبال، أو القبول، قاله في "الفتح" (١).
[تنبيه]: قوله: "أقتالًا" بالتاء المثنّاة من فوقُ، هكذا النسخ، ووقع في "الفتح" ما نصّه: ووقع عند مسلم: "إقبالًا أي سعد" على أنه مصدر، أي: أتقابلني إقبالًا بهذه المعارضة. انتهى، وهذا الذي قاله لم يقع في النسخ التي بين أيدينا؛ إذ كلها بالتاء، لا بالموحّدة، والله أعلم.
وقوله: (أَيْ سَعْدُ) "أي" حرف نداء، أي يا سعد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٧٣) - (بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[٣٨٩] (١٥١) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب،
стр. 2215
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قَالَ: وَيرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرْملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظٌ فقيه عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ (١) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) (٢) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت بعد ٩٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
стр. 2216
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليًّا إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، فكلهم فقهاء أجلّاء.
٥ - (ومنها): أن فيه اثنين من الفقهاء السبعة، وهما: سعيد، وأبو سلمة.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية الطبريّ، من طريق عمرو بن الحارث، عن يونس، عن الزهريّ، أخبرني أبو سلمة وسعيد، كذا قال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، ورواه مالك عن الزهري، فقال: إن سعيد بن المسيِّب، وأبا عُبيدة أخبراه عن أبي هريرة، ومن هذا الطريق أخرجه أيضًا عند البخاريّ، وتابع مالكًا أبو أويس، عن الزهريّ، أخرجه أبو عوانة من طريقه، ورجح ذلك عند النسائيّ، فاقتصر عليه، وكأنّ البخاريّ جَنَحَ إلى تصحيح الطريقين، فأخرجهما معًا، وهو نظر صحيح؛ لأن الزهريّ صاحب حديث، وهو معروف بالرواية عن هؤلاء، فلعله سمعه منهم جميعًا، ثم هو من الأحاديث التي حَدَّث بها مالك خارج "الموطأ"، واشتهر أن جويرية تفرّد به عنه، ولكن تابعه سعيد بن داود، عن مالك، أخرجه الدارقطنيّ في "غرائبه" من طريقه، أفاده في "الفتح" (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ) الضمير له ﷺ ، ولأمته (أَحَق بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ ) قال في "الفتح": سقط لفظ "الشك" من بعض الروايات، و"الشكّ" في الأصل: هو التوقّف بين الأمرين من غير ترجيح النفي أو الإثبات، أي: من غير مزيّة لأحد الأمرين على الآخر.
стр. 2217
[تنبيه]: اختَلَفَ العلماء في معنى "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم" على أقوال كثيرة، قال الحاقظ أبو عوانة في "مسنده" بعد إخراجه، ما نصّه: سمعت أبا حاتم الرازيّ يقول: يعني نحن أحقّ بالمسألة، وسمعتُ القاضي إسماعيل يقول: كان يعلم بقلبه أن الله يحيي الموتى، ولكنه أحبّ أن يرى معاينة. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراج الحديث، ما نصّه: قال أبو حاتم: قوله: "نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم" لم يُرد به إحياء الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أن إبراهيم ﷺ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولم يتيقّن أنه يُستجاب له فيه، يريد في دعائه، وسؤاله ربَّه عمّا سأل، فقال ﷺ : "نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم" به في الدعاء؛ لأنا إذا دعونا، ربّما يُستجاب لنا، وربّما لا يُستجاب، ومحصول هذا الكلام أنه لفظةُ إخبار، مرادها التعليم للمخاطب له. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": اختلف العلماء في معنى "نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم" على أقوال كثيرة، أحسنُها وأصحُّها ما قاله الإمام أبو إبراهيم المزنيّ، صاحب الشافعيّ، وجماعات من العلماء:
قال: معناه: إن الشك مستحيل في حق إبراهيم ﵇، فإن الشك في إحياء الموتى، لو كان متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشكّ، فاعلموا أن إبراهيم، لم يشكّ.
وإنما خَصّ إبراهيم؛ لكون الآية قد يَسْبِق إلى بعض الأذهان الفاسدة منها احتمال الشكّ.
وإنما رَجَّح إبراهيمَ على نفسه ﷺ تواضعًا وأدبًا، أو قبل أن يَعْلَم ﷺ أنه خير ولد آدم.
قال صاحب "التحرير": قال جماعة من العلماء: لَمّا نزل قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قالت طائفة: شَكَّ إبراهيم، ولم يَشُكَّ نبيّنا، فقال النبيّ ﷺ : "نحن أحقّ بالشك منه"، فذكر نحو ما قدمته، ثم قال: ويقع لي فيه معنيان:
стр. 2218
[أحدهما]: أنه خَرَج مخرج العادة في الخطاب، فإن مَن أراد المدافعة عن إنسان، قال للمتكلم فيه: ما كنتَ قائلًا لفلان، أو فاعلًا معه من مكروه، فقله لي، وافعله معي، ومقصوده: لا تقل ذلك فيه.
[والثاني]: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكًّا أنا أولى به، فإنه ليس بشكّ، وإنما هو طلب لمزيد اليقين. وقيل غير هذا من الأقوال، فنقتصر على هذه؛ لكونها أصحها وأوضحها، والله أعلم.
وقال في "الفتح": اختلفوا في معنى قوله ﷺ : "نحن أحقّ بالشك"، فقال بعضهم: معناه نحن أشدُّ اشتياقًا إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وقيل: معناه إذا لم نَشُكّ نحن، فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي: لو كان الشكّ متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به منهم، وقد علمتم أني لم أشُكّ، فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعًا منه ﷺ ، أو مِنْ قَبْلِ أن يُعْلِمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وهو كقوله ﷺ في حديث أنس ﵁ عند مسلم أن رجلًا قال للنبيّ ﷺ : يا خير البرية، قال: "ذاك إبراهيم". وقيل: إن سبب هذا الحديث أن الآية لَمّا نَزَلت قال بعض الناس: شكّ إبراهيم، ولم يشك نبيّنا، فبلغه ذلك، فقال: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم"، وأراد ما جَرَت به العادة في المخاطبة، لمن أراد أن يَدْفَع عن آخر شيئًا، قال: مهما أردت أن تقوله لفلان، فقله لي، ومقصوده: لا تقل ذلك.
وقيل: أراد بقوله: "نحن" أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو منه بدلالة العصمة. وقيل: معناه: هذا الذي تَرَون أنه شكٌّ أنا أولى به؛ لأنه ليس بشكّ، إنما هو طلب لمزيد البيان.
وحَكَى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ الآية [الدخان: ٣٧]، أي: لا خير في الفريقين، ونحوُ قول القائل: الشيطان خير من فلان، أي: لا خير فيهما، فعلى هذا، فمعنى قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم": لا شكَّ عندنا جميعًا.
وقال ابن عطية: ترجم الطبري في تفسيره، فقال: وقال آخرون: شكّ إبراهيم في القدرة، وذكر أثر ابن عباس وعطاء، قال ابن عطية: ومَحْمِل قول
стр. 2219
ابن عباس عندي أنها أرجى آية؛ لِمَا فيها من الإدلال على الله، وسؤال الإحياء في الدنيا، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال، ولا يحتاج إلى تنقير وبحث، قال: ومَحْمِل قول عطاء: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يَدْخُل قلوب الناس، أي: من طلب المعاينة.
قال: وأما الحديث فمبنيٌّ على نفي الشك، والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفيّ عن الخليل قطعًا؛ لأنه يَبْعُد وقوعه ممن رَسَخَ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟ قال: وأيضًا فإن السؤال لَمّا وَقَع بـ "كيف" دَلّ على حال شيء موجود مُقَرَّر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟، فـ "كيف" في الآية سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرَّرٌ.
وقال ابن الجوزيّ: إنما صار أحقّ من إبراهيم؛ لِمَا عانى من تكذيب قومه، وردّهم عليه، وتعجبهم من أمر البعث، فقال: أنا أحقّ أن أسأل ما سأل إبراهيم؛ لعظيم ما جَرَى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل في ذلك (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: إن هذا الكلام من باب الدفاع عن إبراهيم ﵇، فهو كقول القائل عند مدافعته عن شخص دفاعًا شديدًا: مهما أردت أن تقوله لفلان، فقله لي، ومقصوده بذلك: لا تقل هذا فيه، فإنه بريء غاية البراءة، والله تعالى أعلم بالصواب.
(إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] "كيف" اسم استفهام، سؤال عن الحال، والجملة في محلّ نصب مفعول ثانٍ لـ"أرني".
[تنبيه]: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في سبب سؤال إبراهيم؛ هذا السؤال أوجهًا، أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العلم بها استدلالًا، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة، بخلاف
стр. 2220
علم المعاينة، فإنه ضروريّ، وهذا مذهب الإمام أبي منصور الأزهريّ وغيره.
والثاني: أراد اختبار منزلته عند ربه في إجابة دعائه، وعلى هذا قالوا: معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: تُصَدِّق بعِظَم منزلتك عندي، واصطفائك وخُلَّتك.
والثالث: سأل زيادة يقين، وإن لم يكن الأول شكًّا، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن بين العِلْمَين تفاوتًا، قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: سأل كشف غطاء العيان؛ ليزداد بنور اليقين تمكنًا.
الرابع: أنه لما احتَجَّ على المشركين بأن ربه يحيي ويميت، طلب ذلك منه ؛ ليظهر دليله عيانًا. وقيل أقوال أُخَرُ كثيرة ليست بظاهرة.
قال الإمام أبو الحسن الواحديّ ﵀: اختلفوا في سبب سؤاله، فالأكثرون على أنه رأى جِيفَةً بساحل البحر، يتناولها السباع، والطير، ودوابُّ البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يُحييه ربه، ولم يكن شاكًّا في إحياء الموتى، ولكن أحبّ رؤية ذلك، كما أن المؤمنين يحبُّون أن يروا النبيّ ﷺ ، والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بكل ذلك، وزوال الشكوك عنه، ذكر ذلك كله النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم على ظاهره، وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضًا الطبريّ على ظاهره، وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تَسْتَقِرَّ، ولا زلزلت الإيمان الثابت.
واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم، من طريق عبد العزيز الماجشون، عن محمد بن المنكدر، عن ابن عباس ﵄: قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، قال ابن عباس: هذا لِمَا يَعْرِض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم؛ بأن قال: ﴿بَلَى﴾. ومن طريق معمر، عن قتادة، عن ابن عباس، نحوه، ومن طريق عليّ بن زيد،
стр. 2221
عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، نحوه، وهذه طُرُقٌ يَشُدُّ بعضها بعضًا.
وإلى ذلك جَنَحَ عطاءٌ، فرَوَى ابن أبي حاتم، من طريق ابن جريج: سألت عطاء عن هذه الآية، قال: دَخَلَ قلب إبراهيم؛ بعضُ ما يدخل قلوب الناس، فقال ذلك، ورَوَى الطبري من طريق سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن إبراهيم أَتَى على دابة، تَوَزَّعتها الدوابُّ والسباع، ومن طريق حَجّاج، عن ابن جريج، قال: بلغني أن إبراهيم أَتَى على جيفة حمار، عليه السباع والطير، فعَجِبَ، وقال: رب لقد علمتُ لتجمعنَّها، ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى.
وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، فرَوَى الطبريّ، وابن أبي حاتم، من طريق السُّدّيّ، قال: لَمّا اتخذ الله إبراهيم خليلًا، استأذنه ملك الموت أن يُبَشِّره، فأَذِن له، فذكر قصةً معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال: فقام إبراهيم يدعو ربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] حتى أعلمَ أني خليلك.
ورَوَى ابن أبي حاتم، من طريق أبي العَوّام، عن أبي سعيد، قال: ليطمئن قلبي بالخُلَّة، ومن طريق قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قال: ليطمئن قلبي أني خليلك، ومن طريق الضحاك عن ابن عباس: لأعلم أنك أجبت دعائي، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عنه: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وإلى هذا الأخير جَنَحَ القاضي أبو بكر الباقلاني.
وحكى ابن التين عن الداوديّ الشارح أنه قال: طَلَب إبراهيم ذلك؛ لتذهب عنه شدّة الخوف، قال ابن التين: وليس ذلك بالبَيِّن.
وقيل: كان سبب ذلك أن نُمرود لَمّا قال له: ما ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، فذكر ما قَصَّ الله، مما جَرَى بينهما، فسأل إبراهيم بعد ذلك ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى من غير شكّ منه في القدرة، ولكن أحبَّ ذلك، واشتاق إليه، فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده، أخرجه الطبري عن ابن إسحاق.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون أنك تحيي الموتى.
وقيل: معناه أقدرني على إحياء الموتى، فتأدَّب في السؤال.
وقال ابن الحصار: إنما سأل أن يُحيي الله الموتى على يديه، فلهذا قيل له في الجواب: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
стр. 2222
وحَكَى ابنُ التين عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله: ﴿قَلْبِي﴾ رجلًا صالحًا، كان يَصحبه، سأله عن ذلك.
وأبعدُ منه ما حكاه القرطبيّ المفسر عن بعض الصوفية، أنه سأل من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب.
وقيل: أراد طمأنينة النفس بكثرة الأدلة.
وقيل: محبة المراجعة في السؤال. انتهى (١).
(﴿قَالَ﴾) (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾) الهمزة للاستفهام التقريريّ (٢)، ووجهه أنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإحياء، قاله في "الفتح" (٣)، وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: الهمزة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ همزة إثبات، كقول جرير [من الوافر]:
أَلَسْتمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا … وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ (٤)
ومفعول "تؤمن" محذوفٌ، أي: أَوَ لم تؤمن بالإحياء؟ أو: أوَ لم تؤمن بكفيّته؟
(﴿قَالَ﴾) إبراهيم ﵇ (﴿بَلَى﴾) هي حرف جواب تختصّ بالنفي، وتفيد إبطاله، أي أنا مؤمن، وأجرى النحويّون النفي مع التقريريّ مجرى النفي المجرّد في ردّه بـ "بلى"، ولذلك رُوي ابن عبّاس ﵁ وغيره في تفسير قول : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]: لو قالوا: نعم لكفروا، ووجهه أن "نعم" تصديق للخبر بنفي أو إيجاب (٥).
﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) علّة لمحذوف، تقديره: ولكن أطلُب الرؤيا ليطمئن قلبي، أي: ليزيد سكونًا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدِّق، ولكن للعيان لطيف
стр. 2223
معنى، وقال عياض: لم يشكّ إبراهيم بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته.
ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شكّ؛ لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها، فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا) جملة خبريّة لفظًا، إنشائيّة معنًى؛ لأن المراد بها الدعاء له بالرحمة.
و"لوط" ﵇ من المرسلين، ذكر الله قصّته في قوله: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾ الآيات [الصافات: ١٣٣]، وغيرها من الآيات.
يقال: إنه لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم ﵇، وقد قَصّ الله تعالى قصته مع قومه في "الأعراف"، و"هود"، و"الشعراء"، و"النمل"، و"الصافات"، وغيرها.
وفي رواية البخاريّ: "يغفر الله للوط، إِنْ كان لَيأوِي إلى ركن شديد".
وحاصل قصّته أن قومه؛ ابتدعوا وطء الذكور، فدعاهم لوط ﵇ إلى التوحيد، وإلى الإقلاع عن الفاحشة، فأصَرُّوا على الامتناع، ولم يتفق أن يساعده منهم أحدٌ، وكانت مدائنهم تُسَمَّى سَدُوم، وهي بغور زغر، من البلاد الشامية، فلما أراد الله إهلاكهم، بَعَثَ جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم، فاستضافوه، فكان ما قَصّ الله في سورة هود، ثم توجهوا إلى لوط، فاستضافوه، فخاف عليهم من قومه، وأراد أن يُخْفِي عليهم خبرهم، فنَمَّت عليهم امرأته، فجاءوا إليه، وعاتبوه على كتمانه أمرهم، وظَنُّوا أنهم ظَفِرُوا بهم، فأهلكهم الله على يد جبريل، فقَلَبَ مدائنهم، بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته، إلا امرأته، فإنها تأخرت مع قومها، أو خَرَجت مع لوط، فأدركها العذاب، فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار مكانها بُحَيرة منتنة، لا يُنتَفَع بمائها، ولا بشيء مما حولها.
(لَقَدْ كانَ يَأْوِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: أوى إلى منزله يأوي، من باب ضَرَبَ أُويًّا: أقام، وربّما عُدِّي بنفسه، فقيل: أوى منزلَهُ، والمَأْوَى - بفتح
стр. 2224
الواو - لكلّ حيوان مسكنه، وسُمع مَأْوِي الإبل بالكسر شاذًّا، ولا نظير له في المعتلّ، وبالفتح على القياس، قاله الفيّوميّ (١). (إِلَي رُكْنٍ شَدِيدٍ) قال ابن الأثير ﵀: أي: إلى الله تعالى الذي هو أشدّ الأركان وأقواها، وإنما ترحّم عليه؛ لسهوه حين ضاق صدره من قومه حتى قال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أراد عزَّ العشيرة الذين يُستند إليهم كما يُستنَدُ إلى الركن من الحائط. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: المراد بالركن الشديد هو الله - سبحانه تعالى -، فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها، ومعنى الحديث - والله أعلم - أن: لوطًا ﵇ لَمّا خاف على أضيافه، ولم يكن له عَشِيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذَرْعُهُ، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في تلك الحال: لو أن لي بكم قوةً في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع، لمنعتكم، وقصد لوط ﵇ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريقٍ ما لفعله، وأنه بَذَلَ وسعه في إكرامهم، والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه؛ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما هو لِمَا ذكرناه، من تطييب قلوب الأضياف.
ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألمّ، وضيق الصدر، والله أعلم. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": قوله: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أي: إلى الله - سبحانة وتعالي -، يشير ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، ويقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سَدُوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطًا إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي مَنَعَةً، وأقاربَ، وعشيرةً، لكنت أستنصر بهم عليكم؛ ليدفعوا عن ضِيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث، كما أخرجه أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال:
стр. 2225
"قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديدٍ، ولكنه عَنَى عشيرته، فما بَعَثَ الله نبيًّا إلا في ذِرْوَة من قومه"، زاد ابن مردويه، من هذا الوجه: "ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]؟ ".
وقيل: معنى قوله: "لقد كان يأوي إلى ركن شديد" أي: إلى عشيرته، لكنه لم يأوِ إليهم، وأوى إلى الله. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والأول أظهر؛ لما بيّناه، وقال النووي ﵀: يجوز أنه لَمّا اندَهَشَ بحال الأضياف، قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف؛ اعتذارًا، وَسُمّيَت العشيرةُ ركنًا؟؛ لأن الركن يُستَنَد إليه، ويُمْتَنَع به، فشبّههم بالركن من الجبل؛ لشدّتهم، ومنْعَتهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله النوويّ ﵀ أقرب التوجيهات لهذه الآية الكريمة.
وحاصله أن لوطًا؛ قال هذا الكلام من باب إظهار العذر لأضيافه في عدم معاقبة قومه لَمّا أرادوا بهم سوءًا، فهو في الحقيقة آوٍ إلى ربه في كلّ حال، ولكنه أراد إظهار ضعف مقاومته لقومه لَمّا أرادوا الاعتداء على أضيافه؛ لعدم عشيرته الذين يستنصر بهم عادةً إذا نابه مثل هذا الاعتداء، فأظهر للأضياف ذلك العذر حتى يَعذِرُوه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(ولو لبثت) بكسر الموحّدة، يقال: لَبِث بالمكان لَبَثًا، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثَةُ بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة والنوع، والاسمُ: اللُّبْثُ بالضمّ، واللَّبَاثُ بالفتح، وتَلَبَّثَ بمعناه، وَيتَعَدَّى بالهمز والتضعيف، فيقال: ألبثته، ولَبَّثته، قاله الفيّوميّ (١). (فِي السِّجْنِ) - بكسر، فسكون - أي: الحبس، والجمع سُجُون، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول، قاله الفيّوميّ (٢)، ويحتمل أن يكون المراد به مكان الحبس، قال المجد: "السِّجْنُ" بالكسر: المَحْبِسُ. انتهى (٣). (طُولَ لَبْثِ) بفتحتين، أو بفتح اللام، وضمّها،
стр. 2226
وسكون الموحّدة، و"طُولَ" منصوب على أنه مفعول مطلق لـ"لَبْثت" (يُوسُفَ؛ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيِ) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولَمَا قَدَّمتُ طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر، حيث لم يبادر بالخروج، وإنما قاله ﷺ تواضعًا، والتواضع لا يَحُطُّ مرتبة الكبير، بل يزيده رِفْعَةً وجلالًا.
وقيل: هو من جنس قوله: "لا تُفَضِّلوني على يونس"، وقد قيل: إنه قاله قبل أن يَعْلَم أنه أفضل من الجميع (١).
وقال النوويّ ﵀: وأما قوله ﷺ : "ولو لبثتُ في السجن … " إلخ فهو ثناء على يوسف ﵇، وبيان لصبره، وتأنِّيه، والمراد بالداعي: رسول الملِكِ الذي أخبر الله - سبحانة وتعالي - أنه قال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ [يوسف: ٥٠]، فلم يَخرج يوسف ﵇ مبادرًا إلى الراحة، ومفارقةً للسجن الطويل، بل تثبّت، وتوقّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجِن بسببه، ولتَظْهَر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه، ولا خَجَلَ من يوسف ولا غيره، فبَيَّن نبيُّنا ﷺ فضيلةَ يوسفَ؛ في هذا، وقُوَّة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره، وقال النبيّ ﷺ عن نفسه، ما قاله تواضعًا، وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف ﵇، والله تعالى أعلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٣/ ٣٨٩ و ٣٩٠ و ٣٩١] (١٥١)، وفي "الفضائل" (١٥١)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٧٢ و ٣٣٨٧)، و"التفسير" (٤٥٣٧ و ٤٦٩٤)، و"التعبير" (٦٩٩٢)، و (ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٦ - ٣٥٠)، و (النسائيّ) في
стр. 2227
"التفسير" من "الكبرى" (١١٠٥٠ و ١١٢٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٣٠ و ٢٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٨٠ و ٣٨١ و ٣٨٢ و ١١٠٥٠ و ١١٢٥٣)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٦٢٠٦ و ٦٢٠٧ و ٦٢٠٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٥٩٧٤)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٦٣)، و"معالم التنزيل" (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٣٢٦)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٦٩ و ٣٧٠ و ٣٧١)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (ص ٥٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة؛ إذ العيان يفيد من المعرفة ما لا يفيده الاستدلال، فإبراهيم؛ طلب عين اليقين بعد أن تحقّق له علم اليقين، فإن العلم ثلاث مراتب:
١ - علم اليقين، وهو ما يحصل بالاستدلال.
٢ - وعين اليقين، وهو ما يحصل بالمعاينة والمشاهدة.
٣ - وحقّ اليقين، وهو ما يحصل باللقاء والملامسة.
فمثلًا من رأى شخصًا من بعيد، فشهد عنده عدول لا يشكّ فيهم بأنه فلان، فقد حصل له علم اليقين، فإذا اقترب منه، وشاهده، وكلّمه، فقد حصل له عين اليقين، فإذا سلم عليه، وصافحه بيده، فقد حصل له حقّ اليقين، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان زيادة الإيمان ونقصه.
٣ - (ومنها): مشروعيّة الدفاع عن المسلم؛ فإن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - دافع عن تطرّق الشكّ إلى إبراهيم ﵇، حيث إن بعضهم قال: شكّ إبراهيم، ولم يشكّ نبينا ﷺ ، على ما قيل.
٤ - (ومنها): إظهار وصف فضل أهل الفضل للناس، فإن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - وصف يوسف ﵇ بالصبر والأناة، حيث لم يبادر بالخروج من السجن الطويل، بل قال لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠].
٥ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهضم نفسه، حيث قال: "لأجبت
стр. 2228
الداعي"، فإن هذا إنما قاله تواضعًا، لا أنه كان فيه مبادرة وعَجَلة لو كان مكان يوسف ﵇، والتواضع لا يصغّر كبيرًا، ولا يَضَعُ رفيعًا، ولا يُبطل لذي حقّ حقًّا، بل يوجب لصاحبه فضلًا، ويُكسبه جلالة وقدرًا.
٦ - (ومنها): أنه إذا اتُّهم المسلمُ بشيءٍ ما، ثم ظهرت براءته منه، ينبغي له أن يُظهِر للناس تلك البراءة، كما طلب يوسف ﵇ ذلك، وفضّله على راحة نفسه بالخروج من السجن مع مشقّته، ولكنه فضّل إظهار نزاهته لدى جماهير الناس؛ لأنه قد أشيع بينهم اتّهامه بما هو بريء منه، فأراد؛ أن يعلم الجميع براءته، كما وقر في نفوسهم ضدّها، فهكذا ينبغي للعبد أن يبرّئ ساحته، ويزيل الشكوك من قلوب الناس؛ اقتداءً بهذا النبيّ الكريم ﵇، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِي، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب، وَأَبَا عُبَيْدٍ، أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذه الْآيةَ حَتى جَازَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
[تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَني بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - … إلخ) قال النوويّ ﵀: هذا مما قد يُنكِره على مسلم من لا علم عنده، ولا خِبْرَة لديه؛ لكون مسلم ﵀ قال: "وحدثني به، إن شاء الله تعالى"، فيقول: كيف يحتجّ بشيء يَشُكّ فيه؟ وهذا خَيَالٌ باطلٌ من قائله؛ فإن مسلمًا ﵀، لم يَحْتَجَّ بهذا الإسناد، وإنما ذَكَره متابعةً واستشهادًا، وقد قَدَّمنا أنهم يَحتملون في المتابعات والشواهد، ما لا
стр. 2229
يحتملون في الأصول، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي أن الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" شارك المصنّف في روايته عن شيخ المصنّف عبد الله بن محمد بن أسماء هذا، دون شكّ، فالحديث عنه ثابتٌ صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (جُويرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد بن مُخَارق الضُّبَعيّ، ويقال: مِخْرَاق، أبو مُخارق، ويقال: أبو أسماء البصريّ، صدوقٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، ونافع، والزهريّ، وبُدَيح مولى عبد الله بن جعفر، ومالك بن أنس، وهو من أقرانه، وغيرهم.
ورَوَى عنه حَبّان بن هلال، وحجاج بن منهال، وابن أخته سعيد بن عامر الضُّبَعيّ، وابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو سلمة، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، ومسدد، وأبو الوليد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع.
وأَرَّخَ البخاريُّ وغيره، وفاته سنة (١٧٣) وكذلك ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ) سعد بن عبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، ثقة [٢].
رَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي هريرة ﵃.
ورَوَى عنه الزهريّ، فقال: كان من القرَّاء، وأهل الفقه، وسعيد بن خالد القارظيّ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء أهل المدينة، وقال
стр. 2230
الطبريّ: مُجْمَع على ثقته، وقال مسلم في "الكنى": كان ثقةً، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذُّهْليّ، وابنِ البَرْقيّ: وقال ابن البَرْقيّ في رجال "الموطأ": أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يَثْبُت له عنه رواية.
قال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة سنة (٩٨).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٥١) وأعاده في "الفضائل"، و (١٠٤٢): "لأن يحتزم أحدكم حزمة … "، و (١١٣٧): "إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما … "، و (١٩٦٩): "نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم … "، وأعاده بعده، و (٢٧٣٥): "يستجاب لأحدكم ما لم يَعجَل … "، وأعاده بعده، و (٢٨١٦): "لن يُدخل أحدًا منكم عملُه الجنّة … ".
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ … إلخ) يعني: أن مالكًا حدّث عن الزهريّ بسنده المذكور بمثل المتن الذي رواه يونس، عن الزهريّ.
وقوله: (وَفي حَدِيثِ مَالِكٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]) يعني: أن مالكًا ذكر في روايته قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ولم يذكر ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، … إلخ هذا ظاهر معنى كلامه، لكن سيأتي الحديث من روايه النسائيّ بطريقين، وفيهما أنه قرأ الآية من قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولعلّ المصنّف وقع له هكذا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذه الْآيَةَ) الظاهر أن فاعل "قال" ضمير أبي هريرة ﵁، ويحتمل أن يكون لمن دونه، وفاعل "قرأ" ضمير النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَتَّى جَازَهَا) أي: فرغ من قراءتها، قاله النوويّ ﵀ (١).
[تنبيه]: رواية مالك التي أحالها المصنّف ﵀ هنا، ساقها النسائيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٠٥)، فقال:
стр. 2231
(١١٠٥٠) أنا عمرو بن منصور، نا عبد الله بن محمد، نا جويرية، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال: "رَحِمَ الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فذَكَر الآية، ويرحم الله لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته".
وقال أيضًا (٦/ ٣٦٨):
(١١٢٥٣) أنا العباس بن عبد العظيم، نا عبد الله بن محمد، أنا جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "رَحِمَ الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] "، وقال: "يرحم الله لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق النسائيّ رواية مالك مطوّلًا، ولكن الظاهر أنها ليست الرواية التي أحال عليها المصنّف؛ لمخالفتها؛ إذ قال: بمثل حديث يونس، ورواية النسائيّ بمعناها، لا بلفظها.
وقد ساق البخاريّ روايته مختصرة، فقال في "كتاب أحاديث الأنبياء":
(٣٣٨٧) حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، هو ابن أخي جويرية، حدثنا جويرية بن أسماء، عن مالك، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته".
وكذلك ساقه مختصرًا في "كتاب التعبير"، فقال:
(٦٩٩٢) حدثنا عبد الله، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته".
стр. 2232
فقال في "الفتح" في شرح الحديث الثاني: قوله: "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته" كذا أورده مختصرًا، وقد تقدم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء من هذا الوجه، وزاد فيه قصة لوط، قال: وأخرجه النسائي في "التفسير" من هذا الوجه، وزاد في أوله: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم … " الحديث.
وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال: مثل حديث يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة بطوله، ومن طريق أبي أويس، عن الزهريّ، مثل مالك.
وأخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق جويرية بطوله، أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عمه جويرية بن أسماء، وذكر أن أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه، فقال: "عن أبي سلمة"، بدل "أبي عبيدة"، ووَهِمَ فيه، فإن المحفوظ عن مالك: "وأبي عبيد"، لا "أبو سلمة"، وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود، عن مالك، أن ابن شهاب حدّثه أن سعيدًا، وأبا عبيد أخبراه به.
قال: وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه، فأخرج عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، رفعه: "لقد عَجِبتُ من يوسف، وكرمه، وصبره، حتى سئل عن البقرات العِجَاف والسّمَان، ولو كنت مكانه ما أجبته، حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عَجِبتُ منه حين أتاه الرسول، يعني: ليَخْرُج إلى الملك، فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه، ولبثت في السجن ما لبثَ، لأسرعت الإجابة، ولبادرت الباب، ولَمَا ابتغيتُ العذر"، وهذا مرسل، وقد وصله الطبريّ، من طريق إبراهيم بن يزيد الخُوزيّ (١) - بضم المعجمة والزاي - عن عمرو بن دينار، بذكر ابن عباس فيه، فذكره، وزاد: "ولولا الكلمة التي قالها، لما لبث في السجن ما لبث". انتهى (٢). والله تعالى
стр. 2233
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩١] ( … ) - (حَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، بِإِسْنَادِه، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذهِ الْآيَةَ، حَتَّى أنجَزَهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أُويْسٍ) هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أويس المدنيّ، ابن عمّ مالك، وصِهْره على أخته، صدوق يَهِمُ [٧].
رَوَى عن الزهريّ، وابن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: أبو بكر، وإسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، ومُعَلَّى بن منصور، ويونس بن محمد، والنضر بن محمد، وحسين بن محمد المروذيّ، وغيرهم.
قال أبو داود، عن أحمد: ليس به بأس، أو قال: ثقةٌ، قَدِمَ ها هنا، وزعموا (١) أن سماعه وسماع مالك كان شيئا واحدًا، وقال حنبل، عن أحمد: صالح، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح، ولكن حديثه ليس بذاك الجائز، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بقويّ، وقال مرة: أبو أويس، وابنه ضعيفان، وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: أبو أويس، وفُليح ما أقربهما، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو أويس مثل فُليح، فيه ضعف، وقال مرّة عنه: صدوق، وليس بحجة، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ضعيف، وقال ابن المدينيّ: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقال
стр. 2234
عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق، وقال يعقوب بن شيبة: صدوقٌ صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو، وقال البخاريّ: ما رَوَى من أصل كتابه فهو أصحّ، وقال النسائيّ: مدنيّ ليس بالقويّ، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: صالحٌ صدوقٌ، كأنه لين، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يُحْتَجّ به، وليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: يُكْتَب حديثه، وقال الدارقطنيّ: في بعض حديثه عن الزهري شيء، وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن ابن معين: ابن أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث، وقال ابن عديّ: في أحاديثه ما يَصِحّ، ويوافقه الثقات عليه، ومنها ما لا يوافقه عليه أحد، وقال الحاكم أبو أحمد: يُخَالَف في بعض حديثه، وقال الخليليّ: منهم مَن رَضِي حفظَهُ، ومنهم مَن يُضَعِّفه، وهو مقارَب الأمر، وقال ابن عبد البرّ: لا يَحكي عنه أحدٌ حرجة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يُخالَف في بعض حديثه، وقال الحاكم أبو عبد الله: قد نُسِب إلى كثرة الوهم، ومَحَلُّهُ عند الأئمة محلُّ مَن يُحْتَمَل عنه الوَهْمُ، ويُذكَر عنه الصحيح.
وقال ابن قانع: مات سنة تسع وستين ومائة، وكذا حكاه القَرّاب في "تاريخه" بإسناده عن البخاريّ، وكذا ذكره البخاريّ في "التاريخ الأوسط" مقرونًا بنافع بن عمر الجُمَحيّ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥١)، و (٣٩٥) حديث: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين … ".
والباقون تقدَّموا قريبًا، فعبد بن حميد، ويعقوب بن إبراهيم تقدّما في الباب الماضي، والزهريّ في السند الماضي.
وقوله: (كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، بِإِسْنَادِهِ) يعني: أن رواية أبي أويس مثل رواية مالك السابقة، غير أنه قال بدل قول مالك: "ثم قرأ هذه الآية حتى جازها": (وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، حَتَّى أنجَزَهَا)، ومعنى "أنجزها": أتمّ قراءتها.
[تنبيه]: رواية أبي أويس هذه التي أحالها المصنّف ﵀، ساقها الحافظ ابن منده في "كتاب الإيمان" (١/ ٤٨٦)، فقال:
(٣٧١) أنبأ أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن النعمان بن بشير، ثنا ابن أبي أويس (ح) وأنبأ حسان بن محمد، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا
стр. 2235
محمد بن إسحاق الثَّقَفيّ، ثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، ثنا عمِّي، يعقوب بن إبراهيم قالا: ثنا أبو أويس، عن ابن شهاب الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] "، ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها، ثم قال: "رحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت"، لفظ ابن أبي أويس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٧٤) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، وَكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَكثَرَ الأنبِيَاءِ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٢] (١٥٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنَ الأنبِيَاء، مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيتُ وَحْيًا، أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أكثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْث) هو: ابن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبت فقية إمام مشهور [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] (ت في حدود ١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
стр. 2236
٤ - (أَبُوهُ) هو: كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أمّ شَرِيك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقة ثبتٌ [٢].
رَوَى عن عمر، وعلي، وعبد الله بن سلام، وأسامة بن زيد، وأبي رافع، مولى النبي ﷺ ، وأبي هريرة، وأبي شريح الخزاعي، وأبي سعيد الخدري، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن وديعة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه سعيد، وابن ابنه عبد الله بن سعيد، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وأبو الغصن، ثابت بن قيس، وعبد الملك بن نوفل بن مُساحق، وأبو صخر، حميد بن زياد.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مائة. وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمِّي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حَفْرِ القبور، فسمّي المقبري، وجعل نُعيمًا على إجمار المسجد، فسمّي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيمًا أدرك عمر.
وقال البخاري في "صحيحه": قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سُمِّي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر، وزعم الطحاوي في "بيان المشكل" أنه مات سنة خمس وعشرين ومائة، وهو وَهَمٌ منه، فإن ذلك تاريخ وفاة ابنه سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي، لكان عمر أبي سعيد أكثر من مائة وعشر سنين، وهذا لم يقله أحد، وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع.
وفرّق ابن حبان في "الثقات" بين كيسان صاحب العباء الذي رَوَى عن عمر، وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنّى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر، فالله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
стр. 2237
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبَغْلانيّ، وليث، فمصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، سعيد، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت جملة ما روى له المصنّف آنفًا.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو سعيد المقبريّ، كيسان، وقد سمع سعيد المقبريّ الكثير من أبي هريرة ﵁، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة ﵁، ووقع الأمران في "الصحيحين"، وهو دالّ على تثبت سعيد، وتحرّيه (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ("مَا) نافية (مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) بيان مقدّم لـ "نبيّ"، فهو متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائنًا من الأنبياء (مِنْ نَبِيٍّ) "من" زائدة كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
والمراد به النبيّ الذي أوحي إليه بتبليغ الرسالة؛ لأنه الذي يدعو للإيمان، فقوله: "نبيّ" مبتد (خبره جملة قوله: (إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْآيَاتِ) أي: المعجزات الخوارق للعادات، وهو دالّ على أن النبي لا بدَّ له من معجزة، تقتضي إيمان مَن شاهدها بصدقه، ولا يضرّه مَن أَصَرّ على
стр. 2238
المعاندة، فقوله: "من الآيات" إعرابه كإعراب "من الأنبياء"، فهو بيان مقدّم لـ "ما" من قوله: (مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ) "ما" موصولةٌ وقَعت مفعولًا ثانيًا لـ "أُعطِي"، والأول هو النائب عن الفاعل، وهو ضمير "نبيّ"، و"مثلُهُ" مبتدأ، و"آمن" خبره، و"المثلُ" يُطْلَق ويراد به عين الشيء، وما يساويه، والمعنى: أنّ كلَّ نبي أُعطِي آية أو أكثرَ، مِن شأن مَن يشاهدها من البشر أن يؤمن به؛ لأجلها، و"عليه" بمعنى اللام، أو الباءِ الموحدة، والنكتةُ بها تضمّنها معنى الغلبة؛ أي: يُؤمن بذلك مغلوبًا عليه، بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يَجْحَدُ فيعاند، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٤].
وقال الطيبيّ ﵀: الراجعُ إلى الموصول ضمير المجرور في "عليه"، وهو حال، أي: مغلوبًا عليه في التحدِّي، والمراد بالآيات المعجزات، وموقع المثل مَوْقِعُهُ من قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] أي: على صفته، من البيان، وعلوّ الطبقة في البلاغة.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" من "صحيحه" قوله: "ما مثلُهُ أُومن، أو آمن عليه البشر"، فقال في "الفتح": "أو" شكّ من الراوي، فالأولى بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وكسر الميم من الأمن، والثانية بالمدّ، وفتح الميم، من الإيمان، وحَكَى ابن قرقول أن في رواية القابسيّ: "أَمِن" بفتح الهمزة، وكسر الميم بغير مدّ، من الأمان، وصوّبها ابنُ التين، فلم يُصِب. انتهى (١).
(وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ) بحذف العائد، ومثله كثير في الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١]، وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
.......................... … وَالحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
стр. 2239
وفي رواية البخاريّ: "أوتيته" بذكر العائد (وَحْيًا) منصوب على أنه خبر "كان"، وجملة قوله: (أَوْحَى اللهُ إِليَّ) في محلّ نصب صفة لـ "وحيًا"، والعائد محذوف، وقد ذُكر في رواية البخاري، ولفظه: "أوحاه الله إليّ".
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في معناه: أي الذي اختَصَصتُ به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يُعارِضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزةً عند كثير من العلماء والله أعلم. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: اختُلف في معنى هذا الكلام على أقوال:
[أحدها]: أن كل نبيّ أعطي من المعجزات ما كان مثله من كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة، فهي القرآن الذي لم يُعطَ أحد مثله، فلهذا قال: "أنا أكثرهم تابعًا".
[والثاني]: معناه: أن الذي أوتيته لا يَتطرق إليه تخييل بسحر وشُبْهة، بخلاف معجزة غيري، فإنه قد يُخَيِّل الساحر بشيء، مما يقارب صورتها، كما خَيَّلت السحرة في صورة عصا موسى ﵇، والخيال قد يَرُوج على بعض العوام، والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يَحتاج إلى فكر ونظر، وقد يُخطئ الناظر، فيعتقدهما سواء.
[والثالث]: معناه: أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم، ومعجزة نبيّنا ﷺ القرآن المستمرّ إلى يوم القيامة، مع خرق العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، وعجز الجنِّ والإنس عن أن يأتوا بسورة من مثله، مجتمعين أو متفرقين، في جميع الأعصار، مع اعتنائهم بمعارضته، فلم يَقدِروا، وهيم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه إعجازه المعروفة. انتهى كلام النوويّ ﵇ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال في الحقيقة لا اختلاف بينها، فأوضحها هو الأول، والقولان بعده بيان وتفصيل لوجه عظمة القرآن، وعدم إعطاء الأولين مثله، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
стр. 2240
وقال في "الفتح" (١): قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ"؛ أي: إن معجزتي التي تحدّيت بها الوحيُ الذي أُنزِل عليّ، وهو القرآن؛ لِمَا اشتَمَلَ عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يُؤْتَ من المعجزات ما أُؤيي مَن تقدمه، بل المراد أن القرآن هو المعجزة العظمى التي اختَصَّ بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعْطِيَ معجزةً خاصة به، لم يُعْطَها بعينها غيره، تَحَدَّى بها قومَهُ، وكانت معجزةُ كلَّ نبيّ تقع مُنَاسِبَةً لحال قومه، كما كان السحر فاشيًا عند فرعون فجاءه موسى ﵇ بالعصا على صورة ما يَصْنَعُ السحرةُ، لكنها تَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا، ولم يَقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسى ﵇ الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ لكون الأطباء والحكماء، كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور، فأتاهم من جنس عملهم، بما لم تَصِل قدرتهم إليه، ولهذا لَمّا كان العرب الذي بُعِثَ فيهم النبيّ ﷺ في الغاية من البلاغة، جاءهم بالقرآن الذي تحدّاهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يَقْدِروا على ذلك.
وقيل: المراد أن القرآن ليس له مِثْلٌ، لا صورةً ولا حقيقةً، بخلاف غيره من المعجزات، فإنها لا تخلو عن مثل.
وقيل: المراد أن كلَّ نبي أُعطِيَ من المعجزات ما كان مثله من كان قبله صورةً أو حقيقةً، والقرآن لم يُؤتَ أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا".
وقيل: المراد أن الذي أوتيته لا يَتَطَرَّق إليه تَخْييلٌ، وإنما هو كلامٌ معجزٌ لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيَّل من التشبيه به، بخلاف غيره، فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يَقْدِر الساحر أن يُخَيِّل شِبْهه، فيَحتاج مَن يميز بينهما إلى نظر، والنظر عُرْضة للخطأ، فقد يُخطئ الناظر، فيَظُنّ تساويهما.
стр. 2241
وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يُشاهدها إلا مَن حَضَرها، ومعجزةُ القرآن مستمرَّة إلى يوم القيامة، وخرقُهُ العادةَ في أسلوبه، وبلاغته بيّنة لكلّ من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، فلا يَمُرُّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أَخبر به أنه سيكون، يَدُلُّ على صدقه ﷺ ، وصحة نبوّته، وتجدّد الإيمان في قلوب أمته، قال الحافظ ﵀: وهذا أقوى المحتملات، وتكميلُهُ في الذي بعده.
وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية، كانت حسية تُشاهَد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزةُ القرآن تُشاهد بالبصيرة، فيكون مَن يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يُشاهَد بعين الرأس يَنقرض بانقراض مشاهِده، والذي يُشاهَد بعين العقل باقٍ، يشاهده كلُّ من جاء بعد الأول مستمرًّا.
قال الحافظ ﵀ بعد ذكره لهذه الأقوال ما نصُّهُ: ويمكن نظم هذه الأقوال كلِّها في كلام واحدٍ، فإن مُحَصَّلها لا ينافي بعضُه بعضًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشرت آنفًا أنه لا اختلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال، بل بعضها تفصيل وتكميل لبعضها، فكلّها توضيحٌ وبيانٌ لعظمة معجزة القرآن الذي أوتيه نبيّنا ﷺ ، وفُضّل به على غيره من الأنبياء، وتفصيل لكيفيّة تلك العظمة، وتحقيق لها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ") رَتَّبَ هذا الكلام على ما تقدم، من معجزة القرآن المستمرّة؛ لكثرة فائدته، وعموم نفعه؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، والإخبار بما سيكون، فَعَمَّ نفعه مَن حَضر ومن غاب، ومن وُجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرَّجْوَى المذكورة على ذلك، وهذه الرَّجْوَى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعًا، قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة":
أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2242
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٤/ ٣٩٢] (١٥٢)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٤٤٩٨١)، وفي "الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٧٤)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٧٩٧٧)، و"التفسير" من "الكبرى" (١١١٢٩)، و (أحمد) (٢/ ٣٤١ - ٤٥١)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون القرآن دليلًا قويًّا، وطريقًا سويًّا هَدى الله تعالى به الناس إلى الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة لإيراد الحديث في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): بيان كون القرآن هو المعجزة الكبرى لنبيّنا ﷺ .
٣ - (ومنها): أن القرآن أفضل الكتب المنزّلة على الأنبياء ﵇، حيث جعله الله تعالى مهيمنًا على الكتُب كلِّها، كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وروي عن ابن عباس ﵄ في معنى ﴿مهيمنًا﴾ قال: مؤتمنًا عليه، ورُوي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني: أنه الأمين، وروي عن ابن عباس أيضًا قال: المهيمن: الأمين على كل كتاب قبله، وكذلك عن الحسن قال: مُصَدِّقًا بهذه الكتب، وأمينًا عليها.
قال شيخ الإسلام ﵀: بعد ذكر هذه الأقوال في معنى "المهيمن": فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبةً، ومن أسماء الله تعالى "المهيمن"، ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم: المهيمن، قال المبرِّد، والجوهريّ، وغيرهما: المهيمن في اللغة: المؤتمن، وقال الخليل: الرقيب الحافظ، وقال الخطابي: المهيمن: الشهيد، قال: وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشدوا [من الطويل]:
стр. 2243
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ … مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ
يريد: القائم على الناس بالرعاية لهم.
قال: وهكذ القرآن فإنه قَرَّرَ ما في الكتب المتقدمة، من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبَيَّن الأدلة والبراهين على ذلك، وقرّر نبوّة الأنبياء كلِّهم، ورسالة المرسلين، وقرّر الشرائع الكلية التي بُعِث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبَيَّن عقوبات الله لهم، ونَصْرَه لأهل الكتب المتبعين لها، وبَيَّنَ ما حُرّف منها، وبُدِّل، وما فَعَله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبيّن أيضًا ما كتموه، مما أمر الله ببيانه، وكلَّ ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة، فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقرَّه الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريّات.
وكذلك معنى الشهادة والحكم يتضمن إثبات ما أثبته الله، من صدق، ومحكم، وإبطال ما أبطله من كَذِب، ومنسوخٍ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة، بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرًا نسخه الله بالإنجيل، بخلاف القرآن.
ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله، ففيه دعوة الرسول، وهو آية الرسول ﷺ ، وبرهانه على صدقه ونبوته، وفيه ما جاء به الرسول ﷺ ، وهو نفسه برهان على ما جاء به.
وفيه أيضًا من ضرب الأمثال، وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ﷺ ما لو جُمِع إليه علوم جميع العلماء، لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن، ومَن تَأَمَّل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه كمالُ النفوس وصلاحها، وسعادتها، ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي، كالمتفلسفة وغيرهم، إلا بعض ما جاء به القرآن.
ولهذا لم تَحتَج الأمة مع رسولها ﷺ وكتابها إلى نبي آخر، وكتاب آخر،
стр. 2244
فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يَستقل بنفسه غيره، سواء كان من علم المُحَدَّثين والملْهَمِين، أو من علم أرباب النظر والقياس، الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء، ولهذا قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: "إنه في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمرُ"، فعَلَّقَ ذلك تعليقًا في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدَّثين، كما كانوا محتاجين إلى نبيٍّ بعد نبيٍّ، وأما أمة محمد ﷺ فأغناهم الله برسولهم ﷺ وكتابهم عن كل ما سواه، حتى إن المُحَدَّثَ منهم كعمر بن الخطاب ﵁ إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة، وإذا حُدِّثَ شيئًا في قلبه لم يكن له أن يَقْبَله حتى يَعْرِضه على الكتاب والسنة، وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة، وهذا باب واسع في فضائل القرآن على ما سواه. انتهى المقصود من كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
٤ - (ومنها): بيان إثبات المعجزات لكلّ الأنبياء السابقين حتى تهتديَ أممهم إلى تصديقهم، والإيمان بما جاءوا به، ولا يضرّهم من أصرّ بالمعاندة.
٥ - (ومنها): بيان انقراض معجزات الأنبياء السابقين، وأما معجزة نبيّنا ﷺ فباقية إلى قيام الساعة.
٦ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا" فيه عَلَمٌ من أعلام النبوة، فإنه أخبر ﷺ بهذا في زمن قِلّة المسلمين، ثم مَنَّ الله تعالى، وفتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، واتَّسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة، وسائر نعمه التي لا تُحْصَى.
وقد جاء بيان هذه الكثرة التي أشار إليها في هذا الحديث، فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبيّ ﷺ في قبة، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل
стр. 2245
الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر"، لفظ البخاريّ ﵀.
ولفظ مسلم: عن عبد الله ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة، نحوًا من أربعين رجلًا، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قال: قلنا: نعم، فقال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " فقلنا: نعم، فقال: "والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
وأخرج الترمذيّ ﵀ عن عمرانَ بنِ حُصين ﵄ حديثًا طويلًا، وفيه: ثمّ قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبَّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"، فكبَّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة"، فكبَّروا، قال: لا أدري قال: "الثلثين" أم لا؟ قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والدارميّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومائة صفّ، منهم ثمانون من هذه الأمة"، وقال عفانُ مرةً: "أنتم منهم ثمانون صفًّا" (١).
وأخرج الإمام أحمد أيضًا في "مسنده" (٨٧١٩) بسند فيه ضعف، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤] شَقّ ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠]، فقال: "أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتُقاسمونهم النصف الباقي".
٧ - (ومنها): أن فيه بيان كون نبيّنا ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة