وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يُشاهدها إلا مَن حَضَرها، ومعجزةُ القرآن مستمرَّة إلى يوم القيامة، وخرقُهُ العادةَ في أسلوبه، وبلاغته بيّنة لكلّ من يأتي إلى يوم القيامة، إلى ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، فلا يَمُرُّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أَخبر به أنه سيكون، يَدُلُّ على صدقه ﷺ ، وصحة نبوّته، وتجدّد الإيمان في قلوب أمته، قال الحافظ ﵀: وهذا أقوى المحتملات، وتكميلُهُ في الذي بعده.
وقيل: المعنى أن المعجزات الماضية، كانت حسية تُشاهَد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزةُ القرآن تُشاهد بالبصيرة، فيكون مَن يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يُشاهَد بعين الرأس يَنقرض بانقراض مشاهِده، والذي يُشاهَد بعين العقل باقٍ، يشاهده كلُّ من جاء بعد الأول مستمرًّا.
قال الحافظ ﵀ بعد ذكره لهذه الأقوال ما نصُّهُ: ويمكن نظم هذه الأقوال كلِّها في كلام واحدٍ، فإن مُحَصَّلها لا ينافي بعضُه بعضًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشرت آنفًا أنه لا اختلاف في الحقيقة بين هذه الأقوال، بل بعضها تفصيل وتكميل لبعضها، فكلّها توضيحٌ وبيانٌ لعظمة معجزة القرآن الذي أوتيه نبيّنا ﷺ ، وفُضّل به على غيره من الأنبياء، وتفصيل لكيفيّة تلك العظمة، وتحقيق لها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ") رَتَّبَ هذا الكلام على ما تقدم، من معجزة القرآن المستمرّة؛ لكثرة فائدته، وعموم نفعه؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، والإخبار بما سيكون، فَعَمَّ نفعه مَن حَضر ومن غاب، ومن وُجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرَّجْوَى المذكورة على ذلك، وهذه الرَّجْوَى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعًا، قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة":
أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2242
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٤/ ٣٩٢] (١٥٢)، و (البخاريّ) في "فضائل القرآن" (٤٤٩٨١)، وفي "الاعتصام بالكتاب والسنّة" (٧٢٧٤)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (٧٩٧٧)، و"التفسير" من "الكبرى" (١١١٢٩)، و (أحمد) (٢/ ٣٤١ - ٤٥١)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون القرآن دليلًا قويًّا، وطريقًا سويًّا هَدى الله تعالى به الناس إلى الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة لإيراد الحديث في "كتاب الإيمان".
٢ - (ومنها): بيان كون القرآن هو المعجزة الكبرى لنبيّنا ﷺ .
٣ - (ومنها): أن القرآن أفضل الكتب المنزّلة على الأنبياء ﵇، حيث جعله الله تعالى مهيمنًا على الكتُب كلِّها، كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وروي عن ابن عباس ﵄ في معنى ﴿مهيمنًا﴾ قال: مؤتمنًا عليه، ورُوي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني: أنه الأمين، وروي عن ابن عباس أيضًا قال: المهيمن: الأمين على كل كتاب قبله، وكذلك عن الحسن قال: مُصَدِّقًا بهذه الكتب، وأمينًا عليها.
قال شيخ الإسلام ﵀: بعد ذكر هذه الأقوال في معنى "المهيمن": فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبةً، ومن أسماء الله تعالى "المهيمن"، ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم: المهيمن، قال المبرِّد، والجوهريّ، وغيرهما: المهيمن في اللغة: المؤتمن، وقال الخليل: الرقيب الحافظ، وقال الخطابي: المهيمن: الشهيد، قال: وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له، وأنشدوا [من الطويل]:
стр. 2243
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ … مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ
يريد: القائم على الناس بالرعاية لهم.
قال: وهكذ القرآن فإنه قَرَّرَ ما في الكتب المتقدمة، من الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا، وبَيَّن الأدلة والبراهين على ذلك، وقرّر نبوّة الأنبياء كلِّهم، ورسالة المرسلين، وقرّر الشرائع الكلية التي بُعِث بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين، وبَيَّن عقوبات الله لهم، ونَصْرَه لأهل الكتب المتبعين لها، وبَيَّنَ ما حُرّف منها، وبُدِّل، وما فَعَله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبيّن أيضًا ما كتموه، مما أمر الله ببيانه، وكلَّ ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة، فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حُرّف منها، وهو حاكم بإقرار ما أقرَّه الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريّات.
وكذلك معنى الشهادة والحكم يتضمن إثبات ما أثبته الله، من صدق، ومحكم، وإبطال ما أبطله من كَذِب، ومنسوخٍ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة، بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرًا نسخه الله بالإنجيل، بخلاف القرآن.
ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله، ففيه دعوة الرسول، وهو آية الرسول ﷺ ، وبرهانه على صدقه ونبوته، وفيه ما جاء به الرسول ﷺ ، وهو نفسه برهان على ما جاء به.
وفيه أيضًا من ضرب الأمثال، وبيان الآيات على تفضيل ما جاء به الرسول ﷺ ما لو جُمِع إليه علوم جميع العلماء، لم يكن ما عندهم إلا بعض ما في القرآن، ومَن تَأَمَّل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه كمالُ النفوس وصلاحها، وسعادتها، ونجاتها، لم يجد عند الأولين والآخرين من أهل النبوات، ومن أهل الرأي، كالمتفلسفة وغيرهم، إلا بعض ما جاء به القرآن.
ولهذا لم تَحتَج الأمة مع رسولها ﷺ وكتابها إلى نبي آخر، وكتاب آخر،
стр. 2244
فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يَستقل بنفسه غيره، سواء كان من علم المُحَدَّثين والملْهَمِين، أو من علم أرباب النظر والقياس، الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء، ولهذا قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: "إنه في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمرُ"، فعَلَّقَ ذلك تعليقًا في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدَّثين، كما كانوا محتاجين إلى نبيٍّ بعد نبيٍّ، وأما أمة محمد ﷺ فأغناهم الله برسولهم ﷺ وكتابهم عن كل ما سواه، حتى إن المُحَدَّثَ منهم كعمر بن الخطاب ﵁ إنما يؤخذ منه ما وافق الكتاب والسنة، وإذا حُدِّثَ شيئًا في قلبه لم يكن له أن يَقْبَله حتى يَعْرِضه على الكتاب والسنة، وكذلك لا يقبله إلا إن وافق الكتاب والسنة، وهذا باب واسع في فضائل القرآن على ما سواه. انتهى المقصود من كلام شيخ الإسلام ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
٤ - (ومنها): بيان إثبات المعجزات لكلّ الأنبياء السابقين حتى تهتديَ أممهم إلى تصديقهم، والإيمان بما جاءوا به، ولا يضرّهم من أصرّ بالمعاندة.
٥ - (ومنها): بيان انقراض معجزات الأنبياء السابقين، وأما معجزة نبيّنا ﷺ فباقية إلى قيام الساعة.
٦ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا" فيه عَلَمٌ من أعلام النبوة، فإنه أخبر ﷺ بهذا في زمن قِلّة المسلمين، ثم مَنَّ الله تعالى، وفتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، واتَّسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة، وسائر نعمه التي لا تُحْصَى.
وقد جاء بيان هذه الكثرة التي أشار إليها في هذا الحديث، فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبيّ ﷺ في قبة، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل
стр. 2245
الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر"، لفظ البخاريّ ﵀.
ولفظ مسلم: عن عبد الله ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في قبة، نحوًا من أربعين رجلًا، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قال: قلنا: نعم، فقال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " فقلنا: نعم، فقال: "والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك، إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
وأخرج الترمذيّ ﵀ عن عمرانَ بنِ حُصين ﵄ حديثًا طويلًا، وفيه: ثمّ قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبَّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"، فكبَّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة"، فكبَّروا، قال: لا أدري قال: "الثلثين" أم لا؟ قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والدارميّ بإسناد صحيح عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومائة صفّ، منهم ثمانون من هذه الأمة"، وقال عفانُ مرةً: "أنتم منهم ثمانون صفًّا" (١).
وأخرج الإمام أحمد أيضًا في "مسنده" (٨٧١٩) بسند فيه ضعف، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤] شَقّ ذلك على المسلمين، فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠]، فقال: "أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتُقاسمونهم النصف الباقي".
٧ - (ومنها): أن فيه بيان كون نبيّنا ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة
стр. 2246
بسبب بقاء المعجزة التي أوتيها، وهي القرآن العظيم الذي أوحاه إليه العليم الحكيم في جميع الأعصار والأمصار، فصار في كلّ عصر ومصر جمّ غفير يهتدون به، ويؤمنون به، قال : ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣].
٨ - (ومنها): أن القرآن معجزة تحدّى بها النبيّ ﷺ العرب، فعجزوا عن الإتيان بمثله، بل لو اجتمع الإنس والجنّ لا يأتون بمثله، كما قال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، قال ابن تيميّة ﵀: وهذا التحدّي والتعجيز ثابتٌ في لفظه، ونظمه، ومعناه. انتهى (١).
٩ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ﵀ أورده في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" من "صحيحه" بعد حديث: "بُعِثتُ بجوامع الكلم"، فقيل: يؤخذ من صنيعه هذا أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن، قال الحافظ ﵀: وليس ذلك بلازم، فإن دخول القرآن في قوله: "بُعثت بجوامع الكلم" لا شك فيه، وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟.
وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥٢].
ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة ﵂: "كلُّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وحديث: "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل"، متفق عليهما، وحديث أبي هريرة ﵁: "وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" متّفق عليه، وحديث المقدام ﵁: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه … " الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وغير ذلك مما يكثر بالتتبع.
قال: وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلّ مخارج الحديث، وتتفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث
стр. 2247
إذا كثرت قَلَّ أن تتفق ألفاظه؛ لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى، بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا لا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدث بالمعنى؛ لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه إنه لم يُوفِ بالمعنى. انتهى (١).
١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضّ ﵀: ووجه آخر - أي: من الأوجه التي ذُكرت في توجيه الحديث - على أحد المذهبين في القول بالصّرفة، وأن المعارضة كانت من جنس قوّة البشر، لكنهم لم يقدروا عليها على أحد قولي الأشعريّ، وصُرِفوا عنها، أو من قدرة البشر، فمُنعوا منها، على قول المعتزلة، فعدولهم عن المعارضة لأحد الوجهين المتقدّمين، ورضاهم بالقتل والجَلاء، ونكولهم عن ذلك، وهو من مقدورهم، أو من جنس مقدورهم أبين في الدلالة من غيرها، من الأمور التي تَختلج في الظنون الكاذبة، ويُموّه فيها المُلْحِد بالشُّبَه المخيَّلة؛ إذ العجز عن المقدور أوقع في النفوس، وأوضح في الدلالة من إبداء الغريب، والمجيء بما لم يُعهَد عند هؤلاء، وإليه نحا أبو المعالي الجُوينيّ في بعض كتبه. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالصرفة، وإن رجحه القاضي هنا، وكذا في كتابه "الشفا" (٣)، إلا أنه قول مرجوح قد أبطله المحقّقون (٤)، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد جَمَع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء:
[أحدها]: حُسْنُ تأليفه، والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
[ثانيها]: صورة سياقه، وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظمًا ونثرًا، حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء
стр. 2248
مثله، مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقريعه لهم على العجز عنه.
[ثالثها]: ما اشتَمَل عليه من الإخبار عما مَضَى من أحوال الأمم السالفة، والشرائع الداثرة، مما كان لا يَعْلَم منه بعضه إلا النادرُ من أهل الكتاب.
[رابعها]: الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبويّ، وبعضها بعده، ومن غير هذه الأربعة آياتٌ وردت بتعجيز قوم في قضايا أنهم لا يفعلونها، فعجزوا عنها مع توفر دواعيهم على تكذيبه؛ كتمنّي اليهود الموت.
ومنها: الروعة التي تَحصُل لسماعه.
ومنها: أن قارئه لا يَمَلّ من ترداده، وسامعه لا يَمُجّه، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طَرَاوةً ولذاذةً.
ومنها: أنه آية باقية لا تُعْدَم ما بقيت الدنيا.
ومنها: جمعه لعلوم ومعارف، لا تنقضي عجائبها، ولا تنتهي فوائدها.
انتهى مُلَخَّصًا من كلام عياض وغيره (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]:
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة، بعد أن قَرَّر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ من مثل ما جاء به، إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك، قال ابن عباس: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ أعوانكم، وقال السُّدّيّ، عن أبي مالك: شركاءكم؛ أي: قومًا آخرين، يساعدونكم على ذلك، أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك، يُمِدّونكم، وينصرونكم، وقال مجاهد: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قال: ناس يشهدون به، يعني: حكام الفصحاء، وقد تحداهم الله تعالى بهذا
стр. 2249
في غير موضع من القرآن، فقال في "سورة القصص": ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص: ٤٩]، وقال في "سورة سبحان": ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال في "سورة هود": ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]، وقال في "سورة يونس": ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨].
وكلُّ هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضًا في المدينة، فقال في هذه الآية (١): ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] أي: شك ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: محمدًا ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣] يعني: من مثل القرآن، قاله مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير الطبريّ، والزمخشريّ، والرازيّ، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصريّ، وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه، من أحسنها أنه تحدّاهم كلَّهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أمّيّهم وكتابيّهم، وذلك أكمل في التحدّي، وأشمل من أن يَتَحَدَّى آحادهم الأمّيين، ممن لا يَكْتُب، ولا يعاني شيئًا من العلوم، وبدليل قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ ، يعني: من رجل أميٍّ مثلِهِ.
والصحيح الأول؛ لأن التحدِّي عامٌّ لهم كلهم مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه، ومع هذا عَجَزُوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، و"لن" لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا أبدًا، وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا غير خائف، ولا مُشْفِق أن هذا القرآن لا يعارَض بمثله أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وكذلك وَقَع الأمر لم
стр. 2250
يُعارَض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يُمْكِن، وأنَّى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله، خالق كلِّ شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟!.
قال: ومن تدبر القرآن وَجَد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرةً، وخَفِيّةً، من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]، فأُحكمت ألفاظه، وفُصّلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيحٌ، لا يُحَاذَى، ولا يُدَانَى، فقد أَخْبَرَ عن مغيباتٍ ماضيةٍ، ووقعت طِبْقَ ما أَخبر سواءً بسواء، وأَمَرَ بكل خير، ونَهَى عن كل شرّ، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ أي: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الأحكام، فكلُّهُ حقٌّ وصدقٌ وعدلٌ وهُدًى، ليس فيه مجازفةٌ، ولا كذب، ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم، من الأكاذيب والمجازفات، التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه.
وتَجِد القصيدة الطويلة المديدة، قد استُعْمِل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة، أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة، التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي، أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين، أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هَذرٌ لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيحٌ، في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا، ممن فَهِمَ كلام العرب، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة، أو وجيزةً، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حَلا وعَلا، لا يَخْلُقُ عن كثرة الردّ، ولا يَمَلُّ منه العلماء، وإن أَخَذَ في الوعيد والتهديد، جاء منه ما تَقْشَعِرُّ منه الجبال الصُّمّ الراسيات، فما ظنّك بالقلوب الفاهمات؟ وإن وَعَدَ أتى بما يَفتح القلوب والآذان، ويسوق إلى دار السلام، ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا
стр. 2251
ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ [الإسراء: ٦٨]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، وقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧].
ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة.
وإن جاءت الآيات في الأحكام، والأوامر، والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف، حَسَنٍ نافعٍ طيب محبوب، والنهي عن كل قبيحٍ رذيلٍ دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سَمِعت الله تعالى يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٥] فأرعها سمعك، فإنها خير يأمر به، أو شَرٌّ ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدَّ الله فيهما لأوليائه وأعدائه، من النعيم، والجحيم، والملاذّ، والعذاب الأليم، بَشَّرت به، وحَذَّرت، وأنذرت، ودَعَت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وزَهَّدت في الدنيا، ورَغَبت في الأخرى، وثَبَّتَت على الطريقة المثلى، وهَدَت إلى صراط الله المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رِجْس الشيطان الرجيم.
ولهذا ثبت في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي من الأنبياء، إلا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، لفظ مسلم.
وقوله ﷺ : "وإنما كان الذي أتيتُ وحيًا" أي: الذي اختَصَصتُ به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر، أن يُعارِضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزةً عند كثير من العلماء، والله أعلم.
وله ﷺ من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به، ما لا يَدخُل تحت حصر، ولله الحمد والمنّة.
стр. 2252
وقد قَرَّر بعض المتكلمين الإعجازَ بطريقٍ يَشْمَلُ قولَ أهل السنة، وقول المعتزلة في الصَّرْفَة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قُوَاهم معارَضتُهُ، فقد حَصَلَ المُدَّعَى، وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يَفعلوا ذلك مع شِدَّة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند الله؛ لصرفه إياهم عن معارضته، مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة، وإن لم تكن مَرْضيَّةً؛ لأن القرآن في نفسه معجزٌ، لا يستطيع البشر معارضته، كما قررنا، إلا أنها تَصْلَح على سبيل التنزل، والمجادلة، والمنافحة عن الحقّ، وبهذه الطريقة أجاب الرازيّ في تفسيره عن سؤاله في السور القصار، كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر. انتهى كلام ابن كثير ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: معنى القول بالصرْفَة في إعجاز القرآن أن الله قد سَلَبَ العرب القدرة على معارضة القرآن، ومنعهم منها، وعطّلهم عنها، وزهّدهم فيها، على حين أن القرآن الكريم لم يتجاوز في بلاغته مستوى طاقتهم البشريّة، وأنه كان في مقدورهم معارضته، لولا أن منعهم الله منها.
وهذا القول منسوب إلى المعتزلة عامّةً، ونُقل فيه كلام عدد منهم من متقدّمي مشايخهم، منهم إبراهيم النظّام، وهشام القُوطيّ، وعبّاد بن سليمان، وبه قال المرتضى من الشيعة، وأبو إسحاق الإسفرايينيّ من أهل السنّة، وهو أحد قولي الأشعريّ في هذه المسألة.
والقول بالصرفة في إعجاز القرآن قولٌ فاسدٌ باطلٌ من وجوه كثيرة، وهو مردودٌ عند عامّة أهل السنّة، وقد بالغ المصنّفون في إعجاز القرآن في ردّه، وبيان بطلانه وفساده.
قال الخطّابيّ: إن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، فأشار بذلك إلى أن طريقه التكلّف والاجتهاد، وسبيله التأهّب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة، فدلّ على أن المراد غيرها.
وقال الزركشيّ في "البرهان": وهو قولٌ فاسدٌ، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ
стр. 2253
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآية، فإنه يدلّ على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سُلِبوا القدرة لم يَبقَ فائدة لاجتماعهم؛ لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بكبير يُحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقدٌ على إضافة الإعجاز إلى القرآن.
وأيضًا يلزم من القول بالصرفة فساد آخر، وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدّي، وخلوّ القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرقٌ لإجماع الأمة، فإنهم أجمعوا على بقاء معجزة الرسول العُظْمَى، ولا معجزة له باقيةٌ سوى القرآن، وخلوّه من الإعجاز يُبطل كونه معجزةً.
هذا، على أن القول بالصرفة؛ يعني: أن الإعجاز ليس في القرآن نفسه، وإنما هو في منع الله تعالى لهم من معارضته، فلم يتضمّن فضيلةً في نفسه على غيره، وهذا باطلٌ.
وقد اتّفق عامّة أهل السنّة على أن القرآن معجز في نفسه، وأن إعجازه ثابتٌ في لفظه، ونظمه، ومعناه، وبيانه، وأسلوبه، وغير ذلك مما يحتمله لفظ الإعجاز (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٥) (بَابُ وُجُوبِ الإيمَانِ بِرِسَالَة نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى جَمِيعِ النَّاس، وَنَسْخِ الْمِلَلِ بِمِلَّتِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٣] (١٥٣) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ
стр. 2254
قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ، مِنْ هَذِهِ الْأمّة، يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِه، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن موسى بن مَيْسَرة بن حَفْص بن حَيّان الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأبي ضَمْرة، والشافعي، وأشهب، وأيوب بن سُويد الرملي، ومَعْن بن عيسى القزاز، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابنه أحمد بن يونس، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو محمد بن أبي حاتم، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو جعفر الطحاوي، وآخرون.
قال أبو حاتم: سمعت أبا الطاهر بنَ السَّرْح يَحُثُّ عليه، ويُعَظِّم شأنه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه، ويرفع من شأنه. وقال النسائي: ثقة. وقال علي بن الحسن بن قُديد: كان يحفظ الحديث. وقال الطحاوي: كان ذا عقل، حدثني علي بن عَمْرو بن خالد الحراني، سمعت أبي يقول: قال لي الشافعيّ: يا أبا الحسن انظر إلى هذا الباب، فنظرت إليه، فقال: ما يدخل منه أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الحافظ: وكان إمامًا في القراءات، قرأ على وَرْشٍ وغيره وقرأ عليه ابن جرير الطبري وجماعة.
وقال أبو عمر الكِنْديّ: كان فقيرًا شديد التَّقَشُّف، مقبولًا عند القضاة.
قال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الإسلام. قال أبو عمر: كان يُسْتَسْقَى بدعائه. وقال مسلمة بن قاسم: كان حافظًا.
وقد أنكروا عليه تفرده بروايته عن الشافعي حديث: "لا مَهْدِيّ إلا عيسى"، أخرجه ابن ماجه عنه، وكذا الذهبيّ يَدَّعِي أن يونس دَلَّسَه، ويستند في ذلك أن أبا الطاهر رواه عن يونس، فقال: حُدِّثتُ عن الشافعي، لكن رواه ابن منده في "فوائده" من طريق الحسن بن يوسف الطرائفي، وأبي الطاهر المذكور
стр. 2255
كلاهما عن يونس: أنا الشافعي. ورواه يوسف الميانجي عن ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وزكرياء الساجي، وغير واحد، عن يونس: ثنا الشافعي.
وذكر حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أن دَعْوَتَهُم في الصَّدِف، وليسوا من أنفسهم ولا مواليهم، قد تُوُفّي غداة الاثنين ليومين مَضَيَا من ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيه حافظٌ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (أَبُو يُونُسَ) هو: سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ، مولى أبي هريرة المصريّ، ثقة [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه، وغير أبي يونس، فتفرّد به هو وأبو داود، والترمذيّ، وأخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "وأخبرني عمرو بن الحارث" بواو العطف، قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "وأخبرني عمرو" هو بالواو في أول "وأخبرني"، وهي واو حسنة، فيها دقيقة نفيسة، وفائدة لطيفة، وذلك أن يونس سمع من ابن وهب أحاديث، من جملتها هذا الحديث، وليس هو أولها، فقال ابن وهب في روايته الحديث الأول: أخبرني عمرو بكذا، ثم قال: وأخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، إلى آخر تلك الأحاديث، فإذا رَوَى يونس
стр. 2256
عن ابن وهب غير الحديث الأول، فينبغي أن يقول: قال ابن وهب: وأخبرني عمرو، فيأتي بالواو؛ لأنه سمعه هكذا، ولو حذفها لجاز، ولكن الأولى الإتيان بها؛ ليكون راويًا كما سمع. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن يونس بن عبد الأعلى هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت ما أخرج له المصنّف من الأحاديث فيه آنفًا.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، كما تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) وهو الله الذي بيده كلّ شيء، وفيه من المحسّنات البديعيّة التجريد على قول الجمهور، وعلى قول السكّاكيّ فيه التفاتٌ؛ إذ مقتضى المقام أن يقول: والذي نفسي بيده، وقد سبق قبل باب نحو هذا في حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ في قوله: "وسعدٌ جالسٌ".
[تنبيه]: قال القاري في "المرقاة" في شرح قوله: "بيده" ما نصّه: أي كائنة بنعمته، وحاصلة بقدرته، وثابتة بإرادته، ووجه استعارة اليد للقدرة أن أكثر ما يظهر سلطانها في أيدينا، وهي من المتشابهات، ومذهب السلف فيها تفويض علمه إلى الله تعالى، مع التنزيه عن ظاهره، وهو أسلم؛ حذرًا من أن يُعيَّن له غير مراد له تعالى، ويؤيّده وقف الجمهور على الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وعدّوه وقفًا لازمًا، وهو ما في وصله إيهام معنى فاسد، ومن ثمّ قال أبو حنيفة ﵀: تأويل اليد بالقدرة يؤدّي إلى تعطيل ما أثبته تعالى لنفسه، وإنما الذي ينبغي الإيمان بما ذكره الله تعالى من ذلك ونحوه على ما أراده، ولا يُشتغل بتأويله، فنقول: له يدٌ على ما أراده لا كيد المخلوقين، ومذهب الخلف فيها تأويله بما يليق بجلال الله تعالى، وتنزيهه عن الجسم والجهة، ولوازمها؛ بناءً على أن الوقف على ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢]، وكان ابن عبّاس يقول: أنا أعلم تأويله، وأنا من الراسخين في
стр. 2257
العلم، قيل: وهذا أعلم، وأحكم؛ أي: يحتاج إلى مزيد علم وحكمة حتى يطابق التأويل سياق ذلك النصّ، وليس المعنى أن مذهب الخلف أكثر علمًا، فالمذهبان متّفقان على التنزيه، وإنما الخلاف في أن الأولى ماذا؟ أهو التفويض، أو التأويل؟، ويمكن حمل الخلاف على اختلاف الزمان، فكان التفويض في زمان السلف أولى؛ لسلامة صدورهم، وعدم ظهور البدع في زمانهم، والتأويل في زمان الخلف أولى؛ لكثرة العوامّ، وأخذهم بما يتبادر إلى الأفهام، وغلوّ المبتدعة بين الأنام، والله أعلم بالمرام. انتهى كلام القاري (١).
قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاري هذا نظر من وجوه:
[الأول]: ليته لم يخُض فيما لم يخُض فيه الإمام أبو حنيفة ﵀، وهو إمامه، فإنه حنفيّ المذهب، لا يخالف الإمام في المسائل الفرعيّة، ولا قِيد شبر، فلماذا خالف مذهبه في إثبات الصفات على ما وردت، وعدم تأويلها؛ لأنه يؤدّي إلى التعطيل، وقد نقله لنا، وأعلمنا بما لم نعلمه من مذهبه من قبلُ، فكان حقّه أن يقلّده في هذا كما يقلّده في الفروع.
[الثاني]: أن مقارنته بين مذهب السلف والخلف، وتصويبه لهما معًا غير صحيح؛ لأن مذهب الخلف يؤدّي إلى محذور، وهو القول على الله تعالى بلا علم، وهو محرّم بنصّ كتاب الله تعالى، حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقد أشار القاري في كلامه إلى هذا المحذور، حيث قال: وهو أسلم؛ حذرًا من أن يُعيّن له غير مراد له تعالى، فالمؤوّل ليس عنده علم بأن ما أول به هو مراد الله تعالى، فهو داخل في الآية المذكورة بلا شكّ.
[الثالث]: قوله: ويمكن حمله على اختلاف الزمان … إلخ، غير صحيح أيضًا؛ لأن اختلاف الزمان لا يقتضي تغيير الدين الذي جاء به النبيّ ﷺ ، فقد أكمل الله الدين بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فلا يشرع أمر جديد بعد موت النبيّ ﷺ ،
стр. 2258
بل ما كان دينًا في وقته فهو الدين إلى يوم القيامة، وما ليس دينًا في ذلك الوقت، فليس بدين أبدًا.
والحاصل أن مذهب السلف، وهو إثبات الصفات التي جاءت في نصّ كتاب الله ، والسنة الصحيحة، كاليد في هذا الحديث، والوجه، والقدم، والعين، والضحك، والفرح، والعجب، وغير ذلك، كما أثبتها الله تعالى لنفسه، وأثبتها له النبيّ ﷺ ، على الوجه الذي يليق بجلاله، هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وما عداه مما اقتحمه الخلف، وتعسّفوا فيه، فهو مذهب باطل، فتمسّك بهدي السلف، تنجُ من التلف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(لَا يَسْمَعُ بِي) قال الطيبيّ ﵀: الباء يُحتمل أن تكون زائدة؛ أي: لا يسمعني، فقد جاء: سمعتك، وسمعت فلانًا، ويحتمل أن تكون بمعنى "من" يقال: سمعتُ من فلان، فتكون الباء كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، قال المظهر: وفيه نظرٌ؛ لأن المعنى لا يساعد عليه، فإنّ سمعني، وسمع مني يقتضيان كلامًا وقولًا، من جانب الرسول ﷺ ، وليس المعنى عليه، قال: والأظهر أن يضمّن "يسمع" معنى "يُخْبَرُ"، فيتعدّى بالباء، كقوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، أي: ما أُخْبِرنا سماعًا، وهو آكد؛ لأن الإخبار أعمّ من أن يكون سماعًا، أو غير سماع، فالمعنى: ما أُخبِر أحد برسالتي، أو ببعثتي، ولم يؤمن إلا كان من أصحاب النار. انتهى (١).
وقوله: "بي" فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم؛ إذ الظاهر أن يقول: "به"، وهذا مما لا خلاف فيه بين السكّاكيّ وغيره.
وقوله: (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة بـ "يسمع"، قال الطيبيّ ﵀: "أحدٌ" إذا استُعمل في النفي يكون لاستغراق جنس العقلاء، ويتناول القليل والكثير، والذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وتقول:
стр. 2259
ما في الدار أحدٌ؛ أي: لا واحد، ولا اثنان، فصاعدًا، لا مجتمعين، ولا متفرّقين. انتهى (١).
وقوله: (مِنْ هَذ الْأمَّةِ) صفة لـ "أحد"، وأصل الأمّة: الجماعة، وتضاف للنبيّ ﷺ ، فيُراد بها أحيانًا أمة الإجابة؛ أي: المسلمون، كحديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢)، وأحيانًا يراد به أمة الدعوة، أي: كلُّ من أُرسل إليهم النبيّ ﷺ ، وهو المراد هنا، فالإشارة إلى أمة الدعوة الموجودين في عهده ﷺ ، ومن سيوجد إلى يوم القيامة؛ لعموم دعوته للجميع، كما قال : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
وقال القرطبيّ ﵀: "الأمة" في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، ثم قد استُعمل في محامل شتّى، والمراد به في هذا الحديث كلّ من أُرسل إليه محمد ﷺ ، ولَزِمته حجّته، سواءٌ صدّقه، أو لم يُصدّقه، ولذلك دخل فيه اليهوديّ والنصرانيّ، لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال فيه: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديّ، ولا نصرانيّ"، بغير واو العطف، فإنه يكون بدلًا من "الأمّة"، وقد رَوَى هذا الحديثَ عبد بن حميد (٣)، وقال: "لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهوديّ، ولا نصرانيّ"، فحينئذ لا يدخل اليهوديّ، ولا النصرانيّ في الأمة المذكورة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٤).
стр. 2260
وقال الطيبيّ ﵀: "من" في قوله: "من هذه الأمة" إما للبيان، أو للتبعيض، وعلى التقديرين هو مرفوع المحلّ.
فعلى أن تكون للتبعيض معناه: لا يسمع بي أحدٌ، وهو بعض هذه الأمة، يهوديّ، والإشارة بـ "هذه" إلى ما في الذهن، و"الأمة" بيان له، و"الأمة" حينئذ أمة الدعوة.
وعلى أن تكون للبيان، ولفظة "هذه" تكون إشارةً إلى أمة اليهود والنصارى خاصّةً، جرّد من الأمة اليهود والنصارى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فسّره صاحب "الكشّاف" بالوجهين.
وقال الطيبيّ أيضًا: قال الشارحون: "الأمة" جمعٌ لهم جامعٌ من دين، أو زمان، أو مكان، أو غير ذلك، فإنه مجملٌ يُطلق تارةً، ويراد به كلُّ من كان هو مبعوثًا إليهم، آمن به، أو لم يؤمن، ويُسَمَّون أمة الدعوة، ويُطلق تارةً أخرى، ويراد به المؤمنون به، والمذعنون له، وهم أمة الإجابة، والمعنى الأول هو المراد هنا بدليل قوله: "ولم يؤمن بي"، واللام فيها للاستغراق، أو الجنس، أو العهد، والمراد بها أهل الكتاب، ويَعضد الأخير توصيف الأحد باليهود والنصارى، وفي تخصيص ذكر اليهودي والنصرانيّ، وهما من أهل الكتاب إشعارٌ بأن حال المعطّلة، وعَبَدة الأوثان، وأضرابهم آكد، وهم أولى بدخول النار.
وتلخيص المعنى أن كلّ واحد من هذه الأمة إذا يسمع بي، وتبيّن له صدقي، ثم لا يؤمن برسالتي، ولم يُصدّق بمقالتي، كان من أصحاب النار، سواء الموجود، ومن سيوجد. انتهى كلام الطيبيّ ببعض تصرّف (١).
(يَهُودِيٌّ) عطف بيان، أو بدل بعض من كلّ من "أحدٌ"، قال الفيّوميّ ﵀: هاد الرجل هَوْدًا: إذا رجع، فهو هائدٌ، والجمع هُودٌ، مثلُ بازلٍ وبُزُلٌ، وسُمّي بالجمع، وبالمضارع، وفي التنزيل: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، ويقال: هو يَهُودُ غير منصرفٍ؛ للعلميّة،
стр. 2261
ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنسبة إليه يَهُوديّ، وقيل: اليَهُوديّ: نسبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇، هكذا أوردَ الصَّغَانيّ يَهُودا في باب المهملة. انتهى (١).
(وَلَا نَصْرَانِيٌّ) عطف على "يهوديّ" بإعادة "لا" النافية، وهو فصيح، وقال الطيبيّ ﵀:
[فإن قلت]: كيف عُطف "ولا نصرانيّ" على "يهودي"، وهو مُثبت، والكلام الفصيح في العطف بـ "لا" أن تكرّر لفظة "لا"، كما في قوله : ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١]؟.
[قلت]: "يهوديّ" في حيّز النفي؛ لكونه فاعلًا للفعل المنفيّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] انتهى كلام الطيبيّ (٢).
وخصّ اليهود والنصارى بالذكر تنبيهًا على غيرهما؛ لأنهما أهل كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا، فغيرهم ممن لا كتاب له يكون من بابٍ أولى.
(ثُمَّ يَمُوتُ) قال التوربشتيّ ﵀: لفظ "ثمّ" موضوع للتراخي، فهو دالّ على أن الإيمان بما أُرسل به نبيّنا محمد ﷺ مهما صَدَر من الكافر، وحصَل منه، فإنه ينفعه، ويُمحى عنه ما سلف في كفره، وإن تراخى ذلك الإيمان عن أول سماعه لمبعثه، وتقدير الاستثناء: لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ثم لم يؤمن بالذي أُرسلتُ به، فيكون له حالٌ من الأحوال إلا أَنْ كان من أصحاب النار.
قال الطيبيّ - بعد ذكر كلام التوربشتيّ هذا -: أقول: والوجه أن يقال: إن "ثُمّ" للاستبعاد، كما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]؛ يعني: أنه ليس أحدٌ أظلم ممن بُيّنت له آياتُ الله الظاهرة والباطنة، ودلائله القاهرة، فعرفها، ثم أنكرها؛ أي: بعيد ذلك عن
стр. 2262
العاقل، كما تقول: وجدتَ مثل تلك الفُرْصة، ثم لم تنتهزها! فالمعنى: ما أبعد لذي العقل أن يسمع بي يهوديّ، ونصرانيّ بعد انتظارهما بعثتي، واستفتاحهما الكفرة بنصرتي، ثم لَمّا بُعثتُ لم يؤمن بي، فعلى هذا التقدير يختصّ الحديث بأهل الكتاب، ولا يحتاج إلى التكلّف في نسبته إلى غيرهم، كما عليه كلام الشارحين.
[فإن قلت]: في الحديث السماع، والإيمان كلاهما منفيّان، فيلزم على هذا أن يكون من لم يسمع، ولم يؤمن من أصحاب النار، وهو خلاف قوله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فكان من حقّ الظاهر أن يقول: يسمع، ولا يؤمن بي.
[أجيب]: بأن "ثمّ" للاستبعاد، فرجع حاصل معنى الاستثناء إلى قولنا: لا يحصل بهذا الاستبعاد المذكور في حقّ يهوديّ، ونصرانيّ، فيكون له حال من الأحوال إلا أن كان من أهل النار، فالمنفيّ سماعٌ لم يترتّب عليه الإيمان؛ لأنه هو المستبعد، وفُهم منه أن السماع الذي يترتّب عليه الإيمان يكون حكمه بالعكس.
ونظيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢] في أحد وجهيه، وهو أن يكون الفعل المعلَّل منهيًّا، لا أن يكون الفعل المنهيّ معلّلًا، فاعرف، قاله الطيبيّ ﵀ (١).
التعبيربـ "ثم" التي للتراخي، والمُهلة فيه إشعار بأن الإيمان ينفع، ولو بعد مدّة من البلاغ، ويحتمل أن يكون لاستبعاد أن يقع الموت بدون إيمان بعد السماع به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، (وَلَمْ يُؤْمِنْ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يموت" (بالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: "بالذي" متعلّق بـ "يؤمن" (إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّارِ") أي: ممن يدخلها، ويلازمها؛ لكونه ممن حكم الله عليهم بالتأبيد، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
стр. 2263
وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائلُ تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا تفرّد به المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٧٥/ ٣٩٣] (١٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٧٤٢٠ و ٢٧٣٠١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٧ و ٣٠٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣٨٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٤٠١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الإيمان برسالة نبيّنا محمد ﷺ على جميع الناس، بل على جميع الثقلين، ممن بلغتهم الدعوة، وفهموها، فرسالته عامّة جميع الأزمنة، والأمكنة، والأمم، وقد أخرج الشيخان في "الصحيحين" حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسًا، لم يُعْطَهُنّ أحد من الأنبياء قبلي: نُصِرت بالرُّعْب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فَلْيُصَلّ، وأُحِلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى الناس كافّةً، وأُعطيت الشفاعة".
وأخرج مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "فُضّلتُ على الأنبياء بستّ: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرُّعْب، وأُحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافّةً، وخُتِم بي النبيون".
٢ - (ومنها): نسخ جميع الملل برسالة نبيّنا ﷺ ؛ لأن ذكر اليهود والنصارى للتنبيه على من سواهما من الأمم التي تدّعي دينًا، سواء كان سماويًّا أم لا.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن من لم تبلغه دعوة النبيّ ﷺ ، ولا أمره، لا عقاب عليه، ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
стр. 2264
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فمن لم تبلغه دعوته ﷺ ، ولا معجزته، فكأنه لم يُبعث إليه رسول.
وقال النوويّ ﵀: وفي مفهومه: دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام، فهو معذور، وهذا جارٍ على ما تقدّم في الأصول أنه لا حكم قبل ورُود الشرع على الصحيح. انتهى (١).
وقال القاضي عياض ﵀: فيه دليلٌ على أن من في أطراف الأرض، وجزائر البحر المنقطعة، ممن لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا أمر النبيّ ﷺ أن الحَرَجَ عنه في عدم الإيمان به ساقطٌ؛ لقوله: "لا يسمع بي"؛ إذ طريق معرفته، والإيمان به ﷺ مشاهدة معجزته، وصدقه أيام حياته، أو صحّةُ النقل بذلك، والخبرُ من لم يشاهده، أو جاء بعده، بخلاف الإيمان بالله تعالى، وتوحيده الذي يوصل إليه بمجرد النظر الصحيح، ودليل العقل السليم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بخلاف الإيمان بالله … إلخ فيه نظر؛ إذ الفرق بين الإيمان بالرسول ﷺ ، وبين الإيمان بالله تعالى من لم تبلغه الدعوة مخالف لظاهر النصّ، فمن أين له وجوب الإيمان بالله تعالى على من لم تبلغه الدعوة؟، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أن من لم يؤمن برسالة النبيّ ﷺ كافر يدخل النار، خالدًا مخلّدًا أبدًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن لم تبلغهم الدعوة:
قال الإمام ابن كثير ﵀ ما ملخّصه:
قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى قديمًا وحديثًا في الوِلْدان الذين ماتوا، وهم صغار، وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون، والأصمّ، والشيخ الخَرِفُ، ومن مات في الفترة، ولم تبلغه دعوة، وقد وَرَدَ في شأنهم أحاديث … فذكر منها حديث الأسود بن سَرِيع ﵁:
قال الإمام أحمد ﵀ (٤٢٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن
стр. 2265
هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة يَحتجون يوم القيامة: رجل أصمّ، لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هَرِمٌ، ورجل مات في فترة، فأما الأصمّ، فيقول: رب قد جاء الإسلام، وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق، فيقول: رب قد جاء الإسلام، والصبيان يَحذفوني بالبعر، وأما الهَرِم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعنّه، فَيُرسل إليهم أن ادخلُوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" (١).
وأخرج أيضًا بالإسناد المذكور عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يُسْحَب إليها" (٢).
وكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في "كتاب الاعتقاد" من حديث حنبل بن إسحاق، عن علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعة كلهم يُدلي على الله بحجة … "، فذكر نحوه، ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة .. فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وكذا رواه معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، موقوفًا.
ثم ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى، ومعظمها متكلّم فيها.
ثم قال: فمن العلماء: من ذهب إلى الوقوف فيهم؛ لِمَا أخرجه أحمد عن حسناء بنت معاوية، من بني صُرَيم، قالت: حدثني عمي، قال: قلت: يا
стр. 2266
رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة"، وحسناء مجهولة، لم يروِ عنها إلا عوفٌ الأعرابي.
ومنهم: من جزم لهم بالجنة؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ في "صحيح البخاري" أنه ﷺ قال في جملة ذلك المنام، حين مَرّ على ذلك الشيخ، تحت الشجرة، وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين، وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "نعم، وأولاد المشركين".
ومنهم: من جزم لهم بالنار؛ لقوله ﷺ : "هم مع آبائهم"، متّفقٌ عليه، لكن هذا في أحكام الدنيا؛ لأنه سئل عن أهل بيت يُبَيِّتُون، فقال: "هم منهم"، وفي لفظ: "هم من آبائهم" (١).
ومنهم: من ذهب إلى أنهم يُمْتَحَنون يوم القيامة في العَرَصات، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومَن عَصَى دخل النار، داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.
قال ابن كثير: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صَرَّحت به الأحاديث المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن، عليّ بن إسماعيل الأشعريّ، عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقيّ، في "كتاب الاعتقاد"، وكذلك غيره، من محققي العلماء والحفاظ والنقاد، وقد ذَكَر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَريّ بعدما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قويةً، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست بدار عمل، ولا ابتلاء، فكيف يُكَلَّفُون دخول النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يُكَلِّف نفسًا إلا وسعها.
стр. 2267
والجواب عما قال: إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيحٌ، كما قد نَصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حَسَنٌ، ومنها ما هو ضعيفٌ، يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلةً متعاضدةً على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.
وأما قوله: "إن الدار الآخرة دار جزاء"، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها، قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعريّ، عن مذهب أهل السنة والجماعة، من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]، وقد ثبت في الصحاح، وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خَرَّ لقفاه، وفي "الصحيحين" في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها، أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه، أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك" ثم يأذن له في دخول الجنة، متّفقٌ عليه.
وأما قوله: "فكيف يُكَلّفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ "، فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسرٌ على جهنم أحدُّ من السيف، وأدَقُّ من الشعرة، وَيمُرّ المؤمنون عليه، بحسب أعمالهم؛ كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يَحْبُو حبوًا، ومنهم المكدوس على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطَمّ وأعظم.
وأيضًا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا، فهذا نظير ذلك.
وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقَتَل بعضهم بعضًا، حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عَمَاية أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم
стр. 2268
العجل، وهذا أيضا شاقّ على النفوس جدًّا، لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. انتهى المقصود من كلام ابن كثير ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من التحقيق أن أرجح الأقوال في أطفال المشركين، والمجنون، والأصمّ، والشيخ الخَرِف، ومن لم تبلغهم الدعوة هو القول بامتحانهم؛ لصحة الدليل بذلك، ولا سيّما حديث الأسود بن سَرِيع، وما عداه من الأخبار، وإن تُكلّم فيها، إلا أنها بمجموعها تفيدُ الحجة، وسنعود إلى تكميل البحث في هذا في الموضع المناسب له - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٦) - (بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٤] (١٥٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (٢) هُشَيْمٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيّ، عَنِ الشَّعْبِيّ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، سَأَلَ (٣) الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا، مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ: إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنتهُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَني أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "ثَلَاَثة يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب، آمَنَ بِنَبِيِّه، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَآمنَ بِه، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ؛ وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِه، فَلَهُ أَجْرَانِ؛ وَرَجُلٌ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَغَذَّاهَا، فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ"، ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانيِّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ).
стр. 2269
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبت إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هُشَيْم) بن بَشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم (١) الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (صَالِحُ بْنُ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيُّ) هو: صالح بن صالح بن حَيّ، وقيل: صالح بن صالح بن مُسلمَ بن حَيّ، أبو حيان الثوريّ الهمدانيّ الكوفيّ، وقد يُنسب إلى جدّ أبيه حَيّ، وحَيٌّ لقبُ حيان، فيقال: صالح بن حيّ، وصالح بن حيّان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن الشعبيّ، وسلمة بن كُهيل، وسِمَاك بن حرب، وعاصم الأحول، وعون بن عبد الله بن عتبة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: الحسنُ، وعليّ، وشعبة، والسفيانان، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن المبارك، وعبد الرحمن المحاربي، وأبو خالد الأحمر، وغيرهم.
قال ابن عيينة: كان خيرًا من ابنيه، وقال حرب، عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقة، رَوَى عن الشعبيّ أحاديث يسيرة، وما نعرف عنه في المذهب إلا خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن خلفون في "الثقات": مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ثقةٌ، قاله ابن نُمَير وغيره، قال الحافظ: كذا نقلته من خطّ مغلطاي. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] (ت بعد ١٠٠) عن (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) الكوفيّ قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
стр. 2270
٦ - (أَبُوه) هو: عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁ مات سنة (٥٠)، وقيل بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من صالح، وشيخه نيسابوريّ، وهُشيمٌ واسطيّ.
٤ - (ومنها): أن صالح بن صالح هذا ليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث، كما أسلفته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن فيه قولَه: "الهَمْدانيّ"، بفتح الهاء، وسكون الميم، فدالٍ مهملةٍ: نسبة إلى قبيلة باليمن، وأما الهَمَذانيّ بفتحتين، وذال معجمة، فنسبة إلى بلدة في العجم، بناها هَمَذَان بن الفَلُّوج بن سام بن نوح، وغالب العلماء المتقدّمين، ينسبون إلى الأول، وغالب المتأخرين يُنسبون إلى الثاني، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَللْقَبِيلِ نِسْبَةُ الهَمْدَانِي … وَبَلَدٍ أَعْجِمْ بِلَا إِسْكَانِ
فِي القُدَمَاءِ ذَاكَ غَالِبٌ وَذَا … فِي الآخِرِينَ فَهْوَ أَصْلٌ يُحْتَذَى
وفيه قوله: "الشَّعْبِيّ" بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة: نسبة إلى شعب، بطنٌ من هَمْدان، وقيل: من حِمْيَر (١).
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الشعبيّ، عن أبي بُردة، وهو من رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه: أبو بُردة عن أبي موسى ﵁.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفي هذا الإسناد لطيفةٌ، يتكرر مثلها، وقد تقدم بيانها، وهو أنه قال: "عن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت
стр. 2271
رجلًا سأل الشعبيّ"، وهذا الكلام ليس منتظمًا في الظاهر، ولكن تقديره: حدثنا صالحٌ، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ بحديث، وقصةٍ طويلةٍ، قال فيها صالح: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ. انتهى (١).
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀ أيضًا: أما هُشيم، فبضمّ الهاء، وهو مدلّسٌ، وقد قال: عن صالح، وقد قدّمنا أن مثل هذا إذا كان في الصحيح محمول على أن هُشيمًا ثبت سماعه لهذا الحديث من صالح. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكر الإمام الدراميّ ﵀ في "مسنده" تصريح هشيم بسماعه من صالح بن صالح، فقال بعد أن أخرجه من طريق عمرو بن عون عن هُشيم ما نصّه: قال هُشيم: أفادوني بالبصرة، فأتيته فسألته عنه. انتهى. فهذا صريح بأنه سمعه منه.
وأيضًا لم ينفرد به بل تابعه عليه عبدة بن سليمان، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ثلاثتهم عن صالح بن صالح، كما يأتي في السند التالي، فزالت تهمة التدليس، والحمد لله، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ) بفتح، فسكون، وللبخاريّ: "حدثنا صالح بن حيّان"، قال في "الفتح": هو صالح بن صالح بن مُسلم بن حيّان، نُسِب إلى جد أبيه، وهو بفتح المهملة، وتشديد الياء التحتانية، ولقبه حَيّ، وهو أشهر به من اسمه، وكذا من يُنْسَب إليه، يقال للواحد منهم غالبًا: فلان ابن حيّ، كصالح بن حَيّ هذا، وهو ثقة مشهور، وفي طبقته راوٍ آخر كوفيّ أيضًا، يقال له: صالح بن حَيّان القُرَسيّ، لكنه ضعيف، وقد وَهِمَ مَن زَعَم أن البخاري أخرج له، فإنه إنما أخرج لصالح بن حَيّ، وهذا الحديث معروف بروايته عن السعبيّ، دون القرشيّ، وقد أخرجه البخاري من حديثه، من طُرُق، منها في "الجهاد" من طريق ابن عيينة، قال: حدثنا صالح بن حَيّ، أبو حَيَّان، قال: سمعت الشعبيّ، وأصرح من ذلك، أنه أخرج الحديث المذكور في
стр. 2272
"كتاب الأدب المفرد" بالإسناد الذي أخرجه هنا، فقال: صالح بن حَيّ. انتهى (١).
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل (قَالَ) الفاعل ضمير صالح، لا ضمير الشعبيّ، كما أسلفناه في اللطائف، والمعنى: حدّثنا صالح بقصّة عن الشعبيّ، قال فيها صالح: (رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ) بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف الراء: بلادٌ مشهورة بالعجم، والنسبة إليها خُراسانيّ، قال سيبويه: وهو أجود، وخُرَاسنِيّ بحذف الألف الثانية، مع كسر السين، وخُرَسَنيّ بحذف الألفين، وخُرَسيّ بحذف الألفين والنون، وخُراسيّ، ذكره في "القاموس" وشرحه (٢).
(سَأَلَ) وفي نسخة: "يسأل" (الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو) كنية الشعبيّ ﵀ (إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا) "مَن" اسم موصول بمعنى الذين، و"قِبَلنا" بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: عندنا، يقال: لي قِبَله كذا بكسر، ففتح؛ أي: عنده (٣)؛ أي: إن الذين يعيشون عندنا (مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ) بيان لـ "مَنْ"، متعلّق بحال مقدّر (يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ) أي: في شأن الرجل (إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِب بَدَنَتَهُ) أي: هديّته التي يُهديها إلى الحرم، فـ "البَدَنة" بفتحتين: هي الناقة، أَو البقرة، أو البعير، قال الأزهريّ: ولا تقع البدنة على الشاة، وقال بعض أهل اللغة: البَدَنة: هي الإبل خاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، سُمّيت بذلك؛ لِعِظم بدنها، جمعها بَدَنات، مثلُ قصبة، وقَصبَات، وبُدُنٌ بضمتين، وبإسكان الدال تخفيفًا (٤).
والمعنى: أن الذي يُعتق أمته، ثم يتزوّجها مثل الذي يُهدي إلى الحرم بدنةً، ثم يركبها؛ أي: فكما لا يجوز ركوبها إلا للضرورة؛ لِمَا أخرجه المصنّف ﵀ عن الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ سُئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها،
стр. 2273
حتى تجد ظهرًا"، كذلك لا يجوز أن يتزوّج أمته التي أعتقها؛ لأنه يكون رجوعًا، وهذا قياس فاسد؛ لمعارضته النصّ المذكور في هذا الحديث.
(فَقَالَ الشَّعْبِيُّ) ردًّا لهذا القياس الفاسد (حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى) تقدّم الخلاف في اسمه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن قيس الأشعريّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثَلَاَثَةٌ) مبتدأٌ، سوّغ الابتداء به، وإن كان نكرةً، المضاف إليه، أو الوصف المقدّران؛ أي: ثلاثة رجال، أو ثلاثة من الرجال، وخبره جملة قوله: (يُؤْتَوْنَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يؤتى كلّ واحد منهم (أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ) بدل تفصيل من "ثلاثة"، أو بدل كلّ، إن نُظر إلى المجموع، وحكم المرأة الكتابية في ذلك حكم الرجل، كما هو مُطّرِدٌ في جُلّ الأحكام، حيث يدخلْنَ مع الرجال بالتبعية، إلا ما خَصّه الدليل، قاله في "الفتح" (١).
[تنبيه]: لا مفهوم للعدد المذكور، فقد وردت نصوص أخرى تدلّ على الزيادة على الثلاثة، سنوردها في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) صفة لـ "رجلٌ"، قال الطيبيّ ﵀: قال الشارحون: المراد بأهل الكتاب نصرانيّ تنصّر قبل المبعث، أو بلوغ الدعوة إليه، وظهور المعجزة لديه، ويهوديّ تهوّد قبل ذلك، إن لم تُجعل النصرانيّة ناسخة لليهوديّة؛ إذ لا ثواب لغيره على دينه، فيُضاعفَ باستحقاقه ثواب الإيمان، ويدلّ على ذلك أنه وقع في رواية للبخاريّ ﵀ بدل قوله: "آمن بنبيّه": "آمن بعيسى ﵇".
ويحتمل إجراؤه على عمومه؛ إذ لا يبعُدُ أن يكون طَرَيَانُ الإيمان به سببًا لقبول تلك الأعمال والأديان، وإن كانت منسوخة، كما ورد في الحديث أن مبرّات الكفّار وحسناتهم مقبولةٌ بعد إسلامهم.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأولى، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: أيُّ فائدة في ذكر "آمن بنبيّه"، وقد عُلِم ذلك من قوله: "من أهل الكتاب"؟.
стр. 2274
[أُجيب]: بأنه للإشعار بعلّيّة الأجر، أي: سبب الأجرين الإيمان بالنبيين. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف (١).
وقال في "الفتح": لفظ "الكتاب" عامّ، ومعناه خاصّ؛ أي: المُنَزَّل من عند الله تعالى، والمراد به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يُطْلَقُ أهلُ الكتاب، وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصّة، إن قلنا: إن النصرانية ناسخة لليهودية، كذا قرره جماعة، ولا يُحتاج إلى اشتراط النسخ؛ لأن عيسى ﵊، كان قد أُرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمَن أجابه منهم نُسِب إليه، ومَن كذَّبه منهم، واستَمَرّ على يهوديته، لم يكن مؤمنًا، فلا يتناوله الخبر؛ لأن شرطه أن يكون مؤمنًا بنبيّه.
نعم مَن دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى ﵇، فلم تبلغه دعوته، يَصْدُق عليه أنه يهوديّ مؤمن؛ إذ هو مؤمن بنبيه موسى ﵇، ولم يُكَذِّب نبيًّا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد ﷺ ، ممن كان بهذه المثابة، وآمن به، لا يُشكل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها، ممن دخل منهم في اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى ﵇؛ لكونه أُرسل إلى بني إسرائيل خاصّةً.
نعم الإشكال في اليهود الذين كانوا بحضرة النبيّ ﷺ ، وقد ثَبَت أن الآية الموافِقَة لهذا الحديث، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] نزلت في طائفة آمنوا منهم، كعبد الله بن سلام وغيره، ففي الطبرانيّ، من حديث رفاعة القُرَظِيّ قال: نزلت هذه الآيات فيّ، وفيمن آمن معي، وروى الطبرانيّ بإسناد صحيح، عن عليّ بن رفاعة القُرَظيّ قال: خرج عشرة من أهل الكتاب، منهم أبي رفاعةُ إلى النبيّ ﷺ ، فآمنوا به، فأُوذُوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ [القصص: ٥٢]، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، بل استَمَرُّوا على اليهودية، إلى أن آمنوا بمحمد ﷺ ، وقد ثَبَت أنهم يُؤْتَون أجرهم مرتين.
قال الطيبيّ: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه؛ إذ لا يَبْعُد أن يكون
стр. 2275
طَرَيَان الإيمان بمحمد ﷺ سببًا لقبول تلك الأديان، وإن كانت منسوخةً. انتهى.
قال: ويمكن أن يقال في حقّ هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى ﵇؛ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد، فاستمرّوا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى؛ إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد ﷺ ، فبهذا يرتفع الإشكال - إن شاء الله تعالى -.
[فوائد]:
(الأولى): وَقَع في شرح ابن التين وغيره أن الآية المذكورة نَزَلت في كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وهو صوابٌ في عبد الله، خطأٌ في كعب؛ لأن كعبًا ليست له صحبةٌ، ولم يُسْلِم إلا في عهد عمرَ بنِ الخطاب ﵁، والذي في تفسير الطبري وغيره، عن قتادة، أنها نزلت في عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسيّ، وهذا مستقيم؛ لأن عبد الله كان يهوديًّا، فأسلم، وسلمان كان نصرانيًّا، فأسلم، وهما صحابيان مشهوران.
(الثانية): قال القرطبيّ: الكتابيّ الذي يُضَاعَف أجره مرتين، هو الذي كان على الحق في شرعه عقدًا وفعلًا إلى أن آمن بنبينا ﷺ ، فيؤجر على اتّباع الحق الأول والثاني، وأما من اعتقد الإلهيّة لغير الله تعالى، كما تعتقده النصارى اليوم، أو من لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جَبّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حقّ يؤجر عليه إلا الإسلام خاصّةً. انتهى (١).
ويُشكِل عليه أن النبيّ ﷺ كَتَب إلى هِرَقْل: "أَسْلِم تَسْلَم، ويؤتِك الله أجرك مرتين"، وهِرَقْلُ كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، فالحقّ أنه لا يشترط كونه استقامته على الشرع الذي ينتمي إليه؛ لأن حديث الباب، وكذلك قوله ﷺ لهرقل: "يؤتك الله أجرك مرتين" لم يكن إلا بعد تمسّك أهل الكتابين بما بُدّل وغيّر منه، فتوجيه الطيبيّ فيما سبق بأن طريان الإيمان بالنبيّ ﷺ كان سببًا لقبول تلك الأديان المحرّفة، وما ذلك على الله بعزيز، وهو نظير قوله :
стр. 2276
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]، والله تعالى أعلم.
(الثالثة): قال أبو عبد الملك البُونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود البتة، وليس بمستقيم كما قررناه، وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يَتناول جميعَ الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما أسلفت من خير".
قال الحافظ: وهو مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الحديث مُقَيَّد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلّية الأجر؛ أي: أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، أن أهل الكتاب يَعرفون محمدًا ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فمن آمن به، واتبعه منهم، كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كَذَبه منهم، كان وِزْره أشدّ من وزر غيره، وقد وَرَد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ ﷺ ؛ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يُذكرن في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة؟.
[أجيب]: بأن قضيتهن خاصّةٌ بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، هكذا قال البلقينّي ﵀، قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرّ، وقد ادَّعَى الكرماني اختصاصَ ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعَلَّل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة، إنما هو محمدٌ ﷺ باعتبار عموم بعثته. انتهى.
وقضيته أن ذلك أيضًا لا يتمّ من كان في عهد النبيّ ﷺ ، فإن خصَّه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده ﷺ وبعده، فما قاله البلقينيّ أظهر، والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا ﷺ إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك.
وأما ما قَوَّى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفًا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجل" بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه
стр. 2277
"إذا" الدالة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب، لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد. انتهى، وهو غير مستقيم؛ لأنه مَشَى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس مُتَّفَقًا عليه بين الرواة، بل هو عند البخاريّ وغيره مختلفٌ، فقد عَبَّرَ في ترجمة عيسى ﵇ بإذا في الثلاثة (١)، وعبّر في "النكاح" بقوله: "أَيُّما رجل" في المواضع الثلائة (٢)، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرَّف بلام الجنس مؤدّاه مؤدى النكرة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الحافظ ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ، وللعينيّ تعقّب عليه على عادته المستمرّة، تركته لكونه تعسّفًا ظاهرًا من تأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(آمَنَ بِنَبِيِّه، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ) محمدًا ( ﷺ )، وقوله: (فَآمَنَ بِه، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ) يحتمل أن تكون ثلاثتها مترادفات في المعنى المراد؛ للتأكيد، ويحتمل أن يكون من الإيمان به: التصديق برسالته، ومن اتباعه: لزوم العمل بشريعته، ومن تصديقه: تصديقه في كلّ ما جاء به من الأحكام.
وقوله: (فَلَهُ أَجْرَانِ) كرّره؛ لطول الكلام، وللاهتمام به، على حدّ قول الحماسيّ [من الطويل]:
وَإِنَّ امْرَأً دَامَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ … عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنَّهُ لَكَرِيمُ
(وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ)، ومثل العبد الأمة، كما سبق في الرجل والمرأة، وإنما
стр. 2278
وَصَفَه بالمملوك؛ لأن جميع الناس عباد الله تعالى، فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للناس (أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى) أي: مثل الصلاة، والصوم (وَحَقَّ سَيِّدِهِ) أي: مثل خدمته، ولفظ البخاريّ: "وحقّ مواليه" (فَلَهُ أَجْرَانِ) قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى:
[إن قلت]: يُفهم من هذا أنه يؤجر على العمل الواحد مرّتين، مع أنه لا يؤجر على كلّ عمل إلا مرّة واحدة؛ لأنه يأتي بعملين مختلفين: عبادة الله، والنصح لسيّده، فيؤجر على كلّ من العملين مرّةً، وكذا كلّ آتٍ بطاعتين يؤجر على كلّ واحدة أجرها، ولا خصوصيّة للعبد بذلك.
[قلت]: يحتمل وجهين:
(أحدهما): أنه لما كان جنس العمل مختلفًا؛ لأن أحدهما طاعة الله، والآخر طاعة مخلوق، خصّه بحصول أجره مرّتين؛ لأنه يحصل له الثواب على عمل لا يأتي في حقّ غيره، بخلاف من لا يأتي في حقّه إلا طاعةٌ خاصّةٌ، فإنه يحصل أجره مرّةً واحدةً، أي: على كلّ عمل أجر، وأعماله من جنس واحد، لكن تظهر مشاركة المطيع لأميره، والمرأة لزوجها، والولد لوالده له في ذلك.
(ثانيهما): يمكن أن يكون في العمل الواحد طاعة الله، وطاعة سيّده، فيحصل له على العمل الواحد الأجر مرّتين؛ لامتثاله بذلك أمر الله، وأمر سيّده المأمور بطاعته، والله أعلم. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث عندي أن العبد لَمّا اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيّده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحرّ المطيع لربّه مثل طاعته؛ لأنه قد ساواه في طاعة الله، وَفَضَلَ عليه بطاعة من أمره الله بطاعته.
قال: ومن هنا أقول: إن مَن اجتمع عليه فرضان، فأدّاهما أفضلُ ممن ليس عليه إلا فرض واحد، فأدّاه، كمن وجب عليه صلاةٌ وزكاةٌ، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاةٌ فقط.
ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروضٌ، فلم يؤدِّ منها شيئًا، كان عصيانه
стр. 2279
أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لِمَا يدخل عليه من مشقّة الرقّ، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصّ العبد بذلك.
وقال ابن التين: المراد أن كلّ عمل يعمله يُضاعف له. قال: وقيل: سبب التضعيف أنه زاد لسيّده نُصحًا، وفي عبادة ربّه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما.
قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بَيَّنَ ذلك لئلّا يُظَنّ أنه غير مأجور على العبادة. انتهى. قال الحافظ: وما ادّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك.
[فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات.
[أجاب الكرمانيّ]: بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيّد جهاتٌ أخرى يستحقّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدّي للحقّين على العبد المؤدّي لأحدهما. انتهى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًّا بالعمل الذي يتّحد فيه طاعة الله، وطاعة السيّد، فيعمل عملأ واحدًا، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما سبق في كلام ابن عبد البرّ ﵀ هو المعنى الأشبه بظاهر النصّ.
وحاصله أن العبد لَمّا توجّه إليه واجبان: طاعة ربّه، وطاعة سيّده، فقام بهما جميعًا، كان له أجره بهما، وهذا لا يوجد في الحرّ، ولا في العبد الذي يُخلّ بأحد الواجبين، والله تعالى أعلم.
(وَرَجُلٌ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ) وفي رواية البخاريّ: "كانت عنده وَليدة"، وهي في الأصل ما وُلد من الإماء في ملك الرجل، ثم أُطلق على كلّ أمة (فَغَذَاهَا) أي: أطعمها (فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا) بأن يُطعمها قبل أن تجوع، فلا يؤخّر طعامها عن
стр. 2280
وقت حاجتها، أو المراد جنس الطعام، بأن يكون من أحسن طعامه، وهو الذي يخصّ به نفسه، فهو بمعنى الحديث الآخر: "فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس"، متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "فغَذَاهَا، فأحسن غذاءها"، أما الأول فبتخفيف الذال، وأما الثاني، فبالمدّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كونه بتخفيف الذال ليس متعيّنًا إلا إذا صحّت الرواية به، ولم يُشِر النوويّ إلى ذلك، فيمكن أن يشدّد للمبالغة، قال الفيّوميّ ﵀: والغِذَاءُ مثلُ كتاب: ما يُغتذى به من الطعام والشراب، فيقال: غَذَا الطعام الصبيَّ يغذوه، من باب علا: إذا نَجَعَ فيه، وكفاه، وغَذَوته باللبن أغذوه أيضًا، فاغتذى به، وغذّيته بالتثقيل، مبالغةٌ، فتغذّى. انتهى (٢).
فدلّ على أن التثقيل فيه جائز، اللهم إلا أن يُدّعى صحة الرواية، كما أشرت إليه آنفًا، فيتعيّن، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَدَّبَهَا) من التأديب، والأدبُ: حُسن الأحوال في القيام والقعود، وحسن الأخلاق، وقيل: التخلّق با لأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا) أي: أدّبها من غير تعنيف، ولا ضرب، بل بالرفق واللطف.
زاد في رواية البخاريّ: "وعلّمها، فأحسن تعليمها" أي: علّمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، "فأحسن تعليمها" أي: علّمها بالرفق، وحسن الخلق.
[فإن قلت]: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟.
[قلتُ]: لا يدخل؛ إذ التأديب يتعلّق بالمروءات، والتعليم يتعلّق بالشرعيّات، أعني أن الأول عرفيّ، والثاني شرعيّ؛ أو الأول دنيويّ، والثاني دينيّ. قاله العينيّ ﵀ (٣).
(ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا) وللبخاريّ: "فتزوّجها" بالفاء (فَلَهُ أَجْرَانِ") أعاده؛ لما سبق آنفًا.