﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]، والله تعالى أعلم.
(الثالثة): قال أبو عبد الملك البُونيّ وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود البتة، وليس بمستقيم كما قررناه، وقال الداوديّ، ومن تبعه: إنه يحتمل أن يَتناول جميعَ الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما أسلفت من خير".
قال الحافظ: وهو مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الحديث مُقَيَّد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان، وأيضًا فالنكتة في قوله: "آمن بنبيه" الإشعار بعلّية الأجر؛ أي: أن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، أن أهل الكتاب يَعرفون محمدًا ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فمن آمن به، واتبعه منهم، كان له فضلٌ على غيره، وكذا من كَذَبه منهم، كان وِزْره أشدّ من وزر غيره، وقد وَرَد مثلُ ذلك في حقّ نساء النبيّ ﷺ ؛ لكون الوحي كان ينزل في بيوتهن.
[فإن قيل]: فَلِمَ لم يُذكرن في هذا الحديث، فيكون العدد أربعة؟.
[أجيب]: بأن قضيتهن خاصّةٌ بهنّ، مقصورة عليهنّ، والثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة، هكذا قال البلقينّي ﵀، قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى أن قضية مؤمن أهل الكتاب مستمرّ، وقد ادَّعَى الكرماني اختصاصَ ذلك بمن آمن في عهد البعثة، وعَلَّل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة، إنما هو محمدٌ ﷺ باعتبار عموم بعثته. انتهى.
وقضيته أن ذلك أيضًا لا يتمّ من كان في عهد النبيّ ﷺ ، فإن خصَّه بمن لم تبلغه الدعوة، فلا فرق في ذلك بين عهده ﷺ وبعده، فما قاله البلقينيّ أظهر، والمراد بنسبتهم إلى غير نبيّنا ﷺ إنما هو باعتبار ما كانوا عليه قبل ذلك.
وأما ما قَوَّى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفًا، حيث قيل في مؤمن أهل الكتاب: "رجل" بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه
стр. 2277
"إذا" الدالة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمن أهل الكتاب، لا يقع في الاستقبال بخلاف العبد. انتهى، وهو غير مستقيم؛ لأنه مَشَى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس مُتَّفَقًا عليه بين الرواة، بل هو عند البخاريّ وغيره مختلفٌ، فقد عَبَّرَ في ترجمة عيسى ﵇ بإذا في الثلاثة (١)، وعبّر في "النكاح" بقوله: "أَيُّما رجل" في المواضع الثلائة (٢)، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير، فلا أثر له هنا؛ لأن المعرَّف بلام الجنس مؤدّاه مؤدى النكرة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الحافظ ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ، وللعينيّ تعقّب عليه على عادته المستمرّة، تركته لكونه تعسّفًا ظاهرًا من تأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(آمَنَ بِنَبِيِّه، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ) محمدًا ( ﷺ )، وقوله: (فَآمَنَ بِه، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ) يحتمل أن تكون ثلاثتها مترادفات في المعنى المراد؛ للتأكيد، ويحتمل أن يكون من الإيمان به: التصديق برسالته، ومن اتباعه: لزوم العمل بشريعته، ومن تصديقه: تصديقه في كلّ ما جاء به من الأحكام.
وقوله: (فَلَهُ أَجْرَانِ) كرّره؛ لطول الكلام، وللاهتمام به، على حدّ قول الحماسيّ [من الطويل]:
وَإِنَّ امْرَأً دَامَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ … عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنَّهُ لَكَرِيمُ
(وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ)، ومثل العبد الأمة، كما سبق في الرجل والمرأة، وإنما
стр. 2278
وَصَفَه بالمملوك؛ لأن جميع الناس عباد الله تعالى، فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للناس (أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى) أي: مثل الصلاة، والصوم (وَحَقَّ سَيِّدِهِ) أي: مثل خدمته، ولفظ البخاريّ: "وحقّ مواليه" (فَلَهُ أَجْرَانِ) قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى:
[إن قلت]: يُفهم من هذا أنه يؤجر على العمل الواحد مرّتين، مع أنه لا يؤجر على كلّ عمل إلا مرّة واحدة؛ لأنه يأتي بعملين مختلفين: عبادة الله، والنصح لسيّده، فيؤجر على كلّ من العملين مرّةً، وكذا كلّ آتٍ بطاعتين يؤجر على كلّ واحدة أجرها، ولا خصوصيّة للعبد بذلك.
[قلت]: يحتمل وجهين:
(أحدهما): أنه لما كان جنس العمل مختلفًا؛ لأن أحدهما طاعة الله، والآخر طاعة مخلوق، خصّه بحصول أجره مرّتين؛ لأنه يحصل له الثواب على عمل لا يأتي في حقّ غيره، بخلاف من لا يأتي في حقّه إلا طاعةٌ خاصّةٌ، فإنه يحصل أجره مرّةً واحدةً، أي: على كلّ عمل أجر، وأعماله من جنس واحد، لكن تظهر مشاركة المطيع لأميره، والمرأة لزوجها، والولد لوالده له في ذلك.
(ثانيهما): يمكن أن يكون في العمل الواحد طاعة الله، وطاعة سيّده، فيحصل له على العمل الواحد الأجر مرّتين؛ لامتثاله بذلك أمر الله، وأمر سيّده المأمور بطاعته، والله أعلم. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث عندي أن العبد لَمّا اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربّه في العبادات، وطاعة سيّده في المعروف، فقام بهما جميعًا كان له ضعف أجر الحرّ المطيع لربّه مثل طاعته؛ لأنه قد ساواه في طاعة الله، وَفَضَلَ عليه بطاعة من أمره الله بطاعته.
قال: ومن هنا أقول: إن مَن اجتمع عليه فرضان، فأدّاهما أفضلُ ممن ليس عليه إلا فرض واحد، فأدّاه، كمن وجب عليه صلاةٌ وزكاةٌ، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاةٌ فقط.
ومقتضاه أن من اجتمعت عليه فروضٌ، فلم يؤدِّ منها شيئًا، كان عصيانه
стр. 2279
أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة لِمَا يدخل عليه من مشقّة الرقّ، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل، لم يختصّ العبد بذلك.
وقال ابن التين: المراد أن كلّ عمل يعمله يُضاعف له. قال: وقيل: سبب التضعيف أنه زاد لسيّده نُصحًا، وفي عبادة ربّه إحسانًا، فكان له أجر الواجبين، وأجر الزيادة عليهما.
قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بَيَّنَ ذلك لئلّا يُظَنّ أنه غير مأجور على العبادة. انتهى. قال الحافظ: وما ادّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك.
[فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات.
[أجاب الكرمانيّ]: بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون للسيّد جهاتٌ أخرى يستحقّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدّي للحقّين على العبد المؤدّي لأحدهما. انتهى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصًّا بالعمل الذي يتّحد فيه طاعة الله، وطاعة السيّد، فيعمل عملأ واحدًا، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من الأحرار، ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما سبق في كلام ابن عبد البرّ ﵀ هو المعنى الأشبه بظاهر النصّ.
وحاصله أن العبد لَمّا توجّه إليه واجبان: طاعة ربّه، وطاعة سيّده، فقام بهما جميعًا، كان له أجره بهما، وهذا لا يوجد في الحرّ، ولا في العبد الذي يُخلّ بأحد الواجبين، والله تعالى أعلم.
(وَرَجُلٌ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ) وفي رواية البخاريّ: "كانت عنده وَليدة"، وهي في الأصل ما وُلد من الإماء في ملك الرجل، ثم أُطلق على كلّ أمة (فَغَذَاهَا) أي: أطعمها (فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا) بأن يُطعمها قبل أن تجوع، فلا يؤخّر طعامها عن
стр. 2280
وقت حاجتها، أو المراد جنس الطعام، بأن يكون من أحسن طعامه، وهو الذي يخصّ به نفسه، فهو بمعنى الحديث الآخر: "فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس"، متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "فغَذَاهَا، فأحسن غذاءها"، أما الأول فبتخفيف الذال، وأما الثاني، فبالمدّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كونه بتخفيف الذال ليس متعيّنًا إلا إذا صحّت الرواية به، ولم يُشِر النوويّ إلى ذلك، فيمكن أن يشدّد للمبالغة، قال الفيّوميّ ﵀: والغِذَاءُ مثلُ كتاب: ما يُغتذى به من الطعام والشراب، فيقال: غَذَا الطعام الصبيَّ يغذوه، من باب علا: إذا نَجَعَ فيه، وكفاه، وغَذَوته باللبن أغذوه أيضًا، فاغتذى به، وغذّيته بالتثقيل، مبالغةٌ، فتغذّى. انتهى (٢).
فدلّ على أن التثقيل فيه جائز، اللهم إلا أن يُدّعى صحة الرواية، كما أشرت إليه آنفًا، فيتعيّن، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَدَّبَهَا) من التأديب، والأدبُ: حُسن الأحوال في القيام والقعود، وحسن الأخلاق، وقيل: التخلّق با لأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا) أي: أدّبها من غير تعنيف، ولا ضرب، بل بالرفق واللطف.
زاد في رواية البخاريّ: "وعلّمها، فأحسن تعليمها" أي: علّمها من أحكام الشريعة ما يجب عليها، "فأحسن تعليمها" أي: علّمها بالرفق، وحسن الخلق.
[فإن قلت]: أليس التأديب داخلًا تحت التعليم؟.
[قلتُ]: لا يدخل؛ إذ التأديب يتعلّق بالمروءات، والتعليم يتعلّق بالشرعيّات، أعني أن الأول عرفيّ، والثاني شرعيّ؛ أو الأول دنيويّ، والثاني دينيّ. قاله العينيّ ﵀ (٣).
(ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا) وللبخاريّ: "فتزوّجها" بالفاء (فَلَهُ أَجْرَانِ") أعاده؛ لما سبق آنفًا.
стр. 2281
قال الطيبيّ ﵀:
[فإن قلت]: فيه إشكال، وهو أنه ينبغي أن يكون له أربعة أجور: أحدها بتأديبها، والثاني بتعليمها، والثالث بإعتاقها، والرابع بتزوّجها، فَلِمَ قال: "فله أجران؟ "، ولم يقل: له أربعة أجور؟.
أجاب المظهر ﵀ بأن المراد الأجرين له ها هنا بالإعتاق والتزوّج، لأن التأديب والتعليم موجبان للأجر في الأجنبيّ، والأولاد، وجميع الناس، فلم يكن مختصًّا بالإماء.
قال الطيبيّ ﵀: موجب الأجرين إعتاقها، وتزوّجها فحسبُ، والتأديب والتعليم موجبان لاستئهالها للإعتاق والتزوّج؛ لأن تزوّج المرأة المؤدَّبة المعلَّمة أكثر بركةً، وأقرب إلى أن تُعين زوجها على دينه، والشاهد لفظ "ثمَّ"؛ لكونها تفيد أن الإعتاق والتزوُّج أفضل وأعلى رتبةً من التأديب والتعليم، والأولى أن يقال: إن التأديب بالعنف لا يوجب الأجر، كما أن الوطء بدون العتق لا يُثبت الأجر؛ لحصوله قبل ذلك؛ لقوله في رواية البخاريّ: "كانت عنده أمة يطؤها"، كأنه قيل: يؤدّبها تأديبًا حسنًا، ويطؤها وَطْئًا جميلًا.
وأما الفاء في "فأحسن" فللترتيب أيضًا، لكنها دون "ثُمّ"، كما في قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل؛ يعني: التأديب والتعليم بالرفق أحسن، وأفضل منه بالعنف. انتهى (١).
[تنبيه]: وجه اقتران هذا الحديث بالحديث السابق - أعني حديث: "والذي نفس محمد ﷺ بيده لا يسمع … " الحديث - مثل وجه اقتران ثواب نساء النبيّ ﷺ ، وعقابهنّ في المضاعفة، في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣١].
فينبغي أن يُنزّل الحديث الأول على أن أهل الكتاب أولى الناس بالنبيّ ﷺ بسبب معرفتهم به؛ لأنه مكتوب عندهم في التوارة والإنجيل، كما قال :
стр. 2282
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فإذا كفروا به استوجبوا من العذاب ضعف عذاب الناس، والعكس إذا آمنوا، فدلّ على هذا المعنى هذا الحديثُ، وعلى استحقاق ضعف العذاب قوله في الحديث السابق: "إلا كان من أصحاب النار"؛ لأنه في قوّة أنه من الجهنّميين، فهو من أسلوب قولك: فلان من العلماء؛ أي: له مساهمة معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهور له، أفاده الطيبيّ ﵀ (١).
(ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ) السائل له (خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيءٍ) أي: عوض من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخرويّ حاصل له، ما أخلص نيّته في نشر العلم (فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ) بالبناء للمفعول، يقال: رَحَل عن البلد، من باب مَنَعَ رَحِيلًا: إذا انتقل منها، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: رَحّلته (٢). (فِيمَا دُونَ هَذَا) أي: في أقلّ مما سألته، فالإشارة إلى المسؤول، وفي رواية للبخاريّ: "يُرْكَب فيما دونها"، أي: يُرْحَل لأجل ما هو أهون منها، والضمير عائد على المسألة (إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: النبوية؛ إذ هي عَلَم بالغلبة عليها، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَـ "العَقَبَهْ"
وكان ذلك في زمن النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، ثم تفرَّق الصحابة في البلاد، بعد فتوح الأمصار، وسكنوها، فاكتفى أهلُ كل بلد بعلمائه، إلا من طلب التوسع في العلم، فرحَلَ فيه.
قال الحافظ ﵀: واستدلال ابن بطال وغيره من المالكية، على تخصيص العلم بالمدينة، فيه نظرٌ؛ لِمَا قررناه، وإنما قال الشعبي ذلك تحريضًا للسامع؛ ليكون ذلك أَدْعَى لحفظه، وأجلب لحرصه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2283
مسائل تتعلّق بهذا الحديث؛
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا في "الإيمان" [٧٦/ ٣٩٤ و ٣٩٥] (١٥٤)، وأعاده المصنف في "النكاح" مختصرًا بلفظ: "من كانت له جارية، فأحسن إليها، ثم أعتقها، وتزوّجها، كان له أجران"، و (البخاريّ) في "العلم" (٩٧)، و"العتق" (٢٥٤٤ و ٢٥٤٧)، و"الجهاد" (٣٠١١)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٤٦)، و"النكاح" (٥٠٨٣)، و (أبو داود) في "العتق" (٢٠٥٣)، و (الترمذيّ) في "النكاح" (١١١٦)، و (النسائيّ) في "النكاح" (٥٥٠٢)، و (ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٥٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٥٠١ و ٥٠٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٨ - ٤٠٢ - ٤٠٥ - ٤١٤ - ٤١٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٥٤ - ١٥٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٢ و ٣٠٣ و ٣٠٤ و ٣٠٥ و ٣٠٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٥ و ٣٨٦ و ٣٨٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٧)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٣٩٥ و ٣٩٦ و ٣٩٨ و ٣٩٩ و ٤٠٠)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ - ٣٩٦)، و (الطبراني) في "المعجم الصغير" (١/ ٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٢٨)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (٢٥ و ٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن هؤلاء الثلاثة يؤتون أجرًا مضاعفًا؛ لكون عملهم مضاعفًا.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبيّنا ﷺ ، وأن لي أجرين؛ لإيمانه بنبيّه، وإيمانه بنبيّنا ﷺ ، وهذا هو وجه المطابقة لإيراده في كتاب الإيمان.
٣ - (ومنها): بيان فضيلة العبد المملوك القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق سيّده.
٤ - (ومنها): ترغيب العبد المملوك في طاعة ربه، وطاعة سيّده.
стр. 2284
٥ - (ومنها): أن وضع المقدار في الدنيا قد يكون سببًا في رفع الدرجات في الآخرة.
٦ - (ومنها): حرص الشارع في عتق العبيد، والترغيب فيه.
٧ - (ومنها): الحثّ على الإحسان للمملوك في تحسين غذائه، وفي تأديبه، وتعليمه.
٨ - (ومنها): بيان فضيلة من أعتق أمته، وتزوّجها، وليس هذا من الرجوع في الصدقة في شيء، بل هو محض إحسان إليها بعد إحسان.
٩ - (ومنها): بيان جواز نكاح الرجل جاريته التي أعتقها، وفيه ردّ على مَن كَرِه ذلك، كما ذُكر في قصّة الخراسانيّ من أن أهل خراسان يكرهون ذلك، ويشبّهونه بركوب البدنة.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود ﵁، أنه كان يقول ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر ﵄ مثله، وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أنس ﵁ أنه سُئل عنه؟، فقال: "إذا أعتق أمته لله، فلا يعود فيها"، ومن طريق سعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ أنهما كرها ذلك، وأخرج أيضًا من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأسًا، ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أنه لا كراهة في ذلك، ويُعتذر عن هؤلاء الذين كَرِهُوا ذلك بأنهم لم يبلغهم النصّ الذي في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ المذكور في الباب، فإنه نصّ لا يقبل النزاع، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أنه يدلّ على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوّجها، سواءٌ أعتقها ابتداءً لله، أو لسبب.
١١ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الرحلة في طلب العلم، وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" "باب الرحلة في طلب العلم"، ورحل جابر بن عبد الله ﵄، إلى عبد الله بن أنيس ﵃ في حديث واحد، ثم أخرج خروج موسى ﷺ في طلب الخضر ﵇.
стр. 2285
وقد أخرج الدارميّ بسند صحيح، عن بُسْر بن عبيد الله - وهو بضم الموحدة، وسكون المهملة - قال: إن كنتُ لأركبُ إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد، وعن أبي العالية قال: كنا نَسمَع الحديث عن الصحابة، فلا نَرْضَى حتى نركب إليهم، فنسمعه منهم.
١٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يحثّ طلابه على الرحلة في طلب العلم، فالشعبيّ من كبار التابعين، وقد قال للسائل: قد كان يرحل فيما دون ذلك إلى المدينة؛ ليحثّه على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المزجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه لا مفهوم للعدد في قوله: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين"، فقد ثبت في النصوص الأخرى زيادة على ذلك:
١ - (فمنها): ما أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران"، لفظ مسلم.
٢ - (ومنها): ما أخرجه الشيخان أيضًا عن زينب امرأة ابن مسعود ﵂ في التي تتصدّق على قريبها: "لها أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة".
٣ - (ومنها): ما أخرجاه أيضًا من حديث عمرو بن العاص ﵁ في الحاكم إذا أصاب، له أجران.
٥ - (ومنها): ما أخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة ﵁، رفعه: "أربعة يؤتون أجرهم مرّتين … "، فذكر الثلاثة المذكورين هنا، وزاد: أزواج النبيّ ﷺ .
٦ - (ومنها): حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سنّ سنّة حسنة، فعُمِل بها كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئًا … " (١).
٧ - (ومنها): ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من
стр. 2286
دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا … ".
٨ - (ومنها): ما أخرجه مسلم أيضًا، من حديث أبي مسعود ﵁ مرفوعًا: "من دلّ على خير، فله مثل أجر فاعله".
٩ - (ومنها): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ في الذي تيمّم، ثم وجد الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبيّ ﷺ : "لك الأجر مرّتين"، حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود، وغيره.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد يحصل بمزيد التتبّع أكثر من ذلك، وكلّ هذا دالّ على أنه لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى ﵁. انتهى (١). وهو تحقيق حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإسْنَاد، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
стр. 2287
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام مشهور، رأس الطبقة [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٦ - (أَبُوه) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الإمام الحجة الناقد البصير الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
وقوله: (كلُّهم) أي الثلاثة: عبدة، وسفيان بن عيينة، وشعبة عن صالح بن صالح … إلخ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد صالح بن صالح، عن الشعبيّ … إلخ.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي: أحاديث هؤلاء الثلاثة، نحو حديث هُشيم.
[تنبيه]: أما طريق عبدة بن سلمان، عن صالح، فساقها الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:
(١٩٥٦) حدثنا عبد الله بن سعيد، أبو سعيد الأشجّ، حدثنا عبدة بن سليمان، عن صالح بن صالح بن حيّ، عن الشعبيّ، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له جاريةٌ، فأدّبها فأحسن أدبها، وعلَّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وأيّما رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد، فله أجران، وأيّما عبد مملوكٍ أَدَّى حق الله عليه، وحق مواليه، فله أجران"، قال صالح: قال الشعبيّ: قد أعطَيْتُكَها بغير شيء، إن كان الراكب ليركب فيما دونها إلى المدينة.
وأما طريق سفيان بن عيينة، فساقها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٥٠٥)، فقال:
(٣٩٧) أنبأ خيثمة بن سليمان، ثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، ثنا عبد الله بن الزبير، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، ثنا صالح بن صالح بن حيّ، قال: جاء رجل
стр. 2288
إلى الشعبيّ، وأنا عنده، فقال: يا أبا عمرو، إن ناسًا عندنا بخراسان، يقولون: إذا أعتق الرجل أمته، ثم تزوجها، فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبيّ: حدثنا أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: الرجل من أهل الكتاب، كان مؤمنًا قبل أن يبعث النبيّ ﷺ ، ثم آمن بالنبيّ ﷺ ، فله أجران، ورجلٌ كانت له جاريةٌ، فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وعبدٌ أطاع الله، وأدَّى حق سيده، فله أجران"، خُذْها بغير شيء، فلقد كان الرجل يَرْحَل في أدنى منها إلى المدينة. انتهى.
وأما طريق شعبة، فساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٩٦)، فقال: (٣٠٢) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: حدثني أبو بردة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له أمةٌ، فأدّبها فأحسن أدبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، ورجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه، ثم أدرك النبيّ، فآمن به، وعبدٌ أدَّى حق الله، وحق مواليه"، فقال الشعبيّ للرجل: قُمْ، فقد كان يُرْحَل إلى المدينة فيما دون هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧٧) - (بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ -)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٦] (١٥٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ
стр. 2289
ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ، حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل بابين.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد المذكور أيضًا قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قريبًا.
٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المشهور المذكور قريبًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ المذكور قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه محمد بن رُمح، فتفرّد به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون، وقتيبة، وإن كان من بَغْلان، وهي قرية من قرى بلخ، إلا أنه دخل مصر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيِّبِ.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، على بعض الأقوال، كما أشار السيوطيّ ﵀ إلى الخلاف في ذلك في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى
والله تعالى أعلم.
стр. 2290
شرح الحديث:
(عَن) سعيد (بنِ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأولى كسر الياء المشدّدة؛ لأنه قول أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحه أهل الكوفة، ويُروى عن سعيد أنه كان يكره الفتح (أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه الحلف في الخبر؛ مبالغة في تأكيده، وقد سبق الكلام في إثبات اليد لله ، وبطلان تأويل من أوّله بالقدرة، فلا تنسَ (لَيُوشِكَنَّ) بفتح اللام؛ لأنها لام القسم، و"يوشكنّ" بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مِن أوشك، بمعنى قرُب، أي: لَيَقْرُبَنّ، أي: لا بُدّ من ذلك سَريعًا (أَنْ يَنْزِلَ) "أن" هي المصدريّة، ودخولها في خبر "أوشك" هو الغالب، كما قال في "الخلاصة":
وَأَلْزَمُوا "اخْلَوْلَقَ" "أَنْ" مِثْلَ "حَرَى" … وَبَعْدَ "أَوْشَكَ" انْتِفَا "أَنْ" نَزُرَا
(فِيكُمُ) أي: في هذه الأمة، وإن كان خطابًا لبعضها، ممن لا يُدرِك نزوله (ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ ) بالرفع على الفاعليّة لـ"ينزل"، أو على أنه اسم "ليوشكنّ" على الخلاف في ذلك، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(حَكَمًا مُقْسِطًا) منصوب على الحال من فاعل "ينزل"؛ أي: يَنزل حال كونه حاكمًا عادلًا بهذه الشريعة، لا ينزل نَبيًّا برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حُكّام هذه الأمة.
و"المقسط": العادل، يقال: أقسط يُقسط إقساطًا، فهو مُقْسِط: إذا عَدَلَ، ومنه قوله : ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومنه حديث: "إذا حكموا عَدَلوا، وإذا قَسَموا أقسطوا" (١).
والقِسْطُ بكسر القاف، وسكون السين: العدل، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]، أي: بالعدل، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال ابن قتيبة: وسُمّي الميزان القسط؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع
стр. 2291
العدل في القسمة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧].
وقال الفيّوميّ: وقَسَطَ يَقسِطُ قَسْطًا، بفتح القاف، من باب ضرب، وقُسُوطًا: فهو قاسط: إذا جار، وعدل، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع (١)، فمن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]، ومن المعنى الثاني، قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية.
وقال في "الفتح": معنى قوله: "حَكَمًا": أنه يَنزل حاكمًا بهذه الشريعة، فإن هذه الشريعة باقيةٌ لا تُنسخ، بل يكون عيسى حاكمًا من حُكّام هذه الأمة. انتهى.
وفي أحمد في "مسنده" من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁: "أقرؤوه من رسول الله ﷺ السلامَ"، وعنده من حديث عائشة ﵂: "ويمكث عيسى في الأرض أربعين سنةً"، وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل ﵁: "ينزل عيسى ابن مريم مُصَدِّقًا بمحمد ﷺ على ملته" (٢).
(فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) بنصب "يكسرَ" عطفًا على "يَنْزِلَ"، ويحتمل الرفع على الاستئناف، أي: فهو يكسر الصليب؛ أي: يُبطل أمره، ويُسقط حكمه، كما يقال: كَسَرَ حجته (٣)، وقال النوويّ ﵀: معناه: يكسره حقيقةً، ويبطل ما يزعمه النصارى من تعظيمه. انتهى.
قال القاضي عياضٌ ﵀: فيه دليلٌ على تغيير آلات الباطل وكسرها، ودليلٌ على تغيير ما نسبته النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شيء منه، وأنه يأتي ملتزمًا لشريعتنا. انتهى (٤).
(وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ) بالنصب أيضًا؛ ويحتمل الرفع، كما مرّ آنفًا، قال الفيّوميّ ﵀: هو: فِنْعِيلٌ، حيوانٌ خبيثٌ، ويقال: إنه حُرّم على لسان كلّ نبيّ، والجمع خنازير. انتهى (٥).
стр. 2292
وقال القاضي عياضٌ ﵀: فيه دليلٌ على قتلها إذا وُجدت ببلاد الكفر، أو بأيدي من أسلم من أهل الذمّة، وقيل: تسرح. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "فيكسرَ الصليب، ويقتل الخنزير"؛ أي: يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقةً، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله، وأنه نجس؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه.
ووقع للطبراني في "الأوسط" من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: "فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير والقِرْدَ"، زاد فيه: "القرد"، وإسناده لا بأس به، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير؛ لأن القرد ليس بنجس العين اتفاقًا. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: وقتل عيسى ﵇ للخنزير، وكسره الصليب يدلّ على أن شيئًا من ذلك لم يُسوِّغه لهم، وأن ذلك لا يُقرّ إذا تُمُكّن من تغييره وإزالته، وقيل: معنى قوله: "وَيكسر الصليب" أي: يُبطل أمره، ويكسر حكمه، كما يقال: كسر حجته. انتهى (٣).
(وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ) بالنصب أيضًا، ويحتمل الرفع، كما مرّ أيضًا، و"الجِزْية" بكسر الجيم، وسكون الزاي: ما يؤخذ من أهل الذمّة، جمع جِزًى، مثلُ سِدْرَة وسِدَر (٤)، وفي رواية البخاريّ: "ويَضَعَ الحربَ".
قال النوويّ ﵀: الصواب في معناه أنه لا يَقبلها، ولا يَقْبَل من الكفار إلا الإسلام، ومَن بذل منهم الجزية، لم يَكُفَّ عنه بها، بل لا يَقْبَل إلا الإسلام أو القتل، هكذا قاله الإمام أبو سليمان الخطابيّ وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى.
وحَكَى القاضي عياض ﵀ عن بعض العلماء معنى هذا، ثم قال: وقد يكون فيض المال هنا من وضع الجزية، وهو ضربها على جميع الكفرة، فإنه لا يقاتله أحدٌ، فتضعُ الحرب أوزارها، وانقياد جميع الناس له إما بالإسلام، وإما
стр. 2293
بإلقاء يد، فيَضَعَ عليه الجزية ويضربها. هكذا ذكر القاضي عياضٌ، وتعقّبه النوويّ، فقال: وليس بمقبول، والصواب ما قدمناه، وهو أنه لا يَقْبَل منه إلا الإسلام.
فعلى هذا قد يقال: هذا خلاف حكم الشرع اليوم، فإن الكتابيّ إذا بَذَل الجزية وجب قبولها، ولم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام.
وجوابه أن هذا الحكم ليس بمستمرّ إلى يوم القيامة، بل هو مقيّد بما قبل عيسى ﵇، وقد أخبرنا النبيّ ﷺ في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى ﵇ هو الناسخ، بل نبيّنا ﷺ هو المبين للنسخ، فإن عيسى ﵇ يحكم بشرعنا، فدَلَّ على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت، هو شرع نبيّنا محمد ﷺ . انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فيضع الجزيةَ" قيل: يُسقطها، فلا يقبلها من أحد، وذلك لكثرة الأموال؛ إذ تقيء الأرض أفلاذ كَبِدها، فلا يكون في أخذها منفعة للمسلمين، فلا يُقبَل من أحد إلا الإيمان، وقيل: يضربها على كلّ صنف من الكفّار؛ إذ قد أذعن الكلّ له، فإما بالإسلام، وإما بأن ألقوا بأيديهم، والتأويل الأولى أولى؛ لقوله بعد هذا: "ولتُتْرَكنّ القلاص، فلا يُسعى عليها"؛ أي: لا تُطلب زكاتها، كما جاء في الحديث الآخر، و"القلاص" جمع قَلُوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساء، والحَدَث من الرجال، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، أي: زُهد فيها، وتُركت، وإن كانت أحبّ الأموال إليهم الآن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقالى في "الفتح": المعنى أن الدين يصير واحدًا، فلا يبقى أحدٌ من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المالى يَكثُر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له، فتُترَك الجزية؛ استغناءً عنها.
وقال عياضٌ: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفّار من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك.
وتعقّبه النوويّ، وقال: الصواب أن عيسى لا يَقبَل إلا الإسلام.
стр. 2294
قال الحافظ: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁: "وتكون الدعوى واحدة".
قال النوويّ: ومعنى وضع عيسى ﵇ الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة، أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى ﵇؛ لِمَا دَلّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية، بل نبيّنا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله هذا.
وقال ابن بطال ﵀: وإنما قَبِلناها قبل نزول عيسى ﵇ للحاجة إلى المال، بخلاف زمن عيسى ﵇، فإنه لا يُحتاج فيه إلى المال، فإن المال في زمنه يَكُثر حتى لا يقبله أحد.
ويحتمل أن يقال: إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لِمَا في أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلُّقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى ﵇ زالت الشبهة بحصول معاينته، فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم، وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم، هكذا ذكره بعض مشايخنا احتمالًا، قاله في "الفتح" (١).
(وَيَفِيضَ الْمَالُ) بالنصب، ويحتمل الرفع، كما ذكرنا فيما سبق، وهو بفتح الياء، وكسر ثانيه، وبالضاد المعجمة؛ أي: يكثر، يقال: فاض السيل فيضًا، من باب باع: إذا كثُر، وسال من شَفَةِ الوادي، وأفاض بالألف لغة فيه، وفاض الإناء فيضًا: إذا امتلأ، وأفاضه صاحبه، وفاض الخير: إذا كثُر، وأفاضه الله: كثّره (٢).
والمعنى هنا: أنه يكثر المالُ، وتنزل البركات، وتكثر الخيرات بسبب العدل، وعدم التظالم، وتَقِيء الأرض أفلاذ كبدها، كما جاء في الحديث الآخر، وتَقِلُّ أيضًا الرَّغَبَات لِقِصَر الآمال، وعلمهم بقرب الساعة، فإن عيسى ﵇ عَلَمٌ من أعلام الساعة (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية [الزخرف: ٦١]، والله تعالى أعلم.
(حَتى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ") وفي رواية عطاء بن ميناء الآتية بعد هذا: "ولَيَدْعُوَنَّ
стр. 2295
إلى المال، فلا يقبله أحدٌ"، وسبب عدم القبول كثرته، وقلّة رغبات الناس إليه؛ لعلمهم بقرب الساعة، كما قرّرناه آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٧٧/ ٣٩٦ و ٣٩٧ و ٣٩٨ و ٣٩٩ و ٤٠٠ و ٤٠١] (١٥٥)، و (البخاريّ) في "البيوع" (٢٢٢٢)، و"المظالم" (٢٤٧٦)، و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٤٨)، و (الترمذيّ) في "الفِتَن" (٢٢٣٣)، و (ابن ماجه) في "الفِتَن" (٤٠٧٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٨٤٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ١٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ - ٤٩٣ - ٤٩٤ - ٥٣٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٩٧)، و (أبو القاسم البغويّ) في "الجَعْديّات" (٢٩٧٣)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٤٠٧ و ٤٠٨ و ٤٠٩ و ٤١٠ و ٤١١ و ٤١٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٨١٦ و ٦٨١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣٠٩ و ٣١٠ و ٣١١ و ٣١٢ و ٣١٣ و ٣١٤ و ٣١٥ و ٣١٦)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٣٨٨ و ٣٨٩ و ٣٩٠ و ٣٩١ و ٣٩٢ و ٣٩٣ و ٣٩٤ و ٣٩٥)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٠٣ و ١٠٤ و ٤٠٥)، و (الآجرّيّ) في "الشريعة" (ص ٣٨٠ - ٣٨١)، و (أبو محمد البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٢٧٥ و ٤٢٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائد أحاديث الباب (١):
١ - (منها): بيان نزول عيسى ابن مريم ﵇ عند قرب الساعة.
٢ - (ومنها): أن نزوله من علامات الساعة.
٣ - (ومنها): أنه سينشر العدل بين الأمة، ويرفع الظلم.
стр. 2296
٤ - (ومنها): أنه سيُبطل اليهوديّة والنصرانيّة بكسر الصليب، وقتل الخنزير.
٥ - (ومنها): أنه سيبطل الجزية، على ما هو الراجح في معنى "ويضع الجزية"، فلا يقبل من أحد من الكفّار إلا الإسلام فقط، وهذا هو الذي يدلّ عليه حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد: "وتكون الدعوى واحدة"، كما سبق بيانه.
٦ - (ومنها): بيان أن عيسى ﵇ سينزل على أنه فرد من أمة نبيّنا ﷺ ، فإنه لا يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي حاكمًا بهذه الشريعة المباركة، بالقرآن والسنّة، وهذا معنى قوله: "وإمامكم منكم"، كما سيأتي.
٧ - (ومنها): أن عيسى ﵇ سيصلّي مأمومًا خلف رجل من هذه الأمة.
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ وغيره: أن فيه دليلًا على تغيير المنكرات، وآلات الباطل، وقتلُ الخنزير من هذا القبيل، وفيه دليل للمختار من مذهب الجمهور أنا إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر، أو غيرها، وتَمَكّنا من قتله قتلناه، وإبطالٌ لقول مَن شَذَّ من العلماء، فقال: يُترَك إذا لم يكن فيه ضَرَاوة. انتهى (١).
٩ - (ومنها): أن من كسر صليبًا، أو نحوه من آلات الباطل لا يَضْمَن؛ لأنه فَعَلَ مأمورًا به؛ إذ أخبر النبيّ ﷺ بأن عيسى ﵇ سيفعله، وهو مقرّر لشريعة النبيّ ﷺ ، وهذا إذا لم تُقَرَّ عليه النصارى.
١٠ - (ومنها): أن في قتل عيسى ﵇ للخنزير توبيخًا عظيمًا للنصارى الذين يدّعون أنهم على طريقته، ثم يستحلّون أكل الخنزير، ويبالغون في محبّته.
١١ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، مبالغةً في تأكيد الخبر.
١٢ - (ومنها): كثرة المال وفيضانه في آخر الزمان، وزهد الناس فيه، فيُهملون النفيس منه، وذلك لكثرته، وعدم الحاجة إليه؛ إذ تنزل البركات، وتتوالى الخيرات، وتُخرج الأرض أفلاذ كَبِدها، وتقلّ رغبات الناس في اقتناء المال؛ لعلمهم بقرب الساعة.
стр. 2297
١٣ - (ومنها): أن الناس سيتقرّبون إلى الله تعالى، ويتوجّهون إلى عبادته، ويحرصون عليها، حتى تكون السجدة الواحدة أحبّ إليهم من الدنيا وما فيها.
١٤ - (ومنها): أن العداوة، والبغضاء، والشحناء، والتحاسد ستزول؛ لاشتغال الناس بأمر الآخرة، وإعراضهم عن شهوات الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف النحاة في إعراب قوله ﷺ : "ليُوشكنّ أن يَنْزِل فيكم ابن مريم ﵇":
(اعلم): أنه اختلاف في هذا الإعراب على قولين:
وحاصل المسألة أن "أوشك" تُستعمل ناقصةً، وتامّةً، ومثلها "عسى"، و"اخلولق"، فأما كونها ناقصةً، "فكقولك": أوشك زيد أن يقوم؛ فـ"زيد" اسمها، و"أن يقوم" خبرها، وأما التامّة، فهي المسندة إلى "أَنْ" والفعل، نحو: أوشك أن يقوم؛ فـ"أن يقوم" في تأويل المصدر فاعل "أوشك"، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
بَعْدَ "عَسَى" "اخْلَوْلَقَ" "أَوْشَكْ" قَدْ يَرِدْ … غِنًى بِـ"أَنْ يَفْعَلَ" عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
هذا إذا لم يَلِ الفعلَ الذي بعد "أن" اسمٌ ظاهرٌ يصحّ رفعه به، فإن وَليَهُ، كهذا الحديث، وكقولك: عسى أن يقوم زيد؛ فذهب الأستاذ أبو عليّ الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعًا بالفعل الذي بعد "أن"، فـ"أن" وما بعدها فاعل لـ"أوشك"، وهي تامّة، ولا خبر لها، وذهب المبرِّد، والسِّيرافيّ، والفارسيّ إلى تجويز ما ذكره الشلُوبينُ، وتجويز وجه آخر، وهو أن يكون ما بعد الفعل الذي بعد "أن" مرفوعًا بـ"أوشك"، اسمًا لها، و"أن" والفحل في موضع نصبٍ بـ"أوشك"، وتقدَّم على الاسم، والفعلُ الذي بعد "أن" فاعله ضمير يعود على فاعل "أوشك"، وجاز عوده عليه، وإن تأخّر؛ لأنه مقدّمٌ رتبةً.
وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية، والجمع، والتأنيث، فتقول على مذهب غير الشلُوبين: عسى أن يقوما الزيدان، وعسى أن يقوموا الزيدون، وعسى أن يقمن الهندات، فتأتي بضميرٍ في الفعل؛ لأن الظاهر ليس مرفوعًا به، بل هو مرفوعٌ بـ"عسى".
стр. 2298
وعلى رأي الشلوبين يجب أن تقول: عسى أن يقوم الزيدان، وعسى أن يقوم الزيدون، وعسى أن تقوم الهندات، فلا تأتي في الفعل بضميرٍ؛ لأنه رفع الظاهر الذي بعده (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء ﵈، الرّدُّ على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فَبَيَّن الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنُوّ أجله؛ لِيُدْفَن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا الله لَمّا رأى صفة محمد ﷺ وأمته، أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى يَنْزِل في آخر الزمان، مُجَدِّدًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أَوْجَهُ.
ورَوَى مسلم في "صحيحه" من حديث ابن عمر ﵄ في مدة إقامة عيسى ﵇ بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين، ورَوَى نعيم بن حماد في "كتاب الفتن" من حديث ابن عباس ﵄ أن عيسى ﵇ إذ ذاك يتزوج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه مبهم، عن أبي هريرة ﵁ يقيم بها أربعين سنة.
ورَوَى أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، من طريق عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة ﵁ مثله مرفوعًا، وفي هذا الحديث: "يَنْزِل عيسى عليه ثوبان مُمَصَّران، فَيَدُق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويُهْلِك الله في زمانه الملل كلها، إلا الإسلام، وتقع الأَمَنَةُ في الأرض، حتى تَرْتَعَ الأسود مع الإبل، وتَلْعَب الصبيان بالحيات"، وقال في آخره: "ثم يُتَوَفَّى، فيُصلّي عليه المسلمون".
ورَوَى أحمد، ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلميّ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم بِفَجِّ الرَّوْحَاء حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنِيَنّهما".
وفي رواية لأحمد من طريق حنظلة أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب،
стр. 2299
وتُجمع له الصَّلاة، ويعطي المال حتى لا يُقبَل، ويَضع الخراج، وينزل الرَّوْحاء، فيحجُّ منها، أو يعتمر، أو يجمعهما"، قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩]، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري. هذا كله حديث النبيّ ﷺ ، أو شيء قاله أبو هريرة (١).
(المسألة السادسة): اختُلف في موت عيسى ﵇ قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ الآية [آل عمران: ٥٥]، فقيل: على ظاهره، وعلى هذا، فإذا نزل إلى الأرض، ومضت المدة المقدَّرة له، يموت ثانيًا، وقيل: معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ من الأرض، فعلى هذا لا يموت إلا في آخر الزمان (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول الأخير هو الأرجح عندي، كما رجَّحه الإمام أبو جعفر الطبريّ ﵀ في "تفسيره" بعد حكاية الأقوال المذكورة في الآية، حيث قال: قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحّة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إليّ؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدّة ذكرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت، فيُصلّي عليه المسلمون، ويَدفنونه. انتهى المقصود من كلام ابن جرير ﵀ (٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ والله، تعالى أعلم.
[تنبيه]: واختُلِف أيضًا في عمره حين رُفِع فقيل: ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: مائة وعشرين، ذكره في "الفتح" (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 2300
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، (ح) وَحَدَّثَنِيهِ (١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: "إِمَامًا مُقْسِطًا، وَحَكَمًا عَدْلًا"، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: "حَكَمًا عَادِلًا"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "إِمَامًا مُقْسِطًا"، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: "حَكَمًا مُقْسِطًا"، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ، وَفِي حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَحَتَّى (٢) تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر، كلهم تقدّموا قريبًا، غير:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنِّرْسيّ - بفتح النون، وسكون الراء، وبالمهملة - ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد ابن شهاب الزهريّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: "إِمَامًا مُقْسِطًا، وَحَكَمًا عَدْلًا") يعني: أن لفظ رواية سفيان بن عيينة: "إِمَامًا مُقْسِطًا، وَحَكَمًا عَدْلًا" بدل قول الليث: "حكمًا مُقسطًا".
وقوله: (وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) أي: أنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله إلا بالعبادة، لا بالتصدق بالمال، وقيل: معناه أن الناس يرغبون عن الدنيا، حتى تكون السجدة الواحدة أحبَّ إليهم من الدنيا وما
стр. 2301
فيها، وقد رَوَى ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، بهذا الإسناد، في هذا الحديث: "حتى تكون السجدة واحدةً لله رب العالمين" (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" معناه - والله أعلم -: أن الناس تكثر رغبتهم في الصلاة، وسائر الطاعات؛ لقصر آمالهم، وعلمهم بقرب القيامة، وقلّة رغبتهم في الدنيا؛ لعدم الحاجة إليها، وهذا هو الظاهر من معنى الحديث، وقال القاضي عياض ﵀: معناه أن أجرها خير لمصلّيها من صدقته بالدنيا، وما فيها؛ لفيض المال حينئذ، وهوانه، وقلة الشُّحّ، وقلة الحاجة إليه للنفقة في الجهاد، قال: والسجدة هي السجدة بعينها، أو تكون عبارة عن الصلاة، والله أعلم. انتهى (٢).
وقوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]).
قال في "الفتح": قوله: "ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، هو موصول بالإسناد المذكور، قال ابن الجوزي ﵀: إنما تلا أبو هريرة ﵁ هذه الآية، للإشارة إلى مناسبتها لقوله: "حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، فإنه يشير بذلك إلى صلاح الناس، وشدة إيمانهم، وإقبالهم على الخير، فهم لذلك يؤثرون الركعة الواحدة على جميع الدنيا، والسجدة تُطلق، ويراد بها الركعة.
وقال القرطبيّ: معنى الحديث: أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة؛ لكثرة المال إذ ذاك، وعدم الانتفاع به، حتى لا يقبله أحد، وأهل الحجاز يسمّون الركعة سجدة. انتهى (٣).
وقوله في الآية: ﴿وَإِنْ﴾ بمعنى "ما"، أي: لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة ﵁ إلى أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾، وكذلك في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود على عيسى ﵇، أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى،
стр. 2302
وبهذا جزم ابن عباس ﵄، فيما رواه ابن جرير، من طريق سعيد بن جبير عنه، بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء، عن الحسن، قال: قبل موت عيسى، واللهِ إنه الآن لَحَيٌّ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل العلم، ورجحه ابن جرير وغيره.
ونَقَلَ أهل التفسير في ذلك أقوالًا أُخَرَ، وأن الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ يعود لله تعالى، أو لمحمد ﷺ ، وفي ﴿مَوْتِهِ﴾ يعود على الكتابيّ على القولين، وقيل: على عيسى ﵇.
وروى ابن جرير من طريق عكرمة، عن ابن عباس: لا يموت يهوديّ، ولا نصرانيّ حتى يؤمن بعيسى، فقال له عكرمة: أرأيت إن خَرّ من بيت، أو احترق، أو أكله السبع، قال: لا يموت حتى يُحَرِّك شفتيه بالإيمان بعيسى، وفي إسناده خُصَيف، وفيه ضعفٌ.
ورَجَّحَ جماعة هذا المذهب بقراءة أُبَيّ بن كعب ﵁: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي: أهل الكتاب.
وقال النوويّ ﵀: فيه دلالة ظاهرة على أن مذهب أبي هريرة ﵁ في الآية، أن الضمير في ﴿مَوْتِهِ﴾ يعود على عيسى ﵇ ومعناها: وما من أهل الكتاب يكون في زمن عيسى ﵇ إلا من آمن به، وعلم أنه عبد الله، وابن أمَتِه، وهذا مذهب جماعة من المفسرين، وذهب كثيرون، أو الأكثرون إلى أن الضمير يعود على الكتابيّ، ومعناها: وما من أهل الكتاب أحدٌ يحضره الموت إلا آمن عند الموت قبل خروج روحه بعيسى ﵇ وأنه عبد الله، وابن أمَتِه، ولكن لا ينفعه هذا الإيمان؛ لأنه في حضرة الموت، وحالة النزع، وتلك الحالة لا حُكْم لما يُفْعَل، أو يقال فيها، فلا يصح فيها إسلام، ولا كفر، ولا وصيةٌ، ولا بيعٌ، ولا عتقٌ، ولا غير ذلك من الأقوال؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]، قال: وهذا المذهب أظهر، فإن الأول يَخُصّ الكتابيّ، وظاهر القرآن عمومه لكل كتابيّ في زمن عيسى، وقبل نزوله، ويؤيد هذا قراءةُ مَن قرأ: (قبل موتهم).
стр. 2303
وقيل: إن الهاء في ﴿بِهِ﴾ يعود على نبيّنا محمد ﷺ ، والهاء في ﴿مَوْتِهِ﴾ تعود على الكتابيّ، والله أعلم. انتهى (١).
وقال الإمام ابن جرير ﵀ بعد ذكر الأقوال في هذا: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇.
قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام ابن جرير هذا، ما نصّه: ولا شكّ أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى ﵇ وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجَهَلة ذلك، فأخبر الله تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشَّبَه، وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مَسِيح الضلالة، ويَكْسِر الصليب، ويقتل الخنزير، ويَضَع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد، من أهل الأديان، بل لا يَقبل إلا الإسلام، أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة، أنه يؤمن به جميعُ أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلَّف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، أي: قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود، ومن وافقهم من النصارى، أنه قُتِل، وصُلِب، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأما من فَسَّر هذه الآية بأن المعنى أن كُلَّ كتابيّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى، أو بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - فهذا هو الواقع، وذلك أن كُلَّ أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له، إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الآيتين [غافر: ٨٤ - ٨٥].
стр. 2304
وهذا يدل على ضَعْف ما احتجّ به ابن جرير في ردّ هذا القول، حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كلُّ من آمن بمحمد ﷺ ، أو بالمسيح ﵇، ممن كَفَر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أَخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته.
فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه، أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى قول ابن عباس: ولو تَرَدَّى من شاهق، أو ضُرِب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أنه يؤمن بعيسى؟ فالإيمان به في مثل هذه الحال ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره؛ لِمَا قدمناه، والله أعلم.
ومن تأمل هذا جَيّدًا، وأمعن النظر اتَّضَحَ له أن هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه، من تقرير وجود عيسى ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ لِيُكَذِّب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى، الذين تباينت أقوالهم فيه، وتصادمت، وتعاكست، وتناقضت، وخَلَت عن الحقّ، ففَرَّطَ هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تَنَقَّصَهُ اليهودُ بما رموه به وأمه، من العظائم، وأطراه النصارى، بحيث ادَّعَوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عما يقول هؤلاء وهؤلاء عُلُوًّا كبيرًا وتنزه، وتقدَّس، لا إله إلا هو. انتهى كلام ابن كثير ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: طريق ابن عيينة التي أحالها المصنّف ﵀ هنا ساقها الحافظ أبو نُعيم في "مستخرجه" (١/ ٢١٩)، فقال:
(٣٩٠) حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، (ح) حدثنا فاروق بن عبد الكبير، نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا إبراهيم بن بشار، (ح) وحدثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد الأعلى بن حماد النَّرْسيّ، قالوا: أنا سفيان بن عيينة، نا الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكمًا، وإمامًا مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحدٌ"، لفظ الحميديّ.
стр. 2305
وأخرجها الإمام ابن ماجه ﵀ أيضًا في "سننه"، فقال:
(٤٠٦٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم، حكمًا مقسطًا، وإمامًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". وطريق صالح أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٣٤٤٨) حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيِّب، سمع أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكمًا عدلًا، فيكسرَ الصليب، ويقتل الخنزيرَ ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحدٌ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩].
وأما طريق يُونُسَ، فلم أجدها إلا عند المصنّف، وأبي نُعيم في "مستخرجه" ١/ ٢١٩ (٣٨٩) بالإحالة كإحالة المصنّف، وكذا عند ابن منده في "الإيمان" ١/ ٥١٤ (٤١١) بالإحالة أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ، حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ، فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ، وَالتَّبَاغُضُ، وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَال، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ المدنيّ، تقدّم قبل بابين.
стр. 2306
٢ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، بعدها ياء مثناة، من تحتُ ساكنةٌ، ثم نون، ثم ألف ممدودة، هذا هو المشهور، وقال صاحب "المطالع": يُمَدُّ، ويُقْصَرُ - المدنيّ، وقيل: البصريّ، مولى ابن أبي ذُبَاب الدَّوْسيّ، قيل: يُكنى أبا معاذ، صدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه سعيد المقبريّ، وعمرو بن دينار، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وأبو معاذ الخراسانيّ.
قال ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن مِيناء، وزعم أنه كان من أصلح الناس، وقال ابن عيينة: عطاء بن مِيناء من المعروفين، من أصحاب أبي هريرة، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (١٥٥)، وحديث (٥٧٨): "سجدنا مع النبيّ ﷺ في إذا السماء انشقّت … "، و (١٥١١): "نهى عن بيعتين: الملامسة، والمنابذة … "، و (٢٦٧٩): "لا يقولنّ أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت … "، و (٢٧٥١): "لَمّا قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه … ".
وله عند البخاريّ حديث واحد: "نهى عن صيامين، وبيعتين … "، وعند أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه حديث في سجود التلاوة. انتهى (١).
والباقون تقدّموا أول الباب.
وقوله: (وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ) ببناء الفعل للمفعول، و"القلاص" بكسر القاف: جمع قَلُوص بفتح، فضمّ، وهي من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابّة، والحَدَثِ من الرجال، ويُجمع أيضًا على قُلُص بضمّتين، وقلائص (٢).
ومعنى تركها: أن يُزهَد فيها، ولا يُرغَب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة، وإنما ذُكِرت القلاص؛
стр. 2307
لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله : ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤].
وقوله: (فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا) بالبناء للمفعول أيضًا: أي: لا يُعْتَنَى بها؛ أي: يتساهل أهلها فيها، ولا يعتنون بها، هذا هو الظاهر.
وقال القاضي عياض، وصاحب "المطالع" - رحمهما الله تعالى -: معنى "لا يُسْعَى عليها"؛ أي: لا تُطْلَب زكاتها؛ إذ لا يوجد مَن يقبلها، قال النوويّ ﵀: وهذا تأويل باطلٌ من وجوه كثيرة، تُفْهَم من هذا الحديث وغيره، بل الصواب ما قَدَّمناه، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقال المظهر: معنى "ولَتُتْرَكنّ القلاص" يعني: لَيَتركنّ عيسى ﵇ إبل الصدقة، ولا يأمر أحدًا أن يسعى عليها، ويأخذها؛ لأنه لا يجد من يقبلها؛ لاستغناء الناس، والمراد بالسعي العمل. انتهى.
وقال الطيبيّ: ويجوز أن يكون ذلك كناية عن ترك التجارات، والضرب في الأرض لطلب المال، وتحصيل ما يُحتاج إليه؛ لاستغنائهم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: المعنى الأخير هو الصواب، كما سبق عن النوويّ ﵀؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ) هي العداوة، والتشاحن تفاعلٌ منه، قال التوربشتيّ ﵀: إنما تذهب الشحناء والتباغض، والتحاسد يومئذ؛ لأن جميع الخلق يكونون على ملّة واحدة، وهي الإسلام، وأعلى أسباب التباغض، وأكثرها هو اختلاف الأديان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أي مع زهدهم في الدنيا، وقلّة رغبتهم فيها بسبب قرب الساعة، فإن أكثر العداوة إنما هو التشاحّ في الدنيا، والتنافس فيها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَالتَّبَاغُضُ) بمعنى العداوة أيضًا.
وقوله: (وَالتَّحَاسُدُ) أي: حسد بعضهم بعضًا، وهو أن يتمنّى زوال نعمة الله عن أخيه المسلم، وهو حرام، وأما الغِبطة، فهي أن يتمنّى مثل حال
стр. 2308
أخيه، من غير أن تزول عنه، قال القرطبيّ: وهو التنافس أيضًا. انتهى (١).
وهو حسن إذا كان في الأمور الدينيّة، فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسلّط على هَلَكَته في الحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها".
فالمراد بالحسد هنا هو الغِبطة، والله تعالى أعلم.
(وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ) بضمّ العين، وفتح الواو، وتشديد النون، والفاعل ضمير ابن مريم ﵇، يعني: أن عيسى ﵇ يدعو الناس إلى المال، ليأخذوه.
[تنبيه]: ضبط "وليَدعُونّ" بما ذكر هو الذي ذكره النوويّ، ووقع في هامش بعض النسخ: "ولَيُدْعَوُنّ إلى المال" بالبناء للمفعول، فإن صحّ، فيكون نائب فاعله ضميرًا يعود إلى مقدّر، أي: وليُدعَى الناسُ … إلخ، والله تعالى أعلم.
(فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ) لما قدّمناه من كثرة المال، وقِصَر الآمال، وعدم الحاجة، وقلّة الرغبة؛ للعلم بقرب الساعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٩] ( … ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَاَرِيّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُوَل اللهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدّموا قبل حديث، غير:
١ - (نَافِعٍ، مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ) هو: نافع بن عباس - بموحّدة، ومهملة - ويقال: ابن عَيّاش - بتحتانيّة، ومعجمة - الأقرع، أبو محمد، مولى
стр. 2309
أبي قتادة، قيل له ذلك: للزومه إياه، ويقال: مولى عَقِيلة الغفارية، ويقال: إنهما اثنان، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي قتادة، وأبي هريرة.
ورَوى عنه سالم، أبو النضر، وعُمر بن كثير بن فُليح، وأُسيد بن أَبي أسيد البراد، وصالح بن كيسان، والزهريّ.
قال النسائيّ: نافع مولى أبي قتادة، ثقة، وقال ابن حبان في "الثقات": نافع مولى عَقِيلة بنت طَلْق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نُسِب إليه، ولم يكن مولاه.
قال الحافظ: يؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مُغَفَّل بن إبراهيم، سمعت رجلًا يقال له: مولى أبي قتادة، ولم يكن مولاه، يُحَدِّث عن أبي قتادة، فدكر حديث الحمار الوحشي، وفي رواية ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي سلمة، أن نافعًا الأقرع، مولى بني غِفَار حَدَّثه، أن أبا قتادة حدثه … فذكر هذا الحديث، وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان قليل الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: معروف.
أخرج له الجماعة (١)، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (١٥٥) وأعاده بعده مرتين، وحديث (١١٩٦): "هو حلال، فكلوه"، وأعاده بعده، و (١٧٥١): "من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه … ".
ويونس: هو ابن يزيد الأيليّ.
وقوله: (كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟) يعني: أن الإمام الذي يصلي بالناس وقت نزول عيسى ﵇ من هذه الأمة، وهو المهديّ، وقال أبو ذر الهرويّ: حدثنا الجَوْزقيّ، عن بعض المتقدمين، قال: معنى قوله: "وإمامكم منكم"؛ يعني: أنه يَحكم بالقرآن، لا بالإنجيل، وقال
стр. 2310
ابن التين: معنى قوله: "وإمامكم منكم" أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفةً من أهل العلم.
قال الحافظ: وهذا والذي قبله لا يبيّن كون عيسى، إذا نزل يكون إمامًا أو مأمومًا، وعلى تقدير أن يكون عيسى إمامًا، فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة من هذه الأمة.
قال الجامع عفا الله عنه: كون عيسى ﵇ مأمومًا هو الصواب؛ لما بُيّن في الروايات الأخرى، كما سيأتي، ولا ينافي هذا ما سيأتي من تفسير ابن أبي ذئب له بان معناه: فأمّكم بكتاب ربّكم؛ لأن المراد أن عيسى ﵇ يحكم بين الناس بالقرآن، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ: المعنى: يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم، ويَعْكُر عليه قوله في حديث جابر الآتي بلفظ: "فيقول أميرهم: تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراءُ؛ تكرمةً لهذه الأمة".
فالأولى حمل إمامته على أن الإمامة السياسة، والحكم بما في القرآن، وسنّة نبيّنا ﷺ .
ويحتمل أن تكون الصلاة التي لا يتقدّم فيها عيسى عليه السلامي صلاة الصبح التي نزل فيها، كما تبيّنه رواية ابن ماجه، بلفظ: "فبينما إمامهم قد تقدَّم، يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبحَ، فرجع ذلك الإمام يَنكُص، يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى، يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم، فصلّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم … ".
فظاهر هذه الرواية يدلّ على أن امتناع عيسى ﵇ في تلك الصلاة التي أُقيمت لذلك الإمام خاصّة، فأما سائر الصلوات التي بعد ذلك يمكن أن يصلّي فيها عيسى ﵇ إمامًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ
стр. 2311
الْأَنْصَارِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَأَمَّكُمْ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ، فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوق له أوهام [٦] (ت ١٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وأمَّكم) وفي نسخة: "فأمكم" بالفاء؛ أي: قادكم بشريعة محمد ﷺ ، ويحتمل أن يكون المعنى: صلى بكم إمامًا، والأول أولى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ، إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ "، فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ"، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا "أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ " قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ).
стр. 2312
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) القائل هو الوليد بن مسلم.
وقوله: (إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدَّثنَا) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الإمام الفقيه الحجة المشهور المتوفّى سنة (١٥٧ هـ)، تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
وقوله: (تَدْرِي مَا "أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ ") بتقدير أداة الاستفهام؛ أي أتدري، أي: هل تعلم ما معنى قوله: "أمّكم منكم؟ ".
وقوله: (فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ) يعني: قادكم، وساسكم بكتاب الله العظيم، وسنّة نبيّه الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ المشار إليها هنا، أخرجها الحافظ ابن منده في "الإيمان" (١/ ٥١٥)، فقال:
(٤١٣) أنبأ خيثمة بن سليمان، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، (ح) وأنبأ الحسن بن مروان، ثنا إبراهيم بن أبي سفيان، ثنا محمد بن يوسف الفريابيّ، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر، ثنا بشر بن بكر، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ، قال: أخبرني الزهريّ، عن نافع، مولى أبي قتادة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابنُ مريم، وإمامكم منكم؟ ". انتهى.
ثم قال: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب.
стр. 2313
انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٠٢] (١٥٦) - (حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" - قَالَ -: "فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ، صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ الكِنْديّ، أبو هَمّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ (٢) [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، وابن أبي زائدة، والوليد بن مسلم، وبَقِيَّة، وحجَّاج بن محمد، وابن وهب، وعلي بن مُسْهِر، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وأبوه أبو بدر، وإبراهيم الحربيّ، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، وعمران بن إبراهيم أبو الآذان الحافظ، وأبو بكر بن أبي خيثمة، والقاسم بن زكريا، وغيرهم.
قال أحمد بن محمد بن صدقة: سمعت أحمد يُسأل عنه، فقال: اكتبوا عنه، وقال ابن مُحْرِز: سألت ابن معين عنه، فقال: لا بأس به، ليس هو ممن يَكْذِب، وقال الغلابيّ: سمعت ابن معين يقول: عند أبي هَمّام ستة آلاف حديث عن الثقات، وما سمعته يقول فيه سُوءًا قطّ، وكان يقول: ليس له
стр. 2314
بَخْتٌ (١)، وقال العجليّ: رأيته يأخذ الحديث أخذًا رديئًا، وقال صالح جَزَرَة: تكلموا فيه، سئل عنه ابنُ معين، فقال: ليس له بَخْتٌ مثل أبيه، وقال أبو حاتم: شيخٌ صدوقٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحتَجّ به، وهو أحب إلي من أبي هشام الرِّفَاعيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الإسماعيليّ: تكلم فيه أحمد بن حنبل لَمّا رَوَى عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، وقال البَرْقانيّ: فقلت للإسماعيليّ: لِمَ تَكَلَّم فيه؟ قال: لأنه قال: هذا الحديثُ لم يروه عن ابن وهب إلا الكبار، وقال أبو عليّ النحويّ: سألت أبا كريب عن أبي هَمّام، فقال: ما له؟ قلت: يُحَدِّث عن ابن المبارك وغيره، قال: هو أقدم سماعًا مني، كان يَمُرُّ بنا، ونحن نلعب، وهو يكتب الحديث، وما جئت إلى مُحدِّث بالكوفة إلا قال: ما زال يَختلف السَّكُوني إليّ، ما أخرجوا إلي كتابًا إلا وفيه فرَغ أبو همام، فرغ أبو همام، وأما يحيى بن حمزة، فإنني جئت إلى دمشق، فسألت عن أبي هَمّام، فقالوا: قد كان ههنا مقيمًا، وسمع من يحيى بن حمزة، وخرج، قلت: فابن وهب؟ قال: أما حديث ابن وهب، فإنه خَرَجَ من عندنا إلى مصر حتى نسيناه، ثم قَدِمَ، وجَعَل يذكر من فضائله، وقال العجليّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به.
قال البخاريّ: مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وفيها أَرّخه غير واحد، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة تسع وثلاثين، والأول أصح.
رَوَى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب تسعة (٢) أحاديث، فقط، هذا (١٥٦)، وحديث (٩٤٨): "ما من رجل
стр. 2315
مسلم يموت، فيقوم على جنازته … "، و (٩٨١): "فيما سقت الأنهار والغيم … "، و (١٦٨٤): "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار، فصاعدًا"، و (١٩١٦): "الطاعون شهادة لكلّ مسلم"، و (١٩٢٩): "إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله … "، و (٢٠٦٥): "الذي يشرب في آنية الفضّة … "، و (٢٣٠٥): "ألا إني فَرَطٌ لكم على الحوض … "، و (٢٤٥٩): "قيل لي: أنت منهم".
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجَّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجَّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٤ - (حَجَّاجٌ بْنُ مُحَمَّدٍ) المصّيصيّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المِصيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره، لَمّا قَدِمَ بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ مات بعد السبعين، وهو (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ، قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيوخه الثلاثة، فالوليد لم يروِ عنه البخاريّ، والنسائيّ، وهارون لم يروِ عنه البخاريّ، وحجَّاج تفرّد به هو وأبو داود فقط، كما أسلفناه آنفًا.
٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.