الموقف، فإنه لَمّا أُمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شَرَع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى: "فيؤذن له، وتُرسَل الأمانة والرحِمُ، فيقومان جنبتي الصراط"، هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد، عن أنس ﵁، فإنه ذكر فيه عقب استشفاعه لأهل الموقف أنه أُجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامّة التي طَلَب منه أهل الموقف، وكأنه هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة، فذكرت شفاعته لأمته؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طُلبت من أنس ﵁ أن يُحدّث بها في ذلك الوقت، وهي التي أنكرها أهل البدع، والله تعالى أعلم (١).
(مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ) يعني به - والله أعلم - السبعين الذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوكّلون، قاله القرطبيّ (مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَن، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) هو الباب الذي يكون عن يمين القاصد إلى الجنّة بعد جواز الصراط، واختير؛ لكونه أفضل الأبواب، والله تعالى أعلم (وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ) قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يعود هذا الضمير إلى السبعين الذين لا حساب عليهم، وهو الظاهر، ويكون معناه: أنهم لا يُلْجأون إلى الدخول من الباب الأيمن، بل من أيّ باب شاؤوا دخلوا، كما جاء في حديث أبي بكر ﵁ حيث قال: "هل يُدْعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" متّفقٌ عليه، وكما قال ﷺ فيمن أسبغ الوضوء، وهلّل بعده: "أدخله الله من أيّ أبواب الجنّة الثمانية شاء"، رواه مسلم.
ويَحْتَمِلُ أن يعود على الأمة، وفيه بُعْدٌ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ) بكسر الميم: جانبا الباب (مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّة، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ) - بفتح الهاء والجيم -: مدينة عظيمة، هي قاعدة بلاد البحرين، قال الجوهريّ في "صحاحه": هَجَر اسم بلد مُذَكَّر مصروف، قال: والنسبة إليه هاجريّ، وقال أبو القاسم الزجاجيّ في "الْجُمَل": هَجَر يُذَكَّر ويؤنث.
стр. 3012
وقال النوويّ: هجر هذه غير هجر المذكورة في حديث: "إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر"، تلك قرية من قُرَى المدينة، كانت القلال تُصْنَع بها، معروفةٌ، وقد أوضحتها في أول "شرح المهذّب". انتهى.
(أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى) - بضم الباء - وهي مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، وهي مدينة حُوران، وبينها وبين مكة شهر، قاله النوويّ (١)، وهي غير البصرة المعروفة بالعراق، وقد تقدّم أنها مثلّثة الباء، والغرض من التمثيل بهذا المبالغة في سعة باب الجنّة، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون شكًّا من بعض الرواة، وَيحْتَمِلُ أن يكون تنويعًا، كأنه ﷺ قال: إذا رأى ما بينهما قدّره راءٍ بكذا، وقدّره آخر بكذا، ويصحّ أن يقال: سَلَكَ بها مسلك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب كونه للشكّ، ويردّ الاحتمال الثاني ما يأتي في رواية عُمارة بن القعقاع بلفظ: "لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟ "، فإنه صريحٌ في الشكّ، وقد وقع عند ابن منده بلفظ: "كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى، لا أدري أيهما قال؟ "، فدلّ على أن "أو" للشكّ من غير شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨٧ و ٤٨٨] (١٩٤)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٤٠ و ٣٣٦١)، و"التفسير" (٤٧١٢)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٤٣٤)، و"الأطعمة" (١٨٣٧)، و (النسائيّ) في "الوليمة" من "الكبرى" (٦٦٦٠)، و"التفسير" (١١٢٨٦)، و (ابن ماجه) في "الأطعمة" (٣٣٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣١ و ٤٣٥)، و (أبو عوانة) في
стр. 3013
"مسنده" (٤٣٧ و ٤٣٨ و ٤٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٨٣ و ٤٨٤)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٧٩ و ٨٨٠ و ٨٨١ و ٨٨٢)، وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أنس ﵁ الطويل، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَصْعَةٌ مِنْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَنَاوَلَ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْه، فَنَهَسَ نَهْسَةً (١)، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، ثُمَّ نَهَسَ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ لَا يَسْأَلُونَهُ، قَالَ: أَلا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللْهِ؟ قَالَ: يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: فَقَالَ: وَذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقَوْله لِآلِهَتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقَوْله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَاب، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خَيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
стр. 3014
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَصْعَةٌ) - بفتح القاف، وسكون الصاد المهملة -: هي الصّحْفَة، وزنًا ومعنًى، جمعها قَصَعَات محرَّكةً وكَعِنَب، وجِبَال، قاله المجد ﵀ (١).
وقوله: (مِنْ ثَرِيدٍ) بالفتح، قال الفيَّوميّ ﵀: فَعِيلٌ بمعنى: مفعول، ويقال أيضًا: مَثْرُودٌ، يقال: ثَرَدتُ الْخُبزَ ثَرْدًا، من باب قتل، وهو أن تَفُتّه، ثم تبلّه بمرقٍ، والاسم الثُّرْدَةُ. انتهى (٢).
وقال المجد ﵀: ثَرَدَ الخبزَ: فَتَّهُ، كاثَّرَده، واتَّرَده بالثاء والتاء، على افتعله. انتهى (٣).
وقوله: (أَلَا تَقُولُونَ كَيْفَهْ؟ قَالُوا: كَيْفَهْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هكذا وقع في النسخ التي بين يديّ بلفظ "كيفه" في الموضعين، ووقع عند القاضي عياض في "شرحه" الأول بلفظ "كيف هو"، ونصّه: وقوله ﷺ لأصحابه حين لم يسألوه حين قال: "أنا سيّد ولد آدم: ألا تقولون: كيف هو؟ "، وعند العذريّ: "كيفه، قالوا: كيفه"، هذه الهاء هاء السكت عند أهل العربيّة الملْحَقة في الوقف، وهي تَلْحَقُ الأسماء والحروف، والأفعالَ؛ لثلاث عِلَل:
لصحّة الحركة التي قبلها آخر الكلمة، كقولهم: غُلاميه، وكتابيه، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] على قول بعضهم، وأينه، وكيفه.
أو لتمام الكلام المنقوص، كقوله: عمّه، ولمَه، وقِهْ.
أو للحاجة عند مدّ الصوت في النداء والنُّدْبة.
وفيه تنبيه العالم الطالب على موضع السؤال، وبسطه للسؤال إذا انقبض، وتعظيم القوم العالم أن يسألوه عن كلّ شيء، ولعلّ هذا كان بعد نهيهم عن السؤال إلا فيما أُذن لهم فيه. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٤).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": هذه الهاء هي هاء السكت، تُلْحَق في الوقف، وأما قول الصحابة ﵃: كيفه يا رسول الله، فأثبتوا الهاء في حالة الدرج، ففيها وجهان، حكاهما صاحب "التحرير" وغيره:
стр. 3015
[أحدهما]: أن من العرب من يُجْري الدرج مُجْرَى الوقف.
[والثاني]: أن الصحابة ﵃ قَصُدوا اتّباع لفظ النبيّ ﷺ الذي حَثَّهم عليه، فلو قالوا: "كيف" لَمَا كانوا سائلين عن اللفظ الذي حَثَّهم عليه، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ ﵀ (١).
وإلى هذه الهاء أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَوَصْلَ ذِي الْهَاءِ أَجِزْ فِي كُلِّ مَا … حُرِّكَ تَحْرِيكَ بِنَاءٍ لَزِمَا
وَوَصْلُهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكِ بِنَا … أُدِيمَ شَذَّ فِي الْمُدَامِ اسْتُحْسِنَا
وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ مَا … لِلْوَقْفِ نَثْرًا وَفَشَا مُنْتَظِمَا
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ … إلخ) الضمير لعمارة بن القعقاع.
وقوله: (وَزَادَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ الضمير لعمارة أيضًا، وكذا (فَقَالَ) أي قال عمارة، وقوله: (وَذَكَرَ) قَوْلَهُ فِي الْكَوْكَبِ … إلخ، مقول القول، وهو محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ضمير "قال" للنبيّ ﷺ .
وقوله: (إِلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ) هو بكسر العين، قال الجوهريّ: عِضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه. انتهى.
[تنبيه]: رواية عُمارة بن القعقاع التي أحالها المصنّف ﵀ هنا أخرجها الحافظ ابن منده ﵀ (٢) في "كتاب الإيمان" (٢/ ٨٥١)، فقال:
(٨٨٢) أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، وأحمد بن إسحاق بن أيوب، ومحمد بن يعقوب، قالوا: ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير بن عبد الحميد، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: وُضِعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد، فتناول الذراع، وكان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ ، فنَهَس نَهْسَةً، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة،
стр. 3016
فلما رأى أن أصحابه لا يسألونه، قال: ألا تقولون كيف؟ قالوا: يا رسول الله كيف؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين، يُسْمِعهم الداعي، ويَنْفُذهم البصر، وتدنو الشمس من رؤوسهم، فيشتدّ عليهم حرّها، ويشقّ عليهم دُنُوُّها منهم، قال: فينطلقون من الضَّجَر والْجَزَع مما هم فيه، فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربنا، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول آدم: إن ربي غَضِب اليوم غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يَغْضَب بعده مثله، وكان أمرني أمرًا فعصيته، وأطعت الشيطان، نهاني عن الشجرة، فعصيته، وأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، قال: فينطلقون، فيأتون إلى نوح ﵇، فيقولون: يا نوح، أنت نبي الله، وأول رسل الله، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول نوح: إن ربي غَضِب اليوم غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة، فدعوت بها على قومي، فأُهلكوا، وإني أخاف أن يَطْرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، قال: فينطلقون، فيأتون إبراهيم ﵇، فيقولون: يا إبراهيم أنت خليل الله، قد سَمِع بِخُلّتك أهل السماء وأهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول إبراهيم: إن ربي غَضِب اليوم غَضَبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وذكر الكوكب، قوله: إنه ربي، وقوله لآلهتهم: هذا كبيرهم، وقوله: إني سقيم، وأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، فينطلقون، حتى يأتون موسى، فيقولون: يا موسى أنت نبي الله، اصطفاك الله برسالاته، وكلمك تكليمًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فقال موسى: إن ربي غَضِب اليوم غَضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا، لم أومر بها، فأخاف أن يَطْرَحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي، فينطلقون حتى يأتوا عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت نبي الله، أنت كلمة الله وروحه، ألقاها إلى مريم وروح منه، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه من الشرّ؟ فيقول عيسى: إن ربي غَضِب اليوم غضبًا، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله - قال عمارة: ولا أعلمه ذكر ذنبًا - وقال: إني أخاف أن يَطرحني في النار، انطلقوا إلى
стр. 3017
غيري، نفسي نفسي، فينطلقون، فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم النبيين، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، فيقيمني رب العالمين مقامًا لم يُقِمه أحدًا قبلي، فيقول: يا محمدُ اشفع تشفع، سل تعطه، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول الله له: أَدْخِل الجنةَ من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأُخَر، والذي نفس محمد بيده، إن ما بين الباب إلى الباب كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى لا أدري أيهما قال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٨٩] (١٩٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ المُؤْمِنُونَ، حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ، خَلِيلِ الله، قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﷺ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ ، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، كلِمَةِ اللهِ وَرُوحِه، فَيَقُولُ عِيسَى ﷺ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَيَقُومُ، فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْق، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْق، كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيح، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْر، وَشَدِّ الرِّجَال، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاط، يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَاد، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ، فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا، قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ، مُعَلَّقَة، مَأْمُورَةٌ
стр. 3018
بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِه، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّار، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِه، إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفِ بْنِ خَلِيفَةَ الْبَجَلِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، من صغار [١٠].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن إدريس، وأبي بكر بن عيّاش، وعمران، وإبراهيم ابني عيينة، وأبي أسامة، وأبي معاوية، ووكيع، ومحمد بن فضيل، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وابنه أبو زيد، أحمد بن محمد بن طَرِيف، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وصالح بن محمد الحافظ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم.
قال أبو زرعة: محلُّه الصدق، وقال في موضع آخر: لا بأس به، صاحب حديث، كان ابن نمير يُثني عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخطيب: كان ثقةً.
وقال الحضرميّ: مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، زاد القَرّاب في "تاريخه": في صفر، وأرّخه ابن قانع سنة (٣٧).
وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط (١)، هذا (١٩٥)، وحديث (١٦٥١): "إذا حلف أحدكم على اليمين … "، و (٢٦٩٤): "كلمتان خفيفتان على اللسان … "، و (٢٧٤٣): "بينما ثلاثة نفر، يتمشّون … ".
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيَّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ) هو: سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت في حدود ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
стр. 3019
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) هو: سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] (ت على رأس ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (رِبْعِيّ) - بكسر الراء، وسكون الموحّدة - بن حِرَاش - بكسر الحاء المهملة، بعدها راء - أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٦ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، حِسْل، أو حُسيل الْعَبسيّ، حليف الأنصار ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧.
وأبو هريرة ﵁ تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، فلا حاجة إلى إعادته، بل أذكر هنا بعض ما يُستشكل، فأقول:
قوله: (حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ) هو بضم التاء، وإسكان الزاي، ومعناه: تُقَرَّب وتُدنى منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [الشعراء: ٩٠]: أي قُرِّبت.
وقوله: (إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) قال النوويّ ﵀: المشهور في ضبط الكلمتين الفتح فيهما بلا تنوين، ويجوز عند أهل العربية بناؤها على الضم، وقد جَرَى في هذا كلام بين الحافظ أبي الخطاب بن دِحية، والإمام الأديب، أبي اليمن الكِنْديّ، فرواهما ابن دحية بالفتح، وادّعَى أنه الصواب، فأنكره الكِنْديّ، وادّعَى أن الضم هو الصواب، وكذا قال أبو البقاء: الصواب الضم؛ لأن تقديره: من وراءِ ذلك، أو من وراء شيء آخر، قال: فإن صَحّ الفتح قُبِلَ، وقد أفادني هذا الحرف الشيخ الإمام، أبو عبد الله، محمد بنِ أُميّة أدام الله نِعَمَه عليه، وقال: الفتح صحيحٌ، وتكون الكلمة مؤكّدةً، كشَذَرَ مَذر، وشَغَرَ بَغَر، وسقطوا بَيْنَ بَيْنَ، فركّبهما، وبناهما على الفتح، قال: وإن ورد منصوبًا منونًا جاز جوازًا جيِّدًا، ونَقَلَ الجوهريّ في "صحاحه" عن الأخفش أنه يقال: لَقِيتُهُ من وراءُ، مرفوع على الغاية، كقولك: من قَبْلُ، ومن بَعْدُ، قال: وأنشد الأخفش شعرًا [من الطويل]:
إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ … لِقَاؤُكَ إِلَّا مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ
بضمهما، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
стр. 3020
وقوله: (فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا) أما "تقومان": فبالتاء المثنّاة من فوقُ، وقد قدّمنا بيَان ذلك، وأن المؤنثتين الغائبتين تكونان بالمثناة من فوقُ.
وأما جنبتا الصراط: فبفتح الجيم والنون، ومعناهما: جانباه، يقال: جَنْبَتا الوادي، وجانباه، وضِفّتاه، وناحيتاه (١).
وقوله: (وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ) قال النوويّ ﵀: أما إرسال الأمانة والرحم: فهو لِعِظَم أمرهما، وكثير مَوْقعهما، فَتُصوَّران مُشَخَّصَتين على الصفة التي يريدها الله تعالى، قال صاحب "التحرير": في الكلام اختصار؛ لفهم السامع له، أي إنهما تقومان لتطالبا كلَّ من يريد الجواز بحقّهما. انتهى (٢).
وقوله: (وَشَدِّ الرِّجَالِ) بالجيم: جمع رَجُل، هذا هو الصحيح المعروف المشهور، ومعناه: كسُرعة جَرْي الرجال، ونَقَلَ القاضي عياض أنه في رواية ابن ماهان "الرِّحَال" بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى، وشدُّها عَدْوُها البالغ وجريها. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: وشدٌّ الرجال: جَرْيُهم الشديد، جمع رَجُل، وعند ابن ماهان: "الرحال" بالحاء المهملة، وكأنه سُمِّيت الراحلةُ بالرَّحْل، ثمّ جُمِع: يريد كجري الرواحل، وفيه بُعْد. انتهى (٣).
وقوله: (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ) قال النوويّ ﵀: هو كالتفسير لقوله ﷺ : "فيَمُرّ أوّلكم كالبرق، ثم كَمَرّ الريح" إلى آخره، ومعناه: أنهم يكونون في سرعة المرور على حَسَبِ مراتبهم وأعمالهم. انتهى (٤).
وقال القاضي عياض ﵀: يعني: أن سُرعة مرّهم على الصراط بقدر أعمالهم، ومبادرتهم لطاعة ربّهم، ألا تراه كيف قال: "حتى تعجَز أعمال العباد"؟ وهذا كلّه من عَدْلِ الله تعالى، وإظهار ذلك لعباده، وإلا فالكلّ برحمته، لا إله غيره.
стр. 3021
قال: وعند بعض رُواة مسلم: "تجري بهم بأعمالهم" ولا وجه لدخول الباء هنا - يعني قوله: "بأعمالهم" -. انتهى (١).
وقوله: (حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ) بكسر الجيم، وفتحها، من بابي ضرب، وسَمِع، جوّز الوجهين في "القاموس"، وعبارته: الْعَجْزُ، والْمَعْجِزُ، والْمَعْجِزَةُ، وتُفتح جيمهما، والْعَجَزَانُ، محرَّكَةً، والْعُجُوزُ بالضمّ: الضَّعْفُ، والفِعْلُ كَضَرَبَ، وسَمِعَ. انتهى (٢).
وضعّف الفتح في "المصباح"، وعبارته: عَجَزَ عن الشيء عَجْزًا، من باب ضَرَبَ، ومَعْجِزَةً بالهاء وحَذْفِها، ومع كلِّ وجه فتح الجيم وكسرها: ضَعُفَ عنه، وعَجِزَ عَجَزًا، من باب تَعِبَ: لغةٌ لبعض قيس عَيْلان، ذكرها أبو زيد، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد رَوَى ابنُ فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته. انتهى (٣).
وقوله: (إِلَّا زَحْفًا) بفتح الزاي، وسكون الحاء المهملة: يقال: زَحَفَ الرجل، من باب نَفَعَ: إذا انسحب على استِهِ (٤).
وقوله: (وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ) بتخفيف الفاء، وهما جانباه.
وقوله: (كَلَالِيبُ) جمع كَلُّوب على فَعّول، نحو سَفُّود، وهي التي سمّاها فيما تقدّم الْخَطَاطيف.
وقوله: (فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ) أي مجروح ينجو منها.
وقوله: (وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ) هو بالدال المهملة، والسين المهملتين: قال ابن الأثير: "مكدوس في النار": أي مدفوع فيها، وتَكَدَّسَ الإنسان: إذا دُفِع من ورائه، فسقط، ويروى بالشين المعجمة، من الْكَدْش، وهو السوق الشديد، والْكَدْش أيضًا: الطرد والجرح. انتهى (٥).
وقال النوويّ ﵀: ووقع في أكثر الأصول هنا: "مُكَرْدَسٌ" بالراء ثم الدال، وهو قريب من معنى المكدوس. انتهى.
стр. 3022
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "مكردس" بمعنى: مكدوس، يقال: كَرْدس الرجل خيله: إذا جمعها كراديس، أي قِطَعًا كِبَارًا، وَيحْتَمِلُ أن يكون معناه: المكسور فَقَارِ الظهر، وَيحْتَملُ أن يكون من الْكَرْدسة، وهو الْوِثَاق، يقال: كُرْدِسَ الرجلُ: جُمِعت يداه ورجلاه، حكاها الجوهريّ. انتهى (١).
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ) هذا صريح في أن قوله: إن قعر جهنم … إلخ من كلام أبي هريرة ﵁، وليس مرفوعًا.
وقوله: (إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض الأصول لسبعون بالواو، وهذا ظاهر، وفيه حذفٌ، تقديره: إن قعرَ جهنم سَيْرُ سبعين سنة، ووقع في معظم الأصول والروايات: "لسبعين" بالياء، وهو صحيح أيضًا، إِمّا على مذهب من يَحْذِف المضافَ، ويُبقي المضاف إليه على جرّه، فيكون التقدير "سَيرُ سبعين"، وإِمّا على أن "قَعْرَ جهنم" مصدرٌ، يقال: قَعَرْتُ الشيءَ: إذا بَلَغْتَ قَعْرَهُ، ويكون "سبعين" ظرف زمان، وفيه خبر "إنّ"، والتقدير: إن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفًا، والخريفُ: السنة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ التوجيه: بإبقاء المضاف إليه على حاله بعد حذف المضاف، فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن شرطه أن يكون المحذوف معطوفًا على مماثله، كما قال في "الخلاصة" بقوله:
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا … قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ … مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
وذلك كقول الشاعر [من المتقارب]:
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
فجرّ "نارٍ"؛ لوجود الشرط، وهو العطف على مثله، فيكون التقدير: "وكلَّ نار"، وهنا ليس هكذا، فعندي الأولى أن يُخرّج على لغة من يُعرب الجمع المذكر السالم كلفظ "حين" في الإعراب على النون، كما في قوله:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ سِنِينَهُ … لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا
стр. 3023
وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
.... وَمِثْلَ "حِينٍ" قَدْ يَرِدْ … ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْمٍ يَطَّرِدْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ هذا معًا من أفراد المصنّف ﵀.
وإنما قيّدته بقولي: "معًا" لأن حديث أبي هريرة ﵁ بمفرده متّفق عليه كما أسلفت تخريجه قبل حديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٠/ ٤٨٩] (١٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤٤٢ و ٤٨٥)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٤٥ - ٢٤٦)، (وابن منده) في "الإيمان" (٨٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩١) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّة، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٠] (١٩٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّة، وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقَفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]، (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن راهويه تقدّم قبل باب.
стр. 3024
٣ - (جَرِير) هو ابن عبد الحميد تقدّم قبل حديث.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ [٥] (م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ المذكور في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٣) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما مرّ قريبًا.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، والمختار، فما أخرج له البخاريّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال قتيبة: حدّثنا جرير"، وجه ذلك أن شيخه قتيبة أخذه عن جرير سماعًا منه مع جماعة، بخلاف إسحاق، فإنه لم يصرّح بهذا، فبيّن المصنّف ذلك.
٤ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، كما مرّ قريبًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ ﵀: أي في دخول الجنّة قبل الناس، ويدلّ عليه قوله: "وأنا أوّلُ من يَقرَع باب الجنّة"، وقول الخازن: "بك أُمرتُ لا أفتح لأحد قبلك"، وقوله في الحديث الآخر: "فأَنطلق معي برجال، فأُدخلهم الجنّة"، وهذه إحدى شفاعاته ﷺ المتقدّمة الذكر. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: معنى أول شفيع: أي أنا أول شافع للعصاة من أمتي في دخول الجنّة، وقيل: أنا أول شافع في الجنّة لرفع درجات الناس فيها. انتهى (٢).
стр. 3025
(وَأَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا) بفتحتين: جمع تابع، أي أتباعًا يوم القيامة؛ لأنّ أمته ﷺ ثلثا أهل الجنة، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا في "الإيمان" [٩١/ ٤٩٠ و ٤٩١ و ٤٩٢] (١٩٦) و [٩١/ ٤٩٣] (١٩٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٦ و ٥٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤١٦ و ٤١٧ و ٤١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٨٦ و ٤٨٧ و ٤٨٨ و ٤٨٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٩٦٤)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٥٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٤٣ و ٦٤٨١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٨٧ و ٨٨٨)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوائل" (٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أنعم الله تعالى على نبيّه ﷺ كما قال : ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٢ - (ومنها): بيان كون نبيّنا ﷺ أول شافع في الجنّة.
٣ - (ومنها): بيان كونه ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة.
٤ - (ومنها): بيان فضل كثرة الأتباع في الخير؛ لأنه يؤتى أجور أتباعه، فكلما كثروا كثُر أجره، والعكس بالعكس، كما قال ﷺ : "مَن سَنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر مَن عَمِل بها من غير أن يَنْقُص من أجورهم شيئًا، ومن سَنّ في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا"، أخرجه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3026
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخْتَارِ (١) بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَة، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ) القَصّار الأزديّ، أبو الحسن الكوفيّ، مولى بني أسد، ويقال له: معاوية بن أبي العبّاس، صدوقٌ، له أوهامٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن سفيان الثوريّ، وعلي بن صالح، وشيبان النحويّ، ومالك بن أنس، وهشام بن سعد، وعمران بن أنس بن الحارث، وحمزة الزّيّات، وشريك، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، والقاسم بن زكريا بن دينار، ومحمود بن غيلان، والحسن بن عليّ الخلال، وعبدة بن عبد الله الصفار، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صالحٌ، وليس بذاك، وقال أبو حاتم: قلت لعلي ابن المدينيّ: معاوية بن هشام، وقَبِيصة، والفِريابي؟ قال: متقاربون، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يحيى بن يمان، ومعاوية بن هشام، قال: ما أقربهما، ثم قال: معاوية بن هشام كأنه أقوم حديثًا، وهو صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، هو وإسحاق الأزرق، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: معاوية بن هشام رجلُ صدق، وليس بحجة، وقال الساجيّ: صدوق يَهِمُ، قال أحمد بن حنبل: هو كثير الخطأ، قال الساجيّ:
стр. 3027
وحدثني الحسن بن معاوية بن هشام، قال: سمعت قَبِيصة، وذكر له أبي، فقال: أين أقع منه؟ قال الحسن: كان عند أبي عن الثوريّ ثلاثة عشر ألفًا، وعند قبيصة سبعة آلاف، وقال ابن سعد: كان صدوقًا، كثير الحديث، وقال أبو الفرج ابن الجوزيّ في "كتاب الضعفاء": معاوية بن هشام، وقيل: هو معاوية بن أبي العباس، رَوَى ما ليس من سماعه، فتركوه، قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: هذا خطأٌ من أبي الفرج، ما تركه أحدٌ، ومن أوهام معاوية بن هشام روايته عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ ﷺ قال: "مَدْيَنُ، وأصحاب الأيكة أُمَّتان بُعِث إليهما شعيب"، ورواه عَمْرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن عبد الله، عن قتادة، في ذكر الأيكة قولَهُ، وهو الصواب. انتهى (١).
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع أو خمس ومائتين، ربما أخطأ.
روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (١٩٦)، وحديث (٦٠٣): "ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة … "، و (١٦٩٤): "أوَ كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله … "، و (٢٥٩٨): "إن اللعّانين لا يكونون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة".
٣ - (سُفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله.
وقوله: (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: قَرَعَ الباب قَرْعًا، من باب نَفَعَ: إذا طَرَقه، ونَقَرَ عليه، يعني: أنه أول من ينقُرُ، ويستفتح باب الجنّة، فيُفتح له، دون غيره، فيدخلها هو، وأمته قبل سائر الأمم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3028
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّة، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريبًا.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعْفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنة [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقيان تقدما قبل حديث، وكذا بيان مسائله.
وقوله: ("أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ) قال المظهر ﵀: أي أنا أوّل شافع للعصاة من أمتي في دخول الجنّة (١)، وقيل: أي أنا أوّل شافع في ترقية منازل بعض أهل الجنّة، قال القرطبيّ ﵀: والأول أظهر (٢).
وقوله: (لَمْ يُصَدَّقْ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ).
وقوله: (مَا صُدِّقْتُ) "ما" مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول: أي لم يُصدّق نبيّ تصديقًا مثل تصديق أمّتي إياي، يعني به كثرة مصدّقيه، قال المظهر: وهذا كناية عن أنه ﷺ أكثر الأنبياء أمة، ويؤيّده قوله: (وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبيَاءِ نَبِيًّا) اسم "إنّ" مؤخّرًا، والجارّ والمجرور خبرها (مَا) نافية (يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ") أي مع كونه مرسلًا إلى أمّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3029
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٣] (١٩٧) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ (١)، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَة، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٥ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
وأنس ﵁ تقدّم في حديث أول الباب، وكذا بيان مسائله.
وقوله: (فَأَسْتَفْتِحُ) أي أطلُب أن يُفتَحَ لي.
وقوله: (فَيَقُولُ الْخَازِنُ) سُمّي الملك الموكّل لحفظ باب الجنّة خازنًا؛ لأن الجنّة خِزانة الله تعالى، أعدّها الله للمؤمنين، وهو حافظها.
وقوله: (مُحَمَّدٌ) خبر لمحذوف: أي أنا محمد.
وقوله: (بِكَ أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول (لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ) قال الطيبيّ ﵀: قوله: "بك" متعلّقٌ بـ"أُمرتُ"، والباء سببيّة، قُدّمت للتخصيص، والمعنى: بسببك أُمرتُ أن لا أفتح لغيرك، لا بشيء آخر، ويجوز أن يكون
стр. 3030
صلة للفعل، و"أن لا أفتح" بدلًا من الضمير المجرور، أي أُمرتُ بأن لا أفتح لأحد غيرك. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩٢) - (بَابُ اخْتِبَاءِ النَّبِيِّ ﷺ دَعْوَتَهُ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٤] (١٩٨) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا (٢)، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن مَيْسَرة الصّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
[تنبيه]: قد تقدّم أن في "يونس" ستَّ لغات: ضم النون، وفتحها، وكسرها، مع الهمز فيهنّ، وتركه.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، إمام دار الهجرة الثبت الحجة الحافظ المتقن الفقيه [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شهاب
стр. 3031
الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه الثبت، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدّم قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وابن وهب، فمصريّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، فكلّهم ممن اشتهر بالفقه.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: أن يونس بن عبد الأعلى هذا تُوُفّي في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة، ففي هذا الإسناد رواية مسلم، عن شيخ عاش بعده، فإن مسلمًا تُوُفّي سنة إحدى وستين ومائتين (١)، كما تقدم في ترجمته أول الكتاب.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن أبي سلمة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا) وفي الرواية الآتية: "لكلّ نبيّ دعوة مستجابة يدعو بها"، وزاد في رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: "فتَعَجَّل كل نبيّ دعوته"، وفي رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة: "لكلّ نبيّ دعوةٌ دعا بها في أمته،
стр. 3032
فاستجيب له". (فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لِأَمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ") وفي الرواية التالية: "وأردت - إن شاء الله - أن أختبئ".
[تنبيه]: قد استُشْكِل ظاهر الحديث بما وَقَع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة، ولا سيما نبيّنا ﷺ ، وظاهره أن لكل نبيّ دعوة مستجابةً فقط.
[وأجيب]: بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطعُ بها، وما عدا ذلك من دعواتهم، فهو على رجاء الإجابة.
وقيل: معنى قوله: "لكل نبيّ دعوة": أي أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى.
وقيل: لكل منهم دعوةٌ عامّةٌ مستجابةٌ في أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصّة، فمنها ما يُستجاب، ومنها ما لا يستجاب.
وقيل: لكل منهم دعوة تخصُّه لدنياه، أو لنفسه، كقول نوح ﵇: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وقول زكريا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، وقول سليمان ﵇: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، حكاه ابن التين.
وقال بعض شُرّاح "المصابيح" ما لفظه: (اعلم): أن جميع دعوات الأنبياء ﵈ مستجابةٌ، والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك، إلا أنا، فلم أدع، فأُعطيت الشفاعة عوضًا عن ذلك؛ للصبر على أذاهم، والمراد بالأمة أمة الدعوة، لا أمة الإجابة.
وتعقّبه الطيبيّ بأنه ﷺ دعا على أحياء من العرب، ودعا على أناس من قريش بأسمائهم، ودعا على رِعْلٍ، وذَكْوان، ودعا على مُضَر، قال: والأولى أن يقال: إن الله جعل لكل نبيّ دعوةً تُستجاب في حقّ أمته، فنالها كلٌّ منهم في الدنيا، وأما نبيّنا ﷺ ، فإنه لَمّا دعا على بعض أمته نَزَل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]، فبقيت تلك الدعوة المستجابة مُدَّخرةً للآخرة، وغالب مَن دعا عليهم لم يُرِدْ إهلاكهم، وإنما أراد رَدْعَهم ليتوبوا.
وأما جزمه أوّلًا بأن جميع أدعيتهم مستجابة، ففيه غفلة عن الحديث
стр. 3033
الصحيح: "سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة … " الحديث، ذكره في "الفتح" (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٢/ ٤٩٤ و ٤٩٥ و ٤٩٦ و ٤٩٧] (١٩٨) و [٩٢/ ٤٩٨ و ٤٩٩ و ٥٠٠] (١٩٩)، و (البخاريّ) في "الدعوات" (٦٣٠٤) و"التوحيد" (٧٤٧٤)، و (الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٦٠٢)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤٣٠٧)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢١٢)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٢٠٨٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٥ و ٣١٣ و ٣٨١ و ٣٩٦ و ٤٢٦ و ٤٨٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٨)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٥٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٦١)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٨٩٢ و ٩٠٠ و ٩٠١ و ٩٠٢ و ٩٠٣ و ٩٠٧ و ٩١٢ و ٩١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٥ و ٢٥٦ و ٢٥٧ و ٢٥٨ و ٢٥٩ و ٢٦٠ و ٢٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٩٠ و ٤٩١ و ٤٩٢ و ٤٩٣ و ٤٩٤ و ٤٩٥)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (ص ٣٤١ و ٣٤٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (١٧٤٨)، و (القضاعيّ) في "مسند الشهاب" (١٠٣٩ و ١٠٤٠ و ١٠٤٢ و ١٠٤٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٢٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما قاله ابن بطّال ﵀: فيه بيان فضل نبينا محمد ﷺ على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته على نفسه، وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضًا دعاءً عليهم بالهلاك، كما وقع لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
стр. 3034
٢ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ: ﵀ هذا من حسن تصرفه ﷺ ؛ لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه؛ لأنه آثر أمته على نفسه، ومن صحة نظره؛ لأنه جعلها للمذنبين من أمته؛ لكونهم أحوج إليها من الطائعين. انتهى.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه كمال شفقته ﷺ على أمته، ورأفته بهم في مصالحهم، فجعل دعوته في أَهَمّ أوقات حاجتهم.
٤ - (ومنها): ما قاله أيضًا: وأما قوله ﷺ : "فهي نائلة"، ففيه دليلٌ لأهل السنة أن مَن مات غير مشرك لا يُخَلَّد في النار، ولو مات مُصِرًّا على الكبائر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنا (٢) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَمِّه، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الَلهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، وَأَرَدْتُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوتي؛ شَفَاعَةً لِأمَّتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة المذكور قبل باب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ، حافظٌ [١١]، (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهامٌ [٦] (ت ١٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
стр. 3035
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ) زيادة "إن شاء الله" في هذه الرواية على وجه التبرّك، والامتثال لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣، ٢٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنَا (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا ابْنُ أَخِي ابنِ شِهَاب (٢)، عَنْ عَمِّه، حَدَّثَني (٣) عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيةَ الثَّقَفِيُّ، مِثْلَ ذَلِكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسول اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ (٤) بْنِ جَارَيةَ (٥) الثَّقَفِيُّ) المدنيّ، حليف بني زُهْرَة، وقد يُنسب إلى جدّه، ويقال: عُمَر، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عمر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعريّ، وابن عمر.
ورَوَى عنه ابن أخيه عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، والزهريّ، والحجاج بن فُرَافِصة، وهشام بن سعد.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده، وعند الباقين حديثه في بَعْث عشرة عَيْنًا.
стр. 3036
[تنبيه]: قوله: "جارية" بالجيم، و"أَسِيد" بفتح أوله، وكسر ثانيه، وقد بيّن الحافظ المزّيّ ﵀ الاختلاف في تسميته على الزهريّ في ترجمته عن أبي هريرة في "تحفة الأشراف"، وحاصله أن البخاريّ وقع عنده من طريق شعيب، ومعمر: عمرٌو، ومن طريق إبراهيم بن سعد: عن ابن أبي أَسِيد بن جارية، فأبهمه، ونسبه لجده، ووقع لأحمد من طريق إبراهيم بن سعد: عُمَر بن أَسِيد، ولعل هذا هو السرّ في إبهامه، ووقع لأبي داود، من طريق إبراهيم: عَمرو بن جارية، فنسبه لجد أبيه، ووقع للنسائيّ من طريق شعيب: عُمَر بن أبي سفيان، وكذا وقع لمسلم من حديث آخر (١). انتهى (٢).
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه آخر]: رواية عمرو بن أبي سفيان التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية أبي سلمة لم أجد من أخرجها تامّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَمْرَو (٣) بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيةَ الثَّقَفِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا (٤)، فَأَنَا أُرِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوتي؛ شَفَاعَةً لِأمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَقَالَ كعْبٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ (٥) هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرْملة بن عِمران التُّجيبيّ، أبو حفص
стр. 3037
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المذكور قبل حديثين.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (عَمْرَو (١) بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثقَفِيُّ) هو المذكور في السند الماضي إلا أن النسخ اختَلَفت فيه، فوقع في معظم النسخ عَمرو بفتح العين، وفي بعضها عُمر بضمّها، وهو الذي ذكره في "تهذيب التهذيب"، كما سبق في ترجمته في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ) هو: كعب بن ماتع - بالميم، والتاء المثنّاة من فوقُ، بعدها عين - الْحِمْيري، أبو إسحاق، ثقةٌ مخضرمٌ، من آل ذي رُعَين، وقيل: من ذي الْكَلاع، أدرك الجاهلية، وأسلم في أيام أبي بكر ﵁، وقيل: في أيام عمر ﵁، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، ومات في خلافة عثمان ﵁، وقد زاد على المائة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن عمر، وصُهيب، وعائشة، وعنه ابن امرأته تُبَيع الْحِمْيريّ، وأبو هريرة، وابن عباس، ومالك بن أبي عامر الأصبحيّ، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن رباح الأنصاريّ، وغيرهم.
وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال: كان على دين يهود، فأسلم، وقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام، فسكن حمص، حتى توفي بها سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وفيها أرّخه غير واحد، وقال ابن حبان: مات سنة (٤) وقيل: سنة (٣٢) وقد بلغ مائة وأربع سنين.
وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن سعيد بن المسيب: قال العباس لكعب: ما منعك أن تُسلم على عهد النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟ فقال كعب: إن أبي كَتَبَ لي كتابًا من التوراة، ودفعه إليّ، وقال: اعمل بهذا، وخَتَمَ على سائر كتبه، وأخذ علي بحقّ الوالد على ولده ألّا
стр. 3038
أَفُضَّ الخاتم، فلما كان الآن، ورأيت الإسلام يظهر، ولم أر بأسًا، قالت لي نفسي: لعل أباك غَيَّب عنك علمًا كتمك، فلو قرأته، ففضضتُ الخاتم، فقرأته، فوجدت فيه صفة محمد ﷺ وأمته، فجئت الآن مسلمًا، فوالى العباس.
وقال محمد بن سعد: قالوا: وذكر أبو الدرداء كعبًا، فقال: إن عند ابن الحميرية لعلمًا كثيرًا، وقال الوليد بن مسلم، عن صخر بن جَندل، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس، عن أبي فوزة حُدَير السُّلَميّ، قال: خرج بعثُ الصائفة، فاكتُتِب فيه كعب، أحسبه قال: فخرج البعث، وهو مريض، فقال: لأن أموت بحَرَسْتا أحبّ إليّ من أن أموت بدمشق، ولأن أموت بدُومة أحب إلي من أن أَموت بحرستا، هكذا قُدمًا في سبيل الله، قال: فمضى، فلما كان بِفَخ معلولًا، قلت: أخبرني، قال: شغلتني نفسي، حتى إذا كان بحمص تُوُفّي بها، فدفناه
هنالك بين زيتونات أرض حمص، ومضى البعث، فلم يَقْفُل حتى قُتل عثمان ﵁.
وقال معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير: قال معاوية: ألا إن أبا الدرداء أحد الحكماء، ألا إن عمرو بن العاص أحد الحكماء، ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلمٌ كالثمار، وإن كنا فيه لَمُفَرِّطين.
وقال أسامة بن زيد الليثيّ، عن أبي مَعْن: لقي عبدُ الله بن سلام كعبَ الأحبار عند عمر، فقال: يا كعب، مَن أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يُذهب العلم من قلوب العلماء بعد أن حَفِظوه وعقلوه؟ قال: يُذهبه الطَّمَع، وشَرَهُ النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس، قال: صدقت.
وقال بَحِير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن كعب، قال: لأن أبكي من خشية الله أحب إليّ من أن أتصدق بوزني ذهبًا، وما من عينين بكتا من خشية الله في دار الدنيا، إلا كان حقًّا على الله أن يُضحكهما في الآخرة.
قال الواقديّ، والهيثم بن عديّ، وخليفة بن خياط، وعمرو بن عليّ، وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين، وقال إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو: حدثني شُريح بن عبيد أن كعبًا مات سنة أربع وثلاثين، وكذلك أبو
стр. 3039
عبيد، وقال ابن حبان: مات سنة أربع، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقد بلغ مائة سنة وأربع سنين (١).
وقال النووي ﵀: وهو من فضلاء التابعين، وقد روى عنه جماعة من الصحابة ﵃. انتهى (٢).
وليس له في البخاريّ رواية، وفي مسلم رواية لأبي هريرة عنه من طريق الأعمش، عن أبي صالح، وأخرج له أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجَهْ في "التفسير".
[تنبيه]: "كعب الأحبار" بفتح الهمزة: جمع حِبْر بفتح الحاء، وكسرها لغتان: أي كعب العلماء، كذا قاله ابن قُتيبة وغيره، وقال أبو عبيد: سُمّي كعب الأحبار؛ لكونه صاحب كتُب، و"الأحبار": حِبْر، وهو ما يُكتب به، وهو مكسور الحاء، وكان كعبٌ من علماء أهل الكتاب، ثم أسلم في خلافة أبي بكر ﵁، وقيل: في خلافة عمر ﵁. انتهى (٣).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٨] (١٩٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْب، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّل كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتبَأْتُ دَعْوَتي شَفَاعَةً لِأمّتي يَوْمَ الْقِيَامَة، فَهِيَ نَائِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَنْ مَاتَ مِنْ أمَّتي، لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
стр. 3040
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهَران الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمَة" ٢/ ٤.
وقوله: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) أي مجابة، فالسين زائدة، يقال: أجاب واستجاب، قال القرطبيّ ﵀: معناه: أنهم غوننر لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى، ثم خيّرهم في تعيينها، وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها، وإلا فكم قد وقع لهم من الدعوات المجابة، وخُصوصًا نبيّنا ﷺ ، فقد دعا لأمته بأن لا يُسَلّط عليهم عدوًّا من غيرهم، وأن لا يُهلكهم بسنة عامّة، فأعطيهما، وقد مُنِع أيضًا بعض ما دعا لهم به؛ إذ دعا أن لا يَجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعها، وهذا يُحقِّق ما قلناه من أنهم في دعواتهم راجون الإجابة، بخلاف هذه الدعوة الواحدة، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقوله: (فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ) اسم فاعل من نال الشيءَ: إذا ظَفِرَ به، ودخول الاستثناء هنا كدخوله في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]، وفي قوله ﷺ : "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"، رواه مسلم.
وقوله: (مَنْ مَاتَ مِنْ أمّتِي، لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا") "من مات" في محل نصب على المفعولية لـ "نائلة"، و"لا يشرك بالله" في محل نصب على الحال، والتقدير: شفاعتي نائلة مَن مات حال كونه غير مشرك، وكأنه ﷺ أراد ان يؤخرها، ثم عَزَم، ففعل، ورجا وقوع ذلك، فأعلمه الله به، فجزم به، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٤٩٩] ( … ) - (حَدَّثنا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، وَهُوَ ابْنُ
стр. 3041
الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، يَدْعُو بِهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهُ، فَيُؤْتَاهَا، وَإِنِّي اخْتَبَاتُ دَعْوتِي؛ شَفَاعَةً لِأمَّتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قبل باب، وقتيبة تقدّم في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٠٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، دَعَا بهَا فِي أُمَّتِه، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي أُرِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَتي؛ شَفَاعَةً لِأمّتَي يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقن، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْقُرَشيّ الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣].
رَوَى عن الفضل بن العباس، ومُحَيِّصة بن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وزُبيد بن الصَّلْت.
ورَوَى عنه ابنه الحارث، وخالد الحذاء، والحسين بن واقد المروزيّ،
стр. 3042
وأيوب السختيانيّ، وإبراهيم بن طهمان، وهشام بن حسّان، ويونس بن عبيد، وشعبة، والربيع بن مسلم، والحمادان، وعثمان بن عبد الرحمن الجمحيّ، وغيرهم.
قال إبراهيم بن هانئ، عن أحمد: ثقةٌ، وقال أبو طالب: سألت أحمد عنه، فقال: من الثقات، وليس أحدٌ أروى عنه من حماد بن سلمة، ولا أحسن حديثًا، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: محله الصدق، هو أحبّ إلينا من محمد بن زياد الألهانيّ، وقال الآجريّ: أثنى عليه أبو داود، وقال الترمذيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وكذا وثّقه ابن الجنيد، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثًا، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٠١] (٢٠٠) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَانَا، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَسَّانَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، يَعْنُونَ ابْنَ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، دَعَاهَا لِأمَّتِه، وَإِنِّي اخْئتاْتُ دَعْوَتي؛ شَفَاعَةً لِأمّتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا قبل بابين، و"أبو غسّان" اسمه مالك بن عبد الواحد.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وأن شيخي المصنّف: محمد بن المثنّى، وابن بشار من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
[تنبيه آخر]: قال النوويّ ﵀ في" شرحه": قوله: "وحدثني أبو غسان
стр. 3043
الْمِسْمعيّ، ومحمد بن المثنى، وابن بشار حدثانا، واللفظ لأبي غسان، قالوا: حدثنا معاذ، يعنون: ابن هشام": هذا اللفظ قد يَستدركه مَن لا معرفة له بتحقيق مسلم وإتقانه، وكمال وَرَعِه، وحِذْقه، وعرفانه، فيتوهم أن في الكلام طولًا، فيقول: كان ينبغي أن يحذف قوله: "حدَّثانا"، وهذه غَفْلة ممن يصير إليها، بل في كلام مسلم فائدةٌ لطيفةٌ، فإنه سمع هذا الحديث من لفظ أبي غسان، ولم يكن مع مسلم غيره، وسمعه من محمد بن المثنى وابن بشار، وكان معه غيره، وقد قدمنا في الفصول أن المستحب والمختار عند أهل الحديث أن مَن سَمِع وحده قال: "حدَّثني"، ومَن سَمِع مع غيره قال: "حدثنا"، فاحتاط مسلم، وعَمِل بهذا المستحب، فقال: حدثني أبو غسان، أي سمعت منه وحدي، ثم ابتدأ، فقال: ومحمدُ بن المثنى وابنُ بشار حدثانا، أي سمعت منهما مع غيري، فـ "محمدُ بن المثنى" مبتدأ، و"ابنُ بشّار" عطف عليه، و"حدَّثانا" الخبر، وليس هو معطوفًا على أبي غسان. والله تعالى أعلم.
وقوله: "قالوا: حدثنا معاذ"، يعني بـ "قالوا": محمدَ بنَ المثنى، وابنَ بشار، وأبا غسان. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث تقدّم في شرح حديث أبي هريرة ﵁، فلا نطيل الكتاب بإعادته.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٢/ ٥٠١ و ٥٠٢ و ٥٠٣] (٢٠٠)، و (البخاريّ) في "الدعوات" (٦٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣٤ و ٢١٩ و ٢٠٨ و ٢٧٦)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٤٨ و ٢٦١ و ٢٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦١٩٦)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (ص ٣٤٢)، و) أبو عوانة) في "مسنده" (٢٦٠ و ٢٦١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٩٦ و ٤٩٧ و ٤٩٨ و ٤٩٩)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩١٤ و ٩١٥ و ٩١٦ و ٩١٧ و ٩١٨)، و (القضاعيّ) في "مسند الشهاب " (١٠٣٧ و ١٠٣٨ و ١٠٤٣ و ١٠٤٤)، والله
стр. 3044
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خَلَف محمد السَّلَميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن سفيان بن عيينة، وأبي خالد الأحمر، ومَعْن بن عيسى، ومحمد بن عبيد الطيالسي، ويحيى بن معين، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وموسى بن داود الضّبّيّ، وأبي سلمة الخزاعيّ، ويحيى بن يمان، ويحيى بن إسحاق، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعبد الله بن أحمد، وموسى بن هارون، وزكرياء الساجيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، والحسن بن سفيان، ومحمد بن إسحاق السراج، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين، وقال موسى بن هارون: سنة (٦)، وقال غيره: كان مولده سنة (١٧٠).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا (١).
٢ - (رَوْح) بن عبادة بن العلاء بن حسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضل، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
والباقون تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه التي أحالها المصنّف على رواية هشام
стр. 3045
الدستوائيّ، أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٨٧) فقال:
(٢٦٠) حدثنا الصَّغَانيّ، قال: ثنا رَوحُ بن عُبادة، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبيّ ﷺ : "إن لكل نبيّ دَعْوَةً، قد دعا بها في أمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[ … ] ( … ) - (ح) (وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو أسَامَةَ، جَمِيعًا عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ: قَالَ: "أُعْطِيَ"، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ) أبو إسحاق الطبريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت في حدود ٢٥٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧٢.
٢ - (أَبُو أُسَامَة) حماد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (مِسْعَر) - بكسر الميم - بن كِدَام - بكسر أوله، وتخفيف ثانيه - ابن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون تقدّموا قريبًا.
[تنبيه]: قوله في الرواية الماضية: (عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، أن نبيّ الله ﷺ قال: لكل نبيّ دعوة … إلخ)، ثم ذَكَر مسلم هذا الطريق عن وكيع، وأبي أسامة، عن مسعر، عن قتادة، ثم قال: غير أن في حديث وكيع قال: قال: "أُعْطِيَ"، وحديث أبي أسامة، عن النبيّ ﷺ .
قال النوويّ ﵀: هذا من احتياط مسلم ﵀، ومعناه: أن رواياتهم اختَلَفت في كيفية لفظ أنس، ففي الرواية الأولى: "عن أنس، أن النبيّ ﷺ قال: لكل نبيّ دعوة"، وفي رواية وكيع: "عن أنس، قال: قال النبيّ ﷺ :
стр. 3046
أُعْطِي كلُّ نبيّ دعوة"، وفي رواية أبي أسامة: "عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: لكل نبيّ دعوة". انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية مسعر التي أحالها المصنّف ﵀ هنا، أخرجها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٧٤) فقال:
(٤٩٨) حدثنا إبراهيم بن أبي حصين، ثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، نا عمرو بن عبد الله الأَوْديّ، ثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة (ح)، وحدثثا أبو محمد بن حيّان، ثنا ابن معدان، ثنا إبراهيم الجوهريّ، ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبيّ دعوةٌ يدعو بها في أمته، وإني جعلت دعوتي شفاعة لأمتي". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أنَسٍ، أَن نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنّعانيّ القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن مروان بن معاوية، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زُريع، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، وأمية بن خالد، وخالد بن الحارث، وسلمة بن رجاء، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، في "كتاب القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وهلال بن العلاء الرَّقِّيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.
стр. 3047
قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقالى النسائيّ في "أسماء شيوخه": كتبنا عنه، وأثنى عليه خيرًا، وقال في موضع آخر: لا بأس به.
وقال ابن حبان في "الثقات": مات بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائتين، وكذا قال البخاريّ، وزاد: بعد أحمد بن عَبْدة بقليل.
وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا (١).
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقَّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (أَبُوه) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالبصريين، وأنه من رباعيات المصنف، وهو (٢٤) من رباعيات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية سليمان بن طَرْخان هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية قتادة، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٦٣٠٥) وقال لي خليفة (٢): قال معتمر: سمعت أبي، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "كلُّ نبي سأل سؤالًا"، أو قال: "لكل نبي دعوةٌ، قد دعا بها، فاستجيب، فجعلتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". انتهى.
وأخرجها الإمام ابن خزيمة ﵀ بسند المصنّف ﵀ في "كتاب التوحيد" برقم (٥٠٦) فقال:
حدّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، عن أنس، أن النبيّ ﷺ قال: "كلُّ نبيّ قد سأل سؤالًا"، أو قال: "لكلّ نبيّ دعوةٌ قد دعا بها قومه (٣)، فاستخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". انتهى،
стр. 3048
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٠٤] (٢٠١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، قَدْ دَعَا بِهَا فِي أمَّتِه، وَخَبَأْتُ دَعْوَيي؛ شَفَاعَةً لِأمّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام ﵄ تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقيان تقدّما في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، وفوائده، تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ﵁.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٢/ ٥٠٤] (٢٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٤ و ٣٩٦)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٦٠ و ٢٦٢ - ٢٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٦٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩١٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٢٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 3049
(٩٣) - (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لأمَّتِه، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٠٥] (٢٠٢) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللهِ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية [إبراهيم: ٣٦]، وَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيْه، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي"، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ : يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ (١) مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أمّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفيُّ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ) - بفتح السين، وتخفيف الواو - بن ثُمامة الْجُذاميّ، أبو ثمامة المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (٢).
стр. 3050
رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن جُبير المصريّ، وسعيد بن المسيب، والزهريّ، وأبي فِرَاس مولى عمرو بن العاص، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه جعفر بن ربيعة، والليث، وابن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث، وغيرهم.
قال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء الله، تُوُفّي في خلافة هشام بن عبد الملك، وقال ابن يونس: تُوفّي بإفريقية، وقيل: بل غَرِقَ في بحار الأندلس سنة (١٢٨).
وذكره ابن حبّان في "الثقات" من التابعين، ثم أعاده في أتباعهم، فقال: يُخطئ، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وقال أبو العرب في "الطبقات": أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقهها، وقال النووي في "شرح المهذَّب": لم يَسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (١٧٢٥): "من آوى ضالّة، فهو ضالّ … "، و (٢١٧٣): "إن الله قد برّأها من ذلك … "، و (٢٩٦٢): "إذا فُتحت عليكم فارس والروم … ".
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) المصريّ المؤذّن الفقيه الفَرَضيّ العامريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعُقبة بن عامر، وعمرو بن غَيْلان بن سلمة الثقفيّ، وأبي الدرداء، والمستورد الفِهْريّ، وعمن خَدَم النبيّ ﷺ ، وعن عمرو بن العاص، وقيل: بينهما أبو قَيْس، وغيرهم.
وروى عنه كعب بن علقمة، وعمران بن أبي أنس، وبكر بن سَوَادة،