← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

أُعْطِي كلُّ نبيّ دعوة"، وفي رواية أبي أسامة: "عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: لكل نبيّ دعوة". انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية مسعر التي أحالها المصنّف ﵀ هنا، أخرجها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (١/ ٢٧٤) فقال: (٤٩٨) حدثنا إبراهيم بن أبي حصين، ثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، نا عمرو بن عبد الله الأَوْديّ، ثنا أبي، عن مسعر، عن قتادة (ح)، وحدثثا أبو محمد بن حيّان، ثنا ابن معدان، ثنا إبراهيم الجوهريّ، ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبيّ دعوةٌ يدعو بها في أمته، وإني جعلت دعوتي شفاعة لأمتي". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أنَسٍ، أَن نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنّعانيّ القيسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن مروان بن معاوية، ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زُريع، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل ابن علية، وأمية بن خالد، وخالد بن الحارث، وسلمة بن رجاء، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، في "كتاب القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وهلال بن العلاء الرَّقِّيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم.

стр. 3047

قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقالى النسائيّ في "أسماء شيوخه": كتبنا عنه، وأثنى عليه خيرًا، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن حبان في "الثقات": مات بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائتين، وكذا قال البخاريّ، وزاد: بعد أحمد بن عَبْدة بقليل. وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا (١). ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقَّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥. ٣ - (أَبُوه) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالبصريين، وأنه من رباعيات المصنف، وهو (٢٤) من رباعيات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية سليمان بن طَرْخان هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية قتادة، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٦٣٠٥) وقال لي خليفة (٢): قال معتمر: سمعت أبي، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: "كلُّ نبي سأل سؤالًا"، أو قال: "لكل نبي دعوةٌ، قد دعا بها، فاستجيب، فجعلتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". انتهى. وأخرجها الإمام ابن خزيمة ﵀ بسند المصنّف ﵀ في "كتاب التوحيد" برقم (٥٠٦) فقال: حدّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدّثنا المعتمر، عن أبيه، عن أنس، أن النبيّ ﷺ قال: "كلُّ نبيّ قد سأل سؤالًا"، أو قال: "لكلّ نبيّ دعوةٌ قد دعا بها قومه (٣)، فاستخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". انتهى،

стр. 3048

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٤] (٢٠١) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، قَدْ دَعَا بِهَا فِي أمَّتِه، وَخَبَأْتُ دَعْوَيي؛ شَفَاعَةً لِأمّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام ﵄ تقدّم قريبًا أيضًا. والباقيان تقدّما في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، وفوائده، تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ﵁. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٢/ ٥٠٤] (٢٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٤ و ٣٩٦)، و (ابن خزيمة) في "التوحيد" (ص ٢٦٠ و ٢٦٢ - ٢٦٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٦٠)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩١٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٢٣٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 3049

(٩٣) - (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لأمَّتِه، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٥] (٢٠٢) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللهِ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية [إبراهيم: ٣٦]، وَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيْه، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي"، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ : يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ (١) مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أمّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفيُّ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٤ - (بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ) - بفتح السين، وتخفيف الواو - بن ثُمامة الْجُذاميّ، أبو ثمامة المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (٢).

стр. 3050

رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن جُبير المصريّ، وسعيد بن المسيب، والزهريّ، وأبي فِرَاس مولى عمرو بن العاص، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه جعفر بن ربيعة، والليث، وابن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. قال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء الله، تُوُفّي في خلافة هشام بن عبد الملك، وقال ابن يونس: تُوفّي بإفريقية، وقيل: بل غَرِقَ في بحار الأندلس سنة (١٢٨). وذكره ابن حبّان في "الثقات" من التابعين، ثم أعاده في أتباعهم، فقال: يُخطئ، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وقال أبو العرب في "الطبقات": أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقهها، وقال النووي في "شرح المهذَّب": لم يَسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (١٧٢٥): "من آوى ضالّة، فهو ضالّ … "، و (٢١٧٣): "إن الله قد برّأها من ذلك … "، و (٢٩٦٢): "إذا فُتحت عليكم فارس والروم … ". ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) المصريّ المؤذّن الفقيه الفَرَضيّ العامريّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعُقبة بن عامر، وعمرو بن غَيْلان بن سلمة الثقفيّ، وأبي الدرداء، والمستورد الفِهْريّ، وعمن خَدَم النبيّ ﷺ ، وعن عمرو بن العاص، وقيل: بينهما أبو قَيْس، وغيرهم. وروى عنه كعب بن علقمة، وعمران بن أبي أنس، وبكر بن سَوَادة،

стр. 3051

وعبد الله بن هُبيرة، وعقبة بن مسلم، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، وآخرون. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن لَهِيعة: كان عالِمًا بالفرائض، وكان عبد الله بن عمرو به مُعْجَبًا، وقال ابن يونس: كان فقيهًا عالِمًا بالقراءة، شَهِدَ فتح مصر، ووَثَّقه يعقوبُ بن سفيان. وقال ربيعة الأعرج: تُوُفّي سنة (٩٧) وقال غيره: سنة ثمان وتسعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (٣٨٤): "إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا مثل ما يقول … "، و (٢١٧٣): "إن الله قد برّأها من ذلك … ". ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله معظمهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكر، عن عبد الرحمن. ٥ - (ومنها): أن بكر بن سوادة، وعبد الرحمن بن جبير هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد مرّ عدد مرويّهما فيه آنفًا. ٦ - (ومنها): أن عبد الرحمن بن جبير المصريّ هذا غير عبد الرحمن بن جُبير الحمصيّ، وهو أيضًا تابعيّ، إلا أنه من الطبقة الرابعة، وكلاهما في "صحيح مسلم"، ولا رواية لهما في "صحيح البخاريّ"، فتنبّه. ٧ - (ومنها): أن "الصَّدَفِيَ - بفتح الصاد والدال المهملتين، وبالفاء -: منسوب إلى الصَّدِف - بفتح الصاد، وكسر الدال -: قبيلة معروفة، قال أبو

стр. 3052

سعيد بن يونس؛ دَعْوَتهم في الصَّدِف، وليس من أنفسهم، ولا من مواليهم، قاله النوويّ ﵀ (١). ٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الصحابة ﵃، وأحد العبادلة الفقهاء الأربعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄ ("أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا) أي قرأ، قال المجد ﵀: تلوت القرآن، أو كلّ كلام تلاوةً ككتابةٍ: قرأته. انتهى (٢). وقوله: "أو كلّ كلام" إشارة إلى الخلاف في التلاوة، فقد جزم الأكثرون بأنها خاصّة بالقرآن، وأصل التلاوة الاتّباع، قال الراغب: التلاوة تختصّ باتّباع كلام الله المنزّل بالقراءة تارةً، وأخرى بالارتباط لما فيه من أمر، ونهيٍ، وترغيب، وترهيبٍ، أو ما يُتوهّم فيه ذلك، وهي أخصّ من القراءة، فكلّ تلاوة قراءة، ولا عكس. انتهى (٣). (قَوْلَ اللهِ بنصب "قولَ" على المفعوليّة، وقوله: (فِي إِبْرَاهِيمَ) على حذف مضاف، أي في سورة إبراهيم، أو مقالة إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]) الضمير للأصنام المذكورة في قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ولَمّا أُسند إليها ما يُسند إلى العقلاء ذكرها بضمير العاقلات، فقال: ﴿إِنَّهُنَّ﴾، ونسبة الإضلال إليهنّ مجاز؛ لكونهنّ سببًا فيه، وإلا فالله هو الذي يُضلّ، ويهدي، كما قال الله : ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النحل: ٩٣] ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ أي فيما أدعو إليه من التوحيد (﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) الكلام على حذف مضاف: أي فمن تبعَ دعوتي، فإنه من أمّتي الناجين، وقيل: المعنى: فإنه كبعضي في عدم الانفكاك، وقوله: (﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾) أي لم يتّبعني فيما جئتُ به عن ربّي، وقوله: (﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]) دليل جواب الشرط المحذوف، وهو علّة له، أي من

стр. 3053

عصاني فلا أدعو عليه؛ لأنك غفور رحيم، أي بأن تتوب عليه، فيتوب عن شركه؛ لأنه لا يغفر له مع شركه؛ لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، وقيل: إن مغفرة الشرك كانت في الأمم القديمة، وإنما امتنعت في شرعنا. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وهو قول باطلٌ مخالف لنصّ كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وهو خبر لا يدخله النسخ، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَقَالَ عِيسَى ﵇ هكذا هو في الأصول: "وقال عيسى"، قال القاضي عياض ﵀: قال بعضهم: قوله: "قال" هو اسم للقول، لا فعل، يقال: قال قولًا، وقالًا، وقِيلًا، كأنه قال: وتلا قولَ عيسى. انتهى (١). وحاصل ما أشار إليه أن "قال " ليس فعلًا ماضيًا، وإنما هو مصدر مضاف إلى "عيسى"، معطوفٌ على قوله: "قولَ الله"، فهو منصوب على المفعوليّة لـ"تلا"، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ قيل: جواب الشرط محذوف، والتقدير: فإنهم يستحقّون ذلك؛ لأنهم عبادك، قد تركوا عبادتك، فعبدوا غيرك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]) قال الزجّاج ﵀ علم عيسى ﵇ أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم: إن تعذّبهم: أي إن تعذّب من كفر منهم، فإنهم عبادك الذين عَلِمتَهُم جاحدين لآياتك، مكذّبين لأنبيائك، وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم: أي لمن أقلع منهم، وآمن فذلك تفضّل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، أو عزيز قويّ قادر على الثواب، حكيم لا يُعاقب إلا عن حكمة وصواب. انتهى (٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يُستَعطَف السيدُ لعبده، ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك، وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره،

стр. 3054

والاستجارة من عذابه، وهو يَعْلَم أنه لا يغفر لكافر، وقيل: الهاء والميم في ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم في ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لمن تاب منهم قبل الموت، وهذا حسن. وأما قول مَن قال: إن عيسى ﵇ لم يعلم أن الكافر لا يُغْفَر له، فقول مجترئ على كتاب الله ؛ لأن الأخبار من الله لا تُنْسَخ. وقيل: كان عند عيسى ﵇ أنهم أحدثوا معاصي، وعَمِلوا بعده بما لم يأمرهم به، إلا أنهم على عَمُود دينه، فقال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحدثوا بعدي من المعاصي، وقال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصّة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه، وذلك مستحيل، فالتقدير: إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا، وتعذبهم، فإنهم عبادك، وإن تَهْدِهم إلى توحيدك، وطاعتك، فتغفر لهم، فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تُضِلّ من تشاء، وتَهْدِي من تشاء. وقد قرأ جماعة: فإنك أنت الغفور الرحيم، وليست من المصحف، ذكره القاضي عياض في "كتاب الشفا". وقال أبو بكر الأنباريّ: وقد طَعَن على القرآن مَن قال: إن قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليس بمشاكل لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ لأن الذي يُشاكل المغفرةَ، فإنك أنت الغفور الرحيم. والجواب: أنه لا يَحْتَمِلُ إلا ما أنزله الله، ومتى نُقِل إلى الذي نقله إليه ضَعُفَ معناه، فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني، فلا يكون له بالشرط الأول تعلُّق، وهو على ما أنزله الله ، واجتَمَع على قراءته المسلمون، مقرون بالشرطين كليهما، أولهما وآخرهما؛ إذ تلخيصه: إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما، من التعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان؛ لعمومه، فإنه يَجْمَع الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم؛ إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله العزيز الحكيم، وما شَهِدَ بتعظيم الله تعالى وعدله، والثناء عليه، في الآية كلها،

стр. 3055

والشرطين المذكورين، أولى وأثبت معنًى في الآية، مما يَصْلُح لبعض الكلام دون بعض. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَرَفَعَ) ﷺ (يَدَيْه، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أمّتِي أمّتِي") أي ارحم أمتي، وكرّره للتأكيد (وَبَكَى) ﷺ شفقةً عليهم (فَقَالَ اللهُ : يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ) ﷺ ، وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ) جملة معترضة بين المعطوف، وهو "اذهب"، والمعطوف عليه، وهو قوله: (فَسَلْهُ) وفي نسخة: "فاسأله": (مَا يُبْكِيكَ؟) "ما" استفهاميّة، أيْ: أيُّ شيء يجعلك باكيًا؟ (فَأَتَاهُ) ﷺ (جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَ) أي بالشيء الذي قاله، وهو قوله: "أمتي أمتي") وَهُوَ أَعْلَمُ) قيل: في الكلام حذف، وأصله: فأخبره بما قال، فأخبر جبريل ربّه، وهو أعلم به (فَقَالَ اللهُ) (يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ) ﷺ ) فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ) بضم حرف المضارعة، من الإرضاء (فِي أمّتِكَ) أي بإدخالهم الجنّة، وهذا موافق لقول الله : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]. (وَلَا نَسُوءُكَ") أي لا نفعل ما تكرهه، قال المجد ﵀: ساءه سَوْءًا، وسَوَاءًا، وسَوَاءَةً، وسَوَايَةً، وسَوائيَةً، ومَسَاءَةً، ومَسَائِيَةً مقلوبًا، وأصله مَسَاوِئَةً، ومَسَايَةً، ومَسَاءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به أو بمن يَعِزّ عليه ما يكرهه، فاستاء هو. انتهى بزيادة يسيرة (٢). قال صاحب "التحرير": "لا نسوءك " تأكيد لمعنى "سنرضيك"، أي لا نَحْزُنُك؛ لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم، ويَدْخُل الباقي النار، فقال تعالى: "نُرضيك، ولا نُدخل عليك حُزْنًا، بل نُنْجِي الجميع"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 3056

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٣/ ٥٠٥] (٢٠٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٤١٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠١)، و (ابن حبّان) في "مسنده" (٧٢٣٤ و ٧٢٣٥)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٢٤)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١٣/ ٢٢٩)، و (البيهقيّ) في "الأسماء والصفات" (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٣٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كمال شفقة النبيّ ﷺ على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، فهو مصداق قوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٢ - (ومنها): كمال خُلقه ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٣ - (ومنها): سعة شفقته ورحمته ﷺ ، وشمولها لجميع أمته، بل لجميع العالمين، كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ٤ - (ومنها): استحباب رفع اليدين في الدعاء. ٥ - (ومنها): البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفًا - بما وعدها الله تعالى بقوله: "سنُرضيك في أمتك، ولا نَسُوءك"، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة، أو أرجاها. ٦ - (ومنها): بيان عظم منزلة النبيّ ﷺ عند الله تعالى، وعظيم لطفه سبحانه ﷺ ٧ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إرسال جبريل ﵇ لسؤاله ﷺ إظهار شرف النبيّ ﷺ ، وأنه بالمحلّ الأعلى، فَسَيُرْضَى، ويُكْرَمُ بما يرضيه، أفاده النوويّ ﵀ (١).

стр. 3057

وقال القرطبيّ ﵀: وأمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يسأل نبينا ﷺ عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكّن نبيّنا ﷺ في مقام الفتوّة (١)، وغاية اعتنائه بأمته ﷺ . انتهى (٢). ٨ - (ومنها): ما قاله أبو العباس القرطبيّ ﵀: معنى هاتين الآتين: أن كلّ واحد من إبراهيم وعيسى ﵇ لم يَجزما في الدعاء لعُصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان عند نبيّنا ﷺ (٣)، ألا ترى أنهما في الآيتين كأنهما تبرّءا من عصاة أممهما، ولَمّا فَهِمَ نبيّنا ﷺ ذلك، انبعث بحكم ما يجده من شدّة شفقته ورأفته وكثرة حرصه على نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رِفْعَة مقامه على غيره جازمًا في الدعاء لأمته، مجتهدًا فيه لهم، متضرِّعًا، باكيًا، مُلِحًّا، يقول: "أمتي أمتي"، فِعْلَ المحبّ المستهتِر (٤) بمحبوبه، الحريص على ما يُرضيه، الشفيق عليه، اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله تعالى فيهم، وبشّره بما بشّره من مآل حالهم، حيث قال الله تعالى: "إنا سنُرضيك في أمتك"، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]. قال بعض العلماء: والله ما يَرضى محمد ﷺ ، وواحد من أمته في النار، وهذا كلّه يدلّ على أن الله تعالى خصّ نبيّنا ﷺ من كَرَم الْخُلُق، ومن طيب النفس، ومن مقام الْفُتُوّة بما لم يخُصّ به أحدًا غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، صلّى الله عليه أفضل ما صلّى على أحد من خليقته، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٥).

стр. 3058

والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٤) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ فِي النَّار، وَلَا تنالُهُ شَفَاعَة، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةٌ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٦] (٢٠٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: "في النَّارِ"، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٥) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة بضع ١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠. ٥ - (أنَس) بن مالك الصحابيّ المشهور ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.

стр. 3059

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه أيضًا، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيْنَ أَبِي؟) أي في أيّ مكان هو؟ أفي الجنّة، أم في النار؟ (قَالَ) ﷺ ("فِي النَّارِ") متعلّق بمحذوف، خبر لمبتدأ مقدّر: أي هو كائن في النار (فَلَمَّا قَفَّى) وفي نسخة: "قال: فلما قَفَّى": أي أدبر الرجل، وولّى من مجلس رسول الله ﷺ منصرفًا، وقال ابن الأثير ﵀: أي ذهب مولِّيًا، وكأنه من القفا: أي أعطاه قفاه وظهره. انتهى (١). (دَعَاهُ، فَقَالَ) ﷺ ("إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ في النَّارِ") هذا من حسن عِشرته ﷺ ؛ للتسلية بالاشتراك في المصيبة. قال القرطبيّ ﵀ (٢): هذا جبر للرجل مما أصابه، وأحاله على التأسّي به، حتى تهون عليه مصيبته بأبيه، وذلك لَمّا حفظ الحرمة، ولم يقل: أين أبوك؟ بخلاف من قال ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال له: "حيثما مررت بقبر مشرك، فبشّره بالنار"، وذلك فيما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عمر ﵄، قال: جاء أعرابي إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يَصِلُ الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: "في النار"، قال: فكأنه وَجَدَ من ذلك، فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله ﷺ : "حيثما مررت بقبر مشرك، فبشّره بالنار"، قال: فأسلم الأعرابي بعدُ، وقال: لقد كَلَّفني رسول الله ﷺ تَعَبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 3060

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٤/ ٥٠٦] (٢٠٣)، و (أبو داود) في "السنة" (٤٧١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١٩/ ١٣ و ٢٦٨)، و (ابن منده) في "الإيمان" (٩٢٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٢ و ٥٠٣). [تنبيه]: ورد في الباب حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ أن أعرابيًّا أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فأين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر، فبشّره بالنار"، أخرجه البزّار (٩٣)، والطبرانيّ في "الكبير" (٣٢٦)، وزاد: "فأسلم الأعرابيّ، فقال: لقد كلّفني رسول الله ﷺ بعناء، ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار"، ورواه البيهقيّ في "دلائل النبوّة" (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، وابن السنّيّ في "عمل اليوم والليلة" (٥٨٨)، والضياء في "المختارة" (١/ ٣٣٣)، وأورده الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (١/ ١١٧ - ١١٨) وقال: رواه البزّار، والطبرانيّ في "الكبير"، ورجاله رجال الصحيح (١). وفي الباب أيضًا حديث عمران بن حُصين ﵁: أن أباه الحصين أتى النبيّ ﷺ ، فقال: أرأيت رجلًا كان يَقري الضيف، وَيصِلُ الرحم مات قبلك؟ وهو أبوك، فقال: "إن أبي وأباك وأنت في النار"، فمات حُصين مشركًا، رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٨/ ٥٤٨ و ٥٤٩)، أورده الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١١٧)، وقال: رواه الطبرانيّ في "الكبير"، ورجاله رجال الصحيح. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أن حصينًا والد عمران أسلم، وقد أشبع الكلام في إسلامه في "الإصابة" (٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 3061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3062

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن من مات على الكفر، فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. ٢ - (ومنها): أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذةً قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم ونجيره من الأنبياء - صلوات الله تعالى وسلامه عليهم -. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما كان في النبيّ ﷺ من حسن العشرة، والخلق الكريم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]؛ لأنه لما رأى الرجل عَظُمت عليه المصيبة، أراد أن يُهَوّن عليه، ويُخفّف عنه، فأخبره بأن مصيبته كمصيبته، فعليه أن يتأسّى به. ٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان ﵀: فيه استحباب استمالة قلب أخيه المسلم بما لا يَحْظُرُ الكتاب والسنّة. انتهى (١). [تنبيه]: إن تعجب، فعجبٌ بعد ثبوت هذه الأحاديث الصحاح محاولة بعض العلماء المتأخّرين، كالسيوطيّ في ادّعاء نجاة أبوي النبيّ ﷺ ، وردّ هذه الأحاديث الصحيحة بضرب من التأويل المتعسّف به، والاستدلال على ادّعائهم بالحكايات الواهية، وغيرها من الأساطير التي لا ينبني عليها شرعنا الشريف، بل هي مصادمة للنصوص الصحيحة، كقوله:

стр. 3063

حَبَا اللهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ … عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ … لإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفَا فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ … وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفَا وقد ألّف السيوطيّ في ذلك رسالة سمّاها "مسالك الحنفا في والدي المصطفى"، وحشد فيه الأحاديث الضعيفة، والأخبار الواهية، وحاول في رد الأحاديث الصحيحة، كأحاديث هذا الباب، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي"، رواه مسلم، وفي رواية أحمد، وأبي داود: زار النبيّ ﷺ قبر أمه، فبكى، وبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي … " الحديث، فعارض هذه الأحاديث الصحيحة بتلك الأخبار الواهية، بل ادّعى أن ﷺ من آدم إلى والده كلّهم على التوحيد، وكلّهم ناجون. ومن أغرب ما تراه وتسمعه في ذلك الكتاب، محاولته في حمل قصّة والد إبراهيم ﵇ الذي جاء في عدّة اَيات من الكتاب العزيز بأنه أبوه، على أنه عمّه، وليس أباه، وهذا من أعجب العجاب. وبالجملة فذلك الكتاب فيه عجائب وغرائب من صرف النصوص الصحيحة الصريحة إلى غير ما دلّت عليه بتأويلات سخيفة، ومعارضتها بالروايات الضعيفة التي اعترف السيوطيّ نفسه بأنها ضعيفة. ولقد أجاد شُرّاح هذا الكتاب، كالقاضي عياض، والقرطبيّ، والنوويّ رحمهم الله تعالى، حيث لم يتعرّضوا لهذه التأويلات السخيفة، سوى الأبيّ، فإنه قد حاد عن الجادّة، ولذا اعتمد عليه السيوطيّ في رسالته، وأعرض عما ذهب إليه هؤلاء، وصرّحوا به، فقالوا: في هذا الحديث أن من مات على الكفر، فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقرّبين، وأن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو في النار. وهذا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وأما ما عداه فمن الغلوّ الذي يَحمِل على الانحراف عن الجادّة بصرف النصوص عن ظواهرها، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، وقل:

стр. 3064

اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت؛ إنك تقضي، ولا يُقضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليت، لا يَعِزُّ مَن عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليت، آمين اَمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٥) (بَابٌ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٧] (٢٠٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا (١) أُنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وَخَصَّ، فَقَالَ: "يَا بَنِي كعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أنقِذُوا أنفسَكمْ مِنَ النّار، يَا بَني مرَّة بنِ كعْبٍ، أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النّار، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي هَاشِم، أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّار، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا").

стр. 3065

رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُوَيد اللَّخْميّ، حَلِيف بني عديّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦. ٢ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣. والباقون تقدّموا قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، والصحابيّ، كما تقدّم قريبًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ وسيأتي أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، قال في "الفتح": هذا يعتبر من مراسيل الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيليّ؛ لأن أبا هريرة ﵁ إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصّة وقعت بمكّة، وابن عبّاس كان حينئذ إما لم يولد، وإما طفلًا، ويؤيّد الثاني نداء فاطمة، فإنه يُشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تُخاطَب بالأحكام. ويحتمل أن تكون هذه القصة وقعت مرّتين، لكن الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرّح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت. نعم وقع عند الطبرانيّ من حديث أبي أمامة ﵁، قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله ﷺ بني هاشم، ونساءه، وأهله، فقال: "يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسْعَوْا في فَكَاك رقابكم، يا عائشةُ بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة"، فذكر حديثًا طويلًا، فهذا إن ثبتٌ دلّ على تعدّد القصّة؛ لأن القصّة الأولى وقعت بمكة؛ لتصريحه في حديث ابن عباس ﵁ أنه صَعِد الصفا، ولم تكن عائشة،

стр. 3066

وحفصة، وأم سلمة عنده، ومن أزواجه إلا بالمدينة، فيجوز أن تكودن متأخّرةً عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة، وابن عبّاس ﵃ أيضًا، ويُحمل قوله: "لَمّا نزلت … جَمَعَ": أي بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعلّه كان نزل أوّلًا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾، فجَمَع قريشًا، فعمّ، وخصّ، كما سيأتي، ثم نزل ثانيًا: "ورهطك منهم المخلصين"، فخصّ بذلك بني هاشم، ونساءه، والله أعلم. انتهى (١). (قَالَ: لَمَّا (٢) أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾، زاد في حديث ابن عباس ﵄ الآتي من طريق عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عنه: "ورهطك منهم المخلصين"، وهذه الزيادة وصلها الطبريّ من وجه آخر عن عمرو بن مرّة أنه كان يقرؤها كذلك، قال القرطبيّ ﵀: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا، فنُسخت تلاوتها. ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفّار، والْمُخْلِص صفة المؤمن. والجواب عن ذلك أنه لا يمتنع عطف الخاصّ على العامّ، فقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ عامّ فيمن آمن منهم، ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلصين، تنويهًا بهم، وتأكيدًا. ومعنى ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: أي ذوي القرابة القريبة، و"العشيرة": رهط الرجل الأَدْنوْن، أو هم أهل الرجل الذين يتكثّر بهم: أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وهو العشرة. (دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا) بصيغة التصغير، هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قريش، هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهَيليّ وغيره، وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفية السيرة"، حيث قال: أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ ويُنسب إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيّ، وربّما نُسب إليه في

стр. 3067

الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى. وقال في "الفتح": نداؤه ﷺ قبائل قريش قبل عشيرته الأدنين؛ ليُكرّر إنذار عشيرته، ولدخول قريش كلّها في أقاربه، ولأن إنذار العشيرة يقع بالطبع، وإنذار غيرهم يكون بطريق الأولى. انتهى (١). (فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أي عمّهم بالإنذار، يقال: عمّهم بكذا: أي شَمِلَهم (وَخَصَّ) أي خَصّ من كان أهلًا لذلك بالخطاب والنداء. والمعنى: أنه ﷺ عمّ قريشًا بالدعوة وشملها، فقال: يا معشر قريش، وخصّ بعض بُطونها، فقال: يا بني كعب … إلخ، فالفاء في قوله: "فعمّ" للتفصيل، مثلها قوله: "توضّأ، فغسل وجهه … إلخ". وفي حديث ابن عباس ﵄: "فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عديّ، لبطون قريش"، ووقع عند البلاذريّ من وجه آخر عن ابن عباس أبين من هذا، ولفظه: "فقال: يا بني فهر، فاجتمعوا، ثم قال: يا بني غالب، فرجع بنو مُحارب، والحارث ابنا فهر، فقال: يا بني لؤيّ، فرجع بنو الأدرم بن غالب، فقال: يا آل كعب، فرجع بنو عديّ، وسَهْم، وجُمَح، فقال: يا آل كلاب، فرجع بنو مخزوم، وتيم، فقال: يا آل قُصيّ، فرجع بنو زُهْرة، فقال: يا آل عبد مناف، فرجع بنو عبد الدار، وعبد العزّى، فقال له أبو لهب: هؤلاء بنو عبد مناف عندك"، وعند الواقديّ أنه قصر الدعوة علي بني هاشم والمطّلب، وهم يومئذ خمسة وأربعون رجلًا، وفي حديث عليّ ﵁ عند ابن إسحاق، والطبريّ، والبيهقيّ في "الدلائل" أنهم كانوا حينئذ أربعين، يزيدون رجلًا، أو ينقصون، وفيه عمومته: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب. ولابن أبي حاتم من وجه آخر عنه أنهم يومئذ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، وفي حديث عليّ ﵁ من الزيادة: صَنَعَ لهم شاةً على ثريد، وقَعْب لَبَن، وأن الجميع أكلوا من ذلك، وشَرِبوا، وفَضَلَت فَضْلَة، وقد كان الواحد منهم يأتي على جميع ذلك. قاله في "الفتح" (٢).

стр. 3068

ثم بيّن معنى قوله: "فعمَّ وخصَّ" بقوله: (فَقَالَ: "يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ) بضم اللام، وفتح الهمزة، وقد تُبدل واوًا، فتحتيّةً مشدَّدةً، وقال صاحب "المطالع": "لُؤَيّ " يُهْمَز، ولا يهمز، والهمز أكثر. انتهى (١)، وهو ابن غالب بن فهر (أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ) أمر من الإنقاذ رباعيًّا: أي خلّصوها من النار بترك أسبابها، والاشتغال بأسباب الجنّة. وفي الرواية الآتية: "اشتروا أنفسكم من الله": أي باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تَسلَموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، فهناك المؤمن بائع، باعتبار تحصيل الثواب، والثمن الجنّة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلّها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه حقّ طاعته في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وفّى ما عليه من الثمن، وبالله تعالى التوفيق. (يَا بَنِي مُرَّةَ) بضم الميم، وتشديد الراء (بنِ كعْبٍ، أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَني هَاشِم، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَني عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول: "فاطمة"، وفي بعضها، أو أكثرها: "يا فاطم" بحذف الهاء على الترخيم، كما قال في "الخلاصة": تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى … كـ"يَا سُعَا" فِيمَنْ دَعَا "سُعَادَا" وعلى هذا فيجوز ضمّ الميم، وفتحها، ويسمّى الأول لغة من ينتظر، والثاني لغة من لا ينتظر، وإليه أشار في "الخلاصة" بقوله: وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي "ثَمُودَ""يَا … ثَمُو"و"يَا ثَمِي" عَلَى الثَّانِي بِيَا وإنما ختم بفاطمة ﵂؛ لأنها خلاصة قومها، ثم عمّ في تبرّي إنقاذه

стр. 3069

إياهم من النار بغير الإيمان، والعمل الصالح بقوله: (فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ) أي لجميعكم، عامّكم وخاصّكم (مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي من رحمته، أو دفع عذابه، أو غير ذلك. وقال النووي: معناه: لا تتكلوا على قرابتي، فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم. انتهى (١). وقال القاريّ ﵀: المعنى: أني لا أقدر أن أدفع عنكم من عذاب الله شيئًا إن أراد الله أن يعذّبكم، وهو مقتبس من قوله : ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ الآية [الفتح: ١١]، بل قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٨]. [فإن قلت]: هذا يعارض ما تقدّم من ثبوت الشفاعة له ﷺ . [أجيب]: أن ثبوتها لا يوجب أنه يملك شيئًا، ولا سيّما وهو محتاج فيها إلى الإذن من الله تعالى، فقد أحكم الله تعالى شأنها، وجعل أمرها إليه وحده لا شريك، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٤٤]. والحاصل أنه ﷺ ، وإن كان ينفع المؤمنين بشفاعته، غير أن ذلك ليس بكونه مالكًا لها، وإنما هو بطلب من الله تعالى، واستئذان عليه، ثم يقول الله تعالى له: "سل تُعطه، واشفع تُشَفَّع"، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَيْرَ أَن لَكُمْ رَحِمًا) استثناء منقطع (سَأَبُلَّهَا) بضم الباء الموحّدة، مِن بلّ الرحم، من باب نصر: إذا وصلها: أي سأصلها في الدنيا، ولا أغني من الله شيئًا، كذا في "النهاية". وقال السنديّ: أو بالشفاعة في الآخرة، أي إن آمنتم، لكن الوصل المشهور هو وصل الدنيا، لا وصل الآخرة، واستُعير الْبَلُّ لوصل الرحم؛ لأن بعض الأشياء تتصل بالنداوة، وتتفرّق باليبس، فاستُعير البلّ للوصل، واليبس للقطيعة. وقال الطيبيّ: ﵀ تُطْلِق العرب النداوة على الصلة كما تُطْلِق اليبس على القطيعة؛ لأنهم لَمّا رأوا بعض الأشياء يتّصل بالنداوة، ويَحصُل بينهما

стр. 3070

التجافي، والتفرّق باليبس استعاروا البلل بمعنى الوصل، واليبس بمعنى القطيعة. والمعنى: أصلكم في الدنيا، ولا أُغني عنكم من الله شيئًا. انتهى (١). وقوله: (بِبِلَالِهَا) قال في "القاموس": بِلالٌ ككتاب: الماء، ويُثلّث، وكلّ ما يُبلّ به الحلقُ، وفي "المجمع": البِلالُ بكسر الباء، ويُروى بفتحها، قيل: شَبَّهَ القطيعةَ بالحرارة، تُطفأ بالماء، وفي "النهاية": البِلال جمع بَلَل، وقيل: هو كلّ ما بَلّ الحلق من ماء، أو لبن، أو غيره (٢). انتهى. وقال النوويّ: ضبطناه بفتح الباء الثانية، وكسرها، وهما وجهان مشهوران، ذكرهما جماعات من العلماء، قال القاضي عياض: رويناه بكسر الباء، قال أبو عمرو: يقال: بَلَلتُ رحمي بَلًّا، وبِلالًا، وبَلَلًا، قال الأصمعيّ: أي وَصَلْتُها، ونَدّيتها بالصلة، وإنما شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة تُطفأ بالْبَرْد، كما يقال: سقيته شَرْبةً بَرّدت عَطَشه، قال: ورأيت للخطّابيّ أنه "ببَلالها" بالفتح، كالْمَلال، وقال الهرويّ: الْبِلال جمعُ بَلَل، كجَمَل وجِمَال، وقيل: معنى هذا ما ورد في مثله من قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. انتهى (٣). وقال صاحب "المطالع": رويناه بكسر الباء، وفتحها، مِن بلّه يبُلّه، والبِلال: الماء. ومعنى الحديث: سأصلها، شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: "بُلُّوا أرحامكم" أي صلوها. انتهى (٤). [تنبيه]: هذه الرواية تردّ زعم من يزعُم أن المصنّف يذكر في أول الباب أقوى الروايات فإن الرواية الرابعة أقوى من هذه بكئير، فإن هذه من رواية عبد الملك بن عمير، وهو متكلّم فيه، بل ضعّفه بعضهم، والظاهر أن المصنّف ﵀ قدّمها لأجل هذه الزيادة، والله تعالى أعلم.

стр. 3071

[تنبيه آخر]: قوله: "غير أن لكم رَحِمًا … إلخ"، هذه الزيادة محلّ نظر؛ لأنها من رواية عبد الملك بن عمير، وهو وإن وثّقه بعضهم، إلا أنه ضعّفه أحمد جدًّا، وقال ابن معين: مُخَلّط، وقال أبو حاتم: لم يوصف بالحفظ (١)، وقد خالفه معاوية بن إسحاق، فأرسله، فقد رواه النسائيّ من طريقه، عن موسى بن طلحة، قال: قال رسول الله ﷺ … ، ولم يذكر أبا هريرة ﵁، وقد روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ الثقات، كما يأتي بعد حديثين من رواية ابن المسيّب، وأبي سلمة، كليهما عن أبي هريرة، وليست فيه هذه الزيادة. والحاصل أن المصنّف صحح هذه الزيادة، مع ما ذُكر من العلة، وكذا قال الترمذيّ: حديث حسنٌ غريب من هذه الوجه فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من طريق موسى بن طلحة، عنه من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٥/ ٥٠٧ و ٥٠٨] (٢٠٤)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٥)، و (النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦١٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣٣ و ٣٦٩ و ٣٦١ و ٥١٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٤٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٦٩ و ٢٧٠)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائد حديث الباب (٢): ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وامتثال النبيّ ﷺ الأمر، فبلّغ عشيرته، وأنذرهم.

стр. 3072

٢ - (ومنها): استحباب القيام على شيء عال، أو مرتفع من الأرض؛ لإبلاغ الدعوة إذا كثُر العدد، كما فعل ﷺ ، حيث صَعِد على الصفا؛ لأن فيه انتشارَ الصوت مع تمكّن السامعين من مشاهدة المتكلّم، وذلك مما يساعد على استقرار الكلام في النفوس. ٣ - (ومنها): بيان أن الأقرب للرجل من كان يَجمعه هو وجدٌّ أعلى، وكلُّ من اجتمع معه في جدّ دون ذلك كان أقرب إليه. ٤ - (ومنها): مشروعيّة الْهِتَاف بـ "يا صباحاه" ونحوها مما اعتاده الناس لجمعهم، وقد ورد عند الطبريّ أن النبيّ ﷺ وَضَعَ أصابعه في أذنه، ورفع صوته. ٥ - (ومنها): وُضوح بيانه ﷺ ، وقوّة حجته؛ إذ أخذ إقرارهم أوّلًا على صدقه في مهامّ أمورهم، وأخطرها قبل أن يُخبرهم، ويُنذرهم، فقال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرُج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟ ". ٦ - (ومنها): بيان صبره ﷺ على أذى قومه، بل على أذى من هو أقرب الناس إليه، وهو عمه، حيث قال له أبو لهب: "تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟ " بل رُوي: أنه أخذ بيديه حجرًا؛ ليرمي بها رسول الله ﷺ قبل قوله: "تَبًّا لك". ٧ - (ومنها): أن السرّ في تخصيص عشيرته ﷺ الأقربين بالإنذار مع عموم رسالته، دفعُ توهّم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهمّ، وأن البداءة تكون بمن يلي، ثم بمن بعده، وهكذا. وقال في "الفتح": والسرّ في الأمر بإنذار الأقربين أوّلًا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علّة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب، من العطف، والرأفة، فَيُحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نصّ له على إنذارهم. ٨ - (منها): أن إفراده ﷺ فاطمة، وصفيّة، وعبّاسًا ﵃ في الروايات الآتية؛ لشدّة قرابتهم، وشدّة صلته بهم من بين قراباته، وفاطمة ﵂ كانت أصغر أولاده ﷺ ، وللصغير زيادة محبّة، فإذا انتفى نفعه لمن يُحب من أقاربه، ومن يَحرص على نفعه انتفى عن غيره من باب أولى. ٩ - (ومنها): ما استنبطه الإمام النسائيّ ﵀، وترجمه عليه، فقال:

стр. 3073

"بابٌ إذا أوصى لعشيرته الأقربين"، وبيان ذلك أنه إذا أوصى لأقارب فلان، يعمّ القبيلة كلها؛ لأنه ﷺ لَمّا قيل له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ عمّم قبيلته كلّها. ١٠ - (ومنها): أنه استدلّ بعض المالكيّة بقوله: "يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنكِ من الله شيئًا"، أن النيابة لا تدخل في أعمال البرّ، إذ لو جاز ذلك لكان يتحمّل عنها ﷺ بما يخلّصها، فإذا كان عمله لا ينفع نيابةً عن ابنته، فغيره أولى بالمنع. وتُعُقّب بأن هذا كان قبل أن يُعلمه الله ﷺ بأنه يَشفَع فيمن أراد، وتُقبل شفاعته، حتى يُدخل قومًا بغير حساب، ويَرفَع درجات قوم، ويُخرِج من النار من دخلها بذنوبه، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير. أو أنه أراد المبالغة في الحضّ على العمل، ويكون في قوله: "لا أغني شيئًا" إضمار إلا إن أذن الله لي بالشفاعة. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا التعقّب نظرٌ لا يخفى؛ لأن الشفاعة المذكورة ليست ملكًا للنبيّ ﷺ ، ولذلك احتاج إلى الاستئذان فيها، وهي محدودة فيمن يأمره الله تعالى بأن يشفع فيهم، لا في جميع أمته، كما تقدم في قوله ﷺ : "فيحُدّ لي حدًّا، فأخرجهم من النار، فأُدخلهم الجنة". والحاصل أن شفاعته ﷺ ثابتة دون شكّ، إلا أنها ملك لله ، كما قال : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فتبيّن أن قوله ﷺ هنا: "لا أملك لكم من الله شيئًا" على ظاهره، ففيه الحثّ على التمسّك بأسباب الشفاعة حتى يدخلوا في شفاعته ﷺ ؛ لأنه لا تكون إلا لمن ﵁، كما قال : ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: قد استُدِل بالحديث وبسورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، على جواز تكنية الكافر، وقد اختَلَف العلماء في ذلك، واختلفت الرواية عن مالك في جواز تكنية الكافر بالجواز والكراهة، وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التألف، وإلا فلا؛ إذ في

стр. 3074

التكنية تعظيم وتكبير، وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب، فليست من هذا، ولا حجة فيه؛ لأن ترك اسمه لقبحه؛ إذْ كان اسمه عبد العزى، وهذه تسمية باطلة، فلهذا كُنِي عنه، وقيل: لأنه إنما كان يُعْرَف بها، وقيل: إن أبا لهب لَقَبٌ، وليس بكنية، وكنيته أبو عُتْبَة، وقيل: إنما ذُكر بكنيته؛ للإشارة إلى ما يؤول إليه أمره من لَهَب جهنّم، وذهب بعضهم إلى أن الكنية لا تدلّ بمجرّدها على التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم دون كناهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا (١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أتمُّ وَأَشْبَعُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. وعبد الملك سبق في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي الإسناد الماضي، وهو عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁. وقوله: (وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أتمُّ وَأَشْبَعُ) يعني أن متن حديث جرير بن عبد الحميد الماضي أتمّ، وأشبع من متن حديث أبي عوانة. [تنبيه]: رواية أبي عوانة هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية جرير، أخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٨٨)، فقال:

стр. 3075

(٢٦٨) حدثنا محمد بن يحيى، وإبراهيم بن مرزوق، وأبو أمية، قالوا: ثنا أبو الوليد (ح)، وحدثنا الزعفرانيّ، قال: ثنا عَفّان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عُمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال: لَمّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قام رسول الله ﷺ ، فنادى: "يا بَنِي كعب بن لُؤَيّ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّها ببلالها"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٩] (٢٠٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِب، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُوني مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفي الحافظ تقدّم قريبًا. ٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفي الحافظ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن واصل الشيبانيّ، أبو بكر، ويقال: أبو بُكَير الْجَمّال الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٩]. رَوَى عن خالد بن دينار السَّعْديّ، وخالد بن دينار النِّيليّ، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وأسباط بن نصر، وهشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق، وعمر بن ذَرّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله، ويحيى بن معين، وسعيد بن سليمان، وأبو

стр. 3076

خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعبيد بن يعيش، وأبو كريب، وغيرهم. قال مضر بن محمد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان صدوقًا، وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، قال عثمان: يخالف في يونس، وقال عثمان أيضًا: لا بأس به، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: كان ثقةً صدوقًا، إلا أنه كان مع جعفر بن يحيى، وكان موسرًا، فقال له رجل: إنهم يرمونه بالزندقة، فقال: كَذبَ، ثم قال يحيى: رأيت ابني أبي شيبة أتياه، فأقصاهما، وسألاه كتابًا، فلم يُعطهما، فذهبا يتكلمان فيه، قال يحيى بن معين: قد كتبت عنه، وقال أبو خيثمة: قد كتبت عنه، وقال العجليّ: بَكْر بن يونس بن بُكير لا بأس به، كان أبوه على مظالم جعفر، وبعض الناس يضعّفونهما، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة، أيُّ شيء يُنْكَر عليه؟ قال: أما في الحديث فلا أعلمه، وسئل عنه أبي، فقال: محله الصدق، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس هو عندي بحجة، كان يأخذ كلام ابن إسحاق، فيوصله بالأحاديث، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال مرةً: ضعيف، وقال إبراهيم بن داود: سألتُ محمد بن عبد الله بن نمير عنه، فقال: ثقةٌ رَضِي، وقال عُبيد بن يَعِيش: ثنا يونس بن بُكير، وكان ثقةً، وقال ابن عمار: هو اليوم ثقةٌ عند أصحاب الحديث، وقال الْجُوزَجانيّ: ينبغي أن يُتَثَبَّتَ في أمره، وقال الساجيّ: كان ابن المدينيّ لا يُحَدِّث عنه، وهو عندهم من أهل الصدق، وقال أحمد بن حنبل: ما كان أزهد الناسَ فيه، وأنفَرَهم عنه، وقد كتبت عنه، قال الساجيّ: وحدثني أحمد بن محمد - يعني ابن مُحْرِز - قال: قلت ليحيى الْحِمَّانيّ: ألا تروي عن يونس بن بكير؛ قال: لم يكن ظاهرًا، قال رجاء لابن أبي شيبة: ألا تروي عنه؛ قال: كان فيه لِين، قال الساجيّ: وكان صدوقًا، إلا أنه كان يَتْبَع السلطان، وكان مرجئًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال مُطَيَّن وغيره: مات سنة تسع وتسعين ومائة. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، أخرج له هذا الحديث، مقرونًا بوكيع، وليس له عنده غيره، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس

стр. 3077

[٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الأصحّ (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين، الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄ تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ١٣٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بُكير، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا) بفتح الصاد المهملة، مقصورًا، هو في الأصل: الحجارة، ويقال: الحجارة الْمُلْسُ، والواحدة صَفَاةٌ، والمراد هنا: الموضع المعروف بمكة، وهو مبدأ السعي، ويجوز تذكيره باعتبار المكان، وتأنيثه باعتبار البقعة، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (فَقَالَ) ﷺ ("يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِب، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطلِبِ) قال النوويّ: ﵀: يجوز نصب "فاطمة"، و"صفية"، و"عباس"، وضمّهم، والنصب أفصح وأشهر، وأما "بنت"، و"ابن" فمنصوبان لا غير؛ لأنهما مضافان تابعان للمنادى، وهذا وإن كان ظاهرًا معروفًا، فلا بأس بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه، وإفراده ﷺ هؤلاء؛ لشدة قرابتهم. انتهى بزيادة (٢). قال الجامع عفا الله تعالى: وإلى ما ذكره النوويّ ﵀ من نصبِ وضمِّ

стр. 3078

فاطمةَ، وما بعدها، أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة"، حيث قال: وَنَحْوَ "زيدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ" وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنَ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: "يا صفيّةُ عمّةَ رسول الله ﷺ "، فعليه يجب ضمّ "صفيّة"؛ لكونه علمًا مفردًا، وأما "عمّةَ" فمنصوب لا غير، وقد أشار إلى ذلك ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال: تَابعَ ذِي الضَّمِّ الْمُضَافَ دُونَ "أَلْ" … أَلْزِمْهُ نَصْبًا كـ"زيدُ ذَا الْحِيَلْ" فما وقع في "الفتح" ٩/ ٤٥٢ من قوله: "ويجوز في "صفيّة" الرفع والنصب" (١)، فليس بصواب، وإنما اشتبه عليه هذا بقوله: "يا فاطمة بنت محمد ﷺ "، فإنه هو الذي يجوز فيه ما ذُكِر، كما أسلفناه آنفًا، فتبصّر، وراجع شروح "الخلاصة" وحواشيها في "باب النداء" (٢)، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ") أي فإني أُعطيكم ما أقدر عليه مما تسألون، ولكن لا تسألوني دِفاعًا عنكم من عذاب الله تعالى، إن لم تُسلموا، وتفعلوا الخير، فإني لا أستطيع أن أنفعكم في ذلك. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "من مالي"، أرى أنه ليس من المال المعروف في شيء، إنما عبّر به عما يملكه من الأمر، وَينْفُذ تصرّفه فيه، ولم يثبُت عندنا أنه ﷺ كان ذا مالٍ، لا سيّما بمكة. وَيَحْتَمِل أن الكلمتين أعني: "مِنْ"، و"ما" وقع الفصل فيهما من بعض من لم يُحقّقه من الرواة، فكتبهما منفصلتين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الطيبيّ ﵁، وإن كان وجهًا لا بأس به، إلا أنه لا يبعُدُ حمله على المال المعروف؛ لأن المال غادٍ ورائح، يحصل تارةً، ولا يحصل أخرى، فقوله: "سلوني … إلخ " أي ليُعطيهم ما حَصَل لديه، ويَعِدَهم فيما يُستَقبل إذا لم يكن عنده، كما فُسِّر بذلك قوله : ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ [الإسراء: ٢٨]، قال

стр. 3079

الحافظ ابن كثير ﵀: أي إذا سألك أقاربك، ومن أمرناك بإعطائهم، وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أي عِدْهم وعدًا بسهولة ولين، إذا جاء رزق الله، فسنصِلُكُم، إن شاء الله. هكذا فَسَّرَ قولَهُ تعالى: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ بالوعد مجاهدٌ، وعكرمةُ، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغير واحد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخرجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٥/ ٥٠٩] (٢٠٥)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣١٠)، و"التفسير" (٣١٨٤)، و (النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٧٥)، وفي "الكبرى" (٦٤٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٤٥٢٣ و ٢٥٠٠٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٥)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٠] (٢٠٦) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّب، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالً: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُنزِلَ عَلَيْهِ (٢) ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الله، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْني عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا

стр. 3080

أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ (١)، سَلِينِي بِمَا شِئْت، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المخزوميّ المدنيّ، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا قبل بابين، وكذا شرح الحديث، تقدّم قبل حديثين. وقوله: (سَلِيني بِمَا شِئْتِ) في الرواية السابقة عدّاه بنفسه، فقال: "سلوني ما شئتم"، وعدّاه هنا بالباء؛ لأن "سأل" يتعدّى بنفسه، وبـ "عن"، وبالباء، قال المجد ﵀: سأله كذا، وعن كذا، وبكذا بمعْنًى. انتهى (٢). ووقع في بعض النسخ: "سليني ما شئت"، بحذفها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الإيمان" [٩٥/ ٥١٠ و ٥١١] (٢٠٦)، و (البخاريّ) في "الوصايا" (٢٧٥٣)، و (المناقب) (٣٥٢٧)، و"التفسير" (٤٧٧١)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٣١٨٥)، و (النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٠ و ٣٩٨)، و (الدارميّ) في "مسنده" (٢٧٣٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٠٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا

стр. 3081

زَائِدَةُ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو بن شَبيب الأزديّ الْمَعْنيُّ - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر النون - أبو عمرو البغداديّ، ويُعرَف بابن الْكِرْمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن زائدة بن قُدامة، والمسعوديّ، وجرير بن حازم، وزهير بن معاوية، وأبي إسحاق الْفَزَاريّ، وإسرائيل، وفضيل بن مرزوق، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ورَوَى هو والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، وأحمد بن أبي رجاء الْهَرَويّ، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وعمرو الناقد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وغيرهم. قال حنبل، عن أحمد: صدوق ثقةٌ، وقال مهنأ بن يحيى: سألت أبا عبد الله، عن خَلَف بن تميم، قلت له: كان مثل معاوية بن عَمْرو؟ قال: لا، فإنه أتقن في الحديث منه، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان شجاعًا، وكان يقال له: ابن الْكِرْمانيّ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، في جمادى الأولى، وقيل: سنة أربع عشرة، وفيها أَرّخّه ابن سعد في "الصغير"، وقال في "الطبقات الكبرى": رَوَى عن زائدة مصنفاته، وعن أبي إسحاق الفزاري كتاب السير، ونزل بغداد، وتُوُفي بها سنة خمس عشرة، أو أربع عشرة، وقال أبو غالب، علي بن أحمد بن النضر: مات جدي معاوية بن عمرو سنة أربع عشرة ومائتين، وكان مولده سنة ثماني وعشرين ومائة، وكان أسنّ من وكيع بسنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا (٢٠٦)، وحديث (٣١٦): "اغتَسَلَ من الجنابة … "، و (٣٦٠): "إن شئتَ

стр. 3082

فتوضّأ … "، و (٩٢٠): "إن الروح إذا قُبض تبعه البصر … "، و (٢٥٤٩): "أحيٌّ والداك؟ قال: نعم … ". ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ) هو: أبو الزناد القرشيّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٥ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. وقوله: (نحو هذا) أي نحو حديث ابن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. [تنبيه]: رواية الأعرج هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية ابن المسيِّب، وأبي سلمة، أخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (١/ ٩٠)، فقال: (٢٧٤) حدثنا محمد بن حيويه بن موسى، قال: أنبا أبو اليمان، قال: أنبا شعيب، قال: حدثني أبو الزناد (ح)، وحدثنا محمد بن كثير، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كَرِيمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن ذكوان (ح) وحدثنا طاهر بن خالد بن نِزار، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير، يا عمة النبي ﷺ ، يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، اشتَرِيَا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥١٢] (٢٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثنا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِق، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَا:

стр. 3083

لَمَّا نَزَلَت" (١) ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ يَا صَبَاحَاهْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د، س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرَّحمن بن مِلّ بن عمرو النَّهْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرمٌ، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وهو ابن (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٥ - (قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ) - بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة - بن عبد الله بن شَدّاد بن معاوية بن أبي رَبِيعة بن نَهِيك بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليّ البصريّ، وَفَدَ على النبيّ ﷺ ، ورَوَى عنه، ورَوَى عنه ابنه قَطَن، وكِنَانة بن نُعَيم، وهلال بن عامر البصريّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو قِلابة الْجَرْميّ، وكنيته أبو بِشْر فيما ذكر ابن عبد البرّ، وقال البخاريّ: له صحبةٌ، ويقال له: الْعِجْليّ، وقال ابن أبي حاتم: بصريّ من قيس عَيْلان، له صحبة، وقال ابن حبّان: له صحبةٌ، سكن البصرة، وقال خليفة في "الطبقات": كانت له دار بالبصرة، وقال ابن الكلبيّ: كان قَطَنُ بن قَبِيصة شَرِيفًا، وقد وَليَ سِجِسْتان (٢). أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا

стр. 3084

الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٠٧)، وحديث (١٠٤٤): "إن المسألة لا تحلّ إلَّا لأحد ثلاثة … ". ٦ - (زُهَيْرُ بْنُ عَمْرٍو) الهلاليّ، رَوَى عن النبيّ ﷺ هذا الحديث فقط، ورَوَى عنه أبو عثمان النَّهْديّ، مقرونًا بقبيصة بن المخارق، قال الأزديّ: تفرَّد عنه أبو عثمان، وقال العسكريّ: نزل البصرة، له بها دارٌ، وقال البغويّ: لا أعلم له إلَّا حديث الإنذار، ونقل ابن السكن عن البخاريّ أنه لَمْ يُصَحِّح صحبته؛ لأنه لَمْ يذكر السماع. انتهى. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرَم، عن صحابيين. ٤ - (ومنها): أن صحابيَّيْه من المقلّين في الرواية، فأما زهير، فليس له إلَّا هذا الحديث فقط عند المصنّف، والنسائيّ في "الكبرى" (١)، وأما قَبِيصة، فله نحو خمسة أحاديث فقط، وليس له في البخاريّ وابن ماجة شيء (٢)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِق، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄ أنهما (قَالَا: لَمَّا نَزَلَت" (٣) ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ)، قال النوويّ ﵀: معناه: قالا؛ لأن المراد أن قبيصة وزهيرًا قالا، ولكن لما كانا متفقين، وهما كالرجل الواحد أفرد فعلهما، ولو حَذَفَ لفظة "قال" كان الكلام واضحًا منتظمًا، ولكن

стр. 3085

لما حَصَلَ في الكلام بعض الطول حَسُنَ إعادة "قال"؛ للتأكيد، ومثله في القرآن العزيز: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد: ﴿أَنَّكُمْ﴾، وله نظائر كثيرة في القرآن العزيز والحديث، وقد تَقَدَّم بيانه في مواضع من هذا الكتاب. انتهى كلامه ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (انْطَلَقَ) أي ذهب (نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ) "الرَّضْمَةُ" بفتح الراء، وإسكان الضاد المعجمة، وبفتحها، لغتان، حكاهما صاحب "المطالع" وغيره، واقتصر صاحب "العين"، والجوهريّ، والْهَرَويّ، وغيرهم على الإسكان، وابنُ فارس، وبعضُهم على الفتح، قالوا: "الرَّضْمَة": واحدة الرَّضْم، والرِّضَام، وهي: صخورٌ عِظامٌ، بعضها فوق بعض، وقيل: هي دون الْهِضَاب، وقال صاحب "العين": الرَّضْمَةُ: حِجارة مجتمعةٌ، ليست بثابتة في الأرض، كأنها منثورة. انتهى (١). وقال المازريّ: الرَّضْمةُ: هي صُخُور بعضها على بعض، يقال: بَنَى داره يَرْضِمُ فيه الحجارةَ رَضْمًا، ومنه الحديث: "وكان البناءُ الأول من الكعبة رَضْمًا" (٢). انتهى (٣). (فَعَلَا أَعْلَاهَا) أي صَعِدَ ﷺ أعلى تلك الرضمة (حَجَرًا) منصوب على التمييز المحوّل من الفاعل، كما قال في "الخلاصة": وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِـ "أَفْعَلَا" … مُفَضِّلًا كَـ "أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلَا" وَيحْتَمل أن يكون "حجرًا" مفعولًا به لـ "علا"، و"أعلاها" حال منه، وأصله صفة، فلما قُدّم أُعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّمت تُعرَب حالًا، والوجه الأول أولى، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ نَادَى: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ" هذا هو المسمَّى عند النحاة بالندبة، وهو
следующие страницы →