عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَولانيّ، عن عقبة بن عامر ﵁.
[والثاني]: سند محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر ﵁.
فمحلّ التحويل هو معاوية بن صالح، فأول السند إليه متّحد، وهو يرويه بالإسنادين، وقد اختُلف في ذلك، على ما نوضّحه الآن، فنقول:
(اعلم): أن العلماء اختلفوا في القائل بعد إشارة التحويل: "وحدثني أبو عثمان" مَن هو؟ فقيل: هو معاوية بن صالح، وهو الصواب، وقيل: ربيعة بن يزيد، قال الحافظ أبو عليّ الْغَسّانيّ الْجَيّانيّ ﵀ في كتابه "تقييد المهمل": القائل في هذا الإسناد: "وحدّثني أبو عثمان" هو معاوية بن صالح، وكتب أبو عبد الله بن الْحَذّاء في نسخته: "قال ربيعة بن يزيد: وحدثني أبو عثمان، عن جبير، عن عقبة"، قال أبو عليّ: والذي أَتَى في النسخ الْمَرْوِيّة عن مسلم - كما ذكرناه أوّلًا - هو الصواب، والذي أَتَى به أبو عبد الله - يعني ابن الحذّاء - في نسخته وَهَمٌ منه، وهذا بَيِّنٌ في طُرُق هذا الحديث من رواية الأئمة الثقات الحفّاظ، وهذا الحديث يرويه معاوية بن صالح بإسنادين:
[أحدهما]: عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة.
[والثاني]: عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة.
قال أبو عليّ: وعلى ما ذكرنا من الصواب خَرَّجه أبو مسعود الدمشقيّ، فصَرَّح، وقال: قال معاوية بن صالح: وحدّثني أبو عثمان، عن جبير، عن عقبة.
قال أبو عليّ: نا أبو عُمر النَّمَريّ، قال: نا خَلَف بن قاسم الحافظ، قال: نا أبو عليّ بن السكن، قال: حدّثني أبو عِمْران موسى بن العبّاس، قال: نا عبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، قال: نا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقيّ، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، قال معاوية: وحدّثني أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عُقبة بن عامر، قال: كان علينا رعاية الإبل، فجاءت نَوْبتي، فرَوَّحتها بعشيّ، فأدركت من قول النبيّ - صلي الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يتوضّأ، فيُحسن الوضوء … " الحديث.
стр. 3397
قال أبو عليّ: فهذا شاهدٌ لما ذكرناه من أن معاوية يرويه، عن أبي عثمان، وإن كان قد رُوي عن زيد بن الْحُبَاب في هذا الإسناد لفظٌ يُوهِمُ ظاهره أن معاوية بن صالح روى الإسنادين معًا عن ربيعة بن يزيد، كما حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا عبد الوارث بن سُفيان، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا محمد بن وضّاح، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الْحُبَاب، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، وأبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضّأ، فيُحسن الوضوء، ويُصلّي ركعتين مُقبِلًا بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنّة"، قال: فقال عمر: ما قبلها أفضل منها، كأنك جئتَ آنفًا، قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتِح له ثمانية أبواب، من الجنّة، يَدخُلُ من أيّها شاء".
وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بهذا اللفظ، وقد بَيَّنَ ما أشكل من ظاهر إسناد هذا الحديث ما حدّثنا أبو عُمر النَّمَريّ، قال: نا خَلَف بن القاسم، قال: نا أبو عليّ بن السَّكَن، قال: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويّ، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الْحُباب، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن عقبة، قال معاوية: وحدّثني أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضّأ … " الحديث.
قال أبو عليّ: فهذا الإسناد بَيَّنَ ما أشكل من إسناد مسلم، ومحمد بن وضّاح، عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وقد رَوَى عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح هذا الحديث أيضًا، فبيَّنَ الإسنادين معًا، ومن أين مخرجهما، كما حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: نا محمد بن بكر، قال: نا أبو داود، قال: نا أحمد بن سعيد الْهَمْدانيّ، قال: نا ابن وهب، قال: سمعتُ معاوية بن صالح يُحدّث عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عُقبة بن عامر، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا، نتناوب الرعاية، واقتصّ الحديث إلى آخر
стр. 3398
حديث عقبة، وروايته عن عمر بن الخطّاب الحديث الآخر الذي فاته سماعه من النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، ثم قال: قال معاوية: وحدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بهذا.
وقال أبو محمد بن الجارود في "كتاب "الكنى": أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، روى عنه معاوية بن صالح، ثم ذكر حديث ابن وهب.
قال أبو عليّ: وقد خَرَّج أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذيّ ﵀ في "مصنفه" هذا الحديث، من طريق زيد بن الْحُبَاب، عن شيخ له، لم يُقِم إسناده، عن زيد، وحَمَلَ أبو عيسى في ذلك على زيد بن الْحُباب، وزيدٌ بريء من هذه الْعُهْدة، والوهم في ذلك من أبي عيسى، أو من شيخه الذي حدَّثه به؛ لأنا قد قَدَّمنا من رواية أئمة حفاظ، عن زيد بن الحباب في هذا الإسناد ما خالف ما ذكره أبو عيسى، والحمد لله.
وذَكَره أبو عيسى أيضًا في "كتاب العلل"، وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاريّ، فلم يُجَوِّده، وأتى عنه فيه بقولٍ يُخَالِف ما ذكرنا عن الأئمة، ولعله لم يحفظ عنه.
وهذا حديثٌ مُخْتَلَفٌ في إسناده، وأحسن طُرُقه ما خَرّجه مسلم بن الحجاج، من حديث ابن مهديّ وزيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، والله المستعان.
قال أبو عليّ: وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، فزاد في إسناده رجلًا، وهو جُبير بن نُفير، ذكره أبو داود في "سننه" في "باب كراهة الوسوسة بحديث النفس في الصلاة"، حدّثناه أبو عمر النَّمَريّ، عن ابن عبد المؤمن، عن ابن داسة، عن أبي داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الْحُبَاب، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن جبير بن نفير الْحَضرميّ، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يتوضّأ، فيُحسن الوضوء … "، فذكر الحديث. انتهى كلام أبي عليّ الغسانيّ، وقد أتقن ﵀ هذا الإسناد غاية الإتقان (١).
стр. 3399
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ ﵀ في هذا التحقيق، وأبان الصواب، وقد أوضح ذلك الحافظان، أبو عوانة، وأبو نعيم في "مستخرجيهما" أتمّ إيضاح، فقال الأول:
(٥٥٥) حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر.
(ح) وحدثنا محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا نتناوب الرِّعاية، رعاية إبلنا، فكنت على رعاية الإبل، فَرَوّحتها بعشيّ … فذكر نحوه.
قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر نحوه. انتهى (١).
وقال الثاني:
(٦٠٦) حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا، نتناوب رعاية إبلنا، فرَوَّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله ﷺ يخطب الناس، فسمعته يقول: "ما منكم أحدٌ يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم، فيركع ركعتين يُقِبل عليهما بقلبه وبوجهه، فقد أوجب"، فقلت: بَخٍ بَخٍ، ما أجود هذه؟ فقال رجل بين يديّ: التي قبلها أجود، فنظرت إليه، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقلت له: ما هي يا أبا حفص، قال: إنه قال آنفًا قبل أن تجيء: "ما منكم من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يخلو من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فُتِحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
стр. 3400
قال معاوية بن صالح: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة. انتهى (١).
والحاصل أن القائل "وحدّثني أبو عثمان" هو معاوية بن صالح، كما تبيّن وجهه في هذه الروايات، وأما قول من قال: إن القائل هو ربيعة، فهو غلطٌ بلا شكّ، فتأمّل ذلك بإمعان، ترى الصواب ظاهرًا للعيان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: أخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ هذا الحديث بطوله، وفيه قصّة رحلة شعبة ﵁، ودونك نصّه:
(٩) حدّثنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميميّ بدمشق، أنبا القاضي أبو بكر يوسف بن القاسم بن يوسف الميانجيّ، ثنا أبو عبيد محمد بن أحمد الناقد، ثنا أبو يحيى محمد بن سعيد العطار الضرير، قال: سمعت نصر بن حماد الوراق يقول: كنا قُعودًا على باب شعبة نتذاكر، فقلت: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رِعْية الإبل على عهد رسول الله ﷺ ، فجئت ذات يوم، والنبيّ ﷺ حوله أصحابه، فسمعته يقول: "من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، فاستغفر الله إلا غُفِر له"، فقلت: بَخٍ بَخٍ، فجذبني رجل من خلفي، فالتفتّ، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: الذي قبلُ أحسنُ، فقلت: وما قال؟ قال: قال: "مَن شَهِدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قيل له: ادخُل من أيّ أبواب الجنة شئت". قال: فخرج شعبة، فلَطَمني، ثم رجع فدخل، فتنحيت من ناحية، قال: ثم خرج فقال: ما له يبكي بعدُ؟ فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه، فقال شعبة: انظُر ما تُحَدّث؟ إن أبا إسحاق حدّثني بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: فقلت لأبي إسحاق: مَن عبد الله بن عطاء؟ قال: فغَضِب، ومِسْعَر بن كِدَام حاضرٌ، قال: فقلت له: لَتُصَحِّحَنَّ لي هذا أو لأَخْرُقَنّ ما كتبت عنك، فقال لي مِسْعَرٌ: عبد الله بن عطاء بمكة، قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحجّ، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء،
стр. 3401
فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم حدّثني، فقال لي مالك بن أنس: سعدٌ بالمدينة لم يحجّ العام، قال شعبة: فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته، فقال: الحديث مِن عندكم، زِيَاد بن مِخْرَاق حدّثني، قال شعبة: فلما ذكر زيادًا قلتُ: أيُّ شيء هذا الحديث؟ بينما هو كوفيّ إذ صار مدنيًّا، إذ صار بصريًّا، قال: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مِخراق، فسألته، فقال: ليس هو من بَابَتِك، قلت: حدِّثني به، قال: لا تُرِدْهُ، قلت: حدِّثني به، قال: حدَّثني شهر بن حوشب، عن أبي رَيحانة، عن عقبة بن عامر، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، قال شعبة: فلما ذَكَر شهر بن حوشب، قلت: دُمِّر عليّ هذا الحديث، لو صَحَّ لي مثل هذا عن رسول الله ﷺ ، كان أحبّ إليّ من أهلي ومالي والناس أجمعين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث صحيح من الوجه الذي أخرجه المصنّف في "صحيحه" هنا، ولا يضرّه ما وقع في هذه القصّة، من العلّة، وإنما أوردته هنا؛ لما فيه من القصّة التي تُنَشِّط طلاب العلم، وتحثّهم على الرحلة في طلب العلم، وتَحَمّل المشاقّ، وذلك لمعرفتهم مَدَى جُهد المحدّثين في طلب الحديث، فإنهم كانوا يرحلون في طلب حديث واحد إلى البلدان النائية مع ما يلقَونه في خلال سفرهم من الكدّ والتعب والمشاقّ الكثيرة.
وقد عقد الإمام البخاريّ في "صحيحه" بابًا، فقال: "باب الخروج في طلب العلم"، ورَحَل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد، ثم أخرج بسنده قصة خروج موسىي ﵇ في طلب الخضر.
وألّف الخطيب البغداديّ المتوفّى سنة (٤٦٣ هـ) كتابًا سمّاه "الرحلة في طلب الحديث"، وأورد فيه ما جاء عن الصحابة، فمن بعدهم في ذلك، فأجاد وأفاد، وقد أوردت جملًا مستحسنةً في "شرح سنن ابن ماجه"، فعليك بالاستفادة منه، وبالله تعالى التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِدْرِيس) تقدّم أن اسمه عائذ الله - بالذال المعجمة - ابن عبد الله
стр. 3402
(الْخَوْلَانِيِّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو -: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ، وبعض خولان يقولون: خولان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ، واسم خولان: أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام (١).
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) ﵁ (ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ) تقدّم أن الصواب أن قائل: "وحدّثني أبو عثمان" هو معاوية بن صالح، فهو يروي هذا الحديث من طريقين، أحدهما: ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة ﵁، وثانيهما: عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة ﵁.
[تنبيه]: قال ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد إخراجه الحديث من طريقي المصنّف ما نصّه: قال أبو حاتم: أبو عثمان هذا يُشبه أن يكون حَرِيز بن عثمان الرَّحبيّ، وإنما اعتمادنا على هذا الإسناد الثاني - يعني طريق ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة ﵁ لأن حَرِيز بن عثمان ليس بشيء في الحديث. انتهى كلامه (٢).
وهذا الذي قاله ابن حبّان في حَرِيز غير صحيح؛ لأن حَريزًا ثقة ثبت متقنٌ مشهور، قد وثّقه الأئمة: أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، والفلّاس، ودُحيم، وأبو حاتم، وأخرج له البخاريّ في "صحيحه"، ولم ينقموا عليه إلا النصب، وذكر البخاريّ أنه تاب منه، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، ولم يثبت عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أثبت منه، وهو ثقةٌ متقنٌ، وأما في الحديث فحجة ثبتٌ.
والحاصل أن كلام ابن حبّان غير صحيح، وهذه عادته أنه يجرح بعض الثقات المشهورين، ويوثّق كثيرًا من المجاهيل، كما هو ظاهر لمن يقرأ في "كتاب الثقات" له، وأن ما نُقل عن حَريز من النصب تاب عنه، ولهذا أخرج له البخاريّ، كما ذكر ذلك الحافظ في "التهذيب" (٣)، فتبصّر، ولا تقلّد المجازفين.
стр. 3403
هذا كلّه على تقدير أن يكون أبو عثمان هذا هو حَرِيز بن عثمان، وإلا فالأكثرون على أنه مجهول، كما سبق البحث عنه مستوفًى، والله تعالى أعلم.
(عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ) "الرعاية" - بكسر الراء - وهي الرَّعْيُ، يقال: رعت الماشيةُ تَرْعَى رَعْيًا ورِعَايَةً، وارْتَعَتْ، وتَرَعَّتْ: إذا سَرَحَت بنفسها، ورعاها صاحبها، وأرعاها، يُستعمل لازمًا ومُتعدّيًا (١).
قال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رَعْيَ إبلهم، فيجتمع الجماعة، ويَضُمُّون إبلهم بعضَها إلى بعضٍ، فيرعاها كلَّ يوم واحدٌ منهم؛ ليكون أرفق بهم، وينصرف الباقون في مصالحهم (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "رِعاية الإبل" يعني إبل الصدقة المنتظر تفريقها، أو الإبل الْمُعَدَّة لمصالح المسلمين. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: على تفسير النوويّ يكون المعنى نقوم بخدمة أنفسنا، وليس لنا خادم يَرْعَى إبلنا، وعلى تفسير القرطبيّ يكون المعنى: كانت علينا أنا وجماعة رعاية إبل الصدقة بالتناوب، فجاءت نوبتي.
والصواب تفسير النوويّ؛ لما في رواية أبي داود في "سننه": عن عقبة بن عامر قال: كنا مع رسول الله ﷺ خُدّام أنفسنا، نتناوب الرعاية، رعاية إبلنا، فكانت عليّ رعاية الإبل، فروّحتها بالعشيّ … الحديث، فقد صرّح في هذا أنهم يرعون إبلهم، لا إبل الصدقة، والله تعالى أعلم.
(فَجَاءَتْ نَوْبَتِي) بفتحٍ النون، وسكون الواو: اسم من المناوبة، قال الفيّوميّ ﵀: وناوبته مناوبةً بمعنى ساهمته مُساهمةً، والنَّوْبةُ اسم منه، والجمع نُوَبٌ، مثلُ قَرْيَةٍ وقُرًى، وتناوبوا عليه: تَدَاوَلُوه بينهم، يفعله هذا مرَّةً، وهذا مرَّةً. انتهى (٤).
стр. 3404
(فَرَوَّحْتُهَا) بتشديد الواو: أي رَدَدتُّها إلى مُرَاحها بضمّ الميم: أي مأواها، ومبيتها.
[فائدة]: قال في "المصباح المنير" (١/ ٢٤٢): "الْمُرَاح - بضم الميم - حيثُ تَأوِي الماشية بالليل، والْمُناخُ، والْمَأْوَى مثله، وفتح الميم بهذا المعنى خطأ؛ لأنه اسم مكان، واسم المكان والزمان والمصدر من أفعل بالألف مُفْعِلٌ بضم الميم، على صيغة اسم المفعول، وأما "الْمَرَاح" بالفتح: فاسم الموضع من راحت بغير ألف، واسم المكان من الثلاثي بالفتح، و"الْمَرَاح" بالفتح أيضًا الموضع الذي يروح القوم منه، أو يرجعون إليه. انتهى.
(بِعَشِيٍّ) قيل: هو ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعشاء من صلاة المغرب إلى الْعَتَمَة (١).
(فَأدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -) أي ثم جئت إلى مجلس رسول الله ﷺ ، فأدركته (قَائِمًا) حال من المفعول، وكذا قوله: (يُحَدِّثُ النَّاسَ) إما مترادفان، أو متداخلان، ولفظ أبي داود: "فأدركت رسول الله ﷺ يخطب الناس" (فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ) أي مما تكلّم به رسول الله ﷺ ("مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتوكيد (مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ) بأن يأتي بواجباته، ومستحبّاته (ثُمَّ يَقُومُ) أي حقيقةً، أو حكمًا، سيّما إذا كان بعذر، فإطلاق القيام جرى على الغالب، لا أنه قيدٌ احترازيّ، و"ثُمّ" للترقّي، قاله القاري (٢). (فَيُصَلِّي رَكعَتَيْن، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا) أي على الركعتين (بِقَلْبِهِ) أي باطنه (وَوَجْهِهِ) أي ظاهره، أو ذاته، قال الطيبيّ ﵀: "مقبلٌ" وُجِد بالرفع في الأصول، وفي بعض النسخ "مُقبلًا" منصوبًا على الحال، يعني حال كونه متوجّهًا أي حال كونه مقبلًا عليهما بظاهره، وباطنه، مستغرقًا خاشعًا هائبًا، قال: وكونه مرفوعًا مشكلٌ؛ لأنه إما صفةٌ لـ "مسلم" على أن "من" زائدةٌ، وفيه بُعْدٌ؛ للفواصل، وإما خبر مبتدأ محذوف، فيكون حالًا، وفيه بُعْدٌ أيضًا؛ لخلوّه عن الواو والضمير، اللهمّ إلا أن يقال: إن المبتدأ المقدّر كالملفوظ،
стр. 3405
فحينئذ يكون من قبيل: "كلّمتُهُ فُوهُ إلى فِيَّ"، والوجه العربيّ أن يُضْرَب عن هذا الحال صفْحًا، ويقال: هو فاعلٌ تنازع فيه "يقوم"، و"يصلّي" على سبيل التجريد، كقول الشاعر [من الوافر]:
فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةً … تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَوْ يَمُوتَ كريمُ
أي أموت كريمًا، فجعل الحال فاعلًا على التجريد، وعليه قراءة عُمير: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ الآية [الرحمن: ٣٧] بالرفع، بمعنى: فحصلت وردةٌ، فالمعنى: يُصلي مقبلٌ متناهٍ في إقباله، ملقى على الركعتين بشَرَاشِرِه، ومنه قراءة من قرأ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦] انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح في وجه الرفع كونه خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي وهو مقبلٌ، والجملة في محلّ نصب على الحال، وأما ما وجّه به الطيبيّ من كونه من باب التجريد فلا يخفى ما فيه من التعسّف، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: وقد جمع ﷺ بهاتين اللفظتين - يعني في قوله: "مقبلًا بقلبه ووجهه" - أنواعَ الخضوع والخشوع؛ لأن الخضوع في الأعضاء، والخشوع بالقلب، على ما قاله جماعة من العلماء. انتهى (٢).
وقال في "المرعاة": الإقبال بالقلب على الركعتين أن لا يغفل عنهما، ولا يتفكّر في أمر لا يتعلّق بهما، ويَصرِف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا تليق بالصلاة الالتفات إليها، ومبرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب، والخضوع في الأعضاء.
وقال السنديّ ﵀: يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان ﵁، وهو: "من توضّأ نحو وضوئي هذا .. إلخ"، وعلى هذا فقوله: "فيُحسن وضوءه" هو أن يتوضّأ نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان ﵁: "لا يُحدّث فيهما نفسه" هو أن يُقبل عليهما بقلبه ووجهه، وقوله
стр. 3406
في ذلك الحديث: "غُفِرَ له .. إلخ" أريد به أنه تجب له الجنة، ولا شكّ أن ليس المراد دخول الجنة مطلقًا، فإنه يحصل بالإيمان، بل المراد دخولًا أوّليًّا، وهذا يتوقّف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعًا، بل مغفرة ما يُفعَل بعد ذلك أيضًا، نعم لا بدّ من اشتراط الموت على حسن الخاتمة، وقد يُجعَل هذا الحديثُ بشارةً بذلك أيضًا. انتهى (١).
(إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ") أي أن الله تعالى أوجب على نفسه أن يُدخله الجنّة؛ فضلًا منه وكرمًا، والظاهر أن المراد دخوله أوّلًا من غير سبق عذاب؛ لأن دخول الجنة مطلقًا يكفي فيه الإيمان، ولو لم يعمل هذا العمل، كما هو مذهب أهل السنّة، والاستثناء من عموم الأحوال.
(قَالَ:) عقبة ﵁ (فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ) الإشارةُ إلى الكلمة، أو الجملة التي قالها النبيّ ﷺ ، وهي: "ما من مسلم .. إلخ"، أو الفائدة، أو البشارة، أو العبادة.
[تنبيه]: قوله: "ما أجود هذه" "ما" تعجّبيّة، وهي نكرة تامّةٌ، عند سيبويه؛ أي غير موصوفة بالجملة بعدها، و"أجود" فعلٌ ماضٍ، وفاعله ضمير مستترٌ عائد على "ما"، و"هذه" اسم إشارة مفعول به لـ "أجود"، والجملة خبر "ما"، فراجع شروح "الخلاصة" عند قولها:
بِـ "أَفْعَلَ" انْطِقْ بَعْدَ"مَا" تَعَجُّبَا … أَوْ جِئْ بِـ "أَفْعِلْ" قَبْلَ مَجْرُورٍ بِـ "بَا"
وَتلْوَ "أَفْعَلَ" انْصِبَنَّهُ كـ "مَا … أَوْفَى خَلِيلَيْنَا وَأَصْدِقْ بِهِمَا"
والمعنى: ما أحسن هذه الفائدة، وما أجمل هذه البشارة، وهو تعجّب من جودتها من جهة أنها سَهلةٌ متيسّرة، يقدر عليها كلُّ أحد بلا مشقّة، مع عِظَم أجرها (٢)، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا) فجائيّة، ظرف لـ"يقول"، والمعنى: ففاجأني قوله (٣)، وقوله: (قَائِلٌ) مبتدأ خبره جملة "يقول"؛ أي شخصٌ متكلّم (بَيْنَ يَدَيَّ) أي أمامي، متعلّق بصفة لـ "قائل" (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كونه
стр. 3407
قائلًا (الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ) اسم الإشارة مبتدأ صلته الظرف، و"أجود" خبره؛ أي الجملة التي قبل الجملة التي سمعتها، وتعجّبت من جودتها أكثر أجوديّةً (فَنَظَرْتُ) أي إلى ذلك القائل (فَإِذَا) فجائيّةٌ أيضًا (عُمَرُ) بن الخطّاب الخليفة الراشد ﵁ المتوفّى شهيدًا في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (قَالَ) أي عمر ﵁ (إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفًا) بالمدّ، بوزن صاحب على اللغة المشهورة، وبالقصر، بوزن كَتِفٍ، على لغة صحيحة أيضًا، وقد قُرئ بهما في السبع قوله تعالى: ﴿قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]: أي مُذْ ساعة؛ أي في أوّل وقت يَقرُبُ منّا (١). (قَالَ) أي النبيّ - صلي الله عليه وسلم - ("مَا) نافية كما سبق آنفًا (مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) "من" الأولى بيانيّة، والثانية زائدة، والجارّ والمجرور حال من "أحد"، وهو مبتدأ، وخبره "إلا وجبت .. إلخ"، وقوله: (يَتَوَضَّأُ) صفة لـ"أحد" (فَيُبْلِغُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإبلاغ (أَوْ) للشكّ من الراوي (فَيُسْبغُ) بوزن ما قبله، من الإسباغ، وكلاهما تنازعا قوله: (الْوَضُوءَ) على أنه مفعول به، وهو بفتح الواو؛ أي استعمال الماء الذي يتوضّأ به، أو بضمّها، اسم للفعل؛ أي للتوضّئ، والمراد من الإبلاغ، أو الإسباغ الإتيان بواجباته، ومستحبّاته، وقال النوويّ ﵀: هما بمعنى واحد؛ أي يتمّه، ويُكمله، فيوصله مواضعه على الوجه المسنون. انتهى (٢). (ثُمَّ يَقُولُ) أي عقب وضوئه (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي أعلم، وأُبيّن أنه لا إله إلا الله؛ قاله ابن الأنباريّ.
وقال الفيّوميّ: قولهم: أشهد أن لا إله إلا الله، تعدّى بنفسه؛ لأنه بمعنى أعلم (٣).
وفي "المنهل": أي أُقرّ بلساني، وأُذعِن بقلبي، من الشهادة، وهي الإخبار بما شُوهد، فهي خبر قاطعٌ، يقال: شهد الرجلُ على كذا، وشهده، شُهودًا: حضره، وقومٌ شُهودٌ: حضورٌ.
و"أن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والأصل: أشهد أنه لا إله إلا الله، وخبر "لا" محذوف؛ أي معبود بحقّ، ولا يُقدّر لفظ "موجود"،
стр. 3408
ولا لفظ "معبود" بدون تقييده بـ "حقّ"، كما قدّره بعض الشرّاح؛ لأن ذلك باطلٌ، يكذبه الواقع، حيث إن غير الله له وجود أيضًا، وقد عُبد غير الله تعالى، وإنما الصواب أن يُقدّر: لا معبود بحقّ، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]، وقد أثبت الله تعالى عبادة غيره في غير ما آية، كهذه، وآية: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية [يونس: ١٨]، وغيرها من الآيات الكثيرة.
و"إلا" مُلغاة، ولفظ الجلالة مرفوع على البدليّة من الضمير في الخبر، وقيل: غير ذلك، وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" في إعراب "لا إله إلا الله" فوائد نفيسة، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَأَنَّ مُحَمَّدًا) ﷺ هو في الأصل اسم مفعول من حُمِّد مبالغة في الثناء، وهو علمٌ وصفةٌ اجتمعا في حقّه ﷺ ، وأما في غيره فهو علم محضٌ، منقول من الوصفيّة إلى الاسميّة، وهكذا شأن أسماء النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وأسماء الله تعالى، وأسماء كتابه، فهي أعلام دالّة على معان سامية، هي أوصاف مدح، وسماه به جدّه عبد المطّلب، وقال: رجوت أن يُحمد في السماء والأرض، وقد حقّق الله رجاءه. وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" أيضًا تحقيقات تتعلّق بهذا الاسم، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(عَبْدُ اللهِ) وصفه بالعبوديّة التي هي غاية التذلّل والخضوع؛ لأنه ﷺ كان أتقى الخلق على الإطلاق، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن أتقاكم، وأعلمكم بالله أنا"، فلم يبلغ أحدٌ مبلغه ﷺ من التذلّل والخضوع لمولاه ، والإضافة فيه للتشريف، إشارةً إلى كمال مرتبته في مقام العبوديّة، والقيام في أداء حقوق الربوبيّة، ووصفه بها لئلا يتوهّم ضعفاء العقول فيه ما لا يليق بمقامه من التأليه كما ضلّت النصارى بذلك في عيسى ﵇، وقدّمه على قوله: (وَرَسُولُهُ) لأنه أشرف أوصافه، وأعلاها، ولذلك وصفه الله تعالى به في أرفع المقام، وأسماها، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
стр. 3409
(إِلَّا فُتِحَتْ) بالبناء للمفعول، وتخفيف التاء، وتشديدها للمبالغة، وعبَّرَ عن المستقبل بالماضي؛ لتحقّق وقوعه، والمراد تُفتح له يوم القيامة، فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ الآية [الكهف: ٩٩].
(لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ) برفع "أبوابُ" على أنه نائب الفاعل، ولفظ النسائيّ: "ثمانية أبواب الجنّة" بالإضافة، وهو من إضافة الصفة للموصوف؛ أي أبواب الجنة الثمانية، وفُتحت له الأبواب الثمانية، وإن كان الدخول يكفي فيه باب واحدٌ؛ تعظيمًا للعبد بسبب عظمة عمله المذكور، فهو كما روي أن الله أخذ الميثاق على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يؤمنوا بمحمد ﷺ إن أدركوه (١)، ومعلوم أنه لا يظهر في زمان أحد منهم، وإنما ذلك لإظهار شرفه ﷺ لهم (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: فتح أبواب الجنة محمول على ظاهره وحقيقته، وذكر بعضهم احتمال أن يكون مجازًا عن التوفيق للطاعات في الدنيا، فإنها سبب في فتح أبواب الجنّة في الآخرة (٣)، والصواب ما قدّمته، وأما الاحتمال المذكور فيُبعده قوله: "يدخُلُ من أيها شاء"، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا) أي من أي تلك الأبواب الثمانية (شَاءَ") أي أراد الدخول فيه، يعني أنه يدخل من أيّ باب اختار الدخول منه، ولكن الظاهر أنه لا يختار إلا الذي يغلب عليه عمله؛ إذ أبواب الجنّة مُعدّة لأعمال مخصوصة، ويؤيّد ذلك ما أخرجه الشيخان، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة"، فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على مَن دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل
стр. 3410
يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".
وقد ذكر العلماء أن فائدة تعدّد الأبواب وفتحها، والدعاء منها هو التشريف في الموقف، والإشادة بذكر من حَصَلَ له ذلك على رؤوس الأشهاد، فليس من يؤذن له في الدخول من باب لا يتعدّاه كمن يُتَلَقَّى بالترحيب من كلّ باب، ويَدخُلُ من حيث شاء (١).
والأبواب الثمانية هي: باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب التوبة.
قال الجامع عفا الله عنه: [فإن قلت]: يعارض حديث الباب ما أخرجه الشيخان من حديث سهل بن سعد ﵁ مرفُوعًا: "إن في الجنّة بابًا يقال له: الريّان، يدخل منه الصائمون، لا يدخل معهم أحدٌ غيرهم … " الحديث.
[قلت]: لا تعارض بينهما؛ لأن المنفيّ فيه دخول غيرهم، وحديث الباب بيَّن أنه يُخيّر للتشريف، ولا يلزم منه الدخول؛ وحاصله أنه وإن خُيِّر لكن لا يَرغَب في الدخول فيه، ولا يُوفَّق لذلك، إلا إذا كان ممن أكثر الصيام، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قوله: "أبواب الجنة الثمانية" هكذا رواية المصنّف بدون زيادة "مِنْ"، ونحوه رواية أبي داود، والنسائيّ، ووقع في رواية الترمذيّ بلفظ: "فتحت له ثمانية أبواب من الجنّة، من أيّها يدخل"، وهي تدلّ على أنها أكثر من ثمانية؛ بناءً على أن "من" للتبعيض، وفي كلام القرطبيّ ما يؤيّده، وهو لا ينافي رواية المصنّف؛ لأن اسم العدد لا مفهوم له (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي صحّ من الأحاديث يفيد أن أبواب الجنّة ثمانية، كما في حديث الباب، ولا ينافيه ما وقع في رواية الترمذيّ بلفظ "من"؛ لأنها للابتداء كما هو أصل معناها، لا للتبيعض، فلا تنافي ما هنا، وأما ما ذكره القرطبيّ في كتابه "التذكرة" بأنها أكثر من ثمانية، ثم أوصلها إلى ثلاثة عشر، فلا يُلتفت إليه؛ لأنه لم يستند إلى نصّ صحيح يدلّ على ما ذكره، فتنبّه،
стр. 3411
ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر، وعمر بن الخطاب ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٦/ ٥٥٩ و ٥٦٠] (٢٣٤)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٦٩ و ١٧٠)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٥٥)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١٤٨)، و (ابن ماجه) في "سننه" (٤٧٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٩ - ٥٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٤٢)، و (أبو بكر بن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣ - ٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٩ و ١٥٠ - ١٥١ و ٤/ ١٤٥ - ١٤٦ و ١٥٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٥٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٠٤ و ٦٠٥ و ٦٠٦ و ٦٠٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٥٤ و ٥٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الذكر المستحبّ عقب الوضوء.
٢ - (ومنها): بيان فضل إحسان الوضوء، واستحباب الشهادتين بعده.
٣ - (ومنها): بيان فضل الشهادتين، وكلمة التوحيد.
٤ - (ومنها): إثبات الجنّة، وأن لها أبوابًا ثمانية.
٥ - (ومنها): بيان أن بعض عباد الله تفتح له أبواب الجنّة كلُّها، ويُدعَى إليها؛ تكريمًا له، وإن كان لا يدخل إلا من باب واحد.
٦ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ ﵀: القول بالشهادتين عقب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله تعالى، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث. انتهى (١).
стр. 3412
٧ - (ومنها): أن في قوله: "ثم يقوم، فيصلّي" يؤخذ منه أن القيام في النافلة أفضل من الجلوس، إلا لعذر.
٨ - (ومنها): استحباب ركعتين عقب الوضوء، وقد سبق حديث أبي هريرة ﵁، أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفّ نعليك (١) بين يديّ في الجنة"، قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طُهُورًا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطُّهور ما كُتِب لي أن أصلي. متّفقٌ عليه.
٩ - (ومنها): بيان أن الإخلاص في العمل، وإقبال القلب عليه، وترك الشواغل الدنيويّة هو روح العبادة.
١٠ - (ومنها): بيان أن الله يُعطي الثواب الكثير على العمل القليل الخالص لوجهه؛ فضلًا منه، ومنّةً، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
١١ - (ومنها): بيان حرص الصحابة ﵃ على فعل الخير، والترغيب فيه، ودلالة الغير عليه.
١٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ أيضًا من التواضع، وخدمة أنفسهم بأنفسهم.
١٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ أيضًا من الحرص في طلب العلم، وحضور مجالسه، فكلما وجدوا فُرصة انتهزوها، واغتنموها، وصرفوها فيه، ولو كان ذلك على سبيل التناوب، وقد عقد الإمام البخاريّ لذلك بابًا في "كتاب العلم من صحيحه"، فقال: "باب التناوب في العلم"، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عباس، عن عمر، قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أُمَيَّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك … " الحديث.
стр. 3413
١٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة التعاون في الأمور المعيشيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ينبغي زيادة ما جاء في رواية الترمذيّ، وابن ماجه: "اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهّرين"، وللنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، والحاكم في "المستدرك": "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
قال في "التلخيص الحبير" (١/ ١٠١) بعد ذكر حديث عقبة، عن عمر ﵄ هذا ما نصّه: ورواه الترمذي من وجه آخر عن عمر ﵁، وزاد فيه: "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين"، وقال: في إسناده اضطراب، ولا يصحّ فيه شيء كبير. انتهى.
قال الحافظ: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض، والزيادةُ التي عنده رواها البزار، والطبراني في "الأوسط" من طريق ثوبان، ولفظه: "من دعا بِوَضوء، فتوضأ، فساعةَ فَرَغَ من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله -، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين … "، الحديث، ورواه ابن ماجه من حديث أنس ﵁.
وأما قوله: "سبحانك اللهم … " إلى آخره، فرواه النسائي في "عمل اليوم والليلة"، والحاكم في "المستدرك" من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ بلفظ: "من توضأ، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كُتِبَ في رَقّ، ثم طُبعَ بِطَابَع، فلم يُكْسَر إلى يوم القيامة".
واختُلِف في وقفه ورفعه، وصحّح النسائي الموقوف، وضعف الحازميّ الرواية المرفوعة؛ لأن الطبراني قال في "الأوسط": لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير.
قال الحافظ: ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني، تخريج الدارقطنيّ له من طريق رَوْح بن القاسم، عن شعبة، وقال: تفرد به عيسى بن شعيب، عن رَوْح بن القاسم، ورجّح الدارقطنيّ في "العلل" الرواية الموقوفة أيضًا. انتهى (١).
стр. 3414
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الوقف وإن كان راجحًا على الرفع، إلا أنه في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأن مقادير الثواب لا تُعْرَف إلا بالتوقيف من النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فالظاهر أن الصحابيّ سمعه منه ﷺ .
وقد صحّح الشيخ الألبانيّ ﵀ رفع هذه الزيادة، فراجع "صحيح الترمذيّ" برقم (٥٥) و"صحيح ابن ماجه" برقم (٤٧٠)، والظاهر أن الوقف أرجح، لكن الحكم هو ما ذكرته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه لم يثبت من أحاديث الأذكار والدعاء في الوضوء غير التسمية في أوله على ما قيل، وقول: "أشهد أن لا إله إلا الله .. إلخ" في آخره.
قال الإمام ابن القيّم ﵀: كلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه، فكَذِبٌ مُختَلَقٌ، لم يقل رسول الله ﷺ شيئًا منه، ولا عَلَّمه لأمته، ولا يثبتُ عنه غير التسمية في أوله، وقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهّرين" في آخره، وفي حديث آخر عند النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" مما يقال بعد الوضوء أيضًا من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك" (١). انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (٢).
وقال الحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ١٠٠) عند قوله: من السنن المحافظة على الدعوات الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: "اللهم بيّض وجهي يوم تَبْيَضُّ وجوه، وتَسْوَدُّ وجوه"، وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حسابًا يسيرًا"، وعند غسل اليسرى: "اللهم لا
стр. 3415
تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري"، وعند مسح الرأس: "اللهم حَرّم شعري وبشري على النار"، وروي: "اللهم احفظ رأسي وما حَوَى، وبطني وما وَعَى"، وروي: "اللهم أغثني برحمتك، وأنزل علي من بركتك، وأَظِلَّني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك"، وعند مسح الأذنين: "اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه"، وعند غسل الرجلين: "اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام".
قال الرافعيّ: ورد بها الأثر عن الصالحين، وقال النوويّ في "الروضة": هذا الدعاء لا أصل له، ولم يَذكُره الشافعيّ والجمهور، وقال في "شرح المهذَب": لم يذكره المتقدمون، وقال ابن الصلاح: لم يَصِحّ فيه حديث.
وقال الحافظ: رُوي فيه عن عليّ ﵁ من طُرُق ضعيفة جِدًّا، أوردها المستغفريّ في "الدعوات"، وابن عساكر في "أماليه"، وهو من رواية أحمد بن مصعب المروزيّ، عن حبيب بن أبي حبيب الشيبانيّ، عن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، عن عليّ ﵁، وفي إسناده من لا يُعْرَف.
ورواه صاحب "مسند الفردوس" من طريق أبي زرعة الرازيّ، عن أحمد بن عبد الله بن داود، حدّثنا محمود بن العباس، حدّثنا المغيث بن بُدَيل، عن خارجة بن مصعب، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن عليّ ﵁ نحوه.
ورواه ابن حبان في "الضعفاء" من حديث أنس ﵁ نحو هذا، وفيه عباد (١) بن صُهيب، وهو متروك (٢).
ورَوَى المستغفريّ من حديث البراء بن عازب، وليس بطوله، وإسناده وَاهٍ. انتهى (٣).
стр. 3416
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن هذه الأذكار، والدعوات لا يثبُتُ منها شيء، إلا ما سبق استثناؤه، وهو التسمية على خلاف فيه، وما في حديث الباب، وزيادة: "اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهّرين"، وقد سبق تصحيحها، وما في "عمل اليوم والليلة": "سبحانك اللهم وبحمدك .. إلخ"، وقد سبق تصحيحه أيضًا.
وقد أطال البحث في أحاديث دعوات الوضوء الإمام تقيّ الدين ابن دقيق العيد ﵀ في كتابه العديم النظير في بابه "الإمام في معرفة أحاديث الأحكام" (١)، فراجعه تَنَلْ بُغيتك، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقد ذكرت في "شرح النسائيّ" مسائل تتعلّق بهذا الحديث غير ما تقدّم، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ، وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الْجُهَنِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - قَالَ … فَذَكَرَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ، فَقَالَ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زيد بن الْحُبَاب) - بضمّ الحاء المهملة، وموحّدتين - ابن الرَّيَّان، ويقال: رُومان التميمي، أبو الحسين الْعُكْلِيُّ - بضم المهملة، وسكون الكاف - أصله من خُرَاسان، وسكن الكوفة، ورحل في طلب الحديث، فأكثر منه، صدوقٌ، يُخطئ في حديث الثوريّ [٩].
стр. 3417
رَوَى عن أيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار اليمامي، وإبراهيم بن نافع المكي، ومالك بن أنس، والثوري، وابن أبي ذئب، ومعاوية بن صالح، ويحيى بن أيوب، وخلق كثير.
ورَوَى عنه أحمد، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأبو كريب، وأحمد بن منيع، والحسن بن علي الخلال، وعلي بن المديني، ومحمد بن رافع النيسابوري، وهو من آخرهم، وقد حدث عنه عبد الله بن وهب، ويزيد بن هارون، وهما أكبر منه.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان صاحب حديث، كَيِّسًا، قد رحل إلى مصر، وخراسان في الحديث، وما كان أصبره على الفقر، وقد ضَرَب في الحديث إلى الأندلس. قال الخطيب: رأى أحمد بن حنبل روايته عن معاوية بن صالح، وكان قاضي الأندلس، وأظنه سمع منه بمكة، فظن أن زيد بن الحباب رحل إلى الأندلس. وقال علي بن المديني، والعجلي: ثقة. وكذا قال عثمان عن ابن معين. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: زيد بن حباب كان صدوقًا، وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح، لكن كان كثير الخطأ. وقال المفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين: كان يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس. وقال ابن زكريا في "تاريخ الموصل": حدثني الْحِمَّاني، عن عبيد الله القواريري قال: كان أبو الحسين العكلي ذَكِيًّا حافظًا عالمًا لما يسمع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُخطئ، يُعتبر حديثه إذا رَوَى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير. وقال ابن خلفون: وثّقه أبو جعفر السّبْتيّ، وأحمد بن صالح، زاد: وكان معروفًا بالحديث صدوقًا. وقال ابن قانع: كوفي صالح. وقال الدارقطني، وابن ماكولا: ثقة. وقال ابن شاهين: وثقه عثمان بن أبي شيبة. وقال ابن يونس في "تاريخ الغرباء": كان جَوّالًا في البلاد في طلب الحديث، وكان حسن الحديث. وقال ابن عدي: له حديث كثير، وهو من أثبات مشايخ الكوفة، ممن لا يُشَكّ في صدقه، والذي قاله ابن معين عن أحاديثه عن الثوري، إنما له أحاديث عن الثوري يُستغرَب بذلك الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها. قال أبو هشام الرفاعي وغيره: مات سنة ثلاث ومائتين.
стр. 3418
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة" والباقون، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأَبِي عُثْمَانَ) بالجرّ عطفًا على ربيعة، وتقديره: حدّثنا معاوية، عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن جُبير، وحدّثنا معاوية، عن أبي عثمان، عن جبير، كما تقدّم تحقيقه في الحديث الماضي.
وقوله: (الْحَضْرَمِيِّ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، وفتح الراء، آخره ميم -: نسبة إلى حضرموت، بلد بأقصى اليمن، وقبيلة؛ قاله في "اللب" (١).
وقوله: (الْجُهَنِيِّ) - بضمّ الجيم، وفتح الهاء، آخره نون -: نسبة إلى جُهَينة، وهي قبيلة من قُضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة؛ قاله في "اللباب" (٢).
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير زيد بن الْحُباب، يعني أنه ذَكَرَ في روايته مثل حديث عبد الرحمن بن مهديّ الماضي.
[تنبيه]: رواية زيد بن الحباب هذه التي أحالها المصنّف على رواية عبد الرحمن بن مهديّ، أخرجها الحافظ أبو نعيم ﵀ في "المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم" (١/ ٢٩٧)، فقال:
(٥٥٤) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا أبو زيد القراطيسيّ، ثنا أبو بكر بن موسى، وبكر بن سهل، ثنا عبد الله بن صالح، قالا: ثنا معاوية بن صالح (ح) وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن مَنْدَهْ، ثنا أبو كريب، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، (ح) وحدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، ثنا ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن عقبة، وأبي عثمان، عن جُبَير بن نُفَير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 3419
"ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم، فيصلي ركعتين، مقبلًا بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة"، قال عقبة: فقلت: ما أجودها! قال: قائل من خلفي: الذي قبلها أجود منها، فالتفتُّ، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال لي: كأنك جئت آنفًا، فقال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : "من بالغ في الوضوء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتحت له ثمانية أبواب من الجنة، يدخل من أيِّها شاء".
قال: اللفظ لأبي بكر، وأبي كريب جميعًا، عن زيد بن الحباب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٧) - (بَاب آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ تقديم أحاديث عبد الله بن زيد ﵁ الآتية إلى أحاديث عثمان ﵁ الماضية، حتى تكون أحاديث صفة الوضوء في محلّ واحد، كما لا يخفى حسنه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٦١] (٢٣٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنصَارِيّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَة، قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَكفَأَ مِنْهَا (١) عَلَى يَدَيْه، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ (٢)، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ
стр. 3420
أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا (١)، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْن، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِه، فَأقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْن، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، البزّاز، مولى مُزَينة، صاحب "السنن"، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.
٤ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن عُمَارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدني، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الأنصَارِيُّ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاري المازنيّ، أبو محمد، وقيل في نسبه غير ذلك، وأمه أمّ عُمارة نَسِيبة بنت كعب، وهو أخو حَبيب بن زيد الذي قطّعه مُسيلمة الكذّاب، وعمّ عبّاد بن تميم، له ولأبويه، ولأخيه حَبِيب صحبة.
وذَكَر الواقديّ أنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وقد رُوي أن أمه أم عُمارة قالت: جئتُ أطلبه - تعني مسيلمة - فوجدت ابني عبد الله يمسح سيفه من دمه، وقد قال وحشيّ بن حرب: إنه رماه بحربته، وشدّ عليه رجلٌ من الأنصار بالسيف، فربّك أعلم أيّنا قتله، إلا أني سمعت جاريةً من الحِصْن
стр. 3421
تقول: قتله العبد الحبشيّ، وقد روي من وجه غريب عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: أنا قتلتُ مسيلمة، فيَحْتَمِل أن يكون شارك فيه.
رَوَى عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - حديث الوضوء وغيره، وروى عنه ابن أخيه عَبّاد بن تميم، وسعيد بن المسيِّب، ويحيى بن عُمَارة، وكان صِهْره على ابنته، وواسع بن حَبّان، وأبو سفيان مولى بن أبي أحمد.
شهِدَ عبد الله بن زيد، وأمّه أمّ عُمارة أُحدًا مع النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، فرُوي أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال يومئذ: "رحمة الله عليكم أهل البيت" (١).
وقال أبو القاسم البغويّ: قيل: إنه شهد بدرًا، ولا يصحّ، وحكاه أبو نعيم الأصبهانيّ عن البخاريّ، وقال ابن سعد: بلغني أنه قُتِل بالحرّة، وقتل معه ابناه: خلاد، وعلي (٢).
وقال في "الإصابة": واختُلف في شهوده بدرًا، وبه جزم أبو أحمد الحاكم، وابن مندهْ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال ابن عبد البرّ: شهد أُحُدًا وغيرها، ولم يَشهَد بدرًا، قال: وكان مسيلمة قَتَل أخاه حبيب بن زيد، فلما غزا الناس اليمامة شارك عبد الله بن زيد وَحْشيّ بن حَرْب في قتل مسيلمة. انتهى (٣).
قال خليفة وغير واحد: قُتِل بالْحَرّة، وكان في آخر ذي الحجة سنة (٦٣)، زاد الواقديّ: وهو ابن (٧٠) سنة.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا (٤)، والله تعالى أعلم.
стр. 3422
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديٌّ، وخالد بن عبد الله، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمحمد بن الصباح في الكتب الستة اثنان:
[أحدهما]: شيخ المصنّف هذا، وهو من رجال الجماعة، يروي عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود مباشرة بلا واسطة، ولا يروي عنه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه إلا بواسطة.
[والثاني]: محمد بن الصباح بن سفيان الْجَرْجَرائيّ - بجيمين مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، ثم راء خفيفة - أبو جعفر التاجر، صدوق [١٠] (ت ٢٤٠) من أفراد أبي داود، وابن ماجه.
٦ - (ومنها): أن عبد الله بن زيد بن عاصم هذا غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه، صاحب الأذان، كذا قاله الْحُفّاظ من المتقدمين والمتأخرين، وغَلَّطوا سفيان بن عيينة في قوله: هو هو، وممن نَصّ على غلطه في ذلك البخاريّ في "كتاب الاستسقاء" من "صحيحه"، وقد قيل: إن صاحب الأذان لا يُعْرَف له إلا حديث الأذان؛ قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الإصابة": قال الترمذيّ: لا نعرف له عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - شيئًا يصحّ إلا هذا الحديث الواحد، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئًا يصحّ غيره، وأطلق غير واحد أنه ليس له غيره.
قال الحافظ: وهو خطأ، فقد جاءت عنه عدّة أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في "جزء مفرد". انتهى (٢).
стр. 3423
وقال العلامة ابن الملقّن ﵀: إنهما يتّفقان في الاسم، واسم الأب، والقبيلة، ويفترقان في الجدّ، والبطن من القبيلة، فالأول مازنيّ، والثاني حارثيّ، وكلاهما أنصاريّان، خزرجيّان، فيدخلان في المتّفق والمفترق من علوم الحديث، قال: وعبد الله رائي الأذان لم يُخرج له الشيخان شيئًا، كما نصّ على ذلك الحافظ أبو الحسن بن المفضّل المقدسيّ، وأما صاحب الوضوء، فأخرج له الستة، وجملة أحاديثه ثمانية وأربعون حديثًا، اتّفقا على ثمانية، قال: ووَهِمَ أبو القاسم البغويّ، فجعلهم ثلاثةً. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة بن أبي حسن، واسمه تميم بن عبد عمرو بن قيس، ولجده أبي حسن صحبة، وكذا لعُمارة فيما جزم به ابن عبد البرّ، وقال أبو نعيم: فيه نظر، وقال الذهبيّ: عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ له صحبة، وقيل: أبوه بَدْريّ، وعَقَبيّ (٢) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأنصَارِيِّ) ﵁ (وَكَانَتْ لَهُ صحْبَةٌ) يعني أن عبد الله بن زيد ﵁ صحابيّ (قَالَ) أي عبد الله بن زيد (قِيلَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أن قائلًا قال له: توضّأ لنا .. إلخ، والقائل هو عمرو بن أبي حسن، كما بُيّن في رواية البخاريّ وغيره.
ووقع في رواية البخاريّ من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جدّ عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضّأ؟.
قال في "الفتح": قوله: "أن رجلًا" هو عمرو بن أبي حسن، كما سماه البخاري في الحديث الذي بعد هذا، من طريق وُهيب، عن عمرو بن يحيى،
стр. 3424
وعلى هذا فقوله هنا: "وهو جدّ عمرو بن يحيى" فيه تجوُّز؛ لأنه عم أبيه، وسماه جدًّا؛ لكونه في منزلته، ووَهِمَ مَن زَعَم أن المراد بقوله: "وهو" عبد الله بن زيد؛ لأنه ليس جدًّا لعمرو بن يحيى، لا حقيقةً ولا مجازًا، وأما قول صاحب "الكمال"، ومن تبعه في ترجمة عمرو بن يحيى أنه ابن بنت عبد الله بن زيد فغلطٌ، تَوَهَّمه من هذه الرواية، وقد ذكر ابن سعد أن أم عمرو بن يحيى هي حُمَيدةُ بنت محمد بن إياس بن الكبير، وقال غيره: هي أم النعمان بنت أبي حية، فالله أعلم.
وقد اختَلَف رواة "الموطأ" في تعيين هذا السائل، وأما أكثرهم فأبهمه.
قال مَعْن بن عيسى في روايته، عن عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع أبا حسن، وهو جدّ عمرو بن يحيى، قال لعبد الله بن زيد، وكان من الصحابة، فذكر الحديث.
وقال محمد بن الحسن الشيبانيّ، عن مالك: حدثنا عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع جدّه أبا حسن، يسأل عبد الله بن زيد. وكذا ساقه سحنون في "المدونة".
وقال الشافعيّ في "الأم": عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد. ومثله رواية الإسماعيلي، عن أبي خليفة، عن مالك، عن عمرو، عن أبيه قال.
قال الحافظ: والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاريّ، وابنه عمرو، وابن ابنه يحيى بن عُمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وتَوَلَّى السؤال منهم له عمرُو بن أبي حسن، فحيث نُسِبَ إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ في "باب الوضوء من التَّوْر" قال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عَمِّي - يعني عمرو بن أبي حسن - يُكْثِر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره، وحيث نُسِب السؤال إلى أبي حسن، فعلى المجاز؛ لكونه كان الأكبر، وكان حاضرًا، وحيث نُسِب السؤال ليحيى بن عُمارة فعلى المجاز أيضًا؛ لكونه ناقل الحديث، وقد حَضَر السؤال.
стр. 3425
ووقع في رواية مسلم عن محمد بن الصبّاح، عن خالد الواسطيّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: قيل له: توضأ لنا، فذكره مبهمًا.
وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق وهب بن بَقِيَّة، عن خالد المذكور بلفظ: قلنا له، وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتَّفَقُوا على سؤاله، لكن مُتَوَلِّي السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحًا رواية الدّرَاوَرْديّ، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد .. ، فذكر الحديث. أخرجه أبو نعيم في "المستخرج"، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقوله: (تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) مقولُ "قيل" (فَدَعَا بِإِنَاءٍ) وفي رواية للبخاريّ: "فدعا بماء"، وفي رواية له: "فدعا بِتَوْر من ماء"، و"التَّوْرُ" - بمثناة مفتوحة - قال الداوديّ: قَدَحٌ، وقال الجوهريّ: إناء يُشْرَب منه، وقيل: هو الطَّسْتُ، وقيل: يُشْبِه الطست، وقيل: هو مِثْلُ الْقِدْر، يكون من صُفْرٍ، أو حجارةٍ، وفي رواية البخاريّ في "باب الغسل في الْمِخْضَب" في أول هذا الحديث: "أتانا رسول الله ﷺ ، فأخرجنا له ماء في تَوْرٍ من صُفْرٍ"، و"الصُّفْرُ" - بضم المهملة، وإسكان الفاء، وقد تُكْسر الصاد - صِنْفٌ من حديد النُّحَاس، قيل: سُمِّي بذلك؛ لكونه يُشبه الذهب، ويسَمَّى أيضًا الشَّبَهَ - بفتح المعجمة، والموحدة - والتورُ المذكور يَحْتَمِل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد، إذ سئل عن صفة الوضوء، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها. انتهى (٢).
(فَأَكفَأَ) - بهمزتين - أي أمال، وصبّ، وفي رواية للبخاريّ: "فكفأ" - بفتح الكاف - وهما لغتان بمعنىً، يقال: كفأ الإناء، وأكفأه: إذا أماله، وقال الكسائيّ: كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد، كما صرح به في رواية مالك عند البخاريّ.
стр. 3426
(مِئْهَا) أي من الإناء، وأنّثه بتأويله بالإداوة، أو المطهرة، وفي نسخة: "منه"، وهو واضح، وقال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول بلفظ: "منها"، وهو صحيح؛ أي من الْمِطْهَرة، أو الإداوة. انتهى (١). (عَلَى يَدَيْهِ) ووقع في رواية البخاريّ: "فغسل يده" بالإفراد، فيُحمل على الجنس، فيكون المراد اليدين (فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا) كذا في رواية خالد الطحّان هذه، ورواية وهيب وسليمان بن بلال عند البخاريّ، والدراورديّ عند أبي نعيم في "المستخرج"، فكلّهم ذكر "ثلاثًا"، ووقع في رواية مالك عند البخاريّ: "فغسل يده مرتين"، قال في "الفتح": وهؤلاء حُفّاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمةٌ على الحافظ الواحد - يعني مالكًا - وسيأتي لمسلم من طريق بهز، عن وُهيب أنه سمع هذا الحديث مرتين من عمرو بن يحيى إملاءً، فتأكَّد ترجيح روايته، ولا يقال: يُحْمَل على واقعتين؛ لأنا نقول: المخرج مُتَّحِد، والأصل عدم التعدد.
وفيه من الأحكام غسل اليد قبل إدخالها الإناء، ولو كان من غير نوم، كما تقدَّم مثله في حديث عثمان ﵁، والمراد باليدين هنا الكفّان. انتهى (٢).
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) أي في ذلك الإناء (فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ) هكذا بالتأنيث؛ لأن الكفّ مؤنّثة، ووقع في بعض النسخ بلفظ "واحد" بالتذكير، وهو على تأويل الكفّ بالساعد، قال الفيّوميّ ﵀: "الكفّ" من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزعم من لا يوثق به أن الكفّ مذكّرٌ، ولا يَعرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفٌّ مُخَضَّبٌ، فعلى معنى ساعدٍ مُخضّب، قال: و"الكفّ": الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛ لأنها تكُفّ الأذى عن البدن. انتهى (٣).
(فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا) هذا صريح في الجمع كلَّ مرّةٍ، بخلاف رواية وُهيب الآتية، بلفظ: "فمضمض، واستنشق، واستنثر من ثلاث غرفات"، فإنها يتطرقها
стр. 3427
احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ: "فمضمض، واستنثَرَ ثلاث مرّات من غرفة واحدة"، واستُدِلّ بها على الجمع بغرفة واحدة، قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لما أشرنا إليه من اتحاد المخرج، فتقدم الزيادةُ. انتهى (١). وفي رواية مالك التالية: "فمضمض، واستنثر ثلاثًا"، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس (٢).
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في صحيح مسلم: "أدخل يده" بلفظ الإفراد، وكذا في أكثر روايات البخاريّ، ووقع في رواية للبخاريّ في حديث عبد الله بن زيد هذا: "ثم أدخل يديه، فاغترف بهما، فغسل وجهه ثلاثًا"، وفي "صحيح البخاري" أيضًا من رواية ابن عباس: "ثم أخذ غرفة، فجَعَل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ"، وفي "سنن أبي داود" والبيهقيّ من رواية عليّ ﵁ في صفة وضوء رسول الله ﷺ : "ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنةً من ماء، فضرب بها على وجهه".
فهذه أحاديثُ في بعضها "يده"، وفي بعضها "يديه"، وفي بعضها "يده، وضمّ إليها الأخرى" فهي دالّة على جواز الأمور الثلاثة، وأن الجميع سنةٌ، ويُجْمَع بين الأحاديث بأنه ﷺ فَعَلَ ذلك في مرّات، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا - يعني الشافعيّةَ - ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قَطَع به الجمهور، ونَصّ عليه الشافعيّ ﵀ في الْبُوَيْطِيّ، والمزنيّ أن المستحبّ أخذ الماء للوجه باليدين جميعًا؛ لكونه أسهل، وأقرب إلى الإسباغ، والله تعالى أعلم. قال أصحابنا: ويستحب أن يبدأ في غسل وجهه بأعلاه؛ لكونه أشرف، ولأنه أقرب إلى الاستيعاب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣).
стр. 3428
وقال في "الفتح": لم تختلف الروايات في ذلك - أي في غسل وجهه ثلاثًا - ويلزم مَن استَدَلّ بهذا الحديث على وجوب تعميم الرأس بالمسح أن يَسْتَدِلّ به على وجوب الترتيب؛ للإتيان بقوله: "ثم" في الجميع، لأن كلًّا من الحُكمين مُجْمَل في الآية بيّنته السنّة بالفعل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما أسلفنا بحثه مستوفًى في شرح حديث عثمان ﵁، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) تثنية مِرْفق - بكسر الميم، وفتح الفاء - وهو العظم الناتئ في آخر الذراع، سُمّي بذلك؛ لأنه يُرْتَفَق به في الاتكاء ونحوه.
قال في "الفتح": قد اختَلَف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المعظم: نعم، عدا زُفَر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتَجّ بعضهم للجمهور بأن "إلى" في الآية بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.
وتُعُقِّب بأنه خلاف الظاهر.
وأجيب بأن القرينة دَلّت عليه، وهي كون ما بعد "إلى" من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط، لحديث عمار ﵁ أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وبقي الْمِرْفَق مغسولًا مع الذراعين بحقّ الاسم. انتهى.
فعلى هذا فـ "إلى" هنا حَدّ للمتروك من غسل اليدين، لا للمغسول، وفي كون ذلك ظاهرًا من السياق نظرٌ، والله أعلم.
وقال الزمخشريّ: لفظ "إلى" يفيد معنى الغاية مطلقًا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ دليلُ عدم الدخول النهيُ عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، دليلُ الدخول كون الكلام مسوقًا لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى:
стр. 3429
﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين. قال: فأخذ العلماء بالاحتياط، ووَقَف زفر مع المتيقن. انتهى.
قال الحافظ: ويمكن أن يُسْتَدَلّ لدخولهما بفعله ﷺ ، ففي رواية الدارقطني بإسناد حسن، من حديث عثمان زجه في صفة الوضوء: "فغَسَل يديه إلى المرفقين، حتى مس أطراف العضدين"، وفيه عن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه"، لكن إسناده ضعيف، وفي البزار، والطبرانيّ من حديث وائل بن حجر ﵁ في صفة الوضوء: "وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق"، وفي رواية الطحاويّ، والطبرانيّ من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه، مرفوعًا: "ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه".
فهذه الأحاديث يُقوِّي بعضُها بعضًا.
قال إسحاق بن راهويه: "إلى" في الآية يَحْتَمِل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون بمعنى "مع"، فَبَيَّنت السنة أنها بمعنى "مع". انتهى.
قال: وقد قال الشافعيّ ﵁ في "الأم": لا أعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحًا، وإنما حَكَى عنه أشهب كلامًا محتملًا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الإمامان: إسحاق والشافعيّ رحمهما الله تعالى أن الحقّ وجوب دخول المرفقين في الغسل.
وحاصله أن الآية مجملة، وقد بيّنت السنة - كما قال إسحاق، والإجماع كما قال الشافعيّ - معناها المراد منها، وهو كون "إلى" بمعنى "مع"، فوجب القول بدخول المرفق في المغسول، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في شرح حديث عثمان ﵁، فارجع إليه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
стр. 3430
(مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) كذا بتكرار "مرتين"، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية المصنّف الآتية من طريق حَبّان بن واسع، عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه رأى النبيّ ﷺ توضأ، وفيه: "ويده اليمنى ثلاثًا، ثم الأخرى ثلاثًا"، فيُحْمَل على أنه وضوء آخر؛ لكون مخرج الحديثين غير مُتَّحِدٍ، قاله في "الفتح" (١).
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) وفي رواية البخاريّ: "ثم مسح رأسه" بدون الباء. قال القرطبيّ ﵀: الباء للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت برأس اليتيم، ومسحت رأسه، وسَمَّيتُ ابني بمحمّد، ومحمدًا، ولا يصحّ أن تكون للتبعيض، خلافًا للشافعيّ؛ لأن المحقّقين من أئمة النحويين البصريين، وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك: مصحتُ برأسه كقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لَمَا حَسُنَ أن تقول: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه؛ لأنه يكون تكريرًا، ولا مسحتُ برأسه كلّه؛ لأنه يكون مناقضًا له، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا، فإنه يقال: مسحت برأسه، ومسحتُ رأسه بمعنًى واحد، وأيضًا فلو كانت مبعّضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مبعّضةً في مسح الوجه في التيمّم؛ لتساوي اللفظين في المحلَّين، ولمّا لم تكن كذلك فيه فلا (٢)، ومذهب مالك ﵀ وجوب تعميم مسح الرأس؛ تمسّكًا باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته كالوجه، وتمسّكًا بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزّلنا على أن الباء تكون مبعّضةً، وغير مبعّضة، فذلك يوجب فيها إجمالًا، أزاله النبيّ ﷺ بفعله، فكان فعله بيانًا لمجملٍ واجبٍ، فكان مسحه كلّه واجبًا، وسيأتي القول في حديث المغيرة ﵁ الذي ذَكَرَ فيه أنه ﷺ "مسح مقدَّمَ رأسه، وعلى عمامته". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣).
стр. 3431
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام القرطبيّ ﵀ هذا الذي حقّق، وبيّن فيه وجوب استيعاب الرأس بالمسح، كما هو مذهب الإمام مالك ﵀، تحقيقٌ نفيسٌ جدّا، وتقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث عثمان ﵁، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَأقبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ) معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعه إلى حيث بدأ، كما فسّره حيث قال: "فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه"، وقيل: المراد: أدبر، وأقبل؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وفي البخاريّ: "فأدبر بهما، وأقبل"، وهذا أولى لهذا النصّ، وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل الرأس، كما يقال: أنجد، وأتهم: إذا دخل نجدًا، وتهامة، وقيل: معناه أنه ابتدأ من الناصية مقبلًا إلى الوجه، ثم ردّهما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصية، وهذا ظاهر اللفظ، والإقبال والإدبار مسحةٌ واحدةٌ؛ لأنهما بماء واحد، والمقصود بالرَّدّة على الرأس: المبالغة في استيعابه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في كيفيّة الإقبال والإدبار على ثلاثة أقوال، قد استوفيت بيانها في "شرح النسائيّ"، وبيّنت أن الظاهر أن هذا من العمل المخيّر فيه، وأن المقصود منه تعميم الرأس بالمسح، فراجعه تستفد (٢)، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) البحث فيه كالبحث في قوله: "إلى المرفقين"، وأن الأرجح دخول الكعبين في الغسل، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند مُلْتَقَى الساق والقدم، وحَكَى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند مَعْقِد الشراك، ورُوي عن ابن القاسم، عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الردّ على من زَعَم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النعمان بن بشير ﵁ الصحيح في صفة الصفّ في الصلاة: "فرأيت الرجل مِنّا يُلْزِق كعبه
стр. 3432
بكعب صاحبه". وقيل: إن محمدًا إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين؛ قاله في "الفتح" (١).
وقد ردّ العينيّ ما قاله في "الفتح" بأن هذه الحكاية لم تُنقَل عن أبي حنيفة أصلًا، بل نُقلت عن محمد نفسِه، وهو أيضًا نقل غلطٌ؛ لأنه فسَّر به حديث المحرم: "إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفّين، وليقطعهما حتى أسفل الكعبين"، لا أنه فسَّر به آية الوضوء. انتهى (٢).
(ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن زيد ﵁ (هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) هذا يدلّ على أنه ﷺ كان يداوم الوضوء على هذه الكيفيّة، ولا ينافي هذا ما تقدّم في حديث عثمان ﵁ أنه ﷺ توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنه يُحمل على أن الكيفيّة المذكورة في هذا الحديث هي الغالبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٧/ ٥٦١ و ٥٦٢ و ٥٦٣ و ٥٦٤] (٢٣٥)، و [٧/ ٥٦٥] (٢٣٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٨٥ و ١٨٦ و ١٩١ و ١٩٢ و ١٩٧ و ١٩٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١١٩)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٤٧)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٨٠ و ٨٢)، وفي "الكبرى" (١٠٣)، و (ابن ماجه) في ٤٣٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩ و ٤٥ و ٤٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٦ و ١٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧٧ و ١٠٨٤ و ١٠٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٥٠ و ٦٣ و ٨٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٨١ و ٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٥٨ و ٦٥٩
стр. 3433
٦٦٠ و ٦٦١ و ٦٦٢ و ٦٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٥٨ و ٥٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان صفة الوضوء المسنون.
٢ - (ومنها): بيان استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء، وإن لم يكن بعد الاستيقاظ من النوم.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله في رواية وُهيب الآتية: "فمضمض، واستنشق واستنثر، من ثلاث غرفات" على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غَرْفَةٍ.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض"، على تقديم المضمضة على الاستنشاق؛ لكونه عُطِفَ بالفاء التعقيبية، قال في "الفتح": وفيه بحث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما سبق بيانه بدلائله في المسائل الماضية في شرح حديث عثمان ﵁، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دلالةٌ ظاهرةٌ للمذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها، وقد قدمنا إيضاح هذه المسألة، والخلاف فيها في الباب الأول. انتهى (٢).
٦ - (ومنها): أن قوله: "فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين" فيه دلالةٌ على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شكّ، ولكن الأكمل غسل الأعضاء كلّها ثلاثًا ثلاثًا، كما تقدّم في حديث عثمان ﵀.
قال النوويّ ﵀: وإنما كانت مخالفتها من النبيّ ﷺ في بعض الأوقات بيانًا للجواز، كما توضأ ﷺ مرّة مرّة في بعض الأوقات؛ بيانًا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ﷺ ؛ لأن البيان واجبٌ عليه ﷺ .
стр. 3434
[فإن قيل]: إن البيان يحصل بالقول.
[فالجواب]: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل. انتهى (١).
٧ - (ومنها): أن قوله في الرواية الثانية: "فمضمض، واستنشق، واستنثر" فيه حجة للمذهب المختار الذي عليه الجماهير من أهل اللغة وغيرهم، أن الاستنثار غير الاستنشاق، خلافًا لما قاله ابن الأعرابيّ، وابن قُتيبة: إنهما بمعنى واحد، وقد تقدم في الباب الأول إيضاحه.
٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة.
٩ - (ومنها): أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيّره مستعملًا.
١ - (ومنها): الاقتصار في مسح الرأس على مرّة واحدة؛ لأن في رواية وُهيب الآتية: "مرّةً واحدةً"، فلا يُستحبّ التثليث فيه، خلافًا للشافعيّ، وقد تقدّم أن رواية التثليث، وإن صحّحها بعضهم إلا أن الصواب أنها رواية شاذّة، لا تعارض ما في "الصحيحين" من التصريح بمرّة واحدة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ ابْنُ بِلَالٍ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسِب لجدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيْثَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
стр. 3435
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد ﵁.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث خالد بن عبد الله الطّحّان الماضي (وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ) أي لم يذكر سليمان بن بلال في حديثه قوله: "إلى الكعبين".
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال هذه التي أحالها المصنّف على رواية خالد الطحّان، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١٩٩) حدَثنا خالد بن مَخْلَد، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، قال: حدّثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يُكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبيّ ﷺ يتوضأ، فدعا بتَوْر من ماء، فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التَّوْر، فمضمض، واستنثر ثلاث مرّات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده، فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرّات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء، فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غَسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبيّ ﷺ يتوضأ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأنصَارِيُّ، حَدَّثنَا مَعْنٌ، حَدَّثنَا مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَاد، وَقَالَ: "مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا"، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ" (١)، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "فَأقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأ (٢) بِمُقَدَّمِ رَأسِه، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ").