← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام القرطبيّ ﵀ هذا الذي حقّق، وبيّن فيه وجوب استيعاب الرأس بالمسح، كما هو مذهب الإمام مالك ﵀، تحقيقٌ نفيسٌ جدّا، وتقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث عثمان ﵁، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَأقبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ) معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعه إلى حيث بدأ، كما فسّره حيث قال: "فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه"، وقيل: المراد: أدبر، وأقبل؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وفي البخاريّ: "فأدبر بهما، وأقبل"، وهذا أولى لهذا النصّ، وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل الرأس، كما يقال: أنجد، وأتهم: إذا دخل نجدًا، وتهامة، وقيل: معناه أنه ابتدأ من الناصية مقبلًا إلى الوجه، ثم ردّهما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصية، وهذا ظاهر اللفظ، والإقبال والإدبار مسحةٌ واحدةٌ؛ لأنهما بماء واحد، والمقصود بالرَّدّة على الرأس: المبالغة في استيعابه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في كيفيّة الإقبال والإدبار على ثلاثة أقوال، قد استوفيت بيانها في "شرح النسائيّ"، وبيّنت أن الظاهر أن هذا من العمل المخيّر فيه، وأن المقصود منه تعميم الرأس بالمسح، فراجعه تستفد (٢)، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) البحث فيه كالبحث في قوله: "إلى المرفقين"، وأن الأرجح دخول الكعبين في الغسل، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند مُلْتَقَى الساق والقدم، وحَكَى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند مَعْقِد الشراك، ورُوي عن ابن القاسم، عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الردّ على من زَعَم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النعمان بن بشير ﵁ الصحيح في صفة الصفّ في الصلاة: "فرأيت الرجل مِنّا يُلْزِق كعبه

стр. 3432

بكعب صاحبه". وقيل: إن محمدًا إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين؛ قاله في "الفتح" (١). وقد ردّ العينيّ ما قاله في "الفتح" بأن هذه الحكاية لم تُنقَل عن أبي حنيفة أصلًا، بل نُقلت عن محمد نفسِه، وهو أيضًا نقل غلطٌ؛ لأنه فسَّر به حديث المحرم: "إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفّين، وليقطعهما حتى أسفل الكعبين"، لا أنه فسَّر به آية الوضوء. انتهى (٢). (ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن زيد ﵁ (هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) هذا يدلّ على أنه ﷺ كان يداوم الوضوء على هذه الكيفيّة، ولا ينافي هذا ما تقدّم في حديث عثمان ﵁ أنه ﷺ توضّأ ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنه يُحمل على أن الكيفيّة المذكورة في هذا الحديث هي الغالبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٧/ ٥٦١ و ٥٦٢ و ٥٦٣ و ٥٦٤] (٢٣٥)، و [٧/ ٥٦٥] (٢٣٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٨٥ و ١٨٦ و ١٩١ و ١٩٢ و ١٩٧ و ١٩٩)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١١٩)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٤٧)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٨٠ و ٨٢)، وفي "الكبرى" (١٠٣)، و (ابن ماجه) في ٤٣٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩ و ٤٥ و ٤٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٦ و ١٧٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧٧ و ١٠٨٤ و ١٠٩٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٥٠ و ٦٣ و ٨٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٨١ و ٨٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٥٨ و ٦٥٩

стр. 3433

٦٦٠ و ٦٦١ و ٦٦٢ و ٦٦٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٥٨ و ٥٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صفة الوضوء المسنون. ٢ - (ومنها): بيان استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء، وإن لم يكن بعد الاستيقاظ من النوم. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله في رواية وُهيب الآتية: "فمضمض، واستنشق واستنثر، من ثلاث غرفات" على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غَرْفَةٍ. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض"، على تقديم المضمضة على الاستنشاق؛ لكونه عُطِفَ بالفاء التعقيبية، قال في "الفتح": وفيه بحث. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما سبق بيانه بدلائله في المسائل الماضية في شرح حديث عثمان ﵁، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دلالةٌ ظاهرةٌ للمذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات، يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها، وقد قدمنا إيضاح هذه المسألة، والخلاف فيها في الباب الأول. انتهى (٢). ٦ - (ومنها): أن قوله: "فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين" فيه دلالةٌ على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شكّ، ولكن الأكمل غسل الأعضاء كلّها ثلاثًا ثلاثًا، كما تقدّم في حديث عثمان ﵀. قال النوويّ ﵀: وإنما كانت مخالفتها من النبيّ ﷺ في بعض الأوقات بيانًا للجواز، كما توضأ ﷺ مرّة مرّة في بعض الأوقات؛ بيانًا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ﷺ ؛ لأن البيان واجبٌ عليه ﷺ .

стр. 3434

[فإن قيل]: إن البيان يحصل بالقول. [فالجواب]: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل. انتهى (١). ٧ - (ومنها): أن قوله في الرواية الثانية: "فمضمض، واستنشق، واستنثر" فيه حجة للمذهب المختار الذي عليه الجماهير من أهل اللغة وغيرهم، أن الاستنثار غير الاستنشاق، خلافًا لما قاله ابن الأعرابيّ، وابن قُتيبة: إنهما بمعنى واحد، وقد تقدم في الباب الأول إيضاحه. ٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة. ٩ - (ومنها): أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيّره مستعملًا. ١ - (ومنها): الاقتصار في مسح الرأس على مرّة واحدة؛ لأن في رواية وُهيب الآتية: "مرّةً واحدةً"، فلا يُستحبّ التثليث فيه، خلافًا للشافعيّ، وقد تقدّم أن رواية التثليث، وإن صحّحها بعضهم إلا أن الصواب أنها رواية شاذّة، لا تعارض ما في "الصحيحين" من التصريح بمرّة واحدة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ ابْنُ بِلَالٍ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسِب لجدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨. ٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيْثَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.

стр. 3435

٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد ﵁. وقوله: (نَحْوَهُ) أي نحو حديث خالد بن عبد الله الطّحّان الماضي (وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ) أي لم يذكر سليمان بن بلال في حديثه قوله: "إلى الكعبين". [تنبيه]: رواية سليمان بن بلال هذه التي أحالها المصنّف على رواية خالد الطحّان، أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٩٩) حدَثنا خالد بن مَخْلَد، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، قال: حدّثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: كان عمي يُكثر من الوضوء، قال لعبد الله بن زيد: أخبرني كيف رأيت النبيّ ﷺ يتوضأ، فدعا بتَوْر من ماء، فكفأ على يديه، فغسلهما ثلاث مرار، ثم أدخل يده في التَّوْر، فمضمض، واستنثر ثلاث مرّات من غرفة واحدة، ثم أدخل يده، فاغترف بها، فغسل وجهه ثلاث مرّات، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أخذ بيده ماء، فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل، ثم غَسل رجليه، فقال: هكذا رأيت النبيّ ﷺ يتوضأ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأنصَارِيُّ، حَدَّثنَا مَعْنٌ، حَدَّثنَا مَالِكُ بْنُ أنسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَاد، وَقَالَ: "مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا"، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ" (١)، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "فَأقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأ (٢) بِمُقَدَّمِ رَأسِه، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ").

стр. 3436

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الْخَطْميّ الأنصاريّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ مُتْقِنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٢. ٢ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى بن دينار الأسجعيّ مولاهم الْقَزّاز، أبو يحيى المدنيّ، أحد أئمة الحديث، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن إبراهيم بن طَهْمان، ومعاوية بن صالح، ومالك بن أنس، وخارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، وعبد العزيز بن المطلب، وابن أبي ذئب، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، وهشام بن سعد، وموسى بن يعقوب الزَّمعيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، ويحيى بن معين، وعليّ بن المدينيّ، والحميديّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وإسحاق بن موسى الأنصاريّ، وأبو خيثمة، وقتيبة، ونصر بن عليّ، وهارون بن عبد الله الحمّال، وغيرهم. قال الميمونيّ، عن أحمد: ما كتبت عنه شيئًا، وقال إسحاق بن موسى: سمعته يقول: كان مالك لا يجيب العراقيين في شيء من الحديث حتى أكون أنا أسأله، وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، وأتقنهم: مَعْن بن عيسى، وهو أحب إليّ من ابن وهب، وقال ابن سعد: كان يعالج القزّ ويشتريه، مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان ثقةً كثير الحديث، ثبتًا مأمونًا، وقال إبراهيم بن الجنيد: قلت ليحيى بن معين: كان عند معن "الموطأ"؟ قال: قليل، قال يحيى: وإنما قصدنا إليه في حديث مالك، قلت: فكيف هو في حديث مالك؟ قال: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان هو الذي يتولى القراءة على مالك، وقال الخليليّ: قديمٌ متفقٌ عليه، رضي الشافعي بروايته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٣ - (مَالِكُ بْنُ أنَس) بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس الْمُتقنين، وكبير الْمُتَثَبِّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.

стр. 3437

وقوله: (بِهَذَا الإسْنَادِ) أي بإسناد عمرو بن يحيى السابق. وقوله: (وَقَالَ: مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا) فاعل "قال" ضمير مالك بن أنس ﵀؛ أي: قال مالك في روايته: "مضمض، واستنثر" بدل قول خالد الطّحّان: "فمضمض، واستنشق". وقوله: (بَدَأ (١) بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ) قال في "الفتح": الظاهر أنه من الحديث، وليس مُدْرجًا من كلام مالك، ففيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه؛ لظاهر قوله: "أقبل، وأدبر"، وَيرُدّ عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ثبت عند البخاريّ من رواية سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى بلفظ: "فأدبر بيديه، وأقبل"، فلم يكن في ظاهره حجةٌ؛ لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يُعَيِّن ما أقبل إليه، ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين مُتَّحِدٌ، فهما بمعنى واحد، وعَيَّنَت رواية مالك البداءة بالمقدَّم، فَيُحْمَل قوله: "أقبل" على أنه من تسمية الفعل بابتدائه؛ أي بدأ بقُبُل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك. والحكمةُ في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح، فعلى هذا يَختصّ ذلك بمن له شَعْرٌ، والمشهور عمن أوجب التعميم أن الأُولى واجبة، والثانية سنة، ومن هنا يتبين ضعف الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التعميم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في "الفتح" من ضعف الاستدلال على وجوب التعميم فيه نظرٌ لا يخفى، فالحقّ أنه يفيد وجوب التعميم؛ لأنه بيان لمجمل الآية كما بيّنه الإمام مالك ﵀، وكذا قوله: "يختصّ بمن له شعر" فيه نظرٌ؛ لأن النصّ ما خصّ رأسًا دون رأس، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية مالك ﵀ التي أحالها المصنّف ﵀ هنا على رواية خالد الطحّان ﵀، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ أيضًا في "صحيحه"، فقال: (١٨٥) حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عمرو بن

стр. 3438

يحيى المازنيّ، عن أبيه، أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد - وهو جد عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثم مضمض، واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بِمُقَدَّم رأسه، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. وقوله: "ثم غسل يديه مرّتين" هكذا في رواية مالك "مرّتين"، وفي رواية خالد الطحّان الماضية، وكذا في رواية وُهيب، وسليمان بن بلال عند البخاريّ، والدَّرَاوَرْديّ عند أبي نعيم - كما قال في "الفتح" - أنه غسل ثلاثًا، وقال الحافظ: وهؤلاء حفّاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدّمة على الحافظ الواحد، يعني مالكًا، وقد ذكر مسلم في الحديث التالي أن وُهيبًا سمع هذا الحديث من عمرو بن يحيى مرّتين إملاءً، فتأكّد ترجيح روايته (١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٤] ( … ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: "فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ"، وَقَالَ أَيْضًا: "فَمَسَحَ بِرَأْسِه، فَأقبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً"، قَالَ بَهْزٌ (٢): أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ، وقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْيىَ هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) وقيل: بعدها (خ م د ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٩.

стр. 3439

٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عَجلان الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣. وقوله: (بِمِثْلِ إِسْنَادِهِمْ) أي بمثل إسناد خالد الطحّان، وسليمان بن بلال، ومالك، يعني أن وُهيبًا روى هذا الحديث بإسنادهم المتقدّم، وهو: عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد ﵁. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير وُهيب، أي ساق وُهيبٌ الحديث المذكور. وقوله: (وَقَالَ فِيهِ) أي قال وُهيب في الحديث الذي ساقه: ("فَمَضْمَضَ، وَاستَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ")، يعني أنه جمع بين الثلاثة: المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، بخلافهم، فإن خالدًا وسليمان ذكرا المضمضة، والاستنشاق من كفّ واحدة، ومالكًا ذكر المضمضة، والاستنثار ثلاثًا. وقوله: (وَقَالَ أَيْضًا: "فَمَسَحَ بِرَأْسِه، فَأقبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، مَرَّةً وَاحِدَةً") يعني أن وُهيبًا صرّح أيضًا في روايته أن مسح الرأس مرّةً واحدةً، وقد سبق أن السنة كون مسح الرأس مرّة واحدةً، وهو مذهب الجمهور، وهو الصحيح، ولا يُستحبّ تثليثه، كما يقول به الشافعيّ ﵀؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ﷺ ، وما ورد من التثليث، وإن صححه بعضهم، فإنه شاذّ، لا يُلتفت إليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ بَهْزٌ (١): أَمْلَى عَلَيَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ، وقَالَ وُهَيْبٌ. أَمْلَى عَلَيَّ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ) المعنى أن بهزًا أخذ هذا الحديث من شيخه وُهيب بالإملاء، كما أنه أخذه من شيخه عمرو بن يحيى إملاء، أملاه عليه مرّتين، وهذا يدلّ على قوّة حفظه له. و"الإملاء" لغة في الإملال، يقال: أمللت الكتاب على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمليته إملاء بمعناه، والأولى لغة أهل الحجاز، وبني أسد،

стр. 3440

والثانية لغة بني تميم وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] (١). و"الإملاء" أعلى أنواع التحمّل؛ لما فيه من تَحَرِّي الشيخ والطالب؛ إذ الشيخ مشتغلٌ بالتحديث، والطالب مشتغلٌ بالكتابة عنه، فهما لذلك أبعد عن الغفلة، وأقرب إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده. وهو أيضًا أغلب أحوال النبيّ ﷺ في تبليغه للصحابة؛ لأن الغالب أنه ﷺ أخبر الناس ابتداءً، وأسمعهم ما جاءه من عند الله تعالى، وأما سؤال الصحابة ﵃، وكذا تقريره لما جَرَى في حضرته، فمرتبة ثانية، وراجع في تمام هذا البحث ما كتبته في "شرح" ألفيّة السيوطيّ ﵀ في الحديث (٢). [تنبيه]: رواية وُهيب هذه التي أحالها المصنّف على رواية الرواة الثلاثة المتقدّمين، ساقها الإمام البخاريّ ﵀ أيضًا في "صحيحه"، فقال: (١٨٦) حدّثنا موسى (٣)، قال: حدّثنا وُهيب عن عمرو، عن أبيه: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبيّ ﷺ ، فدعا بِتَوْر من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبيّ ﷺ ، فأكفأ على يده من التَّوْر، فغسل يديه ثلاثًا، ثم أدخل يده في التور، فمضمض، واستنشق، واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده، فغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده، فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرةً واحدةً، ثم غسل رجليه إلى الكعبين. انتهى. وقوله: "ثم أدخل يده، فغسل وجهه" بَيَّن في هذه الرواية تجديد الاغتراف لكل عضو، وأنه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الروايات عند الشيخين وغيرهما، لكن وقع في رواية ابن عساكر، وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال عند البخاريّ: "ثم أدخل يديه بالتثنية"، وليس ذلك في رواية أبي ذرّ، ولا الأصيليّ، ولا في شيء من الروايات خارج "الصحيح"؛ قاله النوويّ.

стр. 3441

قال الحافظ: وأظن أن الإناء كان صغيرًا، فاغترف بإحدى يديه، ثم أضافها إلى الأخرى، كما تقدم نظيره في حديث ابن عباس ﵁، وإلا فالاغتراف باليدين جميعًا أسهل وأقرب تناولًا، كما قال الشافعي ﵀. وقوله: "ثم غسل يديه مرتين" المراد غسل كل يد مرتين، كما تقدم في طريق مالك: "ثم غسل يديه مرتين مرتين"، وليس المراد توزيع المرتين على اليدين كأن يكون لكل يد مرة واحدة، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٥] (٢٣٦) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِر، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيَّ (٢)، يَذْكُرُ أَنهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ، ثُمَّ اسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَل وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَالْأُخْرَى ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِه، بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ (٣)، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الْخَزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة - السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥. ٣ - (أبو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عَمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.

стр. 3442

٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧١] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. ٦ - (حَبَّانُ بْنُ وَاسِعٍ) هو: حَبّان - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة، آخره نون - ابن وَاسع بن حَبّان بن مُنقِذ بن عَمْرو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ابن عَمّ محمد بن يحيى، صدوقٌ [٥]. رَوَى عن أبيه، وخلاد بن السائب، وعنه عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، ذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، له عندهم هذا الحديث في الوضوء فقط. ٧ - (أَبُوهُ) هو: واسع بن حبّان - بفتح المهملة، ثم موحّدة ثقيلة - ابن منقذ بن عمرو بن مالك بن خَنْساء بن مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن رافع بن خَدِيج، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وعبد الله بن عُمر، وسعد بن المنذر، وقيس بن صعصعة، وأبي سعيد، ووهب بن حُذيفة، وجابر ﵃. ورَوَى عنه ابنه حَبّان، وابن أخيه محمد بن يحيى بن حَبّان، قال أبو زرعة: مدنيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره البغوي في "الصحابة"، وقال: في صحبته مقالٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وزَعَم الْعَبْدَويّ أنه شَهِد بيعة الرضوان. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٣٦) وحديث رقم (٢٦٦) وأعاده بعده. و"عبد الله بن زيد" ﵁ تقدّم. وقوله: (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأيلِيُّ) قال النوويّ ﵀: هذا من احتياط مسلم ﵀، ووفور علمه، وورعه، ففرّق بين روايته - عن شيخيه: الهارونين، فقال في الأول: "حدّثنا"، وفي الثاني:

стр. 3443

"حدّثني"، فإن روايته عن الأول كانت سماعًا من لفظ الشيخ له ولغيره، وروايته عن الثاني كانت له خاصةً من غير شريك له، وقد قدَّمنا أن المستحب في مثل الأول أن يقول: "حدّثنا"، وفي الثاني: "حدثني"، وهذا مستحبّ بالاتفاق، وليس بواجب، فاستعمله مسلم ﵀، وقد أكثر من التحرّي في مثل هذا، وقد قدّمت له نظائر، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - التنبيه على نظائره الكثيرة، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقوله: (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) هذا أيضًا من احتياط مسلم ﵀ وورعه، فإنه رَوَى هذا الحديث أوّلًا عن شيوخه الثلاثة: الهارونين، وأبي الطاهر، عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، ولم يكن في رواية أبي الطاهر "أخبرني"، وإنما كان فيها: "عن عمرو بن الحارث"، وقد تقرَّر أن لفظة "عن" مختلَفٌ في حملها على الاتصال، والقائلون أنها للاتصال وهم الجماهير يوافقون على أنها دون "أخبرنا"، فاحتاط مسلم ﵀، وبَيَّنَ ذلك، وكم في كتابه من الدُّرَر والنفائس المشابهة لهذا، رحمه الله تعالى، وجمع بيننا وبينه في دار كرامته، والله تعالى أعلم؛ قاله النوويّ ﵀ (٢). وقوله: (وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَالْأُخْرَى ثَلَاثًا) [إن قيل]: إن هذه الرواية تعارض ما سبق من روايات حديث عبد الله بن زيد ﵁، حيث إن فيها أنه غسل يديه مرتين مرّتين، وهذه فيها أنه غسلهما ثلاثًا، فكيف التوفيق؟. [قلت]: يجاب بأنه لا تعارض بين الروايات؛ لأنه يمكن حملُ هذه الرواية على أنها بيان لصفة أخرى، توضّأها عبد الله بن زيد ﵁ في وقت آخر، كما رأى النبيّ ﷺ يتوضّأ أيضًا كذلك، ومما يؤيّد هذا اختلاف الطريق، فإن هذه من طريق واسع بن حبّان، عن عبد الله بن زيد، بخلاف الروايات السابقة، كما مرّ إيضاحه، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ) وفي بعض النسخ: "يديه"، قال النوويّ ﵀: معناه أنه مسح الرأس بماء جديدٍ، لا ببقية ماء يديه، ولا يُسْتَدَلّ

стр. 3444

بهذا على أن الماء المستعمل لا تصحّ الطهارة به، لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديدٍ للرأس، ولا يلزم من ذلك اشتراطه، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل على مشروعيّة تجديد الماء لمسح الرأس، وأنه سنّة، خلافًا للأوزاعيّ والحسن وعروة في تجويزهم مسحه ابتداءً بما فضل في يديه، ولم يجيء في هذا الحديث، ولا في حديث عثمان ﵁ للأذنين ذكر، ويُمكن أن يكون ذلك لأن اسم الرأس تضمّنهما، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائيّ، وأبي داود، وغيرهما أن النبيّ ﷺ مسح أذنيه، ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صِمَاخيه، وسيأتي ذكرهما. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقوله: (وَغسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا) فيه أن استحباب إنقاء الرجلين بالغسل، ولا ينافي هذا ما تقدّم في حديث عثمان ﵁ أنه ﷺ غسل رجليه ثلاثًا؛ لأن التثليث لا ينافي الإنقاء، فالسنة التثليث مع الإنقاء، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ الإيتَارِ فِي الاسْتِنْثَار، والاسْتِجْمَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٦] (٢٣٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْروٌ النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا، وَإذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ (٣) ").

стр. 3445

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (٢٤٠) عن (٩٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عِمْران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقية إمام حجة، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠. ٦ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَنَ بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عمرو الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين من أبي الزناد. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁، وهو مرويّ عن الإمام البخاريّ ﵀ (١).

стр. 3446

٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي الزناد، عن الأعرج. ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: (جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)، فـ "جميعًا" منصوب على الحال، أي حال كون الشيوخ الثلاثة مجتمعين (١) في أخذهم عن ابن عيينة. ٧ - (ومنها): أن فيه قوله: (قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) قد تقدّم أن هذا من احتياط الإمام مسلم ﵀، وشدّة عنايته بالتمييز بين ألفاظ الشيوخ المختلفة، وإن كان اختلافها لا يضرّ، وذلك أن شيوخه الثلاثة مختلفون في كيفيّة الأداء، فعمرو الناقد، وابن نُمير قالا: "عن ابن عيينة"، وأما قتيبة، فصرّح بالتحديث، وذكر شيخه باسمه، فقال: "حدّثنا سفيان"، وهذا الصنيع هو الذي امتاز به المصنّف، حتى على الإمام البخاريّ ﵀، فتنبّه لذلك، فإنه دقيق، وبالله تعالى التوفيق. ٨ - (ومنها): أن فيه قوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) هذه الصيغة من جملة صيغ الأداء التي يستعملها المحدّثون، ومعنى "يبلغ به" أي يَصِل به إلى النبيّ ﷺ ، ومثل ذلك "يرفعه"، و"يَنْمِيه"، و"روايةً"، و"يَرْويه"، وأمثال ذلك، وهو في حكم المرفوع بلا خلاف بين أهل العلم، كما صرّح به النوويّ، واقتضاه كلام ابن الصلاح، قال السخاويّ: ويدلّ لذلك مجيء بعض الْمَكنيّ به بالتصريح، ففي بعض الروايات لحديث: "الفِطْرة خمسٌ": "يبلغ به النبيّ ﷺ "، وفي بعضها: "قال رسول الله ﷺ ". والسبب الحامل على عدول التابعيّ عن قول الصحابيّ: سمعت رسول الله ﷺ ، ونحوها إلى "يبلغ به"، أو "يرفعه"، أو "روايةً"، ونحوها مع تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ ﷺ كونه يشكّ في صيغة الرفع بعينها، هل هي "سمعتُ"، أو "قال رسول الله ﷺ "، أو "نبيّ الله"، أو نحوها؟ وهو ممن لا يَرَى الإبدال، أو طلبًا للتخفيف، أو شكّه في ثبوته، أو ورعه، حيث عَلِمَ أن المرويّ بالمعنى (٢)، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، كما سبق غير مرّة. والله تعالى أعلم.

стр. 3447

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) تقدّم البحث عن هذه الجملة آنفًا (قَالَ) أي النبيّ ﷺ ("إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ) أي استعمل الجمارَ، وهي الحجارة الصغيرة في الاستنجاء، وحمله بعضهم على استعمال البَخُور، فإنه يقال فيه: تَجَمَّر، واستجمر، حكاه ابن حبيب، عن ابن عمر ﵄، ولا يصحّ عنه، وابن عبد البر عن مالك، وروى ابن خزيمة في "صحيحه" عنه خلافه، وقال عبد الرزاق، عن معمر أيضًا بموافقة الجمهور، واستَدَلّ بعض من نَفَى وجوب الاستنجاء بهذا الحديث؛ للإتيان فيه بحرف الشرط، ولا دلالة فيه، وإنما مقتضاه التخيير بين الاستنجاء بالماء، أو بالأحجار؛ قاله في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: أما الاستجمار: فهو مسح محلّ البول والغائط بالْجِمَار، وهي الأحجار الصغار، قال العلماء: يقال: الاستطابةُ، والاستجمار، والاستنجاء لتطهير محلّ البول والغائط، فأما الاستجمار فمختص بالمسح بالأحجار، وأما الاستطابة، والاستنجاء، فيكونان بالماء ويكونان بالأحجار. قال: هذا الذي ذكرناه من معنى الاستجمار هو الصحيح المشهور الذي قاله الجماهير من طوائف العلماء من اللغويين، والمحدثين، والفقهاء. وقال القاضي عياض ﵀: اختَلَف قولُ مالك وغيره في معنى الاستجمار المذكور في هذا الحديث، فقيل: هذا، وقيل: المراد به في الْبَخُور، أن يأخذ منه ثلاث قِطَع، أو يأخذ منه ثلاث مرات، يَسْتَعمل واحدة بعد أخرى، قال: والأول أظهر، والله أعلم، والصحيح المعروف ما قدمناه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢). وقال العينيّ ﵀ في "شرحه" بعد ذكره ما تقدّم: إنما سُمّي به التمسّح بالجمار التي هي الأحجار الصغار؛ لأنه يُطيّب المحلّ كما يُطيّبه الاستجمار بالْبَخُور، ومنه سُمّيت جمار الحج، وهي الحصيات التي يُرْمَى بها. انتهى (٣).

стр. 3448

(فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا) أي ليجعل الأحجار التي يستنجي بها وترًا ثلاثًا، لا أقلّ؛ لما أخرجه المصنّف من حديث سلمان ﵁، عن النبيّ ﷺ قال "ولا يستنج أحدكم بأقلّ من ثلاثة أحجار". وقال النوويّ ﵀: المراد بالإيتار أن يكون عدد الْمَسَحَات ثلاثًا، أو خمسًا، أو فوق ذلك من الأوتار، ومذهب الشافعيّ أن الإيتار فيما زاد على الثلاث مستحبّ، وحاصل مذهبه أن الإنقاء واجب، واستيفاء ثلاث مَسَحَات واجبٌ، فإن حَصَل الإنقاء بثلاث فلا زيادة، وإن لم يحصل وجب الزيادة، ثم إن حَصَل بوتر فلا زيادة، وإن حصل بشفع كأربع، أو ستّ استُحِبّ الإيتار. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يجب الإيتار مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث، وحجة الجمهور الحديث الصحيح في "السنن" أن رسول الله ﷺ قال: "مَن استَجْمَر فليُوتِرْ، مَن فَعَل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج"، ويَحْمِلون حديث الباب على الثلاث، وعلى الندب فيما زاد. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": وبهذا أخذ الشافعيّ، وأحمد، وأصحاب الحديث، فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاثة، مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها، فيزاد حتى ينقى، لكن يُستحبّ مع ذلك الإيتار؛ لقوله ﷺ : "ومن استجمر فليوتر"، وليس بواجب؛ لزيادةٍ في "سنن أبي داود" حسنة الإسناد: قال: "ومن لا فلا حرج"، وبهذا يحصل التوفيق بين الروايات في هذا الباب. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ) أي شرع في الوضوء (فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ) وفي نسخة: "فليَنْثُر": أي لِيُخْرِج الماء الذي استنشقه، وذلك يكون بريح الأنف بإعانة يده، أو بغيرها مع إخراج الأذى؛ لما يأتي من قوله: "فإن الشيطان يبيت على خياشيمه"؛ ولما فيه من المعونة على القراءة؛ لأن تنقية مجرى النفس تصحّح مخارج الحروف. و"الاستنثار": استفعال، من النَّثْر - بالنون، والمثلَّثة - وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ، أي يجذبه بريح الأنف؛ لتنظيف ما في داخله، فيخرج

стр. 3449

بريح الأنف سواءٌ كان بإعانة يده أم لا. وحُكِي عن مالك كراهية فعله بغير اليد؛ لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، وإذا استنثر بيده، فالمستحب أن يكون باليسرى، بَوَّبَ عليه النسائي، وأخرجه مقيدًا بها من حديث عليّ ﵁ (١). [تنبيه]: لم يَذكُر في هذه الرواية عددًا، وقد ورد في رواية سفيان، عن أبي الزناد، ولفظه: "وإذا استنثر، فليستنثر وترًا"، أخرجه الحميديّ في "مسنده" عنه، وأصله لمسلم، وفي رواية عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ الآتية للمصنّف بعد ثلاثة أحاديث: "إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرّات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه"، أفاده في "الفتح" (٢). وقال النوويّ ﵀: ففيه دلالةٌ ظاهر على أن الاستنثار غير الاستنشاق، وأن الاستنثار هو إخراج الماء بعد الاستنشاق، مع ما في الأنف من مخاط وشبهه، وقد تقدَّم ذكر هذا، وفيه دلالة لمذهب مَن يقول: الاستنشاق واجب؛ لمطلق الأمر، ومن لم يوجبه حَمَل الأمر على الندب، بدليل أن المأمور به حقيقةً، وهو الانتثار ليس بواجب بالاتفاق، فإن قالوا: ففي الرواية الأخرى: "إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينثر"، فهذا فيه دلالة ظاهرة للوجوب، لكن حَمْلُه على الندب مُحْتَمِلٌ لِيُجْمَع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأرجح وجوب الاستنشاق، والانتثار؛ لظاهر الأمر، ولأنه ﷺ لم يُنقل عنه تركهما، وقد سبق أن الحقّ أن آية الوضوء مجملة، بيّنها النبيّ ﷺ بفعله وقوله، فتبصّر، وسيأتي تمام البحث في هذا في "المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 3450

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٨/ ٥٦٦ و ٥٦٧ و ٥٦٨ و ٥٦٩، (٢٣٧)، و [٨/ ٥٧٠] (٢٣٨)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٢)، و (أبو داود) في "الطهارة" (١٤٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (٨٨)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢ و ٢٧٨ و ٣١٥ و ٤٦٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٧١ و ٦٧٢ و ٦٧٣ و ٦٧٤ و ٦٧٥ و ٦٧٦ و ٦٧٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٦٠ و ٥٦١ و ٥٦٢ و ٥٦٣ و ٥٦٤)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (١٤٣٩)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بالاستنثار في الوضوء، والحقّ أنه واجبٌ، كالمضمضة والاستنشاق، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: في هذا الحديث الأمر بالاستنثار بالماء عند الوضوء، وذلك دفع الماء بريح الأنف بعد الاستنشاق، والاستنشاق أخذ الماء بريح الأنف من الكفّ، والاستنثار دفعه، ومحالٌ أن يدفعه مَن لم يأخذه، ففي الأمر بالاستنثار أمر بالاستنشاق، فافهم، وعلى ما وصفتُ لك في الاستنشاق والاستنثار جمهور العلماء، وأصل هذه اللفظة في اللغة القَذْفُ يقال: نَثَرَ، واستنثر بمعنى واحد، وذلك إذا قَذَف من أنفه ما استنشق، مثل الامتخاط، ويقال: الجرأد نثرة حُوت، أي قَذَف به من أنفه. وقد رَوَى ابن القاسم، وابن وهب عن مالك، قال: الاستنثار أن يَجعل يده على أنفه، ويستنثر، قيل لمالك: أيستنثر من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك الحمار، وسئل مالك عن المضمضة والاستنثار مرّةً أم مرتين أم ثلاثًا؟ فقال: ما أبالي أيّ ذلك فعلت، وكل ذلك جائز عند مالك، وجميع أصحابه أن يتمضمض، ويستنثر من غرفة واحدة. ٢ - (ومنها): بيان الأمر بالاستجمار وترًا، وهو أيضًا للوجوب، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 3451

(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنثار: قال الحافظ أبو عمر ﵀: أجمع المسلمون طرًّا على أن الاستنشاق، والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة، ومسح الأذنين، واختلفوا فيمن ترك ذلك ناسيًا أو عامدًا، فكان أحمد بن حنبل يذهب إلى أن مَن ترك الاستنثار في الوضوء ناسيًا أو عامدًا أعاد الوضوء والصلاة، وبه قال أبو ثور، وأبو عبيد في الاستنثار خاصّة، وهو قول داود في الاستنثار خاصة أيضًا. وكان أبو حنيفة، والثوريّ، وأصحابهما يذهبون إلى إيجاب المضمضة والاستنشاق في الجنابة دون الوضوء. وكانت طائفة توجبهما في الوضوء والجنابة. وأما مالك، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وأكثر أهل العلم، فإنهم ذهبوا إلى أن لا فرض في الوضوء واجبٌ إلا ما ذكره الله في القرآن، وذلك غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. انتهى كلامه بالاختصار (١). وقال في "الفتح": قوله: (فليستنثر) ظاهر الأمر أنه للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق؛ لورود الأمر به، كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب "المغني" يقتضي أنهم يقولون بذلك، وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار. وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار. وفيه تَعَقُّبٌ على من نقل الإجماع على عدم وجوبه. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت آنفًا من كلام ابن عبد البرّ ﵀ أن هؤلاء - أحمد، ومن ذكر معه - قائلون بوجوب الاستنثار، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: واستَدَلّ الجمهور على أن الأمر فيه للندب بما حَسّنه الترمذيّ، وصححه الحاكم من قوله ﷺ للأعرابيّ: "توضأ كما أمرك الله"، فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق. وأجيب بأنه يَحْتَمِل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد

стр. 3452

أمر الله باتباع نبيه ﷺ ، وهو الْمُبَيِّن عن الله أمره، ولم يَحْكِ أحدٌ ممن وَصَف وضوءه ﷺ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يَرُدُّ على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضًا في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، وذكر ابن المنذر أن الشافعيّ لم يَحْتَجّ على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يَعْلَم خلافًا في أن تاركه لا يُعيد، وهذا دليلٌ قويّ، فإنه لا يُحْفَظ ذلك عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كله ابن المنذر. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الاستنثار هو الحقّ، وكذا المضمضة، والاستنشاق، وأما دعوى الإجماع على عدم وجوبها، كما سبق آنفًا عن ابن المنذر أنه لا يُحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين، غير صحيحة، فقد ذكر ابن المنذر نفسه ذلك عن عطاء، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، والزهريّ، وإسحاق بن راهويه (٢)، وذكر ابن حزم أنه نُقل عن مجاهد أنه قال: الاستنشاق شطر الوضوء، فأين الإجماع المزعوم؟ وقد تقدّم تحقيق القول في هذا في المسألة السابعة من شرح حديث عثمان ﵁، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستجمار وترًا: (اعلم): أنه اختُلف في اشتراط الثلاث في الاستنجاء بالأحجار على مذاهب: (الأول): مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث، فإنهم اشترطوا أن لا ينقص من الثلاث، مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصُل بها، فيُزاد حتى ينقي، ويُستحبّ حينئذ الإيتار؛ لقوله ﷺ : "ومن استجمر فليوتر"، وليس بواجب؛ لما أخرجه أبو داود في "سننه" بإسناد حسن، فزاد: "ومن لا فلا حرج"، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات. (المذهب الثاني): مذهب مالك، وداود قالا: الواجب الإنقاء، فإن

стр. 3453

حصل بحجر واحد أجزأ، وحكاه العبدريّ عن عمر بن الخطّاب ﵁، وبه قال أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء. واحتجّ هؤلاء بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من استجمر فليوتر، ومن فَعَل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج"، قالوا: ولأن المقصود الإنقاء، ولأنه لو استنجى بالماء لم يُشترط عدد، وكذلك الحجر. واحتجّ أصحاب المذهب الأول بحديث سلمان ﵁ الآتي: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (١)، فإنه صريح في وجوب الثلاث. وبحديث أبي هريرة ﵁ هذا، وحديث عائشة ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار"، وهو حديث صحيح. وبحديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرّمّة"، أخرجه النسائيّ، وهو حديث صحيح، وبحديث خزيمة بن ثابت ﵁ قال: سئل النبيّ ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: "بثلاثة أحجار"، حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقيّ. وبحديث ابن مسعود ﵁: أتى النبيّ ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثةً، فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس"، رواه البخاريّ، وأحمد، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وفي رواياته زيادة: "فألقى الروثة، وقال: ائتني بحجر"، يعني ثالثًا، وفي بعضها: "ائتني بغيرها". وبحديث جابر ﵁ الآتي آخر الباب أن النبيّ ﷺ قال: "من استجمر فليوتر". وفي رواية لأحمد، والبيهقيّ: "إذا استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثًا"، قال البيهقيّ ﵀: هذه الرواية تُبَيّن أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد على الواحد.

стр. 3454

وقال الخطابيّ ﵀ في حديث سلمان ﵁: "أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار": في هذا البيان الواضح أن الاقتصار على أقلّ من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بدونها، ولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد معنًى، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى؛ لأنه يزيل العين والأثر، فدلالته قطعيّة، فلم يَحتَجْ إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرًا لا قطعًا، فاشتُرط فيه العدد، كالعدّة بالأقراء لَمّا كانت دلالتها ظنًّا اشتُرط فيها العدد، وإن كان قد تحصل براءة الرحم بقرء، ولهذا اكتُفي بقرء في استبراء الأمة، ولو كانت العدّة الولادة لم يُشترط العدد؛ لأن دلالتها قطعيّة. انتهى كلام الخطابيّ ملخّصًا. [فإن قيل]: التقييد بثلاثة أحجار إنما كان لأن الإنقاء لا يحصل بدونهما غالبًا، فخرج مخرج الغالب. [قلنا]: لا يجوز حمل الحديث على هذا؛ لأن الإنقاء شرط بالاتّفاق، فكيف يُخلّ به، وَيذكُر ما ليس بشرط، مع كونه موهمًا للاشتراط. [فإن قيل]: فقد ترك ذكر الإنقاء. [قلنا]: ذلك من المعلوم الذي يُستغنى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد، فإنه لا يُعرف إلا بتوقيف، فنصّ على ما يخفى، وترك ما لا يخفى، ولو حُمِلَ على ما قالوه لكان إخلالًا بالشرطين معًا، وتعرُّضًا لما لا فائدة فيه، بل فيه إيهام. والجواب عن الحديث الذي احتجّوا به: أن الوتر الذي لا حرج في تركه هو الزائد على ثلاثة؛ جمعًا بين الأحاديث، والجواب عن الدليلين الآخرين سبق في كلامنا؛ قاله النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" (١). وقال العلامة الشوكانيّ ﵀: وقد عارضت الحنفيّة حديث سلمان ﵁ المذكور الذي هو نصّ في اشتراط الثلاث بحديث ابن مسعود ﵁ الذي فيه: "فأخذ الحجرين، وألقى الروثة"، قال الطحاويّ: هو دليل على أن عدد الأحجار ليس بشرط؛ لأنه قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار؛ لقوله:

стр. 3455

"ناولني"، فلما ألقى الروثة دلّ على أن الاستنجاء بالحجرين يُجزئ؛ إذ لو لم يكن كذلك لقال: ابغني ثالثًا. وتعقّبه الحافظ، فقال: قد روى أحمد هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات، قال في آخره: "فألقى الروثة، وقال: إنها ركس، ائتني بحجر"، قال: مع أنه ليس فيما ذكر استدلال؛ لأنه مجرّد احتمال، وحديث سلمان ﵁ نصّ في عدم الاقتصار على ما دونها، وأيضًا في سائر الأحاديث الناصّة على وجوب الثلاث زيادة يجب المصير إليها، مع عدم منافاتها بالاتّفاق، فالأخذ بها متحتّم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ هو ما ذهب إليه المشترطون للثلاث في الاستجمار بالأحجار؛ لقوّة دليله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٧] ( … ) - (حَذَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (٢)، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَاَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمًّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا تَوَضَّاَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاء، ثُمَّ لِيَنْتثِرْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عَمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.

стр. 3456

٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كَامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. [تنبيه]: قوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ ﷺ ) قد تقدّم البحث في هذا الكلام. غير مرّة، وأن هذا الحديث مما أخذه المصنّف من صحيفة همّام بن منبّه، وهي صحيفة مشهورة مطبوعة متداولة، والله تعالى أعلم. وقوله: ("إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاء، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ") قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: هذا أبين حديث في الاستنشاق والاستنثار، وأصحها إسنادًا، وأجمع المسلمون طرًّا أن الاستنشاق والاستنثار من الوضوء، وكذلك المضمضة ومسح الأذنين. انتهى (١). وقوله: (بِمَنْخِرَيْهِ) بفتح الميم، وكسر الخاء، وبكسرهما جميعًا، لغتان معروفتان؛ قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: "الْمَنْخِرُ"، مثالُ مَسْجِد: خَرْقُ الأنف، وأصلُهُ موضع النَّخِير، وهو الصوت من الأنف، يقال: نَخَرَ يَنْخَرُ، من باب قَتَلَ: إذا مدّ النَّفَسَ في الْخَيَاشيم، و"الْمِنْخِرُ" - بكسر الميم للإتباع - لغةٌ، ومثلُهُ مِنْتِنٌ، قالوا: ولا ثالث لهما، و"الْمُنْخُورُ"، مثلُ عُصْفُور لغة طَيِّئٍ، والجمعُ مَنَاخِرُ، ومَنَاخيرُ. انتهى (٣). وقد تقدّم تمام شرح الحديث، ومسائله في الحديث الماضى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ أَبِي إِدْرِيس الْخَوْلَانِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأ، فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ"). ﵀

стр. 3457

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو إِدْرِيس الْخَوْلَانِيُّ) هو: عائذ الله بن عبد الله، تقدّم قبل باب. وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٦٩] ( … ) - (حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ (ح) وَحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيىَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَئهُ سَمِعَ أَبَاَ هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الله الْكِرْمانيّ، أبو هشام الْعَنَزِيّ - بفتح النون، بعدها زاي - قاضي كِرْمان، صدوقٌ يُخطئ [٨]. رَوَى عن سعيد بن مسروق، وابنه سفيان بن سعيد الثوريّ، وعاصم الأحول، وليث بن أبي سُليم، وابن عجلان، وزُفَر بن الْهُذيل، وعبيد الله بن عمر، ويوسف بن أبي إسحاق، ويونس بن يزيد الأيليّ، وغيرهم. ورَوَى عنه حميد بن مسعدة، وعَفّان، وعبيد الله العيشيّ، وأحمد بن عبدة، وداود بن عمرو الضبيّ، وسعيد بن منصور، وعلي بن المدينيّ، وعلي بن حُجْر، ومحمد بن أبي يعقوب الكِرْمانيّ، وغيرهم.

стр. 3458

قال حرب الكرمانيّ: سمعت أحمد يُوَثِّق حسان بن إبراهيم، ويقول: حديثه حديث أهل الصدق، وقال عثمان الدارميّ وغيره، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال المفضل الغلابيّ، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: قد حَدّث بإفرادات كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق، إلا أنه يَغْلَط في الشيء، ولا يتعمد. وجاء أن أحمد أنكر عليه بعض حديثه، وقال الْعُقيليّ: في حديثه وَهَم، وقال ابن المدينيّ: كان ثقةً، وأشدّ الناس في القدر، وقال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ، وذَكَرَ ابن عديّ أنه سمع من أبي سفيان، طَرِيفٍ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ حديثَ: "مفتاحُ الصلاة الوضوء"، فحدَّث به مرةً عن أبي سفيان، ولم يسمه، ومرةً ظَنّ أنه أبو سفيان الثوريّ، فقال: ثنا سعيد بن مسروق، قال ابن صاعد: هذا وَهَم من أبي عُمَر الْحَوْضيّ على حسّان، وقال ابن عديّ: الوهم فيه من حسّان، فإن حَبّان بن هلال حدَّث به عن حسّان مثل الْحَوضيّ، وحدَّث به الْعَيْشيّ، عن حسّان، فقال: عن أبي سفيان على الصواب. انتهى. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت شيخًا من أهل كرمان يذكر أنه وُلد سنة ست وثمانين، ومات سنة (١٨٦) وذَكَر أنه مات، وله مائة سنة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٣٧) و (٧٤٥) و ٢٤٠٨). ٣ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٤ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب المذكور في الباب الماضي. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني رواية يونس هذه مثل رواية مالك الماضية. [تنبيه]: رواية يونس هذه التي أحالها المصنّف على رواية مالك أخرجها الإمام ابن حبّان في "صحيحه"، (٤/ ٢٨٦)، فقال: (١٤٣٨) أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا حرملة بن يحيى،

стр. 3459

حدثنا ابن وهب، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو إدريس الْخَوْلانيّ، أنه سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الْخُدْريّ، يقولان: قال رسول الله ﷺ : "مَن توضأ، فليستنثر، ومن استَجْمَر فليوتر". قال أبو حاتم ﵀: "الاستنثار": هو إخراج الماء من الأنف، والاستنشاق: إدخاله فيه، فقوله ﷺ : "من توضأ، فليستنثر"، أراد: فليستنشق، فأوقع اسم البداية الذي هو الاستنشاق على النهاية الذي هو الاستنثار؛ لأنه لا يوجد الاستنثار إلا بتقدم الاستنشاق له، و"الاستجمار": هو الاستطابة، وهو إزالة النجاسة عن المخرجين. انتهى كلام ابن حبّان ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٠] (٢٣٨) - (حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ ابْنِ الْهَاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ (١)، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِن الشيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ) هو: بشر بن الْحَكَم بن حَبِيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ زاهد فقيه [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٧. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الدَّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم، المدنيّ، صدوق، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.

стр. 3460

٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد القرشيّ التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، كان جدُّه الحارثُ من المهاجرين الأولين، ثقةٌ له أفراد [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٥ - (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو محمد المدنيّ، وأمه سعدى بنت عوف الْمُرّيّة، ثقة فاضلٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة، ومعاوية، وعُمَير بن سَلَمَة الضَّمْريّ، وحُمْران بن أبان، وغيرهم. وروى عنه ابنا أخيه: طلحة وإسحاق ابنا يحيى بن طلحة، والزهريّ، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وخالد بن سلمة المخزومي، ومحمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائيّ، والعجليّ. قال خليفة وغيره: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ابن منجويه: مات سنة مائة، وهو قول ابن حبان في "الثقات"، قال: وكان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٣٨) و (٣٨٧) و (١٣٠٦) وكرّره خمس مرّات و (٢٩٨٨) وكرّره مرّتين. والباقون تقدّموا. وقوله: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ) (١). وقوله: (فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: "الاستنثار" مأخوذ من النَّثْرة، وهي طرف الأنف، عند جمهور أهل اللغة، وقال الخطّابيّ: هي الأنف، واختُلف في حقيقة الاستنثار، فقال جمهور أهل اللغة: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو قول الفقهاء، وأهل الحديث، وقال ابن الأعرابيّ، وابن قتيبة: إن الاستنثار هو الاستنشاق، والصواب

стр. 3461

الأول، وهو الذي يدلّ عليه قوله ﷺ "ثم لينتثر" بعد قوله: "فليستنشق". انتهى (١). وقوله: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ) قال العلماء رحمهم الله تعالى: الْخَيشوم أعلى الأنف، وقيل: هو الأنف كلُّه، وقيل: هي عظام رِقَاقٌ لَيِّنةٌ في أقصى الأنف، بينه وبين الدماغ، وقيل: غير ذلك، وهو اختلاف متقارب المعنى. قال القاضي عياض ﵀: يحتمل أن يكون قوله ﷺ : "فإن الشيطان يبيت على خياشيمه" على حقيقته، فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يُتَوَصَّل إلى القلب منها، لا سيما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غَلَقٌ سواه، وسوى الأذنين، وفي الحديث: "إن الشيطان لا يَفْتَح بابًا مُغْلَقًا" رواه مسلم، وجاء في التثاؤب الأمر بكظمه، من أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم. قال: ويحتمل أن يكون على الاستعارة، فإن ما ينعقد من الغُبَار، ورطوبة الخياشيم قَذارة تُوافق الشيطان، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). وقال في "الفتح": قوله: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه": "الخيشوم" - بفتح الخاء المعجمة، وبسكون الياء المعجمة، وسكون الواو - هو الأنف، وقيل المنخر. وقوله: "فليستنثر" أكثر فائدةً من قوله: "فليستنشق"؛ لأن الاستنثار يقع على الاستنشاق، بغير عكس، فقد يستنشق، ولا يستنثر، والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق؛ لأن حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه، والاستنثار إخراج ذلك الماء، والمقصود من الاستنشاق تنظيف داخل الأنف، والاستنثار يُخرِج ذلك الوسخ مع الماء، فهو من تمام الاستنشاق. وقيل: إن الاستنثار مأخوذ من النَّثْرَة، وهي طرف الأنف، وقيل: الأنف نفسه، فعلى هذا فمن استنشق، فقد استنثر؛ لأنه يَصْدُق أنه تناول الماء بأنفه، أو بطرف أنفه، وفيه نظر. ثم إن ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم، ويَحْتَمِل أن يكون مخصوصًا

стр. 3462

بمن لم يَحْتَرِس من الشيطان بشيء من الذكر؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، في يوم مائة مرّةٍ، كانت له عَدْل عشر رقاب، وكتبت له مائةُ حسنة، ومُحِيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان، يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك"، متّفقٌ عليه. وكذلك من قرأ آية الكرسي، فقد أخرج البخاريّ، عن أبي هريرة ﵁ قال: وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، فقال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيّ، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقْرَبُك شيطان حتى تصبح، فقال النبيّ ﷺ : "صَدَقَك، وهو كَذُوبٌ، ذاك شيطان". ويَحْتَمِل أن يكون المراد هنا أنه لا يَقْرَب من المكان الذي يوسوس فيه، وهو القلب، فيكون مبيته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يَقصد من الوسوسة فحينئذ فالحديث متناول لكل مستيقظ. ثم إن الاستنشاق من سنن الوضوء اتّفاقًا لكل من استيقظ، أو كان مستيقظًا، وقالت طائفة بوجوبه في الغسل، وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضًا، وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار، أم لا؟ خلافٌ، وهو محلُّ بحث وتَأَمُّل، والذي يظهر أنها لا تتم إلا به؛ لما تقدم، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: ويَحْتَمل البقاء على ظاهره، كما جاء أن الشيطان يدخل إذا لم يَكْظِم المتثائب فاه (٢)، ويَحْتَمل أن يكون ذلك عبارةً عمّا ينعقد من رطوبة الأنف، وقَذَره الموافقة للشيطان، وهذا على عادة العرب في نسبتهم المستخبث، والمستشنع إلى الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ﴾

стр. 3463

رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وكما قال الشاعر [من الطويل]: أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي … وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ وهي الشياطين، وَيحْتَمِلُ أن يكون ذلك عبارةً عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة، كما قال ﷺ : "يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَد … " الحديث، متّفقٌ عليه، ويكون أمره بالاستنثار أمرًا بالوضوء، كما قد جاء مفسَّرًا في غير كتاب مسلم: "فليتوضأ، وليستنثر، فإن الشيطان يبيتُ على خياشيمه". انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل حديث أبي هريرة ﵁: "لا يقربك شيطان .. إلخ " على القرب من محلّ الوسوسة، وهو القلب أولى، فلا ينافي مبيته في الخيشوم، فينبغي له أن يستنثر حتى لا يتوصّل إلى القلب بعد الاستيقاظ، وبهذا يُجمَع بين الأحاديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧١] (٢٣٩) - (حَدَّثَنَا (٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُوتِرْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الْحَنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقةٌ ثبت إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضَلٌ، يدلّس [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.

стр. 3464

٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد سنة (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقيان تقدّما قبل ثلاثة أحاديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع، فلا يُخشى فيه تدليس ابن جريج، وأبي الزبير، وأنه مسلسلٌ بالمكيين من ابن جريج، وجابر ﵁، وإن كان مدنيًّا، إلا أنه سكن مكة أيضًا. وأما شرح الحديث، وفوائده، فتُعلم من شرح الأحاديث الماضية، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٨/ ٥٧١] (٢٣٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٤ و ٣٣٦ و ٤٠٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٢] (٢٤٠) - (حَدَّثنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِر، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: أَخْبَرَنا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ

стр. 3465

أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَن، أَسْبغِ الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "وَيْل لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَأَبُو الطَّاهِرِ) هو أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدم قريبًا. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلّم فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل حديثين. ٥ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) أبو الْمِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٦ - (أَبُوهُ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤. ٧ - (سَالِم مَوْلَى شَدَّادٍ) هو: سالم بن عبد الله النَّصْريّ - بالنون، والصاد المهملة - أبو عبد الله المدنيّ، وهو سالم مولى شداد بن الهاد، وهو سالم مولى النَّصْريين، وهو سالم سَبَلان - بفتح السين المهملة، والباء الموحّدة - وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الْحَدَثَان، وهو سالم مولى دوس، وهو سالم أبو عبد الله الدَّوْسيّ، وهو سالم مولى الْمَهْريّ، وهو أبو عبد الله الذي رَوَى عنه بُكير بن الأشجّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن عثمان، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي سعيد الخدريّ ﵃. ورَوَى عنه بكير بن الأشجّ، وسعيد المقبريّ، وأبو الأسود يتيم عروة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ونعيم المجمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن أبي كثير، وعمران بن بِشر بن مُحْرِز، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال أبو حاتم أيضًا: كان سالِمٌ من خيار

стр. 3466

المسلمين، وقال عطاء بن السائب: حدثني سالم البرّاد، وكان أوثق عندي من نفسي (١)، وأخرج النسائي في "الطهارة" من طريق عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذُباب قال: أخبرني أبو عبد الله سالم سَبَلان، وكانت عائشة تستعجب بأمانته، وتستأجره، قال: فأرتني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ … الحديث، وقال عبد الغني بن سعيد في "إيضاح الإشكال": وهو الذي رَوَى عنه أبو سلمة، فقال: ثنا أبو سالم، أو سالم مولى المْهَرْيّ، وقال العجليّ: سالم مولى الْمَهْريّ تابعيٌّ ثقةٌ، وسالم مولى النَّصْريين تابعيّ ثقةٌ، وسالم سَبَلان تابعيّ ثقة، هكذا فَرّق بينهم، وذكره ابن حبان في "الثقات" في موضعين، فقال: سالمٌ أبو عبد الله مولى دَوْس، ثم قال: سالم بن عبد الله سَبَلان، مولى مالك بن أوس، وذكر الحاكم أبو أحمد أن مسلمًا، والحسين الْقَبّانيّ وَهِمَا، حيث أَخْرجا سالم سَبَلان، وسالم مولى شداد كلّ واحد في ترجمة على الانفراد، وذكر ابن أبي عاصم أنه مات سنة عشر ومائة. أخرح المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٠) و (٥٦٨) و (٢٦٠١). ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ تقدّمت ترجمتها في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: مخرمة، عن بُكير، وتابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن سالم. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.

стр. 3467

شرح الحديث: (عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ) وفي الرواية الثانية: "أن أبا عبد الله، مولى شدّاد بن الهاد"، وفي الثَّالثة: "سالم، مولى الْمَهْريّ"، هذه كلها صفاتٌ له، وهو شخصٌ واحدٌ، كما تقدّم في ترجمته، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، زَوْج النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ صفة، أو بدل، أو عطف بيان لـ "عائشة" (يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، والسابقين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة، تُوُفِّي ﵁ بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، ونُقل إلى المدينة، ودُفن بها، تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٦/ ٧١. فقوله: "يومَ" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "دَخَلَ"، وهو مضاف إلى "تُوُفّي"، ويجوز إعرابه وبناؤه؛ لإضافته إلى جملة مضارعيّة، كما قال في "الخلاصة": وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا و"تُوُفّي فلانٌ" بمعنى مات مبنيّ للمفعول، وقد يقال على قلّة: تَوَفَّى فلانٌ بالبناء للفاعل بمعنى استوفى أجله. [تنبيه]: هذه الرواية فيها بيان أن هذه القصّة وقعت يوم مات سعد بن أبي وقّاص ﵁، ووقع عند الإمام أحمد في "مسنده" من طريق عمران بن بشير، عن سالم سَبَلان، قال: خرجنا مع عائشة إلى مكة، فكانت تَخرُج بأبي يحيى التيميّ يصلي لها، فأدركنا عبد الرحمن بن أبي بكر، فأساء الوضوء، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار". انتهى. والظاهر أنه إن صحّت هذه الرواية أنها في وقت آخر، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصدّيق ﵄ وقد سبق تمام نسبه في ترجمة أبيه ﵁ في "الإيمان" ٨/ ١٣٣، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عثمان، ابن أبي بكر بن أبي قحافة القُرَشيّ التيمئ، وأمه أم رُومان والدة عائشة، فهو شقيق عائشة ﵃، أسلم قبل الفتح، وحسن إسلامه، وقيل: إنه كان أسنّ ولد أبي بكر ﵁، وشَهِد مع خالد اليمامة، فقَتَل سبعة من

стр. 3468

أكابرهم، ويقال: إنه كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، أو عبد العُزَّى، فسماه النبيّ ﷺ عبد الرحمن، ورَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وعنه ابناه: عبد الله، وحفصة، وابن أخيه: القاسم بن محمد، وعمرو بن أوس الثقفيّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وموسى بن وَرْدان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن أبي مليكة، وغيرهم. قال الزبير: كان امرءًا صالحًا، وكانت فيه دُعَابةٌ، وقال عروة بن الزبير: نَفّله عمر بن الخطاب ليلى بنت الجوديّ بنت ملك دمشق، قال ابن عبد البر: وكان أبوها عربيًّا من غَسّان، أمير دِمشق، وكان عبد الرحمن نزلها قبل فتح دمشق، فأحبّها، وهام بها، وعَمِل فيها الأشعار، والقصة أسندها الزبير بن بكّار من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قَدِمَ عبد الرحمن الشامَ في تجارة، فرأى ابنة الجوديّ، وحولها ولائدُ، فأعجبته، وعَمِلِ فيها [من الطويل]: تَذكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ دُونَنَا … فَمَا لابْنَةِ الْجُودِيِّ لَيْلَى وَمَا لِيَا وَأَنَّى تُعَاطِي قَلْبَهُ حَارِثِيَّةٌ … تَدَمَّنُ بُصْرَى أَوْ تَحُلُّ الْجَوَابِيَا وَأَنَّى تُلَاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا … إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلًا أَنْ تُوَافِيَا فلما سمع عمر ﵁ الشعر قال لأمير الجيش: إن ظَفِرت بها عَنْوَةً، فادفعها لعبد الرحمن، ففعل، فأُعْجِب بها، وآثرها على نسائه، فشكونه إلى عائشة، فقالت له: لقد أفرطت، فقال: والله إني لأرشف من ثناياها حَبّ الرُّمّان، فأصابها وجعٌ، فسقطت أسنانها، فجافاها، حتى شَكَته إلى عائشة، قالت: أفرطت في الأمرين، فجهّزها إلى أهلها (١). وروى عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر، لم يُجَرَّب عليه كذبةٌ قطّ، وقال ابن عبد البرّ: كان شُجَاعًا راميًا، حَسَنَ الرمي، وشَهِد اليمامة، فقَتَل سبعةً من أكابرهم، منهم مُحكّم اليمامة، وكان في ثَلْمَة من الحِصْن، فرماه عبد الرحمن بسهم، فأصاب نحره فقتله، ودخل المسلمون من تلك الثَّلْمة، وشَهِد وقعة

стр. 3469

الْجَمَل مع عائشة، وأخوه محمد مع عليّ. وأخرج البخاريّ من طريق يوسف بن ماهَك: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فَخَطَب، فذَكَر يزيد بن معاوية لكي يُبَايَعَ له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فقال مروان: هذا الذي أَنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]، فأنكرت عائشة ذلك من وراء الحجاب. وأخرجه النسائيّ، والإسماعيليّ، من وجه آخر مطولًا، فقال مروان: سنةُ أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هِرَقْل وقَيْصَر، وفيه: فقالت عائشة: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته. وأخرج الزبير، عن عبد الله بن نافع، قال: خَطَب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلَّمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهرقليةٌ؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبدًا، وخَرَج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فَجْأَةً، من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة، فحُمِل إلى مكة، ودُفِن بها، ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجةً، فوقفت على قبره، فبكت، وأنشدت أبيات مُتَمِّم بن نُوَيرة في أخيه مالك، ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مِتّ، ولَمَا بكيتك (١). وقال ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة: تُوُفِّي عبد الرحمن بِحُبْشيّ (٢)، وهو على اثني عشر ميلًا من مكة، فحُمِل إلى مكة، فدُفِن بها، وقال ابن سعد، وغير واحد: كان ذلك سنة ثلاث وخمسين، وقال يحيى بن بكير: سنة (٥٤)، وقال أبو نعيم: مات في نَوْمَةٍ نامها سنة (٣) وقيل: (٥) وقيل: سنة ست وخمسين، وقال أبو زرعة الدِّمَشقيّ: تُوُفي بعد مُنْصَرَف معاوية من المدينة في قَدْمَته التي قَدِمَ فيها لأخذ البيعة ليزيد، وتُوُفّيت عائشة بعد ذلك بيسير سنة (٥٩). وقال العسكريّ: هو أول مَن مات من أهل الإسلام فَجْأَةً، وأَرَّخ ابنُ حبّان وفاته تبعًا للبخاريّ سنة (٥٨). وقال أبو الفرج الأصبهانيّ: لم يُهاجر عبد الرحمن مع أبيه؛ لصغره، وخَرَج قبل الفتح مع فِتْية من قريش، وقيل: بل

стр. 3470

كان إسلامه يوم الفتح، وإسلام معاوية في وقت واحد. له أحاديث، نحو الثمانية، اتفق الشيخان على ثلاثة منها (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٢١٢) و (٢٠٥٦) و (٢٠٥٧) وأعاده بعده. (فَتَوَضَّأ) أي عبد الرحمن ﵁ (عِنْدَهَا) أي عند عائشة ﵂ (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (يَا عَبْدَ الرَّحْمَن، أَسْبغِ الْوُضُوءَ) أي أكمله، ولعلّها رأت منه تقصيرًا، أو خشيت عليه (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ") قال القرطبيّ ﵀: "ويلٌ" كلمة عذاب، وقُبُوح، وهلاك، مثلُ "ويح"، وعن أبي سعيد الخدريّ، وعطاء بن يسار: هو وادٍ في جهنّم، لو أُرسلت فيه الجبال لَمَاعت من حرّه، وقال ابن مسعود: صديد أهل النار، ويقال: ويلٌ لزيد، ووْيلًا له، بالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، فإن أضفته لم يكن إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبر. و"الأعقاب" - بفتح الهمزة -: جمع عَقِبٍ - بفتح، فكسر - وعَقِبُ كلّ شيء آخره، و"الْعَرَاقيب" - بالفتح - جمع عُرقوب - بضمّ، فسكون - وهو الْعَصَبُ الغليظ الموتّر فوق عقب الإنسان، وعُرْقوب الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قال الأصمعيّ: وكلّ ذي أربع فعُرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه، ومعنى ذلك أن الأعقاب، والعراقيب تُعَذَّب إن لم تُعَمَّم بالغسل. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقال في "الفتح": "وَيْلٌ" جاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه دعاءٌ، واختُلِف في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "ويل وَادٍ في جهنم". وقوله: "للأعقاب": أي المرئية إذ ذاك، فاللام للعهد، ويَلتحِق بها ما يُشاركها في ذلك، و"العَقِب": مؤخر القدم، قال البغويّ: معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصّرين في غسلها، وقيل: أراد أن العقب مُختَصٌّ بالعقاب إذا قُصِّر في غسله. انتهى (٣).
следующие страницы →