← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

المسلمين، وقال عطاء بن السائب: حدثني سالم البرّاد، وكان أوثق عندي من نفسي (١)، وأخرج النسائي في "الطهارة" من طريق عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذُباب قال: أخبرني أبو عبد الله سالم سَبَلان، وكانت عائشة تستعجب بأمانته، وتستأجره، قال: فأرتني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ … الحديث، وقال عبد الغني بن سعيد في "إيضاح الإشكال": وهو الذي رَوَى عنه أبو سلمة، فقال: ثنا أبو سالم، أو سالم مولى المْهَرْيّ، وقال العجليّ: سالم مولى الْمَهْريّ تابعيٌّ ثقةٌ، وسالم مولى النَّصْريين تابعيّ ثقةٌ، وسالم سَبَلان تابعيّ ثقة، هكذا فَرّق بينهم، وذكره ابن حبان في "الثقات" في موضعين، فقال: سالمٌ أبو عبد الله مولى دَوْس، ثم قال: سالم بن عبد الله سَبَلان، مولى مالك بن أوس، وذكر الحاكم أبو أحمد أن مسلمًا، والحسين الْقَبّانيّ وَهِمَا، حيث أَخْرجا سالم سَبَلان، وسالم مولى شداد كلّ واحد في ترجمة على الانفراد، وذكر ابن أبي عاصم أنه مات سنة عشر ومائة. أخرح المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٤٠) و (٥٦٨) و (٢٦٠١). ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂ تقدّمت ترجمتها في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مخرمة، والباقون مصريّون. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: مخرمة، عن بُكير، وتابعيّ، عن تابعيّ: بُكير، عن سالم. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.

стр. 3467

شرح الحديث: (عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ) وفي الرواية الثانية: "أن أبا عبد الله، مولى شدّاد بن الهاد"، وفي الثَّالثة: "سالم، مولى الْمَهْريّ"، هذه كلها صفاتٌ له، وهو شخصٌ واحدٌ، كما تقدّم في ترجمته، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، زَوْج النَّبِيِّ ﷺ ) بالجرّ صفة، أو بدل، أو عطف بيان لـ "عائشة" (يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، والسابقين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة، تُوُفِّي ﵁ بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، ونُقل إلى المدينة، ودُفن بها، تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٦/ ٧١. فقوله: "يومَ" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "دَخَلَ"، وهو مضاف إلى "تُوُفّي"، ويجوز إعرابه وبناؤه؛ لإضافته إلى جملة مضارعيّة، كما قال في "الخلاصة": وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا و"تُوُفّي فلانٌ" بمعنى مات مبنيّ للمفعول، وقد يقال على قلّة: تَوَفَّى فلانٌ بالبناء للفاعل بمعنى استوفى أجله. [تنبيه]: هذه الرواية فيها بيان أن هذه القصّة وقعت يوم مات سعد بن أبي وقّاص ﵁، ووقع عند الإمام أحمد في "مسنده" من طريق عمران بن بشير، عن سالم سَبَلان، قال: خرجنا مع عائشة إلى مكة، فكانت تَخرُج بأبي يحيى التيميّ يصلي لها، فأدركنا عبد الرحمن بن أبي بكر، فأساء الوضوء، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب من النار". انتهى. والظاهر أنه إن صحّت هذه الرواية أنها في وقت آخر، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصدّيق ﵄ وقد سبق تمام نسبه في ترجمة أبيه ﵁ في "الإيمان" ٨/ ١٣٣، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عثمان، ابن أبي بكر بن أبي قحافة القُرَشيّ التيمئ، وأمه أم رُومان والدة عائشة، فهو شقيق عائشة ﵃، أسلم قبل الفتح، وحسن إسلامه، وقيل: إنه كان أسنّ ولد أبي بكر ﵁، وشَهِد مع خالد اليمامة، فقَتَل سبعة من

стр. 3468

أكابرهم، ويقال: إنه كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، أو عبد العُزَّى، فسماه النبيّ ﷺ عبد الرحمن، ورَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وعنه ابناه: عبد الله، وحفصة، وابن أخيه: القاسم بن محمد، وعمرو بن أوس الثقفيّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وموسى بن وَرْدان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن أبي مليكة، وغيرهم. قال الزبير: كان امرءًا صالحًا، وكانت فيه دُعَابةٌ، وقال عروة بن الزبير: نَفّله عمر بن الخطاب ليلى بنت الجوديّ بنت ملك دمشق، قال ابن عبد البر: وكان أبوها عربيًّا من غَسّان، أمير دِمشق، وكان عبد الرحمن نزلها قبل فتح دمشق، فأحبّها، وهام بها، وعَمِل فيها الأشعار، والقصة أسندها الزبير بن بكّار من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قَدِمَ عبد الرحمن الشامَ في تجارة، فرأى ابنة الجوديّ، وحولها ولائدُ، فأعجبته، وعَمِلِ فيها [من الطويل]: تَذكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ دُونَنَا … فَمَا لابْنَةِ الْجُودِيِّ لَيْلَى وَمَا لِيَا وَأَنَّى تُعَاطِي قَلْبَهُ حَارِثِيَّةٌ … تَدَمَّنُ بُصْرَى أَوْ تَحُلُّ الْجَوَابِيَا وَأَنَّى تُلَاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا … إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلًا أَنْ تُوَافِيَا فلما سمع عمر ﵁ الشعر قال لأمير الجيش: إن ظَفِرت بها عَنْوَةً، فادفعها لعبد الرحمن، ففعل، فأُعْجِب بها، وآثرها على نسائه، فشكونه إلى عائشة، فقالت له: لقد أفرطت، فقال: والله إني لأرشف من ثناياها حَبّ الرُّمّان، فأصابها وجعٌ، فسقطت أسنانها، فجافاها، حتى شَكَته إلى عائشة، قالت: أفرطت في الأمرين، فجهّزها إلى أهلها (١). وروى عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر، لم يُجَرَّب عليه كذبةٌ قطّ، وقال ابن عبد البرّ: كان شُجَاعًا راميًا، حَسَنَ الرمي، وشَهِد اليمامة، فقَتَل سبعةً من أكابرهم، منهم مُحكّم اليمامة، وكان في ثَلْمَة من الحِصْن، فرماه عبد الرحمن بسهم، فأصاب نحره فقتله، ودخل المسلمون من تلك الثَّلْمة، وشَهِد وقعة

стр. 3469

الْجَمَل مع عائشة، وأخوه محمد مع عليّ. وأخرج البخاريّ من طريق يوسف بن ماهَك: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فَخَطَب، فذَكَر يزيد بن معاوية لكي يُبَايَعَ له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فقال مروان: هذا الذي أَنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]، فأنكرت عائشة ذلك من وراء الحجاب. وأخرجه النسائيّ، والإسماعيليّ، من وجه آخر مطولًا، فقال مروان: سنةُ أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هِرَقْل وقَيْصَر، وفيه: فقالت عائشة: والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته. وأخرج الزبير، عن عبد الله بن نافع، قال: خَطَب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلَّمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهرقليةٌ؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبدًا، وخَرَج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فَجْأَةً، من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة، فحُمِل إلى مكة، ودُفِن بها، ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجةً، فوقفت على قبره، فبكت، وأنشدت أبيات مُتَمِّم بن نُوَيرة في أخيه مالك، ثم قالت: لو حضرتك دفنتك حيث مِتّ، ولَمَا بكيتك (١). وقال ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة: تُوُفِّي عبد الرحمن بِحُبْشيّ (٢)، وهو على اثني عشر ميلًا من مكة، فحُمِل إلى مكة، فدُفِن بها، وقال ابن سعد، وغير واحد: كان ذلك سنة ثلاث وخمسين، وقال يحيى بن بكير: سنة (٥٤)، وقال أبو نعيم: مات في نَوْمَةٍ نامها سنة (٣) وقيل: (٥) وقيل: سنة ست وخمسين، وقال أبو زرعة الدِّمَشقيّ: تُوُفي بعد مُنْصَرَف معاوية من المدينة في قَدْمَته التي قَدِمَ فيها لأخذ البيعة ليزيد، وتُوُفّيت عائشة بعد ذلك بيسير سنة (٥٩). وقال العسكريّ: هو أول مَن مات من أهل الإسلام فَجْأَةً، وأَرَّخ ابنُ حبّان وفاته تبعًا للبخاريّ سنة (٥٨). وقال أبو الفرج الأصبهانيّ: لم يُهاجر عبد الرحمن مع أبيه؛ لصغره، وخَرَج قبل الفتح مع فِتْية من قريش، وقيل: بل

стр. 3470

كان إسلامه يوم الفتح، وإسلام معاوية في وقت واحد. له أحاديث، نحو الثمانية، اتفق الشيخان على ثلاثة منها (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٢١٢) و (٢٠٥٦) و (٢٠٥٧) وأعاده بعده. (فَتَوَضَّأ) أي عبد الرحمن ﵁ (عِنْدَهَا) أي عند عائشة ﵂ (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ (يَا عَبْدَ الرَّحْمَن، أَسْبغِ الْوُضُوءَ) أي أكمله، ولعلّها رأت منه تقصيرًا، أو خشيت عليه (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ") قال القرطبيّ ﵀: "ويلٌ" كلمة عذاب، وقُبُوح، وهلاك، مثلُ "ويح"، وعن أبي سعيد الخدريّ، وعطاء بن يسار: هو وادٍ في جهنّم، لو أُرسلت فيه الجبال لَمَاعت من حرّه، وقال ابن مسعود: صديد أهل النار، ويقال: ويلٌ لزيد، ووْيلًا له، بالرفع على الابتداء، والنصب على إضمار الفعل، فإن أضفته لم يكن إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبر. و"الأعقاب" - بفتح الهمزة -: جمع عَقِبٍ - بفتح، فكسر - وعَقِبُ كلّ شيء آخره، و"الْعَرَاقيب" - بالفتح - جمع عُرقوب - بضمّ، فسكون - وهو الْعَصَبُ الغليظ الموتّر فوق عقب الإنسان، وعُرْقوب الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قال الأصمعيّ: وكلّ ذي أربع فعُرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه، ومعنى ذلك أن الأعقاب، والعراقيب تُعَذَّب إن لم تُعَمَّم بالغسل. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). وقال في "الفتح": "وَيْلٌ" جاز الابتداء بالنكرة؛ لأنه دعاءٌ، واختُلِف في معناه على أقوال: أظهرها ما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "ويل وَادٍ في جهنم". وقوله: "للأعقاب": أي المرئية إذ ذاك، فاللام للعهد، ويَلتحِق بها ما يُشاركها في ذلك، و"العَقِب": مؤخر القدم، قال البغويّ: معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصّرين في غسلها، وقيل: أراد أن العقب مُختَصٌّ بالعقاب إذا قُصِّر في غسله. انتهى (٣).

стр. 3471

وقال الطيبيّ ﵀: "ويلٌ للأعقاب "مبتدأ وخبر، كقولك: "سلام عليك"، قال أبو البقاء: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ﴾ [البقرة: ٧٩] ابتداء وخبره، ولو نُصِب لكان له وجهٌ، على أن يكون التقدير: ألزمهم الله تعالى ويلًا، واللام للتبيين؛ لأن الاسم لم يُذكَر قبل المصدر، والويل مصدر لم يُستَعمَل منه فعلُ؛ لأن فاءه وعينه معتلّتان. و"الْعَقِب": ما أصاب الأرض من مؤخَّر الرجل إلى موضع الشراك. وخَصّ العقب بالعذاب؛ لأنه العضو الذي يُغسل، فالتعريف للعهد، وقيل: أراد صاحب العقب، فحذف المضاف، وإنما قال ذلك؛ لأنهم كانوا لا يستقصون على أرجلهم في الوضوء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٩/ ٥٧٢ و ٥٧٣ و ٥٧٤ و ٥٧٥] (٢٤٠)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٥١ و ٤٥٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٩)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٥٢)، و (الشافعيّ) في "مسنده"، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٨٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٠ و ٨١ و ٨٤ و ٩٩ و ١٩١ و ٢٥٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (١١٥٠٥ و ١١٥٠٦ و ١١٥٠٧ و ١١٥٠٨ و ١١٥٠٩)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٣٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٥٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٨٣ و ٦٨٤ و ٦٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٧٢ و ٥٧٣ و ٥٧٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٦٩)، و"المعرفة" (١/ ٢١٥)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: هذا الحديث يُروى متّصلًا مسندًا عن النبيّ ﷺ من وجوه شَتَّى، من حديث عائشة، ومن حديث

стр. 3472

أبي هريرة، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيديّ، وقد ذكرتها كلّها في "التمهيد"، والحمد لله. انتهى (١). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن واجب الرجلين غسلهما، لا مسحهما، إلا لمن لبس الخفّين. ٢ - (ومنها): بيان وجوب تعميم الرجلين بالغسل، فلو بقي شيء منهما لما سقط الوجوب. ٣ - (ومنها): أن العالم يستدلّ على ما يُفتي به؛ ليكون أوقع في نفس سامعه. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: ومراد مسلم ﵀ بإيراده هنا الاستدلالُ به على وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ، وهذه مسألة اختَلَف الناس فيها على مذاهب: فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما، ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يُعْتَدّ به في الإجماع. وقالت الشيعة: الواجب مسحهما. وقال محمد بن جرير، والجبائيّ، رأس المعتزلة: يتخير بين المسح والغسل. وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين المسح والغسل. وتعلق هؤلاء المخالفون للجماهير بما لا تظهر فيه دلالةٌ، قال: ومن أخصر ما نذكره أن جميع مَن وصف وضوء رسول الله ﷺ في مواطن مختلفة، وعلى صفات متعددة، متفقون على غسل الرجلين، وقوله ﷺ : "ويلٌ للأعقاب من النار"، فتواعدها بالنار؛ لعدم طهارتها، ولو كان المسح كافيًا لَمَا تواعد مَن ترك غسل عقبيه، وقد صَحَّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ﵁

стр. 3473

أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف الطُّهُور؟ فدعا بماء، فغَسَل كفيه ثلاثًا إلى أن قال: ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص، فقد أساء وظلم"، هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أبو داود وغيره بأسانيدهم الصحيحة، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال في "الفتح": قال ابن خزيمة: لو كان الماسح مُؤدّيًا للفروض لَمَا تُوُعِّد بالنار، وأشار بذلك إلى ما في كتب الخلاف عن الشيعة أن الواجب المسح أخذًا بظاهر قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض، وقد تواترت الأخبار عن النبيّ ﷺ في صفة وضوئه أنه غَسَلَ رجليه، وهو الْمُبَيِّن لأمر الله، وقد قال في حديث عمرو بن عَبَسَة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مُطَوَّلًا في فضل الوضوء: "ثم يَغسِل قدميه كما أمره الله"، ولم يَثْبُت عن أحد من الصحابة خلافُ ذلك، إلا عن عليّ، وابن عباس، وأنس، ﵃، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور، وادَّعَى الطحاويّ، وابنُ حزم أن المسح منسوخ، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد استوفيتُ البحث في اختلاف العلماء في غسل الرجلين في المسألة الخامسة عشرة المذكورة في شرح حديث عثمان بن عفّان ﵁، وذكرت أن الحقّ والصواب هو مذهب الجمهور القائلين بوجوب الغسل، وأن المسح لا يُجزئ؛ لقوّة حججهم، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (٣)، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ حَدَّثَهُ، أنهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).

стр. 3474

رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (حَيْوَةُ) بن شُرَيح بن صَفْوان التُّجيبيّ، أبو زُرعة المصريّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى الأسدي أبو الأسود المدني يتيم عروة؛ لأن أباه كان أوصى إليه، وكان جده الأسود من مهاجرة الحبشة، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عروة، وعليّ بن الحسين، وسليمان بن يسار، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وسالم مولى شدّاد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والأعرج، وعكرمة، والنعمان بن أبي عياش، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهريّ، وهو من أقرانه، ويزيد بن قُسيط، ومات قبله، وابن إسحاق، ومالك، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب، وعبيد الله بن أبي جعفر، وحيوة بن شُريح، وأبو شريح عبد الرحمن بن شُريح الإسكندرانيّ، والليث، وابن لَهِيعة، وشعبة، وأبو ضَمْرة، أنس بن عِيَاض الليثيّ، وغيرهم. قال ابن لَهِيعة: قدم مصر سنة ست وثلاثين، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قيل له: يقوم مقام الزهريّ، وهشام بن عروة؟ فقال: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الواقديّ: مات في آخر سلطان بني أمية، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وزعم أنه تُوُفِّي سنة سبع عشرة ومائة، قال الحافظ: وهذا وَهَمٌ، لا مرية فيه، والأشبه أن يكون من سُقْم النسخة، وكأنها كانت سنة سبع وثلاثين، وقال القَرّاب: مات سنة إحدى وثلاثين، وقال ابن سعد بعد أن ذكر وفاته عن الواقديّ: ليس له عقب، وكان كثير الحديث، ثقةً، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: هو ثبت، له شأنٌ، وذِكْرٌ، وقال ابن الْبَرْقيّ: لا يُعْلَم له رواية عن أحد من الصحابة، مع أن سِنّه يحتمل ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، غير حرملة، فتقدّم في الباب الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ عَنْهَا) أي فذكر أبو عبد الله مولى شدّاد، عن عائشة ﵂.

стр. 3475

وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث بُكير بن الأشجّ، عن سالم مولى شدّاد. [تنبيه]: رواية محمد بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله مولى شدّاد التي أحالها المصنّف على رواية بُكير، لم أجد من أخرجها إلا ما كان من أبي نعيم، فقد أخرجها ناقصةً بعد إخراجه رواية بُكير، فقال في "مستخرجه": (١/ ٣٠٦): (٥٧٣) حدثنا محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أنا حيوة، أخبرني محمد بن عبد الرحمن، أن أبا عبد الله، يعني سالمًا، مولى شدّاد بن الهاد حدثه، أنه دخل على عائشة، زوج النبيّ ﷺ ، وعندها عبد الرحمن، فتوضأ، فذكر نحوه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي (١) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَني، أَوْ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَني سَالمٌ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ، فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤. ٢ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) - بفتح الراء، وتخفيف القاف - هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] من أفراد المصنّف ﵀ تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨. ٣ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.

стр. 3476

٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، صدوقٌ يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابٌ، ولم يكن له كتابٌ [٥] مات قبيل ١٦٠ (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. ٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه مكثر [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقيان تقدّما قريبًا. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الإسناد اجتمع فيه أربعة تابعيون، يروي بعضهم عن بعض، فسالم، وأبو سلمة، ويحيى تابعيون، معروفون، وعكرمة بن عمار أيضًا تابعيّ، سمع الْهِرْماس بن زياد الباهليّ الصحابيّ ﵁، وفي "سنن أبي داود" التصريح بسماعه منه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ، لكن سيأتي قريبًا أن إدخال أبي سلمة بين يحيى، وسالم خطأ من عكرمة بن عمّار، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (حدثني، أو حدثنا) فيه أحسن احتياط، وقد تقدم التنبيه على مثل هذا غير مرّة، فلا تكن من الغافلين، والله أعلم. وقوله: (عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ) "الْحُجْرة" - بضم الحاء المهملة، وسكون الجيم - هي البيتُ، وجمعها حُجَرٌ، وحُجْرات، مثلُ غُرَفٍ، وغُرْفَات في وجوهها (٢). وقوله: (فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) الفاعل ضمير سالم، يعني أن سالمًا مولى الْمَهريّ دكَرَ عن عائشة ﵂. وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث الماضي من رواية بُكير، عن سالم. وقوله: (سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ) ذكر القاضي عياض في "شرحه" ما نصّه:

стр. 3477

قال البخاريّ: قول عكرمة: "سالم مولى الْمَهْريّ" خطأٌ، والصواب: سالم مولى شدّاد بن الهاد، قال: وكذا ذكره مسلم في الحديثين قبل هذا، وفي حديث سلمة بن شبيب بعدُ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا النقل عن البخاريّ غريبٌ، فقد أثبته في "تهذيب الكمال" ١٠/ ١٥٤ - ١٥٥، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٦٧٧، و"سير أعلام النبلاء" ٤/ ٥٩٥، وغيرها، ولم يذكر تخطئة البخاريّ هذه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: "الْمَهْرِيُّ" - بفتح الميم، وسكون الهاء، بعدها راء -: نسبة إلى مَهْرَة بن حَيْدَان بن عمرو بن الحاف بن قُضَاعة، قبيلة كبيرة (٢). [تنبيه]: تقدّم في المسألة التاسعة عشرة من المسائل التي ذكرتها في مقدّمة هذا الشرح أن هذا الحديث مما أعلّه الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد ﵀، فقال: هذا حديثٌ قد خالف عكرمة بن عمّار أصحابَ يحيى بن أبي كثير، فقد رواه عليّ بن المبارك، وحرب بن شدّاد، والأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدّثني سالم، قال: وذِكْرُ أبي سلمة عندنا في حديث يحيى بن أبي كثير غير محفوظ، وقد روي عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ من غير رواية يحيى بن أبي كثير، من غير ذكر سالم فيه. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: إعلال الحافظ أبي الفضل ﵀ صحيح، وعكرمة بن عمّار لا تُحتَمَل مخالفته لهؤلاء الحفّاظ، وهم: عليّ بن المبارك، وحرب بن شدّاد، والأوزاعي، وسيأتي شيبانُ النحويُّ من رواية الإمام أحمد، فهؤلاء الأربعة أكثر، وأحفظ من عكرمة بن عمّار، فإنه يَغْلَطُ، ويضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، كما مرّ في ترجمته آنفًا، لكن الحديث صحيح، لا يضرّه ذلك؛ لأن المصنّف أخرجه بالأسانيد الأخرى، فتنبّه. وقول أبي الفضل ﵀: "فقد رواه عليّ بن المبارك .. إلخ" رواية هؤلاء

стр. 3478

الثلاثة أخرجها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٩٥)، فقال: (٦٢١) حدثنا يزيد بن سنان البصريّ، قال: ثنا عُمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار (ح) وحدثنا أبو مقاتل البلخيّ، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا حرب بن شَدّاد (ح) وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قالوا: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن سالم (ح) وحدثنا يوسف، قال: ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعيّ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عكرمة (١) مولى الْمَهْريّ، وقال حرب: سالم أبو عبد الله الدّوْسيّ، وقال الأوزاعيّ أيضًا: سالم الدَّوْسيّ، وقال علي بن المبارك: سالم، عن عائشة، أنها قالت لعبد الرحمن بن أبي بكر: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار". انتهى. وقد وافق عكرمة في هذه الرواية الجماعة، فأسقط أبا سلمة، والظاهر أن له روايتين، وهذا من اضطرابه، فتأمّل. وأخرج الإمام أحمد ﵀ رواية الأوزاعيّ، فقال: (٢٤٠٢٢) حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعيّ، قال أبي (٢): وحدثني بُهْلُول (٣) بن حكيم، عن الأوزاعيّ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني سالم الدَّوسيّ قال: سمعت عائشة، تقول لعبد الرحمن بن أبي بكر: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار". وأخرجه أيضًا من رواية شيبان النحويّ عن يحيى، فقال: (٢٤١٥٧) حدثنا حسن، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن سالم مولى دوس، أنه سمع عائشة، تقول لعبد الرحمن بن أبي بكر: أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار".

стр. 3479

وقول أبي الفضل ﵀: "وقد روي عن أبي سلمة، عن عائشة ﵄ من غير رواية يحيى بن أبي كثير، من غير ذكر سالم فيه"، قد أخرج هذه الرواية الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٥٠٦١) حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال: رأت عائشة عبد الرحمن بن أبي بكر يتوضأ، فقالت: يا عبد الرحمن، أحسن الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويلٌ للأعقاب من النار". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٥] ( … ) - (حَدَّثَنِي (١) سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَني نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ سَالِمٍ، مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ (٢)، قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ ﵄، فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] (ت بضع ٢٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، نُسب لجدّه، أبو عليّ الحرّانيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٣ - فُلَيْح بْنُ سُلَيْمَانَ بن أبي المغيرة، واسمه رافع، ويقال: نافع بن حُنَين الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: فُلَيح لقبٌ غَلَب عليه، واسمه عبد الملك، صدوقٌ، كثير الخطأ [٧]. رَوَى عن أبي طُوالة، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة،

стр. 3480

ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونُعيم بن عبد الله الْمُجمر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه زياد بن سعد، وهو أكبر منه، وزيد بن أبي أنيسة، ومات قبله، وابنه محمد بن فُليح، وابن المبارك، وابن وهب، وأبو عامر العقدي، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيفٌ، ما أقربه من أبي أويس. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي، ولا يُحتجّ بحديثه، وهو دون الدراوردي. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أبلغك أن يحيى بن سعيد كان يَقْشَعِرُّ من أحاديث فليح؟ قال: بلغني عن يحيى بن معين قال: كان أبو كامل مُظَفَّر بن مُدْرِك يتكلم في فليح، قال أبو كامل: كانوا يرون أنه يتناول رجال الزهري، قال أبو داود: وهذا خطأ عسى يتناول رجال مالك. وقال الآخري قلت لأبي داود: قال ابن معين: عاصم بن عبيد الله، وابن عَقِيل، وفُلَيح لا يُحتَجُّ بحديثهم، قال: صدق. وقال النسائي: ضعيف، وقال مرّةً: ليس بالقوي. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: يختلفون فيه، وليس به بأس. وقال ابن أبي شيبة: قال علي بن المديني: كان فُليح وأخوه عبد الحميد ضعيفين. وقال الْبَرْقيّ عن ابن معين: ضعيفٌ، وهم يَكتبون حديثه، ويشتهونه. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، ويَهِمُ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحاكم أبو عبد الله: اتفاق الشيخين عليه يُقَوِّي أمره. وقال الرَّمْلِيّ عن أبي داود: ليس بشيء. وقال الطبري: ولاه المنصور على الصدقات؛ لأنه كان أشار عليهم بحبس بني حسن لَمّا طلب محمد بن عبد الله بن الحسن. وقال ابن عديّ: لفليح أحاديث صالحة، يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب، وقد اعتمده البخاري في "صحيحه"، وروىَ عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به. قال البخاري: قال سعيد بن منصور: مات سنة ثمان وستين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٢٤٠) و (٨٣٩) و (٨٩١) و (٢٣٨٢) و (٢٧٧٠). ٤ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى آل عمر بن الخطّاب

стр. 3481

المعروف بالْمُجْمِر - بضمّ الميم الأولى، وكسر الثانية - كان يُجَمِّر المسجد، وكذا أبوه، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن كعب الأسلميّ، وسالم مولى شدّاد، وصُهيب الْعُتْوَاريّ، وعليّ بن يحيى بن خلاد الزُّرَقيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه محمد، ومحمد بن عجلان، والعلاء بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي هلال، وبكير بن عبد الله، وعثمان، وثور بن زيد الديليّ، ومالك، وفُليح بن سليمان، وعمارة بن غَزِيّة، وداود بن قيس، وهشام بن سعد، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، وابن سعد: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي مريم، عن مالك: سمعت نعيمًا المجمر يقول: جالست أبا هريرة عشرين سنة. وذكر ابن حبان أن "المجمر" لقب أبيه عبد الله، قال: لأنه كان يأخذ الْمِجْمَرة قُدّام عمر ﵁. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (٢٤٠) و (٢٤٦) وأعاده بعده، و (٤٠٥) و (١٣٧٩). وقوله: (مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) هكذا في بعض النسخ، ووقع في بعضها: "مولى ابن شدّاد"، وهو أيضًا صحيح، قال النوويّ ﵀: كذا وقع في الأصول: "مولى ابن شدّاد"، قيل: إنه خطأ، والصواب حذف لفظة "ابن" كما تقدم، والظاهر أنه صحيحٌ، فإن مولى شدّاد مولى لابنه، وإذا أمكن تأويل ما صَحّت به الرواية، لم يجز إبطالها، لا سيما في هذا الذي قد قيل فيه هذه الأقوال، والله تعالى أعلم. انتهى. وأراد بقوله: "قد قيل فيه هذه الأقوال" ما تقدّم من الاختلاف في سالم من أنه مولى شدّاد، أو مولى الْمَهْريّ، أو مولى دَوْس، أو مولى مالك بن أوس، أو غير ذلك. وقوله: (قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ ﵄) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول المحقَّقة التي ضَبَطها المتقنون "أنا مع" بالنون والميم، بينهما ألف،

стр. 3482

ووقع في كثير من الأصول، ولكثير من الرُّواة المشارقة والمغاربة: "أبايع عائشة" بالباء الموحدة، والياء المثنّاة، من المبايعة، قال القاضي: الصواب هو الأول، قال النوويّ: وللثاني أيضًا وجه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الوجه ما قاله القاضي عياض ﵀، ولا وجه لمبايعة عائشة ﵄ يوم موت سعد بن أبي وقّاص ﵁، فلو كان في أيام وقعة الجمل لكان له وجهٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَذَكَرَ عَنْهَا) أي ذكر سالم عن عائشة ﵄. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية نعيم بن عبد الله، عن سالم، مثلُ رواية بُكير، ومن بعده، عنه. [تنبيه]: رواية نعيم بن عبد الله، عن سالم مولى شدّاد هذه لم أجد من ساقها بتمامها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٦] (٢٤١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَة، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيق، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْر، فَتَوَضَّئُوا، وَهُمْ عِجَالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ، وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّار، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٣ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم ابن راهويه المذكور في الباب الماضي.

стр. 3483

٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٦. ٥ - (هِلَالُ بْنُ يِسَافٍ) - بكسر التحتانيّة، ثم مهملة، ثم فاء - ويقال: ابن إِساف الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن الحسن بن علي، وأبي الدرداء، وأبي مسعود الأنصاري، وسعيد بن زيد، وسمرة بن جندب، وسالم بن عُبيد الأشجعي، وعبد الله بن ظالم، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق السَّبيعيّ، والأعمش، وسلمة بن كُهيل، وعَبْدة بن أبي لبابة، ومنصور، وعلي بن المدرك، وعبد الأعلى بن ميسرة، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة: وكان ثقة، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له البخاري في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٢٤١) و (٧٣٥) و (١٦٥٨) و (٢١٣٧) و (٢٧١٦) وكرّره ثلاث مرات. [تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرحه": أما "يَسَاف": ففيه ثلاثُ لغات: فتح الياء، وكسرها، وإساف - بكسر الهمزة - قال صاحب "المطالع": يقوله المحدِّثون بكسر الياء، قال: وقال بعضهم: هو بفتح الياء؛ لأنه لم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا يِسَار لليد. قلت: والأشهر عند أهل اللغة إِسَاف بالهمزة، وقد ذكره ابن السِّكِّيت، وابن قتيبة، وغيرهما، فيما يُغَيِّره الناس، ويلحنون فيه، فقال: هو هلال بن إساف. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال المجد ﵀: وهلال بن يِسَاف بالكسر، وقد يُفتح: تابعيّ كوفيّ. انتهى (٢).

стр. 3484

٦ - (أَبُو يَحْيَى) هو: مِصْدَع - بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه - وقيل: اسمه زياد، الأعرج الْمُعَرْقَبُ، مولى عبد الله بن عَمْرو،. ويقال: مولى مُعاذ بن عَفْراء، مقبول [٣]. رَوَى عن عليّ، والحسن، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وعائشة. ورَوَى عنه سعد بن أوس العدويّ، وسعيد بن أبي الحسن البصريّ، وعمار الدُّهْنيّ، وشَمِر بن عطية، وأبو رَزِين الأسديّ، وهلال بن يساف. قال أبو حاتم: مِصْدَعٌ، أبو يحيى الأعرج الأنصاريّ، يقال: مولى ابن عَفْراء، وكذا قال أحمد، وقال ابن المدينيّ: سمعت ابن عيينة، قال عمار الدُّهْنيّ: كان مِصْدَع عالِمًا بابن عباس. وإنما قيل له: الْمُعَرْقَب؛ لأن الحجاج، أو بِشْر بن مروان، عَرَضَ عليه سَبَّ عليّ، فأبى، فقَطَع عُرْقُوبه، قال ابن المدينيّ: قلت لسفيان: في أيّ شيء عُرْقِب؟ قال: في التشيع، قال عليّ: وهو الذي مَرّ به ابن أبي طالب، وهو يَقُصّ، فقال: تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت، وقد ذكره الْجُوزَجانيّ في "الضعفاء"، فقال: زائغٌ جائرٌ عن الطريق، يريد بذلك ما نُسِب إليه من التشيع، والْجُوزَجاني مشهور بالنَّصْب والانحراف، فلا يَقْدَح فيه قوله، وقال ابن حبان في "الضعفاء": يخالف الأَثْبات في الروايات، وينفرد بالمناكير. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤١) و (٧٣٥). ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في "المقدمة" ١٨/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، وملتقى الإسناد هو

стр. 3485

جرير، وإنما لم يقرُن المصنّف بين شيخيه، إشارة إلى فائدة جليلة، وهي بيان كيفيّة التحمّل، فإنه سمع من زهير وحده، ولذا قال: "حدّثني"، وسمع من إسحاق مع غيره، ولذا قال: "حدّثنا"، وأيضًا سمع شيخه زهير من جرير من لفظه، ولذا قال: "حدّثنا"، وسمع إسحاق من جرير بقراءة غيره عليه، فهذه فوائد إسناديّة جليلة، يُستحسن مراعاتها، كما هو دأب المصنّف ﵀ في كتابه هذا، وليس هذا من باب الوجوب، وإلى هذه القواعد أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي" وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا" ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: هلال، عن أبي يحيى. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد فقهاء الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث عبد الله بن عمرو ﵁ هذا أخرجه المصنّف ﵀ عنه بطريقين: [أحدهما]: طريق أبي يحيى الأعرج، وهو متكلّم فيه، كما سبق في ترجمته، وقال عنه في "التقريب": مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع، وإنما أخرج له المصنّف من باب المتابعة. [والثاني]: طريق يوسف بن ماهك، وهي أقوى الطريقين؛ لأن يوسف متّفقٌ على توثيقه، ولذا أخرجه الشيخان من طريقه، وإنما قدّم المصنّف ﵀ رواية أبي يحيى على رواية يوسف؛ لكونها أتمّ سياقًا. وبهذا يتبيّن بطلان زعم من يزعُم أن مسلمًا يبدأ دائمًا بالحديث الذي لا كلام في سنده، ثم يأتي بعد ذلك بما في إسناده كلام، فهذا كلام من لم يمارس هذا الكتاب حق الممارسة، وقد تقدّم لهذا نظائر، وسيأتي أيضًا، وسننبّه عليه - إن شاء الله تعالى. وخلاصة القول أن المصنّف يقدّم ما يراه مستحقًّا للتقديم، إما من حيث المتن، كهذا، أو من حيث السند كما يفعله كثيرًا، فتنبّه لهذه الدقائق؛ فإنها مهمّة جدًّا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3486

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يَحْيَى) قال النوويّ ﵀: الأكثرون على أن اسمه مِصْدَع - بكسر الميم، وإسكان الصاد، وفتح الدال، وبالعين المهملات - وقال يحيى بن معين: اسمه زياد الأعرج الْمُعَرْقَب الأنصاريّ، والله أعلم. انتهى. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵄ أنه (قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) وفي رواية يوسف بن ماهَك الآتية: "تخلّف عنّا النبيّ ﷺ في سفر سافرناه". قال في "الفتح": وظاهره أن عبد الله بن عمرو كان في تلك السفرة، ولم يقع ذلك لعبد الله مُحَقَّقًا إلا في حجة الوداع، أما غَزْوة الفتح، فقد كان فيها، لكن ما رجع النبيّ ﷺ فيها إلى المدينة من مكة، بل من الجعرانة، ويَحْتَمِل أن تكون عمرة القضيّة، فإن هجرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوقت، أو قريبًا منه. انتهى (١). (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيق، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ) أي عند دخول وقت صلاة العصر، وفي رواية يوسف بن ماهك الآتية: "فأدركنا، وقد حضرت صلاة العصر"، وفي رواية البخاريّ: "فأدركنا، وقد أَرْهَقَنا العصرُ"، وقوله: "أرهقنا" بفتح الهاء والقاف، و"العصرُ" مرفوع على الفاعلية، كذا لأبي ذر، وفي رواية كريمة بإسكان القاف، و"العصرَ" منصوب على المفعولية، ويُقَوِّي الأولَ رواية الأصيليّ: "أرهَقَتنا" بفتح القاف، بعدها مثناة ساكنة، ومعنى الإرهاق: الإدراكُ والْغَشَيان. قال ابن بطال ﵀: كأن الصحابة أخَّروا الصلاة في أول الوقت؛ طَمَعًا أن يَلْحَقهم النبيّ ﷺ ، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت، بادروا إلى الوضوء، ولِعَجَلتهم لم يُسبِغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر عليهم. وقال الحافظ: ويحتمل أيضًا أن يكونوا أخّروا؛ لكونهم على طهر، أو لرجاء الوصول إلى الماء، ويدلّ عليه رواية مسلم: "حتى إذا كنّا بماء بالطريق تعجّل قوم عند العصر"، أي قرب دخول وقتها، فتوضّؤوا، وهم عجال. انتهى (٢).

стр. 3487

(فَتَوَضَّئُوا، وَهُمْ عِجَالٌ) بكسر العين، وتخفيف الجيم: جمع عَجْلان - بفتح، فسكون -، وهو المستعجل، كغَضْبَان، وغِضَاب، قال المجد ﵀: الْعَجَلُ، والْعَجَلَةُ محرَّكتين: السُّرْعة، وهو عَجِلٌ بكسر الجيم، وضمّها، وعَجْلانُ، وعاجلٌ، وعَجِيلٌ، من عَجَالَى - بالفتح - وعُجَالَى - بالضمّ - وعِجَال - بالكسر -. انتهى (١). (فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ) هكذا النسخ، بلفظ: "فانتهينا"، والظاهر أن يقول: "فانتهى إليهم" بلفظ الغيبة، والضمير للنبيّ ﷺ ؛ ليوافق رواية يوسف بن ماهك الآتية: "تخلّف عنّا النبيّ ﷺ "، وقوله: "فأدركنا"، وقوله: "فجعلنا نمسح"؛ إذ كلها تدلّ على أن عبد الله تقدّم مع القوم، وأن الخطاب موجهٌ إليه مثلهم، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ) في محلّ نصب على الحال، أي تظهر، وتُضيء، يقال: لاح يلوح لَوْحًا بالفتح، ولُؤُوحًا بالضمّ والهمزة، ولَوَحَانًا بالتحريك، ولَيَاحًا: إذا بدا، وظهر، أفاده في "اللسان". ومحلّ الجملة نصبٌ على الحال من الضمير المجرور، وكذا قوله: (لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ) حال من "أعقابهم"، والمعنى: أن تلك الأعقاب تظهر للعين من بين سائر الرجل بأنها لم يمسّها ماء الغسل. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلٌ) مبتدأ سوّغه كونه مصدرًا في معنى الداء، كما في "سلام عليكم"، وهي كلمة تقابل "ويحَ"، وهي من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب، وهلاك، وقد تقدّم البحث عنها قريبًا بأتمّ من هذا. (لِلْأَعْقَابِ) جارّ ومجرور خبر المبتدأ، وهو جمع عَقِب، ككَتِف، وهو ما أصاب الأرض من مؤخّر الرجل إلى موضع الشراك (مِنَ النَّارِ) بيان لـ"الويل"، أو "من" بمعنى "في"، أي ويلٌ لها في النار (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أي بالغوا في إتمامه، يقال: سبغ الشيءُ يسبُغُ سُبُوغًا، من باب دخل: أي طال إلى الأرض، واتّسع، وأسبغه هو. قال السنديّ ﵀: فيه دليلٌ على أن التهديد كان لتساهلهم في الوضوء،

стр. 3488

لا لنجاسة على أعقابهم، فيلزم من الحديث بُطلان المسح على الرجلين على الوجه الذي يقول به من يُجيز المسح عليها، وهو أن يكون على ظاهر القدمين، وهو ظاهرٌ، فتعيّن الغسل، وهو المطلوب، وأما القول بالمسح على وجه يستوعب ظاهر القدم وباطنه، وكذا القول بأن اللازم أحد الأمرين، إما الغسل، وإما المسح على الظاهر، وهم قد اختاروا الغسل، فلزمهم استيعابه، فورد الوعيد لتركهم ذلك، فهو ما لم يقل به أحدٌ، فلا يضرّ احتماله باتّفاق. انتهى. وقال العينيّ ﵀ عند شرح قوله: "ونحن نتوضّأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا" ما نصّه: قال القاضي عياضٌ ﵀: معناه نغسل، كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليلٌ على أنهم كانوا يمسحون، فنهاهم النبيّ ﷺ عن ذلك، وأمرهم بالغسل، وقالوا أيضًا: لو كان غسلًا لأمرهم بالإعادة لِمَا صلّوا، وهذا لا حجة فيه لقائله؛ لأنه ﷺ قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله: "ويلٌ للأعقاب من النار"، وهذا لا يكون إلا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله: "أسبغوا الوضوء"، ولم يأت أنهم صلّوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ، فيلزم أمرهم بالإعادة. وقال الطحاويّ ﵀ ما ملخّصه: إنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إن رسول الله ﷺ منعهم عن ذلك، وأمرهم بالغسل، فهذا يدلّ على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، وفيه نظرٌ؛ لأن قوله: "نَمْسَح على أرجلنا" يَحْتَمِل معناه: نغسل غسلًا خفيفًا مُبَقّعًا حتى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى: "رأى قومًا توضّئوا، وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئًا"، فهذا يدلّ على أنهم كانوا يَغسِلون، ولكن غسلًا قريبًا من المسح، فذلك قال لهم: "أسبِغُوا الوضوء"، وأيضًا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضًا عندهم لَمَا توجّه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المشهور فيما بينهم كان يأمرهم بتركه، وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ولأجل ذلك قال القاضي عياض ﵀: معناه نغسل كما ذكرناه آنفًا، والصواب أن يقال: إن أمر رسول الله ﷺ بإسباغ الوضوء، ووعيده، وإنكاره عليهم في ذلك الغسل يدلّ على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي، لا الغسل المشابه

стр. 3489

للمسح، كغسل هؤلاء، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله: "أسبغوا الوضوء" غير مسلَّم؛ لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فُهِم من الوعيد؛ لأنه لا يكون إلا في ترك الواجب، فلَمّا فُهِم ذلك من الوعيد أكَّده بقوله: "أسبِغُوا الوضوء"، ولهذا ترك العاطف، فوقع هذا تأكيدًا عامًّا، يَشمَل الرجلين، وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين، بل قال: "أسبِغُوا الوضوء"، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، ومطلوبيّة الإسباغ غير مختصّة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما، فكذلك مطلوبٌ في غيرهما. [فإن قلت]: لِمَ ذَكَرَ الإسباغ عامًّا، والوعيد خاصًّا؟. [قلت]: لأنهم ما قصّروا إلا في وظيفة الرجلين، فلذلك ذَكَر لفظ الأعقاب، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاصّ. انتهى كلام العينيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٩/ ٥٧٦ و ٥٧٧ و ٥٧٨] (٢٤١)، و (البخاريّ) في "العلم" (٦٠ و ٩٦)، و"الوضوء" (١٦٣)، و (أبو داود) في "الطهارة" (٩٧)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١١١)، و (ابن ماجه) في "الطهارة" (٤٥٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٩٣ و ٢٠١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٥٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٧٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦١ و ١٦٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٥٥)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٣٨ و ٣٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦١٧ و ٦١٨ و ٦١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٦٦

стр. 3490

و ٥٦٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٦٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده (١): ١ - (منها): بيان وجوب غسل الرجلين في الوضوء؛ لأنه لو جاز المسح لما توعّد بالنار مَن ترك غسل العقب. ٢ - (ومنها): بيان وجوب تعميم الأعضاء بالغسل، وأن من ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره لا تصحّ صلاته. ٣ - (ومنها): تعليم الجاهل وإرشاده. ٤ - (ومنها): أن العالم يُنكر ما يراه من تضييع الفرائض والسنن، ويُغلظ القول في ذلك، ويرفع صوته في الإنكار؛ لقوله في رواية يوسف بن ماهك: "فنادى بأعلى صوته". ٥ - (ومنها): جواز رفع الصوت بالعلم، وقد بوّب عليه الإمام البخاريّ ﵀ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، فقال: "باب رفع الصوت بالعلم"، ثم أورده. ٦ - (ومنها): استحباب تكرار المسألة ثلاثًا؛ لتُفْهَم، وعليه بوّب الإمام البخاريّ ﵀ أيضًا، فقال: "باب من أعاد الحديث ثلاثًا لِيُفهَمَ عنه"، ثم أورده. ٧ - (ومنها): بيان ثبوت تعذيب الجسد يوم القيامة، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة. ٨ - (ومنها): أن الأعضاء التي تقع فيها المخالفة تعذّب يوم القيامة، وتكون وسيلة لعذاب صاحبها، وذكر العقب في هذا الحديث لصورة السبب، وإلا فيُلحق بها ما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصُل بها التساهل في إسباغها. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: قد يتمسّك بقوله: "فجعلنا نمسح

стр. 3491

على أرجلنا" من قال بجواز مسح الرجلين - يعني بلا خفّ - ولا حجة له فيه؛ لأربعة أوجه: [أحدها]: أن المسح هنا يُراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز أن يقولوا: تمسّحنا للصلاة، أي توضّأنا. [ثانيها]: أن قوله: "وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء" يدلّ على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم؛ إذ لو كانوا يمسحونها لكانت القدم كلّها لائحة، فإن المسح لا يحصُلُ منه بَلَل الممسوح. [ثالثها]: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة ﵁، فقال: إن النبيّ ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: "ويلٌ للأعقاب من النار" (١). [رابعها]: أنا لو سلّمنا أنهم مسحوا، لم يضرّنا ذلك، ولم تكن فيه حجةٌ لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي تُوُعِّد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٧] ( … ) - (وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (٢)، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: "أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ"، وَفِي حَدِيثِهِ: عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ). رجال هذا الإِسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.

стр. 3492

٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد بن المثنّى، أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بـ "الزَّمِنِ" البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٥ - (ابْنُ بَشَارٍ) هو: محمد بن بشّار العبديّ، أبو بكر البصريّ، المعروف بـ "بُندار"، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ "غُنْدَر"، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام الواسطيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) أي سفيان وشعبة عن منصور بن المعتمر المذكور في السند السابق. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد منصور المتقدّم، وهو: عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو ﵄. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: "أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ") يعني أن شعبة لم يذكر في روايته لفظ: "أسبغوا الوضوء". قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال المصنّف ﵀: إن رواية شعبة ليس فيها زيادة "أسبغوا الوضوء"، لكن الحديث أخرجه أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٩٤ - ١٩٥) والطحاويّ في "معاني الآثار" من طريق شعبة، وفيه قوله: "أسبغوا الوضوء"، ولعلّ المصنّف وقعت له رواية دون هذه الزيادة، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ) الضمير لشعبة، يعني أن في حديث شعبة زيادة لفظة: "الأعرج"، بخلاف رواية جرير، وسفيان، فليس فيهما: "الأعرج"، بل اقتصرا على قولهما: "عن أبي يحيى"، والله تعالى أعلم.

стр. 3493

[تنبيه]: أما رواية سفيان التي أحالها المصنّف ﵀ هنا، فأخرجها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ١٩٤)، فقال: (٦١٧) حدثنا ابن أبي رجاء، قال: ثنا وكيع (ح) وحدثنا الحسن بن عفان، قال: ثنا أبو داود الْحَفَريّ (ح) وحدثنا أبو العباس الغزيّ، قال: ثنا الْفِرْيابيّ، قالوا: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يِساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو، قال: رأى النبيّ ﷺ قومًا يتوضئون، فرأى أعقابهم تَلُوح، فقال: "ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". وأما رواية شعبة، فأخرجها هو أيضًا، فقال: (٦١٩) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت هلال بن يِساف يحدث، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ أَتَى على قوم يتوضئون، وكان في سَفَر، فقال: "أسبغوا الوضوء، ويلٌ للأعقاب من النار - أو - ويلٌ للعراقيب من النار"، قال شعبة أحدهما. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا (١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ ، فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا، وَقَدْ حَضِرَتْ (٢) صَلَاةُ الْعَصْر، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى (٣): "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإِسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيُ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي

стр. 3494

بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥)، وله بضع وتسعون سنة (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) عن أكثر من (٨٠) سنة (خت م دت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) هو: الْوَضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٤ - (أَبُو بِشْرٍ) هو: جعفر بن أبي وَحْشِيّة - بفتح الواو، وسكون الحاء المهملة، وكسر المعجمة، وتشديد التحتانيّة - واسمه إياس اليشكريّ، أبو بِشْر الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥]. رَوَى عن عباد بن شرحبيل اليشكري وله صحبة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وأبي عمير بن أنس بن مالك، وأبي نضرة العبدي، ويوسف بن ماهك، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وجماعة. وعنه الأعمش، وأيوب وهما من أقرانه، وداود بن أبي هند، وشعبة، وغيلان بن جامع، ورقبة بن مصقلة، وأبو عوانة، وهشيم، وخالد بن عبد الله الواسطيّ، وعدةٌ. قال علي بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان شعبة يُضَعِّف أحاديث أبي بشر عن حبيب بن سالم، وقال أحمد: أبو بشر أحب إلي من المنهال، قلت: مِن المنهال؟ قال: نعم شديدًا، أبو بشر أوثق، قال أحمد: وكان شعبة يقول: لم يسمع أبو بشر من حبيب بن سالم، وقال أيضًا: كان شعبة يُضعِّف حديث أبي بشر عن مجاهد، قال: لم يسمع منه شيئًا، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن معين: طَعَنَ عليه شعبة في حديثه عن مجاهد، قال: من صحيفة، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال الْبَرْديجيّ: كان ثقةً، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير. وقال مُطَيَّنٌ: مات سنة (١٢٣)، وقال نوح بن حبيب: سنة (٢٤)، وكان ساجدًا خلف المقام حين مات، وقال ابن سعد، وخليفة، وغيرهما: سنة (٢٥)، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: سنة (٢٦)، وقال ابن حبان في "الثقات": مات في الطاعون سنة (١٣١).

стр. 3495

أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا. ٥ - (يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ) - بفتح الهاء وتُكْسَر - ابن بُهْزَاد - بضمّ الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها زايٌ - الفارسيّ المكيّ، مولى قريش، والصحيح أنه غير يوسف بن مِهْرَان، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأمه مُسيكة، وأبي هريرة، وعائشة، وحَكِيم بن حِزَام، وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعُبيد بن عُمير، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وغيرهم، وأرسل عن أُبيّ بن كعب. ورَوَى عنه عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وأيوب، وأبو بِشْر، وحميد الطويل، وأبو خثيم، وابن جريج، وإبراهيم بن مهاجر، وجعفر بن سليمان الضُّبَعيّ، وآخرون. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ عدلٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثلاث ومائة، وقال الهيثم بن عديّ: مات سنة عشر، وقال الواقديّ، وخليفة، وجماعة: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: مات سنة أربع عشرة ومائة، حَكَى هذا ابنُ سعد أيضًا، وزاد: كان ثقةً قليلَ الحديث، وقال ابن حبان: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة ست، وروى القرّاب في "تاريخه" بإسناده إلى الهيثم بن عديّ قال: سنة ثلاث ومائة مات فيها يوسف بن ماهك، ويحيى بن وَثّاب، وذكر غيرَهما، وهذا يدل على أنه في سنة ثلاث بغير عشر؛ لأن يحيى بن وَثّاب مات فيها اتّفاقًا. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤١) و (٢٨٨٣). [تنبيه]: "ماهَك" بفتح الهاء، وحُكي كسرها، وهو غير منصرف عند الأكثرين؛ للعلميّة والعجمة، ورواه الأصيليّ منصرفًا، وإنما صرفه؛ لملاحظة الوصفيّة، وذلك أن ماهك بالفارستة تصغير ماء، وهو القمر بالعربيّ، وقاعدتهم أنهم إذا صغّروا الاسم أدخلوا في آخره كافًا، والتصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلميّة؛ لأن بينهما تضادًّا، فيبقى الاسم بعلّة واحدة، وهي العجمة، فلا يُمنع من الصرف، هذا إذا كان بفتح الهاء، وأما إذا كُسرت، فيكون اسم

стр. 3496

فاعل من مَهَكتُ الشيءَ أمهَكُهُ مهكًا: إذا بالغت في سحقه، قاله ابن دريد، وفي "الْعُبَاب": مَهَكتُ الشيءَ: إذا ملّسته، أو يكون من مُهكة الشباب بالضمّ، وهو امتلاؤه، وارتواؤه، ونماؤه. وذكر الصغانيّ هذه المادّة، ثم قال عقبها: ويوسف بن ماهك من التابعين الثقات، ويُمكن أن يقال: إنه عربيّ، مع كون الهاء مفتوحةً بأن يكون عَلَمًا منقولًا من مَاهَكَ، وهو فعلٌ ماضٍ من المماهكة، وهو الْجَهْد في الجماع من الزوجين، فعلى هذا لا يجوز صرفه أصلًا؛ للعلميّة ووزن الفعل. وقال الدارقطنيّ: ماهك اسم أمه، أي فلا يُصرف؛ للعلميّة، والتأنيث، قال: والأكثر على أنه اسم أبيه، واسم أمّه: مُسيكة، وعن عليّ بن المدينيّ أن يوسف بن ماهك، ويوسف بن ماهان واحد، أفاده العينيّ ﵀ في "شرحه" (١). ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو) بن العاص ﵄، تقدّم في السند الماضي. وقوله: (تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ ) أي تأخر خَلْفنا. وقوله: (في سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ) وفي رواية للبخاريّ: "في سفرة سافرناها"، وقد تقدّم أنها كانت من مكة إلى المدينة. وقوله: (فَأَدْرَكَنَا) جملة من الفعل والفاعل، والضمير للنبيّ ﷺ ، أي لَحِقَ بنا النبيّ ﷺ . وقوله: (وَقَدْ حَضِرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ) جملة في محلّ نصب على الحال، و"حَضِرَت" بفتح الضاد وكسرها، لغتان، والفتح أشهر؛ قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال في "القاموس": حَضَر كنصر، وعَلِمَ، حُضُورًا وَحَضارةً: ضِدّ غاب. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ ﵀: حَضَرتُ مجلس القاضي حُضُورًا، من باب قَعَدَ: شَهِدته، وحَضَرَ الغائب حُضُورًا: قَدِمَ من غيبته، وحَضَرَت الصلاة، فهي حاضرة، والأصل حَضَر وقت الصلاة، قال: حَضِرَ فلان بالكسر لغة، واتّفقوا على ضمّ المضارع مطلقًا، وقياس كسر الماضي أن يُفتَح المضارع، لكن

стр. 3497

استُعْمِل المضموم مع كسر الماضي شُذُوذًا، ويُسمّى تداخل اللغتين. انتهى (١). فمعنى: "حضرت الصلاة": جاء وقت فعلها. وفي رواية البخاريّ: "فأدركنا، وقد أرهقنا العصر"، قال في "الفتح": قوله: "أرهقنا" - بفتح الهاء والقاف - و"العصر" مرفوع بالفاعلية، كذا لأبي ذرّ، وفي رواية كريمة بإسكان القاف، و"العصر" منصوب بالمفعولية، ويُقَوّي الأولَ رواية الأصيليّ: "أرهقتنا" - بفتح القاف، بعدها مثناة ساكنة - ومعنى الإرهاق: الإدراك، والْغَشَيان، قال ابن بطال: كأن الصحابة أخروا الصلاة في أول الوقت طمعًا أن يلحقهم النبيّ ﷺ ، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء، ولعَجَلتهم لم يسبغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر عليهم (٢). وقوله: (فَجَعَلْنَا) أي شرعنا. وقوله: (نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) قابل الجمع بالجمع، فالأرجل مُوَزَّعة على الرجال، فلا يلزم أن يكون لكلّ رَجُل أرجُلٌ، ومسائل الحديث تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: فيما قيل من الأسئلة والأجوبة على هذا الحديث: ١ - (منها): ما قيل: إن الرَّجُل له رِجْلان، وليس له أرجُل، فالقياس أن يقال على رجلينا؟. أجيب بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع، فتُوَزّع الأرجل على الرجال. ٢ - (ومنها): ما قيل: فعلى هذا يكون لكلّ رَجُل رجلٌ. أجيب بأن جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يُعَيِّن المقصود، سيّما فيما هو محسوسٌ. ٣ - (ومنها): ما قيل: لِمَ خصّ الأعقاب بالعذاب؟. أجيب بأنها العضو التي لم تُغسل، وقال صاحب "الغريبين": معنى: "ويلٌ للأعقاب من النار" أي لصاحب العقب الْمُقَصَّر عن غسلها، كما قال:

стр. 3498

﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية، وقيل: إن العَقِب يُخصّ بالمؤلم من العقاب إذا قُصَّر في غسلها، وفي "المنتهى في اللغة": "ويلٌ للأعقاب من النار" أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وهو التكميل والإتمام، والسبوغ: الشمول. ٤ - (ومنها): ما قيل: ما الألف واللام في "الأعقاب"؟. أجيب بأنها للعهد، أي الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسّها الماء، أو يكون المراد: الأعقاب التي صفتها هذه، لا كلّ الأعقاب. ٥ - (ومنها): ما قيل: إن اللام للاختصاص النافع؛ إذ المشهور أن اللام تُستعمَل في الخير، و"على" تُستعمل في الشرّ، نحو ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أجيب بأنها هنا بمعنى "على"، نحو قوله : ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، فإن اللام في هذه المواضع استُعملت بمعنى "على". ٦ - (ومنها): ما قيل: كيف أخّرت الصحابة ﵃ الصلاة عن أول وقتها الأفضل؟. أجيب بأنهم إنما أخروها عنه؛ طَمَعًا أن يصلّوها مع النبيّ ﷺ ؛ لفضل الصلاة معه، فلما خافوا فواتها استعجلوا في الوضوء، فحصل منهم تقصير فيه، فأنكر عليهم النبيّ ﷺ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٧٩] (٢٤٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنْ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا، لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْه، فَقَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ").

стр. 3499

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ (١) الْجُمَحِيُّ) (٢) مولاهم، أبو حَرْب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦. ٢ - (الرَّبِيعُ بْنَ مُسْلِمٍ) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٧] (ت ١٦٧) (بخ م دت س) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٢٦٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ، ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما أسلفته في "شرح المقدّمة"، وهو (٢٧) من رباعيّات الكتاب، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [٩/ ٥٧٩ و ٥٨٠ و ٥٨١] (٢٤٢)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٥)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٤١)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١١٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٦٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠٦ و ٤٠٧ و ٤٠٩ و ٤٦٦ و ٤٦٧ و ٤٨٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٨٨)، و (الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٦٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٨٧ و ٦٨٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٦٩ و ٥٧٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:

стр. 3500

[٥٨٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (١)، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَة، فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: "وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) وهو أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقون تقدّموا في هذا الباب، غير قتيبة، فتقدّم في الباب الماضي. وقوله: (مِنَ الْمِطْهَرَةِ) بكسر الميم، وفتحها، لغتان مشهورتان، ذكرهما ابن السّكّيت، فمن كسرها جعلها اسمًا للإناء المعدّ للتطهر منه، ومن فتحها جعلها موضِعًا تُفعَل فيه الطهارة (٢). وقوله: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أي أكملوه، وكأنه رأى منهم تقصيرًا، أو خشيه عليهم. وقوله: (فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ .. إلخ) فيه ذكر رسول الله ﷺ بكنيته، وهو حسنٌ، وذكره بوصف الرسالة أحسن منه، وفيه أنه ينبغي للعالم أن يستدلّ على ما يُفتي فيه، ليكون أوقع في نفس سامعه. وقوله: (وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ) "الَعَرَاقيب" - بالفتح -: جمع عُرْقُوب - بضم العين، وسكون الراء - وهي الْعَصَبة التي فوق العَقِب؛ قاله النوويّ ﵀. وقال القرطبيّ ﵀: "الْعَراقيب": جمع عُرقوب، وهو العصب الغليظ الْمُوتر فوق عقب الإنسان، وعُرقوب الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها، قال الأصمعيّ: وكلُّ ذي أربع فعُرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه. ومعنى ذلك أن العراقيب تُعَذَّب إن لم تُعَمّم بالغسل. وهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أن فرض الرجلين الغسل، لا المسح، وهو مذهب جمهور السلف، وأئمة الفتوى، وقد حُكي عن ابن عبّاس، وأنس،

стр. 3501

وعكرمة ﵃ أن فرضهما المسح إن صحّ ذلك عنهم، وهو مذهب الشيعة، وذهب ابن جرير الطبريّ إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح (١)، وقد تقدّم تحقيق أدلتهم، وترجيح مذهب الجمهور، مستوفًى في شرح حديث عثمان ﵁، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨١] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦]، (ت ١٣٨) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. ٢ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، كان يجلُب الزيت إلى الكوفة، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقون تقدّموا في هذا الباب، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. (١٠) - (بَابُ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨٢] (٢٤٣) - (حَدَّثَني (٢) سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِه، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "ارْجِعْ، فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ"، فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى).

стр. 3502

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمسمَعيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ) الْحَرّانيّ المذكور في الباب الماضي. ٣ - (مَعْقِل) بن عُبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة - مولاهم، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١١٩. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المذكور قبل باب. ٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄ المذكور أيضًا قبل باب. ٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) الخليفة الراشد استُشهِد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ ﵄. ٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. ٤ - (ومنها): أن عمر ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمّة ﵁، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١) (تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ) أي قدر موضعها، قال الفيّوميّ ﵀: "الظفر" للإنسان مذكَّرٌ، وفيه لغات: [أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. [والثانية]: الإسكان؛ للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع أَظفار، وربّما جُمع على أَظْفُر، مثل رُكْنٍ أَرْكُنٍ.

стр. 3503

[والثالثة]: بكسر الظاء، وِزانُ حِمْلٍ. [والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرئ بهما في الشاذّ. [والخامسة]: أُظْفُور، والجمع أَظَافير، مثلُ أُسْبُوع وأَسَابيع، قال الشاعر [من البسيط]: مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ … وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ (١) (عَلَى قَدَمِهِ) تثنية قَدَم - بفتحتين - وهي مؤنّثة، وجمعها أَقْدام، مثلُ سبَب وأسباب (فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (ارْجِعْ)؛ أي إلى موضع الوضوء (فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ) أي بتكميل ما تركت غسله (فرَجَعَ) ذلك الرجل (ثُمَّ صَلَّى) أي بعد أن أحسن وضوءه. قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث أن مَن ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره، لا تصح طهارته، وهذا مُتَّفَقٌ عليه، واختلفوا في المتيمم يترك بعض وجهه، فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصحّ، كما لا يصحّ وضوءه، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها إذا ترك أقلّ من النصف أجزأه، والثانية إذا ترك أقلّ من قدر الدرهم أجزأه، والثالثة إذا ترك الربع فما دونه أجزأه، وللجمهور أن يحتجوا بالقياس، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): هذا الحديث أعلّوه بأمور: ١ - (منها): ما تقدّم في مقدّمة "شرح المقدّمة" أن الحافظ أبا الفضل بن عمّار الشهيد ﵀ انتقده، فقال: هذا الحديث إنما يُعرَف من حديث ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير بهذا اللفظ، وابن لَهِيعة لا يُحتجّ به، وهو خطأٌ عندي؛ لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر ﵄. انتهى (٢).

стр. 3504

٢ - (ومنها): أن بعضهم أعلّه بضعف معقل بن عبيد الله. ٣ - (ومنها): أن بعضهم أعلّه بعنعنة أبي الزبير؛ لأنه مدلّس. قال الجامع عفا الله عنه: يُجاب عن هذه الانتقادات بما يلي: [أما الأول]: وهو إعلال أبي الفضل برواية ابن لَهِيعة، فيجاب بأنها لا تنافي رواية مَعْقِل بن عُبيد الله، بل هي متابعة قويّة، فيكون كلّ منهما رَوَى هذا الحديث عن أبي الزبير. [وأما الثاني]: وهو لأبي الفضل أيضًا، حيث ضعّف رواية ابن لهيعة، فيجاب بأن ذلك ليس مقبولًا؛ إذ هي صحيحة؛ لأنها من رواية عبد الله بن وهب عنه، وروايته عنه قبل احتراق كتبه، كما هو معروف لدى أهل المعرفة، فقد قال عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ: إذا رَوَى العبادلة عن ابن لَهِيعَة، فهو صحيح، وهم: ابن المبارك، وابن وهب، وابن يزيد المقرئ (١)، وما هنا من رواية ابن وهب عنه. [وأما الثالث]: وهو تضعيف معقِل بن عبيد الله، فليس بمسلَّم؛ لأن الأكثرين على توثيقه، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه أحمد، وابن معين في رواية، وغيرهما. قال الحافظ الذهبيّ ﵀ في "الميزان" - بعد نقل كلام أبي الحسن القطّان قوله: معقل بن عبيد الله عندهم مستضعف - ما نصّه: كذا قال، بل هو عند الأكثرين صدوقٌ، لا بأس به، وقد روى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ، ورَوى عن ابن معين: ليس به بأس، ورَوى الكوسج عن ابن معين ثقةٌ. انتهى (٢). وقال في "السير" بعد ذكر نحو ما تقدّم: وما عرفت له شيئًا منكرًا، فأذكره، وحديثه لا يَنزِل عن رتبة الحسن. انتهى (٣). وقال في "التهذيب" عن ابن عديّ بعد أن سرد له عدّة أحاديث: هو حسن الحديث، لم أجد في حديثه منكرًا. انتهى (٤). والحاصل أن معقل بن عبيد الله الراوي عن أبي الزبير هنا ليس في روايته طعنٌ، كما زعموا.

стр. 3505

[وأما الرابع]: وهو تضعيفه بعنعنة أبي الزبير، فيُجاب بأن الحديث له شواهد: (منها): ما أخرجه أبو داود في "سننه" (١٦٥) بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ ، وقد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع، فأحسن وضوءك". وأشار أبو داود إلى إعلاله بتفرّد ابن وهب عن جرير بن حازم، لكن ابن وهب ثقة حافظ، لا يضرّ تفرّده، وقد صححه ابن خزيمة، وغيره. (ومنها): ما أخرجه أبو داود أيضًا بإسناد صحيح (١٧٥) عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يُصَلّي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبيّ ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة، درهو حديث صحيح، وقال الإمام أحمد: هذا إسناد جيّدٌ، وقوّاه ابن التركمانيّ، وابن القيّم والحافظ ابن حجر، والشيخ الألبانيّ. وأعلّه المنذريّ وابن حزم، بأن في إسناده بقيّة بن الوليد، وهو مدلّس، وأجاب ابن القيّم عن ذلك بأنه صرّح بالتحديث في "مسند أحمد"، لكنه متّهم بتدليس التسوية. وبالجملة فالحديث يتقوّى بمجموعه، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألبانيّ ﵀، وحقّقه في "صحيح أبي داود" (١/ ٣٠٧ - ٣١٣)، فراجعه تستفد. (ومنها): مرسل الحسن البصريّ ﵀، أخرجه أبو داود أيضًا بسند صحيح، فهو يقوّي حديثنا أيضًا. والحاصل أن رواية المصنّف ﵀ هنا صحيحة، كما أراد هو؛ لأنه إمام حجة، مقدّم في معرفة علل الحديث، فهو العمدة في هذا الباب، وما ذكر من الإعلال لا يؤثّر في روايته؛ لما عرفته من الأجوبة، فالحديث صحيح، والحمد لله، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٠/ ٥٨٢] (٢٤٣)، و (أبو عوانة)
следующие страницы →