وعكرمة ﵃ أن فرضهما المسح إن صحّ ذلك عنهم، وهو مذهب الشيعة، وذهب ابن جرير الطبريّ إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح (١)، وقد تقدّم تحقيق أدلتهم، وترجيح مذهب الجمهور، مستوفًى في شرح حديث عثمان ﵁، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨١] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦]، (ت ١٣٨) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٢ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، كان يجلُب الزيت إلى الكوفة، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
(١٠) - (بَابُ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨٢] (٢٤٣) - (حَدَّثَني (٢) سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِه، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "ارْجِعْ، فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ"، فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى).
стр. 3502
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمسمَعيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ) الْحَرّانيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مَعْقِل) بن عُبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة - مولاهم، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١١٩.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المذكور قبل باب.
٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﵄ المذكور أيضًا قبل باب.
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) الخليفة الراشد استُشهِد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ ﵄.
٣ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
٤ - (ومنها): أن عمر ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمّة ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ﵁ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١) (تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ) أي قدر موضعها، قال الفيّوميّ ﵀: "الظفر" للإنسان مذكَّرٌ، وفيه لغات:
[أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾.
[والثانية]: الإسكان؛ للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع أَظفار، وربّما جُمع على أَظْفُر، مثل رُكْنٍ أَرْكُنٍ.
стр. 3503
[والثالثة]: بكسر الظاء، وِزانُ حِمْلٍ.
[والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرئ بهما في الشاذّ.
[والخامسة]: أُظْفُور، والجمع أَظَافير، مثلُ أُسْبُوع وأَسَابيع، قال الشاعر [من البسيط]:
مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ … وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ (١)
(عَلَى قَدَمِهِ) تثنية قَدَم - بفتحتين - وهي مؤنّثة، وجمعها أَقْدام، مثلُ سبَب وأسباب (فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ (ارْجِعْ)؛ أي إلى موضع الوضوء (فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ) أي بتكميل ما تركت غسله (فرَجَعَ) ذلك الرجل (ثُمَّ صَلَّى) أي بعد أن أحسن وضوءه.
قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث أن مَن ترك جزءًا يسيرًا مما يجب تطهيره، لا تصح طهارته، وهذا مُتَّفَقٌ عليه، واختلفوا في المتيمم يترك بعض وجهه، فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصحّ، كما لا يصحّ وضوءه، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها إذا ترك أقلّ من النصف أجزأه، والثانية إذا ترك أقلّ من قدر الدرهم أجزأه، والثالثة إذا ترك الربع فما دونه أجزأه، وللجمهور أن يحتجوا بالقياس، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): هذا الحديث أعلّوه بأمور:
١ - (منها): ما تقدّم في مقدّمة "شرح المقدّمة" أن الحافظ أبا الفضل بن عمّار الشهيد ﵀ انتقده، فقال: هذا الحديث إنما يُعرَف من حديث ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير بهذا اللفظ، وابن لَهِيعة لا يُحتجّ به، وهو خطأٌ عندي؛ لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر ﵄. انتهى (٢).
стр. 3504
٢ - (ومنها): أن بعضهم أعلّه بضعف معقل بن عبيد الله.
٣ - (ومنها): أن بعضهم أعلّه بعنعنة أبي الزبير؛ لأنه مدلّس.
قال الجامع عفا الله عنه: يُجاب عن هذه الانتقادات بما يلي:
[أما الأول]: وهو إعلال أبي الفضل برواية ابن لَهِيعة، فيجاب بأنها لا تنافي رواية مَعْقِل بن عُبيد الله، بل هي متابعة قويّة، فيكون كلّ منهما رَوَى هذا الحديث عن أبي الزبير.
[وأما الثاني]: وهو لأبي الفضل أيضًا، حيث ضعّف رواية ابن لهيعة، فيجاب بأن ذلك ليس مقبولًا؛ إذ هي صحيحة؛ لأنها من رواية عبد الله بن وهب عنه، وروايته عنه قبل احتراق كتبه، كما هو معروف لدى أهل المعرفة، فقد قال عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ: إذا رَوَى العبادلة عن ابن لَهِيعَة، فهو صحيح، وهم: ابن المبارك، وابن وهب، وابن يزيد المقرئ (١)، وما هنا من رواية ابن وهب عنه.
[وأما الثالث]: وهو تضعيف معقِل بن عبيد الله، فليس بمسلَّم؛ لأن الأكثرين على توثيقه، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه أحمد، وابن معين في رواية، وغيرهما. قال الحافظ الذهبيّ ﵀ في "الميزان" - بعد نقل كلام أبي الحسن القطّان قوله: معقل بن عبيد الله عندهم مستضعف - ما نصّه: كذا قال، بل هو عند الأكثرين صدوقٌ، لا بأس به، وقد روى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ، ورَوى عن ابن معين: ليس به بأس، ورَوى الكوسج عن ابن معين ثقةٌ. انتهى (٢).
وقال في "السير" بعد ذكر نحو ما تقدّم: وما عرفت له شيئًا منكرًا، فأذكره، وحديثه لا يَنزِل عن رتبة الحسن. انتهى (٣).
وقال في "التهذيب" عن ابن عديّ بعد أن سرد له عدّة أحاديث: هو حسن الحديث، لم أجد في حديثه منكرًا. انتهى (٤).
والحاصل أن معقل بن عبيد الله الراوي عن أبي الزبير هنا ليس في روايته طعنٌ، كما زعموا.
стр. 3505
[وأما الرابع]: وهو تضعيفه بعنعنة أبي الزبير، فيُجاب بأن الحديث له شواهد:
(منها): ما أخرجه أبو داود في "سننه" (١٦٥) بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا جاء إلى النبيّ ﷺ ، وقد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع، فأحسن وضوءك".
وأشار أبو داود إلى إعلاله بتفرّد ابن وهب عن جرير بن حازم، لكن ابن وهب ثقة حافظ، لا يضرّ تفرّده، وقد صححه ابن خزيمة، وغيره.
(ومنها): ما أخرجه أبو داود أيضًا بإسناد صحيح (١٧٥) عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يُصَلّي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبيّ ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة، درهو حديث صحيح، وقال الإمام أحمد: هذا إسناد جيّدٌ، وقوّاه ابن التركمانيّ، وابن القيّم والحافظ ابن حجر، والشيخ الألبانيّ.
وأعلّه المنذريّ وابن حزم، بأن في إسناده بقيّة بن الوليد، وهو مدلّس، وأجاب ابن القيّم عن ذلك بأنه صرّح بالتحديث في "مسند أحمد"، لكنه متّهم بتدليس التسوية.
وبالجملة فالحديث يتقوّى بمجموعه، وقد أجاد البحث فيه الشيخ الألبانيّ ﵀، وحقّقه في "صحيح أبي داود" (١/ ٣٠٧ - ٣١٣)، فراجعه تستفد.
(ومنها): مرسل الحسن البصريّ ﵀، أخرجه أبو داود أيضًا بسند صحيح، فهو يقوّي حديثنا أيضًا.
والحاصل أن رواية المصنّف ﵀ هنا صحيحة، كما أراد هو؛ لأنه إمام حجة، مقدّم في معرفة علل الحديث، فهو العمدة في هذا الباب، وما ذكر من الإعلال لا يؤثّر في روايته؛ لما عرفته من الأجوبة، فالحديث صحيح، والحمد لله، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة):
في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٠/ ٥٨٢] (٢٤٣)، و (أبو عوانة)
стр. 3506
في "مسنده" (٦٩١ و ٦٩٣)، و (أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٥٧١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الفرض غسلًا ومسحًا.
٢ - (ومنها): بيانُ أن مَنَ تَرك شيئًا من أعضاء طهارته جاهلًا لم تصح طهارته، ولا يُعذر بالجهل.
٣ - (ومنها): بيان أن الجزء اليسير كالكبير، لا فرق بينهما، فإن قوله: "موضع ظفر" ظاهر في ذلك.
قال النوويّ ﵀ في "المجموع": فإن كان على رجله شُقُوقٌ وجب إيصال الماء إلى باطن تلك الشقوق، فإن شكّ في وصول الماء إلى باطنهما، أو باطن الأصابع لزمه الغسل ثانيًا حتى يتحقّق الوصول، هذا إذا كان قد شكّ في أثناء الوضوء، فأما إذا شكّ بعد الفراغ، ففيه خلا، ثم وقال: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة - فلو أذاب في شقوق رجليه شَحْمًا، أو شَمَعًا، أو عجينًا، أو خضبهما بحنّاء، وبقي جِرْمه، لزمه إزالة عينه؛ لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة، فلو بقي لون الحنّاء دون عينه لم يضرّه، ويصحّ وضوؤه، ولو كان على أعضائه أثر دهن مانع، فتوضّأ، وأمسّ الماء البشرة، وجرى عليها، ولم يَثْبُت صحّ وضوؤه؛ لأن ثبوت الماء ليس بشرط. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ ﵀ بحثٌ نفيسٌ؛ لأنه تؤيّده ظواهر النصوص؛ إذ هي أوجبت غسل الأعضاء، ولا يتحقّق ذلك إلا بوصول الماء إلى جميع بشرة العضو المغسول.
[تنبيه مهمٌّ]: من هنا يُعلم - كما قال بعض الفضلاء - أن ما اعتاده النساء اليوم من طلاء أظافر اليدين والرجلين بمادّة ملوّنة (المونوكير) ولها جرم يمنع وصول الماء إلى الأظافر لا تصحّ معها الطهارة، ولا تصحّ الصلاة بها؛ لعدم
стр. 3507
تحقّق الطهارة المأمور بها، فليُتنبّه لهذه الدقائق، فإنها مزلّة أقدام؛ إذ كثير من النساء يصلّين بغير طهارة شرعيّة، وإنا لله، وإنا إليه راجعون.
٤ - (ومنها): أن فيه تعليمَ الجاهل، والرفقَ به.
٥ - (ومنها): أنه قد استدَلَّ به جماعة على أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح.
٦ - (ومنها): أن القاضي عياضًا ﵀ وغيره استَدَلّوا بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله ﷺ : "أَحْسِن وضوءك"، ولم يقل: اغسِلِ الموضعَ الذي تركته.
وتعقّبه النوويّ ﵀، فقال: وهذا الاستدلال ضعيفٌ، أو باطلٌ، فإن قوله ﷺ : "أَحْسِن وضوءك" محتملٌ للتتميم، والاستئناف، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر. انتهى (١)، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١١) - (بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨٣] (٢٤٤) - (حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِر، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْه، مَعَ الْمَاء، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْه، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ، مَعَ الْمَاء، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْه، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ، مَعَ الْمَاء، أَوْ مَعَ آخِرِ فَطْرِ الْمَاء، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ").
стр. 3508
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدِ) بن سهل الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثَانيّ، ويقال له: الأَنْبَاريّ، صدوقٌ، عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قدماء [١٠]
(ت ٢٤٠) عن مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ المذكور قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة المذكور قبل بابين.
٥ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ المذكور في الباب الماضي.
٦ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوَان السمّان المذكور في الباب الماضي أيضًا.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀ بالنسبة للسند الأول، ومن سداسيّاته بالنسبة للسند الثاني.
[فإن قلت]: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يؤخّر سند سُويد؛ لأنه متكلّم فيه، فهو من أهل المتابعة، لا من أهل الأصالة، فَلِمَ قدّمه؟.
[قلت]: إنما قدّمه؛ لكونه عاليًا؛ إذ هو يروي عن مالك مباشرة، بخلاف أبي الطاهر، فإنه يروي عنه بواسطة، وألله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول هروي، ثم حَدَثانيّ بفتحتين، وهو نسبة إلى الحَدِيثة بلدة مشهورة على الفرات (١)، والثاني مصريّ، كابن وهب.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ) قال بعضهم: في لفظ: "توضّأ" مجاز المشارفة: أي أراد الوضوء، وأشرف
стр. 3509
عليه، وذلك ليصحّ عطف "فغسل وجهه .. إلخ"؛ إذ غسل الوجه واليدين والرجلين هو الوضوء، وزيادة لفظة "العبد" لإفادة إخلاص العبادة، أي إذا توضّأ مُستَشعِرًا أنه عبد مخلص مطيع الأوامر. انتهى (١). (أَوِ الْمُؤْمِنُ) قال الحافظ أبو عمر ﵀: "أو" للشكّ من المحدّث، من كان، مالك، أو غيره. انتهى (٢).
وقال القاري ﵀: "أو" للشكّ من الراوي في لفظ النبيّ ﷺ ، وإلا فهما مترادفان في الشريعة، والمؤمنة في حكم المؤمن. انتهى (٣).
(فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ) قال الطيبيّ ﵀: "خرج" جواب الشرط، والفاء في "فَغَسَلَ" مُرَتّبةٌ له على الشرط، أي إذا أراد الوضوء، فغسل، خرج من وجهه كلُّ خطيئة. انتهى (٤). وقال القاري ﵀: قوله: "فغسل وجهه" عطفٌ على توضّأ عطفَ تفسير، أو المراد: إذا أراد الوضوء، وهو الأَوْجَهُ، وفيه إيماء إلى اعتبار النيّة المقتضية للمثوبة. انتهى (٥). (مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ) بفتح الخاء، وكسر الطاء، على وزن فَعِيلة، ويُجمع على خَطَايَا، وهو جمع نادر، و"الخَطِيئة": الذنب على عمد، ولك أن تُشدّد الياء؛ لأن كلّ ياء ساكنة، قبلها كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمدّ، لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة، فإنك تَقلب الهمزة بعد الواو واوًا، وبعد الياء ياءً، وتُدْغَمُ، وحكى أبو زيد في جمعه خَطَائِئ بهمزتين على فَعَائل، والفعل أخطأ، وخَطِئَ، وأخطأ يُخطِئُ: إذا سلك الخطأ عمدًا وسهوًا، ويقال: خَطِئَ بمعنى أخطأ، وقيل: خَطِئَ: إذا تعمّد، وأخطأ: إذا لم يتعمّد، ويقال لمن أراد شيئًا، ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ، أفاده في "اللسان" (٦).
وفي "المصباح": قال أبو عُبيدة: خَطِئَ خِطْئًا، من باب عَلِمَ، وأخطأ بمعنًى واحد لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِئَ في الدين، وأخطأ في كلّ شيء، عامِدًا كان أو غير عامد، وقيل: خَطئ: إذا تعمّد ما نهيَ عنه،
стр. 3510
فهو خاطئٌ، وأخطأ: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب، وفعله، قيل: قصده، أو تعمّده، والْخِطْءُ - أي بكسر، فسكون -: الذنب؛ تسميةً بالمصدر. انتهى (١).
وقوله: (نَظَرَ إِلَيْهَا) في محلّ جرّ، صفةٌ لـ"خطيئة" (بِعَيْنَيْهِ) قال الطيبيّ ﵀: أي نظر إلى سببها؛ إطلاقًا لاسم المسبَّب على السبب؛ مبالغة، يعني أن هذا مجاز مرسلٌ؛ بعلاقة السببيّة؛ لأنه لا ينظر إلى نفس الخطيئة؛ إذ المرأة الأجنبيّة مثلًا سبب الخطيئة، وليست هي عين الخطيئة، وكذا البواقي.
[فإن قلت]: ذَكَرَ لكلّ عضو ما يَختصّ به من الذنوب، وما يُزيلها عن ذلك العضو، والوجه مشتملٌ على العين، والفم، والأنف، والأذن، فلم خُصّت بالذكر دونها؟.
[قلت]: العين طَلِيعة القلب، ورائده، فإذا ذُكرت أغنت عن سائرها، ويَعضِد هذا التأويل حديث عبد الله الصنابحيّ، وفيه: "فإذا غسل وجهه، خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه". انتهى (٢).
وقيل في الجواب عن هذا الاستشكال: أن سبب تخصيص خطيئة العين بالمغفرة هو أن كلًّا من الفم، والأنف، والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه، فكانت متكفّلةً بإخراج خطاياه، بخلاف العين، فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه، فخُصّت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها مما ذُكر. انتهى (٣).
(مَعَ الْمَاءِ) متعلّقٌ بـ "خرج"، أي مع انفصال الماء (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) قال أبو عمر ﵀: "أو" للشك من المحدّث، ولا يجوز أن يكون ذلك شكًّا من النبيّ ﷺ ، ولا يَظُنّ ذلك إلا جاهلٌ مجنون، وَيَحْمِلُ على الشكّ في مثل هذه الألفاظ: التحرّي في الإتيان بلفظ الحديث دون معناه، وهذا شيء قد اختَلَف فيه السلف. انتهى (٤).
стр. 3511
وقال القرطبيّ ﵀: "أو" للشكّ من بعض الرواة، ويدلّ على أنه للشكّ زيادة مالك فيه: "مع الماء، أو مع آخر الماء"، أو نحو هذا، قال: ويُفهَمُ منه أن الغسل لا بدّ فيه من نقل الماء، ولا يُفهم منه أن غاية الغسل أن يقطُر الماء؛ لأنه على الشكّ، ولمَا جاء "حتى يُسبغ" (١).
و"القطرة" - بفتح، فسكون -: النُّقطة، والجمع قَطَرات، يقال: قَطَرَ الماءُ قَطْرًا، من باب قَتَلَ، وقَطَرَانًا، وقَطَرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، هذا قول الأصمعيّ، وقال أبو زيد: لا يتعدّى بنفسه، بل بالألف، فيقال: أقطرته. انتهى (٢).
والمعنى هنا: أن الخطيئة تخرُج مع النُّقطة الأخيرة التي تتساقط من غسل وجهه، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْه، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ) أي ذَهَبَ، ومُحِي (كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ) أي أخذتها، كملامسة الْمرأة الأجنبيّة، و"كان" يحتمل أن تكون زائدة، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ تُزَادُ "كَانَ" فِي حَشْوٍ كـ "مَا … كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا"
وجملة "بطشتها" في محلّ جرّ صفة لـ"خطيئة"، أي كلُّ خطيئة مبطوشة بيديه.
ويَحْتَمِلُ أن تكون "كان" شانيّة، واسمها ضمير الشأن، وجملة "بطشتها" خبرها، وجعل اسمها ضمير العبد المسلم، وخبرها جملة "بطشتها يداه" مما لا يخفى بعده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ: قوله: "يداه" تأكيد للمبالغة (مَعَ الْمَاء، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْه، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا) الضمير لـ"الخطيئة"، وهو منصوب بنزع الخافض: أي مشت بها إلى الخطيئة، أو يكون مصدرًا: أي مَشَتِ الْمَشْيَةَ، فهو كقوله ﷺ : "واجعله الوارث": أي اجعل الجعل؛ قاله الطيبيّ ﵀ (٣). (رِجْلَاهُ) تأكيد للمبالغة أيضًا (مَعَ الْمَاء، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء،
стр. 3512
حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) أي جميع ذنوبه، والمراد الصغائر، كما سبق تحقيقه، أو المراد ذنوب أعضاء الوضوء، والأول أوجه، وقال النوويّ ﵀: والمراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر، كما تقدم بيانه، وكما في الحديث الآخر: "ما لم تُغْشَ الكبائر"، قال القاضي عياض: والمراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها؛ لأنها ليست بأجسام، فتخرجَ حقيقةً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لدعوى المجاز، بل الظاهر حمله على الحقيقة، ولا مانع من تجسّد الخطايا، وخروجها مع الماء، فقد أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نَزَل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم"، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح (١).
فقد ثبت تجسّد الذنوب، وتسويده للحجر الأسود، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١١/ ٥٨٣] (٢٤٤)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٢)، و (الترمذيّ) في "الطهارة" (٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ١٨٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٦٩ و ٦٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٧٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٨١) والله تعالى أعلم.
стр. 3513
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خروج الخطايا مع ماء الوضوء، وقد أسلفت أن خروجها على ظاهره، ولا داعي لدعوى المجاز، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان احتياط الرواة في أداء الحديث بلفظه، بحيث إنهم إذا شكّوا في لفظة ذكروها بعبارتين مما تردّد في أذهانهم حتى تؤدّى على وجهها بأحد المحتملين، وهذا من شدّة ورعهم، وحرصهم في المحافظة على أداء ما سمعوه كما سمعوه، حتى ينالهم دعاء النبيّ ﷺ لهم بقوله: "نضّر الله امرءًا سمع منا شيئًا، فبلَّغه كما سمع، فرب مبلَّغ أوعى من سامع"، وفي لفظ: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، وحفظها، وبلّغها … "، وفي رواية: "فأداها كما سمعها … " الحديث، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
٣ - (ومنها): بيان أن الواجب في الوضوء غسل الرجلين، لا المسح.
٤ - (ومنها): الرّدُّ على الرافضة، وإبطالُ قولهم: الواجب مسح الرجلين.
٥ - (ومنها): بيان أن كلّ عضو يطهّر بانفراده؛ لأن خروج الخطايا منه فرع طهارته بنفسه.
٦ - (ومنها): أن ظاهر قوله: "خرج من وجهه"، "وخرج من يديه"، "وخرجت كلّ خطيئة مشتها رجلاه" يدلّ على أن التكفير يختصّ بأعضاء الوضوء فقط، وبهذا قال بعضهم، لكن قوله في آخر الحديث: "حتى يخرج نقيًّا من الذنوب"، ظاهر في تكفير عموم ذنوب بقيّة الأعضاء، ويؤيّد الأول حديث عمرو بن عبسة ﵁ الطويل الآتي للمصنّف في "كتاب الصلاة"، وفيه: فقلت: يا نبي الله، فالوضوء حدثني عنه، قال: "ما منكم رجلٌ يُقَرِّب وَضُوءه، فيتمضمض، ويستنشق فينتثر، إلا خَرجَت خطايا وجهه، وفيه، وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه، إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين، إلا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام، فصلى، فحَمِد الله، وأثنى عليه، ومَجَّدَه بالذي هو له أهل، وفَرَّغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته، كهيئته يوم ولدته أمه".
стр. 3514
فظاهر هذا الحديث يدلّ على أن تكفير جميع الذنوب بالصلاة.
ويؤيّد الثاني ما تقدّم للمصنّف برقم (٢٢٩) من حديث عثمان ﵁، قال - بعد أن توضّأ -: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ هكذا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة".
فإن هذا ظاهر في تكفير الوضوء جميع ذنوبه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يُمكن أن يُجمع بين هذه الأحاديث باختلاف الأحوال والأشخاص، فربّ شخص يكون إخلاصه ومراقبته لله أتمّ، فتكفّر ذنوبه بوضوئه، وتكون صلاته ومشيه إلى المسجد في زيادة الدرجات، وربّ شخص لا يكون كذلك، فيكون تمام تكفير ذنوبه بالوضوء والصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: قد استدلّ به أبو حنيفة ﵀ على نجاسة الماء المستعمل، ولا حجة له فيه، وعند مالك أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهّرٌ، غير أنه يُكره استعماله مع وجود غيره؛ للخلاف فيه، وعند أصبغ بن الفرج أنه طاهرٌ غير مطهّر، وقيل: مشكوك فيه، فيُجمع بينه وبين التيمّم، وقد سمّاه بعضهم ماء الذُّنُوب.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهِّرٌ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، ولا يزال عنه اسم الطهوريّة إلا بنجاسة، جاء النصّ، أو الإجماع بها، وقد حقّقت المسألة في "شرح النسائيّ"، وسأحقّقها أيضًا هنا في الموضع المناسب لها - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيهٌ]: أخرج الإمام مالك ﵀ هذا الحديث في "الموطّأ" (٥٥) مرسلًا، فقال (١): وحدّثني عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصُّنابحيّ، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا
стр. 3515
غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه، حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه - قال: - ثم كان مشيه إلى المسجد، وصلاته نافلة له".
وهذا مرسل صحيح الإسناد، وقوله: "عن عبد الله الصُّنَابحيّ" الصواب - كما قال ابن عبد البرّ - عن أبي عبد الله الصنابحيّ، واسمه عبد الرحمن بن عُسيلة، وهو تابعيّ، وروايته هذه مرسلة، إلا أن حديث عمرو بن عبسة ﵁ الذي سيأتي للمصنّف يشهد له، فيصحّ به.
قال القرطبيّ ﵀: استدلّ بحديث الصنابحيّ بعض أصحابنا على صحّة قول مالك: الأذنان من الرأس، ولم يُرد مالك بذلك أن الأذنين من الرأس، بدليل أنه لم يُختلف عنه أنهما يُمسحان بماء جديد، وأن من تركهما حتى صلّى لم تلزمه إعادة، وإنما أراد أن الأذنين يُمسحان كما يُمسح الرأس، لا أنهما يُغسلان كما يُغسل الوجه؛ تحرّزًا مما يُحكى عن ابن شهاب أنه قال: إن ما أقبل منهما على الوجه هو من الوجه، فيُغسل معه، وما يلي الرأس هو من الرأس، فيُمسح معه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون الأذنين من الرأس هو المذهب الصحيح؛ لحديث الصُّنَابحيّ المذكور، وأما حديث: "الأذنان من الرأس"، فضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، وإن صححه بعضهم لتعدد طرقه، وقد حقّقت المسألة في "شرح النسائيّ" (٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨٤] (٢٤٥) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثنا أَبُو هِشَامٍ
стр. 3516
الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِد، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِه، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ) هو: محمد بن معمر بن رِبْعِيّ الْقَيْسيّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بالْبَحْرَانيّ - بالموحّدة، والمهملة - صدوقٌ، من كبار [١١].
رَوَى عن رَوْح بن عُبَادة، وأبي هشام المخزوميّ، ومحمد بن بَكْر الْبُرْسانيّ، وأبي عامر الْعَقَديّ، وأبي عاصم، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، ومحمد بن كثير العبديّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، وأحمد بن منصور الرَّمَاديّ، وابن أبي عاصم، وأبو حاتم، والبزار، وابن ناجية، وإبراهيم بن أبي طالب، وابن خزيمة، وزكرياء الساجي، وابن أبي داود، وابن صاعد، وآخرون.
قال أبو داود: ليس به بأسٌ، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرّةً: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال البزار: ثنا محمد بن معمر، وكان من خيار عباد الله، وقال الخطيب: ثقةٌ، وقال مسلمة: لا بأس به، وقال أبو عروبة: كبيرٌ من أهل الصناعة، ذكره ابن عديّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد سنة خمسين ومائتين.
روى عنه الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٤٥) و (٥٧٩) و (١٢١٦) و (٢٣٥٩)(١).
стр. 3517
٢ - (أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ) هو: المغيرة بن سلمة المخزوميّ، أبو هشام القرشيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن مَهْديّ بن ميمون، ووهيب، وأبان العطار، وسليمان بن المغيرة، وسعيد بن زيد، والربيع بن مسلم الْجُمَحيّ، وعبد الواحد بن زياد، وأبي عوانة، وغيرهم.
وروى عنه علي بن المدينيّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو موسى، وبُندار، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعباس العنبريّ، ومحمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ، ومحمد بن معمر البحرانيّ.
قال علي بن المدينيّ: كان ثقةً، وقال أيضًا: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، ولا أشدّ تواضعًا، وأخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول الليل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال عليّ بن الحسين بن الجنيد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن قانع: ثقةٌ مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاريّ، وابن قانع: مات سنة مائتين.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا.
[تنبيه]: قوله: (أبو هشام) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول التي ببلادنا، "أبو هشام"، وهو الصواب، وكذا حكاه القاضي عياض ﵀ عن بعض رواتهم، قال: ووقع لأكثر الرواة: "أبو هاشم"، قال: والصواب الأول. انتهى (١).
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم، أبو بِشْر، وقيل: أبو عبيدة البصريّ، أحد الأعلام، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن أبي إسحاق الشيبانيّ، وعاصم الأحول، والأعمش، وأبي مالك الأشجعيّ، ويزيد بن أبي بردة، وأيوب بن عائذ، وإسماعيل بن سُمَيع، والحسن بن عبيد الله، وحبيب بن أبي عمرة، والْجُرَيريّ، وصالح بن صالح بن حيّ، وغيرهم.
стр. 3518
ورَوَى عنه ابن مهديّ، وعفّان، وعارم، ويونس بن محمد، وموسى بن إسماعيل، وقيس بن حفص، وأبو بكر بن أبي الأسود، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وأبو كامل، فضيل بن حسين الْجَحْدريّ، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم.
قال معاوية بن صالح، عن محمد بن عبد الملك: قلت لابن معين: من أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: بعد شعبة، وسفيان، أبو معاوية، وبعده عبد الواحد، وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى: عبد الواحد أحبّ إليك، أو أبو عوانة؟ قال: أبو عوانة أحبّ إليّ، وعبد الواحد ثقةٌ، وقال صالح بن أحمد، عن عليّ بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثًا قط بالبصرة، ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة، أذاكره حديث الأعمش، فلا يعرف منه حرفًا.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة، بل ثبوته عن يحيى محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن سعد: كان يُعرَف بالثقفيّ، وهو مولى لعبد القيس، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ عَمَدَ إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش، فوصلها، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، حسن الحديث، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا أنه لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقةٌ، وقال ابن القطان الفاسيّ: ثقةٌ لم يُعْتَلّ عليه بقادح.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه النصوص من هؤلاء الأئمة في توثيق عبد الواحد، تُبيّن أن ما تقدّم عن يحيى القطّان إما لا يصحّ عنه، أو فيه مبالغة وتعنّتٌ، وكذلك قول أبي داود: ثقةٌ عَمَد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش، فوصلها، قول متناقض، كيف يكون ثقة، وهو يتعمّد في وصل ما أرسله شيخه، ألا يكون هذا كذبًا على شيخه؟، إن هذا لشيء عُجاب، وبالجملة إن عبد الواحد ثقة حجة، ولم يتكلّم عليه من تكلّم بشيء معتبر قادح، كما قال الحافظ ابن القطّان الفاسيّ ﵀، فتبصّر بالإنصاف، ولا تقلّد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 3519
قال عمرو بن عليّ، وغيره: مات سنة ست وسبعين ومائة، وقال أحمد: مات سنة (١٧٧)، وقال البخاريّ، عن محمد بن محبوب: مات سنة (١٧٩).
وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عَبّاد بن حُنَيف - بالحاء المهملة، والنون، مصغّرًا - الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، الأَحْلافيّ (١)، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن عم أبيه، أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف، وجدته الرَّبَاب، وعبد الله بن سَرْجِس، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، ومحمد بن المنكدر، وغيرهم.
وروى عنه الثوريّ، وعبد الواحد بن زياد، وعيسى بن يونس، وهشيم، وزهير بن معاوية، وشريك، ومروان بن معاوية، وعليّ بن مُسهِر، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وغيرهم.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو عشرين حديثًا، وقال أبو طالب، عن أحمد: ثقةٌ ثبتٌ، وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: صالحٌ، وقال أبو سعيد الأشجّ، عن أبي خالد الأحمر: سمعت أوثق أهل الكوفة، وأعبدهم، عثمانَ بنَ حكيم، ووثقه العجليّ، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة، وابن سعد، وغيرهم، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وأَرّخ ابن قانع وفاته سنة (١٣٨)، وقال خليفة في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة: مات قبل الأربعين ومائة.
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير - مصغّرًا - ابن
стр. 3520
عبد الْعُزّى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تَيْم بن مُرّة التيميّ المدنيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر، ثقة فاضل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعمه ربيعة وله صحبة، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي أيوب، وربيعة بن عباد، وسفينة، وأبي قتادة، وأنس، وجابر، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: يوسف، والمنكدر، وابن أخيه إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، والزهري، وَهُمْ من أقرانه، وشعبة، والثوريّ، وأبو عوانة، وابن عيينة، وآخرون.
قال إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، ولم نُدْرِك أحدًا أجدر أن يَقْبَل الناسُ منه إذا قال: قال رسول الله ﷺ منه. وقال ابن عيينة أيضًا: ما رأيت أحدًا أجدر أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، ولا يُسأل عمن هو من ابن المنكدر، يعني لتحريه. وقال الحميديّ: ابن المنكدر حافظ. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال الترمذي: سألت محمدًا: سمع محمد بن المنكدر من عائشة؟ قال: نعم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من سادات القراء. قال الواقدي وغيره: مات سنة ثلاثين، وقال البخاري عن هارون بن محمد الْفَرْوِيّ: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقال ابن المديني عن أبيه: بلغ ستًّا وسبعين سنة.
قال الحافظ: فيكون مولده على هذا قبل سنة ستين بيسير، فتكون روايته عن عائشة، وأبي هريرة، وعن أبي أيوب الأنصاري، وأبي قتادة، وسفينة، ونحوهم مرسلة. وقد قال ابن معين، وأبو بكر البزار: لم يَسْمَع من أبي هريرة. وقال أبو زرعة: لم يلقه، وإذا كان كذلك فلم يَلْقَ عائشة؛ لأنها ماتت قبله. وأخرج ابن سعد من طريق أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة ﵄، فقال: إني قد أصابتني جائحة، فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء، لو كان عندي عشرة آلاف لبعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف من عند خالد بن أسد، فقالت: ما أوشك ما ابتُليتُ ثم أرسلت في إثره، فدفعتها إليه، فدخل السوق فاششرى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة، فكانوا عُبّاد أهل المدينة: محمد، وأبو بكر، وعمر، وإذا كان كذلك فلم يَلْقَ عائشة؛ لأنها ماتت قبله. وقال الواقديّ: كان ثقة، وَرِعًا عابدًا، قليل
стр. 3521
الحديث، يُكثر الإسناد عن جابر. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال الشافعي في مناظرته مع عشرة: فقلت: ومحمد بن المنكدر عندكم غاية في الثقة؟ قال: أجل وفي الفضل. وقال يعقوب بن شيبة: صحيح الحديث جدًّا. وقال إبراهيم بن المنذر: غاية في الحفظ والإتقان والزهد، حجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا.
٦ - (حُمْرَانَ) بن أبان، مولى عثمان بن عفّان، اشتراه زمن أبي بكر الصدّيق ﵁، ثقةٌ [٢] (ت ٧٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٧ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ الخليفة الراشد ﵁، استُشهِد في ذي الحجة سنة (٣٥) ومدة خلافته ﵁ (١٢) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عثمان بن حكيم، والباقون بصريّون، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عثمان، عن ابن المنكدر، عن حمران.
وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم من شرح الأحاديث السابقة.
وقوله: (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) تقدّم أن معنى إحسان الوضوء هو تكميله بمراعاة واجباته، ومستحبّاته.
وقوله: (خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ) هذا يدلّ أن الوضوء يكفّر ذنوب جميع الجسد، ولا يختصّ بأعضاء الوضوء فقط، وقد تقدّم توجيه ذلك في الحديث الماضي، فلا تكن من الغافلين.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١١/ ٥٨٤] (٢٤٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٦٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦١٥ و ٦١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٧٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 3522
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨٥] (٢٤٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ (١)، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاق، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرْعَ فِي السَّاق، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا (٢) رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور قبل بابين.
٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ) الْقُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
стр. 3523
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٦ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) هو: عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانيّة ثقيلة - ابن الحارث بن عمرو بن غَزِيّة بن عمرو بن ثعلبة بن خَنْساء بن مَبْذُول بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦].
رَوَى عن أنس بن مالك، وأبيه غَزِيّة بن الحارث، وعباس بن سهل بن سعد، وأبي الزبير، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وحبيب بن عبد الرحمن، وشُرَحبيل بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ونُعيم المجمر، ويحيى بن عُمَارة بن أبي حسن، وغيرهم.
وروى عنه سليمان بن بلال، وعمرو بن الحارث، ووُهيب بن خالد، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويونس بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وبكر بن مضر، وسعيد بن أبي هلال، وزهير بن معاوية، والدَّرَاوَرْديّ، وعبيدة بن حُمَيد، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفَضَّل، وغيرهم.
قال أحمد، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يحيى بن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأسٌ، كان صدوقًا، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: لم يَلْحَق عُمارةُ بن غَزِيّة أنسًا، وهو ثقةٌ، وكذا قال الترمذيّ: لم يَلْقَ أنسًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" في أتباع التابعين، وقال العجليّ: أنصاريّ ثقةٌ، وذكره العقيليّ في "الضعفاء"، فلم يورد شيئًا يدلّ على وَهْنه، وقال ابن حزم: ضعيفٌ، قال الحافظ: وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي فيما قرأتُ بخطّه: ما علمت أحدًا ضغفه غيره، ولهذا قال عبد الحق: ضعّفه المتأخرون، ولم يقل العقيليّ فيه شيئًا، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من مرة، فلم نحفظ عنه شيئًا، فهذا تَغَفُّلٌ من العقيليّ؛ إذ ظن أن هذه العبارة تَلْيِينٌ، لا والله. انتهى (١).
وقال محمد بن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، توفي سنة أربعين ومائة.
стр. 3524
روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٧ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) المدنيّ، مولى آل عمر، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٥.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَنَ بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، والباقون كوفيّون، سوى عبد بن حميد، فكسّيّ، نسبة إلى "كِسّ" بكسر الكاف، وتشدد السين المهملة، وينطق بها الناس: بالفتح، والشين المعجمة: مدينة بما وراء النهر (١).
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة دون واسطة، كما مرّ قريبًا.
٤ - (ومنها): أن نعيم بن عبد الله يقال له: "الْمُجْمِر" - بضم الميم الأولى، وإسكان الجيم، وكسر الميم الثانية - ويقال: "الْمُجَمِّر" - بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية المكسورة - وقيل له ذلك؛ لأنه كان يُجَمَّر مسجد رسول الله ﷺ أي يُبَخِّره كأبيه، فهو صفة لهما معًا على الصحيح، وذكر النوويّ في "شرحه" (٢) أن وصف عبد الله بذلك حقيقةٌ، ووصف ابنه نعيم به مجازٌ، فتعقّبه في "الفتح" بأنه قد جزم الحربيّ بأن نُعيمًا كان يُباشر ذلك (٣)، والله أعلم.
٥ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نُعَيْمِ) بضم النون، مصغّرًا (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) تقدّم آنفًا أنه
стр. 3525
بصيغة اسم الفاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه يوصف به نعيم وأبوه على الحقيقة (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وفي رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمِر قال: "رَقِيتُ (١) مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ" (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) هذا تفسير وتفصيل لـ"توضّأ" (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أي أكمل غسل وجهه باستيعاب محلّ الفرض، ومجاوزته، وأنقاه بإبلاغ الماء (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ) أي أدخل الغسل فيه، وهو: ما بين المرفق والكتف، قال الفيّوميّ ﵀: فيه خمس لغات: بفتح، فضمّ، وِزانُ رَجُلٍ، وبضمّتين في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، ومثالُ كَبِد، في لغة بني أسد، ومثالُ فَلْسٍ، في لغة بني تميم، وبَكْرٍ، والخامسةُ وزانُ قُفْلٍ، قال أبو زيد: أهل تِهَامة يؤنّثون الْعَضُدَ، وبنو تميم يُذكّرونه، والجمع أَعْضُد، وأَعضَاد، مثلُ أَفْلُس وأَقْفَال. انتهى (٢).
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: أشرع" قال بعضهم: المعروف شَرَع، وقد حُكِي فيه: شَرَع، وأشرع.
ووقع في "مستخرج أبي نعيم" بلفظ "أسبغ" في المواضع الثلاثة (٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حتى أشرع" رباعيّ: أي مدّ يده بالغسل إلى العضد، وكذلك قوله: "حتى أشرع في الساق": أي مدّ يده إليه، من قولهم:
стр. 3526
أشرعت الرُّمْحَ قِبَلَهُ: أي مددته إليه، وسدَّدته نحوَهُ، وأشرعَ بابًا إلى الطريق: أي فتحه مُسَدِّدًا إليه، وليس هذا مِن شَرَعتُ في هذا الأمر، ولا مِن شَرَعَتِ الدوابُّ في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثيّ، وذاك رباعيّ.
قال: وكان أبو هريرة ﵁ يبلُغ بالوضوء إِبطيه، وساقيه، وهذا الفعل منه مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يَحْكه عن النبيّ ﷺ فعلًا، وإنما استنبطه من قوله ﷺ : "أنتم الْغُرُّ الْمُحَجَّلون"، ومن قوله ﷺ : "تبلُغُ حِلْية المؤمن حيثُ يبلغ منه الوضوء"، قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن لا يُتَعدَّى بالوضوء حدوده؛ لقوله ﷺ : "فمن زاد، فقد تعدّى وظلم".
قال: والإشراع المرويّ عن النبيّ ﷺ من حديث أبي هريرة محمول على استيعاب المرفقين، والكعبين بالغسل، وعَبَّر عنه بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما، وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكلّ صلاة وإدامته، فتطول غرّته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه القرطبيّ من نفيه رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ ، وأنه من مذهب أبي هريرة، ولم يحكه عن النبيّ ﷺ عجيبٌ منه، فما الذي حمله على هذا، وقد ثبت في نفس الحديث هذا ما يُبطل زعمه، حيث قال أبو هريرة ﵁: "هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضّأ"، فقد نصّ وصرّح بكونه نقله عنه ﷺ .
وأما قول عياض: والناس مجمعون على خلافه، فدعوى عاطلة من الصحّة؛ إذ سيأتي ما يردّه عن ابن عمر، وبعض السلف.
ومن غريب صنيع القرطبيّ بعد أن نفى نقل أبي هريرة له عن النبيّ ﷺ ، قوله: "والإشراع المرويّ عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ .. إلخ"، أليس هذا من التناقض؟، ثم الأعجب بعد هذا التناقض تأويله الإشراع في العضد والساق بأن المراد استيعاب المرفق والكعب، يعني أنه ليس هناك إشراع حقيقي في العضد، والساق، وإنما هو من باب المبالغة، وأنه ﷺ لم يُجاوز المرفق والكعب، وهذا كلّه عجيب غريبٌ من مثل القرطبيّ.
стр. 3527
والحقّ أن أبا هريرة ﵁ نقل الإشراع المذكور عن النبيّ ﷺ ، كما هو صريح هذا الحديث، وأن الإشراع في العضد والساق مما يُستحبّ في الوضوء، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا قريبًا - إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ) غسل (يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي نسخة: "برأسه" (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ) هو: ما بين الركبة والقدم، وهي مؤنّثة، وتصغيرها: سُوَيقة (١). (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاق، ثُمَّ قَالَ:) وفي نسخة: "ثمّ قال لي" (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ) هذا صريحٌ في كون أبي هريرة ﵁ نقل هذه الكيفيّة في الوضوء من النبيّ ﷺ ، قال الحافظ ﵀: وفيه ردٌّ على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة ﵁، بل من روايته ورأيه معًا. انتهى (٢). (وَقَالَ) أبو هريرة ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ) قال أهل اللغة: "الْغُرَّة" - بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء -: بياضٌ في جبهة الفرس، و"التحجيلُ": بياض في يديها ورجليها، قال العلماء: سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غُرَّةً وتَحْجيلًا؛ تشبيهًا بغُرَّة الفرس (٣)؛ قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ ﵀: أصل "الْغُرّة": لُمْعَةٌ بيضاء تكون في جبهة الفرس، على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغرّ، ثم استُعملت في الجمال والشهرة، وطيب الذكر، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ (٤)
والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد ﷺ .
قال: والتحجيل: وهو بياض يكون في ثلاث قوائم، من قوائم الفرس، وأصله من الْحِجْل - بكسر المهملة - وهو الْخَلْخال، والقيد، ولا بدّ أن يُجاوز التحجيل الأرساغ، ولا يُجاوز الركبتين والْعُرْقُوبين، وهو في الحديث مستعارٌ
стр. 3528
عبارةٌ عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة. انتهى (١).
وقال العينيّ: في الكلام تشبيه بليغٌ، حيث شبّه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرّة الفرس، وتحجيله، ويجوز أن يكون كنايةً، بأن يكون كنى بالغرّة عن نور الوجه. انتهى.
وقال الأبيّ: إن الغرّة والتحجيل كناية عن إنارة كلّ الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء. انتهى.
وفيه نظر لا يخفى؛ إذ الترغيب في إطالة الغرّة والتحجيل ليزداد النور، ولو كان كما قال الأبيّ لما كان للإطالة فائدة (٢)، والله تعالى أعلم.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف تنازعه كلّ من "الغرّ"، و"المحجّلون"، أو متعلّق بخبر متبدأ محذوف، أي ذلك كائن يوم القيامة.
قال ابن الملقّن ﵀: "يوم" من الأسماء الشّاذّة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علّة، فهو من باب "ويل"، و"ويح"، و"القيامة": فِعَالة، مِن قام يقوم، أصله القِوَامة، فقُلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها. انتهى (٣).
(مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ) متعلّق بخبر مبتدأ محذوف أيضًا، أي ذلك كائن من أجل إسباغ الوضوء، وهو: بضمّ الواو؛ لأن المراد الفعل، ويجوز فتحه أيضًا، وفي الرواية الآتية: "من آثار الوضوء"، قال ابن دقيق العيد ﵀: "الوضوء" بالضمِّ، ويجوز أن يقال بالفتح: أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغُرّة والتحجيل نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَبَ إلى كلّ منهما. انتهى (٤).
وحاصل ما أشار إليه ﵀ أن الضمّ والفتح صحيحان؛ لأن الغرّة والتحجيل نشآ من الفعل، ومن الماء أيضًا، فجاز نسبتهما إليهما، والله تعالى أعلم.
(فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ) مفعول "استطاع" محذوف، أي من استطاع إطالة
стр. 3529
غرّته، وتحجيله، فليُطل، والمراد بإطالة التحجيل إطالة سبب التحجيل، وذلك بإطالة الغسل بالشروع في العضد والساق، وكذا إطالة الغرّة تتحقّق بالتوسّع في الغسل طولًا بالشروع في منابت الشعر، وصفحة العنق، وعرضًا بشحمة الأذنين، ولما كان الكلّ غالبًا يستطيع ذلك كان الغرض من التعبير الحثّ على الإطالة، أي فاطلبوا الغرّة والتحجيل، وليس المقصود التعليق على الاستطاعة، أفاده بعض المحققين (١).
(فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ) هكذا صرّح في رواية المصنّف بذكر التحجيل مع الغرّة، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "فمن استطاع منكم أن يُطِيل غُرَّته فليفعل"، ولذا قال في "الفتح": أي فليُطِل الغرة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، واقتصر على ذكر الغُرّة، وهي مؤنثة، دون التحجيل، وهو مذكر، لأن مَحَلّ الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم من طريق عُمَارة بن غَزِيّة ذكر الأمرين، ولفظه: "فليطل غرته وتحجيله".
وقال ابن بطال ﵀: كَنَى أبو هريرة ﵁ بالغُرّة عن التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله.
وتعقّبه الحافظ، فقال: فيما قال نظر، لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلًا، ونقل الرافعيّ عن بعضهم أن الغرة تُطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل.
[تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن قوله: "فمن استطاع .. إلخ" بقية الحديث، وهو ظاهر مذهب الشيخين، حيث ساقاه مساقًا واحدًا، دون إشارة إلى الإدراج، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
стр. 3530
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "الطهارة" [١٢/ ٥٨٥ و ٥٨٦] (٢٤٦)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٣٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣٦٢ و ٤٠٠ و ٥٢٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٦٠٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٥٧٧ و ٥٧٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٤٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، كما بيّنّاه آنفًا، وهو ظاهر في أن قوله: "فمن استطاع منكم، فليُطل غرّته" مرفوع من جملة الحديث، ومن الغريب أن بعض العلماء (١) ادّعَى كونه مُدرجًا من كلام أبي هريرة، ولم يأتوا ببيّنة واضحة يُرَدّ بها صنيعُ الشيخين.
ومن الغريب استدلالهم بما رواه أحمد من طريق فُلَيح، عن نعيم بن عبد الله، وفي آخره: قال نعيم: لا أدري قوله: "من استطاع .. إلخ" من قول النبيّ ﷺ ، أو من قول أبي هريرة ﵁. قال الحافظ ﵀: ولم أَرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن رَوَى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة (٢)، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله تعالى أعلم. انتهى (٣).
والغريب كيف يستدلّون برواية فُلَيح بن سليمان - وهو وإن أخرج له الشيخان، إلا أن الأكثرين على تضعيفه - على ردّ رواية عُمارة بن غزيّة، وسعيد بن أبي هلال، وهما أوثق منه بكثير، وكلاهما روياه من دون ترّدد وشكّ، فروايتهما مقدّمة من دون شكّ، كما هو صنيع الشيخين.
وأغرب من ذلك أن بعضهم ذكر تقويةً لرواية فُليح هذه رواية ليث بن أبي
стр. 3531
سُليم، عن كعب، عن أبي هريرة (١)، وفيه هذه الجملة، ومعلوم أن ليثًا متروك الحديث، لا يصلح في المتابعة، ولا في الشواهد، فكيف يردّ رواية الثقات بمثله؟! هيهات هيهات.
والحاصل أن اتّفاق صنيع الشيخين مقدّم على كلّ من أعلّ الحديث، فهو مرفوعٌ كلّه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن منده ﵀ في "مستخرجه": حديث "أمتي الغرّ المحجّلون من آثار الوضوء" رواه مع أبي هريرة من الصحابة ابنُ مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وأبو ذرّ الغفاريّ، وعبد الله بن بُسْر المازنيّ، وحُذيفة بن اليمان ﵃. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: فجملتهم ثمانية، ويزاد فيهم أبو الدرداء ﵁، أو أبو ذرّ بالشكّ، كما أخرج الإمام أحمد حديثه في "مسنده" (٣)، بإسناد فيه ابن لَهِيعة، والله تعالى أعلم.
стр. 3532
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إطالة الْغُرّة والتحجيل في الوضوء، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه، وإسباغه.
٣ - (ومنها): بيان فضل الوضوء؛ لأن الفضل الحاصل بالْغُرّة والتحجيل من آتار الزيادة على الواجب، فكيف الظنّ بالواجب، وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة، أخرجها المصنّف وغيره، وقد سبق بيانها.
٤ - (ومنها): بيان ما أعدّ الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
٥ - (ومنها): بيان أن الواجب في الرجلين الغسل، لا المسح.
٦ - (ومنها): بيان جواز الوضوء على ظهر المسجد؛ لقول نعيم في رواية البخاريّ: "رَقِيتُ مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ"، وهذا مشروط بما إذا لم يحصل منه أذى للمسجد، أو لمن فيه، وإلا لا يجوز؛ لحديث: "لا ضرر، ولا ضِرَار" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تطويل الغرّة والتحجيل:
(اعلم): أنهم اختَلَفوا في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ روايةً ورأيًا، وعن ابن عمر من فعله، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد بإسناد حسن.
وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق.
وقيل: إلى فوق ذلك.
وقال ابن بطال، وطائفة من المالكية: لا تُستحب الزيادة على الكعب والمرفق؛ لقوله ﷺ : "من زاد على هذا، فقد أساء وظلم".
قال الحافظ ﵀: وكلامهم مُعْتَرَضٌ من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تُعارَض بالاحتمال.
стр. 3533
وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرَّح باستحبابه جماعة من السلف، وأكثر الشافعية والحنفية، وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء، فمعترَضٌ بأن الراوي أدرى بمعنى ما رَوَى، كيف وقد صَرَّح برفعه إلى الشارع ﷺ . انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": (اعلم): أن هذه الأحاديث مُصرِّحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغُرَّة فقال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: هو غَسْل شيء من مُقَدَّم الرأس، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل، فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحبّ بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في قدر المستحبّ على أوجه:
[أحدها]: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت.
[والثاني]: يستحب إلى نصف العضد والساق.
[والثالث]: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله، وأما دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكيّ، والقاضي عياض، اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصحّ دعواهما، وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأبي هريرة ﵁؟ وهو مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مخالفٌ كان محجوجًا بهذه السنن الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله ﷺ : "من زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم"، فلا يصحّ؛ لأن المراد مَن زاد في عدد المرات، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ استحباب إطالة الغرّة والتحجيل بمجاوزة محل الفرض، فيغسل شيئًا من مقدّم رأسه، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله، وفي التحجيل يغسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا هو الذي عليه ظاهر النصّ، وبيّنه الراوي أبو
стр. 3534
هريرة ﵁ بفعله، فمن خالف هذا، وقال بعدم مشروعيّة مجاوزة محلّ الفرض، فقد أساء وظلم، أساء في فهم المراد، وظلم السنّة حيث أوّلها على خلاف ما تقتضيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه استَدَلَّ الْحَلِيميّ ﵀ بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، جزم به في "منهاجه".
وتعقّبه الحافظ ﵀ في "الفتح" بأنه ثبت في "صحيح البخاريّ" في قصة سارة ﵁ مع الملك الذي أعطاها هاجر، أنّ سارة لَمّا هَمّ الْمَلِك بالدنوّ منها قامت تتوضأ وتصلي (١)، وفي قصة جُريج الراهب عند البخاريّ أيضًا أنه قام، فتوضأ، وصلَّى، ثم كَلَّم الغلام (٢)، فالظاهر أن الذي اختَصَّت به هذه الأمة هو
стр. 3535
الغُرّة والتحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، عن أبي هريرة ﵁ أيضًا مرفوعًا قال: "سِيمَا ليست لأحد غيرِكُم"، وله من حديث حُذيفة ﵁ نحوه، و"سِيما" - بكسر المهملة، وإسكان الياء الأخيرة - أي علامة.
وقد اعتَرَض بعضهم على الْحَلِيميّ بحديث: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي"، وهو حديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء، دون أُممهم إلا هذه الأمة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني يُبعده ما تقدّم من قصّة سارة، وجُريج، فالصواب الردّ بضعف الحديث.
والحاصل أن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خصّها الله تعالى على سائر الأمم بالغرّة والتحجيل؛ زيادة في رفعة درجتها؛ لرفعة درجة نبيّها ﷺ ، فإن الله تعالى خصّه بفضله العظيم، كما قال : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي (٢) ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهَ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْن، ثُمَّ غَسَلَ
стр. 3536
رِجْلَيْه، حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْن، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بن سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) السّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضل [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، أو نشأ بها، صدوقٌ [٦] (ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ) "المنكب" - بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة -: مُجتمع رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط.
وقوله: (حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ) مفعول "رَفَعَ" محذوف: أي حتى الغسلَ إلى الساقين، والغاية داخلة؛ لأنه كان يَشرَع في الساق.
وقوله: (إِنَّ أُمَّتِي) "الأمة" في اللغة: الجماعة، وكلُّ جنس من الحيوان أمةٌ، ومن معانيها اللغويّة الحِينُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وأمة محمد ﷺ تُطلق على معنيين: أمة الدعوة، وهي من بُعِثَ إليهم، وأمة الإجابة، وهي من آمن به، وصدّقه، وهذه هي المرادة هنا، وإتيانهم من الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الآتية (١).
وقال العلّامة ابن الملقّن ﵀: جاءت "الأمة" على ثمانية أوجه"، ذكرها العزيزيّ ﵀:
стр. 3537
١ - "أمة": جماعة، كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣].
٢ - و"أمة": أتباع الأنبياء ﵈، كما نقول: نحن أمة محمد ﷺ .
٣ - و"أمة": رجل جامعٌ للخير يُقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].
٤ - و"أمة": دينٌ وملّةٌ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢].
٥ - و"أمة": حينٌ وزمان، كقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨].
٦ - و"أمة": قامةٌ، يقال: فلان حسنُ الأمة: أي القامة.
٧ - و"أمة": رجل منفرد بدين لا يَشرَكه فيه أحدٌ، قال ﷺ : "يُبعث زيد بن عمرو بن نُفيل أمة وحده" (١).
٨ - و"أمة": أمّ، يقال: أمةُ زيد.
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المعاني الثمانية لـ"الأُمّة"، فقلت:
وَمَعْنَى أُمَّةٍ أَتَى ثَمَانِيَهْ … فَمَنْ يُرِدْ يَسْمَعْ بِأُذْنٍ وَاعِيَهْ
جَمَاعَةٌ كَذَاكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلْ … وَرَجُلٌ جَامِعُ خَيْرٍ قَدْ نَبُلْ
وَمِلَّةٌ حِيْنٌ وَقَامَةٌ وَمَنْ … بِدِنِهِ انْفَرَدَ بِالأُمِّ اخْتِمَنْ
والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد ﷺ المؤمنون خاصّةً، هذا هو الحقّ، وقد يُطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلًا إلى الناس أجمعين. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (٢).
وقوله: (يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية البخاريّ: "يُدْعَون" بضم أوله: أي يُنَادَون، أو يُسَمَّوْن.
стр. 3538
وقوله: (غُرًّا) - بضم المعجمة، وتشديد الراء - جمع أَغَرّ، أي ذَوِي غُرّة، ونُصِب على الحال من الواو في "يأتون"، وأما على رواية البخاريّ: فيكون منصوبًا على أنه مفعول ثانٍ لـ"يُدْعَون" بمعنى يُسمّون، أو يكون حالًا من الضمير في "يُدعون"، يعني أنهم إذا دُعُوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
وقوله: (مُحَجَّلِينَ) يحتمل الإعرابين السابقين، وهو بالحاء المهملة والجيم، اسم مفعول، من التحجيل، وقد سبق تفسير الغرّة والتحجيل في الحديث الماضي.
وقوله: (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ) "من" تعليليّة، أي لأجل أثر الوضوء.
وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) أي فليُطل الغرّة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، واقتصر على ذكر الْغُرّة، وهي مؤنّثة، دون التحجيل، وهو مذكّر؛ لأن محلّ الْغُرّة أشرف أعضاء الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في الرواية السابقة من طريق عُمارة بن غزيّة ذكر الأمرين معًا، حيث قال: "فليُطِل غُرّته وتحجيله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٥٨٧] (٢٤٧) - (حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ، سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْج، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَن، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُوم، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا (١) لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ").
стр. 3539
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثَانيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ثقة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الْفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكّة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يُدلِّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٤ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) الكوفيّ، ثقة [٤] (ت في حدود ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
[تنبيه]: "الأشجعيّ" - بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم -: نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، قبيلة مشهورة (١).
٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال ابن أبي عمر: حدّثنا مروان"، فيه بيان اختلاف شيخيه في صيغة الأداء، فصرّح ابن أبي عمر بالتحديث، فبيّنه، وقد تقدّم ذلك غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من مروان غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ حَوْضِي" قال ابن
стр. 3540
منظور ﵀: "الْحَوْضُ": مُجْتَمَعُ الماء معروفٌ، والجمع أَحْوَاض، وحِيَاض. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: حَوْضُ الماء جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصلُ حِيَاض: الواو، لكن قُلِبت ياءً؛ لكسرة ما قبلها، مثلُ ثَوْبٍ وأَثْوَابٍ، وثِيَاب. انتهى (٢). (أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ) أي من بعد أَيْلَة من عدن، و"أَيْلة" - بفتح الهمزة، وسكون التحتانيّة -: بلدٌ بساحل بحر الْقلزم مما يلي ديار مصر (٣).
وقال بعضهم: "أيلة" مدينة كانت عامرةً بطرف الشام، كان يمُرّ بها الحاجّ من مصر، فتكون شَمَالهم، ويمرّ بها الحاجّ من غَزَّة، فتكون أمامهم، أقرب ما تكون إلى ما يُسمّى اليوم بالعقبة. انتهى.
و"عَدَن" - بفتحتين -: بلد باليمن مشتقٌّ من عدن من باب ضرب، وقعد: إذا أقام، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ أَبْيَن، قاله في "المصباح" (٤)، وذكر بعضهم: أنها مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر. انتهى.
قال الأبيّ ﵀: قوله: "أبعد من أيلة من عدن" أي بعد ما بين طرفيه، قال: ولم يُبيّن هل ذلك طولٌ أم عرضٌ؟ لكن جاء في حديث آخر: "أن زواياه سواء"، وقام البرهان على أن تساوي الزوايا ملزوم لتساوي الأضلاع، فهو مربّع؛ لتساوي الأضلاع. انتهى (٥).
[تنبيه]: هكذا جاء في هذه الرواية تحديد طرفي الحوض ببعد أيلة من عدن، وفي رواية البخاريّ: "إن قدر حوضي كما بين أيلة، وصنعاء من اليمن"، وفيه: "حوضه ما بين صنعاء والمدينة"، وعند أحمد: "كما بين أيلة إلى الجحفة"، وفي لفظ: "ما بين مكّة و، عمان"، وفي رواية: "كما بين مكّة إلى أيلة"، وعند ابن ماجه: "ما بين الكعبة إلى بيت المقدس"، وجاء غير ذلك.
وقد جمع العلماء بين هذه الاختلافات، وأقرب الأقوال في ذلك أن المقصود به ضرب المثل لبعد أقطار الحوض وسَعَته، لا تحديد المسافة،